Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة هود: الآيات ٤١ - ٤٤
﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتْ بِيَمِنِهِ،
سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] ﴿بِسْمِ اللَّهِي ◌َجْرِهَا وَمُرْسَهَاْ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ
١).
وفي هذه الآية دليلٌ على ذكر البسملة عند ابتداء كلِّ فعلٍ، على ما بيَّنَّاه في
البسملة(٢)، والحمد له. ﴿إِنَّ رَبِّ لَغَفُورٌ رَّحِمْ﴾ أي: لأهل السفينة.
ورُوي عن ابن عباس قال: لمَّا كثُرت الأَزواتُ والأقذار أوحى الله إلى نوح:
اغمِزْ ذَنَب الفيل، فوقع منه خنزيرٌ وخنزيرةٌ، فأقبلا على الرَّوث، فقال نوح: لو
غمزتُ ذنبَ هذا الخنزير! ففعل، فخرج منه فأرٌ وفأرة، فلمَّا وقعا أقبلا على السفينة
وحبالِها تقرضها، وتقرِضُ الأمتعةَ والأزواد، حتى خافوا على حبال السفينة، فأوحى
الله إلى نوحٍ أن امسح جبهةَ الأسد، فمسحها، فخرج منها سِنَّورانِ فأكلا الفِتْرة(٣).
ولمَّا حَمل الأسدَ في السفينة قال: يا ربِّ من أين أُطعمُه؟ قال: سوف أَشغلُه،
فأخذَتْه الحُمَّى، فهو الدهرَ محمومٌ(٤).
قال ابن عباس(٥): وأوَّل ما حمل نوحٌ من البهائم في الفلك حَملَ الإوزّةَ(٦)،
وآخِرُ ما حملَ حملَ الحمارَ، قال: وتعلَّق إبليسُ بذنبه، ويداه قد دخلَتَا في السفينة،
(١) أخرجه أبو يعلى (٦٧٨١)، وابن السُّنِّي في عمل اليوم والليلة (٥٠٠) وابن عدي ٢٦٥٥/٧ - ٢٦٥٦،
وفي إسناده يحيى بن العلاء الرازي، قال أحمد: كذاب يضع الحديث. وقال الدارقطني: متروك.
وضعفه ابن معين وجماعة. الميزان ٣٩٧/٤، وينظر فيض القدير ٢/ ١٨٢.
(٢) ١ / ١٥١ .
(٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦ و٤٠٠، وذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص ٦٠، وقد سلفت
قطعة منه ص١١١ من هذا الجزء. وهذا الخبر وما بعده من الأخبار الإسرائيلية التي لا أساس لها.
(٤) بنحوه في تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٣٠ - ٢٠٣١ (١٠٨٦٩) و(١٠٨٧٠) و(١٠٨٧١)، وعرائس
المجالس ص٥٨ .
(٥) أخرجه الطبري ٣٩٨/١٢، وذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص٥٨، والبغوي ٣٨٤/٢ .
(٦) كذا في النسخ، وعند الطبري والبغوي: الدُّرة، وهي الببغاء. حياة الحيوان للدميري ٣٣٦/١ . وفي
عرائس المجالس: الذَّرَّة، وهي مفرد الذَّر: وهو النمل الأحمر الصغير. حياة الحيوان ٣٥٦/١.

١٢٢
سورة هود: الآيات ٤١ - ٤٤
ورجلاه خارجةٌ بعدُ، فجعل الحمارُ يَضطربُ ولا يستطيع أن يدخلَ، فصاح به نوح:
ادخل ويلك! فجعل يضطرب، فقال: ادخلْ ويلَك! وإن كان معك الشيطانُ؛ كلمةٌ
زلَّتْ على لسانه، فدخل، ووثَب الشيطانُ فدخل. ثم إن نوحاً رآه يغنِّي(١) في السفينة،
فقال له: يا لعينُ، ما أَدْخَلَكَ بيتي؟! قال: أنتَ أَذِنْتَ لي، فذكّر له، فقال له: قم
فاخرجْ. قال: ما لكَ بدَّ في أن تحملني معك، فكان فيما يزعمون في ظهر الفُلْك.
وكان مع نوح عليه السلام خَرَزتانِ مضيئتان، واحدةٌ مكانَ الشمس، والأخرى
مكانَ القمر. ابن عباس: إحداهما بيضاءُ كبياض النهار، والأخرى سوداءُ كسواد
الليل، فكان يعرفُ بهما مواقيتَ الصلاة، فإذا أمسَوْا غَلَبَ سوادُ هذه بياضَ هذه،
وإذا أصبحوا غلب بياضُ هذه سوادَ هذه، على قَدْرِ الساعات(٢).
قوله تعالى: ﴿وَهِىَ تَْرِى بِهِمْ فِىِ مَوْعِ كَلْجِبَالِ﴾ الموجُ جمع موجةٍ، وهي ما
ارتفع من جملة الماء الكثيرِ عند اشتداد الريح. والكاف للتشبيه، وهي في موضعٍ
خفضٍ نعتٍ للموج. وجاء في التفسير أنَّ الماء جاوز كلَّ شيء بخمسةَ عشرَ ذراعاً (٣).
﴿وَنَادَى نُوُّ أَبْنَهُ﴾ قيل: كان كافراً واسمُه كنعانُ. وقيل: يام(٤). ويجوز على قول
سيبويه: ((ونادى نوحُ ابنَه)) بحذف الواو من ((ابنه)) في اللفظ (٥)، وأنشد:
لَهُ زَجَلٌ كَأَنَّهُ صوتُ حادٍ (٦)
(١) في (د) و(ز): يتغنى، وفي (ظ): يتعشى.
(٢) تاريخ ابن عساكر ٢٦٢/٦٢ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٥٣/٣، وذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص٥٩ عن ابن عباس: أن الماء
ارتفع على أعلى جبل في الأرض خمسة عشر ذراعاً.
(٤) النكت والعيون ٤٧٦/٢، وزاد المسير ١٠٩/٤، ومجمع البيان ١٥٨/١١.
(٥) أي: بالضم والاختلاس من غير إشباع، وهي قراءة أبي جعفر محمد بن علي كما في القراءات الشاذة
ص٦٠، ونقل المصنف كلام سيبويه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٨٤/٢ .
(٦) صدر بيت للشماخ، وعجزه: إذا طلب الوسيقةَ أو زَميرُ، وهو في ديوانه ١٥٥، والكتاب ٣٠/١،
وسلف ١/ ٤٨٥ . قال الشنتمري في شرح الشواهد ص٦٤: أراد: كأنهو، فحذف الواو ضرورة.

١٢٣
سورة هود: الآيات ٤١ - ٤٤
فأمَّا: ((ونَادَى نُوحٌ ابْنَهَ وكان)) فقراءةٌ شاذَّة، وهي مَرْوِيَّةٌ عن عليّ بنِ أبي طالب
كرم الله وجهَه، وعروةَ بنِ الزبير(١). وزعم أبو حاتم أنها تجوز على أنه يريدُ: ((ابنها)»
فحذفَ الألفَ كما تقول: ((ابنه)) فتحذفُ الواو. وقال النحاس(٢): وهذا الذي قاله أبو
حاتم لا يجوز على مذهبٍ سيبويه؛ لأنَّ الألفَ خفيفةٌ فلا يجوز حذفُها، والواوَ ثقيلةٌ
يجوز حذفها.
﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ أي: من دِين أبيه. وقيل: عن السفينة(٣). وقيل: إنَّ نوحاً
لم يعلم أنَّ ابنه كان كافراً، وأنه ظنَّ أنه مؤمنٌ؛ ولذلك قال له: ﴿وَلَا تَكُن مَعَ
اٌلْكَفِينَ﴾ وسيأتي(٤). وكان هذا النداء من قبل أن يستيقنَ القومُ الغرقَ، وقبلَ رؤية
اليأسِ، بل كان في أوَّل ما فار التُّور، وظهَرَت العلامةُ لنوح.
وقرأ عاصم: ﴿يَبُنَّ أَرْكَب مَّعَنَا﴾ بفتح الياء، والباقون بكسرها(٥). وأصل ((يا
بنيَّ)) أن تكون بثلاث ياءات: ياءِ التصغير، وياءِ الفعل(٦)، وياءِ الإضافة، فأُدغمت ياءُ
التصغير في لام الفعل، وكُسرت لامُ الفعلِ من أجل ياء الإضافة، وحذفت ياءُ الإِضافة
لوقوعها موقعَ التنوين، أو لسكونها وسكونِ الراء في هذا الموضع. هذا أضْلُ قراءةٍ
مَن كَسَر الياء. وهو أيضاً أصلُ قراءة مَنْ فتح؛ لأنه قلَبَ ياءَ الإضافة أَلِفاً لخفَّةِ الألف،
ثم حذَفَ الألفَ لكونها عِوَضاً من حرفٍ يُحذَف، أو لسكونها وسكونِ الراء(٧).
(١) ذكرها عن علي ﴾ وعروة الطبرسي في مجمع البيان ١١/ ١٥١، وأبو حيان في البحر ٢٢٦/٥، وهي
في الكشاف ٢/ ٢٧٠، والمحرر الوجيز ١٧٣/٣، وتفسير الرازي ٢٣١/١٧ عن عروة وجعفر بن
محمد. وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٦٠ عن هشام بن عروة. وسيأتي عن علي قراءة:
(ابنها)) بفتح الهاء وألف.
(٢) في إعراب القرآن ٢/ ٢٨٤، وما قبله منه.
(٣) معاني القرآن للزجاج ٥٤/٣، وقال الزجاج عن القول الثاني: وهو أشبه.
(٤) ص١٣٣ من هذا الجزء.
(٥) السبعة ص٣٣٤، والتيسير ص١٢٤ .
(٦) وهي لامُه؛ لأن أصل ((ابن)): بنى، على فَعَلَ. ينظر الكشف عن وجوه القراءات ٥٢٩/١ .
(٧) ينظر الكشف عن وجوه القراءات ٥٢٩/١ - ٥٣٠، ومشكل إعراب القرآن ٣٦٥/١، والمحرر الوجيز
١٧٤/٣ .

١٢٤
سورة هود: الآيات ٤١ - ٤٤
قال النحاس(١): أمَّا قراءةُ عاصم فمشْكِلَةٌ. قال أبو حاتم: يريد: يا بُنَيَّاه، ثم
يَحذِف(٢)؛ قال النحاس: رأيتُ عليَّ بنَ سليمانَ يذهب إلى أنَّ هذا لا يجوز؛ لأن
الألفَ خفيفةٌ. قال أبو جعفر النحاس: ما علمتُ أنَّ أحداً من النَّحْويين جوَّزَ الكلامَ
في هذا إلا أبا إسحاق(٣)؛ فإنه زعَمَ أنَّ الفتح من جهتين، والكسرَ من جهتين؛ فالفتحُ
على أنه يبدلُ من الياء ألفاً، قال الله عزَّ وجلَّ إخباراً: ﴿يَوَيِلَ﴾ [الفرقان: ٢٨] وكما
قال الشاعر:
فيا عجبًا مِن رَحْلها المتحمَّلِ(٤)
فيريد: يا بنيًّا، ثم حذَفَ الألفَ لالتقاء الساكنين، كما تقول: جاءني عبدَ(٥) الله
في التثنية. والجهة الأخرى أن تَحذفَ الألف؛ لأن النداءَ موضعُ حذفٍ. والكسرُ على
أن تحذفَ الياء للنداء. والجهةُ الأخرى على أن تحذفها لالتقاء الساكنين.
قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَاوِىٌ﴾ أي: أرجعُ وأنضمُ ﴿إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِ﴾ أي: يمنعني
﴿مِنَ الْمَآءِ﴾ فلا أغرق ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ﴾ أي: لا مانعَ؛ فإنه يومٌ حقَّ فيه
العذابُ على الكفار. وانتصب ((عاصم)) على التبرئة(٦). ويجوزُ: ((لا عاصمٌ اليوم))
تکون ((لا)) بمعنی ((لیس)»(٧).
﴿إِلَّا مَنْ رَّحِمَّ﴾ في موضعِ نصبٍ استثناءٍ ليس من الأوَّل؛ أي: لكنْ مَن رحمَه
اللهُ فهو يعصمه؛ قاله الزجَّاج(٨). ويجوزُ أن يكون في موضع رفع، على أنَّ عاصماً
(١) في إعراب القرآن ٢٨٤/٢ .
(٢) في إعراب القرآن للنحاس: ثم حذف.
(٣) هو الزجاج وينظر معاني القرآن له ٥٤/٣ .
(٤) وصدره: ويوم عقرتُ العذارى مطيتي، وقائله امرؤ القيس، وهو في ديوانه ١١، وسلف ٣٥٨/٨.
(٥) في (م): عبدا.
(٦) أي: النافية للجنس. ينظر أمالي ابن الشجري ٥٢٧/٢ - ٥٣٠.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٥/٢، وجواز تنوين الرفع، يعني في اللغة، لا في القراءة.
(٨) في معاني القرآن ٢/ ٥٤ .

١٢٥
سورة هود: الآيات ٤١ - ٤٤
بمعنى معصوم، مثلُ: ﴿قَّلَوْ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أي: مدفوق(١)، فالاستثناء على هذا
متَّصِل؛ قال الشاعر:
مِ أَمْسَى فؤادِي بهِ فَاتِنَا(٢)
بطيءُ القيامِ رخيمُ الكلا
أي: مفتوناً. وقال آخر:
واقعدْ فإنَّك أنتَ الطاعمُ الكّاسِي (٣)
دَعِ المکارِمَ لا تَنھضْ لبغيتها
أي: المَطْعومُ المَکْسوّ.
قال النحاس(٤): ومن أحسنٍ ما قيل فيه أن تكون (مَن)) في موضع رفع؛ بمعنى:
لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحِمُ، أي: إلا الله - وهذا اختيارُ الطَّبَريّ(٥) -
ويَحسُنُ هذا لأنك لم تجعلْ عاصماً بمعنى معصوم فتخرجه من بابه، ولا ((إلَّا)) بمعنى
((لكن)).
﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا أَلْمَوْجُ﴾ يعني بين نوحٍ وابنه ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُفْرَقِينَ﴾ قيل: إنه كان راكباً
على فرسٍ قد بَطِرَ بنفسه، وأُعجب بها، فلما رأى الماءَ جاء قال: يا أبت، فار
التنُّور! فقال له أبوه: ﴿يَبُنَّ أَرْكَب مَّعَنَا﴾ فما استَتَمَّ المراجعةَ حتى جاءت مَوْجةٌ
عظيمةٌ فالتقمَتْه هو وفرسه، وحِیلَ بینه وبین نوح فغرق.
وقيل: إنه اتخذ لنفسه بيتاً من زجاج يتحصّنُ فيه من الماء، فلما فار التثُّور دخل
فيه وأقفله عليه من داخلٍ، فلم يزل يتغوَّط فيه ويبولُ حتى غرق بذلك(٦).
وقيل: إنَّ الجبل الذي آوى إليه ((طورُ زيتا))(٧).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٥/٢ .
(٢) الصحاح واللسان (فتن) برواية رخيم الكلام قطيع القيام ...
(٣) قائله الحطيئة، وهو في ديوانه ص٢٨٤ برواية: لا ترحل لبغيتها.
(٤) في إعراب القرآن ٢٨٥/٢ .
(٥) في تفسيره ٤١٨/٢ .
(٦) لطائف الإشارات ١٣٩/٢.
(٧) في (م): طور سينا، والمثبت من النسخ الخطية والنكت والعيون ٤٧٣/٢، والكلام منه. وطور زيتا
علم مرتجل لجبل بقرب رأس عين عند قنطرة الخابور. معجم البلدان ٤/ ٤٧ - ٤٨ .

١٢٦
سورة هود: الآيات ٤١ - ٤٤
قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ بََّأَرْضُ أَبْلَمِى مَآءَكٍ وَسَمَاءٍ أَقْلِ﴾ هذا مجازٌ لأنها مَوَات.
وقيل: جعل فيها ما تُميِّز به. والذي قال: إنه مجاز، قال: لو فُتِّش كلامُ العرب
والعجم ما وُجدَ فيه مثلُ هذه الآية على حسن نَظْمِها، وبلاغةِ وصْفِها، واشتمالٍ
المعاني فيها(١).
وفي الأثر: إنَّ الله تعالى لا يُخلي الأرضَ من مطر في عام أو عامين(٢)، وإنه ما
نزل من السماء ماءٌ قظُ إلا بحفظِ مَلَكِ موَّل به، إلا ما كان من ماء الظُّوفان؛ فإنه
خرج منه ما لا يحفظُه الملَك. وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا ◌َاَ آلْمَآءُ حَمَلْنَّكُمْ فِي الْمَرِيَةِ﴾
[الحاقة: ١١].
فجرت بهم السَّفينةُ إلى أنْ تناهى الأمر، فأمَرَ الله الماءَ المنهمِرَ من السماء
بالإمساك، وأمر اللهُ الأرضَ بالابتلاع. يقال: بلَع الماءَ يبلَعه؛ مثل: مَنَع يمنَع، وبَلِع
يبلَع؛ مثل: حمِد يحمَد، لغتانٍ حكاهما الكسائيُّ والفرَّاء(٣). والبالُوعةُ: الموضعُ
الذي يشرَبُ الماء(٤).
قال ابن العربي: (٥) التقى الماءان على أمرٍ قد قُدِر، ما كان في الأرض وما نزل
من السماء، فأمر الله ما نزل من السماء بالإقلاع، فلم تمتصَّ الأرضُ منه قَطْرةَ، وأَمَر
الأرضَ بابتلاع ما خرج منها فقط. وذلك قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَكَأَرْضُ الْكَمِى مَآءَكِ
وَبَسَمَهُ أَقْلِ وَفِيضَ الْمَآَمُ﴾.
وقيل: ميَّز الله بين الماءين، فما كان من ماء الأرض أَمَرها فبلَعته، وصار ماءُ
السماء بحاراً.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٦/٢ .
(٢) وقع في مطبوع أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٠٠ (والكلام منه): في عامر أو غامر.
(٣) ينظر معاني القرآن للفراء ١٧/٢، وتفسير الطبري ٤١٩/١٢، وإعراب القرآن للنحاس ٢٨٦/٢.
وتهذيب اللغة ٤١١/٢ .
(٤) ينظر تهذيب اللغة ٢/ ٤١١ - ٤١٢، ومقاييس اللغة ٣٠١/١.
(٥) في أحكام القرآن ١٣٠٠/٣ - ١٣٠١.

١٢٧
سورة هود: الآيات ٤١ - ٤٤
قوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَآءُ﴾ أي: نَقَصَ؛ يقال: غاض الشيءُ، وغِضتُه أنا، كما
يقال: نَقَص بنفسه ونَقَصه غيرُه، ويجوز: ((غُيض)) بضم الغين(١). ﴿وَقُضِىَ الْأَمْرَّ﴾
أي: أُحكمَ وفُرِغ منه؛ يعني: أهلك قوم نوح على تمامٍ وإحكام.
ويقال: إنَّ الله تعالى أَعقمَ أرحامَهم، أي: أرحامَ نسائهم قبل الغرق بأربعين
سنةً، فلم يكن فيمَن هَلَكَ صغير(٢). والصحيحُ أنه أهلك الولدانَ بِالظُّوفان، كما
هلكت الطير والسباع، ولم يكن الغرقُ عقوبةً للصبيان والبهائم والطير، بل ماتوا
بآجالهم(٣).
وحُكي أنه لمَّا كَثُر الماءُ في السّكك خشيتْ أمُّ صبيٍّ عليه، وكانت تحبُّه حبًّا
شديداً، فخرجتْ به إلى الجبل حتى بلغتْ تُلُثَه، فلمَّا بلَغها الماءُ خرجتْ حتى بلغتْ
ثُلُثَيه، فلمَّا بلغها الماءُ استوت على الجبل، فلمَّا بلَغ الماءُ رقبتَها رفعتْ يديها بابنها
حتى ذهب بها الماء، فلو رَحِم الله منهم أحداً لرحم أمَّ الصبي(٤).
قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْرِ الَّذِينَ﴾ أي: هلاكاً لهم.
الُجُوديُّ: جبلٌ بقرب الْمَوْصِل(٥)، استوتْ عليه في العاشر من المحرَّم يومَ عاشوراءَ،
فصامه نوح وأمر جميعَ مَن معه من الناس والوحش والطير والدوابِ وغيرِها فصاموه
شكراً لله تعالى، وقد تقدَّم هذا المعنى(٦). وقيل: كان ذلك يومَ الجمعة.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٦/٢، وقرأ الكسائي وهشام: ((قيل)) و((غيض)) و((جيء)) بإشمام الضم لأول
ذلك حيث وقع، والباقون بإخلاص كسره. التيسير ص٧٢ ، وينظر السبعة ص١٤١ - ١٤٢ .
(٢) تاريخ ابن عساكر ٢٤٩/٦٢، وينظر تفسير الطبري ٣٩٦/١٢ - ٣٩٨.
(٣) أخرجه الطبري ٤٢٤/١٢ - ٤٢٥ عن الضحاك.
(٤) تفسير البغوي ٣٨٥/٢، وهذه قطعة من حديث أخرجه الطبري ٣٩٤/١٢، والخاكم ٣٤٢/٢ عن
عائشة رضي الله عنها. وفي إسناده: موسى بن يعقوب. قال الذهبي في التلخيص: إسناده مظلم،
وموسی لیس بذاك.
(٥) قال ياقوت في معجم البلدان ١٧٩/٢: هو جبل مطل على جزيرة ابن عمر في الجانب الشرقي من
دجلة، من أعمال الموصل.
(٦) ص١١٩ من هذا الجزء.

١٢٨
سورة هود: الآيات ٤١ - ٤٤
ورُوي أنَّ الله تعالى أوحى إلى الجبال أنَّ السفينةَ تُرسي على واحدٍ منها
فتطاولت، وبقيَ الجُوديُّ لم يتطاولْ تواضُعاً لله، فاستوت السَّفينة عليه، وبقيتْ عليه
أعوادُها(١). وفي الحديث أنَّ النبيَّ# قال: ((لقد بقي منها شيءٌ أدركَه أوائلُ هذه
الأمة))(٢).
وقال مجاهد: تشامختٍ الجبالُ وتطاولت لئلا ينالَها الغرقُ، فعلا الماءُ فوقها
خمسةَ عشرَ ذراعاً، وتطامنَ الجوديُّ، وتَواضَعَ لأمر الله تعالى فلم يغرق، ورستٍ
السفينةُ علیه(٣).
وقد قيل: إنَّ الجوديَّ اسمٌ لكلّ جبل(٤)، ومنه قولُ زيدٍ بن عمرو بنِ نُفَيل:
سُبحانَه ثُمَّ سُبحاناً يَعودُ له وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ(٥)
ويقال: إن الجُوديّ من جبال الجنة(٦)؛ فلهذا استوت علیه.
ويقال: أكرم الله ثلاثةً جبال بثلاثةِ نفَر: الجوديَّ بنوح، وطورَ سيناء بموسى،
وچراء بمحمدٍ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
مسألة: لمَّا تواضَعَ الجوديُّ وخضَع عزَّ، ولمَّا ارتفع غيرُه واستعلى ذَلَّ، وهذه
سُنَّةُ الله في خَلْقه، يرفعُ مَن تخشَّعَ، ويضَعُ مَن ترفَّع، ولقد أَحسن القائل:
(١) المحرر الوجيز ١٧٦/٣ ، وسيأتي نحوه عن مجاهد، وينظر تاريخ ابن عساكر ٢٦٢/٦٢
(٢) المحرر الوجيز ١٧٦/٣، ولم نقف عليه مرفوعاً، وعلقه البخاري قبل الحديث (٤٨٦٩) عن قتادة
:
قوله، ووصله عبد الرزاق في التفسير ٢٥٨/٣، والطبري ١٢٨/٢٢.
(٣) عرائس المجالس ص٥٩، وأخرجه الطبري ١٢/ ٤٢٢ .
(٤) النكت والعيون ٤٧٤/٢ .
(٥) نُسب البيت لزيد في مجاز القرآن ١/ ٢٩٠، وشرح أبيات سيبويه للسيرافي ١٩٤/١، والنكت والعيون
٤٧٤/٢، ونسبه سيبويه في الكتاب ٣٢٦/١ لأمية بن أبي الصلت، وهو في ديوان أمية ص١٦١ باختلاف
يسير، ونسب لورقة بن نوفل كما في الأغاني ١٢١/٣، والخزانة ٣٨٨/٣. قوله: الجُمُد: هو جبل لبني
نصر بنجد. معجم البلدان ٢/ ١٦١ .
(٦) تاريخ ابن عساكر ٢٦٢/٦٢.

١٢٩
سورة هود: الآيات ٤١ - ٤٤
وإذا تذللَّتِ الرِّقابُ تَخشُّعاً مِنَّا إليكَ فِعِزُّها في ذُلُّها(١)
وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنسٍ بن مالك قال: كانت ناقةٌ للنبيِّ # تُسمَّى
العَضْباءَ، وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابيُّ على قَعودِ له فسبقها، فاشتدَّ ذلك على
المسلمين؛ وقالوا: سُبِقتِ العضباءُ! فقال رسول الله ﴾: ((إنَّ حقًّا على الله ألَّا يَرفعَ
شيئاً من الدنيا إلا وضعه))(٢).
وخرَّج مسلمٌ(٣) عن أبي هريرةَ عن رسول الله :﴿ قال: ((ما نَقَصت صدقةٌ من
مالٍ، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزَّا، وما تَوَاضَعَ أحدٌ لله إلَّ رَفَعه الله)).
وقال ﴾: ((إنَّ الله أَوحى إليَّ أنْ تَواضَعوا حتى لا يَبغِيَ أحدٌ على أحدٍ، ولا
يَفخرَ أحدٌ على أحد)». خرَّجه البخاريّ(٤).
مسألة: نذكر فيها من قصة نوح مع قومه وبعضَ ذِكْر السفينة.
ذكر الحافظ ابنُ عساكرَ في ((التاريخ))(٥) له عن الحسن: أنَّ نوحاً أوّلُ رسولٍ بعثه
الله إلى أهل الأرض؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوْمًا إِلَى قَوَيِهِ، فَلِثَ فِهِمْ أَلْفَ
سَنَّةٍ إِلَّ خَسِينَ عَمَا﴾ [العنكبوت: ١٤]. وكان قد كَثُرت فيهم المعاصي، وگَثُرت
الجبابرةُ وعَتَوْا عُتُوًّا كبيراً، وكان نوحٌ يدعوهم ليلاً ونهاراً، سرًّا وعلانية، وكان
صبوراً حليماً، ولم يلقَ أحدٌ من الأنبياء أشدَّ مما لقيَ نوح، فكانوا يدخلون عليه
فيخنقونه حتى يترك وَقِيذاً (٦)، ويضربونه في المجالس ويُظْردَ، وكان لا يَدَعُ على ما
(١) هو لأبي إسحاق الصابي كما في يتيمة الدهر ٣٢٥/٢ برواية: تقرُّباً منها إليك، بدل: تخشعاً منا إليك.
(٢) صحيح البخاري (٢٨٧٢)، وهو عند أحمد (١٢٠١٠)، ولم نقف عليه عند مسلم. قوله: على قعود،
القعود من الإبل: ما أمكن أن يُركب، وأدناه يكون له سنتان. النهاية (قعد).
(٣) في صحيحه (٢٥٨٨)، وهو عند أحمد (٩٠٠٨).
(٤) في الأدب المفرد (٤٢٦) و(٤٢٨)، وهو عند مسلم (٢٨٦٥): (٦٤) وهو من حديث عياض بن حمار ﴾.
(٥) ٢٤٤/٦٢.
(٦) الوقيذ: الذي يغشى عليه؛ لا يُدرى أميت أم لا. اللسان (وقد).

١٣٠
سورة هود: الآيات ٤١ - ٤٤
يُصنع به أنْ يدعوَهم (١)، ويقول: ((رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)). فكان لا
يزيدُهم ذلك إلا فراراً منه، حتى إنه لَيُكلِّمُ الرجلَ منهم فيلفُّ رأسَه بثوبه، ويجعلُ
أُضْبُعَيه في أذنيه لكيلا يَسمع شيئاً من كلامه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنِّ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ
لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَنِعَهُمْ فِيَّ مَاذَانِهِمْ وَأَسْتَفْشَوْ شِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧].
وقال مجاهدٌ وعُبيدُ بن عمير: كانوا يضربونه حتى يُغْشَى عليه، فإذا أفَاق قال:
رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمي فإنَّهم لا يَعْلَّمُون(٢).
وقال ابن عباس: إنَّ نوحاً كان يُضرَبُ، ثم يُلفُّ فِي لِيْد (٣) فيُلْقى في بيته، يُرَونَ
أنه قد مات، ثم يخرجُ فيدعوهم؛ حتى إذا يَئِسَ من إيمان قومه جاءه رجلٌ ومعه ابنُه،
وهو يتوقّأ على عصاً، فقال: يا بُنيَّ، انظر هذا الشيخَ لا يغرَّنَّك، قال: يا أبتِ،
أمكنِّ من العصا، فأمكنه، فأخذ العصا ثم قال: ضَعْني في الأرض، فوضعه، فمشى
إليه بالعصا فضربه فشجَّه شجَّةً مُوضِحة (٤) في رأسه، وسالت الدماء، فقال نوح: ربِّ
قد ترى ما يفعلُ بي عبادُك، فإن يكُ لك في عبادك خيريَّةٌ فاهدِهم، وإن يكُ غيرُ ذلك
فصبِّرني إلی أن تحکم، وأنت خيرُ الحاکمین. فأوحى الله إليه وآیسه من إیمان قومه،
وأخبره أنه لم يبقَ في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن، قال: ﴿وَأُوْسِى
إِلَى نُوُجِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنجَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَ نَبْتَبِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ أي: لا
تحزن عليهم ﴿وَأَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ قال: يا ربِّ، وأين الخشبُ؟ قال: اغرِسٍ
الشجر. قال: فَغرسَ السَّاج عشرين سنةً، وكفَّ عن الدعاء، وكفُّوا عن الاستهزاء،
وكانوا يسخرون منه، فلما أدرك الشجرُ؛ أَمَره ربُّه فقطَعَها وجفَّفها، فقال: يا ربِّ،
كيف أنَّخذُ هذا البيت؟ قال: اجعله على ثلاثٍ صُوَر؛ رأسُه كرأس الدِّيك، وجؤجؤُه
(١) في (م): وكان لا يدعو على من يصنع به بل يدعوهم.
(٢) تاريخ ابن عساكر ٢٤٧/٦٢، وأخرجه الطبري ٣٩٦/١٢ عن عبيد بن عمير مطولاً.
(٣) اللبد: من البسط معروف. اللسان (لبد).
(٤) الموضحة من الشجاج: التي بلغت العظم فأوضحت عنه. اللسان (وضح).

١٣١
سورة هود: الآيات ٤١ - ٤٤
كجؤجؤ الطير، وذَنَبه كذْنَب الديك؛ واجعلها مطبَّقةً، واجعل لها أبواباً في جَنْبها،
وشُدَّها بدُسُرٍ، يعني مساميرَ الحديد. وبعث الله جبريلَ فعلَّمه صَنْعةً السفينة، وجعلت
يُدُه لا تخطئ(١).
قال ابن عباس: كانت دارُ نوح عليه السلام دمشقَ، وأنشأ سفينتَه من خشب لبنانَ
بين زمزمَ وبين الركن والمقام، فلمَّا كَمَلَتْ حَملَ فيها السباعَ والدوابَّ في الباب
الأوّل، وجعل الوحشَ والطير في الباب الثاني، وأَطبق عليهما، وجعلَ أولادَ آدَمَ
أربعينَ رجلاً وأربعين امرأةً في الباب الأعلى، وأطبق عليهم، وجعل الذَّرَّ معه في
الباب الأعلى لضَعْفها؛ ألَّا تَطَأَّها الدوابّ(٢).
قال الزُّهريُّ: إنَّ الله عزَّ وجلَّ بعثَ ريحاً، فحمل إليه من كلّ زوجين اثنين، من
السباع والطير والوحش والبهائم (٣).
وقال جعفر بن محمد: بعث الله جبريل فحشرهم، فجعل یضربُ بیدیه علی
الزوجين، فتقعُ يده اليمنى على الذكر، واليسرى على الأنثى، فيُدخله السفينة.
وقال زيدُ بن ثابت: استصعبتْ على نوحِ الماعزةُ أنْ تدخلَ السفينةَ، فدفعها بيده
في ذنبَها؛ فمن ثَمَّ انكسر ذنبُها فصار مَعْقوفاً وبدا حَياؤها. ومضتِ النعجةُ حتى
دخلتْ، فمسح على ذنبها فسُتِّرَ حياؤها (٤).
قال إسحاق: أخبرنا رجلٌ من أهل العلم: أنَّ نوحاً حَمَلَ أهلَ السفينة، وجعل
فيها من كلّ زوجين اثنين، وحمل من الهدهد زوجين، فماتت الهدهدةُ في السفينة قبل
أن تَظهرَ الأرضُ، فحملها الهدهدُ فطاف بها الدنيا ليصيبَ لها مكاناً، فلم يجد طیناً
ولا تراباً، فرحمه ربُّه فحفر لها في قفاه قبراً فدفنها فيه، فذلك الريشُ الناتئ في قفا
(١) أخرجه ابن عساكر ٢٤٨/٦٢ - ٢٤٩ من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس. وذكره الثعلبي
في العرائس ص٥٦ - ٥٧ مطولاً، والخبر من الإسرائيليات.
(٢) ينظر تاريخ ابن عساكر ٢٤١/٦٢ و٢٤٩ .
(٣) أخرجه ابن عساكر ٦٢/ ٢٥٥ .
(٤) أخرجهما ابن عساكر ٢٥٢/٦٢ - ٢٥٣ و٢٥٥، وهما من الأخبار التالفة.

١٣٢
سورة هود: الآيات ٤١ - ٤٤
الهدهد موضعُ القبر؛ فلذلك نَتَأَت أقفيةُ الهداهد(١).
وقال رسول اللـه﴾: ((كان حمل نوحٌ معه في السفينة من جميع الشجر، وكانت
العَجْوةُ من الجنة مع نوح في السفينة))(٢).
وذكَّرَ صاحبُ كتاب ((العروس))(٣) وغيرُه: أنَّ نوحاً عليه السلام لمَّا أراد أن يبعثَ
مَن يأتيه بخبر الأرض قال الدَّجاج: أنا، فأخذها وختَمَ على جناحها وقال لها: أنتِ
مختومةٌ بخاتَمي، لا تطيري أبداً، أنتِ ينتفعُ بكِ أمتي. فبعث الغرابَ، فأصاب جِيفةً
فوقع عليها فاحتبس، فلعنه، ولذلك يُقتلُ في الحِلّ والحَرَم، ودعا عليه بالخوف؛
فلذلك لا يَأَلَفُ البيوت. وبعث الحمامةَ فلم تجد قراراً فوقَعتْ على شجرة بأرض
سَبأ(٤)، فحملتْ ورقةَ زيتونةٍ، ورجعت إلى نوح فعلم أنها لم تستمكن من الأرض،
ثم بعثها بعد ذلك فطارت حتى وقعت بوادي الحرَم، فإذا الماءُ قد نَضَبَ من مواضعٍ
الكعبة، وكانت طينتُها حمراءَ، فاختضبتْ رجلاها، ثم جاءت إلى نوح عليه السلام
فقالت: بُشْرايَ منكَ أنْ تهبَ لي الّوْقَ في عنقي، والخِضابَ في رجلي، وأسكن
الحَرَمِ، فمسح يدَه على عنقها وطوَّقها، ووهبَ لها الحمرةَ في رجليها، ودعا لها
ولذرِّيتها بالبركة.
(١) تاريخ ابن عساكر ٦٢/ ٢٦١. وإسحاق هو ابن بشر. قال الدارقطني: كذاب متروك. ميزان الاعتدال
١٨٤/١ .
(٢) أخرجه ابن عساكر ٢٦١/٦٢ من حديث علي﴾. وقوله: ((العجوة من الجنة)). أخرجه أحمد (٨٠٠٢)
من حديث أبي هريرة ﴾، و(١١٤٥٣) من حديث جابر وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما،
و(١٥٥٠٨) من حديث رافع بن عمرو المزني، و(١١٩٣٨) من حديث بريدة الأسلمي ﴾. والخبر في
تاريخ ابن عساكر ٢٦٣/٦٢ - ٢٦٤ .
(٣) كتاب العروس لجعفر بن محمد، قال الملا علي القاري في المصنوع ص٢٥١ : وقال الديلمي: أسانيد
كتاب العروس لأبي الفضل جعفر بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي الحسيني واهية لا يعتمد عليها،
وأحاديثه منكرة. والخبر ذكره ابن عساكر ٢٦٣/٦٢ - ٢٦٤ . وكان من الأولى بالمصنف أن ينزه كتابه
عن أمثال هذه القصص التالفة.
(٤) في (د) و(م): سيناء.

١٣٣
سورة هود: الآيات ٤١ - ٤٧
وذكر الثعلبيّ أنه بعث بعد الغراب التُّذرُج(١) وكان من جنس الدَّجاج، وقال:
إياك أنْ تعتذرَ، فأصاب الخُضْرةَ والفُرْجَةَ فلم يرجعْ، وأخذ أولادَه عنده رهناً إلى يوم
القيامة.
قوله تعالى: ﴿وَنَادَىْ نُعٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ أَبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ
أَعَكُمُ الَْكِينَ ﴾ قَالَ يَنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌَ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَِحْ فَلَا تَسْتَلْنِ مَا
لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمَّ إِنَّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ قَالَ رَبِّ إِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ
أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلَّ وَإِلَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ
٤٧
فیه خمس مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ﴾ أي: دعاه. ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ أَبْنِى مِنْ أَهْلِ﴾
أي: من أهلي الذين وعدتَهم أنْ تُنجيّهم من الغرق؛ ففي الكلام حذفٌ. ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ
اُلْحَقُّ﴾ يعني الصدقَ.
وقال علماؤنا: وإنما سأل نوحٌ ربَّه ابنَه لقوله: ((وَأَهْلَكَ))، وترك قوله: ﴿إِلَّا مَنْ
سَبَقَ عَلَّهِ الْقَوْلُ﴾ (٢) فلمَّا كان عنده من أهله قال: ﴿رَبِّ إِنَّ أَبِىِ مِنْ أَهْلِى﴾ يدلُّ على
ذلك قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَفِينَ﴾ أي: لا تكن ممن لستَ منهم؛ لأنه كان عنده مؤمناً
في ظنّه(٣)، ولم يك نوحٌ يقول لربه: ﴿إِنَّ أَبْنِ مِنْ أَهْلِى﴾ إلَّا وذلك عنده كذلك؛ إذ
محالٌ أن يَسألَ هلاكَ الكفار، ثم يسألَ في إنجاء بعضِهم، وكان ابنه يُسِرُّ الكفرَ ويُظهرُ
الإيمان، فأخبر الله تعالى نوحاً بما هو منفردٌ به من علم الغيوب؛ أي: علمتُ من
حال ابنك ما لم تعلمْه أنت.
وقال الحسن: كان منافقاً؛ ولذلك استَحَلَّ نوحٌ أنْ يناديَه(٤). وعنه أيضاً: كان ابنَ
(١) طائر يغرّد في البساتين بأصوات طيبة، يكون بأرض خراسان وغيرها من بلاد فارس. حياة الحيوان
ص١٦٣ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٤٦/٣.
(٣) ينظر لطائف الإشارات ١٣٧/٢ .
(٤) النكت والعيون ٤٧٦/٢ .

١٣٤
سورة هود: الآيات ٤٥ - ٤٧
امرأته(١)، دليلُه قراءةُ عليٍّ: ((ونادى نوحٌ ابْنَها))(٢).
﴿وَأَنْتَ أَعَكُمُ الْحَكِينَ﴾ ابتداءٌ وخبر. أي: حكمتَ على قومٍ بالنجاة، وعلى قومٍ
بالغرق.
الثانية: قوله تعالى: ﴿قَالَ يَنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌ﴾ أي: ليس من أهلك الذين
وعدتُهم أن أُنجِيَهم؛ قاله سعيدُ بن جُبير. وقال الجمهور: ليس من أهل دينك ولا
ولا يتك(٣)، فهو على حذفِ مضاف. وهذا يدلُّ على أنَّ حكمَ الاتفاق في الدِّين أقوى
من حكم النسب.
﴿إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِجْ﴾ قرأ ابن عباس وعُروةُ وعِكرمةُ ويعقوبُ والكسائيُّ: ﴿إِنَّهُ
عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ﴾(٤) أي: من الكفر والتكذيب، واختاره أبو عبيد. وقرأ الباقون:
﴿عَمَلُ﴾ أي: ابنُك ذو عملٍ غيرِ صالح، فحذف المضاف؛ قاله الزجَّاج وغيرُه(٥).
قال :
تَرْتَعُ ما رَتَعتْ حتَّى إذا ادَّكَرتْ فَإنما هي إقبالٌ وإدبار(٦)
أي: ذاتُ إقبالٍ وإدبار. وهذا القولُ والذي قبلَه يَرجِعُ إلى معنى واحد.
ويجوز أن تكونَ الهاءُ للسؤال، أي: إنَّ سؤالَك إياي أن أُنجيَه عملٌ غيرُ صالح.
قاله قتادة(٧).
وقال الحسن: معنى عمل غير صالح: أنه وُلِدَ على فراشه ولم يكن ابنَه. وكان
(١) أورده الواحدي في الوسيط ٢/ ٥٧٥ .
(٢) القراءات الشاذة ص ٦٠ .
(٣) النكت والعيون ٤٧٦/٢ .
(٤) السبعة ص٤٣٣ والتيسير ص١٢٥ عن الكسائي، والنشر ٢٨٩/٢ عنه وعن يعقوب، وأخرجها عن ابن
عباس الطبري ٤٣٥/١٢، وذكرها ابن عطية ٣/ ١٧٧ عن علي وابن عباس وعائشة وأنس ﴾.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٥٥، ومعاني القرآن للنحاس ٣٥٥/٣.
(٦) البيت للخنساء، وهو في ديوانها ص٤٨، وسلف ٥٤/٣ و ٢٥٩/٩ .
(٧) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١/ ٣١٠، وسعيد بن منصور في سننه (١٠٩٣ - تفسير).

١٣٥
سورة هود: الآيات ٤٥ - ٤٧
لغير رِشْدَة، وقاله أيضاً مجاهد(١). قال قتادة: سألت الحسن عنه فقال: والله ما كان
ابنَه، قلت: إنَّ الله أَخبرَ عن نوح أنه قال: ﴿إِنَّ أَبِّ مِنْ أَهْلِيِ﴾ فقال: لم يقلْ مني،
وهذه إشارةٌ إلى أنه كان ابنَ امرأتِه من زوجٍ آخرَ، فقلت له: إنَّ الله حكى عنه أنه
قال: ﴿إِنَّ أَبِ مِنْ أَهْلِىِ﴾ ﴿وَنَادَى نُوُّ أَبْنَهُ﴾ ولا يختلفُ أهلُ الكتابين أنه ابنُه، فقال
الحسن: ومَن يأخذُ دينَه عن أهل الكتاب! إنهم يكذبون. وقرأ: ﴿فَخَاتَتَاهُمَا﴾
[التحريم: ١٠](٢). وقال ابنُ جريج: ناداه وهو يحسب أنه ابنه، وكان وُلد على فراشه،
وكانت امرأته خانته فيه(٣)؛ ولهذا قال: ﴿فَخَتَاهُمَا﴾.
وقال ابن عباس: ما بغتِ امرأةُ نبيٍّ قطّ، وأنه كان ابنَه لصُلْبه. وكذلك قال
الضَّحاك وعِكرمةُ وسعيدُ بن جُبير وميمون بن مهران وغيرُهم، وأنه كان ابنَه لصُلْبه.
وقيل: لسعيدٍ بن جُبير: يقول نوح: ﴿إِنَّ أَبِّ مِنْ أَهْلِى﴾ أكان من أهله؟ أكان ابنَه؟
فسبَّح اللهَ طويلاً ثم قال: لا إله إلا الله! يُحدِّثُ اللهُ محمداً﴾ أنه ابنُه، وتقول: إنه
ليس ابنَه! نَعمْ كان ابنَه، ولكنْ كان مخالفاً في النية والعمل والدِّين (٤)، ولهذا قال الله
تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌ﴾.
وهذا هو الصحيحُ في الباب إن شاء الله تعالى لجلالة مَن قال به، وإنَّ قوله:
﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌ﴾ ليس مما ينفي عنه أنَّه ابنه (٥).
(١) النكت والعيون ٤٧٥/٢، وأخرجه قولهما الطبري ٤٢٦/١٢ و٤٣٤. وقوله: لغير رشدة، أي: لِغَيَّة
وزَنية. اللسان (رشد). وقد ردَّ الألوسي هذا الكلام في روح المعاني ٥٨/١٢، وقال: نسبة هذا القول
إلى الحسن ومجاهد كذبٌ صريح. وقال: إن الله تعالى قد طهّر الأنبياء عليهم السلام عما دون ذلك من
النقص بمراحل، فحاشاهم ثم حاشاهم أن يشار إليهم بأصبع الطعن، وإنما المراد بالخيانة الخيانة في
الدين.
(٢) أخرجه بنحوه عبد الرزاق في التفسير ٣٠٦/١، والطبري ١٢/ ٤٢٧ .
(٣) أخرجه الطبري ٤٢٨/١٢، وسلف أن هذا الكلام لا يصح.
(٤) أخرجه مع ما سبقه من قول ابن عباس وغيره الطبري ٤٢٨/١٢ - ٤٣٣ .
(٥) معاني القرآن للنحاس ٣٥١/٣ .

١٣٦
سورة هود: الآيات ٤٥ - ٤٧
وقوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ يعني في الدِّين لا في الفِراش(١)، وذلك أنَّ هذه كانتْ تُخبرُ
الناسَ أنه مجنون، وذلك أنها قالت له: أمَا ينصرُك ربُّك؟ فقال لها: نعم. قالت:
فمتى؟ قال: إذا فار التَّنُّور. فخرجتْ تقول لقومها: يا قوم، والله إنه لمجنون، يزعمُ
أنه لا ينصره ربُّه إلا أنْ يفورَ هذا التّنُّور! فهذه خيانتُها. وخيانةُ الأخرى أنها كانت تدلُّ
على الأضياف(٢). على ما سيأتي إن شاء الله(٣). والله أعلم.
وقيل: الولدُ قد يسمَّى عملاً كما يسمَّى كَسْباً، كما في الخبر: («أولادُكم مِن
كَسْبكم))(٤). ذكره القشيريُّ.
الثالثة: في هذه الآية تسليةٌ للخلق في فساد أبنائهم وإن كانوا صالحين(٥). ورُوِيَ
أنَّ ابنَ مالك بن أنس نزل من فوقُ ومعه حمامٌ قد غطّاه، قال: فَعَلمَ مالكٌ أنه قد فَهِمَه
الناسُ، فقال مالك: الأدبُ أدبُ الله، لا أدبُ الآباءِ والأمهات، والخيرُ خير الله،
لا خيرُ الآباء والأمهات(٦).
وفيها أيضاً دليلٌ على أنَّ الابنَ من الأهل لغةً وشرعاً، ومن أهل البيت(٧)،
فَمَن وصَّى لأهله دخَلَ في ذلك ابنُه ومَن تضمّنَه منزلُه وهو في عیاله. وقال تعالى
في آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ نَادَمِنَا نُورٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾
[الصافات: ٧٥-٧٦]. فسمَّى جميعَ مَن ضمَّه منزلُه من أهله (٨).
(١) تفسير البغوي ٣٨٧/٢.
(٢) أخرجه مختصراً عبد الرزاق في التفسير ١/ ٣١٠، والطبري ٤٣٠/١٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما،
وقوله: الأخرى، يعني امرأة لوط.
(٣) ص١٧٦ من هذا الجزء، وعند تفسير الآية (١٠) من سورة التحريم.
(٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٥٢٩٦)، والترمذي (١٣٥٨)، وابن ماجه (٢٢٩٠) عن عائشة
رضي الله عنها.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٤٧/٣ .
(٦) أخرجه الرامهر مزي في المحدث الفاصل (١٤٨).
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٤٧/٣ .
(٨) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٢٥/٣ - ٢٢٦.

١٣٧
سورة هود: الآيات ٤٥ - ٤٧
الرابعة: ودلَّتِ الآيةُ على قول الحسن ومجاهد وغيرِهما: أنَّ الولدَ للفراش؛
ولذلك قال نوحُ ما قال آخِذاً بظاهرِ الفراش. وقد رَوَى سفيان بن عيينة عن عمرو بن
دينار، أنه سمع عبيد بن عمير يقول: نُرى رسول الله # إنما قضى بالولد للفراش من
أجل ابن نوح عليه السلام، ذكره أبو عمر في كتاب ((التمهيد))(١).
وفي الحديث الصحيح عن النبيِّ# أنه قال: ((الولدُ للفراش، وللعاهِرِ الحَجَر))(٢)
يريد: الخيبةَ. وقيل: الرَّجم بالحجارة(٣).
وقرأ عُروة بن الزّبير: ((وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهَا))(٤) يريد ابن امرأته، وهي تفسيرُ القراءة
المتقدِّمةِ عنه وعن عليٍّ ﴾(٥)، وهي حُجَّةٌ للحسن ومجاهد؛ إلا أنها قراءةٌ شاذّة، فلا
نَترك المتفقَ عليها لها. والله أعلم.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ أي: أنهاك عن هذا
السؤال، وأُحذِّرُك لئلا تكون، أو كراهيةَ أن تكون من الجاهلين، أي: الآثمين(٦).
ومنه قوله تعالى: ﴿يَعِظُّكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِ أَبْدًا﴾ [النور: ١٧] أي: يحذِّرُكم الله
وينهاكم. وقيل: المعنى: أرفعُك أن تكونَ من الجاهلين(٧).
قال ابنُ العربيُّ: وهذه زيادةٌ من الله وموعظةٌ يرفعُ بها نوحاً عن مَقام الجاهلين،
(١) ١٩٥/٨، وأخرجه الطبري ٤٢٨/١٢، وهو ضعيف لإرساله.
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٨٦)، والبخاري (٢٠٥٧)، ومسلم (١٤٥٧) من حديث عائشة رضي الله عنها،
وأخرجه أحمد (٧٢٦٢)، ومسلم (١٤٥٨) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٣) المفهم ٤/ ١٩٧. وضعَّف أبو العباس القول الثاني، وكذلك النووي في شرحه لصحيح مسلم ٣٧/١٠
وقال: لأنه ليس كل زانٍ يرجم، وإنما يرجم المحصَن خاصة، ولأنه لا يلزم مِن رَجْمه نَفْيُ الولد عنه،
والحديث إنما ورد في نفي الولد عنه.
(٤) ذكرها أبو حيان في البحر ٢٢٦/٥، وسلف ذكرها عن علي ﴾.
(٥) ص١٢٣ من هذا الجزء، وهي قراءة: ((ونادى نوح ابنّةً)).
(٦) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٨٦/٢، والوسيط ٥٧٦/٢.
(٧) النكت والعيون ٤٧٦/٢ .

١٣٨
سورة هود: الآيات ٤٥ - ٤٨
ويُعليه بها إلى مَقام العلماء والعارفين، فقال نوح: ﴿رَبِّ إِنِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا
لَيِسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ﴾ الآية، وهذه ذنوبُ الأنبياء عليهم السلام، فشكر الله تذلله
وتواضعه(١). ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ﴾ ما فَرَطَ من السؤال ﴿وَتَرْحَمْنِىّ﴾ أي: بالتوبة. ﴿أَكُنْ
مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ أي: أعمالاً. فقال: ﴿يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلٍَ مِّنَا﴾.
قوله تعالى: ﴿قِيلَ يَنْنُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِنَّا وَبَكَتٍ عَلَّكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَلَنَّ
وَأُمَّمْ سَنُمَنِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (@)
قوله تعالى: ﴿قِيلَ يَنُجُ أَهْبِطَ بِسَلَمٍ مِنَا﴾ أي: قالت له الملائكةُ، أو قال الله
تعالى له: اهبط من السفينة إلى الأرض، أو من الجبل إلى الأرض، فقد ابتلعتِ الماءَ
وجفَّت. ((بِسَلَامٍ مِنَّا)) أي: بسلامةٍ وأمن. وقيل: بتحية(٢).
﴿وَبَرَّكَتٍ عَيْكَ﴾ أي: نِعَم ثابتةٍ، مشتقٌّ من بروكِ الجمل، وهو ثبوتُه وإقامتُه(٣).
ومنه البِرکةُ؛ لثبوت الماء فيها.
وقال ابنُ عباس رضي الله عنهما: نوحٌ آدمُ الأصغرُ(٤). فجميع الخلائقِ الآنَ من
نسله، ولم يكن معه في السفينة من الرجال والنساء إلا مَن كان من ذرِّيته، على قول
فَتَادةَ وغيرِهِ، حسبَ ما تقدَّم(٥)، وفي التنزيل: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾
[الصافات: ٧٧].
﴿وَعَلَى أُمَرِ مِتَن ◌َّعَلَكَتَّ﴾ قيل: دخلَ في هذا كلُّ مؤمنٍ إلى يوم القيامة. ودخل
في قوله: ﴿وَأُمٌَّ سَثُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمِ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ كلُّ كافرٍ إلى يوم القيامة؛ رُويَ
(١) ينظر تفسير الرازي ٣/١٨ - ٤. وقد ردَّ الرازي على مَن قدح في عصمة الأنبياء، وذكر أنه يجب حمل
الكلام هنا على أنه من باب ترك الأفضل والأكمل، وقد قال تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى
قوله: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ﴾ قال: ومعلوم أن مجيء نصر الله والفتح، ودخول الناس في دين
الله أفواجاً، ليست بذنب يوجب الاستغفار.
(٢) الوجيز للواحدي (على هامش مراح لبيد) ص٣٨٦ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٧/٢.
(٤) ذكره الواحدي في الوسيط ٥٧٦/٢ .
(٥) ص١١٧ من هذا الجزء، وينظر الوسيط ٥٧٦/٢ .

١٣٩
سورة هود: الآيتان ٤٨ - ٤٩
ذلك عن محمد بن كعب. والتقدير على هذا: وعلى ذرِّيَّةٍ أمم ممَّن معك، وذرِّيَّةٍ أمم
سنمتعهم(١).
وقيل: ((مِن)) للتبعیض، وتكونُ لبيان الجنس.
(وَأُمَمْ سُنُمَتِّعُهُمْ))؛ ارتفع ((وَأُمَمُ)) على معنى: وتكونُ أمم. قال الأخفشُ سعيدٌ:
كما تقول: كلَّمتُ زيداً وعمرٌو جالسٌ. وأجازَ الفرَّاء في غير القراءة: وأمماً،
وتقديرُه: ونمتّع أمماً(٢). وأعيدت ((على)) مع ((أُمَم)) لأنه معطوفٌ على الكاف من
((عَلَيْكَ))، وهي ضميرُ المجرور، ولا يُعطَفُ على ضمير المجرور إلا بإعادة الجارِّ
على قول سيبويه وغيره. وقد تقدَّم في ((النساء)) بيان هذا مستوفّى في قوله تعالى:
﴿واتقوا الله الذي تَساءلون به والأرحامِ﴾ بالخفض.
والباء في قوله: ((بِسَلَام)) متعلقة بمحذوف؛ لأنها في موضع الحال، أي: اهبط
مسلَّماً عليك. و((عليك))(٣) في موضع جرِّ متعلّقٌ بمحذوف؛ لأنه نعت للبركات.
(وَعَلَى أُمَم)) متعلِّقٌ بما تعلَّق به ((عَلَيْكَ))؛ لأنه أُعيد من أجل المعطوف على الكاف.
و(مِن)) في قوله: ((مِمَّنْ مَعَكَ)) متعلِّقٌ بمحذوف؛ لأنه في موضع جرِّ نعتٍ للأمم.
و((مَعَكَ)) متعلُّقٌ بفعلٍ محذوف؛ لأنه صلةٌ لـ ((مَن))، أي: ممن استقرَّ معك، أو
آمن معك، أو ركب معك (٤).
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكٌ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ
مِن قَبْلِ هَذَّا فَأَصْبِرٍّ إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ
قوله تعالى: ﴿مِّكَ مِنْ أَبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أي: تلك الأنباءُ، وفي موضع آخرَ: «ذلك))،
أي: ذلك النبأُ والقَصَصُ من أنباء ما غاب عنك. ﴿نُوحِيَهَا إِلَيْكَ﴾ أي: لتقف عليها
(١) معاني القرآن للنحاس ٣٥٥/٣ - ٣٥٦، وخبر كعب أخرجه الطبري ٤٣٨/١٢ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٧/٢، وقول الفراء في معاني القرآن له ١٨/٢.
(٣) في النسخ عدا (ز): ومنا، والمثبت من (ز)، وهو الصواب.
(٤) ينظر المحرر الوجيز ١٧٩/٣ .

١٤٠
سورة هود: الآيات ٤٩ - ٦٠
﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ﴾ أي: كانوا غيرَ عارِفين بأمر الطوفان، والمجوس الآن
ینکرونه.
﴿مِن قَبْلِ هَذًا﴾ خبر، أي: مجهولةٌ عندك وعند قومك. ﴿فَاضِرْ﴾ على مَشَاقٌ
الرسالة وإذاية القوم كما صبر نوح(١). وقيل: أرادَ جهلَهم بقصةٍ ابن نوح، وإن سمعوا
أمرَ الطوفان فإنه على الجملة.
﴿فَأَصْبِرْ﴾ أي: اصبر يا محمدُ على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته، وما تَلْقَى من
أذى العربِ الكفار، كما صبر نوحٌ على أذى قومه. ﴿إِنَّ الْعَقِبَّةَ﴾ في الدنيا بالَّفَر،
وفي الآخرة بالفوز ﴿لِلْمُنَّقِينَ﴾ عن الشِّرْك والمعاصي.
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوَذَا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ
غَبِّرُهُ إِنْ أَنْشُرْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ﴿ يَقَوْمِ لَآ أَسْتَلُكُمُ عَلَيْهِ أَجْرًّاً إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا
وَيَقَوْمِ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ بُرْسِلِ
عَلَى الَّذِى فَطَرَبّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (@
السَّمَّةَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا نَنَوَلَوْ مُجْرِمِنَ (٨) قَالُواْ
يَغُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيَّ ءَالِهَئِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ
بِمُؤْمِنِينَ ﴿﴿ إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَئِكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوعُ قَالَ إِّ أُشْهُ اَللَّهَ وَأَشْهَدُوّا
أَنِى بَرِىٌّ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (@ مِن دُونِ فَكِيدُوني جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُظِرُونِ ﴿ إِنِّ تَوَكَّلْتُ
عَلَى اَللَّهِ رَبٍ وَرَبَّكُم مَّا مِنْ دَابَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاْ إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيم
٥٦
فَإِنِ قَوَلَوْاْ فَقَدْ أَبَغْتَكُم مَّا أُزْسِلْتُ بِهِ، إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّ قَوْمًا غَيَكُنْ وَلَا
تَضُونَهُ شَيْئَّاً إِنَّ رَبِ عَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَظُ (٥٧) وَلَمَّا جَّةَ أَقْرُنَا نَّبَا هُودًا وَأَلَّذِينَ
وَتِلْكَ عَاءُّ جَعَدُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ
ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَنَجَيْنَهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِظِ ﴾
وَعَصَوْاْ رُسُلَمُ وَأَنَّبَعُوا أَقَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
وَأَتْعُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةً وَيَوْمَ
الْقِيَّمَةُ أَلَّ إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَّهُمُّ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُورٍ (٢)﴾
قوله تعالى: ﴿وَإِلَ عَادٍ أَنَاهُمْ هُودًا﴾ أي: وأرسَلْنا، فهو معطوفٌ على ﴿أَرْسَلْنَا
(١) من قوله: من قبل هذا، خبر، إلى هذا الموضع، من (م).