Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ سورة يونس: الآية ١٠٩ أي: بحفيظٍ أَحفظُ أعمالَكم؛ إنَّما أنا رسولٌ. قال ابن عباس: نسختها آيةُ السيف (١). قوله تعالى: ﴿وَأَشَِّعْ مَا يُوحَىّ إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ قوله تعالى: ﴿وَتَّغْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ﴾ قيل: نُسِخَ بآية القتال(٢). وقيل: ليس منسوخاً (٣)، ومعناه: إِضْبِر على الطاعة وعن المعصية. وقال ابن عباس: لمَّا نزلتْ؛ جمعَ النبيُّ# الأنصارَ، ولم يجمع معهم غيرهم فقال: ((إِنَّكم ستجدون بعدي أَثَرَةً، فاضپِروا حتى تَلْقَوني على الحوض)). وعن أنس بمثل ذلك، ثم قال أنس: فلم يَصْبِروا (٤). فأمرهم بالصبر كما أمره اللهُ تعالى. وفي ذلك يقول عبدُ الرحمن بن حسان(٥): أميرَ المؤمنين نّثَا كلامي ألا أَبلِغْ معاويةً بن حربٍ إلى يومِ التغابن والخِصام(٦) بأنَّا صابرون ومُنظِروكم ﴿حَّ يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِينَ﴾ ابتداءٌ وخبر، لأنه عزَّ وجلَّ لا يحكم إلا بالحقِّ(٧) . تمت سورة يونس، والحمد لله وحده. (١) تفسير البغوي ٢/ ٣٧٢، وزاد المسير ٤/ ٧١ . (٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٧١/٢، وقال: إنما نسخ منها الصبر عليهم. (٣) ينظر زاد المسير ٧١/٤ . (٤) لم نقف عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرج حديث أنس - دون ذكر أنه # جمعهم لما نزلت الآية - أحمد (١٢٦٩٦)، والبخاري (٣١٤٧)، ومسلم (١٠٥٩) وهو في قصة إعطاء النبي رجالاً من قريش من أموال هوازن. وفي الباب عن عبد الله بن زيد عند أحمد (١٦٤٧٠)، والبخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١). (٥) ابن ثابت الأنصاري، المدني، الشاعر ابن الشاعر، وأمه سيرين خالة إبراهيم ابن النبي #، قيل: وُلد في حياة النبي #. توفي سنة (١٠٤هـ). السير ٦٤/٥ . (٦) الاستيعاب ١٤٧/١٠، وذكر ابن عبد البر قصة في هذين البيتين. وقوله: نثا: جاء في القاموس (نثو): نثا الحديث: حدّث به وأشاعه، والنثا: ما أخبرت به عن الرجل من حَسَن أو سيِّئ. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٠/٢ . بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمِ سورة هود عليه السَّلام مكيةٌ في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابنُ عباس وقتادة: إلَّا آية، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَقِ اُلْضَلَوَةَ طَرَفِي النَّهَارِ﴾(١) [هود: ١١٤]. وأسند أبو محمد الدَّارمي في ((مسنده)) عن كعب قال: قال رسول الله ﴾: ((اقرؤوا سورةَ هودٍ يومَ الجمعة))(٢). وروى الترمذيُّ عن ابن عباس قال: قال أبو بكر ﴾: يا رسولَ الله قد شِبْتَ! قال: ((شَيَّبتني هودٌ، والواقعةُ، والمرسلاتُ، وَ﴿عَمَّ يَتَسَلُونَ﴾، و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ﴾)). قال: هذا حديثٌ حسنٌ غريب. وقد رُويَ شيءٌ من هذا مرسلاً(٣). وأخرجه الترمذيُّ الحكيم أبو عبد الله في ((نوادر الأصول)): حدّثنا سفيانُ بن وكيع قال: حدّثنا محمد بن بشر، عن عليّ بن صالح، عن أبي إسحاق، عن أبي (١) النكت والعيون ٤٥٥/٢ . (٢) سنن الدارمي (٣٤٠٤)، وأخرجه أبو داود في المراسيل (٥٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٤٣٨). وكعب: هو بن ماتع، المعروف بكعب الأحبار، والحديث مرسل. (٣) سنن الترمذي (٣٢٩٧) من طريق أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي بكر، به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (التفسير) (١١١٠)، وأبو يعلى في مسنده (١٠٧) (١٠٨) من طريق عكرمة، عن أبي بكر، به. وعكرمة لم يدرك أبا بكر. وقال أبو حاتم كما في ((العلل)) لابنه ٢/ ١١٠ : مرسل أصح. اهـ والحديث اختلف فيه على أبي إسحاق اختلافاً كثيراً، ينظر ما سيأتي من رواية أبي ميسرة وأبي جحيفة، وما أورده الدارقطني في العلل ١٩٣/١ وما بعدها. وعبارة الترمذي: وقد روي عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة شيء من هذا مرسلاً. اهـ وقد أخرجه المروزي في مسند أبي بكر الصديق (٣٢) عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرةً، عن أبي بكر، وليس فيه ذكر: المرسلات. ٦٣ سورة هود جُحَيْفة قال: قالوا يا رسول الله، نراكَ قد شِبتَ! قال: ((شَيَّبتني هودٌ وأخواتها))(١). قال أبو عبد الله: فالفزعُ يورثُ الشَّيب؛ وذلك أنَّ الفزعَ يَذْهَل النفسَ، فَيَنْشَفُ رطوبةَ الجسد، وتحت كلِّ شعرةٍ مَنْبع، ومنه يَعْرَق، فإذا انتَشَفَ(٢) الفزعُ رطوبتَه، يبِست المنابع، فيَبِس الشعرُ وابيضَّ؛ كما يُرى الزرعُ أخضرَ (٣) بسقياه(٤)، فإذا ذهب سقياه(٥) يبِسَ فابيضَّ؛ وإنَّما يبيضُ شعرُ الشيخ لذهاب رطوبته ويَبْسٍ جلده، فالنفْسُ تَذْهل بِوَعيد اللـه (٦)، وأهوال ما جاء به الخبر عن الله؛ فتَذْبُل، ويَنْشَفُ ماءَها ذلك الوعيدُ والهول(٧) الذي جاء به؛ فمنه تَشيب، وقال الله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَنَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧]، فإنَّما شابوا من الفزع. (١) نوادر الأصول ٢٢٤/١ دون إسناد، وأخرجه بهذا الإسناد الترمذي في الشمائل (٤١)، ومن طريقه البغوي في شرح السنة (٤١٧٦). وأخرجه أيضاً أبو يعلى في مسنده (٨٨٠)، والطبراني في الكبير ٢٢/ (٣١٨)، والدار قطني في العلل ٢٠٦/٢ وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٣٥٠ من طريق محمد بن عبد الله بن نمير، عن محمد بن بشر، به. وأورد الرازي في العلل ١٣٣/٢ الحديث السالف ثم قال: ورواه شيبان عن أبي إسحاق، عن عكرمة، أن أبا بكر قال للنبي #، وهذا أشبههما بالصواب، والله أعلم. وأخرجه الدارقطني في العلل ١/ ٢٠٧ من طريق محمد بن مهاجر وشهاب بن عباد، عن محمد بن بشر، عن علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، قال: قال أبو بكر الصديق، به. فذكرا فيه أبا بكر الصديق. وأورده الحافظ ابن حجر في النكت على كتاب ابن الصلاح ٧٧٤/٢ مثالاً للحديث المضطرب وأبو جحيفة هو وهب بن عبد الله السوائي، صحابي، توفي سنة أربع وسبعين. السير ٢٠٢/٣ - ٢٠٣ . (٢) في (د) و(ز): أنشف، وفي (ظ): نشف، والمثبت من (ف) و(م). وهو الموافق لنوادر الأصول. (٣) في (م): كما ترى الزرع الأخضر. والمثبت من (ظ) و(ف)، وسقطت هذه العبارة من (ز) و(د). (٤) في (م) و(د): بسقائه، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لمطبوع نوادر الأصول. (٥) في (م): سقاؤه. والمثبت من (ظ) و(ف). وهو الموافق لمطبوع نوادر الأصول. (٦) في (د) و(ز): بوعد الله، وفي (ظ): لوعد الله، وفي نوادر الأصول: لوعيد الله. والمثبت من (ف) و(م). (٧) في (د) و(ز): والخوف. ٦٤ سورة هود وأمّا سورة هود فإنَّما فيها ذكر الأمم(١)، وما حَلَّ بهم من عاجل بأس الله تعالى، فأهلُ اليقين إذا تَلَوها تَراءى على قلوبهم من ملكه وسلطانه ولحَظَاته البطشُ بأعدائه، فلو ماتوا من الفزع لَحُقَّ لهم، ولكنَّ الله تبارك وتعالى اسمُه يَلطف(٢) بهم في تلك الأحایین حتى يقرؤوا كلامه. وأمَّا أخواتُها؛ فما أشبهَها من السُّور؛ مثلُ ﴿الَقَّةُ﴾، و﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾، و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾، و﴿اَلْقَارِعَةٌ﴾، ففي تلاوة هذه السُّور ما يَكْشفُ لقلوب العارفين سلطانَه ويطشَه؛ فتذهَلُ منه النفوس، وتَشيبُ منه الرؤوس(٣). قلت: وقد قيل: إنَّ الذي شيَّب النبيَّ﴾ من سورة هود، قوله: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الآية: ١١٢] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقال يزيدُ بن أبان: رأيتُ رسولَ اللـه # في منامي، فقرأتُ عليه سورة هود، فلما ختمتُها (٤)، قال: ((يا يزيد، هذه القراءةُ، فأين البكاء؟))(٥). قال علماؤنا: وقال أبو جعفر النحاس(٦): يقال: هذه هودُ فاعلم؛ بغير تنوين على أنَّه اسمٌ للسورة؛ لأنَّك لو سمَّيتَ امرأةً بزيدٍ لم تَصْرِف؛ وهذا قول الخليل وسيبويه(٧). وعيسى بن عمر يقول: هذه هودٌ [فاعلمْ]؛ بالتنوين على أنَّه اسمٌّ للسورة؛ (١) في (م): فلما ذكر الأمم، وفي (ف): فإنما ذكر للأمم، وفي (د) و(ز): فإنما ذكر الأمم، والمثبت من (ظ). (٢) في (د) و(ز) و(ف): تلطف، والمثبت من (ظ) و(م) وهو الموافق لنوادر الأصول ٢٢٤/١ والكلام منه بنحوه. (٣) نوادر الأصول ٢٢٤/١. (٤) في (د) و(ز): حققتها. (٥) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٦٥/ ٨٣ - ٨٤، والمزي في تهذيب الكمال ٣٢/ ٧٠ وليس فيهما تسمية السورة ويزيد بن أبان: هو الرقاشيّ، من زهّاد أهل البصرة، قال أحمد: كان يزيدُ منكرّ الحديث ... وكان قاصاً. تهذيب الكمال ٦٤/٣٢ وما بعدها، وميزان الاعتدال ٤١٨/٤ . (٦) في إعراب القرآن له ٢/ ٢٧١ . وما سيرد بين حاصرتين منه. (٧) في الكتاب ٢٤٢/٣ . ٦٥ سورة هود: الآيات ١ - ٤ وكذا إنْ سمَّى امرأةً بزيد؛ لأنَّه لمَّا سكن وسطه خفَّ فصُرِف، فإنْ أردتَ الحذف؛ صرفت على قول الجميع، فقلت: هذه هودٌ [فاعلمْ]؛ وأنت تريد سورة هود؛ قال سيبويه (١): والدليلُ على هذا أنَّك تقول: هذه الرحمن، فلولا أنَّك تريد: هذه سورةٌ الرحمن؛ ما قلتَ: هذه. قوله تعالى: ﴿الَّرِ كِتَبُّ أُعْكِمَتْ ءَايَتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَُّنْ حَكِرٍ خَبِيرٍ )) أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلََّّ اللَّهَّ إِنَّتِى لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴾ وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَنِّعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنًّا إِلَى أَجَلِ مُّسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ، وَإِن تَوَلَوْ فَإِيْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِمَكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ (@)﴾ قوله تعالى: ﴿الَرَّ﴾ تقدَّم القول فيه(٢). ﴿ كِنَبُ﴾ بمعنى: هذا كتاب. ﴿أُمْكِمَتْ ءَايَتُهُ﴾ في موضع رفع نعتٌ لكتاب. وأحسن ما قيل في معنى ((أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ)) قول قَتَادة: أي: جُعلت محكمةً كلُّها، لا خَلَل فيها ولا باطل(٣). والإحكامُ: منع القول من الفساد، أي: نُظمت نظماً مُحْكَماً؛ لا يلحقها تناقضُ ولا خَلَل (٤). وقال ابن عباس: أي: لم ينسخها كتاب، بخلاف التوراة والإنجيل(٥). وعلى هذا فالمعنى: أُحكم بعضُ آياته؛ بأنْ جُعِل ناسخاً غير منسوخ. وقد تقدَّم القول فيه(٦). وقد يقعُ اسم الجنس على النوع؛ فيقال: أكلتُ طعام زيد، أي: بعضَ طعامه(٧). (١) في الكتاب ٢٥٦/٣ - ٢٥٧. (٢) في مطلع سورة يونس. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٧١/٢، ومعاني القرآن له ٣٢٨/٣. وأخرج قول قتادة الطبري ٣١٠/١٢. (٤) تفسير الرازي ١٧٨/١٧ . (٥) ينظر تفسير البغوي ٢/ ٣٧٢ . (٦) ١٧/٥ . (٧) قال ابن الجوزي في زاد المسير ٧٤/٤: أحكم بعضها بالبيان الواضح ومنع الالتباس، فأوقع العموم = ٦٦ سورة هود: الآيات ١ - ٤ وقال الحسن وأبو العالية: ((أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ)) بالأمر والنهي(١). ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بالوعد والوعيد والثواب والعقاب(٢). وقال قتادة: أحكمها الله من الباطل، ثمَّ فضَّلها بالحلال والحرام(٣). مجاهد: أُحكمت جملةً، ثم بُيِّنت بذكر آية آية بجميع ما يحتاج إليه من الدَّليل على التوحيد والنبوّة والبعث وغيرها(٤). وقيل: جُمِعت في اللوح المحفوظ، ثم فُصِّلت في التنزيل(٥). وقيل: ((فُصِّلت)): أنزلت نَجْماً نَجْماً لتُتَدَبَّر(٦). وقرأ عكرمة: ((فَصَلَتْ)) مخفّفاً، أي: حَكَمت بالحق(٧). ﴿مِنْ لَّدُنْ﴾ أي: من عند ﴿حَكِيرٍ﴾ أي: مُحكِمٍ للأمور ﴿خَبِيرٍ﴾ بكلِّ كائنٍ وغير کائن. قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ اللهَّ﴾ قال الكسائيُّ والفرّاء: أي: بأنْ لا(٨)، أي: أُحِكِمت ثم فُصِّلت(٩) بألّا تعبدوا إِلَّ الله. وقال الزَّجَّاج(١٠): لئلا؛ أي: أُحكِمت ثمّ فُصِّلت لئلا تعبدوا إلَّا الله. قيل: أمر رسولَه أنْ يقولَ للنَّاس ألَّ تعبدوا إلا الله (١١). = على معنى الخصوص، كما تقول العرب: قد أكلت طعام زيد، يعنون بعض طعامه. (١) النكت والعيون ٤٥٥/٢، وزاد المسير ٧٣/٤، وأخرج قول الحسن الطبريُّ ٣٠٩/١٢، وابنُ أبي حاتم ١٩٩٤/٦ (١٠٦٣٥). (٢) زاد المسير ٧٤/٤ ونسبه للحسن. وأخرجه الطبري ٣٠٩/١٢ . (٣) النكت والعيون ٢/ ٤٥٥، وأخرجه الطبري ٣١٠/١٢، وابن أبي حاتم ١٩٩٥/٦ (١٠٦٣٦، ١٠٦٣٩). (٤) ينظر النكت والعيون ٤٥٦/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٣٧/٣، وزاد المسير ٧٤/٤ . (٥) ينظر تفسير أبي الليث ١١٦/٢، وزاد المسير ٧٤/٤ . (٦) في (د) و(ز): لينذر، وفي (ظ): ليتدبروا، والمثبت من (ف) و(م). وتنظر المراجع السابقة. (٧) القراءات الشاذة ص٥٩، والمحتسب ٣١٨/١. (٨) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٧٢، وينظر معاني القرآن للفراء ٣/٢. (٩) قوله: ثم فصلت. من (م) و(د). (١٠) في معاني القرآن له ٣٨/٣، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٧٢/٢. (١١) النكت والعيون ٤٥٦/٢ . ٦٧ سورة هود: الآيات ١ - ٤ ﴿إِنِّى لَكُ مِنْهُ﴾ أي: من الله ﴿نَذِيرٌ﴾ أي: مُخوِّف من عذابه وسَطْوته لمن عصاه ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بالرِّضوان والجنَّة لمن أطاعه. وقيل: هو من قول الله أوّلاً وآخراً؛ أي: لا تعبدوا إلَّ الله إنني لكم منه نذير - أي: الله نذيرٌ لكم (١) - من عبادة غيره، كما قال: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. قوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عطفٌ على الأوّل. ﴿ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ أي: ارجعوا إليه بالطاعة والعبادة. وقال الفرّاء: (ثمَّ) هنا بمعنى الواو، أي: وتوبوا إليه؛ لأنَّ الاستغفارَ هو التوبة، والتوبةُ هي الاستغفار(٢). وقيل: استغفروه من سالف ذنوبكم، وتوبوا إليه من المستأنَفِ متى وقعتْ منكم. قالَ بعض الصلحاء: الاستغفارُ بلا إقلاع توبةُ الكَذَّابين(٣). وقد تقدَّم هذا المعنى في ((آل عمران)) مستوفّى(٤). وفي ((البقرة)) عند قوله: ﴿وَلَ نَّخِذُوَّأْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُواْ﴾ [الآية: ٢٣١](٥). وقيل: إنَّما قدَّم ذكرَ الاستغفار لأنَّ المغفرة هي الغرضُ المطلوب، والتوبةُ هي السبب إليها؛ فالمغفرةُ أوَّلٌ في المطلوب وآخِرٌ في السبب. ويحتمل أنْ يكون المعنى: استغفروه من الصغائر، وتوبوا إليه من الكبائر(٦). ﴿يُمَنِّعَّكُمْ مَنَعَا حَسَنًا﴾ هذه ثمرةُ الاستغفار والتوبة، أي: يمتِّعكم بالمنافع من سَعَة الرِّزق ورَغَد العيش، ولا يستأصِلُكُم بالعذاب كما فعل بمن أهلك قبلَكم(٧). وقيل: (١) قوله: أي: الله نذير لكم. ليس في (ظ). (٢) تفسير البغوي ٢/ ٣٧٣، وزاد المسير ٤/ ٧٥ . (٣) النكت والعيون ٤٥٦/٢ . (٤) ٥/ ٣٢٤ . (٥) ١٠١/٤ - ١٠٢. (٦) النكت والعيون ٤٥٦/٢ . (٧) ينظر معاني القرآن للزجاج ٣٨/٣. والنكت والعيون ٤٥٦/٢ . ٦٨ سورة هود: الآيات ١ - ٤ ﴿يُعَنِّعَكُمْ﴾: يُعمِّركم؛ وأصلُ الإمتاع: الإطالة، ومنه: أمتع اللهُ بك، ومَتَّع(١). وقال سهلُ بن عبد الله: المتاع الحسن: تركُ الخَلْق، والإقبالُ على الحق(٢). وقيل: هو القناعةُ بالموجود، وتركُ الحزن على المفقود(٣). ﴿إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّى﴾ قيل: هو الموت. وقيل: القيامة(٤). وقيل: دخول الجنة. والمتاعُ الحسن على هذا: وقاية كل مكروه وأمرٍ مَخُوف، ممَّا يكون في القبر وغيره من أهوال يوم(٥) القيامة وكُرَبها. والأوَّل أظهر؛ لقوله في هذه السورة: ﴿وَيَقَوْمِ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ ◌ُوبُواْ إِلَيْهِ بُرْسِلِ السَّمَّءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [الآية: ٥٢]. وهذا ينقطع بالموت، وهو الأجلُ المسمَّى. والله أعلم. قال مقاتل: فأبَوا فدعا عليهم رسولُ اللـه :﴿، فابتُلُوا بالقَحْط سبعَ سنين، حتَّى أكلوا العظامَ المحرَّقَة والقَذَر والجيفَ والكلاب(٦). ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَةٌ﴾ أي: يؤتِ كلَّ ذي عملٍ من الأعمال الصالحات جزاءَ عِمله(٧). وقيل: ويؤتِ كلَّ من فَضَلت حسناته على سيئاته ((فَضْلَهُ))، أي: الجنة، وهي فِضِلُ الله(٨). فالكناية في قوله: ((فَضْلَهُ)) ترجع إلى الله تعالى(٩). وقال مجاهد: هو ما يحتسبُه الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عملٍ يعملُه بيده أو رجله، أو ما (١) غريب القرآن لابن قتيبة ص٢٠١، ومعاني القرآن للنحاس ٣٢٨/٣. (٢) النكت والعيون ٤٥٦/٢ . (٣) ينظر النكت والعيون ٤٥٦/٢، وتفسير البغوي ٣٧٣/٢. (٤) النكت والعيون ٢/ ٤٥٦، وزاد المسير ٤/ ٧٥ . (٥) لفظ: يوم. من (ظ). (٦) ذكره أبو الليث في تفسيره ١١٦/٢، وذكر نحوه المصنف في تفسير الآية (١٦) من سورة الجن، ولم ینسبه. (٧) تفسير أبي الليث ١١٦/٢٢ ونسبه للضحاك. (٨) الوجيز للواحدي ٣٧٩/١. (٩) زاد المسير ٤/ ٧٥ . ٦٩ سورة هود: الآيات ١ - ٥ تطوَّع به من ماله، فهو فضلُ الله يؤتيه ذلك إذا آمن، ولا يتقبله منه إنْ كان كافراً(١). ﴿وَإِن تَوَلَّوْ فَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ أي: يومَ القيامة، وهو كبيرٌ لما فيه من الأهوال. وقيل: اليومُ الكبير: هو يوم بدر وغيره. و(تَوَلَّوْا)) يجوز أنْ يكون ماضياً ويكون المعنى: وإن تولّوا فقل لهم: إنِّي أخافُ عليكم. ويجوز أن يكون مستقبلاً حُذِفت منه إحدى التاءين والمعنى: قل لهم: إنْ تتولَّوا فإني أخافُ عليكم(٢). قوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: بعد الموت. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من ثوابٍ وعقاب. قوله تعالى: ﴿أَاّ إِنَّهُمْ يَثْنُنَ صُدُوَرَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ شِيَّابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَّ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ أخبر عن معاداةِ المشركين للنبيِّ # والمؤمنين، ويظنُّون أنَّه تخفى على الله أحوالهم. ((يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) أي: يطوونَها على عداوة المسلمين، ففيه هذا الحذف، قال ابن عباس: يُخفونَ ما في صدورهم من الشَّحناء والعَداوة، ويظهرون خلافه، نزلت في الأخنسٍ بن شُريق، وكان رجلاً حُلوَ الكلام حُلو المنظر (٣)، يلقى رسولَ الله :﴿ بما يحبّ، وينطوي له بقلبه على ما يسوء (٤). وقال مجاهد: ﴿يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ﴾: شكًّا وامتراءٌ(٥). وقال الحسن: يثنونَها على ما فيها من الكفر(٦). وقيل: نزلتْ في بعض المنافقين، كان إذا مرَّ بالنبيّ # ثَنَى صدره وظهره، وطأطأً (١) ينظر تفسير مجاهد ٢٩٩/١، وتفسير الطبري ٣١٤/١٢. (٢) ينظر المحرر الوجيز ٣/ ١٥٠. (٣) في النسخ: المنطق. والمثبت من المصادر الآتية. (٤) تفسير البغوي ٣٧٣/٢ . وأسباب النزول للواحدي ص٢٦٨ وعند الواحدي: يطوي. بدل: ينطوي. (٥) تفسير مجاهد ٢٩٩/١، وأخرجه الطبري ٣١٧/١٢، وابن أبي حاتم ١٩٩٩/٦ (١٠٦٥٨). (٦) النكت والعيون ٤٥٧/٢، وزاد المسير ٧٧/٤، ونسب فيهما إلى مجاهد بدل الحسن. ٧٠ سورة هود: الآية ٥ رأسَه وغطّى وجهه، كي لا يراه النبيُّ# فيدعوَه إلى الإيمان. حُكي معناه عن عبد الله ابن شدَّادُ(١)، فالهاء في ((مِنْهُ)) تعودُ على النبيِّ ﴾. وقيل: قال المنافقون: إذا أغلقنا أبوابنا، واستغشينا ثيابَنا، وثَنَينا صدورَنا على عداوة محمدٍ؛ فمن يعلم بنا؟ فنزلت الآية (٢). وقيل: إنَّ قوماً من المسلمين كانوا يَتَنَسَّكون بسَتر أبدانهم، ولا يكشفونَها تحت السماء، فبيَّن الله تعالى أنَّ التَّنَسُّك ما اشتملت عليه قلوبهم من معتقد، وأظهروه من قولٍ وعمل(٣). ورَوى ابنُ جريج(٤) عن محمد بن عبّاد بن جعفر قال: سمعتُ ابنَ عباس رضي الله عنهما يقول: ((أَلَا إِنَّهُمْ تَْتَوْنِي صُدُورُهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ))(٥) قال: كانوا لا يجامعون النساء، ولا يأتون الغائط وهم يُفضون إلى السماء، فنزلت هذه الآية. وروى غير محمد بن عباد عن ابن عباس: ((أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِ صُدُورُهُمْ)) كالأوَّل، وهو بغير ياء(٦)؛ ومعنى ((تَثْنَوْنٍ))(٧) والقراءتين الأُخريين متقارب؛ لأنها لا تَثْنَوني (١) تفسير البغوي ٣٧٣/٢، وزاد المسير ٧٦/٤. وأخرجه سعيد بن منصور (١٠٧٨ - تفسير)، والطبري ٣١٦/١٢ - ٣١٧، وابن أبي حاتم ١٩٩٩/٦ (١٠٦٥٩). (٢) ذكره الزجاج في معاني القرآن ٣٨/٣ - ٣٩، والواحدي في الوسيط ٥٦٤/٢، والبغوي ٣٧٣/٢، والرَّازي في تفسيره ١٨٥/١٧. وبنحوه أخرجه الطبري ٣١٩/١٢ عن قتادة. (وفي بعضها ذكر: المشركون، بدل: المنافقون). (٣) النكت والعيون ٤٥٨/٢ . (٤) في (م): ابن جرير، وهو خطأ. (٥) وقع في النسخ الخطية: تشنوي صدورهم - بغير نون بعد الواو في وزن تنطوي - ليستخفوا منه ... الخ. والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٢٧٢/٢، والكلام منه، وهو الموافق لما في صحيح البخاري (٤٦٨١) (٤٦٨٢)، وتفسير الطبري ٣٢٠/١٢. (٦) في (م) ونسخة كما في حاشية إعراب القرآن للنحاس ٢٧٢/٢: ((ألا إنهم تثنوي صدورهم)) بغير نون بعد الواو، في وزن تنطوي (وهي رواية شاذة أيضاً) والمثبت من النسخ الخطية وهو المناسب لما في إعراب القرآن للنحاس. وقد رويت فيها ألفاظ أخرى شاذة، ينظر المحتسب ٣١٩/١، والدر المصون ٢٨٤/٦ - ٢٨٨ . (٧) في (م): تنوي. ٧١ سورة هود: الآيتان ٥ - ٦ حتى يَثْنُوها (١)، وقيل: كان بعضُهم ينحني على بعض ليُسارَّه(٢) في الطّعن على المسلمين، وبلَغَ من جهلهم أنْ توهَّموا أنَّ ذلك يخفى على الله تعالى(٣). (لِيَسْتَخْفُوا)) أي: ليتواروا عنه؛ أي: عن محمدٍ أو عن الله(٤). ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ أي: يُغُون رؤوسهم بثيابهم. قال قَتَادة: أخفى ما يكون العبد إذا حَنَى ظهرَه، واستغشى ثوبَه، وأضمرَ في نفسِه هَمَّه(٥). ٤ قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اَللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ٦ كُلُّ فِ كِتَبٍ تُبِينٍ قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّ عَلَى اَللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ((ما)) نفي، و ((مِنْ)) زائدةٌ، و((دَابَّةٍ)) في موضع رفع؛ التقدير: وما دابةٌ(٦). ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ((على)) بمعنى ((مِن))؛ أي: من الله رزقُها؛ يدلُّ عليه قول مجاهد: كلُّ ما جاءها من رزقٍ فمن الله(٧). وقيل: ((على الله)) أي: فضلاً لا وجوباً(٨). وقيل: وعداً منه حقًّا - وقد تقدَّم بيانُ هذا المعنى في (النساء))(٩) - وأنَّه سبحانه لا يَجب عليه شيءٍ(١٠). (١) في (ز) و(ظ): لأنها لا تنوي حتى يثنونها، وفي (د) و(ف): لأنها تثنون حتى يثنونها. والمثبت من إعراب القرآن للنحاس. (٢) في (ظ) و(م): يساره، والمثبت من (د) و(ز) و(ف) وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ٢٧٢/٢ . والكلام منه. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٢/٢ - ٢٧٣ . (٤) زاد المسير ٤/ ٧٨ . (٥) الوسيط للواحدي ٥٦٤/٢، وزاد المسير لابن الجوزي ٧٨/٤. وأخرجه الطبري ٣١٩/١٢. (٦) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٨٥/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٧٣/٢. (٧) الوسيط للواحدي ٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٣٢٤/١٢ . (٨) زاد المسير ٧٨/٤ . (٩) ٦ / ٤٥٠ . (١٠) ينظر المحرر الوجيز ١٥١/٣. ٧١ سورة هود: الآية ٦ (ِزْقُهَا)) رفع بالابتداء، وعند الكوفيين بالصفة(١)؛ وظاهرُ الآية العموم، ومعناها الخصوص؛ لأنَّ كثيراً من الدوابِّ هَلَك قبل أنْ يُرزق. وقيل: هي عامة في كُلِّ دابَّةٌ(٢)، وكلُّ دابَّة لم تُرزق رزقاً تعيش به فقد رُزقت رُوحَها. ووجه النظم بما قبلُ: أنَّه سبحانه أخبرَ برزق الجميع، وأنَّه لا يَغْفُل عن تربيته، فكيف تَخفى عليه أحوالُكم يا معشرَ الكفَّار وهو يرزقكم(٣)؟! والدَّابةُ: كلُّ حيوانٍ يَدِبُّ (٤). والرزقُ حقيقته: ما يَتغذَّى به الحيُّ، ويكونُ فيه بقاءُ رُوحِه، ونَماءُ جسده. ولا يجوز أنْ يكونَ الرِّزق بمعنى المِلك؛ لأنَّ البهائمَ تُرزق، وليس يصحُّ وصفُها بأنَّها مالكةٌ لِعَلَفها؛ وهكذا الأطفالُ تُرزق اللّبنَ، ولا يقال: إنَّ اللّبن الذي في الثّدي مِلكُ للطفل، وقال تعالى: ﴿وَفِ التَّمَاءِ رِزْفُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وليس لنا في السماء مِلك؛ ولأنَّ الرِّزق لو كان مِلكاً، لكان إذا أكلَ الإنسان من مِلك غيره أنْ يكون قد أكل من رزق غيره، وذلك محالٌ؛ لأنَّ العبدَ لا يأكل إلَّا رزقَ نفسه. وقد تقدَّم في ((البقرة)) هذا المعنى(٥)، والحمد لله. وقيل لبعضهم: من أين تأكل؟ فقال: الذي خلق الرَّحى يَأتيها بالطّحين، والذي شَدقَ الأشداق هو خالق الأرزاق. وقيل لأبي أسيد: من أين تأكل؟ فقال: سبحان الله، والحمد لله(٦)، والله أكبر! إنَّ الله(٧) يرزُق الكلب أفلا يرزُق أبا أسيد(٨)). (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٣/٢ . (٢) قوله: في كل دابة. من (د) و(م). وينظر المحرر الوجيز ١٥١/٣ . (٣) ينظر مجمع البيان ١١٩/١٢. (٤) تفسير البغوي ٢/ ٣٧٤، وزاد المسير ٧٨/٤ . (٥) ٢٧٢/١. (٦) قوله: والحمد لله من (ظ). (٧) قوله: إن الله. ليس في النسخ الخطية. (٨) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٠٢ . وأبو أسيد هو الفزاري من زهاد أهل دمشق. تاريخ دمشق ٦٦ /٠١٢ ٧٣ سورة هود: الآية ٦ وقيل لحاتم الأصمّ(١): من أين تأكل؟ فقال: من عند الله؛ فقيل له: الله يُنزل لك دنانير ودراهم من السماء؟! فقال: كأنْ ما لَه إلا السماء! يا هذا، الأرضُ له والسماءُ له؛ فإنْ لم يؤتني رزقي من السماء ساقَه لي من الأرض؛ وأنشد: ورازقُ هذا الخلقِ في العُسْرِ واليُسْرِ وكيف أخافُ الفقرَ واللهُ رازقي وللضَبِّ في البَيْدا وللحُوتِ(٢) في البحرِ(٣) تَكَفَّلَ بالأرزاقِ للخلقِ كُلُّهم وذكر التِّرمذيّ الحكيم في ((نوادر الأصول))(٤) بإسناده عن زيد بن أسلم: أنَّ الأشعريِّين - أبا موسى، وأبا مالك، وأبا عامر في نفرٍ منهم - لمَّا هاجروا قدموا(٥) على رسول اللـه* في فُلْكٍ(٦)، وقد أَرْمَلوا من الزاد(٧)، فأرسلوا رجلاً منهم إلى رسول الله* يسأله، فلما انتهى إلى باب رسول الله # سمعَه يقرأ هذه الآية: ﴿وَمَا مِن دَآبَّقِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِ كِتَبٍ تُّبِينٍ﴾ فقال الرجل: ما الأشعريُّون بأهون الدوابِّ على الله؛ فرجع ولم يدخل على رسول الله ﴾؛ فقال لأصحابه: أبشروا أتاكم الغَوْث، ولا يظنون إلَّا أنَّه قد كلَّم رسولَ الله ﴿ فوعده؛ فبينا هم كذلك إذْ أتاهم رجلان يحملان قصعةً بينهما مملوءةً خبزاً ولحماً، فأكلوا منها ما شاؤوا، ثم قال بعضهم لبعض: لو أنَّا رَدَدْنا هذا الطعامَ إلى رسول الله ﴾ ليقضيَ به حاجته، فقالوا للرجلين: اذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله ﴿ فإنَّا قد قضينا (١) هو أبو عبد الرحمن، حاتم بن عنوان بن يوسف البلخي، له كلام جليل في الزهد والمواعظ والحكم. توفي سنة (٢٣٧هـ). السير ٤٨٤/١١ - ٤٨٧ . (٢) في (د) و(ز) و(ف) و(م): والحوت .. والمثبت من (ظ). (٣) أورد البيتين اليوسي في زهر الأكم في الأمثال والحكم ٢/ ٥١ . (٤) ص ٢٥٣ . (٥) في (م): وقدموا. والمثبت من النسخ، وهو الموافق لنوادر الأصول. (٦) في النسخ: ذلك. والمثبت من نوادر الأصول، وهو الأوفق مع قصة قدوم أبي موسى الأشعري وقومه من الحبشة إلى المدينة ينظر: صحيح مسلم (٢٥٠٢). (٧) أرملوا: أي: نَفِدَ زادهم. وأصله من الرَّمْل، كأنهم لصقوا بالرَّمْل، كما قيل للفقير: التَّرِب. النهاية (رمل). ٧٤ سورة هود: الآيتان ٦ - ٧ منه حاجتَنا، ثم إنَّهم أتَوا رسول الله ﴾؛ فقالوا: يا رسول الله ما رأينا طعاماً أكثرَ ولا أطيبَ من طعام أرسلتَ به؛ قال: ((ما أرسلتُ إليكم طعاماً)). فأخبروه أنَّهم أرسلوا صاحبَهم، فسأَلَه رسولُ اللـه ﴾، فأخبره ما صَنَع، وما قال لهم؛ فقال رسول الله﴾: ((ذلك شيءٌ رزقَكُمُوه الله)). قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ أي: من الأرض حيثُ تأوي إليه ﴿وَسْتَوْدَعَهَا﴾ أي: الموضع الذي تموت فيه فتدفن؛ قاله مِقْسَم عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الربيع بن أنس: ((مُسْتَقَرَّهَا)): أيام حياتها، ((وَمُسْتَوْدَعَهَا)): حيث(١) تموت وحيث تُبعث. وقال سعيد بن جُبير عن ابن عباس: ((مُسْتَقَرَّهَا)) في الرَّحِم، ((وَمُسْتَوْدَعَهَا)) في الصلب(٢). وقيل: ((يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا)) في الجنة أو النار، ((وَمُسْتَوْدَعَهَا)) في القبر؛ يدلُّ عليه قوله تعالى في وصف أهل(٣) الجنة وأهل النار: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٧٦] و﴿سَآءَتْ مُسْتَقَرَّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] ﴿كُلِّ فِي كِتَبٍ تُبِينٍ﴾ أي: في اللَّوح المحفوظ (٤). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِيِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَيْنِ قُلْتَ إِنَّكُمْ تَبْعُولُونَ مِنْ بَعْدِ اَلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ٧ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ﴾ تقدَّم في ((الأعراف))(٥) بيانه والحمد لله. ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ بيَّن أنَّ خَلْق العرش والماء قبل خلق الأرض (١) في النسخ الخطية: حين، والمثبت من (م) وهو الموافق لتفسير الطبري. (٢) أخرج هذه الأقوال الطبري ٣٢٥/١٢، ٣٢٧، ٤٣٨/٩. (٣) لفظة: أهل، من (م). (٤) تفسير البغوي ٢/ ٣٧٤ . (٥) ٢٣٧/٩. ٧٥ سورة هود: الآية ٧ والسماء. قال كعب: خلق الله ياقوتةً خضراء، فنظر إليها بالهيبة، فصارت ماءً يرتعد من مخافة الله تعالى؛ فلذلك يرتعد الماء إلى الآن وإنْ كان ساكناً، ثمَّ خلق الرِّيحَ فجعل الماءَ على مَتْنها، ثُمَّ وَضَع العرشَ على الماءِ(١). وقال سعيد بن جُبير عن ابن عباس: إنه سُئل عن قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ فقال: على أيِّ شيءٍ كان الماء؟ قال: على مَتْن الرِّيح(٢). ورَوى البخاريّ عن عِمْران بن حُصَين، قال: إني(٣) عند النبيّ : ﴿ إِذْ جاءه قومٌ من بني تميم، فقال: (إِقْبَلُوا الْبُشْرى يا بني تميم)) قالوا: بَشَّرْتَّنَا فأعطِنا. فدخل ناسٌ من أهل اليمن، فقال: ((إِقْبِلُوا البُشْرى يا أهل اليمن، إذْ لم يقبلها بنو تميم)). قالوا: قَبِلنا، جئنا لنتفقه في الدِّين، ولنسألك عن أولِ هذا الأمر ما كان؟ قال: ((كان اللهُ ولم يكنْ شيءٌ قبله(٤)، وكانَ عرشه على الماء، ثمَّ خلق السماواتِ والأرضَ، وكتبَ في الذِّكْر كلَّ شيء)). ثم أتاني رجلٌ فقال: يا عِمران، أدركْ ناقتك فقد ذهبت، فانطلقتُ أطلُبُها؛ فإذا السَّرابُ ينقطع دونها(٥)؛ وايمُ اللهِ لَوَدِدْتُ أنَّها قد ذهبتْ ولم أَقُمْ(٦). قوله تعالى: ﴿لِبْلُكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: خلقَ ذلك لِيبتليَ عبادَه بالاعتبار والاستدلال على كمال قُدرته، وعلى البعث. وقال قَتَادة: معنى ((أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)): أيُّكُم أتمُّ عقلاً(٧). وقال الحسن وسفيان الثَّوريّ: أيُّكم أزهدُ في الدنيا(٨). (١) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٣٧٤، والخبر من الإسرائيليات التي يرويها كعب. (٢) أخرجه الطبري ٣٣٣/١٢ - ٣٣٤. (٣) في (م) و(د): كنت، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في صحيح البخاري. (٤) في (م): غيره. (٥) وقع في (م): فإذا هي يقطع دونها السراب. (٦) صحيح البخاري (٧٤١٨)، وهو عند أحمد (١٩٨٧٦). (٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٦ (١٠٧٠٨). (٨) زاد المسير ٧٩/٤، والنكت والعيون ٤٥٩/٢، وأخرج قول سفيان ابن أبي حاتم ٢٠٠٦/٦ (١٠٧٠٧). ٧٦ سورة هود: الآية ٧ وذكر أنَّ عيسى عليه السلام مرَّ برجلٍ نائم فقال: يا نائم، قُم فتعبَّد، فقال: يا رُوح الله قد تَعبَّدتُ، فقال: وما (١) تَعَبَّدتَ؟ قال: قد تركتُ الدنيا لأهلِها. قال: نَمْ، فقد فُقْتَ العابدين(٢). الضَّحَّاك: أيُّكم أكثر شكراً(٣). مقاتل: أيكم أتقى لله. ابن عباس: أيُّكم أعملُ بطاعة الله عزَّ وجلَّ(٤). ورُويَ عن ابن عمر أنَّ النبيَّ ﴿ تلا: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: ((أيُّكم أحسنُ عقلاً، وأورعُ عن محارم الله، وأسرعُ في طاعة الله))(٥) فجمعَ الأقاويل كلَّها، وسيأتي في ((الكهف)) هذا أيضاً إن شاء الله تعالى(٦). وقد تقدَّم معنى الابتلاء(٧). ﴿وَلَيْنِ قُلْتَ إِنَّكُمْ تَبْعُوقُنَ﴾ أي: دللتَ يا محمد على البعث ﴿مِنُ بَعْدٍ الْمَوْتِ﴾ وذكرتَ ذلك للمشركين لقالوا: هذا سحر. وكُسِرت ((إنّ) لأنَّها بعد القول مبتدأة. وحكى سيبويه الفتح(٨). ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرْوَا﴾ فُتِحت اللَّام [التي قبل النون] لأنَّه فعلٌ متقدِّم لا ضمير فيه، وبعده (لَيَقُولُنَّ)) لأنَّ فيه ضميراً (٩). (١) في (م): وبم. (٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ١٠/ ٤٠٦ بنحوه. (٣) النكت والعيون ٤٥٩/٢ . (٤) زاد المسير ٧٩/٤ . (٥) أخرجه الطبري ٣٣٥/١٢، وابن أبي حاتم ٢٠٠٦/٦ (١٠٧٠٥) والحارث بن أبي أسامة في مسنده (٨٣١) عن داود بن المحبَّر، عن عبد الواحد بن زياد، عن كليب بن وائل، عن ابن عمر، به. قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص٨٦ : داود ساقط. (٦) عند تفسير الآية: ٧ منها. (٧) ٨٨/٢ - ٨٩. (٨) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٣/٢. (٩) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٣/٢ . وما بين حاصرتين منه. ٧٧ سورة هود: الآيتان ٧ - ٨ و﴿سِخْرٌ﴾ أي: غرورٌ باطل، لبطلان السحر عندهم (١). وقرأ حمزةُ والكسائيّ: (إِنْ هَذَا إِلَّا سَاحِرٌ مُبِينٌ))(٢) كناية عن النبي ◌َ﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ أَخَرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَ أُنَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيْقُولُيَّ مَا يَحْيِسُهُ، أَلَا يَوْمَ يَأْنِهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِئُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ أَخَّنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُنٍَّ مَعْدُودَةٍ﴾ اللام في ((لَئِنْ)) للقسم(٣)، والجواب: (لَيَقُولُنَّ)). ومعنى (إِلَى أُمَّةٍ)): إلى أجلٍ معدود، وحينٍ معلوم؛ فالأمَّة هنا المدَّة؛ قاله ابن عباس ومجاهد وقَتَادة وجمهور المفسّرين(٤). وأصلُ الأمَّة: الجماعة؛ فعبّر عن الحين والسنين بالأُمَّة، لأنَّ الأمَّة تكون فيها(٥). وقيل: هو على حذف المضاف؛ والمعنى: إلى مجيء أُمَّةٍ ليس فيها مَنْ يؤمن، فيستحقُّون الهلاكَ. أو: إلى انقراض أُمَّةٍ فيها مَنْ يؤمن، فلا يَبقى بعد انقراضها من يؤمن(٦). والأُمَّة اسمٌ مشتركٌ يقال على ثمانية أوجه: فالأمَّة تكون: الجماعة؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ﴾ [القصص: ٢٣]. والأمَّة أيضاً: أتباعُ الأنبياء عليهم السلام. والأمَّة: الرجلُ الجامع للخير، الذي يُقتدى به؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةُ قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠]. والأُمّة: الدِّين والمِلَّة؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابََءَنَا عَلَ أُمَّتِ﴾ [الزخرف: ٢٢]. والأمَّة: الحينُ والزمان؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَخَّنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمٍَّ مَّعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، والأمَّة: القامة، وهو طولُ الإنسان وارتفاعه؛ يقال من ذلك: (١) ينظر معاني القرآن للزجاج ٣/ ٤٠ . (٢) السبعة ص٢٤٩، والتيسير ص١٠١ . (٣) في (ز) و(ظ): لام القسم، وينظر المحرر الوجيز ١٥٣/٣. (٤) أخرج قولهم الطبري ٣٣٧/١٢ - ٣٣٨ . (٥) ينظر النكت والعيون ٢/ ٤٦٠ . (٦) ينظر النكت والعيون ٤٦٠/٢، وزاد المسير ٨٠/٤ . ٧٨ سورة هود: الآيات ٨ - ١١ فلانٌ حسن الأُمَّة، أي: القامة. والأمَّة: الرجلُ المنفرد بدينه وحده، لا يَشْرَكُه فيه أحدٌ؛ قال النبي ﴾: ((يُبعَث زيدُ بن عمرو بن نُفَيْل أُمَّةً وحدَه))(١). والأمَّة: الأُمُّ؛ يقال: هذه ◌ُمَّة زيد؛ يعني: أمّ زيد (٢). ﴿لَيْقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ يعني: العذاب؛ وقالوا هذا إما تكذيباً للعذاب لتأخره عنهم، أو استعجالاً واستهزاء، أي: ما الذي يحبسه عنا (٣). ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْنِهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ قيل: هو قتلُ المشركين ببدر؛ وقتلُ جبريل المستهزئين على ما يأتي(٤). ﴿وَحَاقَ بِهِم﴾ أي: نزل وأحاط ﴿مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي: جزاءُ ما كانوا به يستهزئون، والمضاف محذوف. قوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ أَذَقْنَا اُلْإِنسَنَ مِنَّا رَحْمَةٌ ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيْتُوسُ كَفُورُ ﴾ وَلَيِنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَتْهُ لَيَقُولَنَ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنَّّ إِنَّهُ لَفَرِحُ فَخُورُ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ @) قوله تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَا الْإِنسَنَ مِنَّا رَحْمَةٌ﴾ الإنسانُ اسمٌ شائعٌ للجنس في جميع الكفار(٥). ويقال: إنَّ الإنسان هنا: الوليد بن المغيرة، وفيه نزلت. وقيل: في (١) أخرجه الإمام أحمد (١٦٤٨) من طريق نُفيل بن هشام بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، عن أبيه، عن جده. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٤١٧ وقال: فيه المسعودي وقد اختلط، وبقية رجاله ثقات. (٢) نزهة القلوب السجستاني ص١١٣. (٣) النكت والعيون ٢/ ٤٦٠ . (٤) عند تفسير الآية: ٩٥ من سورة الحجر. (٥) قال الزجاج في معاني القرآن ٤١/٣: والإنسان اسم للجنس في معنى الناس اهـ وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ١٥٣/٣: وقال بعض الناس في هذه الآية ﴿الإنسَانُ﴾ إنما يراد به الكافر، وحملَه على ذلك لفظة ﴿كَفُورٍ﴾ وهذا عندي مردود، لأن صفة الكفر لا تطلق على جميع الناس كما تقتضي لفظة (الإنسان)). ٧٩ سورة هود: الآيات ٩ - ١١ عبد الله بن أبي (١) أميّة المخزوميّ(٢). ((رَحْمَةً)) أي: نعمة. ﴿ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ﴾ أي: سلبناه إياها ﴿إِنَّهُ لَيَّتُسُ﴾ أي: آيسٌ(٣) من الرحمة ﴿كَفُورُ﴾ للنعم؛ جاحدٌ لها؛ قاله ابن الأعرابيّ. النحاس(٤): ((لَيَؤُوسٌ)) من يَئِس بَيْأَس، وحكى سيبويه(٥): يئس يَيْئِس على فَعِل يَفْعِل، ونظيره: حَسِب يَحْسِب، ونَعِم يَنْعِم، وبَيْس يَبْئِس(٦). وبعضهم يقول: يَئس يَبْشِسُ(٧)؛ لا يعرف في الكلام(٨) إلَّا هذه الأربعةُ الأحرف من السَّالم جاءت على فَعِل يفعِل(٩)؛ وفي واحد منها اختلاف. وهو يَئِسٌ، ويَؤُوسٌ على التكثير؛ کفخور، للمبالغة. قوله تعالى: ﴿وَلَيِنَّ أَذَقْتَهُ نَعْمَآءَ﴾ أي: صحةً ورَخاءً وسَعةً في الرزق ﴿بَعْدَ ضَرَآءَ مَسَّتْهُ﴾ أي: بعد ضُرِّ وفقرٍ وشدَّة ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىَّ﴾ أي: الخطايا التي (١) لفظة: أبي، من (م)، وهو الموافق لما في الوسيط للواحدي. وعبد الله بن أبي أمية المخزومي، أخو أم سلمة أم المؤمنين، كان شديداً على المسلمين قبل إسلامه، ثم أسلم فكانت له صحبة، ينظر الإصابة ٥/ ١١. (٢) الوسيط للواحدي ٢ / ٥٦٦ . (٣) في (م): يائس. (٤) في إعراب القرآن ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤ . (٥) في الكتاب ٤/ ٥٤ . (٦) في النسخ: يئس ييئس، بالياء، وهو تكرار، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس، وينظر أدب الكاتب ٤٨٣ والكامل للمبرد ٧٥٤/٢ . (٧) كذا في النسخ، وفي إعراب القرآن للنحاس: يئِس ييأس. وليسا بمرادَيْنٍ في هذا السياق. ولعل الصواب: يئسَ بئْسُ، فقد ذكره سيبويه في الكتاب ٥٤/٤ نقلاً عن بعض العرب قال: فحذفوا الياء من يفْعِل لاستثقال الياءات ههنا مع الكسرات. اهـ أو أن الصواب: يئسَ ياءسُ، كما نقل الزَّبيدي في تاج العروس (يئس) عن المبرّد أن منهم من يُبدل في المستقبل من الياء الثانية ألفاً. (٨) في (م): الكلام العربي. (٩) وأورد ابن السِّيد في الاقتضاب ص ٢٣٢ أيضاً: يَبِسَ يَيْبِسُ، وعلى هذا تكون الأفعال الشاذة من الصحيح من باب فعِل يفعّل ويفعل: خمسة، كما ذكر. ٨٠ سورة هود: الآيات ٩ - ١٣ تسوءُ صاحبَها من الضُّرّ والفقر(١). ﴿إِنَّهُ لَفَرِعْ فَخُورُ﴾ أي: يفرح ويفخر بما ناله من السَّعَة، وينسى شكر الله عليه؛ يقال: رجلٌ فاخرٌ: إذا افتخر، وفخورٌ للمبالغة. قال يعقوب القارئ: وقرأ بعضُ أهل المدينة: ((لَفَرُحُ)) بضمِّ الراء (٢)، كما يقال: رجلٌ فَطُنُ وحَذُرٌ ونَدُسٌ. ويجوز في كلتا اللغتين الإِسكانُ لِثقل الضمَّة، والكسرة(٣). قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ يعني المؤمنين، مدحَهم بالصبر على الشدائد. وهو في موضع نصب. قال الأخفش(٤): هو استثناءٌ ليس من الأوَّل؛ أي: لكن الذین صبروا وعملوا الصالحات في حالتي النعمة والمحنة. وقال الفراء(٥): هو استثناءٌ من ((وَلَيْنْ أَذَقْنَاهُ)) أي: من ((الإنسان))، فإنَّ الإنسان بمعنى النَّاس(٦)، والناس: يشمل الكافر والمؤمن؛ فهو استثناءٌ متصل وهو حسن. ﴿أُوْلَيْكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ ابتداءٌ وخبر ﴿وَأَجْرٌ﴾ معطوف ﴿كَبِيرٌ﴾ صفة. قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُواْ لَوْلاً أُنزِلَ عَلَيْهِ كَفُرُّ أَوْ جَآءَ مَعَهُمْ مَلَكْ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ أُسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ أي: فلعلَّكَ لِعظيمٍ ما تراه منهم من الكفر والتكذيب تتوهَّم أنَّهم يُزيلُونَك عن بعض ما أنت عليه(٧). (١) ينظر الوسيط للواحدي ٥٦٦/٢ . (٢) القراءات الشاذة ص٥٩ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٤/٢. (٤) في معاني القرآن له ٢/ ٥٧٥ . وهو قول الزجاج أيضاً في معاني القرآن له ٤١/٣ . (٥) في معاني القرآن له ٤/٢ - ٥ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٤/٢، وعنه نقل المصنف كلام الأخفش والفراء. (٧) في (ز): فيه، وفي هامشها: ما أمرت به. وينظر الوسيط للواحدي ٢/ ٥٦٦، وفيه: ما أنت عليه من أمر ربك.