Indexed OCR Text

Pages 1-20

كَاِالقُرآنِ
الخَامِعُ لأَغْـ
٧
وَاَلُبَيِّنُ لَمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَي القُرْقَانِ
تَأليف
أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَقَدِيْنِ أَحْمَد بْنِ أَبِي بَكْرِ القُرُيِّ
( ت ٦٧١ هـ )
تَحقِيْق
الدكتور عبد الله بن عبدالمحسن التركي
شَارَكَ في تَحْقِيْقِ هَذَا الْجُزْء
محمد رضوان عرفيِوسي غياث الحاج أحمد
:
13
الجُزْءُ الْحَادِيْ عَشرُ
مؤسسة الرسالة

جَمْعُ الحقوق محفوظة لِلنّاشِرْ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م
مؤسسة الرسالة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا- بناية المسكن، بيروت - لبنان
للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩ -٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠
Al-Resalafı
BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax:818615-P.O.Box:117460
Email: Resalah@Cyberia.net.Ib
PUBLISHERS

بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَمِ
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌّ فَإِذَا جَآَةَ رَسُولُهُمْ تُفِىَ بَبْنَهُم بِلْقِسْطِ وَهُمْ لَا
٤٧
يُظْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَةٍ رَّسُولٌّ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ يكون
المعنى: ولكلٍّ أُمَّة رسولٌ شاهدٌ عليهم، فإذا جاء رسولُهم يومَ القيامة قُضيَ بينهم،
مثل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا ◌ِثْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم بِشَهِيدٍ﴾(١) [النساء: ٤١]. وقال ابن عباس: تُنكر
الكفَّارُ غداً مجيءَ الرُّسُل إليهم، فيُؤْتَى بالرَّسول فيقول: قد أبلغتُكُم(٢) الرِّسالة،
فحينئذ يُقضَى عليهم بالعذاب، دليلُه قولُه: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
[البقرة: ١٤٣].
ويجوز أنْ يكونَ المعنى: أنَّهم لا يُعذَّبون في الدنيا حتى يُرسَلَ إليهم، فمن آمنَ
فازَ ونجا، ومَن لم يؤمن هلكَ وعُذِّب، دليلُه قولُه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ بَعَثَ
رَسُولًا﴾ (٣) [الإسراء: ١٥]. والقِسْطُ: العدل. ((وهم لا يُظلَمُونَ)) أي: لا يُعذَّبون بغيرِ
ذنبٍ، ولا يُؤاخذون بغيرِ حُجَّة(٤).
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
٤٨
يُريد كفارَ مكةً؛ لفرطِ إنكارِهم، واستعجالِهم العذاب، أي: متى العقابُ، أو
متى القيامةُ التي يَعِدُنا محمد . وقيل: هو عامّ في كلِّ أمَّةٍ كذَّبت رسولَها (٥).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٧/٢.
(٢) في (ز) و(ظ) و(ف): أبلغتهم.
(٣) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٥٧/٢.
(٤) تفسير البغوي ٣٥٦/٢ .
(٥) ينظر زاد المسير ٣٧/٤ .

٦
سورة يونس: الآيتان ٤٩ - ٥٠
قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِىِ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ اَللّهُ لِكُلِّ أُنٍَّ أَبَلَّ إِذَا
٤٩
جَ أَلُهُمْ فَلَ يَسْتَفْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ
قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِ ضَرَّ وَلَا نَفْعًا﴾ لمَّا استعجلوا النَّبِيَّ # بالعذاب
قال الله له: قُلْ لهم يا محمد: لا أَملك لنفسي ضرًّا ولا نفعاً، أي: ليس ذلك لي ولا
لغيري. ﴿إِلَّا مَا شَآءَ الََّ﴾ أنْ أَمْلَكَه وأَقدِرَ عليه، فكيف أَقدِرُ أنْ أَملكَ ما استعجلتم؟!
فلا تستعجلوا(١). ﴿لِكُلِّ أُنَّةٍ أَبَلُ﴾ أي: لهلاكهم وعذابهم وقتٌ معلوم في عِلْمه
سبحانه . ﴿إِذَا جَلّءَ أَلُهُمْ﴾ أي: وقتُ انقضاء أَجَلهم. ﴿فَلاَ يَسْتَفْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا
يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أي: لا يُمكنُهم أن يستأخروا ساعةً باقين في الدنيا، ولا يتقدَّمون
فيؤخّرون.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَوَيْتُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ عَذَابُ بَيَنْتَّا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعِْلُ مِنَّهُ
الْمُجْرِمُونَ
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَّهَيْتُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ عَذَابُ بَيَتَّا أَوْ نَهَارًا﴾ ظرفان، وهو جوابٌ
لقولهم: ((متى هذا الوعدُ»، وتسفيهٌ لآرائهم في استعجالهم العذاب، أي: إنْ أتاكم
العذابُ؛ فما نَفْعُكم فيه؟ ولا ينفعكم الإيمانُ حينئذ. ﴿مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾
استفهامٌ معناه التهويل والتعظيم، أي: ما أعظمَ ما يستعجلون به، كما يقال لمن
يطلبُ أمراً يَستوخِمُ عاقبتَه: ماذا تجني على نفسك(٢)؟ والضمير في ((منه)) قيل: يعود
على العذاب، وقيل: يعود على الله سبحانه وتعالى.
قال النحاس(٣): إنْ جعلتَ الهاء في (منه)) تعود على العذاب؛ كان لك في ((ماذا))
تقديران: أحدهما: أن يكون ((ما)) في موضع رَفْع بالابتداء، و ((ذا)) بمعنى الذي، وهو
خبر ((ما))، والعائد محذوف. والتقدير الآخر: أن يكون ((ماذا)) اسماً واحداً في موضع
(١) ينظر تفسير أبي الليث ٢/ ١٠١ .
(٢) الكلام بنحوه في الوسيط ٢/ ٥٥٠ .
(٣) في إعراب القرآن ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨.

٧
سورة يونس: الآيتان ٥٠ - ٥١
رَفْع بالابتداء، والخبر في الجملة؛ قاله الزجاج(١). وإن جعلتَ الهاء في ((منه)) تعود
على اسم الله تعالى جعلتَ ((ما))، و((ذا)) شيئاً واحداً، وكانت(٢) في موضع نصب
بـ(يستعجل))؛ والمعنى: أيَّ شيءٍ يستعجل(٣) المجرمون من الله عزَّ وجلَّ.
قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنْتُمْ بِّهَ ءَّالْتَنَ وَقَدْ كُم بِهِ، تَسْتَعِْلُونَ
٥١
قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنْتُم بِّهِ ءَالْتَنَ﴾ في الكلام حذفٌ، والتقدير: أتأمنون
أن ينزِلَ بكم العذابُ، ثم يقال لكم إذا حلَّ: الآن آمنتُم به (٤)؟ قيل: هو مِن قول
الملائكة استهزاءً بهم. وقيل: هو مِن قول الله تعالی.
ودخلت ألفُ الاستفهام على ((ثم))، والمعنى: التقرير والتوبيخ، وليدلَّ على أن
معنى الجملة الثانية بعد الأُولى.
وقيل: إنَّ((ثم)) هاهنا بمعنى: ((ثَمّ)) بفتح الثاء، فتكون ظرفاً، والمعنى: أهنالك،
وهو مذهب الطبري(٥)، وحينئذٍ لا يكون فيه معنى الاستفهام.
و ((الآن)) قيل: أصلُه [: آنَ] فعل مبنيٌّ مثل: حان، والألفُ واللام لِتحويله إلى
الاسم. الخليل: بُنِيَتْ(٦) لالتقاء الساكنين، والألفُ واللَّام للعهد والإشارة إلى
الوقت، وهو حَدُّ الزَّمانين(٧). ﴿وَقَدْ كُم بِهِ﴾ أي: بالعذاب ﴿تَسْتَعِْلُونَ﴾.
(١) في معاني القرآن ٢٤/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس.
(٢) في إعراب القرآن للنحاس: وإن جعلت الهاء في ((منه)) تعود على اسم الله جلّ وعزَّ، وجعلت ((ماذا))
شيئاً واحداً، كانت ....
(٣) بعدها في النسخ: منه، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس، ومعاني الزجاج.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٨/٢ .
(٥) تفسير الطبري ١٩٠/١٢ - ١٩١. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ١٢٤/٣: وما ادَّعاه الطبري غير
معروف.
(٦) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٥٨/٢، والكلام فيه بنحوه، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٧) يعني حدّ الزمان الماضي من آخره وحدّ الزمان المستقبل من أوله. تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة
ص٣٩٨ .

٨
سورة يونس: الآيات ٥٢ - ٥٤
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجَزَّوْنَ إِلَّا بِمَا كُ
تَكْسِبُونَ
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: تقول لهم خزنةُ جهنم: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ
اْخُلِّ﴾ أي: الذي لا ينقطع. ﴿هَلْ تُّجُزَّوَنَ إِلَّا بِمَا كُ تَكْسِبُونَ﴾ أي: جزاء كُفركم (١).
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَِّئُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحَّ وَمَا أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ أي: يستخبرونك يا محمد عن كون العذاب وقيامٍ
الساعة: ﴿أَحَقّ﴾ُ ابتداء. ﴿هُوَ﴾ [فاعل] سدَّ مَسَدَّ الخبر، وهذا قولُ سيبويه. ويجوز
أن يكون ((هو)) مبتدأ، و((أحقٌّ) خبره(٢).
﴿قُلّ إِى﴾ ((إي)) كلمةُ تحقيقٍ وإيجابٍ وتأكيد بمعنى: نعم. ﴿وَرَبِ﴾ قَسَمُ . ﴿إِنَّهُ
لَحَّ﴾ جوابُه، أي: كائن لا شكَّ فيه. ﴿وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِينَ﴾ أي: فائتين عن عذابه
ومُجازاته(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسِ ظَلَمَتْ مَا فِىِ الْأَرْضِ لَأَفْتَدَتْ بِهِ، وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ
لَمَّا رَأَوَأْ الْعَذَابِّ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
٥٤
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ أي: أَشركتْ وكفرتْ. ﴿مَّا فِىِ الْأَرْضِ﴾
أي: مِلكاً. ﴿لَآَفْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من عذاب الله، يعني: ولا يُقبل منها(٤)، كما قال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ أَقْتَدَى
بِؤُهُ﴾ [آل عمران: ٩١]. وقد تقدَّم.
قوله تعالى: ﴿وَسَرُواْ النَّدَامَةَ﴾ أي: أَخْفَوْها، يعني رؤساءهم، أي: أَخْفَوْا
(١) ينظر تفسير أبي الليث ١٠١/٢.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٨/٢، وما بين حاصرتين منه.
(٣) تفسير البغوي ٣٥٧/٢ .
(٤) تفسير أبي الليث ٢/ ١٠٢ .

٩
سورة يونس: الآية ٥٤
ندامتَهم عن أتباعهم . ﴿لَمَّا رَأَوَأ الْعَذَابِ﴾ وهذا قبل الإحراق بالنار، فإذا وقعوا في
النار أَلْهَتْهم النارُ عن التصنُّع، بدليل قولهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا
[المؤمنون: ١٠٦]. فبيَّن أنهم لا يَكْتُمون ما بهم. وقيل: ((أسَرُّوا)): أظهروا، والكلمة من
الأضداد، ويدلُّ عليه أنَّ الآخرةَ ليست دارَ تَجلُّد وتَصبُّر(١). وقِيل: وجدوا أَلَمَ
الحسرة في قلوبهم؛ لأن الندامةً لا يُمكن إظهارُها. قال كُثَيِّر:
فأسررتُ الندامةَ يومَ نادى .
بردّ جِمال غاضرةَ المُنادي(٢)
وذكر المبرّد فيه وجهاً ثالثاً (٣): أنه بَدَتْ بالندامة أسِرَّةُ وجوههم، وهي تكاسیرُ
الجبهة، واحدها سِرَار. والنَّدامة: الحسرةُ لوقوع شيءٍ أو فَوْت شيءٍ، وأصلُها
اللُّزوم، ومنه: النديم لأنه يُلازم المجالس. وفلان نادمٌ سادٌ. والسَّدَم: اللَّهَج
بالشيء. ونَدِم وتندّم(٤) بالشيء، أي: اهتمّ به. قال الجوهري(٥): السَّدَم - بالتحريك -
الندم والحزن؛ وقد سَدِم بالكسر، أي: اهتمَّ وحَزِن، ورجل نادٌ سادٌ، وندمانُ
سَدْمانُ، وقيل: هو إتباع. وما له همٍّ ولا سَدَم إلا ذلك. وقيل: النَّدم مقلوبُ
الدَّمْن(٦)، والدّمْن: اللُّزوم، ومنه فلان مُدْمن الخمر. والدِّمْن: ما اجتمع في الدار
وتلبَّد من الأبوال والأبعار، سُمِّيَ به لِلُزومه. والدِّمْنة: الحقد الملازم للصدر،
والجمع دِمَن. وقد دَمِنَتْ قلوبُهم؛ بالكسر، يقال: دَمِنْتُ على فلان، أي: ضَغِنْتُ.
﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ أي: بين الرؤساء والسُّفَّل؛ بالعدل(٧). ﴿وَهُمْ لَا
يُظْلَمُونَ﴾.
(١) ينظر تفسير البغوي ٢/ ٣٥٧، وتفسير الرازي ١١١/١٧ - ١١٢.
(٢) ديوان كُثَيِّر عزَّة ص١٣٧، وقوله: غاضرة: اسم امرأة.
(٣) نقله المصنف عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٤٣٨/٢
(٤) في (ز) و(ظ) و(ف): سدم.
(٥) في الصحاح (سدم) و(ندم) و(دمن).
(٦) في الصحاح (ندم): المنادمة مقلوبة من المدامنة.
(٧) تفسير أبي الليث ١٠٢/٢ .

١٠
سورة يونس: الآيات ٥٥ - ٥٨
قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِْ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَتٌ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (®)
((أَلَا)) كلمةُ تنبيهٍ للسامع، تُزاد في أوَّل الكلام، أي: انتبهوا لِما أقولُ لكم: ﴿إِنَّ
لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَّ﴾: له مُلْكُ السَّماواتِ والأرض، فلا مانعَ
يمنعُه مِن إنفاذٍ ما وعدَه(١). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك.
قوله تعالى: ﴿هُوَ يُحِ، وَيُمِتُ وَإِلَيْهِ تُرْحَعُونَ
بَيِّنُ المعنى، وقد تقدَّم(٢).
٥٦
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ تَكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّيَّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِ الصُّدُورِ
COV
وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يعني: قريشاً. ﴿قَدْ جَاءَتَّكُم مَوْعِظَةٌ﴾ أي: وعظّ.
﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يعني: القرآنَ، فيه مواعظُ وحِكَم(٣). ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِىِ الصُّدُورِ﴾ أي:
مِن الشكِّ والنفاقِ والخلافِ والشّقاق. ﴿وَهُدُى﴾ أي: رَشَدٌ لمن اتَّبَعه. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾
أي: نعمةٌ. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ خصَّهم؛ لأنَّهم المنتفِعون بالإيمان، والكلُّ صفاتُ القرآن،
والعطفُ لتأكيدِ المدح. قال الشاعر:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمام ولَيثِ الكَتِيبةِ في المُزْدَحَمْ(٤)
قوله تعالى: ﴿قُلّ بِفَضْلِ الَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ
قوله تعالى: ﴿قُلّ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِ﴾ قال أبو سعيد الخُدريّ وابن عباس رضي
الله عنهما: فضلُ الله القرآن، ورحمتُه الإسلام. وعنهما أيضاً: فضلُ الله القرآن،
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٩/٢ .
(٢) ٣٧٣/١ وما بعدها.
(٣) الوسيط للواحدي ٢/ ٥٥٠ .
(٤) سلف ٢/ ٨٥، وقوله: القرم: السيد.

١١
سورة يونس: الآية ٥٨
ورحمتُه أنْ جعلَكم مِن أهله. وعن الحسن والضخَّاك ومجاهد وقتادة: فضلُ الله
الإيمان، ورحمتُه القرآن، على العكس مِن القَولِ الأوَّل(١). وقيل غيرُ هذا.
﴿فَإِذَلِكَ فَلْيَفْرَهُواْ﴾ إشارةٌ إلى الفضلِ والرحمة. والعربُ تأتي ((بذلك)) لِلواحدِ
والاثنين والجميع. ورُوي عن النبيِّ ﴾ أنَّه قرأ: ((فبذلك فَلْتَفْرَحُوا)) بالتاء، وهي قراءةٌ
يزيد بن القَعْقاع(٢) ويعقوب(٣) وغيرهما، وفي الحديث: ((لِتَأخذوا مصافَّكُم)) (٤).
والفرحُ للَّةٌ في القلب بإدراك المَحبُوب. وقد ذُمَّ الفرحُ في مواضع، كقوله: ﴿لَا
تَفْرَعٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحُ فَخُورُ﴾ [هود: ١٠]،
ولكنَّه مطلقٌ. فإذا قُيِّد الفرحُ لم يكن ذمًّا؛ لقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
[آل عمران: ١٧٠]، وهاهنا قال تبارك وتعالى: ﴿فِذَلِكَ فَليَفْرَحُواْ﴾ أي: بالقرآن
والإسلام فليفرحوا، فقيَّد(٥).
قال هارون: وفي حرف أُبَيّ: ((فِذلِك فافرحوا))(٦). قال النحاس(٧): سبيلُ الأمر
أنْ يكونَ باللام؛ ليكونَ معه حرفٌ جازم كما أنَّ مع النَّهي حرفاً؛ إلَّا أنَّهم يحذِفون مِن
الأمر للمخاطَب استغناءً بمخاطبته، وربما جاؤوا به على الأصل، منه: ((فبذلك
فَلْتفرحوا».
(١) تنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ١٩٥/١٢ - ١٩٧، والنكت والعيون ٤٣٩/٢، وزاد المسير
٤ /٤٠ - ٤١ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٩/٢، والقراءات الشاذة ص ٥٧ . وقراءة يزيد بن القعقاع (وهو أبو جعفر)
المشهورة عنه: ((فليفرحوا» بالياء، و((تجمعون)) بالتاء، وهي قراءة ابن عامر، كما سيرد.
(٣) في رواية رُويس عنه. النشر ٢٨٥/٢.
(٤) أورده بهذا اللفظ الفراء في معاني القرآن ١/ ٤٧٠ في سياق كلامه على قراءة أُبيّ الآتي ذكرها. وهو
قطعة من حديث معاذ بن جبل عند أحمد (٢٢١٠٩)، والترمذي (٣٢٣٥) لكن بلفظ: ((على مَصَافُكم
کما أنتم)، وحينئذ فلا شاهد فيه.
(٥) الحجة لأبي علي الفارسي ٢٨٣/٤، والمحرر الوجيز ١٢٦/٣ .
(٦) المحتسب ٣١٣/١. وهارون: هو ابن موسى بن شريك التغلبي، الأخفش، أبو عبد الله، الإمام
الكبير، مقرئ دمشق، له تصانيف في القراءات والعربية. توفي سنة (٢٩٢هـ). السير ٥٦٦/١٣ .
(٧) في إعراب القرآن ٢٥٩/٢، وما قبله منه.

١٢
سورة يونس: الآيتان ٥٨ - ٥٩
﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾ يعني: في الدنيا. وقراءةُ العامّة بالياء في الفعلَين،
ورُويَ عن ابن عامر أنَّه قرأ: ((فَلْيَفرحوا)) بالياء، ((تجمعون)) بالتاءِ(١)، خطاباً
للكافرين. ورُويَ عن الحسن أنَّه قرأ بالتاء في الأوَّل، و((يجمعون)) بالياء على
العكس(٢). وروى أبان عن أنس، أنَّ النبيَّ﴾ قال: ((مَن هداه اللهُ للإسلام، وعلَّمه
القرآنَ، ثم شكا الفاقةَ، كتبَ اللهُ الفقرَ بين عَيْنيه إلى يوم يَلقاه. ثم تلا: ﴿قُلّ بِفَضْلِ
اَِّ وَبِرَحْمَتِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِمَا يَجْمَعُونَ﴾))(٣).
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَهَيْتُمِ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا
وَحَلَّا قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (
٥٩
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَا﴾
فيه مسألتان :
الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَبَيْتُمْ﴾ يُخاطب كفَّارَ مكة(٤). ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمُ
مِّنْ زِزْقٍ﴾ (ما)) في موضع نصبٍ بـ ((أرأيتُم))، وقال الزجَّاج(٥): في موضعِ نصبٍ
بـ ((أَنزل)). ((وَأَنْزَلَ)) بمعنى: خلقَ، كما قال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَّةَ أَزْوَجٍ﴾
[الزمر: ٦]. ﴿وَأَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]. فيجوزُ أنْ يُعبّر عن الخَلْق
بالإنزال؛ لأنَّ الذي في الأرض مِن الرزقِ إنَّما هو بما يَنزلُ مِن السماء مِن المطر(٦).
(١) السبعة ص٣٢٧ - ٣٢٨، والتيسير ص ١٢٢.
(٢) ينظر المحتسب ٣١٣/١.
(٣) النكت والعيون ٤٣٩/٢. وأخرجه أبو القاسم بن بشران في أماليه كما في الدر المنثور ٣٠٩/٣ .
وأبان: هو ابن أبي عيّاش فيروز، أبو إسماعيل البصري. قال أحمد ويحيى بن معين: متروك. ميزان
الاعتدال ١٠/١ .
(٤) تفسير البغوي ٣٥٨/٢.
(٥) في معاني القرآن ٢٥/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٥٩/٢.
(٦) تفسير الرازي ١٧/ ١٢٠.

١٣
سورة يونس: الآيتان ٥٩ - ٦٠
﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَلًا﴾ قال مجاهد: هو ما حَكموا به مِن تحريم البَحِيرة
والسَّائبة والوصِيلة والحام(١). وقال الضحَّاك: هو قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ إِلَّهِ مِنَّا
ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦].
﴿قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ أي: في التَّحليلِ والتَّحريم. ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ﴾ ((أم)) بمعنى:
بل. ﴿تَقْتَرُونَ﴾ هو قولُهم: إنَّ اللهَ أمرَنا بها(٢).
الثانية: استدلَّ بهذه الآية مَن نفَى القياس، وهذا بعيد؛ فإنَّ القياسَ دليلُ اللهِ
تعالى، فيكونُ التَّحليلُ والتحريمُ مِن الله تعالى عند وجودٍ دلالةٍ نصَبها الله تعالى على
الحُكم، فإنْ خالفَ في كونِ القياس دليلاً لله تعالى فهو خروجٌ عن هذا الغرضٍ
ورجوعٌ إلى غيره(٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو
فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴾
قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ اَلْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ (يوم)) منصوبٌ
على الظرف، أو بالظنّ، نحو ما ظنُّك زيداً (٤)، والمعنى: أيحسبون أنَّ اللهَ لا
يُؤاخذهم به(٥). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: في التأخيرِ والإمهال. وقيل:
أرادَ أهل مكةً حين جعلَهم في حَرَمِ آمن. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ﴾ يعني الكفارَ. ﴿لَا
يَشْكُرُونَ﴾ الله على نعمِه، ولا في تأخيرِ العذابِ عنهم. وقيل: ((لا يشكرون)): لا
يُوحِّدون(٦).
(١) سلف شرحها ٨/ ٢٣٧ .
(٢) تفسير البغوي ٢/ ٣٥٨، وأخرج قولي مجاهد والضحاك الطبريُّ ٢٠٢/١٢ - ٢٠٣.
(٣) أحكام القرآن للكيا الهراسي ٢٢٣/٣، وينظر أحكام القرآن للجصاص ١٦٣/٣ .
(٤) ينظر الكشاف ٢/ ٢٤٢.
(٥) تفسير البغوي ٣٥٨/٢ .
(٦) ينظر الوسيط للواحدي ١/ ٣٧١، والوجيز له (بهامش مراح لبيد) ٣٧١/١.

١٤
سورة يونس: الآية ٦١
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُنُ فِي شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا
كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيَةٍ وَمَا يَعْزُبُ عَن زَّيِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ
٦١
وَلَا فِ السَّمَآءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِنَبٍ مُبِينٍ
﴾
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُنُ فِ شَأَنٍ﴾ ((ما)) للجحد، أي: لست في شأن، يعني: من
عبادةٍ أو غيرها إلا والرَّبُّ مُطَّلِعٌ عليك. والشأن: الخَطْب والأمر، وجمعه شؤون. قال
الأخفش: تقول العرب: ما شأنْتُ شَأْنَه، أي: ما عملتُ عَمَلَه(١).
﴿وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِنْ قُرْءَانٍ﴾ قال الفرّاء والزجَّاج: الهاء في ((منه)) تعود على الشأن،
أي: تُحدِث شأناً فَيُتلى من أجله القرآن؛ فيعلم كيف حُكمه، أو ينزل فيه قرآنٌ
فَيُتلى (٢). وقال الطبري(٣): ((منه)) أي: من كتاب الله تعالى مِن قُرآنٍ؛ أعاد تفخيماً،
كقوله: ﴿إِنّىَ أَنَا اَللَّهُ﴾ [طه: ١٤]. ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ يُخاطب النبيَّ لَ ﴾ والأُمَّة.
وقوله: ﴿وَمَا تَكُنُ فِى شَأْنٍ﴾ خِطابٌ له، والمراد هو وأُمَّته، وقد يُخاطَب الرسول
والمُراد هو وأتباعُه(٤). وقيل: المُراد كفارُ قريش. ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ أي:
نَعْلِمُهُ(٥)، ونظيرُه: ﴿مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَى ثَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧].
وَإِذْ تُفِيضُونَ فِيةٍ﴾ أي: تأخذون فيه(٦)، والهاء عائدةٌ على العمل(٧)، يقال:
أفاضَ فلانٌ في الحديث والعمل: إذا اندفع فيه. قال الراعي:
فأَفَضْنَ بعدَ كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةٍ مِن ذِي الأباطحِ إِذْ رَعَيْنَ حَقِيلًا(٨)
(١) ذكره الرازي في تفسيره ١٧/ ١٢١ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٩/٢، وقول الزجاج في معاني القرآن ٢٦/٣.
(٣) في تفسيره ١٢/ ٢٠٤. وينظر الكشاف ٢٤٢/٢ .
(٤) ينظر الوسيط للواحدي ٢/ ٥٥٢ .
(٥) في (ز) و(ظ): بعلمه.
(٦) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ١٩٧.
(٧) تفسير البغوي ٣٥٩/٢ .
(٨) ديوان الراعي ص٢٢٤، وسلف ٣١٨/٥، فينظر شرح غريبه ثمَّة، وينظر تهذيب اللغة ٧٨/١٢.

١٥
سورة يونس: الآية ٦١
ابنُ عباس: ((تُفِيضُونَ فِيهِ)): تفعلونه(١). الأخفش: تتكلَّمون. ابن زيد: تخوضون.
ابن كَيسان: تنشُرون القول. وقال الضحاك: الهاء عائدةٌ على القرآن، المعنى: إذ
تُشيعون في القرآن الكذب(٢).
﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّيِّكَ﴾ قال ابن عباس: يغيب(٣). وقال أبو رَوق: يَبعُدُ. وقال ابن
کیسان: يذهب .
وقرأ الكسائيّ: ((يعزِب)) بكسر الزاي حيث وقع؛ وضمَّ الباقون(٤)، وهما لغتان
فصيحتان، نحو يَعْرِش ويَعْرُش(٥). ﴿مِن مِثْقَالٍ﴾ ((من)) صلة؛ أي: وما يَعزُب عن ربِّك
مِثقال ﴿ذَرَّةٌ﴾، أي: وزن ذرَّة، أي: نُمَيْلة حمراء صغيرة، وقد تقدَّم في ((النساء))(٦).
﴿فِ الْأَرْضِ وَلَ فِ السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾ عطف على لفظ ((مِثقال))، وإنْ
شئتَ على ((ذَرَّة)). وقرأ يعقوبُ وحمزةُ بِرفع الراء فيهما(٧) عطفاً على موضع ((مِثقال))؛
لأن ((من)) زائدة للتأكيد. وقال الزجَّاج: ويجوزُ الرفع على الابتداء(٨). وخبره: ﴿إِلَّا
فِي كِتَبِ تُِّينٍ﴾(٩) يعني: اللوح المحفوظ مع علم الله تعالى به.
قال الجُرْجاني: ((إلا)) بمعنى واو النَّسق، أي: وهو في كتاب مُبين، كقوله
تعالى: ﴿إِ لَا يَخَافُ لَدَ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠-١١] أي: ومن ظلم. وقوله:
﴿إِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُبَّةُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] أي: والذين ظلموا
(١) أخرجه الطبري ١٢/ ٢٠٤ .
(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ٢٠٥ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٠٨/١٢ .
(٤) السبعة ص٣٢٨، والتيسر ص١٢٢ - ١٢٣ .
(٥) الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٥٢٠ .
(٦) ٦/ ٣٢١ - ٣٢٢. وينظر الوسيط للواحدي ٢٥٢/٢، وتفسير البغوي ٣٥٩/٢.
(٧) السبعة ص٣٢٨، والتيسير ص١٢٣، والنشر ٢٨٥/٢ .
(٨) ينظر معاني القرآن له ٢٦/٣ .
(٩) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٠/٢.

١٦
سورة يونس: الآيتان ٦١ - ٦٢
منهم (١). فـ ((إلا)) بمعنى واو النسق. وأضمر ((هو)) بعده، كقوله: ﴿وَقُولُواْ حِقَّةٌ﴾
[البقرة: ٥٨] أي: هي حِظَّة، وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَهٌ﴾ [النساء: ١٧١] أي: هم ثلاثة.
ونظيرُ ما نحن فيه: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ كُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ
وَلَا يَايِسٍ إِلَّا فِ كِتٍَ مُِّينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] أي: وهو في كتاب مُبين.
قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ الَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيَّهِمْ﴾ أي: في الآخرة. ﴿وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾ لفقد الدنيا. وقيل: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، أي: مَن تولَّاء اللـه
تعالى وتولَّى حِفْظَه وحِياطتَه ورَضِيَ عنه فلا يخاف يومَ القيامة ولا يحزن، قال الله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا﴾ أي: عن جهنم ﴿مُبْعَدُونَ﴾
إلى قوله ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾(٢) [الأنبياء: ١٠١ -١٠٣].
ورؤى سعيد بن جُبير أن رسول الله # سُئل: مَن أولياء الله؟ فقال: ((الذين يُذكّر
اللهُ برؤيتهم)»(٣).
وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية: سمعتُ رسولَ الله ﴾ يقول: ((إنَّ مِن عبادِ
الله عباداً ما هُم بأنبياءَ ولا شهداءَ؛ تَغْبِطُهم الأنبياءُ والشهداءُ يومَ القيامة لِمَكانهم من
الله تعالى)). قيل: يا رسولَ الله، خبِّرنا مَن هُم، وما أعمالُهم، فلعلّنا نحبُّهم؟. قال:
((هم قومٌ تحابّوا في الله على غيرِ أرحامٍ بينهم ولا أموالٍ يتعاطون بها، فواللهِ إنَّ
وجوهَهم لَنورٌ، وإنهم على منابرَ من نورٍ، لا يخافون إذا خافَ الناسُ، ولا يحزّنون
إذا حَزِن الناسُ)) ثم قرأ: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(٤).
(١) قال الرازي في تفسيره ١٢٤/١: هذا الوجه في غاية التعسُّف، وقال أبو حيان في البحر ١٧٥/٥ :
وهذا قول ضعيف، ولم يثبت من لسان العرب وضع ((إلا)) موضع الواو.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٠/٢ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٠٩/١٢، وهو مرسل. وأخرجه النسائي في الكبرى (١١١٧١)، والطبراني في الكبير
(١٢٣٢٥)، والبزار (٣٦٢٦) (زوائد) عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٥٢٧)، والطبري ٢١١/١٢ - ٢١٢، وفي الباب عن أبي هريرة ﴾ أخرجه النسائي
في الكبرى (١١١٧٢)، والطبري ٢١١/١٢ ، وصححه ابن حبان (٥٧٣).

١٧
سورة يونس: الآيات ٦٢ - ٦٤
وقال عليّ بن أبي طالب ﴾: أولياءُ اللهِ قومٌ صُفْرُ الوجوه من السَّهر، عُمْشُ
العيون من العِبَر، خُمْصُ البطون من الجوع، يُبْسُ الشِّفاه من الذَّوِيّ(١).
وقيل: ((لا خَوْفٌ عليهم)) في ذُرِّيَّتهم؛ لأنَّ الله يتولَّاهم. ((ولا هم يحزنُونَ)) على
دنياهم؛ لتعويض الله إيَّاهم في أُولاهم وأُخراهم؛ لأنه وَليُّهم ومولاهم.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (٦))
هذه صفةُ أولياء الله تعالى، فيكون: ﴿ الَّذِينَ﴾ في موضع نَصْبٍ على البدل من
اسم ((إنّ)) وهو ((أولياء)). وإنْ شئتَ على أعني. وقيل: هو ابتداءٌ، وخبره: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى
فِي الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةْ﴾ (٢)، فيكون مقطوعاً مما قبلَه. أي: يتَّقون الشِّرك
والمعاصي.
قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِىِ اَلْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةْ لَ نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّه
ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيرُ
قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِىِ الْحَيَوِ الذُّنْيَا﴾ عن أبي الدّرداء قال: سألتُ
رسولَ الله# عنها فقال: ((ما سألني أحدٌ عنها غيرُك منذ أُنزِلتْ، هي الرؤيا الصالحة
يَراها المسلمُ أو تُرَى له)). خرَّجه الترمذي في ((جامعه))(٣). وقال الزُّهريّ وعطاء
وقتادة: هي البِشارة التي تُبشِّر بها الملائكةُ المؤمنَ في الدنيا عند الموت (٤) . .
وعن محمد بن كعب القُرَظِيّ قال: إذا استنقعتْ نفسُ العبدِ المؤمن(٥)؛ جاءه
(١) نسبه العجلوني في كشف الخفاء ٥٨/١ للثعلبي، وهو ضعيف. قوله: الذويّ، أي: الذُّبول.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٠/٢.
(٣) الحديث (٣١٠٦)، وهو في مسند أحمد (٢٧٥٢٠) مختصر، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعبادة
ابن الصامت ﴾ عند أحمد (٧٠٤٤) و(٢٢٦٨٨).
(٤) أخرج قول الزُّهري وقتادة الطبري ٢٢٤/١٢، وذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٣٦٠ عن عطاء عن ابن
عباس رضي الله عنهما.
(٥) أي: إذا اجتمعت فيه تريد الخروج، كما يستنقع الماء في قراره. وأراد بالنفس الروح. النهاية (نقع).

١٨
سورة يونس: الآية ٦٤
مَلك الموت فقال: السلامُ عليكَ يا ولِيَّ الله، اللهُ يُقرِئك السلام. ثم نزع بهذه الآية:
﴿الَّذِينَ نَُّهُمُ الْمَئِكَةُ لَِّبِينٌ يَقُولُونَ سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ [النحل: ٣٢] ذكره ابن المبارك(١).
وقال قتادة والضحَّاك: هي أن يعلمَ أين هو من قبل أن يموتَ(٢). وقال الحسن:
هي ما يُبَشِّرهم اللهُ تعالى في كتابه من جنَّته وكريم ثوابه؛ لقوله: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم
بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَنٍ﴾ [التوبة: ٢١]، وقوله: ﴿وَبَثْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَلِحَتِ أَنَّ
لَمْ جَنَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقوله: ﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِ كُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
ولهذا قال: ﴿لَا نَّدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهَ﴾ أي: لا خُلف لمواعيده، وذلك لأنَّ مواعيدَه
بكلماته.
﴿وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ قيل: بالجنة إذا خرجوا مِن قبورهم. وقيل: إذا خرجتِ الروحُ
بُشِّرتْ برِضوان الله(٣).
وذكر أبو إسحاق الثعلبي: سمعتُ أبا بكر محمد بن عبد الله الجَوْزَقِيّ(٤) يقول:
رأيتُ أبا عبد الله الحافظ في المنام راكباً بِرْذَوْناً عليه طَيْلسان وعِمامة، فسأَّمتُ عليه
وقلت له: أهلاً بك، إنا لا نزالُ نذكُرك ونذكُر محاسِنَك، فقال: ونحن لا نزال
نذكرك ونذكر محاسنك؛ قال الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾
الثناء الحسن، وأشار بيده.
﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللهِ﴾ أي: لا خُلف لوعده. وقيل: لا تبديلَ لأخباره، أي: لا
يَنْسَخُها بشيء، ولا تكون إلا كما قال. ﴿ذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ أي: ما يصيرُ إليه
أولياؤه فهو الفوزُ العظيم.
(١) في الزهد (٤٤٢).
(٢) النكت والعيون ٤٤١/٢، وأخرجه الطبري ٢٢٥/١٢ عن الضحاك.
(٣) ينظر الوسيط للواحدي ٥٥٣/٢ - ٥٥٤، وتفسير البغوي ٢/ ٣٦٠، وفيهما قول الحسن السالف.
(٤) الخراساني، الحافظ، المجوّد، له كتاب الصحيح المخرَّج على كتاب مسلم، والمتَّفق الكبير، يكون
في ثلاث مئة جزء. توفي سنة (٣٨٨هـ). وجَوْزَق من قرى نيسابور. السير ١٦/ ٤٩٣.

١٩
سورة يونس: الآيتان ٦٥ - ٦٦
6
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنِكَ قَوْلُهُمُ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ تمَّ الكلام، أي: لا يَحزنْك افتراؤهم
وتكذيبهم لك، ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾ أي: القوّة الكاملة، والغلبة الشاملة،
والقدرة التامَّة لله وحدَه؛ فهو ناصرُك ومُعينك ومانِعُك.
﴿جَمِيعًا﴾ نَصْبٌ على الحال(١)، ولا يُعارض هذا قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ.
وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، فإنَّ كلَّ عزَّة بالله فهي كلُّها لله، قال الله سبحانه: ﴿سُبْحَنَ
رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠].
﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ السميعُ لأقوالهم وأصواتهم، العليم بأعمالهم وأفعالهم
وجمیع حر کاتھم.
قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِّ وَمَا يَتَّبِعُ
الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَاةً إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الَلنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا
٦٦
يخرصون
قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنّ ◌ِلَِّ مَن فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضَِّ﴾ أي: يحكم فيهم
بما يُريد، ويفعل فيهم ما يشاء، سبحانه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَآَةٌ﴾ ((ما)) للنفي،
أي: لا يتَّبعون شركاءَ على الحقيقة، بل يَظنُّون أنها تشفع أو تنفع. وقيل: ((ما))
استفهام، أي: أيَّ شيء يتَبع الذين يدعون من دون الله شركاءَ؟! تقبيحاً لفعلهم(٢)،
ثم أجاب فقال: ﴿إِن يَقَبِعُونَ إِلَّا الََّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أي: يَحدِسُون ويكذبون،
وقد تقدَّم(٣).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٦١.
(٢) ينظر تفسير البغوي ٣٦١/٢، وتفسير الرازي ١٧/ ١٣١.
(٣) ٩/ ٧. وينظر زاد المسير ٤ /٤٦.

٢٠
سورة يونس: الآيتان ٦٧ - ٦٨
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى
٦٧
ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
قوله تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُواْ فِيهِ﴾ بَيَّنَ أنَّ الواجب عبادةٌ من
يَقدِر على خَلْق الليل والنهار؛ لا عبادةُ من لا يقدرُ على شيءٍ. ((لِتَسْكُنُوا فيه)) أي: مع
أزواجكم وأولادكم ليزولَ التَّعبُ والكَلالُ بكم. والسكون: الهدوء عن الاضطراب.
قوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: مُضيئاً لِتَهتدوا به في حوائجكم. والمُبصِر:
الذي يُبصر، والنهار يُبْصر فيه. وقال: ((مُبْصِراً))؛ تجوُّزاً وتوسعاً على عادة العرب في
قولهم: ليلٌ قائم ونھارٌ صائم. وقال جرير:
ونمتٍ وما ليلُ المَطِيِّ بنائم(١)
لقد لُمْتِنا يا أمَّ غَيْلانَ في السُّرَى
وقال قُظْرُب: يقال: أظلمَ الليلُ، أي: صار ذا ظُلمة، وأضاء النهار وأبصرَ،
أي: صار ذا ضياء وبَصَر(٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ﴾ أي: علامات ودلالات. ﴿لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾
أي: سماع اعتبار.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَنَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَأْ سُبْحَنَةٌ هُوَ الْغَنِىِّ لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا
٦٨
فِي الْأَرْضَِّ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى الَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ يعني: الكفار. وقد تقدَّم(٣). ﴿سُبْحَتَّةٌ﴾
نَزَّه نفسَه عن الصاحبةِ والأولاد، وعن الشُّركاء والأنداد. ﴿هُوَ الْفَنِىِّ لَهُ مَا فِ
السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ ثم أخبر بغناهُ المُظْلَق، وأنَّ له ما في السماواتِ والأرضِ
مُلْكاً وخَلْقاً وعبداً، ﴿إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ◌َاِىِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].
(١) ديوان جرير ٩٩٣/٢، وينظر زاد المسير ٤٦/٤.
(٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ١٧٧/٥ .
(٣) ٣٣٣/٢.