Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
سورة التوبة: الآية ١٠٨
قال: من مُبتَدأ الأيام(١).
السادسة: قوله تعالى: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيةٍ﴾ أي: بأن تقوم، فهو في موضع
نصب(٢). و((أَحَقُّ) هو أَفْعَلُ، من الحق، وأَفْعَلُ لا يدخل إلا بين شيئين مشتَرَکین،
لأحدهما في المعنى الذي اشتركا فيه مَزيَّةٌ على الآخَر، فمسجدُ الضَّرار وإن كان
باطلاً لا حقَّ فيه، فقد اشتركا في الحقِّ من جهة اعتقادِ بانيه، أو من جهةِ اعتقادٍ مَن
كان يظنُّ أنَّ القيام فيه جائزٌ للمسجدية، لكن أحد الاعتقادين باطلٌ باطناً عند الله،
والآخَر حقٌّ باطناً وظاهراً، ومثلُ هذا قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا
وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] ومعلومٌ أنَّ الخَيْرية من النار مبعودة، ولكنه جرى على
اعتقاد كلِّ فرقةٍ أنها على خير، وأنَّ مَصِيرها إليه(٣)؛ إذ كلُّ حزبٍ بما لديهم فَرِحون.
وليس هذا من قبيل: العسلُ أحلى من الخل، فإنَّ العسلَ وإن كان حلواً فكلُّ شيءٍ
ملائم فهو حلو، ألا ترى أنَّ مِن الناس مَن يقدِّم الخلَّ على العسل؛ مفرَداً بمفرد،
ومضافاً إلى غيره بمضاف.
السابعة: قوله تعالى: ((فيه))؛ مَن قال: إنَّ المسجد يُراد به مسجدُ النبيِّ ﴾،
فالهاء في ((أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ)) عائدٌ إليه. و((فِيهِ رِجَالٌ)) له أيضاً. ومَن قال: إنه مسجد
قُباء، فالضمير في ((فيه)) عائد إليه على الخلاف المتقدِّم.
الثامنة: أثنى الله سبحانه وتعالى في هذه الآية على مَن أحبَّ الطهارة وآثر
النظافة، وهي مُروءةٌ آدمية ووظيفةٌ شرعية، وفي الترمذيِّ عن عائشة رضوان الله عليها
أنها قالت: مُرْنَ أزواجكنَّ أن يَستطِيبوا بالماء، فإني أستحييهم [فإن رسول الله ﴾
كان يفعله]. قال: حديث صحيح(٤). وثبت أنَّ النبيَّ # كان يحمل الماء معه في
(١) المحرر الوجيز ٨٣/٢، وقال ابن عطية: وهي كما تقول: جئت من قبلك ومن بعدك، وأنت لا تدل
بهاتين اللفظتين إلا على الزمن.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٥/٢.
(٣) بعدها في النسخ: خير، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ١٠٠٥/٢، والكلام منه.
(٤) سنن الترمذي (١٩)، وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٢٤٦٣٩)، والنسائي في المجتبى ٤٢/١-٤٣ .
قولها: فإني أستحييهم، أي: من بيان هذا الأمر. تحفة الأحوذي ١/ ٩٧ .

٣٨٢
سورة التوبة: الآية ١٠٨
الاستنجاء، فكان يستعمل الحجارةَ تخفيفاً، والماءَ تطهيراً(١). ابن العربي: وقد كان
علماء القيروان يتخذون في متوضَّآتهم أحجاراً في تراب يُنقّون بها ثم يستنجون
بالماء(٢).
التاسعة: اللازم في نجاسة المخرج التخفيفُ، وفي نجاسة سائرِ البدنِ والثوبٍ
التطهيرُ. وذلك رخصةٌ من الله لعباده في حالتي وجود الماء وعَدَمِه، وبه قال عامةٌ
العلماء. وشذَّ(٣) ابن حبيب فقال: لا يُستجمر بالأحجار إلا عند عُدْم الماء. والأخبارُ
الثابتةُ في الاستجمار بالأحجار مع وجود الماء تردُّه(٤).
العاشرة: واختلف العلماء من هذا الباب في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب
- بعد إجماعهم على التجاوز والعفو عن دم البراغيث ما لم يتفاحَشْ - على ثلاثة
أقوال :
الأوّل: أنه واجبُ فرضٍ، ولا تجوز صلاةُ مَن صلَّى بثوبٍ نجسٍ، عالماً كان
بذلك أو ساهِياً، رُويَ عن ابن عباس والحسن وابن سيرين، وهو قول الشافعيِّ
وأحمدَ وأبي ثور، ورواه ابن وهب عن مالك، وهو قول أبي الفرج المالكيِّ
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٠٣/٢، وحديث الاستنجاء بالماء أخرجه أحمد (١٢١٠٠)، والبخاري
(٢١٧)، ومسلم (٢٧٠) و(٢٧١). عن أنس ﴾. وحديث الاستنجاء بالأحجار أخرجه أحمد (٣٩٦٦)،
والبخاري (١٥٦) عن ابن مسعود ﴾﴾.
وذكر ابن المنذر في الأوسط ٣٥٧/١: أن الاستنجاء بالأحجار جائز؛ لأن النبي # سنَّه، والاستنجاء
بالماء مستَحَبّ؛ لأن الله أثنى على فاعليه، قال الله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ
الْمُعَّهِرِينَ﴾ ولأن النبي # استنجى بالماء. ولو جمعهما فاعل فبدأ بالحجارة ثم أتبعه الماء كان حسناً،
وأي ذلك فعل يجزيه.
(٢) لم نقف عليه عن ابن العربي، وإنما قاله ابن عطية في المحرر الوجيز ٣/ ٨٤ نقلاً عن أبيه.
(٣) في أحكام القرآن لابن العربي ١٠٠٤/٢ (والكلام منه). وقال، ولم ترد هذه اللفظة في (ظ).
(٤) منها ما أخرجه البخاري (١٨٢)، ومسلم (٢٧٤) عن المغيرة بن شعبة قال: خرج رسول الله# ليقضي
حاجته، فلما رجع تلقَّيته بالإداوة، فصَبَبْتُ عليه فغسل يديه ... ، قال ابن عبد البر في التمهيد ١٣١/١١ :
قوله: فتلقيته بالإداوة، تصريح أنها كانت مع المغيرة، وأن رسول الله ﴿ تبرَّز لحاجته دونَها، وفي ذلك
ما يوضح أنه استنجى بالأحجار بحضرة الماء.

٣٨٣
سورة التوبة: الآية ١٠٨
والطبريِّ، إلَّا أنَّ الطبري قال: إن كانت النجاسة قدْرَ الدرهم أعاد الصلاة. وهو قول
أبي حنيفة وأبي يوسف في مراعاة قَدْر الدرهم قياساً على حلقة الذُّبُر.
وقالت طائفة: إزالةُ النجاسة واجبةٌ بالسُّنة من الثياب والأبدان، وجوبَ سُنةٍ
وليس بفرض. قالوا: ومَن صلَّى بثوبٍ نَجِسٍ أعاد في الوقت، فإن خرج الوقت فلا
شيءَ عليه، هذا قولُ مالكٍ وأصحابه إلا أبا الفرج، وروايةَ ابنِ وَهْبٍ عنه. وقال مالك
في يسير الدم: لا تُعاد منه الصلاة في وقتٍ ولا بعده، وتعاد من يسير البول والغائط،
ونحوُ هذا كلِّه من مذهب مالك قولُ اللَّيث(١). وقال ابن القاسم عنه: تجب إزالتُها في
حالة الذِّكر دون النسيان، وهي من مُفرداته (٢).
والقول الأوّل أصحُّ إن شاء الله، لأنَّ النبيَّ # مَرَّ على قبرين فقال: ((إنهما
ليعذَّبان وما يعذَّبان في كبير، أمَّا أحدُهما فكان يمشي بالنميمة، وأمَّا الآخَرُ فكان لا
يستَتِرُ من بوله)). الحديث، خرَّجه البخاريُّ ومسلم(٣)، وحَسْبُك. وسيأتي في سورة
سبحان(٤). قالوا: ولا يعذَّب الإنسانُ إلا على تركٍ واجبٍ، وهذا ظاهر. وروى أبو
بكر بن أبي شيبة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ # قال: ((أكثرُ عذابِ القبر من البول))(٥).
احتجَّ الآخرون بخلع النبي ﴿ نعليه في الصلاة لمَّا أَعْلَمه جبريلُ عليه السلام أنَّ
فيهما قَذَراً وأذّى ... الحديث. خرَّجه أبو داود وغيرُه من حديث أبي سعيد الخُذْريّ(٦)،
وسيأتي في سورة طه إن شاء الله تعالى(٧).
قالوا: ولمَّا لم يُعِدْ ما صلَّى؛ دلَّ على أنَّ إزالتها سنةٌ وصلاتُه صحيحة، ويُعيد ما
(١) التمهيد ٢٣٢/٢٢ - ٢٣٩، وينظر الاستذكار ٢٠٥/٣ - ٢١٢، وأحكام القرآن لابن العربي ١٠٠٤/٢.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٠٤/٢، وينظر عقد الجواهر الثمينة ١٨/١ - ١٩.
(٣) صحيح البخاري (٢١٨)، وصحيح مسلم (٢٩٢)، وسلف ٣٥٨/٧.
(٤) عند تفسير الآية (٤٤) منها.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة ١٢٢/١، وأخرجه أحمد (٨٣٣١)، وابن ماجه (٣٤٨).
(٦) سنن أبي داود (٦٥٠)، وأخرجه أحمد (١١١٥٣).
(٧) عند تفسير الآية (١٢) منها.

٣٨٤
سورة التوبة: الآيتان ١٠٨ - ١٠٩
دام في الوقت طلباً للكمال(١). والله أعلم.
الحادية عشرة: قال القاضي أبو بكر بنُ العربيّ(٢): وأمَّا الفرقُ بين القليل والكثير
بقَدْر الدرهم البَغْليِّ؛ [يعني كبارَ الدراهم التي هي على قَدْر اسْتِدارةِ الدينار] قياساً
على المَسْرُبة(٣)، فقاسدٌ من وجهين: أحدهما: أنَّ المقدَّرات [عنده](٤) لا تَثبتُ
قياساً؛ فلا يُقبل هذا التقدير [منه]. الثاني: أنَّ هذا الذي خُفِّف عنه في المَسْرُبة رخصةٌ
للضرورة والحاجة، والرُّخَصُ لا يقاس عليها؛ لأنها خارجةٌ عن القياس؛ فلا تُرَدُّ إليه.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُلْيَكِنَهُ عَلَى تَقْوَىُ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرُّ أَم مَّنْ
أَسْسَ بُنْيَكِنَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَأَنْهَارَ بِهِ، فِ نَارٍ جَهَتَّمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوَّمَ
٠٩
الظَّالِمِينَ
فيه خمس مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ﴾ أي: أصَّلَ، وهو استفهامٌ معناه التقرير.
و(مَنْ)) بمعنى الذي، وهي في موضعِ رفعٍ بالابتداء، وخبرُه (خَيْرٌ)).
وقرأ نافعٌ وابن عامر وجماعةٌ: (أُسِّسَ بُنْيَانُهُ)) على بناء ((أُسِّسَ)) للمفعول ورَفْعِ
(بنيان)) فيهما. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزةُ والكسائيُّ وجماعةٌ: ((أَسَّسَ بنيانَه))
على بناء الفعل للفاعل ونَصْبٍ ((بنيانَه)) فيهما(٥)، وهي اختيار أبي عبيد لكثرة مَن قرأ
به، وأنَّ الفاعل سمي فيه (٦).
(١) ينظر الكافي ١/ ٢٤٠، والاستذكار ٢٠٩/٣ وقال فيه ابن عبد البر: وقد روي عن ابن عمر وسعيد بن
المسيب وسالم وعطاء وطاوس ومجاهد والشعبي والزهري في الذي يصلي بالثوب فيه نجاسة وهو لا
يعلم ثم علم: أنه لا إعادة عليه.
(٢) في أحكام القرآن ٢/ ١٠٠٤، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٣) بفتح الراء وضمها هي مجرى الحدث من الدبر. النهاية (سرب). وقد ذكر ابن العربي هذا القول عن
أبي حنيفة في رده عليه على ما يأتي.
(٤) يعني عند أبي حنيفة.
(٥) السبعة ص٣١٨، والتيسير ص١١٩، وقرأ بالثانية من السبعة أيضاً عاصم.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٦/٢.

٣٨٥
سورة التوبة: الآية ١٠٩
وقرأ نصر بن عاصم(١): ((أفمن أُسُسُ)) بالرفع(٢) ((بُنيانِه)) بالخفض. وعنه أيضاً:
(أَسَاسُ بنيانِه)). وعنه أيضاً: ((أُسُّ بنيانِه))(٣) بالخفض. والمراد أصولُ البناء كما تقدَّم.
وحكى أبو حاتم قراءةً سادسة وهي: ((أَفَمَن آساسُ بُنْيانِه)) قال النحاس(٤): وهذا
جمعُ أُسِّ؛ كما يقال: خُفٍّ وأَخْفَاف، والكثير: ((إسَاسٌ)) مثل خِفاف. قال الشاعر:
في البَهالِيل مِن بني العباس(٥)
أَصْبَحِ المُلْكُ ثابتَ الآسَاسِ
الثانية: قوله تعالى: ﴿عَ تَقْوَى مِنَ اللَّهِ﴾ قراءة عیسی بن عمر - فيما حكى
سيبويه - بالتنوين، وأَلِفِهُ ألفُ إلحاقٍ، كألفِ ((تترّى)) فيمن(٦) نوَّن، وقال الشاعر:
يَسْتَنُّ في عَلْقى وفي مُكُورٍ(٧)
وأنکر سيبويه التنوينَ، وقال: لا أدري ما وجهُه(٨).
(١) في النسخ: نصر بن عاصم بن علي، وهو خطأ، وهما اثنان نصر بن عاصم، ونصر بن علي، وينظر
المحرر الوجيز ٨٤/٣؛ والكلام فيه بنحوه، والمحتسب ٣٠٣/١.
(٢) على وزن فُعُل بضم الفاء والعين، وهو جمع أساس، وذكر أبو حاتم أن هذه القراءة لنصر هي: ((أَسَسُ))
بهمزة مفتوحة وسين مفتوحة، وسين مضمومة. المحرر الوجيز ٨٤/٣ .
(٣) على وزن فُعْل، وقد قالوا له: أَس بفتح الألف. المحتسب ٣٠٣/١، وذكر ابن جني هذه القراءة عن
نصر بن علي، وذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٨٤/٣ عن نصر بن عاصم ونصر بن علي.
(٤) في إعراب القرآن ٢٣٦/٢ - ٢٣٧، وما قبله منه، وذكر القراءة الفراء في معاني القرآن ١/ ٤٥٢،
وابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٥٥ دون نسبة. قال الفراء: يخيل إلي أني قد سمعتها في القراءة.
(٥) نسبه ابن المعتز في طبقات الشعراء ص٣٩ وأبو الفرج في الأغاني ٣٤٥/٤ لسُديف بن ميمون مولّى
لأبي لهب، ونسبه المبرد في الكامل ١٣٦٧/٣ وابن عبد ربه في العقد الفريد ٤٦٨/٤ لشبل بن عبد الله
مولى بني هاشم. وهو في المصادر برواية: بالبهاليل، والبُهلول: هو السيد الجامع لكل خير، والبهاليل
جمعها. القاموس (بهل).
(٦) في (م): فيما. والكلام في المحتسب ٣٠٤/١ ولفظة: ((تترى): في الآية (٤٤) من ((المؤمنون)).
(٧) الكتاب ٢١٢/٣، والرجز للعجاج، وهو في ديوانه ص٢٣٦ برواية: فحط في علقى. وذكره سيبويه
شاهداً على عدم التنوين. يَستنُّ: يَرْتَعِي، والعَلْقَى والمكور: ضربان من الشجر. وصف ثوراً يرتعي في
ضروب من الشجر. تحصيل عين الذهب ص٤٥٣ .
(٨) المحتسب ٣٠٤/١. قال أبو الفتح: كان الأشبه بقَدْر سيبويه ألا يقف في قياس ذلك، وألا يقول: لا
أدري؛ لأن قياس ذلك أخفُّ وأسهل على ما شرحنا من كون ألفه للإلحاق.

٣٨٦
سورة التوبة: الآية ١٠٩
﴿عَ شَفَا﴾ُ الشَّفا: الحرفُ والحدُّ، وقد مضى في ((آل عمران)) مستوفّى(١).
و﴿جُرُفٍ﴾ قرئ برفع الراء، وأبو بكر وحمزةُ بإسكانها؛ مثل: الشُّغُل والشُّغْل(٢)،
والرُّسُل والرُّسْل، يعني: جُرُفاً: ليس له أصل(٣).
والجُرُف: ما يَتَجِرَّفُ بالسيول من الأودية، وهو جوانبُه التي تَنْحِفِر بالماء،
وأصلُه من الجَرْف والاجتراف؛ وهو اقتلاعُ الشيء من أصله.
﴿هَارٍ﴾: ساقط؛ يقال: تَهَوَّر البناءُ: إذا سقط(٤)، وأصله هائِر، فهو من
المقلوب؛ تُقلَب وتؤخَّر ياؤها، فيقال: هارٍ وهائرٌ؛ قاله الزجَّاج(٥). ومثله لَاثَ
الشيءُ به: إذا دار، فهو لاثٍ، أي: لائث. وكما قالوا: شاكي السلاح وشائك
السلاح. قال العجَّاج(٦):
لَاثٍ به الأَشَاءُ والعُبْريُّ
الأَشاء: النخل، والعُبْريُّ: السِّذْرُ الذي على شاطئ الأنهار. ومعنى لاثٍ به:
مُطِيفٌ به.
وزعم أبو حاتم أنَّ الأصلَ فيه: هاوِر، ثم يقال: هائر، مثلُ صائم، ثم يقلب
فيقال: هارٍ. وزعم الكسائيُّ أنه من ذوات الواو ومن ذوات الياء، وأنه يقال: تَهوَّرَ
وتَهِيََّ(٧).
قلت: ولهذا يمال ويفتح(٨).
(١) ٢٥١/٥ - ٢٥٢.
(٢) وقرأ بإسكان الراء أيضاً ابن عامر، والباقون من السبعة بضمها. السبعة ص٣١٨، والتيسير ص١١٩.
والحجة للفارسي ٤/ ٢٢١ .
(٣) تفسير أبي الليث ٧٤/٢ .
(٤) تفسير غريب القرآن ص ١٩٢ .
(٥) في معاني القرآن ٢/ ٤٧٠ ، وما سيأتي منه.
(٦) ديوانه ص٢٩٦ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٣٧ .
(٨) قرأ: ((هارٍ)) بالإمالة: الكسائي وأبو عمرو وشعبة وقالون وابن ذكوان بخلف عنه، وقلَّلها ورش.

٣٨٧
سورة التوبة: الآية ١٠٩
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأَنْهَارَ بِهِ، فِ نَارٍ جَهَنَّمْ﴾ فاعلُ انهار: الجُرُف، كأنه قال:
فانهار الجُرُفُ بالبنيان في النار؛ لأن الجُرُفَ مذكرٌ. ويجوز أن يكون الضمير في ((به))
يعود على (مَن))، وهو الباني؛ والتقدير: فانهار مَنْ أَسَّس بنيانَه على غير تقوى.
وهذه الآيةُ ضربُ مثلٍ لهم، أي: مَن أسَّس بنيانه على الإسلام خيرٌ، أم مَن
أَسَّس بنيانه على الشرك والنفاق. وبيَّن أنَّ بناء الكافر كبناءٍ على جُرُفٍ جهنم؛ يَتَهَوَّر
بأهله فيها. والشَّفَا: الشغير. وأَشْفَى على كذا، أي: دَنَا منه.
الرابعة: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ كلَّ شيء ابتُدئ بنيَّةِ تقوى الله تعالى والقَصْدِ
لوجهه الكريم فهو الذي يبقى ويَسْعَدُ به صاحبُه، ويصعدُ إلى اللهِ ويُرفع إليه، ويُخبِر عنه
بقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَآلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] على أحد الوجهين. ويخبر عنه
أيضاً بقوله: ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ﴾ [الكهف: ٤٧](١) على ما يأتي بيانُه إن شاء الله تعالى.
الخامسة: واختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿فَهَارَ ◌ِهِ، فِ نَارِ جَهَم﴾ هل ذلك
حقيقةً أو مجازاً على قولين:
الأوّل: أنَّ ذلك حقيقة، وأنَّ النبيَّ # إذ أَرسل إليه فهُدِم؛ رؤي الدُّخان يخرج
منه؛ من رواية سعيد بن جُبير(٢).
وقال بعضهم: كان الرجل يُدخِل فيه سَعْفَةً من سَعَفِ النخل فيُخرجُها سوداءَ
محترقةً. وذكر أهل التفسير: أنه كان يُحفر ذلك الموضع الذي انهَارَ فيخرج منه دخانٌ.
وروى عاصمُ بن أبي النَّجُود، عن زِرِّ بن حُبيش، عن ابن مسعود أنه قال: جهنّم في
الأرض، ثم تلا ﴿فَنْهَرَ بِهِ، فِ نَارِ جَهَنَّمْ﴾(٣). وقال جابر بن عبد الله: أنا رأيت
الدخانَ يخرج منه على عهد رسول اللهِ ﴾(٤).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٠٥/٢ - ١٠٠٦.
(٢) المصدر السابق.
(٣) التمهيد ٢٦٧/١٣، وقصة الحَفْر أخرجها الطبري ٦٩٦/١١ عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري ٦٩٧/١١. وقال ابن العربي في أحكام القرآن ١٠٠٦/٢: ولو صح هذا لكان جابر
رافعاً للإشكال.

٣٨٨
سورة التوبة: الآيتان ١٠٩ - ١١٠
والثاني: أن ذلك مجازٌ، والمعنى: صار البناء في نار جهنم، فكأنه انهار إليه
وهَوَى فيه؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩](١).
والظاهر الأوَّل، إذ لا إحالةَ في ذلك. واللهُ أعلم.
قوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَنُهُمُ الَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمَّ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ ﴾
قوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَئُهُمُ الَّذِى بَنَوْاْ﴾ يعني مسجدَ الضِّرار . ﴿رِيبَةٌ﴾ أي:
شًا في قلوبهم ونفاقاً؛ قاله ابن عباس وقتادةُ والضحاك(٢). وقال النابغة:
حلفتُ فلم أَترك لنفسك رِيبةً وليس وَرَاء اللهِ للمرءِ مَذْهَبُ(٣)
وقال الكلبيُّ: حسرة وندامة؛ لأنهم ندِموا على بنيانه. وقال السُّدِّيُّ وحبيبٌ
والمبرِّد: ((رِيبة))، أي: حزازة وغيظاً (٤).
﴿إِلَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابن عباس: أي: تَنْصَدِع قلوبُهم فيموتوا كقوله:
﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِنَ﴾ [الحاقة: ٤٦]؛ لأنَّ الحياةَ تنقطع بانقطاع الوتِين؛ وقاله قتادة
والضحاك ومجاهد(٥). وقال سفيان: إلا أن يتوبوا(٦). عِكرمة: إلا أن تقطّع قلوبُهم
في قبورهم(٧).
وكان أصحاب عبد الله بن مسعود يقرؤونها: ((ريبةً في قلوبهم ولو قُطّعت(٨)
قلوبُهم».
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٠٦/٢ .
(٢) النكت والعيون ٢/ ٤٠٥، وأخرجه عن ابن عباس وقتادة الطبريُّ ٦٩٨/١١ - ٦٩٩.
(٣) ديوان النابغة الذبياني ص ١٧ .
(٤) زاد المسير ٥٠٣/٣، وأخرج قول السدي وحبيب الطبريُّ ١١/ ٧٠٠ - ٧٠١ .
(٥) النكت والعيون ٤٠٥/٢، وأخرجه عن ابن عباس وقتادة ومجاهد الطبريُّ ٦٩٨/١١ - ٦٩٩.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم ١٨٨٦/٦ (١٠٠٠٢). وذكره الزجاج في معاني القرآن ٤٧١/٢ دون نسبة.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ١٨٨٦/٦ (١٠٠٠١).
(٨) في النسخ: ولو تقطعت، والمثبت من المصاحف لابن أبي داود ٣١٨/١، وتفسير الطبري ٧٠١/١١
و ٧٠٢، وتفسير ابن أبي حاتم ١٨٨٦/٦، والمحرر الوجيز ٨٦/٣، والبحر ١٠١/٥.

٣٨٩
سورة التوبة: الآيتان ١١٠ - ١١١
وقرأ الحسن ويعقوبُ وأبو حاتم: ((إلى أنْ تَقَطَّع)) على الغاية (١)، أي: لا يزالون
في شكِّ منه إلى أن يموتوا فَيَسْتَيقِنوا ويَتبيَّنْوا.
واختلف القراء في قوله: ((تَقَطَّع)) فالجمهورُ: ((تُقَطَّعَ)) بضمِّ التاء وفتحِ القاف وشدّ
الطاء على الفعل المجهول. وقرأ ابن عامر وحمزةُ وحفص ويعقوب كذلك إلا أنَّهم
فتحوا التاء(٢).
ورُوي عن يعقوبَ وأبي عبد الرحمن: ((تُقْطَع)) على الفعل المجهول مخففَ
القاف (٣). ورُوي عن شِبْلٍ وابن كثير: ((تَقْطَع)) خفيفة القاف ((قُلُوبَهم)) نصباً، أي: أنت
تفعل ذلك بهم(٤). وقد ذكرنا قراءةَ أصحاب عبد اللهِ. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تقدم(٥).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَقْوَُم بِأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةُ يُقَئِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَِّ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى الثَّوْرَةِ
وَالْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اَللَّهِ فَاسْتَّبْشِرُواْ بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَيَعْتُمْ
بِّ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
فيه ثمان مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّهُ أَشْتَّرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُمْ﴾ قيل:
هذا تمثيل، مثل قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَّرُواْ الضَّلَلَّةَ بِاَلْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦].
ونزلت الآيةُ في البيعة الثانية، وهي بيعةُ العقبة الكبرى، وهي التي أَنافَ فيها رجالٌ
الأنصار على السبعين، وكان أصغرَهم سِنَّا عُقبة بنُ عمرو(٦)؛ وذلك أنَّهم اجتمعوا
(١) قراءة يعقوب من العشرة. ينظر النشر ٢٨١/٢، وذكرها عن الحسن الفراء في معاني القرآن ١/ ٤٥٢،
والطبري ١١/ ٧٠٢ .
(٢) السبعة ص٣١٩، والتيسير ص ١٢٠، وقرأ بفتح التاء أيضاً من العشرة أبو جعفر. النشر ٢٨١/٢.
(٣) أي: بسكونها. وينظر البحر ١٠١/٥ .
(٤) تفسير الرازي ١٩٨/١٦ عن ابن كثير وحده، وذكرها السمين في الدر المصون ٦/ ١٢٧ عن أبيٍّ ﴾.
(٥) ٤٢٩/١ .
(٦) المحرر الوجيز ٨٧/٣، وعقبة بن عمرو الخزرجي هو أبو مسعود البدري، مشهور بكنيته. ينظر
الاستيعاب على هامش الإصابة ١٠٣/٨ .
:

٣٩٠
سورة التوبة: الآية ١١١
إلى رسول اللهِ# عند العقبة، فقال عبد الله بن رواحة للنبيِّ#: اشتَرِظ لربِّك
ولنفسك ما شئت. فقال النبيُّ#: ((أَشترِطُ لربيٍّ أن تعبدوه ولا تُشركوا به شيئاً،
وأَشترطُ لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم)) قالوا: فإذا فعلنا ذلك
فما لَنا؟ قال: ((الجنة)). قالوا: رَبح البيعُ، لا نُقيلُ ولا نَستقيل، فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ
أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌ﴾ الآية(١).
ثم هي بعد ذلك عامَّةٌ في كلِّ مجاهدٍ في سبيل الله من أمة محمد # إلى يوم
القيامة(٢).
الثانية: هذه الآية دليلٌ على جواز معاملة السيد مع عبده، وإن كان الكلُّ للسيد؛
لكنْ إذا ملَّكه عامَلَه فيما جعل إليه(٣). وجائز بين السيد وعبده ما لا يجوز بينه وبين
غيره؛ لأنَّ ماله له، وله انتزاعُه.
الثالثة: أصل الشراء بين الخَلْقِ أن يُعَوَّضوا عمَّا خرَج من أيديهم ما كان أنفعَ
لهم، أو مثلَ ما خرج عنهم في النفْع؛ فاشترى اللهُ سبحانه من العباد إتلافَ أنفسهم
وأموالهم في طاعته، وإهلاكُها في مرضاته، وأعطاهم سبحانه الجَنَّةَ عِوضاً عنها إذا
فعلوا ذلك. وهو عِوَضٌ عظيمٌ لا يُدانیه المعوّضُ ولا يقاسُ به(٤)، فأجری ذلك على
مجازٍ ما يتعارفونه في البيع والشراء، فمِن العبد تسليمُ النفس والمال، ومن اللهِ
الثَّوابُ والنَّوَالُ، فسمَّى هذا شراءً.
وروى الحسن قال: قال رسولُ اللهِ﴾: ((إنّ فوقَ كلِّ بِرِّ بِرًّا حتى يبذُل العبد دمه،
(١) أخرجه الطبري ٦/١٢ - ٧ عن محمد بن كعب القرظي، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص٢٦٣ ،
وفي إسناده أبو معشر (وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي) وهو ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب.
وذكر ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ١٠٠٧ نحو هذا الخبر عن الشعبي وقال: وهذا وإن كان مقطوعاً،
فإن معناه ثابت من طرق.
(٢) المحرر الوجيز ٨٧/٣ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٠٧/٢ .
(٤) المصدر السابق.

٣٩١
سورة التوبة: الآية ١١١
فإذا فَعَل ذلك فلا بِرَّ فوق ذلك))(١). وقال الشاعر في معنى البرّ:
والجودُ بالنفْس أقصى غايةِ الجودِ(٣)
الجودُ بالمال(٢) جودٌ فيه مکرمةٌ
وأنشد الأصمعيُّ لجعفر الصادقِ﴾:
وليس لها في الخَلق كلِّهِمُ ثَمَنْ
أُثَامِنُ بالنفس النفيسةِ ربَّها
بشيء سواها إن ذلكُمُ غَبَنْ
بها تُشْتَرى الجناتُ إن أنا بعتُها
لقد ذهبتْ نفسي وقد ذهب الثمن (٤)
لئن ذهبتْ نفسي بدُنْيا أَصَبْتُها
قال الحسن: ومرَّ أعرابيٍّ على النبيِّ# وهو يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ فقال: كلامُ مَن هذا؟ قال: ((كلامُ الله)) قال: بَيْعٌ واللهِ مُرْبحٌ لا
نُقيله ولا نستقيلُه. فخرج إلى الغَزْوِ واستُشْهِد (٥).
الرابعة: قال العلماء: كما اشترى من المؤمنين البالغين المكلّفين كذلك اشترى
من الأطفال؛ فآلَمهم وأَسْقَمهم؛ لِمَا في ذلك من المصلحة، وما فيه من الاعتبار
للبالغين، فإنهم لا يكونون عند شيء أكثرَ صلاحاً وأقلَّ فساداً منه عند ألم الأطفال،
وما يحصل للوالدَيْن الكافِلَيْن من الثواب فيما ينالهم من الهَمِّ، ويتعلَّق بهم من التربية
والكفالة(٦). ثم هو عزَّ وجلَّ يعوِّض هؤلاء الأطفالَ عِوَضاً إذا صاروا إليه. ونظيرُ هذا
في الشاهد أنك تكتري الأجيرَ لَيَبْنِيَ وينقلَ التراب، وفي كلِّ ذلك له ألمٌ وأذّى، ولكن
ذلك جائز لِمَا في عمله من المصلحة، ولِمَا يصل إليه من الأجر.
(١) أخرجه هنَّاد في الزهد (٩٧٩)، وهو مرسل، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٨٧/٣.
(٢) في (م): بالماء.
(٣) قائله صريع الغواني مسلم بن الوليد، وهو في شرح ديوانه ص٢٦٤، وصدره برواية: تجود بالنفس إذ
أنت الضنين بها، وفي جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري ١/ ٩٥ برواية: يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها.
(٤) مجمع البيان ١٤٧/١١، وعجز البيت الأخير فيه: فقد ذهب الدنيا وقد ذهب الثمن.
(٥) أخرجه بنحوه ابن أبي حاتم ١٨٨٦/٦ (١٠٠٠٣) من طريق عطاء الخراساني عن جابر ﴾. وإسناده
منقطع؛ عطاء الخراساني لم يسمع من جابر. ينظر المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٣٠ .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ١٠٠٧ .

٣٩٢
سورة التوبة: الآية ١١١
الخامسة: قوله تعالى: ﴿يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بيانٌ لمَا يُقاتَلُ له وعلیه، وقد
تقدَّم(١). ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ قرأ النَّخعيُّ والأعمش وحمزة والكسائيُّ وخَلَف بتقديم
المفعول على الفاعل(٢)؛ ومنه قولُ امرئ القيس:
فإِن تَقْتُلونا نُقَتِّلْكُمُ (٣)
أي: إن تقتلوا بعضَنا يقتلكم بعضُنا. وقرأ الباقون بتقديم الفاعل على المفعول(٤).
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى الثَّوْرَةِ وَالْإِنِلِ وَالْقُرْءَانِ﴾ إخبارٌ
من اللهِ تعالى أنَّ هذا كان في هذه الكتب، وأنَّ الجهاد ومقاومةَ الأعداء أصلُه من
عهد موسى عليه السلام(٥). و((وغداً)) و((حقًّا)) مصدران مؤكِّدان(٦).
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْلَ بِعَهْدِهِ، مِنَ اَللَّهِ﴾ أي: لا أحدَ أَوْفى بعهده
من الله. وهو يتضمَّنُ الوفاءَ بالوعد والوعيد، ولا بدَّ من وفاءٍ(٧) البارئ بالكلِّ؛ فأمَّا
وعدُه فللجميع، وأمَّا وعيدُه فمخصوصٌ ببعض المُذْنِين وببعض الذَّنوب، وفي بعض
الأحوال [فينفذ كذلك). وقد تقدَّم هذا المعنى مستوفی(٨).
الثامنة: قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَّبْشِرُوا بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ﴾ أي: أظهِروا السرورَ
بذلك. والبِشارةُ: إظهارُ السرور في البَشَرة. وقد تقدَّم(٩). وقال الحسن: واللهِ ما على
(١) ينظر ٦/ ٤٥٧ وما بعدها.
(٢) السبعة ص٣١٩، والتيسير ص٩٣، والنشر ٢٤٦/٢، والمحرر الوجيز ٨٧/٣.
(٣) ديوانه ص١٨٦ ، وعجزه: وإن تَفْعُدُوا لدمٍ نفْعُدِ
. (٤) السبعة ص٣١٩، والتيسير ص٩٣ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ١٠٠٧ .
(٦) مشكل إعراب القرآن ٣٣٧/١. وقال السمين في الدر المصون ١٢٨/٦: ((وعداً) منصوب على
المصدر المؤكَّد لمضمون الجملة؛ لأن معنى ((اشتری)): معنى وعدهم، واحقًّا» نعت له.
(٧) في النسخ: ولا يتضمن وفاء، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ١٠٠٨/٢، والكلام وما سيرد
بین حاصرتین منه.
(٨) ينظر ٧/ ٤٠ وما بعدها، و ٥/٩ - ٦.
(٩) ٣٥٨/١.

٣٩٣
سورة التوبة: الآيتان ١١١ - ١١٢
الأرض مؤمنٌ إلا يدخلُ في هذه البيعة (١). ﴿وَذَلِكَ هُوَ أَلْفَوْزُ اٌلْعَظِيمُ﴾ أي: الظَّفَرُ
بالجَنَّةِ والخلودُ فيها.
قوله تعالى: ﴿الََِّّبُونَ الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ السَّنَّبِحُونَ الزَّكِعُونَ السَّجِدُونَ الَمِرُونَ
بِلْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْخَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ
١٢
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿التَِّبُونَ الْعَبِدُونَ﴾ التائبون: هم الراجعون عن الحالة
المذمومة في معصية اللهِ إلى الحالة المحمودة في طاعة اللهِ(٢). والتائبُ هو الراجع.
والراجعُ إلى الطاعة هو أفضلُ من الراجع عن المعصية لجمعِه بين الأمرين(٣).
﴿ الْعَنِدُونَ﴾ أي: المطيعون الذين قَصَدوا بطاعتهم الله سبحانه. ﴿الْحَمِدُونَ﴾ أي:
الرَّاضون بقضائه المصرِّفون نعمته في طاعته(٤)، الذين يحمدون الله على كلِّ حال.
﴿اُلسَِّحُونَ﴾: الصائمون؛ عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما(٥). ومنه قوله
تعالى: ﴿عَيِدَاتٍ سَِّحَتٍ﴾ [التحريم: ٥]. وقال سفيان بن عيينة: إنما قيل للصائم:
سائح؛ لأنه يترك اللَّذاتِ كلَّها من المَطْعَم والمَشْرَب والمَنْكَح(٦). وقال أبو طالب:
وبالسَّائحين لا يذوقون قطرةً لربِّهمُ والراكدات(٧) العوامِلِ
وقال آخر:
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ١٨٨٦/٦ (١٠٠٦)، وذكره البغوي ٣٢٩/٢.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٠٨/٢ .
(٣) النكت والعيون ٢/ ٤٠٧ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ١٠٠٨ .
(٥) أخرجه عنهما الطبري ١٢/ ١١ - ١٣ .
(٦) أخرجه ابن المنذر كما في الدر المنثور ٢٨٢/٣، وبنحوه عند الطبري ١٥/١١ .
(٧) في (م): والذاكرات، والمثبت من النسخ الخطية وفتح القدير ٤٠٨/٢، ولم نقف على البيت عند
غيره.

٣٩٤
سورة التوبة: الآية ١١٢
يَظَلُّ كثيرَ الذِّكْرِ لله سائحا
تَراهُ(١) يُصَلِّي ليلَه ونهارَہ
ورُوي عن عائشة أنها قالت: سياحةُ هذه الأمة الصيامُ؛ أسنده الطبريُ(٢). ورواه
أبو هريرة مرفوعاً عن النبيِّ# أنه قال: ((سياحةُ أمتي الصيام)»(٣).
قال الزجَّاج: ومذهبُ الحسن: أنهم الذين يصومون الفَرْضَ. وقد قيل: إنهم
الذين يُديمون الصيامَ(٤).
وقال عطاء: السائحون: المجاهدون(٥). وروى أبو أمامة أنَّ رجلاً استأذن
رسولَ اللهِ﴿ في السياحة فقال: ((إنَّ سياحةَ أمتي الجهادُ في سبيل اللهِ». صحّحه أبو
محمد عبد الحق(٦).
وقيل: السائحون: المهاجرون؛ قاله عبد الرحمن بن زيد(٧).
وقيل: هم الذين يسافرون لطلب الحديث والعلم؛ قاله عكرمة(٨).
وقيل: هم الجائِلون بأفكارهم في توحيد ربِّهم ومَلَكوتِه، وما خلَق من العِبَر
والعلامات الدالَّةِ على توحيده وتَعْظيمِه؛ حكاه النقَّاش(٩).
(١) في (د) و(ز) و(م): برا، وفي (خ): يدا، والمثبت من (ظ) وفتح القدير ٤٠٨/٢ ولم نقف على البيت
عند غيره.
(٢) في تفسيره ١٥/١٢ .
(٣) أخرجه الطبري ١١/١٢، والعقيلي في الضعفاء ٣١٧/١، وابن عدي في الكامل ٦٣٨/٢ من طريق
حكيم بن خِذام، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ((السائحون هم
الصائمون)). قال العقيلي: حكيم بن خذام كان يرى القدر، منكر الحديث. وقال ابن عدي: لا أعلم رفع
هذا الحديث عن الأعمش غير حكيم بن خذام. اهـ وأخرجه الطبري ١٢/ ١١ من طريق إسرائيل عن
الأعمش به، موقوفاً على أبي هريرة، وصوَّب وقفه ابن كثير عند تفسير هذه الآية.
(٤) معاني القرآن ٢/ ٤٧٢ . قال الزجاج: وقول الحسن في هذا أَبيّن.
(٥) تفسير البغوي ٣٣٠/٢.
(٦) في الأحكام الصغرى ٤٧٦/٢، وأخرجه أبو داود (٢٤٨٦).
(٧) النكت والعيون ٢/ ٤٠٧ .
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٠ (١٠٠٣٢)، وذكره البغوي ٣٣٠/٢.
(٩) ذكره عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ٨٩/٣ وقال: هذا قول حسن.

٣٩٥
سورة التوبة: الآية ١١٢
وحكي أنَّ بعض العُبَّاد أخَذ القَدَحَ ليتوضأ لصلاة الليل، فأدخَل أصبعَه في أُذن
القَدَح، وقعد يَتفكّر حتى طلع الفجر، فقيل له في ذلك، فقال: أَدخلتُ أصبعي في
أذن القَدَح، فتذكّرت قولَ اللهِ تعالى: ﴿إِذِ الْأَغَْلُ فِىَ أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ﴾ [غافر: ٧١]
ج
وذَكَرتُ كيف أتلقَّى الغُلَّ، وبقيت ليلي في ذلك أَجْمَعَ(١).
قلت: لفظ ((س ي ح)) يدلُّ على صحة هذه الأقوال؛ فإن السياحةَ أصلُها الذهابُ
على وجه الأرض كما يسيح الماء(٢)؛ فالصائم مستمرٌّ على الطاعة في ترك ما يتركه
من الطعام وغيره، فهو بمنزلة السائح. والمتفكّرون تَجُول قلوبُهم فيما ذكّروا. وفي
الحديث: ((إنَّ للهِ ملائكةً سيَّاحين مشَّائين في الآفاق يبلِّغونني صلاةَ أمتي))(٣) ویروی:
((صَّاحين)) بالصاد، من الصِّياح(٤).
﴿الزَّكِعُونَ السَِّدُونَ﴾ يعني: في الصلاة المكتوبة وغيرِها. ﴿ الَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾
أي: بالسُّنَّة، وقيل: بالإيمان. ﴿وَالْنَاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ قيل: عن البدعة. وقيل: عن
الكفر. وقيل: هو عمومٌ في كلِّ معروف ومنكَرٍ . ﴿وَلَْفِظُونَ لِحُدُودِ اَللَّهُ﴾ أي: القائمون
بما أمَر به، والمنتهون عمَّا نَھی عنه.
الثانية: واختلف أهل التأويل في هذه الآية؛ هل هي مثَّصلةٌ بما قبلُ أو منفصلة؟
فقال جماعة: الآيةُ الأولى مستقلّة بنفسها؛ يقع تحت تلك المبايعةِ كلُّ موحّدٍ قاتَلَ في
سبيل الله لتكون كلمةُ اللهِ هي العُليا، وإنْ لم يتَّصف بهذه الصفات في هذه الآية
الثانية أو بأكثرها.
وقالت فرقة: هذه الأوصافُ جاءت على جهة الشرط، والآيتان مُرتبطتان، فلا
يدخل تحت المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على هذه الأوصاف ويبذلون أنفسهم في
(١) المحرر الوجيز ٨٩/٣.
(٢) تهذيب اللغة ١٧٣/٥، ومقاييس اللغة ١٢٠/٣.
(٣) أخرجه أحمد (٣٦٦٦)، والنسائي ٣/ ٤٣ بنحوه.
(٤) المحرر الوجيز ٨٩/٣ .

٣٩٦
سورة التوبة: الآية ١١٢
سبيل الله؛ قاله الضحاك. قال ابن عطية (١): وهذا القولُ تَخْريجٌ وتضييق، ومعنى
الآية على ما تقتضيه أقوالُ العلماء والشرع: أنها أوصافُ الكَمَلةٍ من المؤمنين، ذكرها
الله ليستبِقِ إليها أهلُ التوحيد حتى يكونوا في أعلى رتبة.
وقال الزجَّاج(٢): الذي عندي أن قوله: ﴿التَِّبُونَ الْمَِدُونَ﴾ رفع بالابتداء وخبرُه
مضمَرٌ، أي: التائبون العابدون - إلى آخر الآية - لهم الجنةُ أيضاً وإنْ لم يجاهدوا،
إذا لم يكن منهم عِنادٌ وقصدٌ إلى ترك الجهاد؛ لأنَّ بعض المسلمين يجزي عن بعضٍ
في الجهاد.
واختار هذا القول القشيريُّ وقال: وهذا حسن؛ إذ لو کان صفةً للمؤمنين
المذكورين في قوله: ﴿أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾ لكان الوعدُ خاصًّا للمجاهدين(٣).
وفي مصحف عبد الله: التائبين العابدين إلى آخرها، ولذلك وجهان: أحدهما:
الصفة للمؤمنين على الإتباع. والثاني: النصب على المدح (٤).
الثالثة: واختلف(٥) في الواو في قوله: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ اَلْمُنكَرِ﴾ فقيل: دخلت
في صفة الناهين كما دخلت في قوله تعالى: ﴿حَمّ تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِمِ
غَافِرِ الذَّتْبِ وَقَابِلِ التَّوَّبٍ﴾ [غافر: ١-٣]، فذكر بعضها بالواو والبعضَ بغيرها. وهذا سائقٌ
معتاد في الكلام، ولا يُطلب لمثله حكمةٌ ولا علَّة.
(١) في المحرر الوجيز ٨٨/٣، وما قبله منه.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٤٧١ - ٤٧٢ .
(٣) ذكر ابن قيِّم الجوزية في مدارج السالكين ٣٠٥/١ - ٣٠٧ حقيقةً التوبة وشروطَها، وقال: تتضمّنُ
التوبةُ العزمَ على فعل المأمور والتزامِه، فلا يكون بمجرد الإقلاع والعزم والندم تائباً حتى يوجد منه
العزمُ الجازمُ على فعل المأمور به، ... فالتائبون هم: العابدون الحامدون السائحون ... إلى آخر
الآية.
(٤) معاني القرآن للفراء ٤٥٣/١، والمحرر الوجيز ٨٨/٣، والقراءة في القراءات الشاذة ص٥٥،
والمحتسب ٣٠٤/١ .
(٥) بعدها في (م): العلماء.

٣٩٧
سورة التوبة: الآية ١١٢
وقيل: دخلت لمصاحبةِ الناهي عن المنكر الآمِرَ بالمعروف، فلا يكاد يُذكر واحدٌ
منهما مُفرَداً. وكذلك قوله: ﴿ثَيِّبَتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]. ودخلت في قوله:
((وَالْحَافِظُونَ) لقُرْبه من المعطوف.
وقد قيل: إنها زائدة، وهذا ضعيفٌ لا معنى له.
وقيل: هي واوُ الثمانية؛ لأنَّ السبعة عند العرب عددٌ كاملٌ صحيح. وكذلك قالوا
في قوله: ﴿ثَيَِّتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥](١). وقولِه في أبواب الجنة: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾
[الزمر: ٧١] وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] وقد ذكرها ابنُ
خَالَوَيْه في مناظرته لأبي عليّ الفارسيّ في معنى قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾، وأنكرها
أبو علي.
قال ابن عطية(٢): وحدثني أبي ﴾ عن الأستاذ النَّحْوي أبي عبد اللهِ الكفيفِ
المالقيّ(٣) - وكان ممن استَوْطَنَ غَرْناطةَ وأقرأ فيها في مدَّة ابن حبُّوس(٤) - أنه قال:
هي لغةٌ فصيحة لبعض العرب؛ مِن شأنهم أن يقولوا إذا عَدُّوا: واحد، اثنان، ثلاثة،
أربعة، خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، تسعة، عشرة. وهكذا هي لغتهم. ومتى جاء في
كلامهم أمرُ ثمانية أَدخلوا الواوَ.
قلت: هي لغة قريش. وسيأتي بيانُه ونقضُه في سورة الكهف إن شاء اللهُ تعالى،
وفي ((الزمر)) أيضاً بحَوْل الله تعالى(٥).
(١) وذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٨٩/٣ (والكلام فيه بنحوه) أن هذه قد تُعترض بأن الواو هنا فاصلةٌ
ضرورة؛ لأنه لا يصح: ثيبات أبكاراً، فلا يلزم أن تكون واو ثمانية.
(٢) في المحرر الوجيز ٨٩/٣، وما قبله منه، وينظر الحجة لابن خالويه ص٣١١ .
(٣) ترجم له أبو عبيد الله القضاعي في تكملة الصلة ٣٢٥/١، وذكر أن اسمه محمد.
(٤) هو باديس بن حبُّوس، تولى ملك غرناطة بعد موت أبيه سنة (٤٢٩ هـ) ثم ملك مالقة سنة ٤٤٨، وكان
طاغية جباراً شجاعاً سديد الرأي. الكامل لابن الأثير ١١٣/٨، والإحاطة بتاريخ غرناطة ٤٣٥/١ .
(٥) عند تفسير الآية (٢٢) من سورة الكهف، وعند تفسير الآية (٧١) من سورة الزمر.

٣٩٨
سورة التوبة: الآية ١١٣
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ
أُوْلِ قُرْكَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ
١١٣
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: روى مسلمٌ(١) عن سعيد بن المسيِّب، عن أبيه، قال: لمَّا حضرتْ أبا
طالبِ الوفاةُ جاءَه رسولُ اللهِ ﴾، فوجَد عندَه أبا جهل وعبد الله بنَ أبي أُمَيَّةَ بن
المغيرة، فقال رسولُ اللهِ ﴾: ((يا عَمِّ، قُلْ: لا إله إلَّا اللهُ، كلمةً أَشهدُ لك بها عند
اللهِ)). فقال أبو جهل وعبدُ الله بنُ أبي أمية: يا أبا طالب، أَترغَب عن ملَّةٍ عبد
المطلب؟ فلم يَزَلْ رسولُ اللهِ ﴾﴿ يَعْرِضُها عليه، ويُعِيدُ له تلك المقالةَ، حتى قال أبو
طالب آخرَ ما كلَّمَهم: هو على ملَّةِ عبدِ المطلب، وأَبَى أنْ يقول: لا إلهَ إلَّ اللهُ. فقال
رسولُ اللهِ ﴾: (أَمَا واللهِ لَأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك)). فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿مَا
كَانَ لِلنَِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبََّ لَمْ
أَنَّهُمْ أَصْحَبُ اَلَْحِيمِ﴾. وأنزل اللهُ في أبي طالبٍ، فقال لرسول اللهِ ﴾: ﴿إِنَّكَ لَا
تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]. فالآيةُ
على هذا ناسخةٌ لاستغفار النبيِّ :﴿ لعمّه (٢)؛ فإنه استغفَر له بعد موته على ما رُويَ في
غير الصحيح(٣). وقال الحسين بن الفضل: وهذا بعيد؛ لأن السورة من آخر ما نزل
من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام، والنبيُّ # بمكة(٤).
الثانية: هذه الآية تضمَّنت قَطْعَ موالاةٍ الكفَّار حيِّهم وميِّتِهم؛ فإن الله لم يجعل
للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين؛ فطلَبُ الغفران للمشرك مما لا يجوز.
(١) في صحيحه (٢٤)، وهو عند أحمد (٢٣٦٧٤)، والبخاري (١٣٦٠).
(٢) المحرر الوجيز ٣/ ٩٠.
(٣) فيما أخرجه الطبري ٢١/١٢ من طريق عمرو بن دينار: أن النبي # قال: ((استغفر إبراهيم لأبيه وهو
مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني ربي عنه)) وإسناده منقطع.
(٤) ينظر فتح الباري ٥٠٨/٨ .

٣٩٩
سورة التوبة: الآية ١١٣
فإن قيل: فقد صحَّ أنَّ النبيَّ ﴾ قال يومَ أُحُد حين كسروا رَبَاعِيتَه وشَجُّوا وجهَه:
((اللهمَّ اغفِرْ لقومي فإنهم لا يعلمون))(١)، فكيف يجتمع هذا مع منْعِ اللهِ تعالى رسولَه
والمؤمنين مِن طلب المغفرة للمشركين؟
قيل له: إنَّ ذلك القولَ من النبيِّ:﴿ إنما كان على سبيل الحكاية عمَّن تقدَّمه من
الأنبياء، والدليلُ عليه ما رواه مسلمٌ عن عبد الله قال: كأني أنظر إلى النبيِّ ﴾
يحكي نبيًّا من الأنبياء ضرَبه قومُه، وهو يمسح الدمَ عن وجهه ويقول: ((ربِّ اغْفِرْ
القومي فإنهم لا يعلمون)). وفي البخاريِّ أن النبيَّ ﴾ ذكّر نبيًّا قبلَه شَجَّه قومُه، فجعل
النبيُّ :﴿ يخبر عنه بأنه قال: «اللهُمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون))(٢).
قلت: وهذا صريحٌ في الحكاية عمَّن قبله، لا أنه قاله ابتداءً عن نفسه كما ظنّه
بعضُهم(٣). واللهُ أعلم. والنبيُّ الذي حكاه هو نوح عليه السلام؛ على ما يأتي بيانه في
سورة هود إن شاء اللهُ(٤).
وقيل: إنَّ المرادَ بالاستغفارِ في الآية الصلاةُ؛ قال بعضهم(٥): ما كنت لأدَعَ
الصلاة على أحد من أهل القبلة ولو كانت حَبَشيَّةً حُبلى من الزنى؛ لأني لم أسمعِ اللهَ
حجَب الصلاةَ إلا عن المشركين بقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا
لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. قال عطاء بن أبي رَبَاح: الآية في النهي عن الصلاة على المشركين،
(١) أخرجه أحمد (١١٩٥٦)، ومسلم (١٧٩١)، وعلقه البخاري بإثر الحديث (٤٠٦٨) وهو من حديث
أنس ﴾ وعندهم: ((كيف يفلح قوم شجُّوا نبيَّهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله)) بدل قوله:
((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) الذي هو قطعة من الحديث الآتي. واللفظ أعلاه لابن العربي في
أحكام القرآن ١٠١٠/٢. وقد جزم ابن حبان أن النبيَّ # دعا بهذا الدعاء يوم أحد، وأخرجه عن سهل
ابن سعد (٩٧٣).
(٢) صحيح البخاري (٣٤٧٧)، وصحيح مسلم (١٧٩٢)، وهو في مسند أحمد (٣٦١١).
(٣) قال أبو العباس في المفهم ٣/ ٦٥١: النبي # هو الحاكي وهو المحكيُّ عنه، وكأنه أوحي إليه بذلك
قبل وقوع قضية يوم أحد، ولم يعيَّن له ذلك النبي، فلما وقع ذلك له تَعيَّن أنه هو المَعْنيُّ بذلك. اهـ .
وقد ردَّ هذا الكلام الحافظ ابن حجر في الفتح ٦/ ٥٢١ .
(٤) ١١/ ١٣٠.
(٥) هو عطاء بن أبي رباح كما في تفسير الطبري ٢١/١٢ حيث أخرجه عنه.

٤٠٠
سورة التوبة: الآيتان ١١٣ - ١١٤
والاستغفارُ هنا يراد به الصلاة(١).
جواب ثالث: وهو أنَّ الاستغفار للأحياء جائزٌ؛ لأنه مرجوٌّ إيمانُهم، ويمكن
تألُّفهم بالقول الجميل، وترغييُهم في الدِّين(٢).
وقد قال كثير من العلماء: لا بأس أن يدعُوَ الرجُلُ لأبويه الكافرين، ويستغفرَ
لهما ما داما حيَّينٍ. فأمَّا مَن مات فقد انقطع عنه الرجاءُ فلا يُدْعَی له. قال ابن عباس:
كانوا يستغفرون لموتاهم فنزلت، فأمسكوا عن الاستغفار، ولم ينهَهم أن يستغفِروا
للأحياء حتى يموتوا(٣).
الثالثة: قال أهل المعاني: ((مَا كَانَ)) في القرآن يأتي على وجهين: على النفي
نحو قوله: ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠]، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن
تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]. والآخر بمعنى النهي كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ
أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، و﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا
لِلْمُشْرِكِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِيدِ إِلَّا عَنْ قَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا
إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَّنَ لَهُ: أَنَّهُ عَدُوٌ لِلَّهِ تَبَرََّ مِنْهُ إِنَّ إِنْزَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيٌَّ
فیه ثلاث مسائل:
الأولى: روى النَّسائيُّ عن عليٍّ بن أبي طالب ﴾ قال: سمعتُ رجلاً يستغفِرُ
لأبويه وهما مشرِكان، فقلت: أتستغفِر لهما وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر
إبراهيم عليه السلام لأبيه؟! فأتيتُ النبيَّ # فذكرت ذلك له، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ
اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيدِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾ (٤).
(١) المحرر الوجيز ٣/ ٩٠ وهو بمعنى الذي قبله.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٠١٠/٢ .
(٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٢٣ - ٢٤.
(٤) المجتبى ٩١/٤، وأخرجه أحمد (٧٧١)، والترمذي (٣١٠١) وقال: حديث حسن.