Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ سورة التوبة: الآية ١٠٣ العلماء على الأخذ به دليلٌ على صحَّة حُكْمِه، والله أعلم. ورُوي عن الحسن والثوريِّ - وإليه مال بعضُ أصحاب داود بنِ عليٍّ - على أنَّ الذهب لا زكاةَ فيه حتى يبلغَ أربعين ديناراً (١). وهذا يردُّه حديثُ عليٍّ وحديثُ ابنٍ عمر وعائشة: أنَّ النبيَّ # كان يأخذ من كلِّ عشرين ديناراً نصفَ دينار، ومن الأربعين ديناراً ديناراً (٢). على هذا جماعةُ أهل العلم إلَّا مَن ذُكر. الخامسة: اتفقت الأمة على أنَّ ما كان دونَ خمسٍ ذَودٍ من الإبل فلا زكاةً فيه. فإذا بلغت خمساً ففيها شاةٌ. والشاةُ تقع على واحدةٍ من الغنم، والغنمُ الضَّأُنُ والمَعْزُ جميعاً. وهذا أيضاً اتفاقٌ من العلماء أنه ليس في خمسٍ [من الإبل] إلا شاةٌ واحدةٌ؛ وهي فريضتُها(٣). وصدقة المواشي مبيَّنةٌ في الكتاب الذي كتبه الصدِّيقُ لأنس لمَّا وجَّهه إلى البحرين (٤)؛ أخرجه البخاريُّ وأبو داود والدَّار قُطْنيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجه وغيرُهم(٥)، وکلُّه متفقٌ عليه. والخلاف فيه في موضعین : أحدهما: في زكاة الإبل، وهي إذا بلغت إحدى وعشرين ومئة؛ فقال مالك: المصَدِّق بالخيار: إن شاء أخذ ثلاثَ بناتٍ لَبُونٍ، وإن شاء أخذ حقَّتین(٦). وقال ابن القاسم: وقال ابن شهاب: فيها ثلاثُ بناتِ لبونٍ إلى أن تبلغَ ثلاثين ومئةً، فتكونُ فيها حِقَّةٌ وابنتا لَبونٍ. قال ابن القاسم: ورأيي على قولِ ابنِ شهاب. وذكر ابنُ حبيب أنَّ (١) التمهيد ١٤٥/٢٠ . (٢) أخرج حديث ابن عمر وعائشة ابن ماجه (١٧٩١). قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٣١٦/١: فيه إبراهيم بن إسماعيل، وهو ضعيف. (٣) التمهيد ١٣٧/٢٠، وما سلف بين حاصرتين منه. (٤) هي الآن المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية. (٥) صحيح البخاري (١٤٥٤)، وسنن أبي داود (١٥٦٧)، وسنن الدارقطني (١٩٨٤)، والمجتبى ١٨/٥-٢٣ ، وسنن ابن ماجه (١٨٠٠)، وهو عند أحمد (٧٢). (٦) الحقة من الإبل: ما دخل في السنة الرابعة إلى آخرها. وبنت لبون: ما أتى عليها سنتان ودخلت في الثالثة. النهاية (حقق) (ولبن). ٣٦٢ سورة التوبة: الآية ١٠٣ عبد العزيز بنَ أبي سلمة (١) وعبدَ العزيز بن أبي حازم(٢) وابنَ دينار يقولون بقول مالك(٣). وأما الموضع الثاني: فهو في صدقة الغنم، وهي إذا زادت على ثلاث مئةٍ شاةٍ شاةً(٤)؛ فإنَّ الحسن بنَ صالح بنِ حَيٍّ قال: فيها أربعُ شِيَاءٍ. وإذا كانت أربع مئةٍ شاةٍ وشاةً ففيها خمسُ شياءٍ، وهكذا كلَّما زادت في كلِّ مئةٍ شاة. وروي عن إبراهيم النخَعيِّ مثلُه. وقال الجمهور: في مئتي شاة وشاةٍ ثلاثُ شياه، ثم لا شيءَ فيها إلى أربع مئة، فيكون فيها أربعُ شياءٍ، ثم كلما زادت مئةً ففيها شاةٌ؛ إجماعاً واتَّفاقاً. قال ابن عبد البر(٥): وهذه مسألةٌ وهِم فيها ابنُ المنذر، وحكى فيها عن العلماء الخطأ، وخلط وأَكْثَرَ الغلط. السادسة: لم يذكر البخاريُّ ولا مسلمٌ في صحيحهما تفصيلَ زكاة البقر. وخرَّجه أبو داود والترمذيُّ والنَّسائيُّ والدَّارَقُطْنيُّ ومالكٌ في ((مُوَّئه))، وهي مرسَلةٌ ومقطوعةٌ وموقوفة(٦). قال أبو عمر (٧): وقد رواه قومٌ عن طاوسٍ [عن ابن عباس] عن معاذ، إلَّ أنَّ الذين أرسلوه أثبتُ من الذين أسندوه. وممن أسنده بَقِيَّةُ، عن المسعودي، عن الحكم، عن طاوس(٨). وقد اختلفوا فيما ينفرد به بَقِيَّة عن الثقات. ورواه الحسن بن (١) هو والد ابن الماجشون. (٢) هو عبد العزيز بن سلمة بن دينار، أبو تمام المدني. قال الإمام أحمد: لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه من عبد العزيز بن أبي حازم. توفي (سنة ١٨٤هـ) السير ٣٦٣/٨. (٣) التمهيد ١٣٨/٢٠. (٤) في (ظ) و(م): وشاة، وفي (د): بشاة، وفي (خ) و(ز): شاة. (٥) في التمهيد ٢٠/ ١٤٢، وما قبله منه. (٦) ينظر مسند أحمد (٢٢٠١٠) و(٢٢٠٣٧)، وسنن أبي داود (١٥٧٦)، وسنن النسائي ٢٦/٥، وسنن الدار قطني (١٩٢٧)، والموطأ ٢٢٩/١. (٧) في التمهيد ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٨) أخرجه الدارقطني (١٩٢٨)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٧٤/٢ . ٣٦٣ سورة التوبة: الآية ١٠٣ عُمارة عن الحَكَم كما رواه بَقيَّة عن المسعودي عن الحكم (١). والحسن مجتمَعٌ على ضعفه. وقد رُوي [عن معاذ] هذا الخبرُ بإسنادٍ متَّصلٍ صحيحٍ ثابتٍ من غير رواية طاوس؛ ذكره عبد الرزاق(٢) قال: أخبرنا مَعْمر والثوريُّ عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله# إلى اليمن؛ فأمره أن يأخذَ من كلِّ ثلاثين بقرةً تَبِيعاً أو تَبِيعةً، ومن [كلٍّ] أربعين مُسِنَّةً، ومن كلِّ حالم ديناراً أو عِدْلَه مَعَافِرٍ. ذكره الدَّارَ قُطْنيُّ وأبو عيسى التِّرمذيُّ وصحَّحه(٣). قال أبو عمر(٤): ولا خلافَ بين العلماء أنَّ الزكاة في زكاة البقر عن النبيِّ ﴾ وأصحابِهِ ما قال معاذ بنُ جبل: في ثلاثين بقرةً تبِيعٌ، وفي أربعين مُسِنَّةٌ؛ إلَّا شيءٌ رُوي عن سعيد بن المسيب وأبي قلابة والزُّهريِّ وقتادة؛ فإنهم يُوجبون في كلِّ خَمسٍ من البقر شاةً إلى ثلاثين. فهذه جملةٌ من تفصيل الزكاة بأصولها، وفروعُها في كتب الفقه. ويأتي ذِكْر الخُلْطة في سورة ((ص)) إن شاء الله تعالى(٥). السابعة: قوله تعالى: ﴿صَدَقَةٌ﴾ مأخوذٌ من الصّدق؛ إذ هي دليلٌ على صحة إيمانه وصدقٍ باطنه مع ظاهره، وأنه ليس من المنافقين الذين يَلْمِزون المطّوِّعين من المؤمنين في الصَّدقات. ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَّكْبِهِم بِهَا﴾ حالَين للمخاطب؛ التقدير: خُذْها مطهِّراً لهم وَمُزَكِّياً لهم (١) أخرجه الدار قطني (١٩٠٤). (٢) في المصنف (٦٨٤١). (٣) سنن الدارقطني (١٩٣٥) و(١٩٣٦)، وسنن الترمذي (٦٢٣) (عن الثوري وحده) وقال: حديث حسن، وكذا في التحفة ٤١٦/٨. وهو عند أحمد (٢٢٠١٣). قوله: تبيعاً، هو ولد البقرة أول سنة. وقوله: مسنة، هو طلوع سنِّها في السنة الثالثة وقوله: معافر، هي برود باليمن منسوبة إلى معافر، وهي قبيلة باليمن. النهاية (تبع) (سنن) (عفر). (٤) في التمهيد ٢/ ٢٧٥ . (٥) عند تفسير الآية (٢٤) منها. ٣٦٤ سورة التوبة: الآية ١٠٣ بها. ويجوز أن يجعلَهما صفتين للصدقة؛ أي: صدقةً مطهّرةً لهم مُزَكِّية(١)، ويكون فاعلُ ((تزكيهم)) المخاطَبَ، ويعود الضميرُ الذي في ((بها)) على الموصوف المنكَّر(٢). وحكى النخَّاس ومَكِّيٍّ أنَّ ((تُطَهِّرُهم)) من صفة الصدقة ((وتُزَكِّيهم بها)) حالٌ من الضمير في ((خُذْ))، وهو النبيُّ﴾(٣). ويحتمل أن تكون حالاً من الصدقة، وذلك ضعيف؛ لأنها حالٌ مِن نكرة. وقال الزجَّاج(٤): والأجود أن تكون المخاطَبةُ للنبيّ ﴾، أي: فإنك تطهِّرهم وتزكّيهم بها، على القطع والاستئناف. ويجوز الجزمُ على جواب الأمر، والمعنى: إنْ تأخذْ من أموالهم صدقةٌ تُطهّرْهم وتزكّهم(٥)؛ ومنه قولُ امرئ القيس: قِفا نبكِ من ذکری حبیبٍ ومنزلٍ(٦) وقرأ الحسن: تُظْهِرُهم، بسكون الطاء، وهو منقولٌ بالهمزة من: طَهَر وأَظْهَرتُه، مثل: ظَهَر وأظهرتُه(٧). الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ أصلٌ في فعلٍ كلِّ إمام يأخذ الصدقة أنْ يدعوَ للمتصدِّق بالبركة. روى مسلم(٨) عن عبد الله بن أبي أوفَی قال: كان رسول الله آ﴾ إذا أتاه قومٌ بصدقتهم قال: ((اللَّهُم صلِّ عليهم)). فأتاه أبي - أبو أوْفَى(٩) - بصدقته، (١) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٤٦٧ . (٢) ينظر الدر المصون ١١٥/٦ - ١١٦. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٣/٢، ومشكل إعراب القرآن ٣٣٥/١. قال السمين في الدر المصون ١١٦/٦: يجوز ذلك على أنَّ ((تزكيهم)) خبر مبتدأ محذوف، وتكون الواو للحال؛ تقديره: وأنت تزکیھم، وفيه ضعف لقلة نظيره في كلامهم. (٤) في معاني القرآن ٢/ ٤٦٧ . (٥) في النسخ: وتزكيهم، والمثبت من معاني القرآن. (٦) وعجزه: بسِقْطِ اللّوى بين الدَّخول وحَوْمل، وهو في ديوانه ص٨. (٧) المحتسب ٣٠١/١، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٥٤ - ٥٥ . (٨) في صحيحه (١٠٧٨)، وسلف ٢/ ٨٢ . (٩) في (د) و(م): فأتاه ابن أبي أوفى، وهو تصحيف. ٣٦٥ سورة التوبة: الآية ١٠٣ فقال: ((اللهم صلِّ على آل أبي أُوْفَى)). ذهب قومٌ إلى هذا، وذهب آخرون إلى أنَّ هذا منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُّصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤](١). قالوا: فلا يجوز أن يصلَّى على أحد إلا على النبيِّ# وحده خاصَّة؛ لأنه خُصَّ بذلك. واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَأْ﴾ الآية [النور: ٦٣]، وبأنَّ عبد الله بن عباس كان يقول: لا يصلَّى على أحد إلَّا على النبيِّ ﴾(٢). والأوّل أصحّ؛ فإنَّ الخطاب ليس مقصوراً عليه كما تقدَّم، ويأتي في الآية بعدَ هذا. فيجب الاقتداءُ برسول الله #، والتأسِّي به؛ لأنه كان يمتثل قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِم إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌّ لَهُمْ﴾(٣) أي: إذا دعوتَ لهم حين يأتون بصدقاتهم سكّن ذلك قلوبَهم وفرِحوا به. وقد روى جابر بن عبد الله قال: أتاني النبيُّ﴾ فقلتُ لامرأتي: لا تسألي رسولَ الله # شيئاً. فقالت: يَخرج رسولُ الله ﴾ من عندنا ولا نسأله شيئاً! فقالت: يا رسول الله، صلِّ على زوجي. فقال رسول الله ﴾: «صلَّى اللهُ عليكِ وعلى زوجِك))(٤). والصلاةُ هنا: الرحمةُ والترُم. قال النحاس(٥): وحكى أهل اللغة جميعاً فيما عَلِمْناه أنَّ الصلاة في كلام العرب الدعاءُ، ومنه الصلاة على الجنائز. وقرأ حفصٌ وحمزةُ والكسائيُّ: ((إن صلاتك)) بالتوحيد. وجمع الباقون. وكذلك الاختلاف في: ﴿أَصَلاتُكَ تأمُرُك﴾ [هود: ٨٧](٦). وقرئ: ((سَكْنٌ)) بسكون الكاف(٧). (١) قال النحاس في الناسخ والمنسوخ ٤٦٧/٢: وهذا غلط عظيم، ولا اختلاف بين أهل الآثار أن قوله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَّهِمْ﴾ ليس هم الذين قيل فيهم: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبْدَا﴾ (٢) التمهيد ٣٠٣/١٧ - ٣٠٤. (٣) التمهيد ٣٠٥/١٧ . (٤) أخرجه أحمد (١٤٢٤٥) وأبو داود (١٥٣٣) والنسائي (١٠١٨٤) بنحوه. (٥) في إعراب القرآن ٢٣٤/٢ . (٦) السبعة ص٣١٧ ، والتيسير ص١١٩ . (٧) لم نقف على هذه القراءة. ٣٦٦ سورة التوبة: الآيتان ١٠٣ - ١٠٤ قال قتادة: معناه: وَقَارٌ لهم(١). والسَّكَن: ما تَسْكُنُ به النفوس وتطمئنُّ به القلوب. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوَّبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ١٠٤ فيه مسألتان: الأولى: قيل: قال الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس، لا يُكلَّمون ولا يجالَسون، فما لهم الآن؟ وما هذه الخاصَّةُ التي خُصُّوا بها دوننا؟ فنزلت: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾؛ فالضمير في ((يعلموا)) عائدٌ إلى الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين. قال معناه ابنُ زيد. ويَحتَمِل أن يعودَ إلى الذين تابوا وربطوا أنفسهم (٢). وقوله تعالى: ((هو)) تأكيدٌ لانفراد الله سبحانه وتعالى بهذه الأمور. وتحقيقُ ذلك أنه لو قال: أنَّ الله يقبل التوبة، لاحتَمَل أن يكونَ قَبولُ رسوله قبولاً منه، فبَيَّنت الآيةُ أنَّ ذلك مما لا يَصِل إليه نبيٌّ ولا مَلَكٌ(٣). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾ هذا نصٌّ صريحٌ في أنَّ الله تعالى هو الآخِذُ لها والمُثِيبُ عليها، وأنَّ الحقَّ له جلَّ وعزَّ، والنبيُّ :﴿ واسطةٌ، فإن تُوُفِّي؛ فعامِلُه هو الواسِطةُ بعده، والله عزَّ وجلَّ حيٍّ لا يموت. وهذا يبيِّن أنَّ قوله سبحانه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَفَّةٌ﴾ ليس مقصوراً على النبيِّ :﴿ كما تقدم (٤). روى الترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه﴾: ((إنَّ الله يَقْبَلُ الصدقةَ ويأخذُها بيمينه، فَيُربِّيها لأحدكم كما يُربِّي أحدُكم مُهْرَه، حتى إنَّ اللقمة لَتصيرُ مثلَ أُحُد، وتصديقُ ذلك في كتاب الله عزَّ وجلَّ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ النَّوْبَةً عَنْ (١) أخرجه الطبري ١١ / ٦٦٣ . (٢) المحرر الوجيز ٧٩/٣، وخبر ابن زيد أخرجه الطبري ٦٦٤/١١ - ٦٦٥ . (٣) المحرر الوجيز ٧٩/٣ . (٤) ص ٣٥٦ من هذا الجزء. ٣٦٧ سورة التوبة: الآية ١٠٤ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾ و﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرِّبَوْ وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. قال: هذا حديث حسن صحيح(١). وفي ((صحيح)) مسلم (٢): ((لا يتصدَّق أحدٌ بتمرةٍ من كَسْبٍ طيِّبٍ إلَّا أخذها اللهُ بيمينه فيربِّيها - في رواية: فتربُو في كفِّ الرحمن - حتى تكونَ أعظمَ من الجبلَ)) الحدیث. ورُوي: ((إنَّ الصدقة لَتقعُ في كفِّ الرحمن قبل أن تقعَ في كفِّ السائل، فيربِّيها كما يربِّي أحدُكم فَلُوَّه أو فَصِيلَه، والله يضاعفُ لمن يشاء))(٣). قال علماؤنا - رحمةُ الله عليهم - في تأويل هذه الأحاديث: إنَّ هذا كنايةٌ عن القَبول والجزاءِ عليها؛ كما كنَى بنفسه الكريمة المقدَّسة عن المريض تعطّفاً عليه بقوله: ((يا ابن آدم، مَرِضتُ فلم تَعُدْني)) الحديث(٤). وقد تقدَّم هذا المعنى في ((البقرة))(٥). وخصَّ اليمينَ والكفَّ بالذِّكر؛ إذ كلُّ قابلٍ لشيء إنما يأخذه بكفِّه وبيمينه أو يوضَعُ له فيه(٦)؛ فخرج على ما يعرفونه، والله جلَّ وعزَّ منزَّهُ عن الجارحة، وقد تقدم(٧). وقد جاءت اليمينُ في كلام العرب بغير معنى الجارحة؛ كما قال الشاعر: إذا ما رايةٌ رُفعتْ لمجْدٍ تلقَّاها عَرَابُ باليمينِ(٨) (١) سنن الترمذي (٦٦٢)، وهو عند أحمد (١٠٠٨٨). (٢) برقم (١٠١٤) وهو من حديث أبي هريرة ﴾. وسلف ٣٣٨/٤. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٩٩٩/٢، وأخرجه أبو عبيد في الأموال (٩٠٠) من حديث أبي هريرة مرفوعاً دون قوله: فيربيها كما يربي ... ، وهي قطعة من حديث مسلم السالف. وأخرجه أيضاً دون هذه القطعة عبد الرزاق في تفسيره ٢٨٧/١، وابن المبارك في الزهد (٦٤٧)، وأبو عبيد في الأموال (٩٠١)، والطبري ٦٦٥/١١ عن ابن مسعود ﴾ موقوفاً. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٩٩٩/٢، وسلف الحديث ٢٢٤/٤ . (٥) ٢٢٣/٤ - ٢٢٤. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٩٩٩/٢. (٧) ٨/ ٨٢ . (٨) قائله الشماخ بن ضرار الذبياني، وهو في ديوانه ص٣٣٦، وسلف ٣٨/٦. ٣٦٨ سورة التوبة: الآيات ١٠٤ - ١٠٦ أي: هو مؤهَّلٌ للمجد والشرف، ولم يُرِد بها يمينَ الجارحة؛ لأنَّ المجد معنّى، فاليمينُ التي تُتلقَّى به رايتُهُ معنّى. وكذلك اليمينُ في حقِّ الله تعالى. وقد قيل: إن معنى: ((تربو في كفِّ الرحمن)) عبارةٌ عن كِفَّة الميزان التي توزَنُ فيها الأعمال، فيكون مِن باب حَذْفِ المضاف، كأنه قال: فتربو في ◌ِفَّة ميزانِ الرحمن(١). وروي عن مالك والثوريِّ وابن المبارك أنهم قالوا في تأويل هذه الأحاديثِ وما شابهها: أَمِرُّوها بلا كَيْف؛ قاله الترمذيُّ(٢) وغيره، وهكذا قولُ أهل العلم من أهل السُّنةِ والجماعة. قوله تعالى: ﴿وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اَللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَاَلْمُؤْمِنُونٌّ وَسَتَُّدُّونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبٍ وَالشََّدَةِ فَيُنَتْشُكُ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿وَقُلِ أَعْمَلُواْ﴾ خطابٌ للجميع. ﴿فَسَيَرَ اللَّهُ عَمَلَهُ وَرَسُولُهُ وَاَلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: بإطلاعه إياهم على أعمالكم. وفي الخبر: ((لو أنَّ رجلاً عَمِلَ في صخرةٍ لا بابَ لها ولا كَوَّة، لخرج عملُه إلى الناس كائناً ما كان»(٣). قوله تعالى: ﴿وَءَخَرُونَ مُرْجَوّنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَوُبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾﴾ نزلت في الثلاثة الذين تِيب عليهم: كعب بنِ مالك، وهلال بن أميّة من بني واقفٍ، ومُرارةَ بنِ الربيع(٤)؛ وقيل: ابن رِبْعيّ العَمْريّ؛ ذكره المهدويّ(٥). كانوا قد (١) المفهم ٣/ ٦٠. (٢) عقب الحديث (٦٦٢)، وما بعده منه. (٣) أخرجه أحمد (١١٢٣٠) من طريق درَّاج بن سمعان، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﴾ ودرَّاج ضعيف في حديثه عن أبي الهيثم. ينظر التهذيب ٥٧٤/١ . (٤) أخرجه الطبري ٦٦٩/١١ - ٦٧٢ عن مجاهد والضحاك وقتادة، وأخرجه أيضاً عن ابن عباس دون أن یسمیهم. (٥) وهو قول ابن الكلبي، وقيل أيضاً: مرارة بن ربيعة. تجريد أسماء الصحابة ٦٦/٢ . ٣٦٩ سورة التوبة: الآيتان ١٠٦ - ١٠٧ تخلَّفوا عن تبوك، وكانوا مَيَاسيرَ على ما يأتي مِن ذِكْرِهم(١). والتقدير: ومنهم آخَرون مُرْجَوْن، من أرجأته، أي: أخّرته. ومنه قيل: مُرْجِئة؛ لأنهم أخّروا العمل(٢). وقرأ حمزة والكسائي: ﴿مُرْجَوْنَ﴾ بغير همز(٣)؛ فقيل: هو من أَرْجَيْتُه، أي: أخرتُه. وقال المبرِّد: لا يقال: أَرْجَيْت بمعنى أخَّرته، ولكنْ يكون من الرجاء(٤). ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيِهِمْ﴾ ((إمّا)) في العربية لأحدٍ أمرين، والله عزَّ وجلَّ عالمٌ بمصير الأشياء، ولكن المخاطبة للعباد على ما يعرفون؛ أي: ليكن أمرُهم عندكم على الرجاء؛ لأنه ليس للعباد أكثرُ من هذا(٥). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَقْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَلَهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ فيه عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا﴾ معطوفٌ، أي: ومنهم الذين اتخذوا مسجداً، عطف جملة على جملة. ويجوز أن يكون رَفْعاً بالابتداء(٦) والخبرُ محذوفٌ كأنه(٧): يُعذَّبون أو نحوُه(٨). (١) عند تفسير الآية (١١٨) من هذه السورة. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٤/٢. (٣) وهي أيضاً قراءة نافع وعاصم في رواية حفص. وهمزَ الباقون. ينظر السبعة ص٢٨٧ - ٢٨٩، والتيسير ص١١٩، والكشف عن وجوه القراءات ٥٠٦/١ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٤/٢ . (٥) المصدر السابق. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٥/٢. (٧) في (ظ) و(م): كأنهم. (٨) ينظر المحرر الوجيز ٨١/٣، والبحر ٩٨/٥، والدر المصون ١١٩/٦. ٣٧٠ سورة التوبة: الآية ١٠٧ ومَن قرأ: ((الذين)) بغير واوٍ - وهي قراءة المدنيين(١) - فهي عنده رَفْعٌ بالابتداء، والخبرُ: ((لَا تَقُمْ))، التقدير: الذين انَّخذوا مسجداً لا تَقُمْ فيه أبداً؛ أي: لا تقم في مسجدهم؛ قاله الكسائي. وقال النحاس(٢): يكون خبر الابتداء: ﴿لَا يَزَالُ بُلْيَتُهُمُ الَّذِى بَنَوْا ◌ِبَةً فِ قُلُوبِهِمْ﴾ [الآية: ١١٠]. وقيل: الخبر: يعذَّبون، كما تقدَّم. ونزلت الآية - فيما رُوي - في أبي عامر الرَّاهب؛ لأنه كان خرج إلى قَيْصَر وتَنصَّر، ووعدهم قيصرُ أنه سيأتيهم، فَبَنَوْا مسجد الضِّرار يرصدون مجيئه فيه. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادةُ وغيرهم، وقد تقدَّمت قِصته في ((الأعراف))(٣). وقال أهل التفسير: إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجدَ قُبَاء، وبعثوا للنبيّ ﴾ أن يأتيَهم، فأتاهم فصلَّى فيه، فحسدهم إخوانهم بنو غَنْم بنِ عوف وقالوا: نبني مسجداً ونبعث إلى النبيِّ # يأتينا، فيُصلِّي لنا كما صلَّى في مسجد إخواننا، ويصلّ فيه أبو عامر إذا قدم من الشام(٤)، فأَتّوا النبيَّ ﴾ وهو يتجهّز إلى تبوك، فقالوا : يا رسول الله، قد بنينا مسجداً لذي الحاجة والعِلَّة والليلةِ المَطِيرة، ونحبُّ أن تصلِّيَ لنا فيه وتدعوَ بالبركة، فقال النبيُّ ﴾: ((إنِّي على سفرٍ وحالِ شغلٍ، فلو قدِمنا لأتيناكم وصلَّينا لكم فيه)). فلما انصرف النبيُّ# من تبوك، أتَوه وقد فرغوا منه، وصلَّوا فيه الجمعة والسبت والأحد، فدعا بقميصه ليَلْبسَه ويأتيَهم، فنزل عليه القرآن بخبر مسجدٍ (١) هي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر، ينظر السبعة ص٣١٨، والتيسير ص١١٩، والنشر ٢٨١/٢. (٢) في إعراب القرآن ٢٣٥/٢، وما قبله منه. (٣) ٣٨٤/٩ - ٣٨٥، وأخرج قول الأئمة المذكورين الطبري ٦٧٥/١١ - ٦٧٨ . (٤) قال ابن حجر في الكافي الشافي ص٨١ : لم أجده بهذا السياق إلا في الثعلبي بلا إسناد، وليس صدره بصحيح فإن مسجد قباء كان قد أُسِّس والنبيُّ ﴾ بقباء أولَ ما هاجر، وبُني مسجد الضرار وكان في غزوة تبوك فبينهما تسع سنين ١٠هـ قلنا: وفي قوله: فحسدهم إخوانهم ... نظر، فإن الله عزَّ وجلَّ أخبر أنهم بنوه ضراراً وكفراً وتفريقاً .. ٣٧١ سورة التوبة: الآية ١٠٧ الضِّرار، فدعا النبيُّ # مالك بنَ الدُّخْشُم، ومعن بن عَدي، وعامر بن السَّكّن، ووخشِيًّا قاتلَ حمزة، فقال: ((انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهلُه، فاهْدِموه وأَخْرِقوه)) فخرجوا مسرعين، وأخرج مالك بن الدُّخْشُم من منزله شعلةَ نار، ونهضوا فأحرقوا المسجد وهدَموه. وكان الذين بنَوه اثني عشر رجلاً: خِذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف، ومن داره أُخرِج مسجدُ الضرار، ومُعتِّب بن قُشير، وأبو حبيبةً بن الأَزْعَر، وعَبَّاد بن حُنيف أخو سهل بن حُنَيف من بني عمرو بن عوف، وجارية بن عامر، وابناه مُجمِّع وزيد ابنا جارية، ونَبْتل بن الحارث، ويَحْزَج، وبِجَاد بن عثمان، ووديعة بن ثابت، وثعلبة بنُ حاطب مذكورٌ فيهم(١). قال أبو عمر ابن عبد البر: وفيه نظر؛ لأنه شهد بدراً(٢). وقال: عِكرمة: سأل عمر بن الخطاب رجلاً منهم: بماذا أَعنتَ في هذا المسجد؟ فقال: أعنت فيه بسارية. فقال: أبشر بها ساريةً في عنقك من نار جهنم(٣). الثانية: قوله تعالى: ﴿ضِرَارًا﴾ مصدرٌ؛ مفعولٌ من أجله. ﴿وَكُفْرًا وَتَغْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِينَ وَإِرْصَادًا﴾ عطفٌ كلُّه. وقال أهل التأويل: ضراراً بالمسجد، وليس للمسجد ضرارٌ، إنما هو لأهله(٤). وروى الدَّارَقُطْنيّ عن أبي سعيد الخُدْريِّ قال: قال رسول الله ﴾: ((لا ضَرَر ولا ضِرار، مَن ضارَّ ضَارَّ اللهُ به، ومن شاقَّ شَاقَّ اللهُ عليه))(٥). قال بعض العلماء: الضرر: الذي لك به منفعةٌ، وعلى جارك فيه مضرَّة. والضِّرار: الذي ليس لك فيه منفعةٌ، وعلى جارك فيه المضرَّة. وقد قيل: هما بمعنّی (١) ينظر سيرة ابن هشام ٥٣٠/٢، وتفسير الطبري ٦٧٣/١١، والتمهيد ٢٦٦/١٣، والدرر ص٢٩٢ ، وأسباب النزول للواحدي ص ٢٦٠، وتفسير البغوي ٣٢٦/٢ - ٣٢٧، والمحرر الوجيز ٨١/٣. (٢) الدرر ص٢٩٢، وسلف الكلام في هذه المسألة ص٣٠٦ من هذا الجزء. (٣) لم نقف عليه. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ١٠٠٠. (٥) سنن الدارقطني (٣٠٧٩) بلفظ: (( ... من ضار ضره الله، ومن شاق شقَّ الله عليه)). ٣٧٢ سورة التوبة: الآية ١٠٧ واحدٍ، تكلّم بهما جميعاً على جهة التأكيد(١). الثالثة: قال علماؤنا: لا يجوز أن يُبنى مسجدٌ إلى جنب مسجدٍ، ويجب هَذْمُه والمنعُ من بنائه؛ لئلا ينصرفَ أهلُ المسجد الأوَّل فيبقى شاغِراً، إلَّا أن تكون المَحلَّةُ كبيرةً فلا يكفي أهلَها مسجدٌ واحد فيُبنى حينئذ. وكذلك قالوا: لا ينبغي أن يُبنى في المِصْر الواحد جامعان وثلاثةٌ، ويجب منعُ الثاني، ومَن صلَّى فيه الجمعةَ لم تُجْزِه. وقد أحرق النبيُّ ◌َ﴾ مسجدَ الضِّرار وهَدَمه(٢). وأسند الطبري عن شقيقٍ أنه جاء ليصلِّيَ في مسجد بني غاضِرة، فوجد الصلاة قد فاتته، فقيل له: إنَّ مسجد بني فلانٍ لم يُصلَّ فيه بعدُ، فقال: لا أُحبُّ أن أصلِّي فيه؛ لأنه بُني على ضِرار(٣). قال علماؤنا: وكلُّ مسجدٍ بُنيَ على ضِرار أو رياءٍ وسُمعة فهو في حكم مسجد الضِّرار، لا تجوز الصلاةُ فيه. وقال النقَّاش: يلزم من هذا ألَّا يُصلَّى في كنيسة ونحوِها؛ لأنها بُنيت على شرِّ [من هذا كلِّه](٤). قلت: هذا لا يَلْزِمُ؛ لأنَّ الكنيسة لم يُقصد ببنائها الضَّررُ بالغير، وإن كان أصلُ بنائها على سوء(٥)، وإنما اتخذ النصارى الكنيسةَ واليهودُ البِيعةَ مَوْضِعاً يتعبَّدون فيه - بزَعْمِهم - كالمسجد لنا، فافترقا. وقد أجمع العلماء على أنَّ مَن صلَّى في كنيسةٍ أو بِيعةٍ على موضعٍ طاهرِ أنَّ صلاته ماضيةٌ جائزةٌ(٦). وقد ذكر البخاريُّ أنَّ ابن عباس (١) التمهيد ١٥٨/٢٠، والاستذكار ٢٢٢/٢٢، ٢٢٣. (٢) ينظر البيان والتحصيل ١/ ٤١٠ - ٤١١، وعقد الجواهر الثمينة ٢٢٧/١ . (٣) تفسير الطبري ٦٨٠/١١، ونقله المصنف بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٨٢/٣. ووقع في تفسير الطبري: بني عامر، بدل: بني غاضرة. ومسجد بني غاضرة من بني أسد هو مسجد يقع في زُبَالة، وهي قرية قريبة من الكوفة. ينظر معجم البلدان ١٢٩/٣ . (٤) المحرر الوجيز ٨٢/٣، وما بين حاصرتين منه. (٥) في (م): على شر. (٦) التمهيد ٢٢٩/٥ . ٣٧٣ سورة التوبة: الآية ١٠٧ كان يُصلِّي في البِيعة إذا لم يكن فيها تماثيل(١). وذكر أبو داودَ عن عثمان بن أبي العاص؛ أنَّ النبيَّ ﴾ أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغِيتُهم (٢). الرابعة: قال العلماء: إنَّ مَن كان إماماً لظالم لا يُصلَّى وراءه، إلا أن يُظهِر عُذْرَه أو يتوب، فإنَّ بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء، سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمُجمِّع بن جارية أن يصلّيَ بهم في مسجدهم، فقال: لا، ولا نَعِمَتْ عين! أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال له مُجَمِّع: يا أمير المؤمنين، لا تعجل عليَّ، فوالله لقد صلَّيت فيه وأنا لا أعلم ما قد أضمروا عليه، ولو علمت ما صلَّيت بهم فيه، كنت غلاماً قارئاً للقرآن، وكانوا شيوخاً قد عاشوا(٣) على جاهليتهم، وكانوا لا يقرؤون من القرآن شيئاً، فصلَّيتُ ولم أحسِب ما صنعتُ إثماً، ولا أعلم بما في أنفسهم، فعذَرَه عمرُ رضي الله عنهما وصدَّقه، وأمره بالصلاة في مسجد قُباء(٤). الخامسة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وإذا كان المسجد الذي يُتَّخذ للعبادة، وحضَّ الشرع على بنائه فقال: ((مَن بنى لله مسجداً ولو كَمَفْحَصٍ قَطَاة، بنى الله له بيتاً في الجنة))(٥) يُهدَم وينزع إذا كان فيه ضررٌ بغيره، فما ظنُّك بسواه؟ بل هو أخْرَى أن يُزالَ ويُهدَم، حتى لا يدخلَ ضررٌ على الأقدَم. وذلك كَمَن بنى فُرْناً أو رَحَى، أو حفر بئراً، أو غيرَ ذلك مما يُدخِلُ به الضررَ على الغير (٦). وضابط هذا الباب: أنَّ مَن أَدْخَلَ على أخيه ضرراً مُنع. فإن أَدخل على أخيه ضرراً بفعلٍ ما كان له فعلُه في ماله، فأضرَّ ذلك بجاره، أو غيرِ جاره، نُظر إلى ذلك الفعل، فإن كان تركُه أكبرَ ضرراً من الضرر الداخل على الفاعل، قُطِعَ أكبرُ الضررين (١) علقه البخاري قبل الحديث (٤٣٤)، ووصله عبد الرزاق (١٦٠٨). (٢) سنن أبي داود (٤٥٠)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٧٤٣). (٣) في النسخ الخطية: غشوا. (٤) تفسير البغوي ٣٢٧/٢، والكشاف ٢١٥/٢ . (٥) سلف ٦ / ١٦٥ . (٦) ينظر عقد الجواهر الثمينة ١٢/٣. ٣٧٤ سورة التوبة: الآية ١٠٧ وأعظمُهما حُرمةً في الأصول. مثال ذلك: رجلٌ فتح كَوَّةً في منزله يَطَّلِعُ منها على دار أخيه وفيها العيالُ والأهل، ومن شأن النساء في بيوتهن إلقاءُ بعضٍ ثيابهن، والانتشارُ في حوائجهن، ومعلومٌ أنَّ الاطلاع على العورات محرّمٌ قد ورد النهي فيه، فلحرمة الاطلاع على العورات رأى العلماء أن يغلقوا على فاتح البابِ والكُوَّة ما فَتَح، مما له فيه منفعةٌ وراحةٌ، وفي غَلْقِه عليه ضررٌ؛ لأنهم قصدوا إلى قطع أعظم الضرَريْن؛ إذ لم يكن بُدٌّ من قطع أحدهما (١)، وهكذا الحكمُ في هذا الباب، خلافاً للشافعيِّ ومَن قال بقوله. قال أصحاب الشافعيّ: لو حفر رجلٌ في ملكه بئراً، وحفر آخَرُ في ملكه بئراً يسرقُ(٢) منها ماءَ البئر الأَوَّلةِ جاز؛ لأن كل واحدٍ منهما حفر في مِلكه فلا يُمنع من ذلك. ومثلُه عندهم: لو حَفَر إلى جنب بئرِ جاره كنِيفاً يُفسده عليه، لم يكن له مَنْعُه؛ لأنه تصرَّف في ملكه(٣). والقرآنُ والسنة يَرُدَّان هذا القول، وبالله التوفيق. ومن هذا الباب وجهٌ آخَرُ من الضرر مَنَع العلماء منه، كدخان الفُرْنِ والحمَّام، وغبارِ الأَنْدَر(٤)، والدودِ المتولِّد من الزِّبل المبسوط في الرِّحاب، وما كان مثلَ هذا؛ فإنه يُقطع منه ما بان ضررُه وخُشِيَ تماديه. وأما ما كان ساعةً خفيفةً مثل نَفْضِ الثيابِ والحُصُرِ عند الأبواب، فإن هذا مما لا غِنى بالناس عنه، وليس مما يُستحقُّ به شيء، فَتَفْيُ الضرر في منع مثلِ هذا أعظمُ وأكبرُ من الصبر على ذلك ساعةً خفيفةً. وللجار على جاره في أدب السُّنة أن يصبر على أذاه على ما يقدر، كما عليه ألا يؤذيَهُ وأن يُحسنَ إليه(٥). السادسة: ومما يدخل في هذا الباب مسألةٌ ذكرها إسماعيل بن أبي أُوَيْس عن (١) التمهيد ١٦٠/٢٠. (٢) في (ظ): سرق. (٣) ينظر مغني المحتاج ٣٦٤/٢ . (٤) أي: البیدر. القاموس (ندر). (٥) التمهيد ١٦١/٢٠. ٣٧٥ سورة التوبة: الآية ١٠٧ مالك، أنه سُئل عن امرأة عَرَض لها، يعني مَسًّا من الجن، فكانت إذا أصابها زوجُها وأَجنبت، أو دنا منها، يشتدُّ ذلك بها. فقال مالك: لا أرى أن يقربَها، وأرى للسلطان أن يحول بينه وبينها(١). ـقْرَا﴾ لمَّا كان اعتقادهم أنه لا حرمةً لمسجد قُباء، ولا السابعة: قوله تعالى: ﴿ لمسجدِ النبيِّ #، كفروا بهذا الاعتقاد؛ قاله ابن العربي(٢). وقيل: ((وَكُفْرًا)) أي: بالنبيِّ ﴾ وبما جاء به، قاله القشيرِيُّ وغيره. الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَتَغْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِينَ﴾ أي: يفرِّقون به جماعتهم ليتخلَّفَ أقوامٌ عن النبيِّ ◌َ﴾. وهذا يدلُّكَ على أنَّ المَقْصِدَ الأكبر والغرضَ الأَظْهَرَ من وضع الجماعة تأليفُ القلوب والكلمةِ على الطاعة، وعقدُ الذِّمام والحرمة بفعل الدِّيانة، حتى يقعَ الأُنسُ بالمخالطة، وتصفوَ القلوبُ من وَضَرِ الأحقاد (٣). التاسعة: تَفَطَّن مالك رحمه الله من هذه الآية فقال: لا تُصلَّى جماعتان في مسجد واحد بإمامین، خلافاً لسائر العلماء. وقد رُوي عن الشافعيِّ المنعُ حیث کان [ذلك] تشتيتاً للكلمة، وإبطالاً لهذه الحكمة، وذريعةً إلى أن يقول(٤) مَن يريد الانفرادَ عن الجماعة: كان له عذر، فيقيم جماعتَه ويقدِّم إمامه، فيقع الخلاف ويَبْطُل النظام، وَخَفيَ ذلك عليهم. قال ابن العربي(٥): وهذا كان شأنه معهم، وهو أثبتُ قدَماً منهم في الحكمة، وأعلمُ بمقاطع الشريعة. العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يعني أبا عامر الراهب، وسُمِّيَ بذلك؛ لأنه كان يتعبَّدُ ويلتمس العلم، فمات كافراً بقِنَّسْرِين بدعوةِ (١) التمهيد ١٦٢/٢٠. (٢) في أحكام القرآن ٢/ ١٠٠٠ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ١٠٠١. (٤) في (م): نقول. (٥) في أحكام القرآن ٢/ ١٠٠١، وما قبله وما سلف بين حاصرتين منه. ٣٧٦ سورة التوبة: الآية ١٠٧ النبيِّ#، فإنه كان قال للنبيِّ ﴾ لا أجد قوماً يقاتلونك إلَّا قاتلتكَ معهم؛ فلم يزل يقاتلُه إلى يوم حُنين. فلما انهزمت هوازِنُ خرج إلى الروم يَستنصِر، وأرسل إلى المنافقين وقال: استعدُّوا بما استطعتم من قوّةٍ وسلاحٍ، وابنوا [لي] مسجداً فإني ذاهبٌ إلى قيصر، فآتٍ بجندٍ من الروم لأُخرِجَ محمداً من المدينة، فبنَوْا مسجدَ الضرار. وأبو عامر هذا هو والدُ حنظلةَ غَسيلِ الملائكة(١). والإرصاد: الانتظار، تقول: أَرْصَدْتُ كذا [لكذا]: إذا أَعْدَدتَه مُرْتقِباً له به(٢). قال أبو زيد: يقال: رَصَدْتُه وأَرْصَدْتُه في الخير، وأَرْصَدْت له في الشرّ. وقال ابن الأعرابي: لا يُقال إلا: أرصدتُ، ومعناه: ارتقبت(٣). وقوله تعالى: ﴿مِن قَبْلٌ﴾ أي: من قبل بناء مسجد الضرار. ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَاً إِلَّا اٌلْحُسْنِ﴾ أي: ما أردنا ببنائه إلَّا الفَعلةَ الحسنى، وهي الرِّفقُ بالمسلمين كما ذكروا: الذي العِلة والحاجة(٤). وهذا يدلُّ على أنَّ الأفعال تختلف بالقُصُود(٥) والإرادات؛ ولذلك قال: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدِّنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾. ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ أي: يعلم خُبْثَ ضمائرهم و کذبهم فيما يحلفون عليه. (١) تفسير البغوي ٣٢٦/٢ - ٣٢٧ وما سلف بين حاصرتين منه، والكشاف ٢١٣/٢ - ٢١٤. وقنسرين بكسر أوله وفتح ثانيه وتشديده، فتحها أبو عبيدة ﴾ سنة (١٧هـ)، وكانت حمص وقنسرين شيئاً واحداً. معجم البلدان ٤/ ٤٠٣ . وقوله: بدعوة النبي #. جاء في بداية هذا الخبر عند البغوي أن أبا عامر قال للنبي #: أمات الله الكاذب منا طريداً وحيداً غريباً، فقال النبي #: ((آمين)). وكان أبو عامر قد ادعى أنه على الحنيفية دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ١٠٠١، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) معاني القرآن للنحاس ٢٥٣/٢، وينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ١٩٢، وتفسير الغريب لابن عُزَيز ص١٢٧ . وقال ابن عزيز: ويقال: رصدت وأرصدت في الخير والشر جميعاً. (٤) تفسير البغوي ٣٢٦/٢، وينظر ما سلف ص٣٦٩ فما بعد من هذا الجزء. (٥) في (د) و(ظ) و(م): بالمقصود، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ٢١٧ ، والكلام منه. ٣٧٧ سورة التوبة: الآية ١٠٨ قوله تعالى: ﴿لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسِْدُّ أُمِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ ١٠٨ تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُونَ أَن يَنَعَهَرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُعَلَّهِرِينَ فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًّا﴾ يعني مسجد الضِّرار، أي: لا تَقُم فيه للصلاة. وقد يُعبّر عن الصلاة بالقيام، يقال: فلانٌ يقوم الليل، أي: يُصلِّي، ومنه الحديثُ الصحيح: ((مَن قام رمضانَ إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تَقَدَّم من ذنبه)). أخرجه البخاريُّ عن أبي هريرة عن النبيِّ# قال، فذَكَره(١). وقد رُويَ أن رسول اللـه﴾ لمَّا نزلت هذه الآية كان لا يمرُّ بالطريق التي فيها المسجد(٢)، وأمر بموضعه أن يُتخذ كُناسةً تُلقَى فيها الجِيَفُ والأقذارُ والقُمامات. الثانية: قوله تعالى: ((أَبَداً)): ظرفُ زمان. وظرفُ الزمان على قسمين: ظرفٌ مُقدَّر كاليوم [والليلة]، وظرفٌ مُبْهَم كالحين والوقت، والأبدُ من هذا القسم، وكذلك الدهر. وتنشأ هنا مسألةٌ أصوليةٌ، وهي أنَّ ((أبداً) وإن كانت ظرفاً مبهماً لا عمومَ فيه، ولكنه إذا اتصل بلا النافية أفاد العموم(٣) فلو قال: لا تقمْ، لكفى في الانكفاف المطلَق. فإذا قال: ((أبداً)) فكأنه قال: في وقت من الأوقات، ولا في حينٍ من الأحيان. فأما النكرةُ في الإثبات إذا كانت خبراً عن واقعٍ لم تَعمَّ، وقد فَهِم ذلك أهلُ اللسان، وقضى به فقهاءُ الإسلام فقالوا: لو قال رجلٌ لامرأته: أنت طالقٌ أبداً، طَلُقت طلقةً واحدةً. (١) صحيح البخاري (٣٧)، وهو عند أحمد (٧٢٨٠)، ومسلم (٧٥٩). (٢) لم نقف على هذا الجزء من الخبر، وما سيرد بعده منه ذكره الواحدي في أسباب النزول ص٢٦٢، والبغوي ٣٢٧/٢. (٣) في أحكام القرآن لابن العربي ١٠٠٢/٢ (والكلام وما سلف بين حاصرتين منه): ولكنه إذا اتصل بالنهي أفاد العموم. وذكر النهي هنا أولى بسياق الكلام. ٣٧٨ سورة التوبة: الآية ١٠٨ الثالثة: قوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدُّ أُمِّسَ عَلَ اَلتَّقْوَى﴾ أي: بُنيت جُدُرُهُ ورُفعت قواعدُه. والأُسُّ أصلُ البناء، وكذلك الأساس. والأَسَسُ مقصورٌ منه. وجمع الأُسِّ: إِسَاس؛ مثلُ: عُسِّ وعِسَاسٍ. وجمع الأساس: أُسُس، مثل: قَذال وقُذُل. وجمع الأَسَس: آساس، مثل: سَبَب وأَسْبَاب. وقد أَسَّسْتُ البناءَ تأسيساً. وقولهم: كان ذلك على أُسِّ الدهر، وأَسِّ الدهر، وإِسِّ الدهر، ثلاث لغات، أي: على قِدَم الدَّهر ووجه الدهر(١). واللام في قوله: (لَمَسْجِدٌ)) لامُ قَسَم. وقيل: لام الابتداء، كما تقول: لَزيدٌ أحسنُ الناسِ فعلاً، وهي مقتضيةٌ تأكيداً (٢). ((أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى)) نعتٌ لِمسجد. ((أَحَقُّ)) خبر الابتداء الذي هو (لَمَسْجِدٌ)) (٣)، ومعنى التقوى هنا: الخصال التي تُتَّقَى بها العقوبة، وهي فَعْلَى من وَقَيت، وقد تقدَّم(٤). الرابعة: واختلف العلماء في المسجد الذي أُسِّس على التقوى؛ فقالت طائفة: هو مسجد قباء، يُروى عن ابن عباس والضخَّاك والحسن. وتعلقوا بقوله: ((مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ))، ومسجدُ قُباء كان أُسِّسَ بالمدينة أوَّلَ يوم(٥)؛ فإنه بُنيَ قبل مسجد النبيِّ ﴾. [وقيل: هو مسجد رسول الله *] قاله ابن عمر وابن المسيِّب، ومالك فيما رواه عنه ابن وهب وأشهبُ وابن القاسم(٦). وروى الترمذيُّ عن أبي سعيد الخُذْريِّ: قال تَمارَى رجلان في المسجد الذي (١) الصحاح (أسس). والعساس: الأقداح العظام. والقَذال: جماع مؤخر الرأس. القاموس (عسس) و(قذل). (٢) المحرر الوجيز ٨٢/٣ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٥/٢ . (٤) ١/ ٢٥٠ - ٢٥١. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ١٠٠٢، وأخرجه عن ابن عباس الطبري ٦٨٤/١١. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٠٢/٢، وعارضة الأحوذي ٢٤٥/١١، وما سلف بين حاصرتين منهما. وقول ابن عمر وابن المسيب أخرجه ابن أبي شيبة ٣٧٢/٢، والطبري ١١/ ٦٨٢ - ٠٦٨٣ ٣٧٩ سورة التوبة: الآية ١٠٨ أُسِّس على التَّقوى من أوّل يوم؛ فقال رجل: هو مسجد قُبَاء، وقال آخر: هو مسجد النبيِّ#. فقال رسول الله ﴾: ((هو مسجدي هذا)). قال: حديث صحيح(١). والقول الأوَّل أَلْيَقُ بالقصة؛ لقوله: ((فيه))، وضمير الظرف [الذي] يقتضي الرجال المتطهِّرين، هو (٢) مسجدُ قُباء. والدليل على ذلك حديثُ أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في أهل قُباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَعَهَرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُقَلِّرِينَ﴾ قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية (٣). قال الشَّعبيُّ: هم أهل مسجد قُباء، أنزل الله فيهم هذا (٤). وقال قتادة: لمَّا نزلت هذه الآية، قال رسول اللـه﴿ لأهل قُباء: (إنَّ الله سبحانه قد أَحْسَنَ عليكم الثناءَ في التطهُّر، فما تَصْنعون؟)). قالوا: إنا نَغْسلُ أثر الغائط والبول بالماء. رواه أبو داود(٥). وروى الدَّارَقُظْنيّ عن طلحةَ بنِ نافع قال: حدَّثني أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك الأنصاريون عن رسول اللـه# في هذه الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُونَ أَن يَطَفَرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُعَلَهِّرِينَ﴾ فقال: ((يا معشرَ الأنصار، إنَّ الله قد أَثْنَى عليكم خيراً في الظُّهور، فما ظُهوركم هذا؟)) قالوا: يا رسول الله، نتوضَّأُ للصلاة، ونغتسلُ من الجنابة. فقال رسول الله ﴾: «فهل مع ذلك مِن غيره؟)) فقالوا: لا، غيرَ أنَّ أحدنا إذا خرج من الغائط أحبَّ أن يستنجيَ بالماء. قال: ((هو ذاك فَعَلَيْكُموه))(٦). (١) سنن الترمذي (٣٠٩٩)، وهو عند أحمد (١١٠٤٦). وبنحوه عند مسلم (١٣٩٨). قال السندي (كما في حاشية المسند): هذا نصٌّ صريح في الباب، ولا وجه للاختلاف بعده، والله تعالى أعلم. (٢) في النسخ: فهو، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ١٠٠٣/٢، والكلام منه دون قوله: والقول الأول أليق بالقصة، وسيأتي لهذا مزيد بيان. وما سلف بين حاصرتين من أحكام القرآن. (٣) أخرجه أبو داود (٤٤)، والترمذي (٣١٠٠)، وابن ماجه (٣٥٧). قال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه. وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده ضعيف. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٦/٢، وأخرجه الطبري ١١ / ٦٩١. (٥) لم نقف عليه عند أبي داود، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٨٨/٢، والطبري ٦٨٨/١١ - ٦٨٩. (٦) سنن الدارقطني (١٧٤)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٣٥٥). قال الدارقطني بإثره: عتبة بن أبي حكيم (أحد رجال الإسناد) ليس بقوي. ٣٨٠ سورة التوبة: الآية ١٠٨ وهذا الحديث يقتضي أنَّ المسجد المذكور في الآية هو مسجدُ قباء، إلَّ أنَّ حديث أبي سعيد الخُذْريِّ نصَّ فيه النبيُّ:﴿ على أنه مسجده، فلا نظر معه(١). وقد روى أبو ◌ُریب قال: حدَّثنا أبو أسامة، قال: حدَّثنا صالح بن حيَّان، قال: حذَّثنا عبد الله بن بُرَيدةَ في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ِ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا أَسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] قال: إنما هي أربعةُ مساجدَ لم يَبْنِهِنَّ إلا نبيّ: الكعبةُ بناها إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما السلام، وبيتُ أَرِيحًا بيتُ المقدس بناه داودُ وسليمانُ عليهما السلام، ومسجدُ المدينة ومسجدُ قُباء اللذين أُسِّسا على التقوى، بناهما رسول الله ﴾(٢). الخامسة: ((مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ))؛ ((مِنْ)) عند النَّحْوبين مقابِلةُ (منذ))، فمنذ في الزمان بمنزلة (مِنْ)) في المكان. فقيل: إنَّ معناها هنا معنى ((منذ))، والتقدير: منذ أوّلِ يومٍ ابتدِي بُنيانه. وقيل: المعنى: مِنْ تأسيس أوّل الأيام، فدخلت على مصدر الفعل الذي هو أسّس(٣)، كما قال: لمن الديارُ بقُنَّة الحِجْرِ أَقْوَيْنَ من حِجَجٍ ومن دَهْرٍ (٤) أي: مِنْ مَرِّ حِججٍ ومِن مَرِ دهر. وإنما دعا إلى هذا أنَّ مِن أُصول النحويين أنَّ (مِنْ)) لا يُجرُّ بها الأزمان، وإنما تُجَرُّ الأزمان بمنذ، تقول: ما رأيته منذ شهرٍ، أو سنةٍ، أو يوم. ولا تقول: من شھرٍ، ولا من سنة، ولا من يوم. فإذا وقعت في الكلام وهي يليها زمن، فيقدَّر مضمَرٌ يليق أن يُجرَّ بمن، كما ذكرنا في تقدير البيت. ابن عطية: ويَحسُن عندي أن يُستغنّى في هذه الآية عن تقدير، وأن تكون ((مِنْ)) تجرُّ لفظة ((أوّل))؛ لأنها بمعنى البداءة، كأنه (١) المحرر الوجيز ٨٢/٣. (٢) التمهيد ٢٦٨/١٣ وهذا اختيار ابن عبد البر: أنهما جميعاً أسسا على التقوى. وصالح بن حيان القرشي ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب. (٣) ينظر الخلاف بين الكوفيين والبصريين في ذلك: الخزانة ٩/ ٤٤٠. (٤) قائله زهير بن أبي سُلمى، والبيت في ديوانه ص٨٦، والخزانة ٤٣٩/٩، وفيه: القنة أعلى الجبل، والحِجْر: منازل ثمود بناحية الشام عند وادي القرى. أقوين: أقفرن. والحجج: جمع حجة، وهي السَّنّة.