Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١
سورة التوبة: الآية ٨٤
الآية(١)، لا أنه كان تقدَّم نهيٌ، على ما دلَّ عليه حديثُ البخاريِّ ومسلم(٢). والله
أعلم.
قلت: ويحتمل أن يكون فَهِمه من قوله تعالى: ﴿مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ
يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] لأنها نزلت بمكة. وسيأتي القول فيها.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ الآية. بيَّن تعالى أنه وإن استغفَر لهم لم
ينفعهم ذلك، وإنْ أَكْثَر من الاستغفار. قال القُشَيريُّ: ولم يثبت ما يُروى أنه قال:
(لأزيدنَّ على السبعين)).
قلت: وهذا خلاف ما ثبت في حديث ابن عمر: ((وسأزيدُ على سبعين)) وفي
حديث ابن عباس: ((لو أعلمُ أنّ إن زِدْتُ على السبعينَ يُغفرُ لهم لزِدْتُ عليها)). قال:
فصلَّى عليه رسولُ اللهِ ﴾. خرَّجه البخاريُّ(٣).
الرابعة: واختلف العلماءُ في تأويل قوله: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ هل هو إياسٌ أو
تخيير؟ فقالت طائفة: المقصود به اليأس بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾(٤).
وذِكْر السبعين وِفاقٌ جرى، أو هو عادتُهم في العبارة عن الكثرة والإغياء. فإذا
قال قائلهم: لا أكلِّمه سبعين سنةً؛ صار عندهم بمنزلة قوله: لا أكلِّمه أبداً(٥). ومثلُه
في الإغياء قوله تعالى: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢]، وقوله عليه الصلاة
والسلام: ((مَن صام يوماً في سبيل الله باعَدَ اللهُ وجهه عن النار سبعين خريفاً)) (٦).
وقالت طائفة: هو تخييرٌ - منهم الحسنُ وقتادةُ وعُروةٌ - إنْ شئتَ استغفِر لهم،
(١) المفهم ٢/ ٦٤٠، قال أبو العباس: وهذان التأويلان فيهما بُعْد.
(٢) حديث ابن عباس عند البخاري وحديث ابن عمر عند مسلم، وسلفا قريباً.
(٣) قطعة من حديث ابن عباس (١٣٦٦)، وقد سلف قريباً، وفيه: له، بدل: لهم.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٩٧٨/٢ .
(٥) المفهم ٢/ ٦٤١، ويعني بالإغياء: المبالغة. ينظر النكت والعيون ٣٨٦/٢، وتفسير البغوي ٣١٥/٢.
(٦) سلف ٢٦٠/٢ .
٣٢٢
سورة التوبة: الآية ٨٤
وإن شئتَ لا تستغفر. ولهذا لمَّا أراد أن يصلّي على ابن أُبَيِّ قال عمر: أتصلِّي على
عدوِّ اللهِ، القائلِ يوم كذا: كذا وكذا؟. فقال: ((إني خُيِّرتُ فاخترتُ))(١). قالوا: ثم
نُسخ هذا لمَّا نزلَ: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ [المنافقون: ٦](٢).
﴿ذَلِكَ بِأَّهُمْ كَفَرُوا﴾ أي: لا يغفر اللهُ لهم لكُفْرِهم.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية
[١١٣]. وهذه الآيةُ نزلت بمكة عند موت أبي طالب، على ما يأتي بيانُه. وهذا يُفهَم
منه النهيُ عن الاستغفار لمَن مات كافراً. وهو متقدِّمُ على هذه الآية التي فَهِم منها
التخييرَ بقوله: ((إنما خيَّرني الله)) وهذا مشكل؟
فقيل: إنَّ استغفارَه لعمِّه إنما كان مقصودُه استغفاراً مرجوًّ الإجابة حتى تحصلَ له
المغفرةُ. وفي هذا الاستغفار استأذَن عليه الصلاة والسلام ربَّه في أن يأذن له فيه لأمِّه،
فلم يؤذن(٣) له فيه. وأما الاستغفار للمنافقين الذي خُيِّر فيه فهو استغفارٌ لسانيٍّ [علم
النبي # أنه] لا ينفع، وغايتُه تطييبُ قلوبِ بعض الأحياء من قَرَابات المستغفَر له (٤).
والله أعلم.
السادسة: واختلف في إعطاء النبيِّ# قميصَه لعبد الله؟ فقيل: إنما أعطاه لأنَّ
عبد اللهِ كان قد أعطى العباسَ عمَّ النبيِّ# قميصَه يومَ بدر. وذلك أن العباس لمَّا أُسِر
يومَ بدرٍ - على ما تقدَّم(٥) - وسُلب ثوبُه، رآه النبيُّ ﴾ كذلك فأشفق عليه، فطلب له
(١) هو قطعة من حديث ابن عباس عن عمر﴾. أخرجه البخاري (١٣٦٦) وسلف بعضه قريباً.
(٢) ينظر الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (٥٢١)، وتفسير الطبري ٥٩٩/١١ - ٦٠١، والناسخ والمنسوخ
للنحاس ٤٦٣/٢. وقال جماعة: الآية محكمة غير منسوخة. وصحح هذا القول مكي في الإيضاح
لناسخ القرآن ومنسوخه ص ٣٢٠، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص١٧٨ وقال: هذا قول المحقّقين.
(٣) في (ظ) و(م): يأذن.
(٤) المفهم ٦٤١/٢ - ٦٤٢ وما سلف بين حاصرتين منه، وحديث استئذان النبي # في الاستغفار لأمه
أخرجه أحمد (٩٦٨٨)، ومسلم (٩٧٦) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((استأذنت ربي في أن أستغفر
لها فلم يؤذن لي ... ».
(٥) ص٧٦ من هذا الجزء.
٣٢٣
سورة التوبة: الآية ٨٤
قميصاً، فما وُجد له قميصٌ يُقادِرُه إلا قميصُ عبد اللهِ، لتَقارُبِهما في طول القامة،
فأراد النبيُّ # بإعطاء القميص أن يرفع اليدَ عنه في الدنيا، حتى لا يلقاه في الآخرة
وله عليه يدٌ يكافئُه بها(١).
وقيل: إنما أعطاه القميصَ إكراماً لابنه، وإسعافاً له في طِلْبِهِ، وتطبيباً لقلبه (٢).
والأوَّل أصح؛ خرَّجه البخاريُّ(٣) عن جابر بن عبد الله قال: لمَّا كان يومُ بدٍ
أُتيّ بأُسارى، وأُتَيَ بالعباس ولم يكن عليه ثوبٌ، فنظر(٤) النبيُّلِ ﴾ له قميصاً، فَوَجَدوا
قميصَ عبد الله بن أُبَيِّ يُقْدَرُ عليه، فَكَسَاه النبيُّ# إياه؛ فلذلك نزَعَ النبيُّ # قميصه
الذي أَلْبَهُ.
وفي الحديث أنَّ النبيَّ لَ﴾ قال: ((إنَّ قميصي لا يُغني عنه من الله شيئاً، وإنِّي
لَأرجو أنْ يُسلم بفعلي هذا ألفُ رجلٍ من قومي». كذا في بعض الروايات: ((من
قومي" يريد من مُنافقي العرب. والصحيح أنه قال: ((رجال من قومه))(٥). ووقع في
معاني أبي إسحاق(٦) وفي بعض كتب التفسير: فأسلمَ وتابَ لهذه الفعْلةِ من
رسول الله ﴿ ألفُ رجلٍ من الخزرج.
السابعة: لمَّا قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبْدًا﴾ قال علماؤنا: هذا
نصٌّ في الامتناع من الصلاة على الكفار، وليس فيه دليلٌ على الصلاة على
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٨٠ .
(٢) ذكر القولين أبو العباس في المفهم ٦٣٩/٢ .
(٣) برقم (٣٠٠٨).
(٤) في (م): فطلب.
(٥) المحرر الوجيز ٦٨/٢، وأخرج الخبر الطبري ٦١٤/١١ عن قتادة بلفظ: ((من قومه)) وأخرجه عن قتادة
أيضاً أبو الشيخ كما في الدر المنثور ٣٦٦/٣ بلفظ: وإني لأرجو أن يسلم به أكثر من ألف من بني
الخزرج.
(٦) هو الزجاج، ووقع في النسخ: في مغازي ابن إسحاق، والمثبت من المحرر الوجيز ٦٨/٢، والكلام
منه، وكذا نسبه ابن الجوزي في زاد المسير ٣/ ٤٨٠ للزجاج، وهو في معانيه ٢/ ٤٦٣ .
٣٢٤
سورة التوبة: الآية ٨٤
المؤمنين(١).
واختُلف هل يؤخذ من مفهومه وجوبُ الصلاة على المؤمنين على قولين:
يؤخذ؛ لأنه علَّل المنعَ من الصلاة على الكفار لكفرهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ
بِلَهِ وَرَسُولِ﴾ فإذا زال الكفرُ وجبت الصلاةُ، ويكون هذا نحوَ قولِه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ
عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] يعني الكفار، فدلَّ على أنَّ غير الكفار
يَرَوْنه وهم المؤمنون، فذلك مثله. واللهُ أعلم.
أو تؤخذ الصلاة من دليلٍ خارج عن الآية، وهي الأحاديث الواردة في الباب،
والإجماعُ. ومنشأ الخلاف القولُ بدليل الخطاب وتركُه(٢). روى مسلمٌ عن جابر بن
عبد الله قال: قال رسول الله ﴾: ((إنَّ أخاً لكم قد مات، فقوموا فصلُّوا عليه)) قال:
فقمنا فصَفَفْنا صفّين(٣)؛ يعني النجاشيَّ.
وعن أبي هريرة أنَّ رسول الله # نعى للناس النجاشيَّ في اليوم الذي مات فيه،
فخرج بهم إلى المصلَّى وكَبَّر أربعَ تكبيرات (٤).
وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز تركُ الصلاة على جنائز المسلمين، من أهل
الكبائر كانوا أو صالحين؛ وراثةً عن نبيِّهم # قولاً وعملاً. والحمد لله. واتفق العلماء
على ذلك، إلَّا في الشهيد كما تقدَّم(٥)، وإلا في أهل البدع والبغاة.
الثامنة: والجمهورُ من العلماء على أنَّ التكبير أربعٌ؛ قال ابن سِيرين: كان التكبير
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ١٩٨٠ .
(٢) والذين قالوا بدليل الخطاب استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَ أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َّاتَ أَبَدًا﴾ فنهى الله تعالى
عن الصلاة على الكفار، فدلَّ على وجوبها على المؤمنين. وردًّ هذا القول ابن العربي في أحكام القرآن
٢/ ٩٨٠، والقاضي عياض في إكمال المعلم ٣٩٨/٣.
(٣) صحيح مسلم (٩٥٢)، وهو عند أحمد (١٤١٥٠)، والبخاري (١٣٢٠).
(٤) صحيح مسلم (٩٥١)، وهو عند أحمد (٩٦٤٦)، والبخاري (١٢٤٥).
(٥) ٤١١/٥ وما بعدها، وينظر الإقناع لابن المنذر ١٥٨/١ والاستذكار ٢٣٦/٨ - ٢٣٧، والمنتقى
١١/٢، وإكمال المعلم ٣٩٨/٣، وعقد الجواهر الثمينة ٢٦٢/١، والمفهم ٦٠٩/٢.
٣٢٥
سورة التوبة: الآية ٨٤
ثلاثاً فزادوا واحدةً(١).
وقالت طائفة: يكبِّر خمساً، ورُوي عن ابن مسعود وزيدٍ بن أرْقم(٢).
وعن عليٍّ: ستّ تكبيرات(٣).
وعن ابن عباس وأنس بن مالك وجابر بن زيد: ثلاث تكبيرات. والمعوَّل عليه
أربع(٤)؛ روى الدَّارَقُظْنيُّ(٥) عن أُبَيِّ بن كعب: أنَّ رسول اللـه ﴿ قال: ((إنَّ الملائكةَ
صلَّت على آدم، فكَبَّرت عليه أربعاً وقالوا: هذه سُنَّتْكم يا بني آدمَ)).
التاسعة: ولا قراءةً في هذه الصلاة في المشهور من مذهب مالك، وكذلك أبو
حنيفة والثوريُّ؛ لقوله #: ((إذا صَلَّيتم على الميت فأخلصوا له الدعاءَ)) رواه أبو داود
من حديث أبي هريرة(٦).
وذهب الشافعيُّ وأحمد وإسحاق ومحمد بن مسلمة وأشهبُ من علمائنا وداود
إلى أنه يقرأ بالفاتحة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا صلاةً إلا بفاتحة الكتاب))
حملاً له على عمومه(٧). وبما خرَّجه البخاريُّ(٨) عن ابن عباس وصلَّى على جنازة
(١) إكمال المعلم ٤١٦/٣ .
(٢) أخرجه عنهما ابن أبي شيبة ٣٠٢/٣ - ٣٠٣، وأخرجه أحمد (١٩٢٧٢) ومسلم (٩٥٧) عن زيد بن
أرقم مرفوعاً. بلفظ: كان زيد يكبر على جنائزنا أربعاً، وأنه كبّر على جنازة خمساً، فسألوه، فقال: كان
رسول الله ګ# یکبِّرها.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٠٤/٣، والدار قطني (١٨٢٣).
(٤) أخرج قول ابن عباس وأنس وجابر ابنُ أبي شيبة ٣٠٣/٣. قال ابن عبد البر في التمهيد ٣٣٤/٦:
اختلف السلف في عدد التكبير على الجنازة، ثم اتفقوا على أربع تكبيرات، وما خالف ذلك شذوذٌ يشبه
البدعة والحدث.
(٥) في سننه (١٨١٣). وفي إسناده عثمان بن سعد الكاتب؛ قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب:
ضعيف .
(٦) المفهم ٢/ ٦١٢، والحديث في سنن أبي داود (٣١٩٩).
(٧) المفهم ٢/ ٦١٣، وسلف الحديث ١/ ١٧٧ .
(٨) في صحيحه (١٣٣٥).
٣٢٦
سورة التوبة: الآية ٨٤
فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنَّها سُنَّة.
وخرَّج النَّسائيُّ(١) من حديث أبي أمامة قال: السُّنة في الصلاة على الجنائز أن
يقرأ في التكبيرة الأولى بأمِّ القرآن مُخافَتَةً، ثم يكبِّر ثلاثاً، والتسليم عند الآخِرة.
وذكر محمد بن نصر المَرْوَزِيُّ، عن أبي أمامة أيضاً قال: السُّنة في الصلاة على
الجنائز أن تكبِّر، ثم تقرأ بأمِّ القرآن، ثم تصلِّيَ على النبيِّ ﴾، ثم تخلِصَ الدعاءَ
للميت. ولا يقرأُ إلا في التكبيرة الأولى ثم يسلِّم (٢).
قال شيخُنا أبو العباس(٣): وهذان الحديثان صحيحان، وهما مُلْحَقان عند
الأصوليين بالمسند. والعملُ على حديث أبي أمامة أولى؛ إذ فيه جمعٌ بين قوله عليه
الصلاة والسلام: ((لا صلاة)) وبين إخلاص الدعاء للميت. وقراءةُ الفاتحة فيها إنما
هي استفتاحٌ للدعاء. والله أعلم.
العاشرة: وسنَّةُ الإمام أن يقوم عند رأس الرجل وعَجِيزةِ المرأة؛ لِمَا رواه أبو
داود(٤) عن أنس وصلَّى على جنازةٍ فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان
رسول الله # يصلِّي على الجنائز كصلاتك، يكبر أربعاً، ويقوم عند رأس الرجل
وعجيزةِ المرأة؟ قال: نعم.
وروى مسلم(٥) عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُب قال: صلِّيت خلفَ النبيِّ ◌َ﴾ وصلَّى على أمّ
كعب ماتت وهي نُفَساء، فقام رسول الله ﴿ للصلاة عليها وسَطَّها.
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُمْ عَ قَبْرِهِهِ﴾ كان رسول الله ﴿ إذا دُفن الميتُ
وقف على قبره ودعا له بالتثبت، على ما بيَّناه في ((التذكرة))(٦) والحمد لله.
(١) في المجتبى ٤/ ٧٥ .
(٢) وأخرجه عبد الرزاق (٦٤٢٨)، وابن الجارود في المنتقى (٥٤٠).
(٣) في المفهم ٢/ ٦١٣، وما قبله منه.
(٤) في سننه (٣١٩٤)، وهو عند الترمذي (١٠٣٤)، وابن ماجه (١٤٩٤). قال الترمذي: حديث حسن.
(٥) في صحيحه (٩٦٤)، وهو عند أحمد (٢٠١٦٢)، والبخاري (١٣٣١).
.4
(٦) ص١٠٥ - ١٠٦ ، والحديث أخرجه أبو داود (٣٢٢١) من حديث عثمان ـ
٣٢٧
سورة التوبة: الآيات ٨٥ - ٨٩
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُمْ وَأَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُم بِهَا فِ الدُّنْيَا
٨٥)
وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ
كرَّره تأكيداً. وقد تقدَّم الكلامُ فیه(١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةً أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَِهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ أَسْتَعْذَنَكَ أُوْلُواْ
الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَعِدِينَ
٨٦
انتَدَب المؤمنون إلى الإجابة وتعلَّلَ المنافقون. فالأمر للمؤمنين باستدامة
الإيمان، وللمنافقين بابتداء الإيمان. و﴿أَن﴾ في موضع نصب، أي: بأن آمِنوا(٢).
و﴿اُلِّوْلِ﴾: الغِنى، وقد تقدَّم(٣). وخصّهم بالذِّكر؛ لأنَّ مَن لا طَوْلَ له لا يحتاج إلى
إِذْن؛ لأنه معذور . ﴿وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْفَعِدِينَ﴾ أي: العاجزين عن الخروج.
قوله تعالى: ﴿رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا
يَفْقَّهُونَ ( لَكِنِ الرَّسُولُ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُواْ بِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَتُّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن
تَخْنِهَا الْأَنْهَدُ خَلِينَ فِيَأْ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
٨٩٦
قوله تعالى: ﴿رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. ((الخوالف)) جمع خالِفَة، أي: مع
النساء والصِّبيان وأصحابِ الأعذار من الرجال. وقد يقال للرجل: خالِفةٌ وخالِفٌ
أيضاً، إذا كان غيرَ نجيب(٤)، على ما تقدَّم(٥). يقال: فلان خالِفَةُ أهلِه: إذا كان
دونَهم. قال النخَّاس(٦): وأصله من: خَلَف اللبنُ يَخلُف، إذا حَمُض من طول مُكثه.
(١) ص٢٣٩ من هذا الجزء.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٩/٢
(٣) ٢٢٥/٦.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٩/٢.
(٥) ص٣١٩.
(٦) في معاني القرآن ٢٤١/٣ ، وما قبله منه.
٣٢٨
سورة التوبة: الآيات ٨٨ - ٩٠
وخَلَفَ فمُ الصائم: إذا تغيَّر ريحُه؛ ومنه: فلانٌ خَلَفُ سَوْءٍ (١)؛ إلا أنَّ فَوَاعِل جمع
فاعِلَة، ولا يُجمع فاعل صفةً على فواعِل إلَّا في الشعر، إلَّا في حرفين، وهما فارس
وهالك.
وقوله تعالى في وصف المجاهدين: ﴿وَأُوْلَِّكَ لَهُمُ الْخَيْرَتُ﴾ قيل: النساء
الحِسان؛ عن الحسن. دليلُه قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿فِهِنَّ خَيْرَتُ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠].
ويقال: هي خَيْرةُ النِّساء. والأصل: خَيِّرة فخفَّف، مثل: هَيِّنة وهَيْنة. وقيل: جمع
خَيْرِ. فالمعنى: لهم منافعُ الدارين. وقد تقدَّم معنى الفلاح (٢). والجنَّات: البساتين.
وقد تقدَّم أيضاً (٣).
قوله تعالى: ﴿وَجََّ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلٌِّ
﴾
قوله تعالى: ﴿وَجَمَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ قرأ الأعرج والضحَّاك: ((الْمُعْذِرون))
مخفَّفاً (٤). ورواها أبو كُريب، عن أبي بكر، عن عاصم(٥). ورواها أصحابُ القراءات
عن ابن عباس(٦)؛ قال الجوهري(٧): وكان ابن عباس يقرأ: ((وَجَاءَ الْمُعْذِرون))
مخفَّفة، مِن أَعْذَر. ويقول: واللهِ لَهكذا أُنزلت. قال النحاس (٨): إلّا أنَّ مدارَها عن
الكَلْبِيِّ. وهي من أَعْذَر: إذا بالغ في العُذْر (٩)؛ ومنه: قد أَغْذَرَ مَن أَنذر، أي: قد بالغ
(١) إلى هذا الموضع من معاني القرآن للنحاس، وما بعده من إعراب القرآن له ٢٣٠/٢.
(٢) ٢٧٨/١ .
(٣) ٣٥٩/١.
(٤) هي قراءة يعقوب من العشرة. النشر ٢/ ٢٨٠، والكلام في إعراب القرآن للنحاس ٢٣٠/٢.
(٥) جامع البيان للداني ٢/ ١٨٢، والقراءة المشهورة عن شعبة بالتشديد، كقراءة الجماعة.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٠/٢، والقراءات الشاذة ص٥٤ .
(٧) في الصحاح (عذر).
(٨) في إعراب القرآن ٢٣٠/٢.
(٩) قوله: إذا بالغ في العذر، ليس في (د) و(م)، وقد أخرج القراءة عن ابن عباس الطبري ١١/ ٦٢٠ من
طريق بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس. وبشر بن عمارة قال الحافظ في
التقريب: ضعيف. والضحاك لم يسمع من ابن عباس. المراسيل لابن أبي حاتم ص ٨٥ - ٨٦ .
٣٢٩
سورة التوبة: الآية ٩٠
في العذر مَن تقدَّم إليك فأنذرك.
وأما ((المعذِّرون)) بالتشديد، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يكون المُحِقَّ، فهو في المعنى: المعتذرُ؛ لأنَّ له عذراً. فيكون
((المُعَذِّرون)) على هذه أصلُه: المعْتَذِرون، ولكنَّ التاءَ قُلبت ذالاً، فأدغمت فيها
وجُعلت حركتُها على العين، كما قُرئ: ((يَخَصِّمون)) [يس: ٤٩] بفتح الخاء. ويجوز:
((المُعِذِّرون)) بكسر العين لاجتماع الساكنين، ويجوز ضمُّها إتباعاً للميم. ذكره
الجوهريُّ والنحاس(١). إلا أنَّ النحاسَ حكاه عن الأخفش والفرَّاء وأبي حاتم وأبي
عبيد. ويجوز أن يكون الأصلُ: المعتذرون، ثم أُدغمت التاءُ في الذال، ويكونون
الذين لهم عُذْر. قال لَبِيد (٢):
إلى الحَوْل ثم اسمُ السَّلامِ عليكما ومَن يَبْكِ حَوْلاً كاملاً فقد اعتَذَرْ
والقول الآخر أنَّ المعذِّر قد يكون غيرَ مُحِقٍّ، وهو الذي يَعتذر ولا عُذْرَ له. قال
الجوهري(٣): فهو المعَذِّر على جهة المُفَعِّل؛ لأنه المُمَرِّض والمقصِّر يعتذر بغير
عُذْر. قال غيره: يقال: عذَّر فلانٌ في أمرٍ كذا تعذيراً، أي: قصَّر ولم يبالغ فيه (٤).
والمعنى: أنهم اعتذروا بالكذب.
قال الجوهري: وكان ابنُ عباس يقول: لعن اللهُ المعذِّرين. كأنَّ الأمرَ عنده أنَّ
المعذِّر بالتشديد هو المظهِرُ للعذر، اعتلالاً من غير حقيقةٍ له في العذر (٥).
النحاس(٦): قال أبو العباس محمد بنُ يزيد: ولا يجوز أنْ يكونَ الأصلُ فيه
(١) الصحاح (عذر)، وإعراب القرآن للنحاس ٢٣٠/٢. وقراءة: ((يَخَصِّمُون)) من السبعة، وتردُ في
موضعها.
(٢) ديوانه ص٧٩، وسلف ١٥٣/١.
(٣) في الصحاح (عذر).
(٤) تهذيب اللغة ٣٠٨/٢ .
(٥) الصحاح (عذر) وخبر ابن عباس أخرجه الفراء في معاني القرآن ٤٤٨/١ بإسنادين الأول من طريق
الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، والثاني من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس.
(٦) في إعراب القرآن ٢٣٠/٢.
٣٣٠
سورة التوبة: الآيات ٩٠ - ٩٢
المعتذرين. ولا يجوز الإدغام فيقع اللَّبْس، ذكر إسماعيل بنُ إسحاق أنَّ الإدغام
مجتنَبٌ على قول الخليلِ وسيبويه، وأنَّ(١) سياق الكلام يدلُّ على أنهم مذمومون لا
عذرَ لهم، قال: لأنهم جاؤوا ليؤذَنَ لهم، ولو كانوا من الضعفاء والمرضى والذين لا
يجدون ما ينفقون، لم يحتاجوا أن يستأذنوا.
قال النحاس(٢): وأصل المعذرة والإعذارِ والتعذيرِ من شيءٍ واحد، وهو مما
يصعب ويتعذّر. وقول العرب: مَن عَذِيري مِن فلان، معناه: قد أتى أمراً عظيماً
يستحقُّ أن أعاقبَه عليه ولم يعلم الناسُ به، فمن يَعذِرُني إن عاقبته.
فعلى قراءة التخفيف قال ابن عباس: هم الذين تخلَّفوا بعذر، فأَذِن لهم النبيُّ ﴾.
وقيل: هم رَهْطُ عامر بنِ الظُّفَيل قالوا: يا رسول الله، لو غَزَوْنا معك أغارت أعرابُ
طَيِّىءٍ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا، فعذَرَهم النبيُّ ﴾.
وعلى قراءة التشديدِ في القول الثاني، هم قومٌ من غِفَار، اعتذروا فلم يَعْذِرهم
النبيُّ#؛ لِعِلْمِه أنهم غيرُ محقِّين(٣)، والله أعلم.
وقعد قومٌ بغير عذرٍ أظهروه جرأةً على رسول اللـه ﴾، وهم الذين أَخبر اللهُ تعالى
عنهم فقال: ﴿وَقَعَدَ أُلَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ والمراد بكذبهم قولُهم: إنا مؤمنون.
و((لِيُؤْذَنَ)) نصبٌ بلام کَيْ.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
مَا يُفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوَكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَخْلُكُمْ
عَلَيْهِ تَوَلَواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنَا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ
فیه ست مسائل:
(١) في النسخ: بعد أن، والمثبت من إعراب القرآن.
(٢) في إعراب القرآن ٢٣٠/٢ - ٢٣١.
(٣) أخرجه الطبري ٦٢١/١١ عن مجاهد.
٣٣١
سورة التوبة: الآيتان ٩١ - ٩٢
الأولى: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ﴾ الآية. أصلٌ في سقوط التكليف عن
العاجز؛ فكلُّ مَن عَجَزَ عن شيءٍ سقط عنه، فتارةً إلى بدلٍ هو فِعْل، وتارةً إلى بدلٍ هو
غُرْمِ، ولا فرقَ بين العجز من جهة القُوَّة، أو العجزِ من جهة المال؛ ونظير هذه الآية
قولُه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقولُه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى
حَرَجٌ وَلَ عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجُ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١].
وروى أبو داود(١) عن أنسٍ أنَّ رسول الله ﴾ قال: ((لقد تركتُم بالمدينة أقواماً، ما
سرتم مسيراً، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ، إلّا وهم معكم فیه». قالوا: يا
رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: ((حَبَسَهم العُذْر)».
فبيّنت هذه الآيةُ مع ما ذكرنا من نظائرها أنه لا حرجَ على المعذورين، وهم قومٌ
عُرف عُذْرُهم، كأرباب الزَّمانةِ والهرمِ والعَمَى والعرج، وأقوام لم يجدوا ما ينفقون،
فقال: ليس على هؤلاء حرج ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: إذا عَرَفوا الحقَّ وأَحَبُّوا
أولیاءَه وأَبغَضوا أعداءه.
قال العلماء: فَعَذَر الحقُّ سبحانه أصحاب الأعذار، وما صَبَرت القلوب؛ فخرج
ابنُ أمِّ مكتوم إلى أُحُد، وطلب أن يُعطى اللواءَ(٢)، فأخذه مصعب بن عمير، فجاء
رجلٌ من الكفار فضرب يدَه التي فيها اللواءُ فقطعها، فأمسكه باليد الأخرى، فضرب
اليدَ الأخرى، فأمسكه بصدره وقرأ: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولُ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ﴾
[آل عمران: ١٤٤]. هذه عزائمُ القوم. والحقُّ يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ وهو في
الأوّل ﴿وَلَ عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَيٌ﴾ وعمرو بنُ الجَموح من نقباء الأنصار أعرجُ، وهو في
أوّل الجيش؛ قال له رسول اللـه﴾: ((إنَّ الله قد عَذَرَكَ)) فقال: والله لأَحفزنَّ(٣)
(١) في سننه (٢٥٠٨)، وهو عند أحمد (١٢٦٢٩)، والبخاري (٤٤٢٣).
(٢) سلف الكلام على هذا الخبر ص٢٢٢-٢٢٣ من هذا الجزء. وما سيرد منه ذكره الواقدي في المغازي
٢٣٩/١.
(٣) في (م): لأحفرن، وفي (ظ): لأحفونَّ. والمثبت من باقي النسخ وهو موافق لما في صفة الصفوة لابن
الجوزي ١/ ٦٤٥ وفيه الخبر. والحفز: الحثُّ والإعجال. اللسان (حفز). وأخرجه ابن المبارك في الجهاد
(٧٨) عن عكرمة بلفظ: لأطأن. وأخرجه أيضاً البيهقي ٢٤/٩ عن أشياخ من بني سلمة بلفظ: إني لأرجو
أن استشهد فأطأ ...
٣٣٢
سورة التوبة: الآيتان ٩١ - ٩٢
بعَرْ جتي هذه في الجنة؛ إلى أمثالهم حَسْبَ ما تقدَّم في هذه السورة مِن ذِكرهم ﴾(١).
وقال عبد الله بنُ مسعود: ولقد كان الرجلُ يؤتى به يُهادَى بين الرجلين حتى يقامَ في
الصف(٢).
الثانية: قوله تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُواْ﴾ النُّصح: إخلاصُ العمل من الغِشِّ. ومنه:
التوبةُ النَّصوح.
قال نِفْطَوَيْه: نَصَح الشيءُ: إذا خَلَص. ونَصَح له القول أي: أَخْلَصه له(٣).
وفي ((صحيح)) مسلم(٤) عن تميم الدَّاريِّ أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((الدِّينُ النصيحة))
ثلاثاً. قلنا: لمن؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمّة المسلمين وعامَّتِهم)).
قال العلماء: النصيحة لله: إخلاصُ الاعتقاد في الوحدانية، ووصفُه بصفات
الأُلوهيَّة، وتنزيهُه عن النَّقائص، والرغبةُ في مَحابِّه والبعدُ من مَسَاخِطِه.
والنصيحة لرسوله: التصديقُ بنبوَّته، والتزامُ طاعته في أمره ونَهْيه، وموالاةُ مَن
والاه، ومعاداةُ مَن عاداه، وتوقيرُه، ومحبَّتُه ومحبةُ آلٍ بيته، وتعظيمُه وتعظيمُ سنَّته،
وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها، والتفقُّهِ فيها، والذبِّ عنها، ونشرِها والدعاءِ إليها،
والتخلُّق بأخلاقه الكريمة {﴾.
وكذا النُّصحُ لكتاب الله: قراءتُه، والتفقُّه فيه، والذبُّ عنه، وتعليمُه، وإكرامه،
والتخلُّقُ به.
والنصح لأئمة المسلمين: تركُ الخروج عليهم، وإرشادُهم إلى الحقِّ، وتنبيهُهم
فيما أَغْفَلوه من أمور المسلمين، ولزومُ طاعتهم، والقيامُ بواجب حقُّهم.
والنصح للعامة: تركُ مُعاداتِهم، وإرشادُهم، وحبُّ الصالحين منهم، والدعاءُ
(١) ص٢٢١- ٢٢٢ من هذا الجزء.
(٢) أخرجه أحمد (٣٩٣٦)، ومسلم (٦٥٤).
(٣) إكمال المعلم ٣٠٦/١ .
(٤) برقم (٥٥)، وهو عند أحمد (١٦٩٤٠).
٣٣٣
سورة التوبة: الآيتان ٩١ - ٩٢
لجميعهم، وإرادةُ الخير لكافَّتهم (١). وفي الحديث الصحيح ((مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم
وتَراحُمِهم وتَعاطُفِهِم مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَر
والحُمَّى))(٢).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ ((مِنْ سَبِيلٍ)» في موضع رفعٍ
اسم ((ما)) أي: من طريقٍ إلى العقوبة.
وهذه الآية أصلٌ في رفع العقاب عن كلِّ محسن. ولهذا قال علماؤنا في الذي
يَقتصُّ مِن قاطعِ يدِه فيُفضي ذلك في السِّراية إلى إتلاف نَفْسِه: إنه لا ديةَ عليه(٣)؛ لأنه
محسنٌ في اقتصاصه من المعتدي عليه. وقال أبو حنيفة: تلزمه الدِّيّة. وكذلك إذا صال
فَحْلٌ على رجل، فقتله في دَفْعِه عن نفسه، فلا ضمانَ عليه [عندنا]، وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفة: تَلْزمه لمالكه القيمةُ. قال ابنُ العربيّ(٤): وكذلك القولُ في مسائل
الشريعة كلِّها.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوَكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ رُويَ أنَّ الآية نزلت
في عِرباض بن سارية. وقيل: نزلت في عائذ بن عمرو. وقيل: نزلت في بني مُقَرِّن.
وعلى هذا جمهور المفسرين(٥)؛ وكانوا سبعةً إخوة، كلّھم صحبوا النبيَّ څ، وليس
في الصحابة سبعةُ إخوةٍ غيرُهم، وهم: النعمان، ومَعْقِل، وعَقِيل، وسُوَيد، وسنان،
وسابعٌ لم يُسَمّ(٦)؛ بنو مقرِّنِ المُزنيون، سبعةُ إخوةٍ هاجروا وصحبوا رسولَ الله ◌ِ﴾،
ولم يشاركهم - فيما ذكره ابنُ عبد البرّ(٧) وجماعةٌ - في هذه المَكْرُمة غيرُهم. وقد
(١) ينظر إكمال المعلم ٣٠٧/١، والمفهم ٢٤٣/١ - ٢٤٤.
(٢) أخرجه أحمد (١٨٣٧٣)، والبخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير ﴾.
(٣) في النسخ: له، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي، والكلام منه.
(٤) في أحكام القرآن ٢/ ٩٨٣ ، وما قبله وما سلف بين حاصرتين منه.
(٥) المحرر الوجيز ٧١/٣، وأخرج هذا الأقوال الطبري ٦٢٣/١١ و٦٢٥ - ٦٢٦.
(٦) لم يذكر المصنف إلا خمسة، وبقيتهم: عبد الله وعبد الرحمن. ينظر تجريد أسماء الصحابة للذهبي
ص٣٣٦، ٣٥٦، والإصابة ٢٢٥/٦ و٣٢٤، والقاموس (قرن).
(٧) في الاستيعاب (على هامش الإصابة) ١٠/ ١٧١ .
٣٣٤
سورة التوبة: الآيتان ٩١ - ٩٢
قيل: إنهم شهدوا الخندق كلُّهم.
وقيل: نزلت في سبعة نفرٍ من بطونٍ شتَّى، وهم البِكَّاؤون؛ أتَوا رسولَ الله﴿ في
غزوة تبوكَ ليحملَهم، فلم يجد ما يحملُهم عليه، فـ﴿َوَلَّواْ وَأَعْيُهُمْ نَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ
حَزَّا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُفِقُونَ﴾ فسُمُّوا البكَّائين. وهم: سالم بن عمير من بني عمرو بنِ
عوف، وعُلْبة بنُ زيد أخو بني حارثةَ، وأبو ليلى عبد الرحمن بنُ كعب من بني مازن
ابن النجَّار، وعمرو بن الحُمَام من بني سلمة، وعبد الله بن المُغَفَّل المزنيُّ، وقيل:
بل هو عبد الله بنُ عمرو المزنيّ، وهَرَميُّ بن عبد الله أخو بني واقِفٍ، وعِرْباض بن
سارية الفَزاري. هكذا سمَّاهم أبو عمر في كتاب ((الدُّرر))(١) له. وفيهم اختلاف(٢).
قال القشيريُّ: مَعْقِل بن يسار، وصخر بن خنساء، وعبد الله بن كعب
الأنصاري، وسالم بن عُمير، وثعلبة بن غَنَمة، وعبد الله بن مغَفَّل، وآخر. قالوا: يا
نبيَّ الله، قد نَدَبتَنا للخروج معك، فاحملنا على الخِفَاف المرفوعة والنِّعال المخصوفة
نَغْزُ معك. فقال: ((لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) فتولَّوْا وهم يبكون(٣).
وقال ابن عباس: سألوه أن يحملَهم على الدوابِّ. وكان الرجل يحتاج إلى
بعيرين؛ بعيرٍ يركبه، وبعيرٍ يحمل ماءه وزادَه لُبُعد الطريق (٤).
وقال الحسن: نزلت في أبي موسى وأصحابِه أتَوا النبيَّ # ليَستحملوه، ووافق
ذلك منه غضباً فقال: ((والله لا أحملُكم، ولا أجد ما أحملُكم عليه)). فتولَّوا يبكون،
فدعاهم رسولُ الله ﴾ وأعطاهم ذَوْداً. فقال أبو موسى: ألستَ حلفت يا رسول الله؟
فقال: ((إني إن شاء اللهُ لا أَخْلفُ على يمينٍ فَأَرى غيرَها خيراً منها، إلَّا أتيتُ الذي
(١) ص ٢٨٧ .
(٢) ينظر مغازي الواقدي ٣/ ٩٩٤، وتفسير الطبري ١١/ ٦٢٦.
(٣) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص٢٥٨، والبغوي ٣١٩/٢، وذكر الآلوسي في روح المعاني
١٥٩/١٠، أن ظاهر هذا الخبر التجوّز بالخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة عن ذي الخف والحافر،
فكأنهم قالوا: احملنا على ما يتيسر. أو المراد: احملنا ولو على نعالنا وأخفافنا مبالغة في القناعة.
(٤) الوسيط للواحدي ٥١٨/٢، وذكر خبر ابن عباس أيضاً البغوي ٣١٩/٢.
٣٣٥
سورة التوبة: الآيتان ٩١ - ٩٢
هو خيرٌ، وكفّرتُ عن يميني)).
قلت: وهذا حديثٌ صحيح أخرجه البخاريُّ ومسلم بلفظه ومعناه(١). وفي مسلم:
فدعا بنا، فأَمر لنا بخمس ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى ... الحديث(٢). وفي آخره: ((فانطلِقوا فإنما
حملکم الله».
وقال الحسن - أيضاً - وبكر بنُ عبد الله: نزلت في عبد الله بن مُغَفَّل المُزَنيِّ،
أتى النبيَّ# يستحمله(٣).
قال الجُرْجانيّ(٤): أي: ولا على الذين إذا ما أتَوك لِتحملَهم وقلتَ: لا أجد.
فهو مبتدأً منسوق(٥) على ما قبله بغير واو، والجواب: ((تَوَلَّوْا)).
﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمَّعِ﴾ الجملة في موضع نصبٍ على الحال. ﴿حَزَنَا﴾
مصدر . ﴿أَلَّا يَجِدُوا﴾ نصب بأن. وقال النَّحاس: قال الفرَّاء: يجوز: أنْ لا يجدون؛
يُجعل ((لا)) بمعنى ليس. وهو عند البصريين بمعنى: أنهم لا يجدون(٦).
الخامسة: والجمهورُ من العلماء على أنَّ مَن لا يجد ما ينفقه في غَزْوِه أنه لا
يجب عليه. وقال علماؤنا: إذا كانت عادتُه المسألةَ لزمه؛ كالحج، وخُرِّج على
العادة؛ لأنَّ حاله إذا لم تتغيَّر يتوجَّه الفرضُ عليه كتوجُّهِه على الواجد(٧). والله أعلم.
السادسة: في قوله تعالى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ اُلَّمْعِ﴾ ما يُستدلُّ به على قرائن
(١) صحيح البخاري (٣١٣٣)، وصحيح مسلم (١٦٤٩)، وهو عند أحمد (١٩٥٩١) وهو من حديث أبي
موسى الأشعري﴾. والذود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر.
النهاية (ذود).
(٢) صحيح مسلم (١٦٤٩): (٩). وتُرّ الذُّرى، أي: بيض الأسنمة سِمّانها. النهاية (ذرا).
(٣) أخرجه الطبري ٦٢٤/١١ عن ابن عباس رضي الله عنهما مطولاً.
(٤) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣/ ٧١ .
(٥) في (م): معطوف.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٣١/٢، ومعاني القرآن للفراء ٤٤٨/١
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٩٨٣/٢ .
٣٣٦
سورة التوبة: الآيات ٩١ - ٩٤
الأحوال. ثم منها ما يفيد العلمَ الضروريَّ، ومنها ما يحتمل الترديد.
فالأول: كمن يمرُّ على دار قد علا فيها النعيُّ، وخُمشت الخدودُ، وحُلقت
الشعور، وسُلِقتِ(١) الأصوات، وخُرقت الجيوب، ونادَوا على صاحب الدار
بالثُّبور؛ فيعلم أنه قد مات.
وأما الثاني: فكدموع الأيتام على أبواب الحُكّام؛ قال الله تعالى مخبراً عن إخوة
يوسف عليه السلام: ﴿وَجَءُ وّ أَبَاهُمْ عِشَآءُ يَبْكُونَ﴾ [يوسف: ١٦]. وهم الكاذبون؛ قال
الله تعالى مخبراً عنهم: ﴿وَجَدُو عَلَى قَيِصِهِ، بِدَرٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨]. ومع هذا فإنها
قرائنُ يُستدلُّ بها في الغالب، فتُبنى عليها الشهاداتُ [في الموت وغيره] بناءً على
ظواهر الأحوال وغاليها (٢). وقال الشاعر:
تبيَّن مَن بَكى ممن تَبَاكى(٣)
إذا اشتبكتْ دموٌ في خدودٍ
وسيأتي هذا المعنى في ((يوسف)) مستوفّى إن شاء الله تعالى (٤).
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَنْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُواْ بِأَنْ
يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ أي: العقوبة والمأثم. ﴿عَلَى الَّذِينَ يَسْتَذِنُنَكَ وَهُمْ
أَغْنِيَاءُ﴾ والمراد المنافقون. كرَّر ذِكرهم للتأكيد في التحذير من سوء أفعالهم.
قوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكُمْ
قَدْ نَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَغْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَلِمِ
الْغَيْبٍ وَالشَّهَدَةِ فَيُبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٩٤
قوله تعالى: ﴿يَعْتَّذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ يعني المنافقين. ﴿لَنْ تُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أي: لن
(١) السالقة: رافعةُ صوتها عند المصيبة، أو لاطمة وجهها. القاموس (سلق).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٨٤، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٣) قائله المتنبي، وهو في ديوانه ص٥٦٩ برواية: إذا اشتبهت.
(٤) عند تفسير الآية (١٨) منها.
۔۔
٣٣٧
سورة التوبة: الآيات ٩٤ - ٩٦
نصدِّقَّكم ﴿قَدْ بََّنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ أي: أخبرنا بسرائركم ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾
فيما تَستأنفون. ﴿ُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنْتِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
أي: يجازيكم بعملكم. وقد مضى هذا كلُّه مستوفَّى.
قوله تعالى: ﴿سَيَعْلِفُونَ بِلَهِ لَكُمْ إِذَا أُنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ
عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَمُ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أُنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: من تبوك. والمحلوفُ
عليه محذوف؛ أي: يحلفون أنهم ما قدروا على الخروج ﴿لِتُعْرِضُواْ عَنَهُمْ﴾ أي:
لتَصْفَحوا عن لومهم. وقال ابن عباس: أي: لا تكلِّموهم. وفي الخبر أنه قال عليه
الصلاة والسلام لمَّا قدِم من تبوك: ((لا تُجالسوهم ولا تكلِّموهم))(١).
﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ أي: عملُهم رِجْس، والتقدير: إنهم ذوو رجس، أي: عملهم
قبيح.
﴿وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمٌ﴾ أي: منزلُهم ومكانهم. قال الجوهري(٢): المأوى: كلُّ مكانٍ
يأوي إليه شيءٌ ليلاً أو نهاراً. وقد أوى فلانٌ إلى منزله يأوي أُوِيًّا، على فُعُول، وإِواءً.
ومنه قوله تعالى: ﴿سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِىِ مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣]. وآويته أنا إيواءً،
وأَوَيتَه: إذا أنزلته بك؛ فعلتَ وأفعلتَ بمعنى؛ عن أبي زيد. ومأوِي الإبل بكسر
الواو، لغةٌ في مأوَى الإبل خاصَّة، وهو شاذٌ.
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمَّ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا
٩٦
يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ
حلف عبد الله بنُ أُبيِّ أَلَّا يتخلَّفَ عن رسول الله ﴿ بعد ذلك، وطلب أن يرضَى
عنه (٣).
(١) ذكره عن ابن عباس البغوي ٣٢٠/٢، وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٦٥ (١٠٢٠٧) عن السدي.
(٢) في الصحاح (أوى).
(٣) ذكره البغوي ٢/ ٣٢٠ عن مقاتل.
٣٣٨
سورة التوبة: الآية ٩٧
قوله تعالى: ﴿اَلْأَعْرَبُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَانًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنَزَّلَ
اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَاَللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ()﴾
قوله تعالى: ﴿اَلْأَعْرَبُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ فيه مسألتان:
الأولى: لمَّا ذكر جلَّ وعزَّ أحوالَ المنافقين بالمدينة؛ ذکر مَن كان خارجاً منها
ونائياً عنها من الأعراب، فقال: كفرُهم أشدُّ. قال قتادة: لأنهم أبعدُ عن معرفة
السنن(١). وقيل: لأنهم أَقْسَى قلباً، وأَخْفَى قولاً، وأغلظُ طبعاً، وأبعدُ عن سماع
التنزيل؛ ولذلك قال الله تعالى في حقّهم: ﴿وَأَجْدَرُ﴾ أي: أخلق.
﴿أَلَّا يَعْلَمُواْ﴾ ((أن)) في موضع نصبٍ بحذف الباء؛ تقول: أنت جديرٌ بأن تفعل
وأن تفعل؛ فإذا حذفتَ الباءَ لم يصلُح إلَّا بـ ((أنْ))، وإن أتيت بالباء صلَح بـ ((أن))
وغيرِه؛ تقول: أنت جديرٌ أن تقوم، وجديرٌ بالقيام. ولو قلت: أنت جديرٌ القيام كان
خطأً. وإنما صلح مع ((أنْ))؛ لأنَّ ((أنْ)) يدلُّ على الاستقبال، فكأنها عِوَضٌ من
المحذوف(٢).
﴿مُدُودَ مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ﴾ أي: فرائضَ الشرع، وقيل: حُججَ الله في الربوبية وبعثة
الرسل؛ لقلَّة نظرهم.
الثانية: ولمَّا كان ذلك ودلَّ على نَقْصِهم وحطّهم عن المرتبة الكاملة عن سواهم،
ترتَّبت على ذلك أحكامٌ ثلاثة:
أوّلها: لا حقَّ لهم في الفيء والغنيمة(٣)؛ كما قال النبيُّ ﴾ في ((صحيح)) مسلم(٤)
من حديث بُرَيدةً، وفيه: ((ثم ادعُهم إلى التحوُّل من دارهم إلى دار المهاجرين،
وأخبرهم أنَّهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبَوْا
(١) أخرجه الطبري ١١/ ٦٣٢.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٤٦٥ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٩٩٣/٢ .
(٤) برقم (١٧٣١)، وهو عند أحمد (٢٢٩٧٨).
٣٣٩
سورة التوبة: الآية ٩٧
أن يتحوَّلوا عنها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكمُ الله
الذي يجري على المؤمنين، ولا يكونُ لهم في الغنيمة والفيء شيءٌ إلَّا أنْ يجاهدوا
مع المسلمین)».
وثانيها: إسقاطُ شهادةِ أهل البادية عن الحاضرة؛ لِمَا في ذلك من تحقّق التُّهمة.
وأجازها أبو حنيفة، قال: لأنها لا تُراعي كلَّ تُهمة، والمسلمون كلُّهم عنده على
العدالة. وأجازها الشافعيُّ إذا كان عَدْلاً مَرْضِيًّا؛ وهو الصحيح لمَا بيَّنَّاه في
((البقرة))(١).
وقد وصف اللهُ تعالى الأعرابَ هنا أوصافاً ثلاثة: أحدها: بالكفر والنفاق.
والثاني: بأنه يتخذ ما يُنفِقُ مَغْرَماً ويتربَّص بكم الدوائر. والثالث: بالإيمان بالله
وباليوم الآخر، ويتَّخذ ما ينفق قرباتٍ عند الله وصلواتِ الرسول؛ فَمَن كانت هذه
صفتَه، فبعيدٌ ألَّا تُقبلَ شهادتُه فيُلحَقَ بالثاني والأوّل، وذلك باطل. وقد مضى الكلامُ
في هذا في ((النساء)»(٢).
وثالثها: أنَّ إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة؛ لجهلهم بالسُّنة وتركِهم الجمعة(٣).
وكره أبو مِجْلَز إمامةَ الأعرابيِّ. وقال مالك: لا يؤمُّ وإن كان أقرأهم. وقال سفيان
الثوريُّ والشافعيُّ وإسحاق وأصحاب الرأي: الصلاةُ خلفَ الأعرابيِّ جائزة. واختاره
ابنُ المنذر(٤) إذا أقام حدودَ الصلاة.
قوله تعالى: ﴿أَشَدُّ﴾ أصله: أَشْدَد؛ وقد تقدَّم(٥). ﴿كُفْرًا﴾ نصب على البيان.
﴿وَنِفَاقًا﴾ عطفٌ عليه ﴿وَأَجْدَرُ﴾ عطفٌ على أشدّ. ومعناه: أَخْلَق؛ يقال: فلان
(١) ٤٤٩/٤، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ٩٩٣/٢ - ٩٩٤.
(٢) ١٧٣/٧ - ١٧٦ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٩٣ .
(٤) في الأوسط ١٥٧/٤ ، وما قبله منه.
(٥) ٢٠٠/٨.
٣٤٠
سورة التوبة: الآية ٩٧
جديرٌ بكذا، أي: خليقٌ به، وأنت جديرٌ أن تفعلَ كذا، والجمع جُدَراء وجديرون(١).
وأصله من جَدْر الحائط، وهو رَفْعُه بالبناء. فقوله: هو أجدرُ بكذا، أي: أقربُ إليه
وأحقُّ به . ﴿أَلَّا يَعْلَمُواْ﴾ أي: بألّا يعلموا.
والعرب: جيلٌ من الناس، والنسبةُ إليهم عربيٍّ بيِّنُ العروبة، وهم أهلُ الأمصار.
والأعرابُ منهم: سكّانُ البادِية خاصَّةً. وجاء في الشِّعر الفصيح: أَعاريب. والنسبة
إلى الأغْرَاب أعرابيّ؛ لأنه لا واحدَ له. وليس الأعرابُ جمعاً للعرب كما كان
الأنباطُ جمعاً لنَبَط، وإنما العرب اسمُ جنس. والعربُ العارِبةُ هم الخلَّصُ منهم،
وأُخِذ من لفظه فأكَّد به؛ كقولك: لَيْلٌ لائل. وربما قالوا: العرب العَرْبَاء. وتعرَّب،
أي: تشبّه بالعرب. وتعرَّب بعد هجرته، أي: صار أعرابيًّا. والعرب المستعرِبة: هم
الذين ليسوا بخلَّص، وكذلك المتعرِّة، والعربيّة هي هذه اللغة. ويَعْرُب بنُ قحطان
أوّلُ مَن تكلم بالعربية، وهو أبو اليمن كلِّهم. والعُرْب والعَرَب واحد؛ مثل العُجْم
والعَجَم. والعُرَيْب تصغير العرب؛ قال الشاعر:
ولا تشتهِيه نفوسُ العَجَمْ(٢)
ومَكْنُ الضِّباب طعامُ العُرَیْبِ
إنما صغَّرهم تعظيماً، كما قال: أنا ◌ُذَيْلُها المحَكَّكُ، وعُذَيْقُها المرَجَّب. كلُّه
عن الجوهريّ(٣).
وحكى القشيريُّ: وجمع العربيِّ: العَرَب، وجمع الأعرابيّ: أعرابٌ وأعاريب.
(١) الصحاح (جدر).
(٢) قائله أبو الهندي غالب بن عبد القدوس بن شَبَث بن ربعي، والبيت في الحيوان ٨٩/٦ ، وأدب الكاتب
ص١٩٧ . قال ابن قتيبة: مَكْن الضَّب: بيضُه.
(٣) الصحاح (عرب). وقوله: أنا جذيلها ... ، قائله الحباب بن المنذر يوم سقيفة بني ساعدة. ينظر مسند
أحمد (٣٩١)، وصحيح البخاري (٦٨٣٠)، وفتح الباري ١٢/ ١٥٢ - ١٥٣. جُذّيلها: تصغير جذل،
وهو العود الذي يُنْصب للإبل الجَرْبى لتحتّ به، أي: أنا ممن يُستشفى به كما تَسْتشفي الإبل الجربى
بالاحتكاك بهذا العود. والعُذيق تصغير العَذْق، وهي النخلة، والرُّجْبة أن تُعمد النخلةُ الكريمة ببناءٍ من
حجارة أو خشب، إذا خيف عليها لطولها وكثرة حملها. النهاية (جذل) و(رجب).