Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ سورة التوبة: الآيتان ٧٣ - ٧٤ ابن العربي (١): أمَّا إقامة الحُجَّة باللسان فكانت دائمةً، وأما [قول مَن قال: إن جهاد المنافقين] بالحدود لأن أكثر إصابة الحدود كانت عندهم، فدعوى لا برهانَ عليها، وليس العاصي بمنافقٍ، إنَّما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامِناً، لا بما تَتْلَّس به الجوارح ظاهراً، وأخبار المحدودين يَشْهدُ سياقُها أنَّهم لم يكونوا منافقين. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَغْلُظُ عَلَيْهِمْ﴾ الغِلَظ: نقيض الرأفة، وهي شدَّة القلب [وقوته] على إحلال الأمر بصاحبه، وليس ذلك في اللسان؛ فإن النبيَّ # قال: ((إذا زنت أَمَة أحدكم فليجلدها الحدَّ ولا يُثَرِّب عليها))(٢). ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فًَّّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ومنه قول النِّسوة لعمر: أنت أفظُ وأغلظ من رسول الله ﴾(٣). ومعنى الغِلَظ: خشونةُ الجانب. فهي ضدُّ قولِه تعالى: ﴿وَلَخْفِضْ جَنَامَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥](٤). ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]. وهذه الآيةُ نَسخت كلَّ شيءٍ من العفو والصُّلْح والصَّفْح(٥). قوله تعالى: ﴿يَخْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَِهِمْ وَهَمُواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا تَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْتَدْهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهِ. فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّ وَإِن يَتَوَلَّوْاْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِىِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ وَمَا لَمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلٍِّ وَلَّا نَصِيرٍ فيه ست مسائل : (١) في أحكام القرآن ٩٦٦/٢ ، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٢) سلف الحديث ٢/ ٤٨٧، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ٩٦٦/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) أخرجه أحمد (١٤٧٢)، والبخاري (٣٢٩٤)، ومسلم (٢٣٩٦) من حديث سعد بن أبي وقاص ﴾. قال النووي في شرح صحيح مسلم ١٦٥/١٥: قال العلماء: وليست لفظة أفعل هنا للمفاضلة، بل هي بمعنى: فظ غليظ ... وقد يصح حملها على المفاضلة، وأن القدر الذي منها في النبي # هو ما كان من إغلاظه على الكافرين والمنافقين ... وكان يغضب ويغلظ عند انتهاك حرمات الله. (٤) المحرر الوجيز ٦٠/٣. (٥) تفسير البغوي ٣١١/٢ عن عطاء. ٣٠٢ سورة التوبة: الآية ٧٤ الأولى: قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ رُوي أن هذه الآية نزلت في الجُلَاس بن سويد بن الصامت، ووديعةَ بنِ ثابت؛ وقعوا في النبيِّ# وقالوا: والله لئن كان محمدٌ صادقاً على إخواننا الذين هم ساداتُنا وخيارنا، لَنحن شرٌّ من الحمير. فقال له عامر بن قيس: أجل! والله إن محمداً لصادق مصدَّق، وإنكَ لشرٌّ من حمار. وأخبر عامر بذلك النبيَّ ﴾. وجاء الجُلَاس فحلف بالله عند منبر النبيِّ﴾ إنَّ عامراً الكاذب. وحلف عامر لقد قال، وقال: اللهُمَّ أنزل على نبيِّك الصادقِ شيئاً، فنزلت(١). وقيل: إن الذي سمعه عاصم بن عدِيّ. وقيل: حذيفة. وقيل: بل سمعه ولد امرأته واسمه عمير بنُ سعد؛ فيما قال ابن إسحاق(٢). وقال غيره: اسمه مصعب(٣). فهَمَّ الجُلَاس بقتله لئلا يُخبِر بخبره؛ ففيه نزل: ﴿وَهَقُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ (٤). قال مجاهد: وكان الجُلَاس لمَّا قال له صاحبه: إني سأخبر رسول الله ﴾ بقولك؛ همَّ بقتله، ثم لم يفعل، عجز عن ذلك. قال: ذلك هي الإشارة بقوله، ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَالُوا))(٥). وقيل: إنها نزلت في عبد الله بن أُبَيٍّ، رأى رجلاً من غِفار يتقاتل مع رجل من جُهينة، وكانت جُهينةُ حلفاءَ الأنصار، فَعَلَا الغِفاريُّ الجُهَنيَّ. فقال ابن أبيٍّ: يا بني الأَوْسِ والخزرج، انصروا أخاكم! فوالله ما مَثَلُنا ومَثَلُ محمد إلا كما قال القائل: (١) ينظر تفسير أبي الليث ٦٢/٢، وتفسير البغوي ٣١١/٢، وزاد المسير ٣/ ٤٧٠ وأخرجه الطبري ٥٦٩/١١ عن عروة بن الزبير بنحوه، وفيه: فقال له ابن امرأته، بدل: عامر بن قيس. وقد سلف الخبر ص٢٨٤ من هذا الجزء. (٢) سيرة ابن هشام ٥١٩/١، وأخرجه ابن أبي حاتم ١٨٤٣/٦ (١٠٤٠١) من حديث كعب بن مالك ﴾ و(١٠٤٠٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه عبد الرزاق (١٨٣٠٣) عن عروة. (٣) أخرجه الطبري ١١/ ٥٧٠ ، عن عروة بن الزبير. (٤) المحرر الوجيز ٣/ ٦٠ . (٥) تفسير مجاهد ٢٨٤/١ بلفظ: فهم المنافق، ولم يذكر اسم الجلاس في الخبر، وكذلك أخرجه الطبري ٥٧١/١١ و ٥٧٣ . ٣٠٣ سورة التوبة: الآية ٧٤ سَمِّنْ كَلْبَكَ يأكُلْكَ، ولئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. فأخبر النبيُّ ﴾ بذلك، فجاءه عبد الله بن أبَيِّ فحلف أنه لم يقله؛ قاله قتادة (١). وقول ثالث: أنه قول جميع المنافقين؛ قاله الحسن. ابن العربي(٢): وهو الصحيح؛ لعموم القول ووجودِ المعنى فيه وفيهم، وجملةُ ذلك اعتقادُهم فيه أنه ليس بنيّ. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ قال النقَّاش: تكذيبُهم بما وعد الله من الفتح. وقيل: ((كلمة الكفر)) قول الجُلاس: إن كان ما جاء به محمد حقًّا، لَنحن أشرُّ من الحمير. وقول عبد الله بن أبيّ: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. قال القشيريُّ: كلمة الكفر سبُّ النبيِّ ﴾، والطعنُ في الإسلام. ﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَئِهِمْ﴾ أي: بعد الحُكْم بإسلامهم. فدلَّ هذا على أنَّ المنافقين كفار، وفي قوله تعالى: ﴿وَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون: ٣] دليل قاطع(٣). ودلَّت الآية أيضاً على أنَّ الكفر يكون بكلِّ ما يُناقِضُ التصديقَ والمعرفة؛ وإن كان الإيمان لا يكون إلا بلا إله إلا الله دون غيره من الأقوال والأفعال(٤)؛ إلا في الصلاة. قال إسحاق بن رَاهَويه: ولقد أجمعوا في الصلاة على شيء لم يُجمعوا عليه في سائر الشرائع؛ لأنهم بأجمعهم قالوا: مَن عُرف بالكفر؛ ثم رأوه يصلي الصلاة في وقتها حتى صلى صلوات كثيرةً [في وقتها]، ولم يعلموا منه إقراراً باللسان، أنه يُحكم له بالإيمان، ولم يَحکُموا له في الصوم والزكاة [والحج] بمثل ذلك(٥). (١) أخرجه الطبري ٥٧٢/١١ ، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص٢٥١. وأصل الخبر دون ذكر نزول الآية: عند أحمد (١٥٢٢٣)، والبخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤)، (٦٣) عن جابر ﴾. وأيضاً عند أحمد (١٩٣٣٤)، والبخاري (٤٩٠٣)، ومسلم (٢٧٧٢) عن زيد بن أرقم ﴾. (٢) في أحكام القرآن ٢ / ٩٦٧ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٨/٢ . (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٦٧ . (٥) التمهيد ٢٢٦/٤، وما سلف بين حاصرتين منه. ٣٠٤ سورة التوبة: الآية ٧٤ الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَهَمُواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ يعني المنافقين، من قَتْلِ النبيِّ# ليلةً العقبة في غزوة تبوك، وكانوا اثني عشر رجلاً (١). قال حذيفة: سمَّاهم رسول الله ﴾ حتى عدَّهم كلَّهم. فقلت: ألَا تبعثُ إليهم فتقتلَهم؟ فقال: ((أكره أن تقول العرب: لمَّا ظفِر بأصحابه أَقبل يقتلهم، بل يكفيهم الله بالدُّبَيْلة(٢)). قيل: يا رسول الله، وما الدُّبيلة؟ قال: ((شهابٌ من جهنمَ يجعله على نِياط فؤاد أحدهم حتى تَزْهَقَ نَفْسُه)). فكان كذلك. خرَّجه مسلم بمعناه(٣). وقيل: هَمُّوا بعقد التاج على رأس ابن أُبَيِّ ليجتمعوا عليه (٤). وقد تقدَّم قول مجاهد في هذا(٥). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوْاْ إِلَّ أَنْ أَغْتَدُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: ليس ينقِمون شيئاً، كما قال النابغة: ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهُمْ بهنَّ قُلولٌ من قِراعِ الكتائبِ(٦) ويقال: نَقَم ینقِم، ونَقِم ینقم لغتان(٧)؛ قال الشاعر - في الکسر -: ما نقِموا من بني أميةً إلا * * أنهم يحلمون إن غضبوا(٨) (١) أخرجه مطولاً أحمد (٢٣٣٢١)، ومسلم (٢٧٧٩): (١١) من حديث أبي الطفيل عن حذيفة ه دون ذكر الآية. وأخرجه أحمد أيضاً (٢٣٧٩٢) من حديث أبي الطفيل دون ذكر الآية أيضاً. قال أبو العباس في المفهم ٤١١/٧ : ليست هذه العقبة عقبة بيعة الأنصار لرسول الله # في أول الإسلام، وإنما هي عقبةٌ بطريق تبوك وقف له فيها قوم من المنافقين ليقتلوه. (٢) في صحيح مسلم: تكفيكهم الدُّبَيْلَة. قال النووي في شرحه. وروي: تكفيهم الدُّبيلة، ورُوي: تكفتهم؛ بتاء مثناة فوق بعد الفاء؛ من الكفت، وهو الجمع والستر. أي: تجمعهم في قبورهم وتسترهم. (٣) برقم (٢٧٧٩): (٩) و(١٠). وينظر دلائل النبوة للبيهقي ٢٥٦/٥ وما بعدها. ونياط القلب: هو العرق الذي القلبُ معلَّق به. النهاية (نيط). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٤٥ (١٠٠٠٤) عن السدي وذكره البغوي ٣١٢/٢. (٥) في المسألة الأولى. (٦) ديوان النابغة الذبياني ص١١، والفلول: الثُّلَم. القاموس (فلل). (٧) قوله: لغتان، ليس في (م). (٨) قائله عبد الله بن قيس الرقيات، وهو في ديوانه ص٤، وسلف ٨/ ٧٥ . ٣٠٥ سورة التوبة: الآية ٧٤ وقال زهير: : ليوم الحساب أو يُعَجَّلْ فيَنْقَمِ (١) يؤخّرْ فیوضع في كتاب فَيُدَّخَرْ يُنْشَد بكسر القاف وفتحها. قال الشعبيُّ: كانوا يطلبون دِيَةً، فقَضَى لهم بها رسول الله ﴾ فاستغنَوْا. ذَكَر عكرمة أنها كانت اثني عشر ألفاً(٢). ويقال: إن القتيل كان مَوْلَى الجُلَّاس(٣). وقال الكلبيُّ: كانوا قبل قدوم النبيِّ# في ضَنْكٍ من العيش، لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم عليهم النبيُّ # استغنَوْا بالغنائم(٤). وهذا المَثَلُ مشهور: اتَّقِ شرَّ مَن أَحْسَنتَ إليه(٥). قال القشيرِيُّ أبو نصر: قيل للبَجَليّ(٦): أتجد في كتاب الله تعالى: اتقٍ شرَّ مَن أحسنتَ إليه؟ قال: نعم ﴿وَمَا نَقَمُوْاْ إِلَّ أَنْ أَغْنَدهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلٍِ﴾. الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرَاً لَّهُمْ﴾ رُوي أن الجُلَاس قام حين نزلت الآية فاستغفر وتاب(٧). فدلَّ هذا على توبة الكافر الذي يُسِرُّ الكفر ويُظهر الإيمان، وهو الذي يسميه الفقهاء: الزِّنديق. وقد اختلف في ذلك العلماء؛ فقال الشافعيُّ: تُقبل توبته. وقال مالك: توبة الزنديق لا تُعرف؛ لأنه كان يُظهر الإِيمان ويُسِرُّ الكفر، (١) ديوان زهير بشرح ثعلب ص١٨، والخزانة ٣/ ١٠ . قال البغدادي: جميع الأفعال بالبناء للمفعول ما عدا الأخير، يقال: نقم منه، بمعنى: عاقبه وانتقم منه. (٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٧٢٧٣)، والترمذي (١٣٨٩)، والطبري ٥٧٤/١١ و ٥٧٥. وأخرجه ابن ماجه (٢٦٣٢)، والطبري ٥٧٥/١١ من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٣) تفسير البغوي ٢/ ٣١٢، وأخرجه عبد الرزاق (١٨٣٠٣) عن عروة. (٤) تفسير البغوي ٣١٢/٢ . (٥) مجمع الأمثال للميداني ١٤٥/١ . (٦) هو الحسين بن الفضل بن عمير، أبو علي البجلي الكوفي ثم النيسابوري، المفسِّر اللغوي المحدِّث، توفي سنة (٢٨٢ هـ) وهو ابن مئة وأربع سنين. السير ٤١٤/١٣، وينظر الإتقان ١٠٤٥/٢. (٧) أخرجه عبد الرزاق (١٨٣٠٣) عن عروة. وذكر توبة الجُلاس أيضاً ابن عبد البر في الاستيعاب (على هامش الإصابة) ١٩١/٢، وابن حجر في الإصابة ٢/ ٩٢ - ٩٣. ٣٠٦ سورة التوبة: الآيات ٧٤ - ٧٨ ولا يُعلم إيمانُه إلا بقوله. وكذلك يفعل الآن وفي كل حين؛ يقول: أنا مؤمنٌ، وهو يضمر خلافَ ما يُظْهِر؛ فإذا ◌ُثِر عليه وقال: تُبْتُ، لم يتغيَّر حاله عما كان عليه. فإذا جاءنا تائباً من قِبل نفسه قَبْل أن يُعثر عليه قُبلت توبته، وهو المراد بالآية. والله أعلم(١). السادسة: قوله تعالى: ﴿وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾ أي: يُعرِضوا عن الإيمان والتوبة ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار. ﴿وَمَا لَهْ فِي الْأَرْضِ مِن وَإِيٍ﴾ أي: مانعٍ يمنعهم ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ أي: معين. وقد تقدَّم(٢). قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَهَدَ اَللَّهَ لَإِنْ ءَاتَئِنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ (٢٥ فَلَمَّآ ءَاتَنْهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخْلُواْ بِهِ. وَقَوَلَّواْ وَهُمْ تُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ أَلَرَ بَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّمُ W يَكْذِبُونَ الغُُوپ فيه ثمان مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اَللَّهَ﴾ قال قتادة: هذا رجلٌ من الأنصار قال: لئن رزقني الله شيئاً لأُؤدِّينَ فيه حقَّه ولاتصدقنَّ؛ فلما آتاه الله ذلك، فعل ما نُصَّ عليكم، فاحذروا الكذب؛ فإنه يؤدِّي إلى الفجور(٣). وروى علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة الباهِلي أنَّ ثعلبةَ بن حاطبٍ الأنصاريَّ - فسمَّاه - قال للنبيِّ﴾: ادعُ الله أن يرزقني مالاً. فقال عليه الصلاة والسلام: ((وَيْحَكِ يا ثعلبة! قليل تؤدِّي شكره خير من كثير لا تُطِيقُه)). ثم عاد(٤) ثانياً، (١) أحكام القرآن لابن العربي ٢ /٩٦٧ . (٢) ٨٠/٢ . (٣) أخرجه بنحوه مطولاً الطبري ١١/ ٥٨٠ - ٥٨١ . (٤) في (م): عاود. ٣٠٧ سورة التوبة: الآيات ٧٥ - ٧٨ فقال النبيُّ﴾: ((أمَا ترضى أن تكون مثل نبيِّ الله؛ لو شئتُ أن تسير معي الجبال ذهباً لسارت)). فقال: والذي بعثك بالحقِّ، لئن دعوتَ الله فرزقني مالاً لأُعطِينَّ كلَّ ذِي حقِّ حقَّه. فدعا له النبيُّ ﴾، فاتخذ غنماً، فَتَمت كما تَنْمي الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحَّى عنها ونزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تَنْمي حتى ترك الجمعة أيضاً، فقال رسول الله﴾: ((يا وَيْحَ ثعلبة)) ثلاثاً. ثم نزل ﴿خُذْ مِنَ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]. فبعث # رجلين على الصدقة، وقال لهما: مُرًّا بثعلبة وبفلان - رجل من بني سُليم - فخذا صَدَقاتهما)). فأتيا ثعلبة وأَقْرآه كتاب رسول الله ﴾، فقال: ما هذه إلا أختُ الجزية! انطلِقا حتى تفرغا ثم تعودا. الحديث، وهو مشهور(١). وقيل: سبب غَناء ثعلبة أنه ورِث ابنَ عمِّ له(٢). قال ابن عبد البر: قيل: إن ثعلبة بن حاطب هو الذي نزل فيه: ﴿وَمِنْهُم ◌َنْ عَهَدَ اللَّهُ﴾ الآية؛ إذ منع الزكاة، والله أعلم. وما جاء فيمن شاهد بدراً يعارضه قوله تعالى في الآية: ﴿فَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية(٣). (١) خبر غير صحيح؛ كما سيذكر المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٢٥٣)، والطبري ٥٧٨/١١ - ٥٨٠، والطبراني في المعجم الكبير (٧٨٧٣)، والواحدي في أسباب النزول ص٢٥٢ ، والبيهقي في دلائل النبوة ٢٨٩/٥ وقال: هذا حديث مشهور فيما بين أهل التفسير، وإنما يروى موصولاً بأسانيد ضعاف. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٣٢: فيه علي بن يزيد الألهاني، وهو متروك. اهـ وقال البخاري: منكر الحديث ضعيف. وقال يحيى بن معين: علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة ضعاف كلها. تهذيب التهذيب ١٩٩/٣ . (٢) ذكره البغوي ٢/ ٢١٣ ، عن ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير. (٣) الدرر ص١٢٢ - ١٢٣، ويشير بقوله: وما جاء فيمن شاهد بدراً، إلى أحاديث؛ منها قوله 18 لعمر: ((وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم)). وقد سلف ص٧٨ من هذا الجزء، وسيرد في المسألة السابعة. ومنها قوله #: ((لا يدخل النار أحد شهد بدراً)) أخرجه أحمد (٢٧٠٤٢). قال الحافظ في الإصابة ٢٠/٢: فمن يكون بهذه المثابة كيف يُعقِبه الله نفاقاً في قلبه؟ وذكر الحافظ أيضاً أنهما اثنان؛ الأول ثعلبة بن حاطب بن عمرو بدريٍّ استشهد في أحد، والثاني ثعلبة ابن حاطب أو ابن أبي حاطب الأنصاري، وقال: وفي كون صاحب هذه القصة - إن صح الخبر، ولا أظنه يصح - هو البدري نظر، وقد تأكَّدَتِ المغايرةُ بينهما. ٣٠٨ سورة التوبة: الآيات ٧٥ - ٧٨ قلت: وذُكر عن ابن عباس في سبب نزول الآية أنَّ حاطب بن أبي بَلْتَعة أبطأ عنه ماله بالشام، فحلف في مجلس من مجالس الأنصار: إن سَلِم ذلك لأَتصدَّقنَّ منه ولأَصِلنَّ منه. فلما سَلِم بَخِل بذلك، فنزلت(١). قلت: وحاطب بن أبي بلتعة بَذْريٌّ أيضاً (٢)، وممن شهد الله له ورسولُه بالإيمان؛ حَسْبَ ما يأتي بيانُه في أوَّل ((الممتحنة)) فما رُوي عنه غيرُ صحيح. قال أبو عمر (٣): ولعل قولَ مَن قال في ثعلبة: إنه مانعُ الزكاة الذي نزلت فيه الآية غيرُ صحیح، والله أعلم. وقال الضحاك: إن الآية نزلت في رجال من المنافقين: نَبْتَل بنِ الحارث، وجَدِّ ابن قيس، ومُعَتِّبِ بن قشير (٤). قلت: وهذا أشبهُ بنزول الآية فيهم، إلا أنَّ قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ يدلُّ على أن الذي عاهَدَ لم يكن منافقاً من قَبْلُ، إلَّا أنْ يكون المعنى: زادَهم نفاقاً ثبتوا عليه إلى الممات، وهو قوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾(٥) على ما يأتي. الثانية: قال علماؤنا: لمَّا قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَهَدَ اَللَّهَ﴾ احْتَمَل أن يكون عاهد الله بلسانه ولم يعتقده بقلبه، واحتمل أن يكون عاهد الله بهما، ثم أدركته سوء الخاتمة؛ فإن الأعمال بخواتيمها والأيامَ بعواقبها(٦). و((مَن)) رفع بالابتداء، والخبرُ في المجرور. (١) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢١٥/٣، وزاد المسير ٤٧٤/٣. (٢) في (خ) و(ز): وبلتعة بدري أيضاً وفي (د): وبلتعة بدري أنصاري، وفي (م): وثعلبة بدري أنصاري، والمثبت من (ظ)، وهو الصواب. (٣) في الدرر ص١٢٣ . (٤) زاد المسير ٤٧٤/٣ . (٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢١٥/٣ . (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٧٠ . ٣٠٩ سورة التوبة: الآيات ٧٥ - ٧٨ ولفظُ اليمين ورد في الحديث، وليس في ظاهر القرآن يمينٌ، إلا مجرَّدَ(١) الارتباط والالتزام، أما إنَّه في صفة(٢) القسَم في المعنى؛ فإن اللام تدلُّ عليه، وقد أتى بلامين: الأولى للقسم، والثانية لام الجواب، وكلاهما للتأكيد. ومنهم مَن قال: إنهما لاما القَسَم. والأولُ أَظْهَرُ، والله أعلم. الثالثة: العهد والطلاق وكلُّ حكم ينفرد به المرء ولا يفتقر إلى غيره فيه؛ فإنه يلزمه منه ما يلتزمه بقَصْدِه وإن لم يلفظ به. قاله علماؤنا. وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة: لا يلزم أحداً حكمٌ إلا بعد أنْ يَلْفِظَ به. وهو القول الآخر لعلمائنا. ابن العربي(٣): والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما رواه أشهب عن مالك، وقد سئل: إذا نوى الرجلُ الطلاقَ بقلبه ولم يلفظ به بلسانه؟ فقال: يلزمه؛ كما يكون مؤمناً بقلبه، وكافراً بقلبه. قال ابن العربي: وهذا أصلٌ بديع، وتحريرُه أن يقال: عَقْدٌ لا يفتقر فيه المرء إلى غيره في التزامه، فانعقد عليه بنيَّة. أصلُه: الإيمان والكفر. قلت: وحجة القول الثاني ما رواه مسلم(٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: (إنَّ الله تَجاوَزَ لأمتي عما حدَّثتْ به أَنفُسها ما لم تَعْمَلْ أو تتكلّم به)). ورواه الترمذِيُّ وقال: حديث حسن صحيح، والعملُ على هذا عند أهل العلم أنَّ الرجل إذا حدَّث نفسه بالطلاق لم يكن شيئاً حتى يتكلّم به(٥). قال أبو عمر(٦): ومَن اعتقد بقلبه الطلاقَ ولم ينطق به لسانُه فليس بشيء. هذا هو (١) في النسخ: بمجرد، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي. ويعني بالحديث حديث أبي أمامة الذي سلف في المسألة الأولى. (٢) في (م): وأحكام القرآن: صيغة. (٣) في أحكام القرآن ٢/ ٩٧٠، وما قبله منه، عدا قوله: وهو القول الآخر لعلمائنا. وسيأتي ذكر هذا القول قريباً. (٤) في صحيحه (١٢٧)، وسلف ٤/ ٤٨٧ . (٥) سنن الترمذي (١١٨٣). (٦) في الكافي ٢/ ٥٧٦ - ٥٧٧ . ٣١٠ سورة التوبة: الآيات ٧٥ - ٧٨ الأشهرُ عن مالك. وقد رُويّ عنه أنه يلزمه الطلاق إذا نواه بقلبه؛ كما يكفر بقلبه وإن لم ينطق به لسانه. والأوّل أصح في النظر وطريقِ الأثر؛ لقول رسول الله #: ((تَجاوَزَ الله لأمتي عما وَسْوَستْ به نفوسُها ما لم ينطق به لسانٌ أو تَعْمَلْه يد». الرابعة: إن كان نذراً فالوفاء بالنذر واجب من غير خلاف، وتركُه معصية. وإن كانت يميناً فليس الوفاء باليمين واجباً باتفاق. بَيْدَ أن المعنى فيه: إن كان الرجل فقيراً لا يتعيَّن عليه فرضُ الزكاة، فسأل الله مالاً تَلزمُه فيه الزكاة، ويؤدِّي ما تعيّن عليه مِن فَرْضِه، فلمَّا آتاه الله ما شاء من ذلك، ترك ما الْتَزَمَ مما كان يلزمُه في أصل الدين لو لم يلتزِمْه، لكن التعاطي بطلب المال لأداء الحقوق هو الذي أورطه؛ إذ كان طلبه من الله تعالى بغير نية خالصة، أو كان بنيَّةٍ (١) لكنْ سبقت فيه البدايةُ المكتوبُ علیه فيها الشقاوة. نعوذ بالله من ذلك. قلت: ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا تمنَّى أحدكم فلينظر ما يتمنَّى، فإنه لا يدري ما كُتب له في غيب الله عزَّ وجلَّ من أمنيته))(٢). أي: من عاقبتها، فرُبَّ أمنية يفتتن بها أو يَظْغَى، فتكون سبباً للهلاك دنيا وأُخرى؛ لأن أمور الدنيا مبهمةٌ عواقبُها، خَطِرة غائِلَتها. وأمَّا تمنِّي أمورِ الدِّين والأُخرى، فتَمَنِيها محمودُ العاقبة، محضوضٌ عليها، مندوبٌ إليها. الخامسة: قوله تعالى: ﴿لَإِنْ ءَاتَلَنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَدَّقَنَّ﴾ دليل على أنَّ مَن قال: إن مَلَكْتُ كذا وكذا فهو صدقة، فإنه يلزمه، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعيُّ: لا يلزمه. والخلافُ في الطلاق مثلُه، وكذلك في العتق. وقال أحمد بن حنبل: يلزمه ذلك في العتق، ولا يلزمه في الطلاق؛ لأنَّ العتق قُرْبةٌ وهي تَثْبُتُ في الذمة بالنذر، بخلاف الطلاق، فإنه تصرُّفٌ في محلٌّ، وهو لا يثبت في الذّمة (٣). (١) في النسخ: أو نية بدل: أو كان بنية، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٩٧١/٢ ، والكلام منه. (٢) أخرجه أحمد (٨٦٨٩)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٩٤) من حديث أبي هريرة ﴾. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٧٦ - ٩٧٧. ٣١١ سورة التوبة: الآيات ٧٥ - ٧٨ احتج الشافعيُّ بما رواه أبو داود والترمذيُّ(١) وغيرهما عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول اللـه ﴾: ((لا نَذْرَ لابن آدمَ فيما لا يَملك، ولا عتقَ له فيما لا يملك، ولا طلاقَ له فيما لا يملك)» لفظ الترمذيّ. وقال: وفي الباب عن عليٍّ ومعاذ وجابر وابن عباس وعائشة. حديثُ عبد الله بن عمرو حديثٌ حسن(٢)، وهو أحسن شيء رُوي في هذا الباب. وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلم من أصحاب النبيِّ ﴾ وغيرهم. ابن العربي(٣): وسَرَد أصحابُ الشافعيِّ في هذا الباب أحاديثَ كثيرةً لم يصحّ منها شيء، فلا يعَوَّل عليها، ولم يبقَ إلا ظاهرُ الآية. السادسة: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ ءَاتَدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ أي: أعطاهم. ﴿بَحِلُواْ بِهِ﴾ أي: بإعطاءِ الصدقة وبإنفاق المال في الخير، وبالوفاء بما ضمِنوا والتزموا. وقد مضى البخلُ في ((آل عمران)»(٤). ﴿وَتَوَّلَّوا﴾ أي: عن طاعة الله. ﴿وَّهُم ◌ُعْرِضُونَ﴾ أي: عن الإسلام، أي: مظهرون للإعراض عنه. السابعة: قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ مفعولان؛ أي: أعقبهم الله تعالى نفاقاً في قلوبهم. وقيل: أي: أعقبهم البخلُ نفاقاً؛ ولهذا قال: ﴿بَلُواْ بِهِ﴾. ﴿إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ﴾ في موضع خفض؛ أي: يَلقَوْن بخلَهم، أي: جزاءَ بُخْلِهم؛ كما يقال: أنت تلقى غداً عملك. وقيل: ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ أي: يلقون الله. وفي هذا دليلٌ على أنه مات منافقاً. وهو يُبعِدُ أن يكون المنزَّلَ فيه ثعلبةُ أو حاطبٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﴾ قال لعمر: ((وما يدريكَ لعلَّ الله اطّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتُم (١) سنن أبي داود (٢١٩٠)، وسنن الترمذي (١١٨١)، وهو عند أحمد (٦٧٦٩) و(٦٧٨٠). (٢) كذا في التحفة ٣١٨/٦ - ٣١٩، وعارضة الأحوذي ١٤٨/٥، ومختصر سنن أبي داود للمنذري ١١٧/٣، ووقع في مطبوع السنن: حسن صحيح. (٣) في أحكام القرآن ٩٧٦/٢ - ٩٧٧ . (٤) ٤٤٠/٥ - ٤٤١. ٣١٢ سورة التوبة: الآيات ٧٥ - ٧٨ فقد غفرتُ لكم)) (١). وثعلبةُ وحاطبٌ ممن حَضَر بدراً وشهدها. ﴿بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ كذِبُهم: نَقْضُهم العهدَ وتركُهم الوفاءَ بما التزموه من ذلك. الثامنة: قوله تعالى: ﴿نِفَاقًا﴾ النفاق إذا كان في القلب فهو الكفر، فأما إذا كان في الأعمال فهو معصية. قال النبيُّ ﴾: ((أربعٌ مَن كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خَصْلةٌ منهنّ كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يَدَعَهَا: إذا ائتُمِنَ خان، وإذا حدَّث كَذَبَ، وإذا عاهدَ غَدَر، وإذا خاصَمَ فجر))(٢). خرَّجه البخاري(٣). وقد مضى في ((البقرة)) (٤) اشتقاقُ هذه الكلمة، فلا معنى لإعادتها. واختلف الناس في تأويل هذا الحديث؛ فقالت طائفة: إنما ذلك لمن يحدِّث بحديثٍ يعلم أنه كذِب، ويعهَدُ عهداً لا يعتقد الوفاءَ به، وينتظر الأمانةَ للخيانة فيها. وتعلَّقوا بحديثٍ ضعيفِ الإسناد، وأن عليّ بن أبي طالب ﴾ لقي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما خارجَيْن من عند رسول الله﴾ وهما ثقيلان، فقال عليٍّ: ما لي أراكما ثقيلَيْن؟ قالا: حديثاً سمعناه من رسول الله ﴾: ((من خِلال المنافقين: إذا حدَّث كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَر، وإذا ائتُمن خان، وإذا وَعَد أَخْلَفَ)). فقال عليٍّ: أفلا سألتماه؟ فقالا: هِبنا رسول الله﴾. قال: لكنِّي سأسأله؛ فدخل على رسول الله ﴾ فقال: يا رسول الله، خرج أبو بكر وعمر وهما ثقيلان، ثم ذكر ما قالا، فقال: ((قد حَدَّثْتُهما، ولم أضَعْه على الوَضْعِ الذي وَضَعاه، ولكنَّ المنافق إذا حدَّث وهو يحدِّث نفسَه أنه يَكْذِبُ، وإذا وَعَد وهو يحدِّث نفسه أنه يُخْلِفُ، وإذا ائتُمن وهو يحدِّث نفسه أنه يخون))(٥). (١) سلف ٨/ ٥٠ . وينظر ما سلف في المسألة الأولى. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٩٧١/٢ - ٩٧٢ . (٣) في صحيحه (٣٤) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وهو عند أحمد (٦٧٦٨)، ومسلم (٥٨) وفيه: وإذا وعد أخلف، بدل: وإذا ائتمن خان. (٤) ص٧٨ من هذا الجزء. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٩٧٢/٢، وأخرجه الطبراني في الكبير (٦١٨٦) من حديث سلمان ﴾، وفيه أن الذي لقي أبا بكر وعمر وسألهما هو سلمان راوي الحديث. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠٨/١ : = . ٣١٣ سورة التوبة: الآيات ٧٥ - ٧٨ ابن العربي: قد قام الدليل الواضح على أن متعمِّد هذه الخصال لا يكون كافراً، وإنما يكون كافراً باعتقادٍ يعود إلى الجهل بالله وصفاته، أو التكذيب له(١). وقالت طائفة: ذلك مخصوصٌ بالمنافقين زمانَ رسول اللـه ﴾. وتعلَّقوا بما رواه مقاتل بن حيَّان، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عمر وابن عباسٍ قالا: أتينا رسول الله ﴾. في أُناسٍ من أصحابه، فقلنا: يا رسول الله، إنك قلت: ((ثلاثٌ مَن كنَّ فيه فهو منافق، وإن صام وصلَّى وزعم أنه مؤمن: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، ومَن كانت فيه خَصْلةٌ منهنَّ ففيه ثلثُ النفاق)) فظننا أنَّا لم نَسلم منهن أو من بعضهن، ولم يَسلم منهنَّ كثير من الناس. قال: فضحك رسول الله ﴾ وقال: ((ما لَكم ولهنَّ! إنما خَصَصْتُ بهنَّ المنافقين كما خصَّهم الله في كتابه؛ أما قولي: إذا حدَّث كذب، فذلك قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ الآية [المنافقون: ١]، [لا يَرون نبوَّتَك في قلوبهم] أفأنتم كذلك))؟ قلنا: لا. قال: ((لا عليكم، أنتم من ذلك بُرآء. وأما قولي: إذا وعد أخلف، فذلك فيما أنزل الله عليَّ: ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَبِنْ ءَاتَئِنَا مِن فَضْلِهِ﴾ - الآيات الثلاث - ((أفأنتم كذلك))؟ قلنا: لا، والله لو عاهدْنا الله على شيء أَوْفَينا به. قال: ((لا عليكم، أنتم من ذلك برآء. وأما قولي: إذا ائتمن خان، فذلك فيما أنزل الله عليَّ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا اُلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢] فكلُّ إنسان مؤتَمَنٌ على دِينه، فالمؤمنُ يغتسل من الجنابة في السر والعلانية [ويصوم ويصلي في السرِّ والعلانية]، والمنافق لا يفعل ذلك إلَّا في العلانية، أفأنتم كذلك؟)) قلنا: لا. قال: ((لا عليكم، أنتم من ذلك بُرآء))(٢). وإلى هذا صار كثير من التابعين والأئمة. = وفيه أبو النعمان عن أبي وقاص، وكلاهما مجهول؛ قاله الترمذي. وينظر فتح الباري ١/ ٩٠ . (١) أحكام القرآن ٩٧٢/٢، ووقع بعدها في (م): تعالى الله وتقدس عن اعتقاد الجاهلين وعن زيغ الزائغين. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٩٧٤/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. وقال ابن العربي: هذا حديث مجهول الإسناد. اهـ. قلنا: والضعف في سياقه ظاهر، وقوله منه: ثلاث من كن فيه ... إلى قوله: إذا ائتمن خان، هو بنحوه في مسند أحمد (٩١٥٨)، وصحيح مسلم (٥٩)، ولفظه عند البخاري: آية المنافق ثلاث ... إلى قوله: وإذا ائتمن خان. وهو من حديث أبي هريرة ﴾. ٣١٤ سورة التوبة: الآيات ٧٥ - ٧٨ قالت طائفة: هذا فيمن كان الغالبُ عليه هذه الخصالُ(١). ويظهر من مذهب البخاريِّ وغيره من أهل العلم أنَّ هذه الخِلال الذميمة منافقٌ مَن انَّصفَ بها إلى يوم القيامة(٢). قال ابن العربي(٣): والذي عندي أنه لو غَلَبتْ عليه المعاصي ما كان بها كافراً، ما لم يؤثِّر في الاعتقاد. قال علماؤنا: إن إخوةً يوسف عليه السلام عاهدوا أباهم فأَخْلَفوه، وحدَّثوه فكَذَبوه، وائتمنهم على يوسف فخانوه، وما كانوا منافقين. قال عطاء بن أبي رباح: قد فَعل هذه الخِلالَ إخوة يوسف، ولم يكونوا منافقين، بل كانوا أنبياء(٤). وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: النفاقُ نفاقان: نفاقُ الكذب، ونفاقُ العمل؛ فأمَّا نفاقُ الكذب فكان على عهد رسول اللـه ﴾، وأما نفاقُ العمل فلا ينقطع إلى يوم القيامة(٥). وروى البخاريُ(٦) عن حذيفة: أنَّ النفاقَ كان على عهد رسول الله ﴾، فأما الیومَ فإنما هو الکفرُ بعد الإيمان. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَ اَللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْرَهُمْ﴾ هذا توبيخٌ، وإذا كان عالماً فإنه سيُجازِیھم. (١) أحكام القرآن لابن العربي ٩٧٤/٢ . (٢) المحرر الوجيز ٦٢/٣، وقد ترجم البخاري في كتاب الإيمان: باب علامة المنافق، ثم ذكر حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو - ٨ - في صفات المنافقين كما تقدم. (٣) في أحكام القرآن ٢/ ٩٧٥ . (٤). المحرر الوجيز ٦٢/٣، وأخرجه الطبري ٥٨٥/١١ مطولاً. وينظر الكلام في مسألة نبوة إخوة يوسف فيما سيأتي من تفسير الآية الخامسة من سورة يوسف عليه السلام. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٩٧٥/٢ . (٦) في صحيحه (٧١١٤). ٣١٥ سورة التوبة: الآية ٧٩ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَلَّوْعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَفَتِ وَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمٌّ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُغَلّوْعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَفَتِ﴾ هذا أيضاً من صفات المنافقين. قال قتادة: ((يَلْمِزُونَ)): يَعِيبون. قال: وذلك أنَّ عبد الرحمن بن عوف تصدَّق بنصف ماله، وكان مالُه ثمانيةَ آلافٍ، فتصدَّق منها بأربعة آلاف. فقال قوم: ما أعظمَ رياءَه! فأنزل اللهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُفَلَّوْعِينَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ﴾. وجاء رجلٌ من الأنصار بنصف صُبْرَةٍ من تمرِهِ، فقالوا: ما أغنى الله عن هذا! فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ﴾ الآية (١). وخرَّج مسلمٌ(٢) عن أبي مسعودٍ قال: أُمِرنا بالصَّدقة، قال: كُنَّا نُحَامل - في رواية: على ظهورنَا(٣) - قال: فتصدَّق أبو عقيلٍ بنصف صاع. قال: وجاء إنسانٌ بشيء أكثرَ منه، فقال المنافقون: إنَّ الله لغنيٌّ عن صدقة هذا، وما فعَل هذا الآخَرُ إلا رِيَاءً. فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُؤَّوْعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ﴾ يعني أبا عقيل، واسمه الحَبْحاب(٤). والجُهْد: شيء قليلٌ يعيش به المُقِلُّ. والجُهْد والجَهْد بمعنَى واحدٍ. وقد تقدَّم(٥). و(يَلْمِزُونَ)): يَعيبون. وقد تقدَّم. و((الْمُطَوِّعِينَ)) أصله: المتطوِّعين، أُدغمت التاء (١) معاني القرآن للنحاس ٢٣٧/٣، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٨٣/٢ - ٢٨٤ وفيهما: وكان لرجل صاعان من تمر فجاء بأحدهما، بدل: وجاء رجل من الأنصار بنصف صبرة. والصُّبْرة: ما جُمع من الطعام بلا کیل ووزن. القاموس (صبر). (٢) في صحيحه (١٠١٨): (٨٢)، وهو عند البخاري (٤٦٦٨). (٣) أي: نحمل عليها بالأجرة. المفهم ٦٤/٣ . (٤) كذا في النسخ والمطبوع من تفسير البغوي ٣١٥/٢ والمحرر الوجيز ٦٣/٣، وقيده الحافظ في الإصابة ٢٦٠/١١: حثحاث، بمهملتين مفتوحتين ومثلثتين الأولى ساكنة. ثم ذكر في اسمه أقوالاً أخرى تنظر هناك. (٥) ٤٩٣/٨. وينظر تفسير الطبري ١١/ ٥٩٧ . ٣١٦ سورة التوبة: الآيات ٧٩ - ٨١ في الطاء، وهم الذين يفعلون الشيءَ تبرُّعاً من غير أن يجبَ عليهم. ((والذين)) في موضع خفضٍ عطف على ((الْمُؤْمِنِينَ)). ولا يجوز أن يكون عطفاً على [المطّوِّعين؛ لأنك لو عطفتَ عليهم لَعطفتَ على] الاسم قبل تمامه(١). و﴿فَيَسْخَرُونَ﴾ عطف على ((يَلْمِزُونَ)). ﴿سَخِرَ اَللَّهُ مِنْهُمْ﴾ خبر الابتداء(٢)، وهو دعاءٌ عليهم. وقال ابن عباس: هو خبر، أي: سخِر منهم حيثُ صاروا إلى النار(٣). ومعنى ((سخر الله): مجازاتُهم على سُخْريتهم. وقد تقدم في ((البقرة))(٤). قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَّةً فَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالَّهِ وَرَسُولِهِ، وَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ يأتي بيانُه عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلّ عَ أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبْدًا﴾ [الآية: ٨٤]. قوله تعالى: ﴿فَرِعَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَن يَُهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الَّهِ وَقَالُواْ لَا نَنْفِرُواْ فِ الْحَرَّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأْ أَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ قوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُغَلَّقُونَ بِمَفْعَدِهِمْ﴾ أي: بقعودِهم. قعَد قُعُوداً ومَفْعَداً؛ أي: جَلَس. وأَقْعَدَه غيرُه؛ عن الجوهريِّ(٥). والمخلَّف: المتروك؛ أي: خلَّفهم اللهُ وثبَّطهم، أو خلَّفهم رسولُ الله والمؤمنون لمَّا علموا تثاقُلَهم عن الجهاد؛ قولان، وكان هذا في غزوة تبوك. ﴿غِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ مفعولٌ من أجله، وإن شئت كان (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٩/٢، وما سلف بين حاصرتين منه، وذكر مكي في مشكل إعراب القرآن ٣٣٤/١ كلام النحاس هذا وقال: وهو عندي وهم. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٩/٢ . (٣) ينظر ما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما ٣١٥/١. (٤) ٣ / ٤٠٢ - ٤٠٣ . (٥) الصحاح (قعد). ٣١٧ سورة التوبة: الآيتان ٨١ - ٨٢ مصدراً(١). والخلافُ: المخالَفة. ومَن قرأ: ((خَلْفَ رسولِ اللهِ))(٢) أرَادَ التأخّر عن الجهاد. ﴿وَقَالُواْ لَا تَنْفِرُواْ فِ الْخَرِّ﴾ أي: قال بعضهم لبعض ذلك. ﴿قُلّ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ أي: قل لهم يا محمد: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدٌ﴾ ابتداءٌ وخبر ﴿حَرَّ﴾ نصب على البيان؛ أي: مَن تَرَك أمر اللهِ تعرَّض لتلك النار. قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوْ قَلِلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَيَضْحَكُوْ قَلِيلًا﴾ أمرٌ، معناه معنى التهديد، وليس أمراً بالضحك. والأصلُ أن تكون اللامُ مكسورةً، فحذفت الكسرةُ لثقلها(٣). قال الحسن: ﴿فَيَضَْكُوْ قَلِيلًا﴾ في الدُّنْيَا ﴿وَلْيَكُوا كَثِيرًا﴾ في جهنم(٤). وقيل: هو أمر بمعنى الخبر. أي: إنه سيضحكون قليلاً ويبكون كثيراً . ﴿جزآءا﴾ مفعول من أجله، أي: للجزاء(٥). الثانية: من الناس مَن كان لا يضحك اهتماماً بنفسه وفسادٍ حاله - في اعتقاده - من شدَّة الخوف، وإن كان عبداً صالحاً. قال:﴿: ((واللهِ لو تعلمون ما أعلمُ؛ لَضحِكتم قليلاً ولَبكيتُم كثيراً، ولَخرجتُم إلى الصُّعُدات تجأرون إلی الله تعالی)». لَودِدْتُ أني كنتُ شجرةً تُعْضَد. خرجه الترمذيُّ(٦). (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٩/٢ . (٢) القراءات الشاذة ص٥٤ عن أبي حيوة. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٩/٢ . (٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٢٨٤، والطبري ١١/ ٦٠٦ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٩/٢ . (٦) في سننه (٢٣١٢)، وسلف ٤٢٩/٥. وقوله منه: لوددت أني كنت شجرةً تعضد، من قول أبي ذرّ ﴾ راوي الحديث، كما هو مصرّح به في مسند أحمد (٢١٥١٦). ٣١٨ سورة التوبة: الآيتان ٨٢ - ٨٣ وكان الحسن البصريُّ ﴾ ممن قد غلَب عليه الحزنُ، فكان لا يضحك(١). وكان ابن سِيرِين يضحكُ(٢) ويحتجُّ على الحسن ويقول: اللهُ أضحك وأبكى. وكان الصحابةُ يضحكون، إلا أنَّ الإكثارَ منه وملازمتَه حتى يغلبَ على صاحبه مذمومٌ منهيٌّ عنه، وهو مِن فِعْل السفهاء والبَطَالة. وفي الخبر: أنَّ كثرته تُميتُ القلب(٣). وأمَّا البكاءُ من خوف اللهِ وعذابِه وشدَّةِ عقابه فمحمودٌ؛ قال عليه الصلاة والسلام: ((إِبْكُوا، فإنْ لم تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا، فإنَّ أهلَ النار يَيْكُون حتى تَسِيلَ دموعُهم في وجوههِم كأنها جداولُ، حتى تنقطعَ الدموعُ، فتسيل الدماءُ فَتُقَرِّح العيون، فلو أنَّ سُفُناً أُجريت فيها لَجَرَتْ)). خَرَّجه ابن المبارك من حديث أنس، وابن ماجه أيضاً (٤). قوله تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اَللَّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَأَسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَئِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّاْ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَّقِ فَقْعُدُواْ مَعَ اَْلفينَ قوله تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَيِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾ أي: المنافقين. وإنما قال: ﴿إِلَى لَآيَفَةِ﴾ لأنَّ جميع مَن أقام بالمدينة ما كانوا منافقين، بل كان فيهم معذورون ومَن لا عُذْرَ له، ثم عفا عنهم وتاب عليهم، كالثلاثة الذين خُلِّفوا. وسيأتي(٥). ﴿فَأَسْتَقْذَنُكَ لِلْخُرُوِجِ فَقُل لَّن تَّخْرُواْ مَعِىَ أَبَدًا﴾ أي: عاقِبْهم بألّا تَصْحبَهم أبداً. وهو كما قال في سورة الفتح: ﴿قُل لَّنْ تَتَّبِعُونَا﴾ [الآية: ١٥]. (١) الرسالة القشيرية ٢١٦/٢ بلفظ: كان الحسن البصري لا يراه أحد إلا ظن أنه حديث عهد بمصيبة. (٢) ذكره ابن قتيبة في عيون الأخبار ٣١٨/١. (٣) هو بنحوه قطعة من حديث أبي هريرة ﴾ أخرجه أحمد (٨٠٩٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٥٢) و(٢٥٣)، والترمذي (٢٣٠٥)، وابن ماجه (٤١٩٣). (٤) الزهد لابن المبارك (٢٩٥) من زوائد نعيم بن حماد، وسنن ابن ماجه (٤٣٢٤) وهو عنده دون قوله: ((ابکو فإن لم تبكوا فتباكوا). قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٣٥٨/٢ : هذا إسناد فيه يزيد بن أَبان الرقاشي وهو ضعيف. وأخرجه ابن ماجه (٤١٩٦) من حديث سعد بذكر القطعة الأولى منه فقط. (٥) عند تفسير الآيتين (١١٧ - ١١٨). ٣١٩ سورة التوبة: الآيتان ٨٣ - ٨٤ و﴿الْخَلِفِينَ﴾ جمع خالِف؛ كأنهم خَلَفُوا الخارجين. قال ابن عباس: الخالفون: مَن تخلَّفَ من المنافقين(١). وقال الحسن: مع النساء والضعفاء من الرجال(٢)؛ فغلّب المذكّر. وقيل: المعنى: فاقعدوا مع الفاسدين؛ من قولهم: فلان خالِفةُ أهل بيته: إذا كان فاسداً فيهم؛ من خُلوف فَم الصائم. ومن قولك: خَلَفَ اللَّبنُ، أي: فَسَدَ بطول المُكث في السِّقَاء؛ فعلى هذا يعني: فاقعدوا مع الفاسدين(٣). وهذا يدلُّ على أنَّ استِضحابَ المخذِّل في الغزوات لا يجوز. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَ نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَانُواْ وَهُمْ فَسِقُونَ ١٤ فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: رُوي أن هذه الآيةَ نزلت في شأن عبد اللهِ بن أُبَيِّ بن سَلُول، وصلاةٍ النبيِّ ﴿ عليه. ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما(٤). وتظاهرت الرواياتُ بأن النبيَّ ﴾ صلَّى عليه، وأنَّ الآية نزلت بعد ذلك. ورُوي عن أنس بن مالك أن النبيَّ :﴿ لمَّا تقدَّم ليصلِّيَ عليه جاءه جبريلُ، فجَبَذ ثوبه وتلا علیه: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ماتَ أبدا﴾ الآية، فانصرف رسولُ الله ﴾ ولم يصلِّ عليه(٥). والروايات الثابتةُ على خلافِ هذا؛ ففي البخاري عن ابن عباس(٦) قال: فصلَّى (١) ذكره البغوي ٣١٦/٢ بلفظ: الذين تخلفوا بغير عذر. (٢) الوسيط للواحدي ٥١٦/٢، وينظر تفسير الطبري ٦٠٩/١١ - ٦١٠. (٣) ينظر تفسير الطبري ١١/ ٦١٠ . (٤) سيأتي ذكر ذلك قريباً. (٥) أخرجه أبو يعلى (٤١١٢)، والطبري ٦١٢/١١. وفي إسناده يزيد بن أبان الرقاشي، قال الحافظ في التقريب : ضعيف. (٦) صحيح البخاري (١٣٦٦)، وأخرجه أحمد (٩٥)، وهو عن ابن عباس عن عمر ﴾. ٣٢٠ سورة التوبة: الآية ٨٤ عليه رسولُ اللهِ ﴾، ثم انصَرَف، فلم يَمْكُثْ إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من ((براءة): ﴿وَلَا تُصَلِّ عَ أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبْدًا﴾. ونحوه عن ابن عمر؛ خرَّجه مسلم (١). قال ابن عمر: لمَّا تُؤُفِّيَ عبد الله بنُ أُبَيِّ بن سَلُول، جاء ابنه عبدُ الله بن عبد الله إلى رسول الله ﴿، فسأله أن يُعْطِيَه قميصَه يُكَفِّنُ فيه أباه، فأعطاه. ثم سأله أن يُصَلِّيَ عليه، فقام رسولُ الله﴾ ليصلِّيَ عليه، فقام عمر وأخذ بثوب رسولِ الله ﴿ فقال: يا رسولَ الله، أَتُصَلِّي عليه وقد نهاك اللهُ أن تصلِّيَ عليه؟ فقال رسولُ اللهِ ﴾: ((إنما خَيَّرني اللهُ تعالى فقال: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ ◌َثُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَّةٌ﴾ [التوبة: ٨٠] وسَأزيدُ على سبعين)). قال: إنه منافِقٌ. فصلَّى عليه رسولُ اللـه :﴿، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، فترك الصلاةَ عليهم. وقال بعض العلماء: إنما صلَّى النبيُّ# على عبد الله بن أُبيِّ بناءً على الظاهر من لفظ إسلامه. ثم لم يكن يفعل ذلك لمَّا نُهي عنه(٢). الثانية: إن قال قائل: فكيف قال عمر: أتصلِّ عليه وقد نهاك اللهُ أن تصلِّيَ عليه؛ ولم يكن تقدَّم نهيّ عن الصلاة عليهم؟ قيل له: يَحتَمِل أن يكون ذلك وقَع له في خاطره، ويكونَ من قَبِيل الإلهام والتحدُّثِ الذي شهد له به النبيُّ﴾(٣)، وقد كان القرآن ينزِل على مراده، كما قال: وافقتُ ربِّي في ثلاث. وجاء: في أربع. وقد تقدَّم في ((البقرة))(٤). فيكون هذا من ذلك. ويحتمل أن يكون فَهِم ذلك من قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ (١) في صحيحه (٢٤٠٠)، وهو عند أحمد (٤٦٨٠)، والبخاري (١٢٦٩). (٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢١٦/٣ . (٣) المفهم ٢ /٦٤٠ . (٤) ٢/ ٣٧٤ .