Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ سورة الأنفال: الآيتان ٧٠ - ٧١ ظاهرُ أَمرِكَ فكان علينا، فاقْدٍ نفسَك وابنَي أخيك(١) نوفلَ بن الحارث بن عبد المطلب، وعَقيلَ بنَ أبي طالب، وحليفَك عتبةً بن عمرو أخا بني الحارث بن فهر)) قال: ما ذاك عندي يا رسول الله. قال: ((فأين المالُ الذي دفنتَه أنت وأمُّ الفضل، فقلت لها: إن أُصبتُ في سفري هذا؛ فهذا المالُ لِبَنيَّ: الفضلِ وعبد الله وقُثَم))؟ فقال: والله يا رسول الله، إني لأعلمُ أنك رسول الله، إنَّ هذا لشيءٌ ما علمه غيري وغيرُ أمِّ الفضل، فاحْسُب لي يا رسول الله ما أصبتُم منِّي عشرين أُوقيةً من مالٍ كان معي. فقال رسول الله#: ((لا، ذاك شيءٌ أعطانا الله منك)). فقدى نفسه وابني أخويه وحليفه، وأنزل الله فيه: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِمَن فِىّ أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ الآية(٢). قال ابن إسحاق: وكان أكثر الأسارى فداءً العباس بن عبد المطلب؛ لأنه كان رجلاً موسراً، فافتدى نفسه بمئةٍ أُوفِيَّة من ذهب(٣). وفي البخاريّ(٤): وقال موسى بن عقبة: قال ابن شهاب: حدَّثني أنس بن مالك: أنَّ رجالاً من الأنصار استأذنوا رسول الله ﴾ فقالوا: يا رسول الله، ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباسٍ فداءَه. فقال: ((لا واللهِ لا تذرون درهماً». وذكر النقّاش وغيره: أنَّ فداءَ كلِّ واحد من الأسارى كان أربعين أوقِية، إلا العباسَ؛ فإن النبيَّ ﴾ قال: ((أَضْعِفوا الفداءَ على العباس)). وكلَّفه أن يَفديَ ابنَي أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فأدّى عنهما ثمانين أوقية، وعن نفسه ثمانين أوقِيّة، وأُخذ منه عشرون أوقيةً وقت الحرب. وذلك أنه كان أحدَ العشرة الذي ضَمِنوا الإطعام لأهل بدر، فبلغت النَّوْبة إليه يوم بَدْر، فاقتتلوا قبل أن يُطعِم، وبقيت (١) في (م): أخويك. (٢) دلائل النبوة للبيهقي ٣/ ١٤٢ - ١٤٣ من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن الزهري وجماعة سماهم وأخرجه الحاكم ٣٢٤/٣ من حديث عائشة رضي الله عنها. وأخرجه بنحوه أحمد (٣٣١٠) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني من سمع عكرمة عن ابن عباس. (٣) دلائل النبوة ١٤١/٣ . (٤) برقم (٤٠١٨). ٨٢ سورة الأنفال: الآيتان ٧٠ - ٧١ العشرون معه، فأخذت منه وقت الحرب، فأخذ منه يومئذٍ مئةُ أوقِيَّةٍ وثمانون أوقيةً. فقال العباس للنبيِّ#: لقد تركتني ما حييتُ أسأل قريشاً بكَفّي. فقال النبي #: ((أين الذهبُ الذي تركته عند امرأتك أمِّ الفضل»؟ فقال العباس: أيُّ ذهب؟ فقال له رسول الله﴾: «إنك قلت لها: لا أدري ما يُصيبني في وجهي هذا، فإنْ حدثَ بي حَدَثٌ فهو لك ولولدِك)) فقال: يا ابنَ أخي، مَن أخبرك بهذا؟! قال: ((اللهُ أخبرني). قال العباس: أشهدُ أنك صادق، وما علمتُ أنك رسولُ الله قظُ إلا اليومَ، وقد علمتُ أنه لم يُظْلِعْكَ عليه إلا عالمُ السرائر، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبدُه ورسوله، وكفّرْتُ بما سواه(١). وأمر ابني أخويه فأسلما؛ ففيهما نزلت: ﴿يَأَيُّهَا النَُّ قُل لِّمَنْ فِيّ أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَكَ﴾. وكان الذي أَسر العباسَ أبا اليَسَر كعب بنَ عمرو أخا بني سَلمة، وكان رجلاً قصيراً، وكان العباس ضخماً طويلاً؛ فلمَّا جاء به إلى النبيِّ# قال له: ((لقد أعانك عليه مَلَك))(٢). الثانية: قوله تعالى: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ أي: إسلاماً. ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَآَ أُنِذَ مِنْكُمْ﴾ أي: من الفِذْية؛ قيل: في الدنيا، وقيل: في الآخرة. وفي ((صحيح)) مسلم(٣): أنه لمَّا قَدِم على النبيِّ # مالٌ من البحرين قال له العباس: إني فاديتُ نفسي وفاديتُ عَقِيلاً. فقال له رسول الله ﴾: ((خذ)). فبسط ثوبَه وأخذ ما استطاعَ أن يحمله. مختصر. في غير الصحيح: فقال له العباس: هذا خيرٌ مما أُخِذ منّي، وأنا بعدُ أرجو أن يغفرَ الله لي(٤). وقال العباس: وأعطاني زمزمَ، وما أحِبُّ أنَّ لي بها جميعَ أموالٍ (١) ذكره بنحوه الواحدي في أسباب النزول ص٢٣٨ عن الكلبي، والبغوي ٢٦٣/٢ دون نسبة. (٢) الاستيعاب ١٨٥/١٢، وأخرجه ابن سعد ١٢/٤، وأحمد (٣٣١٠)، والطبري في التاريخ ٤٦٣/٢ مطولاً . (٣) لم نقف عليه عند مسلم، وهو في صحيح البخاري (٤٢١) من حديث أنس ﴾ (٤) المحرر الوجيز ٥٥٥/٢، وأخرجه الطبري ٢٨٥/١١ عن قتادة. ٨٣ سورة الأنفال: الآيتان ٧٠ - ٧١ أهلِ مكة(١). وأسند الطبري(٢) إلى العباس أنه قال: فيَّ نزلت حين أعلمتُ رسولَ الله ﴾ بإسلامي، وسألتُه أن يحاسبني بالعشرين أوقِيَّة التي أُخِذت منِّي قبل المُفاداة، فَأَبَى وقال: ((ذلك فَيْءٌ)). فأبدلني الله من ذلك عشرين عبداً كلَّهم تاجِرٌ بمالي. وفي ((مصنف)) أبي داود عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: لمَّا بعث أهلُ مكة في فداء أسراهم بعثَتْ زینبُ في فداء أبي العاص بمال، وبعثتْ فيه بقلادةٍ لها كانت عند خديجةً أدخلتها بها على أبي العاص. قالت: فلما رآها رسول اللـه ﴾؛ رَقَّ لها رِقَّةً شديدة وقال: ((إنْ رأيتُم أن تُطلقوا لها أسيرَها وتَردُّوا عليها الذي لها)). فقالوا: نعم. وكان النبيُّ # أَخذ عليه - أوْ وَعَده - أن يُخلِّيَ سبيل زينبَ إليه. وبعث رسول الله ﴾ زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار فقال: «كونا ببطن یأجَجَ حتى تمرَّ بكما زينبُ، فَتَصْحَباها حتى تأتيا بها))(٣). قال ابن إسحاق(٤): وذلك بعد بَذْر بشهر. قال عبد الله بن أبي بكر(٥): حُدِّثت عن زينبَ بنتِ رسول اللـه # أنها قالت: لمَّا قدم أبو العاص مكةً قال لي: تجهَّزي، فالْحقي بأبيك. قالت: فخرجتُ أتجهّز، فلَقِيَتْنِي هند بنتُ عتبةً فقالت: يا بنتَ محمد، أَلَمْ يبلغني أنك تريدين اللّحوقَ بأبيك؟ فقلت لها: ما أردتُ ذلك. فقالت؛ أيْ بنتَ عَمّ، لا تفعلي، إني امرأة مُوسِرة، وعندي سِلَع من حاجتك، فإن أردتٍ سلْعة بِعتُكِهَا، أو قَرْضاً من نفقة أقرضتك؛ فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال. قالت: (١) تفسير البغوي ٢/ ٢٦٣ . (٢) في التفسير ٢٨٥/١١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٥٥/٢ . (٣) سنن أبي داود (٢٦٩٢)، وهو عند أحمد (٢٦٣٦٢)، ويأجج كيَسْمَعِ ويَضْرِب ويَنْصُر: موضع بمكة. القاموس (أجج). (٤) كما في السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٦٥٣ . (٥) هو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكلامه في السيرة النبوية ١/ ٦٥٣، وتاريخ الطبري ٤٦٩/٢. والمستدرك ٤٢/٤، ودلائل النبوة للبيهقي ٣/ ١٥٥ والكلام منه. ٨٤ سورة الأنفال: الآيتان ٧٠ - ٧١ فوالله ما أُراها قالت ذلك إلا لتفعل، فخفتُها فكتمتُها وقلتُ: ما أريد ذلك. فلما فرغتْ زينبُ من جهازها ارتحلت، وخرج بها حَمُوها يقود بها نهاراً كنانةُ بن الربيع(١). وتَسامَعَ بذلك أهلُ مكة، وخرج في طلبها هَبَّار بن الأسود ونافع بن عبد القيس الفِهريُّ، وكان أوّلَ مَن سَبَقَ إليها هبَّار، فروَّعها بالرمح وهي في هَؤدجها. وبرك كِنانةُ ونثر نَبله، ثم أخذ قوسَه وقال: والله لا يدنو مني رجل إلا وضعتُ فيه سهماً. وأقبل أبو سفيان في أشراف قريش فقال: يا هذا، أَمسِكْ عنَّا نَبْلَكْ حتى نكلِّمك، فوقف عليه أبو سفيان وقال: إنك لم تصنع شيئاً، خرجتَ بالمرأة على رؤوس الناس، وقد عرفتَ مصيبتنا التي أصابتنا ببَدْر، فتظنُّ العرب وتتحدث أنَّ هذا وَهْنٌّ منا وضعفٌ خروجُك إليه بابنته على رؤوس الناس من بين أَظْهُرنا. إِرجع بالمرأة فَأَقِمْ بها أياماً، ثم سُلَّها سَلَّا رفيقاً في الليل، فَأَلْحقها بأبيها، فلعَمْري ما لنا بحبْسِها عن أبيها من حاجة، وما لنا في ذلك الآن من ثُؤْرة(٢) فيما أصاب منا، ففعل. فلما مرَّ به يومان أو ثلاثةٌ؛ سلَّها، فانطلقت حتى قدمت على رسول الله﴾. فذكروا أنها قد كانت ألقت - للرّوعة التي أصابتها حين روَّعها هَبَّار بنُ أمِّ درهم - ما في بطنها(٣). الثالثة: قال ابن العربيّ(٤): لما أُسِرَ مَن أُسِرَ من المشركين؛ تكلّم قومٌ منهم بالإسلام، ولم يمضوا فيه عزيمةً، ولا اعترفوا به اعترافاً جازماً. ويُشبه أنهم أرادوا أن يَقربوا من المسلمين، ولا يَبعدوا من المشركين. قال علماؤنا: إن تكلّم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه ولم يمض فيه عزيمةً لم يكن مؤمناً. وإذا وُجد مثل ذلك من المؤمن كان كافراً؛ إلا ما كان من الوسوسة التي لا يقدر على دفعها؛ فإن الله قد عنا عنها وأسقطَها. وقد بيَّنَ اللـه لرسوله ﴿ الحقيقة فقال: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَلَكَ﴾ أي: إن كان هذا القولُ منهم خيانةً ومكراً ﴿فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ بكفرهم ومكرهم بك (١) هو أخو زوجها أبي العاص بن الربيع. ينظر السيرة النبوية ١/ ٦٥٤. (٢) أي: حقد وعداوة. (٣) من قوله: قال عبد الله بن أبي بكر، إلى هذا الموضع من (خ) و(م). (٤) في أحكام القرآن ٨٧٤/٢ . ٨٥ سورة الأنفال: الآيات ٧٠ - ٧٥ وقتالهم لك. وإن كان هذا القولُ منهم خيراً ويعلمه الله، فيقبل منهم ذلك، ويعوِّضهم خيراً مما خرج عنهم، ويغفر لهم ما تقدَّم من كفرهم وخيانتِهم ومكرِهم. وجمع خيانة: خَيَائن، وكان يجب أن يقال: خوائن؛ لأنه من ذوات الواو، إلا أنهم فرَّقوا بينه وبين جمع خائنة. ويقال: خائن وخُون(١) وخَوَنة وخانة(٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُّوَاْ أُوْلَكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِنِ وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَصَرُوَكُمْ فِ اَلِيْنِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّ عَلَى قَوْمُ وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقُّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (َ إِلَا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِ الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٨) وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَارَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّأَ لَمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقُّ كَرِيمٌ ﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأَوْلَكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُواْ اَلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (٥) فیه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ خَتَم السورة بذكر الموالاة ليعلم كلُّ فريق ولِيَّه الذي يستعين به. وقد تقدَّم معنى الهجرة والجهاد لغةً ومعنّى(٣). ﴿وَالَّذِينَ ءَاوَوا وَنَصَرُوا﴾ معطوفٌ عليه. وهم الأنصار الذين تبوَّؤُوا الدار والإيمان مِن قبلهم، وانْضَوَى إليهم النبيُّ:﴿ والمها جرون. ﴿أُوْلَبِكَ﴾ رفع بالابتداء. ﴿بَعْضُهُمْ﴾ ابتداء ثان ﴿أَوْلِيَُّ بَعْضِ﴾ خبره، والجميع خبر ((إنّ))(٤). قال ابن عباس: ((أولياء بعض)) في الميراث؛ فكانوا يتوارثون بالهجرة، وكان (١) في النسخ الخطية: خون، والمثبت من (م). (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٩٨/٢. (٣) تقدم ٣/ ٤٣٢. (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٩٩/٢ . ٨٦ سورة الأنفال: الآيات ٧٢ - ٧٥ لا يرث مَن آمن ولم يهاجر مَن هاجر، فنسخ الله ذلك بقوله: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ﴾ الآيةَ. أخرجه أبو داود(١). وصار الميراث لذوي الأرحام من المؤمنين. ولا يتوارث أهل مَّتين شيئاً. ثم جاء قوله عليه الصلاة والسلام: ((أَلحِقوا الفرائضَ بأهلها)) على ما تقدَّم بيانه في آية المواريث(٢). وقيل: ليس هنا نسخ، وإنما معناه: في النصرة والمعونة(٣)؛ كما تقدَّم في ((النساء)) (٤). ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ ابتداء، والخبر: ﴿مَا لَكُ مِّنْ وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ﴾. وقرأ يحيى بن وَتَّاب والأعمشُ وحمزة: ﴿مِن وِلايتهم﴾(٥) بكسر الواو. وقيل: هي لغة (٦). وقيل: هي من وَلِيتُ الشيء(٧)؛ يقال: وَليَّ بيِّن الولاية. ووالٍ بَيِّن الولاية. والفتح في هذا أَبَيَنُ وأحسن؛ لأنه بمعنى النُّضْرة والنسب(٨). وقد تُطلق الولاية والولاية بمعنى الإمارة (٩). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنِ أُسْتَصَرُوكُمْ فِ الدِّينِ﴾ يريد: إنْ دَعَوْا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض الحرب عونَكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم(١٠)، فذلك فرضٌ عليكم فلا تخذلوهم. إلّا أنْ يستنصروكم على قومٍ كفارٍ بينكم وبينهم (١) في سننه (٢٩٢٤)، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٨٩/١١ - ٢٩٠ . (٢) سلف ٦/ ١٠١ . (٣) تفسير الطبري ٢٨٩/١١ و٣٠٠، والمحرر الوجيز ٥٥٥/٢ - ٥٥٦ . (٤) ٦ / ٢٧٤ - ٢٧٥ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٩٩/٢، وقراءة حمزة في السبعة ص ٣٠٩، والتيسير ص ١١٧ . (٦) وهو قول أبي الحسن الأخفش كما في المحرر الوجيز ٥٥٦/٢ . (٧) الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٩٧ . (٨) إعراب القرآن للنحاس ١٩٩/٢ . (٩) قال الفراء في معاني القرآن ٤١٨/١ - ٤١٩: كسر الواو في الولاية أعجب إليَّ من فتحها؛ لأنها إنما تفتح أكثر من ذلك إذا كانت في معنى النصرة، ويختارون في وليتُه ولاية الكسر، وقد سمعناهما بالفتح والكسر في معناهما جميعاً. (١٠) في (ظ): فأغيثوهم. ٨٧ سورة الأنفال: الآيات ٧٢ - ٧٥ ميثاقٌ فلا تنصروهم عليهم، ولا تنقضوا العهد حتى تَتِمَّ مُدَّتُه. ابن العربي(١): إلا أن يكونوا [أُسَراء] مستضعَفين، فإنَّ الولاية معهم قائمةٌ، والنصرةَ لهم واجبة، حتى لا تبقى منا عینٌ تَظْرِفُ حتی تخرج إلى استنقاذهم إن کان عددنا یحتمل ذلك، أو نبذل جمیعَ أموالنا في استخراجهم حتى لا یبقی لأحدٍ درهم. كذلك قال مالك وجميع العلماء، فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون، على ما حلَّ بالخلق في تركهم إخوانَهم في أسر العدوِّ، وبأيديهم خزائن الأموال، وفضولُ الأحوال، والقدرةُ والعدد والقوّة والجَلَد. الزجاج: ويجوز: ((فعليكم النصرَ)) بالنصب على الإغراء(٢). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ﴾ قطع الله الولايةَ بين الكفار والمؤمنين، فجعلَ المؤمنين بعضَهم أولياءَ بعض، والكفارَ بعضَهم أولياءَ بعض، يتناصَرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم (٣). قال علماؤنا في الكافرة يكون لها الأخ المسلم: لا يزوِّجها؛ إذ لا وَلايةً بينهما، ويزوّجها أهل مَّتها. فكما لا يزوِّج المسلمة إلا مسلمٌ، فكذلك الكافرةُ لا يزوِّجها إلا كافر قريبٌ لها، أو أسْقُفِّ، ولو من مسلم؛ [ولا يصحُّ عقد مسلم عليها] إلا أن تكون معتَقَة، فإن عُقد على غير المعتقَة فُسخ إن كان لمسلم، ولا يعرض للنَّصرانيّ. وقال أَصْبَغ: لا يفسخ، عقدُ المسلم أولى وأفضل (٤). الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ الضمير عائد على الموارثة والتزامها. المعنی: إلا تتركوهم یتوارثون كما كانوا يتوارثون؛ قاله ابن زيد(٥). وقيل: هي عائدة على التناصُر والمؤازرة والمعاونة واتصال الأيدي؛ ابن جُريج (١) في أحكام القرآن ٢/ ٨٧٥ - ٨٧٦، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه. (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٩٩/٢. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٨٧٦/٢ . (٤) عقد الجواهر الثمينة ٢٤/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. (٥) أخرجه الطبري ٢٩٧/١١ - ٢٩٨. ٨٨ سورة الأنفال: الآيات ٧٢ - ٧٥ وغيرُه. وهذا إن لم يُفعل تقع الفتنة عنه عن قريب، فهو آكَدُ من الأوّل(١). وذكر الترمذِيُّ عن عبد الله بن مسلم بن هُرْمز، عن محمدٍ وسعيد(٢) ابني مُبيد، عن أبي حاتم المزنيِّ قال: قال رسول الله﴾: ((إذا جاءكم مَن تَرْضَوْن دينَه وخُلُقَه فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفساد كبير)). قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: ((إذا جاءكم مَن تَرْضَوْن دينه وخلقه فأنكحوه)). ثلاثَ مرات. قال: حديث [حسن] غريب(٣). وقيل: يعود على حفظ العهد والميثاق الذي تضمَّنه قوله: ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقُ﴾، وهذا إن (٤) لم يُفعل فهو الفتنة نفسُها. وقيل: يعود على النصر للمسلمين [المستنصِرين] في الدين(٥). وهو معنى القولِ الثاني. (١) المحرر الوجيز ٢/ ٥٥٧، وقول ابن جريج أخرجه الطبري ٢٩٨/١١ - ٢٩٩ . (٢) في النسخ: وسعد، والصواب ما أثبتناه. (٣) سنن الترمذي (١٠٨٥)، وما بين حاصرتين منه ومن التحفة ٩/ ١٤٢، وأخرجه أيضاً أبو داود في المراسيل (٢٢٤). قال الترمذي: وأبو حاتم المزني له صحبة، ولا نعرف له عن النبي # غير هذا الحديث. وقال الحافظ في التهذيب ٥٠٦/٤: أبو حاتم مختلف في صحبته. اهـ وقال ابن القطان في بیان الوهم والإيهام ٢٠٣/٥ : حديث أبي حاتم لا يصح، وذكر أبي داود إياه في المراسيل دليل على أنه عنده- أعني أبا حاتم المزني - غیر صحابي. ومحمد وسعید ابنا عبید مجهولان. وعبد الله بن هرمز لم یکن یحیی بن سعيد القطان ولا عبد الرحمن بن مهدي یحدثان عنه، وسئل عنه ابن حنبل فقال: لیس بشيء، ضعيف الحديث. وأخرجه الترمذي (١٠٨٤)، وابن ماجه (١٩٦٧) من طريق عبد الحميد بن سليمان، عن ابن عجلان، عن ابن وثيمة النصري، عن أبي هريرة، عن النبي ﴾. قال أبو داود في المراسيل إثر الحديث (٢٢٥): وهو خطأ. وقال الترمذي في العلل ٤٢٦/١: ولم يَعُدَّ البخاري حديث عبد الحميد محفوظاً، وقال (يعني البخاري): رواه الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن عبد الله بن هرمز عن النبي # مرسلاً. قلنا: قد أخرجه أبو داود في المراسيل (٢٢٥) من هذه الطريق. وقد ذكر الترمذي في سننه إثر الحديث (١٠٨٤) رواية الليث هذه، ووقع في مطبوعه: عن ابن عجلان، عن أبي هريرة (ولعله محرف عن ابن هرمز) ونقل عن البخاري قوله: حديث الليث أشبه. (٤) في النسخ: وإن، والمثبت من المحرر الوجيز ٥٥٧/٢ ، والكلام منه. (٥) المحرر الوجيز ٥٥٧/٢، وقال ابن عطية: ويجوز أن يعود الضمير مجملاً على جميع ما ذكر. ٨٩ سورة الأنفال: الآيات ٧٢ - ٧٥ قال ابن إسحاق(١): جعل الله المهاجرين والأنصارَ أهلَ وَلايةٍ (٢) في الدِّين دون مَنْ سواهم، وجعل الكافرين بعضَهم أولياءَ بعض. ثم قال: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ وهو أن يتوَلَّى المؤمنُ الكافرَ دون المؤمنين ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾ أي: محنة، بالحرب وما انْجرَّ معها من الغارات والجَلاء والأسر. والفسادُ الكبير: ظهور الشرك(٣). قال الكسائيُّ: ويجوز النصب في قوله: ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾ (٤) على معنى: تكن فَعلتُكم فتنةً وفساداً كبيراً. ﴿حَقًّا﴾ مصدر، أي: حَقَّقوا إيمانهم بالهجرة والنُّصرة. وحقَّق الله إيمانَهم بالبِشارة في قوله: ﴿لَّمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: ثوابٌ عظيم في الجنة. الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا﴾ يريد: من بعد الحُدَيْبِية وبيعة الرضوان. وذلك أنَّ الهجرة من بعد ذلك كانت أقلَّ رتبةً من الهجرة الأولى. والهجرةُ الثانية هي التي وقع فيها الصلح، ووضعت الحرب أوزارها نحو عامين، ثم كان فتحُ مكة. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((لا هجرة بعد الفتح))(٥). فبيَّن أنَّ مَن آمن وهاجَر من بعدُ يلتحق بهم. ومعنى ((منكم))، أي: مثلكم في النصر والموالاة. السادسة: قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ﴾ ابتداء. والواحد ذو، والرَّحِم مؤنثة، والجمع أرحام(٦). والمراد بها هاهنا العَصَباتُ دون المولود بالرحم. ومما يبيِّن أن المراد بالرحِم العصباتُ قولُ العرب: وَصَلَّتْك رَحِم. لا يريدون قرابة الأمّ. قالت قُتيلة بنت الحارث أخت النضر بن الحارث - كذا قال ابن هشام(٧). قال السهيليُّ: الصحيح (١) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٦٧٧ . (٢) في النسخ: ولايته، والمثبت من السيرة النبوية. (٣) المحرر الوجيز ٢/ ٥٥٧ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٩٩/٢. (٥) المحرر الوجيز ٢/ ٥٥٧، والحديث سلف ٥٠٦/٦ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ١٩٩/٢. (٧) في السيرة ٤٢/٢، وقال ذلك أيضاً أبو الفرج في الأغاني ١٩/١، والقيرواني في زهر الآداب ٢٨/١. ٩٠ سورة الأنفال: الآيات ٧٢ - ٧٥ أنها بنت النضر لا أخته، كذا وقع في كتاب ((الدلائل)) (١) - ترثي أباها حين قتله النبيُّ # صَبْراً بالصفراء: مِن صُبحِ خامسةٍ وأنت مُوَفَّقُ (٢) يا راكباً إن الأُثِيلِ مَظِنَّةٌ أبلِغْ بها مَيْئاً بأنَّ تحيَّةً مِنِّي إليك وعَبرةً مسفوحةً هل يسمعَنِّي النَّضْرُ إن ناديتُهُ أمحمدٌ يا خيرَ ضِنْءٍ كريمةٍ ما كان ضرَّكَ لو مننْتَ وربَّما لو كنتَ قابِلَ فديةٍ لَفَدَيْتُهُ فالنَّضر أقربُ مَن أسَرْتَ قرابةً ظلَّت سيوفُ بني أبيه تَنوشُه ما إنْ تزالُ بها النَّجائبُ تَخْفِقُ(٣) جادت بِوَاكِفِها (٤) وأخرى تَخْنُقُ أم كيف يسمعُ ميِّتٌ لا ينطقُ في قومها والفحلُ فحلٌ مُعْرِقُ(٥) مَنَّ الفتى وهو المَغِيظُ المُخْتَقُ بأعزّ ما يُفْدَى به ما يُنْفقُ وأحقُّهُمْ إن كان عِتقٌ يُعتَقُ لله أرحامٌ هناك تُشَقَّقُ رَسْفَ المُقَيَّدِ وَهْو عانٍ مُوثَقُ صَبْراً يُقاد إلى المنيَّة مُتْعَباً السابعة: واختلف السلفُ ومَن بعدَهم في توريث ذَوِي الأرحام، وهو مَن لا سهمَ له في الكتاب [والسنة] مِن قرابة الميتٍ وليس بعصبة(٦)، كأولاد البنات، وأولاد (١) الروض الأنف ١٣٥/٣، وقال أنها ابنته أيضاً البصري في الحماسة البصرية ٢١٢/١، والمرزوقي في شرح ديوان الحماسة ٢/ ٩٦٣، وابن عبد البر في الدرر ص١١٠ . وابن حجر في الإصابة ٩٥/١٣. وسماها الجاحظ في البيان والتبيين ٤٤/٤: ليلى بنت النضر بن الحارث. (٢) الأثيل: موضع قرب المدينة؛ كان فيهِ قبر النضر، والمَظِنَّة: المنزل المَعْلَم. وقولها: من صبح خامسة ... ، تريد من صبح ليلة خامسة لليلة التي تبتدئ في السير منها إلى الأثيل، وأنت على الطريق غير عادل عنها. شرح ديوان الحماسة المرزوقي ٢/ ٩٦٤ . (٣) النجائب: الإبل الكرام. تخفق: تسرع. الإملاء المختصر في شرح غريب السير ص٩٢ . (٤) وكفت العين الدمع: أسالته. اللسان (وكف). (٥) الضِّنْءُ: الأصل. والمعرق: الكريم. الإملاء ص٩٢ . والمعنى: أنت كريم من الطرفين مُعِمٌّ مُخْوِلٌ. شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٢ / ٩٦٧ . (٦) الاستذكار ١٥/ ٤٧٠، وما سلف بين حاصرتين منه. ٩١ سورة الأنفال: الآيات ٧٢ - ٧٥ الأَخَوات، وبناتِ الأخ، والعمَّةِ والخالة، والعمِّ أخ الأبِ للأم، والجدِّ أبي الأم، والجدّة أمّ [أبي] الأم، ومَن أذْلَى بهم(١). فقال قوم: لا يرث مَن لا فرضَ له من ذوي الأرحام. ورُويّ عن أبي بكر الصدِّيق وزيد بنٍ ثابت وابنٍ عمر، وروايةٌ عن عليٍّ، وهو قولُ أهلِ المدينة، ورُويّ عن مكحول والأوزاعيّ، وبه قال الشافعيُّ ـ وقال بتوريثهم عمر بنُ الخطاب وابنُ مسعود ومعاذٌ وأبو الدَّرْدَاء وعائشة، وعليّ في روايةٍ عنه، وهو قول الكوفيِّين وأحمد وإسحاق(٢). واحتجُوا بالآية، وقالوا: وقد اجتمع في ذوي الأرحام سببان: القرابةُ والإسلام، فهم أَوْلی ممن له سببٌ واحد، وهو الإسلام(٣). أجاب الأوّلون فقالوا: هذه آيَةٌ مُجمَلةٌ جامعة، والظاهر لكل رَحِم قَرُب أو بَعُد، وآياتُ المواريث مفسِّرة، والمفسِّر قاضٍ على المجمَل ومبيِّن. قالوا: وقد جعلَ النبيُّ # الوَلاءَ سبباً ثابتاً، أقام المَوْلَى فيه مقام العصبة فقال: ((الوَلاءُ لمن أَعتق)(٤). ونهى عن بيع الوَلاءِ وعن هبته(٥). احتجَّ الآخرون بما روى أبو داود والدَّارَقُطْنيُّ عن المقدام قال: قال رسول الله (﴾: (مَن ترك كَلَّا فإليَّ - وربما قال: فإلى الله وإلى رسوله - ومَن ترك مالاً فلورثته. وأنا وارثُ مَن لا وارثَ له، أَعقِل عنه وأرتُه. والخال وارثُ مَن لا وارثَ له، يَعقِل عنه ویرثه))(٦). (١) ينظر الموطأ ٥١٨/٢ والاستذكار ٤٨٠/١٥ - ٤٨١، وما سلف بين حاصرتين منهما، وفيهما زيادة على من ذكر المصنف: الخال وابن الأخ للأم، وزاد الكلوذاني في كتاب التهذيب في الفرائض ص٢١٦: بنات الأعمام. وذكرهم جميعاً - وهم أحد عشر - ابن قدامة في المغني ٩/ ٨٢ . (٢) ينظر الاستذكار ٤٨٠/١٥ - ٤٨٢، والتهذيب في الفرائض ص٢١٦ - ٢١٩، والمغني ٨٢/٩. (٣) الاستذكار ٤٨٤/١٥ . (٤) سلف ٨/ ٢٤٧ . (٥) سلف ٢٤٦/٨ . (٦) سنن أبي داود (٢٨٩٩)، وسنن الدارقطني (٤١١٦)، وهو عند أحمد (١٧١٧٥)، وابن ماجه (٢٧٣٨). الكَلّ: العيال. النهاية (كلل). ٩٢ سورة الأنفال: الآيات ٧٢ - ٧٥ وروى الدَّارَقُطْنيُّ عن طاوس قال: قالت عائشة رضي الله عنها: الله مَوْلَى مَن لا مَوْلَى له، والخالُ وارثُ مَن لا وارثَ له. موقوفٌ(١). ورَوَى عن أبي هريرة أنَّ رسول الله﴾ قال: ((الخال وارث))(٢). ورَوَى عن أبي هريرة قال: سئل رسولُ اللـه :﴿ عن ميراث العمَّةِ والخالة فقال: ((لا أدري حتى يأتيَني جبريل)) ثم قال: ((أين السائلُ عن ميراث العمَّةِ والخالة؟)) قال: فأتى الرجلُ، فقال: ((سارَّني جبريل أنه لا شيءَ لهما)). قال الدَّارقطنيُّ: لم يُسْنده غيرُ مَسعدةً عن محمد بنِ عمرو، وهو ضعيف، والصوابُ مرسل(٣). ورَوَی عن الشّعبئِّ قال: قال زیاد بنُ أبي سفيان لجليسه: هل تدري کیف قضی عمرُ في العمَّة والخالة؟ قال: لا. قال: إني لأَعلمُ خلقِ الله كيف قضى فيهما عمر، جعل الخالةَ بمنزلة الأم، والعمةَ بمنزلة الأب (٤). (١) سنن الدارقطني (٤١١٨). (٢) سنن الدار قطني (٤١٢١) و(٤١٢٢). (٣) سنن الدارقطني (٤١٥٩)، ومسعدة هو ابن اليسع الباهلي، قال الذهبي في الميزان ٩٨/٤: مالك، كذبه أبو داود، وقال أحمد بن حنبل: خرقنا حديثه منذ دهر. (٤) سنن الدارقطني (٤١٦١). قال ابن عبد البر في الاستذكار ٤٨٤/١٥: واحتجوا بآثار كثيرة كلُّها ضعيفة ومحتملة للتأويل، لا تلزم بها حجة. ١٠ تفسير سورة براءة مدنية باتفاق قوله تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ فيه خمس مسائل : الأولى: في أسمائها. قال سعيد بن جُبير: سألتُ ابنّ عباس ﴾ عن سورة براءة، فقال: تلك الفاضحة، مازال ينزل: ومنهم ومنهم، حتى خِفنا ألَّا تدعَ أحداً (١). قال القُشيريُّ أبو نصر عبدُ الرحيم: هذه السورةُ نزلت في غزوة تَبُوك، ونزلت بعدها، وفي أوَّلها نبذُ عهودِ الكفارِ إليهم. وفي السورة كشفُ أسرار المنافقين. وتسمَّى الفاضحةَ، والبحُوث؛ لأنها تبحث عن أسرار المنافقين. وتسمَّى المبعثرة، والبعثرة: البحث(٢). الثانية: واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أوّل هذه السورة على أقوالٍ خمسة : الأوّل: أنه قيل: كان من شأن العرب في زمانها في الجاهلية، إذا كان بينهم وبين قومٍ عهد، فإذا أرادوا نَقْضَه كتبوا إليهم كتاباً ولم يكتبوا فيه بسملة، فلما نزلت سورة براءة بنقض العهد الذي كان بين النبيِّ# والمشركين، بعث بها النبيُّ# عليَّ ابن أبي طالب ؛ فقرأها عليهم في الموسم (٣)، ولم يُبسمِل في ذلك على ما جرت (١) أخرجه البخاري (٤٨٨٢)، ومسلم (٣٠٣١). (٢) وللسورة أسماء أخرى، ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٧٨٩/٢ والمحرر الوجيز ٣/٣، والبرهان للزركشي ٢٦٩/١، والإتقان للسيوطي ١/ ١٧٢ - ١٧٣. (٣) خبر إرسال علي بسورة براءة في الموسم عند أحمد (٧٩٧٧)، والبخاري (٤٦٥٥) من حديث أبي هريرة ، وعند أحمد (٥٩٤) من حديث علي ﴾. ٩٤ سورة التوبة: الآية ١ به عادتُهم في نقض العهد مِن ترك البسملة. وقول ثان: روى النَّسائيُّ(١) قال: حدَّثنا محمد بنُ المثَنَّى(٢)، عن يحيى بن سعيد قال: حدَّثنا عَوْف قال: حدَّثنا يزيد الفارسي(٣) قال: قال لنا ابنُ عباس: قلت لعثمان: ما حَمَلَكم إلى أن عمدتُم إلى ((الأنفال)) وهي من المثاني، وإلى ((براءة)) وهي من المِئِين فقرنتُم بينهما، ولم تكتبوا سطرَ: بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتُموها في السبع الطّوال، فما حَمَلَکم على ذلك؟ قال عثمان: إنَّ رسول الله ﴾ کان إذا نزل عليه الشيءُ يدعو بعضَ مَن يكتب عنده فيقول: ((ضعُوا هذه في السورة التي فيها كذا وكذا)). وتنزلُ عليه الآيات فيقول: ((ضعُوا هذه الآياتِ في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا)). وكانت ((الأنفال)) من أوائل ما أنزل، و((براءة)) من آخِر القرآن، وكانت قصَّتُها شبيهةً بقصتها، وقُبض رسولُ الله ﴾ ولم يبيِّن لنا أنها منها، فظننتُ أنها منها، فمِن ثَمَّ قَرنتُ بينهما، ولم أكتب بينهما سطرَ: بسم الله الرحمن الرحيم. وخرَّجه أبو عيسى الترمذيُّ وقال: هذا حديثٌ حَسَن(٤). وقول ثالث رُوي، عن عثمان أيضاً. وقاله(٥) مالكٌ فيما رواه ابنُ وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم: إنه لمَّا سقط أولُها سقط: بسم الله الرحمن الرحيم معه. (١) في السنن الكبرى (٧٩٥٣). وهو عند أحمد (٣٩٩)، وأبي داود (٧٨٦)، والترمذي (٣٠٨٦). (٢) في النسخ: روى النسائي قال حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن المثنى، والمثبت من سنن النسائي، وهو كذلك في التحفة ٢٦١/٧ . (٣) في (٥) و(ز) و(م): الرقاشي، وفي (خ) و(ظ): الرواسي، وكلاهما خطأ، والمثبت من المصادر. (٤) حديث ضعيف، فقد انفرد بروايته يزيد الفارسي، ويكاد يكون مجهولاً، كما ذكر الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في المسند (٣٩٩)، وقال: لا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به. وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن، الثابتة بالتواتر القطعي قراءةً وسماعاً وكتابة في المصاحف، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور، كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه، وحاشاه من ذلك، فلا علينا إذا قلنا: إنه حديث لا أصل له؛ تطبيقاً للقواعد الصحيحة التي لا خلاف فيها بين أئمة الحديث. اهـ وينظر في شرح المثاني والمئين ما سلف ١٧٦/١ . (٥) في (م): وقال. ٩٥ سورة التوبة: الآية ١ ورُوي ذلك عن ابن عَجْلان أنه بلغه أنَّ سورة براءة كانت تَعدِل البقرةَ أو قُربَها، فذهب منها؛ فلذلك لم يُكتب بينهما: بسم الله الرحمن الرحيم (١). وقال سعيد بن جُبير: كانت مثلَ سورة البقرة(٢). وقول رابع: قاله خارجةُ وأبو عِصْمة وغيرُهما؛ قالوا: لمَّا كتبوا المصحفَ في خلافة عثمان؛ اختلف أصحابُ رسول الله #، فقال بعضهم: براءة والأنفال سورةٌ واحدة. وقال بعضهم: هما سورتان. فتُركت بينهما فُرْجةٌ لقولٍ مَن قال: هما سورتان، وتُركت: بسم الله الرحمن الرحيم لقول مَن قال: هما سورةٌ واحدة؛ فرضِيَ الفريقان معاً، وثبتت حجَّتاهما في المصحف(٣). وقول خامس: قال عبد الله بنُ عباس: سألت عليَّ بن أبي طالب: لِمَ لْم يُكتب في ((براءة)) بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأنَّ بسم الله الرحمن الرحيم أمان؛ و (براءة)) نزلت بالسيف ليس فيها أمان (٤). ورويّ معناه عن المبرِّد قال(٥): ولذلك لم يُجمع بينهما؛ فإنَّ بسم الله الرحمن الرحيم رحمة، وبراءةُ نزلت سخطة. ومثلُه عن سفيان؛ قال سفيان بن عيينة: إنما لم يكتب في صدر هذه السورة: بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن التسميةَ رحمة، والرحمةُ أمان، وهذه السورةُ نزلت في المنافقين وبالسيف، ولا أمان للمنافقين(٦). والصحيح أنَّ التسمية لم تكتب؛ لأنَّ جبريل عليه السلام ما نزل بها في هذه السورة؛ قاله القشيريّ. وفي قول عثمان: قُبضَ رسولُ اللـه ﴿ ولم يبيِّن لنا أنها منها (٧)، دليلٌ على أنَّ (١) أحكام القرآن لابن العربي ٨٧٩/٢ - ٨٨٠، ولم نقف على هذا القول عن عثمان ﴾. (٢) المحرر الوجيز ٣/٣ . (٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣/٣ دون نسبة. (٤) أخرجه الحاكم ٣٣٠/٢ . (٥) قوله في معاني القرآن للزجاج ٤٢١/٢ . (٦) زاد المسير ٣٩٠/٣. (٧) وقد سلف الكلام على ضعف هذا القول، وهو القول الثاني. ٩٦ سورة التوبة: الآية ١ السُّور كلَّها انتظمت بقوله وتبيينه، وأنَّ ((براءة)) وحدَها ضُمَّت إلى ((الأنفال)) من غير عهدٍ من النبيِّ#؛ لمَا عاجلَه من الحِمام قبل تبيينِه ذلك. وكانتا تُدعيان: القرِينَتَين(١)، فوجبَ أن تُجمعا وتضمَّ إحداهما إلى الأخرى؛ للوصف الذي لَزِمَهما من الاقتران ورسول الله ټ# حيّ. الثالثة: قال ابنُ العربيّ (٢): هذا دليلٌ على أنَّ القياس أصلٌ في الدين، ألَّا ترى إلى عثمان وأعيانِ الصحابةِ كيف لجؤوا إلى قياس الشَّبَه عند عَدَم النص، ورأوا أنَّ قصة ((براءة)) شبيهةٌ بقصة ((الأنفال)) فألحقوها بها؟ فإذا كان اللهُ تعالى قد بيَّن دخولَ القياس في تأليف القرآن، فما ظنُّك بسائر الأحكام. الرابعة: قوله تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ﴾ تقول: برِئت من الشيء أبرأ براءةً، فأنا منه بريء: إذا أزلتَه عن نفسك، وقطعتَ سببٌ ما بينَك وبينه(٣). و(بَرَاءَةٌ)) رفع على خبر ابتداءٍ مضمَر، تقديره: هذه براءة. ويصحُّ أن تُرفعَ بالابتداء، والخبر في قوله: ((إلى الذين)). وجاز الابتداءُ بالنكرة لأنها موصوفة، فتعرَّفت تعريفاً مَّا، وجاز الإخبارُ عنها (٤). وقرأ عيسى ابنُ عمر: ((براءةً))؛ بالنصب، على تقدير: التزمُوا براءةً، ففيها معنى الإغراء(٥). وهي مصدرٌ على فَعالة، كالشَّناءة والدَّناءة. الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يعني إلى الذين عاهدَهم رسولُ الله ﴿؛ لأنه كان المتولِّيَ للعقود، وأصحابُه بذلك كلَّهم راضون، فكأنهم عاقدوا وعاهدوا، فنُسب العقدُ إليهم. وكذلك ما عقدَه أئمةُ الكفر على قومهم منسوبٌ إليهم؛ محسوبٌ عليهم يؤاخذون به، إذ لا يمكن غيرُ ذلك؛ فإنَّ تحصیل الرِّضا من (١) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٣٩٨/٢ عن عثمان﴾. (٢) في أحكام القرآن ٢/ ٨٨١ . (٣) المصدر السابق. (٤) المحرر الوجيز ٤/٣، وينظر معاني القرآن للزجاج ٤٢٨/٢ . (٥) المحرر الوجيز ٤/٣، والقراءة في القراءات الشاذة ص٥١. ٩٧ سورة التوبة: الآيتان ١ - ٢ الجميع متعذِّر، فإذا عقدَ الإمامُ لمَا يراه من المصلحة أمراً لَزِم جميعَ الرعايا(١). قوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِىِ اللهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِى الْكَفِرِينَ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ﴾ رجع من الخبر إلى الخطاب، أي: قُلْ لهم: سِيحُوا، أي: سِيرُوا في الأرض مُقبِلين ومُدبرين، آمِنين غيرَ خائفين أحداً من المسلمين بحرب ولا سَلْبٍ ولا قتل ولا أسر. يقال: ساح فلانٌ في الأرض يسبح سِياحةٌ وسُيُوحاً [وسَيْحاً] وسَيَحاناً(٢)، ومنه السَّيح في الماء الجاري المنبسِط، ومنه قولُ طَرَفَةَ بنِ العبد(٣): لو خفتُ هذا منكَ ما نِلْتَني حتى ترى خيلاً أمامي تَسِيخ الثانية: واختلف العلماءُ في كيفية هذا التأجيل، وفي هؤلاء الذين بَرِئ اللهُ منهم ورسولُه، فقال محمد بنُ إسحاق وغيرُه: هما صِنفان من المشركين؛ أحدهما کانت مدَّةُ عهده أقلّ من أربعة أشهر، فأُمهل تمامَ أربعة أشهر، والآخر كانت مدَّة عهده بغير أجلٍ محدود، فقُصر به على أربعة أشهر ليرتادَ لنفسه، ثم هو حَرْبٌ بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين، يُقتل حيث ما أُدرك ويُؤسَر إلَّ أن يتوب. وابتداءُ هذا الأجل يومُ الحجِّ الأكبر، وانقضاؤه إلى عشرٍ من شهر ربيعِ الآخِر. فأمَّا مَن لم يكن له عهدٌ فإنما أجَلُه انسلاخُ الأربعة الأشهر الحُرُم. وذلك خمسون يوماً: عشرون من ذي الحِجَّة، والمحرَّم(٤). (١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٨٨١/٢ . (٢) الصحاح (سيح)، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) المحرر الوجيز ٤/٣ ولم نقف عليه في ديوانه. (٤) ذكر هذا القول ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ١٧٢ عن ابن عباس وقتادة والضحاك، وأخرجه عنه الطبري ٣٠٦/١١ - ٣٠٧ وينظر السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٥٤٣ - ٥٤٦ . ٩٨ سورة التوبة: الآية ٢ وقال الكَلْبيُّ: إنما كانت الأربعةُ الأشهر لمن كان بينه وبين رسولِ الله # عهدٌ دون أربعة أشهر، ومَن كان عهده أكثرَ من أربعة أشهر فهو الذي أمر اللهُ أن يُتَمَّ له عهدُه بقوله: ﴿فَأَنِّقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّتِهِمْ﴾ وهذا اختيارُ الطبريِّ(١) وغيرِه. وذكر محمد بنُ إسحاق ومجاهدٌ وغيرهما: أنَّ هذه الآيةَ نزلت في أهل مكة. وذلك أنَّ رسول الله ﴿ صالح قريشاً عامَ الحُدَيْنِيَة على أن يضعوا الحربَ عشر سنين، يأمن فيها الناسُ ويكفُّ بعضُهم عن بعض، فدخلت خُزاعة في عهد رسول الله ﴾، ودخل بنو بكر في عهد قريش، فعَدَتْ بنو بكر على خُزاعةً ونقضوا عهدهم(٢). وكان سببُ ذلك دماً كان لبني بكر عند خُزاعةً قبل الإسلام بمدة؛ فلما كانت الهُدْنةُ المنعقدة يوم الحديبية، أمِن الناسُ بعضهم بعضاً؛ فاغتنم بنو الدِّيل من بني بكر - وهم الذين كان الدمُ لهم - تلك الفرصةَ وغَفْلةَ خُزاعة، وأرادوا إدراكَ ثأرٍ بني الأسود بنِ رزن، الذين قتلهم خُزاعة، فخرج نوفل بنُ معاوية الدِّيلي فيمن أطاعه من بني بكر بنِ عبد مَناة، حتى بيَّتوا خُزاعةً واقتتلوا، وأعانت قريشٌ بني بكر بالسلاح، وقومٌ من قريش أعانوهم بأنفسهم؛ فانهزمت خُزاعةُ إلى الحَرَم على ما هو مشهورٌ مسطور، فكان ذلك نقضاً للصلح الواقع يوم الحديبية، فخرج عمرو بنُ سالم الخُزاعيُّ وبُديل بنُ وَزْقاء الخُزاعيُّ وقومٌ من خُزاعة، فقدِموا على رسول الله ﴾ مستغيثين به فيما أصابهم به بنو بكر وقريش (٣)، وأنشده عمرو بنُ سالم فقال(٤): يا ربِّ إني ناشدٌ محمداً حِلْفَ أبينا وأبيه الأَثْلَدا(٥) (١) في التفسير ٣١١/١١، وأخرج أيضاً قول الكلبي. (٢) تفسير البغوي ٢٦٦/٢ . (٣) الدرر في اختصار المغازي والسير ص ٢٥٠ . والخبر بتمامه في السيرة النبوية لابن هشام ٣٨٩/٢ وما بعدها. (٤) تنظر هذه الأبيات في السيرة النبوية ٢/ ٣٩٤، ومصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٨٢، وأخبار مكة للفاكهي (٢٩١٤)، ودلائل النبوة للبيهقي ٦/٥، والاستيعاب على هامش الإصابة ٣٠٤/٨، والمنمق لابن حبيب ص٩٢ - ٩٣ . (٥) الأتلد: القديم. الإملاء المختصر في شرح المغازي والسير ٧٥/٣ . ٦ ٩٩ سورة التوبة: الآية ٢ كنتَ لنا أباً وكنَّا وَلَدا (١) ثُمَّتَ أسلمنا ولم ننزع يدًا وائعُ عبادَ الله يأتوا مَدّدا فانصرْ هداكَ اللهُ نصراً أعْتَدَا(٢) أبيضُ مثل الشمس(٣) يَنْمُو صُعُدا فيهم رسولُ الله قد تجرَّدا في فَيْلَقٍ كالبحر يجري مُزْبِدا إن سِيمَ خَسْفاً وجهُه تَربَّدا ونقضُوا ميثاقَك المؤكَّدا إِنَّ قريشاً أخلفوك المَوعِدا وهم أذلُّ وأقلُّ عَدَدا وزعموا أنْ لستَ تدعو أحدا وقَتَّلونا رَُّعاً وسُجَّدا هم بيَّتُونا بالحطيم(٤) مُجَّدا فقال رسول الله﴾: ((لا نُصِرتُ إن لم أنصر بني كعب)). ثم نظر إلى سحابةٍ فقال: ((إنها لَتَستَهِلُّ لنَصر بني كعب)) يعني خُزاعة. وقال رسول الله ﴿ لبديل بن وَرْقاء ومَن معه: ((إنَّ أبا سفيان سيأتي ليَشُدَّ(٥) العقدَ ويزيدَ في الصلح، وسينصرف بغير حاجة))(٦). وندمت قريشٌ على ما فعلت، فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليستديمَ(٧) العقدَ ويزيدَ في الصلح، فرجع بغير حاجةٍ كما أخبر رسولُ الله﴾، على ما هو معروفٌ من خبره. (١) كذا في النسخ، وفي سيرة ابن هشام: قد كنتمُ وُلْداً وكنا والدا، وفي الاستيعاب: ووالداً كنا وكنت ولداً، وبنحو هذا وقعت في باقي المصادر. قال السهيلي في الروض الأنف ٩٧/٤ : يريد أن بني عبد مناف أمهم من خزاعة، وكذلك قصي أمه فاطمة بنت سعد الخزاعية. (٢) في النسخ: عتدا، والمثبت من المصادر. ونصراً أعتدا، أي: حاضراً. الإملاء المختصر ٧٥/٣ . (٣) في بعض المصادر: مثل البدر، ولم يرد هذا البيت في بعضها الآخر. (٤) هو حِجْرُ الكعبة، أو جداره. أو ما بين الركن وزمزم والمقام. القاموس (حطم)، ووقع في المصادر: الوتير، وهو ماء أسفل مكة لخزاعة. (٥) في (ظ): ليستدیم. (٦) الدرر ص ٢٥٠، وبنحوه في السيرة النبوية لابن هشام ٣٩٥/٢. وأخرج الخبر بنحوه الطبراني في الكبير ٢٣/(١٠٥٢) من حديث ميمونة رضي الله عنها، والبيهقي في دلائل النبوة ٥/٥ - ٧ من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة. وابن أبي شيبة ١٤/ ٤٧٣ - ٤٧٤ عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. (٧) في الدرر والسيرة ودلائل النبوة للبيهقي: ليشد. ١٠٠ سورة التوبة: الآية ٢ وتجهّزَ رسولُ الله # إلى مكة، ففتحها الله، وذلك في سنة ثمانٍ من الهجرة. فلما بلغَ هوازنَ فتحُ مكة؛ جمعهم مالك بنُ عَوْف النَّصْريُّ، على ما هو معروفٌ مشهور من غَزاة حُنَّيْن. وسيأتي بعضُها(١). وكان الَّفَرُ والنصر للمسلمين على الكافرين. وكانت وقعةُ هوازن يوم حنينٍ في أوّل شوّال من السَّنَة الثامنة من الهجرة. وترك رسولُ الله:﴿ قَسْمَ الغنائم من الأموال والنساء، فلم يَقْسمها حتى أتى الطائف، فحاصرهم رسولُ الله ﴾ بِضْعاً وعشرين ليلة. وقيل غير ذلك. ونصب عليهم المَنْجَنِيقَ ورماهم به، على ما هو معروفٌ من تلك الغَزاة. ثم انصرف رسولُ الله﴾ إلى الجِعْرانة(٢)، وقَسَمَ غنائم حُنين، على ما هو مشهورٌ من أمرها وخبرها. ثم انصرف رسول الله # وتفرَّقوا، وأقام الحجَّ للناس عَتَّب بنُ أَسِيد في تلك السنة. وهو أوّلُ أميرٍ أقام الحجَّ في الإسلام. وحجَّ المشركون على مشاعرهم. وكان عتَّاب بنُ أَسِيد خيِّراً فاضلاً ورِعاً. وقَدِمَ كعب بنُ زُهير بنِ أبي سُلْمَى إلى رسول الله ﴾ وامتدحه، وأقامَ على رأسه بقصيدته التي أوّلُها : بانت سُعادُ فقلبي اليومَ متبولُ(٣) وأنشدها إلى آخرها، وذکر فیها المهاجرین، فأثنی علیھم - وكان قبل ذلك قد حُفظ له هِجاءٌ في النبيِّ :# - فعاب عليه الأنصارُ إذ لم يذكرهم؛ فغدا على النبيِّ ◌ِ بقصيدة يمتدح فيها الأنصارَ(٤)، فقال: مَن سَرَّه كرمُ الحياةِ فلا يزلْ في مِقْنَبٍ(٥) من صالحي الأنصارِ (١) عند تفسير الآية (٢٥) من هذه السورة. (٢) موضع قريب من حُنين. الدرر ص٢٧٦ والكلام منه. (٣) وعجزه: متيَّم إثرها لم يُقْدَ مَكْبولُ، والقصيدة في ديوان كعب ص٨٤ . (٤) الدرر ص ٢٨٥، ولم تُذكر فيه قصيدة كعب، وهي في ديوانه ص ٤٣ ، والسيرة النبوية لابن هشام ٥١٤/٢، ومنتهى الطلب ٨٩/١، والخزانة ١٢٣/١٠. (٥) المقنب: جماعة الخيل والفرسان، وقيل: هي دون المئة. اللسان (قنب).