Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة الأنفال: الآية ٤١
والمِلْك، وإنما هي لبيان المَصْرِفِ والمَحَلّ(١). والدليل عليه ما رواه مسلمٌ(٢) أنَّ
الفضل بنَ عباس وعبد المطلب بن ربيعة (٣) أتيا النبيَّ ﴾، فتكلَّم أحدُهما فقال: يا
رسول الله، أنت أبرُّ الناس وأوصلُ الناس، وقد بلغْنا النِّكاح، فجئنا لتؤمِّرَنا على
بعض هذه الصَّدقات، فنؤدِّيَ إليك كما يؤدِّي الناس، ونُصيبَ كما يصيبون. فسكت
طويلاً حتى أردنا أن نكلِّمَه. قال: وجعلت زينبُ تُلْمِعُ إلينا من وراء الحجاب ألَّا
تكلِّماه، قال ثم قال: ((إنَّ الصدقة لا تَحِلُّ لآل محمد، إنما هي أوساخُ الناس. أُدْعُوَا
لي مَحْمِيَةَ(٤) - وكان على الخُمس ـ ونَوْفَلَ بنَ الحارث بنِ عبد المطلب)) قال:
فجاءاه، فقال لمخمية: ((أُنْكِخ هذا الغلام ابنتك)) - للفضل بن عباس - فانگحه. وقال
لنوفل بن الحارث: ((أنْكِح هذا الغلامَ ابنتك)) - يعني عبد المطلب بن ربيعة - وقال
لِمخمیة: «أَضدِقْ عنهما من الخُمس كذا وكذا)).
وقال ﴾: ((مالي مما أفاء اللهُ عليكم إلا الخُمس، والخُمسُ مردودٌ علیکم)). وقد
أُعطى جميعَه وبعضَه، وأعطى منه المؤلَّفةَ قلوبُهم وليس ممن ذكرهم الله في التقسيم،
فدلَّ على ما ذكرناه، والموفِّقُ الإله(٥).
الثانية عشرة: واختلف العلماءُ في ذوي القربى على ثلاثة أقوال: قريش كلُّها؛
قاله بعضُ السلف(٦)؛ لأن النبيَّ :﴿ لَمَّا صَعِدَ الصَّفا جعل يهتف: «يا بني فلان، یا
بني عبدٍ مَناف، يا بني عبد المطلب، يا بني كعب، يا بني مُرَّة، يا بني عبدٍ شمس،
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٨٤٨/٢ .
(٢) برقم (١٠٧٢)، وهو عند أحمد (١٧٥١٩).
(٣) في النسخ: ربيعة بن عبد المطلب في الموضعين، والصواب ما أثبتناه. وهو عبد المطلب بن ربيعة بن
الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، سكن الشام في أيام عمر، وتوفي في دولة يزيد، وقيل: سنة
(٦١ هـ). السير ١١٢/٣.
(٤) هو ابن جَزْء الزبيدي.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٨٤٨/٢، وسلف الحديث في المسألة السابقة.
(٦) تفسير الطبري ٢/ ٨٤٥، والنكت والعيون ٣٢٠/٢، وتفسير البغوي ٢٤٩/٢ .

٢٢
سورة الأنفال: الآية ٤١
أنقذوا أنفسكم من النار)) الحديث. وسيأتي في ((الشعراء))(١).
وقال الشافعيُّ وأحمد وأبو ثَوْر ومجاهدٌ وقتادة وابن جُريج ومسلم بنُ خالد: بنو
هاشم وبنو عبد المطلب(٢)؛ لأنَّ النبيَّ﴾ لمَّا قسم سهمَ ذوي القُرْبى بين بني هاشم
وبني عبد المطلب قال: ((إنهم لم يُفارقوني في جاهليةٍ ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو
المطّلب شيءٌ واحد))، وشبَّك بين أصابعه. أخرجه النَّسائيُّ والبخاريّ(٣).
قال البخاريّ(٤): قال الليث: حدثني يونُس، وزاد: [قال جبير:] ولم يَقْسم
النبيُّ # لبني عبد شمسٍ ولا لبني نَوْفل شيئاً. قال ابن إسحاق: وعبدُ شمس وهاشمٌ
والمطّلب إخوةٌ لأمّ، وأمّهم عاتكة بنتُ مُرَّة. وكان نوفل أخاهم لأبيهم.
قال النَّسائيّ(٥): وأسهمَ النبيُّ# لذوي القُربى، وهم بنو هاشم وبنو المطّلب،
بينهم الغنيُّ والفقير. وقد قيل: إنه للفقير منهم دون الغنيٍّ، كاليتامى وابن السبيل،
وهو أشبهُ القولين بالصواب عندي، والله أعلم. والصغيرُ والكبير والذَّكَر والأنثى
سواء؛ لأن الله تعالى جعل ذلك لهم، وقسمه رسولُ الله8# فيهم. وليس في الحديث
أنه فضَّل بعضهم على بعض.
الثالث: بنو هاشم خاصَّة؛ قاله مجاهد وعليُّ بنُ الحسين(٦). وهو قول مالكٍ
(١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ الآية (٢١٤)، والحديث عند أحمد (٨٤٠٢)،
والبخاري (٤٧٧١)، ومسلم (٢٠٦) عن أبي هريرة ﴾﴾.
(٢) الاستذكار ١٨٧/٤ .
(٣) صحيح البخاري (٣١٤٠)، وسنن النسائي (المجتبى) ١٣٠/٧ - ١٣١، وهو عند أحمد (١٦٧٤١)،
وهو من حديث جبير بن مطعم ﴾.
(٤) في صحيحه إثر الحديث المذكور، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٥) بنحوه في المجتبى ١٣٥/٧، والسنن الكبرى إثر الحديث (٤٤٣٣).
(٦) أخرجه عنهما الطبري ١٩٣/١١ - ١٩٤، وأخرج أحمد (٢٢٣٥)، ومسلم (١٨١٢)، والطبري ١٩٤/١١
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كتب لمن أرسل يسأله عن سهم ذوي القربى: إنا كنا نزعم أنا نحن
هم، فأبى ذلك علينا قومنا.

٢٣
سورة الأنفال: الآية ٤١
والثَّوريِّ والأوزاعيِّ وغيرهم(١).
الثالثة عشرة: لمَّا بَيَّنَ اللهُ عزَّ وجلَّ حُكمَ الخُمس وسكتَ عن الأربعة الأخماس،
دلَّ ذلك على أنها مِلكٌ للغائمين. وبيَّنَ النبيُّ﴾ ذلك بقوله: ((وأيُّما قريةٍ عصت اللهَ
ورسوله، فإنَّ خُمسَها لله ورسوله، ثم هي لكم)). وهذا ما لا خلافَ فيه بين الأمة ولا
بين الأئمة؛ على ما حكاه ابنُ العربيِّ في ((أحكامه))(٢) وغيرُه. بَيْدَ أنَّ الإمام إن رأى أنْ
يَمُنَّ على الأُسارى بالإطلاق فعل، وبطلت حقوقُ الغانمين فيهم (٣)؛ كما فعل النبيُّ ﴾
بُثُمامة بنِ أُثال(٤) وغيرِهِ، وقال: ((لو كان المُطْعِم بنُ عَدِيٍّ حيّاً ثم كلَّمني في هؤلاء
النَّثْنَى - يعني أُسارى بدر - لتركتُهم له)) أخرجه البخاريّ(٥)؛ مكافأةً له لقيامه في شأن
نَقْضِ الصحيفة(٦). وله أن يقتلَ جميعَهم؛ وقد قتل رسولُ الله ﴿ عُقبة بن أبي مُعَيط من
بين الأَسرى صَبْراً (٧)، وكذلك النضر بن الحارث؛ قتله بالصفراء صَبْراً (٨)، وهذا ما لا
خلافَ فيه (٩).
وكان لرسول الله ﴿ سهمٌ كسهم الغانمين، حضرَ أو غابَ. وسهمُ الصَّفِيّ؛
(١) الاستذكار ١٨٦/١٤.
(٢) ٢/ ٨٥١، والحديث أخرجه أحمد (٨٢١٦)، ومسلم (١٧٥٦) عن أبي هريرة ﴾.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٥١.
(٤) أخرجه أحمد (٩٨٣٣)، والبخاري (٤٦٢)، ومسلم (١٧٦٤) من حديث أبي هريرة﴾. وقد سلف ٤٢٢/٢ .
(٥) في صحيحه (٣١٣٩)، وهو عند أحمد (١٦٧٣٣)، وهو من حديث جبير بن مطعم ﴾.
(٦) السيرة النبوية لابن هشام ٣٧٥/١، ودلائل النبوة لأبي نعيم ٣٦٢/١، ودلائل النبوة للبيهقي ٣١٤/٢ .
(٧) أخرجه عبد الرزاق (٩٣٩٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٨) السيرة النبوية ٦٤٤/١، وأخرجه أبو عبيد في الأموال ص١٧١، وابن أبي شيبة ١٤/ ٣٧٢، وأبو
داود في المراسيل (٣٣٧) عن سعيد بن جبير، ووصله الطبراني في الأوسط (٣٨١٣) بذكر ابن عباس.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٩٠ : رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن حماد بن نمير،
ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وينظر التلخيص الحبير ١٠٨/٤ .
(٩) الأموال ص١٧١ .

٢٤
سورة الأنفال: الآية ٤١
يصطفي سيفاً أو سهماً أو خادماً أو دابَّة. وكانت صَفِيَّة بنتُ حُبَيٍّ من الصَّفِيِّ من غنائم
خَيْبر (١). وكذلك ذو الفَقَار كان من الصَّفيّ(٢). وقد انقطع بموته؛ إلَّ عند أبي ثَوْر؛
فإنه رآه باقياً للإمام يجعلُهُ(٣) مجعلَ سهم النبيِّ ﴾. وكانت الحكمةُ في ذلك أنَّ أهل
الجاهلية كانوا يَرَون للرئيس ربعَ الغنيمة. قال شاعرهم:
لك المِرْباعُ منها والصَّفايا وحُكْمُك والنَّشِيطةُ والفُضولُ(٤)
وقال آخر:
مِنَّا الذي رَبَع الجيوشَ لصُلبه
عشرون وهْو يُعَدُّ في الأحياءِ (٥)
يقال: رَبَعَ الجيشَ يَرْبَعه رَباعةً: إذا أخذ رُبعَ الغنيمة. قال الأصمعيُّ: رَبَع في
الجاهلية، وخَمس في الإسلام(٦)؛ فكان يأخذ بغير شرعٍ ولا دِينِ الرُّبعَ من الغنيمة،
ويصطفي منها، ثم يتحكّم بعدَ الصَّفيّ في أيِّ شيءٍ أراد، وكان ما شذَّ منها وما فضّل
من خُرْئيٍّ ومتاعٍ له. فأَحكمَ الله سبحانه الدِّينَ بقوله: ﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَ
لِلَّهِ مُسَهُ﴾. وأَبقى سهمَ الصَّفيِّ لنبيِّهِ ﴾، وأسقط حكمَ الجاهلية(٧).
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٩٤) عن عائشة رضي الله عنها. وفي الباب عن أنس ﴾ عند أحمد (١١٩٩٢)،
والبخاري (٢٨٩٣)، ومسلم في كتاب النكاح (١٣٦٥): (٨٤).
(٢) أخرجه الترمذي (١٥٦١)، وابن ماجه (٢٨٠٨)، وابن المنذر في الأوسط ٩١/١١ من حديث ابن
عباس رضي الله عنهما. وقال صاحب القاموس (فقر): ذو الفقار سيف العاص بن منبِّه؛ قتل يوم بدر
كافراً، فصار إلى النبي #، ثم صار إلى عليه. وذكر ابن الأثير في النهاية (فقر): أنه كان فيه حُفر
صغار حسان؛ قال: والمفقّر من السيوف الذي فيه حزوز مطمئنة.
(٣) في أحكام القرآن لابن العربي ٨٤٨/٢ (والكلام منه): فجعله، وقال ابن المنذر في الأوسط ٩٦/١١ :
ولا أعلم أحداً وافق أبا ثور على ما قال.
(٤) قائله عبد الله بن عَنّمَة، وهو في الأصمعيات ص٣٧، والبيان والتبيين ١/ ٣٨١، والمعاني الكبير
٩٤٩/٢، وشرح الحماسة المرزوقي ١٠٢٤/٣ . قال ابن قتيبة: النشيطة: ما أخذوه في قّفْلهم.
والفضول: ما فضل عن القَسْم. وسيأتي تتمة شرح البيت.
(٥) قائله أبو النجم العجلي، وهو في ديوانه ص٤٤، وأمالي القالي ١٤٤/١، ورواية الديوان: عُدُّوا
كمن رّبَع ...
(٦) أمالي القالي ١/ ١٤٤.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٨٤٨/٢، وقد قال هذا الكلام في شرح بيت عبد الله بن عَنّمَة المذكور.
والخُرْئيُّ: أردأ المتاع والغنائم وأسقاطُهما، جمعها: الخَرائيُّ. معجم متن اللغة (خرث).

٢٥
سورة الأنفال: الآية ٤١
وقال عامرٌ الشَّعْبيُّ: كان لرسول اللـه ﴿ سهمٌ يُدعَى الصَّفيَّ، إن شاء عبداً أو أَمَةً
أو فرساً يختاره قبل الخُمس؛ أخرجه أبو داود(١).
وفي حديث أبي هريرة قال: فيلقَى العبدَ فيقول: ((أيْ فُلْ، ألم أُكرِمْكَ وأَسَوِّدْك
وأزوّجْك، وأسَخِّرْ لك الخيلَ والإِبل، وأذَرْك تَرْأَسُ وتَرْبَع)) الحديث. أخرجه
مسلم (٢). (تربَع)) بالباء الموحّدة من تحتها: تأخذ المِرْباع، أي: الرُّبع مما يحصل
لقومك من الغنائم والكسب.
وقد ذهب بعضُ أصحاب الشافعيِّ ﴾ إلى أنَّ خُمس الخُمسِ كان للنبيِّ ﴾؛
يصرفُه في كفاية أولاده ونسائه، ويدَّخر مِن ذلك قوتَ سَنَتِه، ويصرف الباقيَ في
الكُراعِ والسِّلاح(٣). وهذا يردُّه ما رواه عمرُ قال: كانت أموال بني النَّضِير مما أفاء
اللهُ على رسوله مما لم يُوجِفْ عليه المسلمون بخيلٍ ولا ركاب، فكانت للنبيِّ #
خاصَّة، فكان ينفق على نفسه منها قُوتَ سَنة، وما بقي جعله في الكُراع والسلاح عُدَّةً
في سبيل الله. أخرجه مسلم(٤). وقال: ((والخمس مردودٌ عليكم)) (٥).
الرابعة عشرة: ليس في كتاب الله تعالى دلالةٌ على تفضيل الفارس على الراجل،
بل فيه أنهم سواء؛ لأن الله تعالى جعل الأربعة الأخماسِ لهم، ولم يَخُصَّ راجلاً مِن
فارس. ولولا الأخبارُ الواردة عن النبيِّ لكان الفارسُ كالراجل، والعبدُ كالحرّ،
والصبيُّ كالبالغ(٦).
(١) في سننه (٢٩٩١).
(٢) برقم (٢٩٦٨)، وسلف ٣٤١/٨ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٨٤٩/٢. والكُراع: اسم يجمع الخيل. القاموس (كرع).
(٤) برقم (١٧٥٧)، وهو عند أحمد (١٧١)، والبخاري (٢٩٠٤). قال ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٨٥٠ :
ثبت أن خيبر وفَدَك وبني النضير كانت لقوت رسول الله ﴾ لنفسه وعياله سنة، لا خُمس الخُمس الذي
ادعاه أصحاب الشافعي.
(٥) سلف في المسألة الحادية عشرة.
(٦) الأوسط ١٥٣/١١، وأحكام القرآن لابن العربي ٨٥١/٢ .

٢٦
سورة الأنفال: الآية ٤١
وقد اختلف العلماءُ في قسمة الأربعة الأخماس؛ فالذي عليه عامَّةُ أهلِ العلم
فيما ذكر ابنُ المنذر(١) أنه يُسْهم للفرس(٢) سهمان، وللرجل(٣) سهمٌ. وممن قال ذلك
مالك بن أنس ومَن تَبِعه من أهل المدينة، وكذلك قال الأوزاعيُّ ومَن وافقه من أهل
الشام، وكذلك قال الثَّوريُّ ومَن وافقه من أهل العِراق. وهو قول اللَّيث بن سعد ومَن
تبعه من أهل مصر، وكذلك قال الشافعيُّ ﴾ وأصحابُه، وبه قال أحمد بن حنبل
وإسحاقُ وأبو ثور ويعقوبُ ومحمد.
قال ابن المنذر(٤): ولا نعلم أحداً خالف في ذلك إلا النُّعمان؛ فإنه خالف فيه
السنَنَ وما عليه جُلُّ(٥) أهلِ العلم في القديم والحديث. قال: لا يُسْهَم للفرس(٦) إلا
سهمٌ واحد.
قلت: ولعله شُبِّه علیه بحديث ابنِ عمر: أنّ رسول الله # جعل للفارس سهمین،
وللراجل سهماً. خرَّجه الدَّارَ قُظْنيُّ(٧) وقال: قال الرَّمَاديُّ: كذا يقول ابنُ نُمَير. قال لنا
النَّيسابوري: هذا عندي وَهمٌ من ابن أبي شيبة أو من الرَّمادي؛ لأن أحمد بن حنبل
وعبد الرحمن بنَ بِشْر وغيرهما رَوَوْه عن ابن نمير (٨) بخلاف هذا، وهو أنَّ رسول الله ﴾
أسهم للرجل ولفرسه ثلاثةً أسهم، سهماً له وسهمین لفرسه؛ هکذا رواه عبد الرحمن
ابنُ بشر، عن عبد الله بن نُمَير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر،
(١) في الأوسط ١٥٥/١١.
(٢) في (د) و(ظ) و(م): للفارس، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في الأوسط، وهو الصواب.
(٣) في النسخ: وللراجل، والمثبت من الأوسط، وهو الصواب.
(٤) في الأوسط ١١/ ١٥٥ - ١٥٦.
(٥) في (د) والأوسط: جُمل.
(٦) في (د) و(م): للفارس.
(٧) في سننه (٤١٨٠).
(٨) في النسخ: عن ابن عمر، والمثبت من سنن الدارقطني، وابن نمير هو عبد الله بن نمير، والرمادي هو
أحمد بن منصور، والنيسابوري هو أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد الشافعي شيخ الدارقطني، وهم
جميعاً من رجال الإسناد في هذا الحديث.

٢٧
سورة الأنفال: الآية ٤١
وذَكَر الحديث(١).
وفي صحيح البخاريِّ عن ابن عمر أنَّ رسول اللـه ﴾ جعل للفرس سهمين،
ولصاحبه سهماً(٢). وهذا نَصِّ.
وقد روى الدَّارَ قُطْنيُّ عن الزُّبير قال: أعطاني رسولُ الله ﴾ أربعةَ أسهم يومَ بدر:
سهمين لفرسي، وسهماً لي، وسهماً لأمِّ من ذوي القرابة. وفي رواية: وسهماً لأمِّه
سهم ذوي القربى(٣).
وخرَّج عن بشير بن عمرو بن محصن قال: أَسهمَ رسولُ الله﴾ لفرسَيَّ أربعةً
أسهم، ولي سهماً؛ فأخذتُ خمسةَ أسهم (٤).
وقيل: إنَّ ذلك راجعٌ إلى اجتهاد الإمام، فيُنْفِذ ما رأى. والله أعلم.
الخامسة عشرة: لا يفاضَلُ بين الفارس والراجل بأكثرَ مِن فرسٍ واحد؛ وبه قال
الشافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يُسْهم لأكثرَ من فرس واحد؛ لأنه أكثر غناءً(٥) وأعظمُ منفعة؛
وبه قال ابنُ الجَهْم من أصحابنا، ورواه سُحنون عن ابن وهب(٦).
ودليلُنا أنه لم تَرِد روايةٌ عن النبيِّ # بأن يُسهمَ لأكثرَ من فرسٍ واحد، وكذلك
الأئمةُ بعده، ولأن العدوَّ لا يمكن أن يقاتَلَ إلا على فرسٍ واحد، وما زاد على ذلك
(١) أخرجه الدارقطني (٤١٦٦) بهذا الإسناد، وأخرجه (٤١٦٧) من طريق أحمد بن حنبل عن ابن نمير
مثله. ورواه أحمد في المسند (٤٤٤٨) عن هشيم بن بشير وأبي معاوية، عن عبيد الله بن عمر به. وينظر
فتح الباري ٦٨/٦ .
(٢) صحيح البخاري (٢٨٦٣)، وهو عند مسلم (١٧٦٢)، وهو عند أحمد كما سلف في التعليق السابق.
(٣) سنن الدارقطني (٤١٨٧) و(٤١٨٨). وهو عند أحمد (١٤٢٥)، والنسائي في المجتبى ٢٢٨/٦ .
(٤) سنن الدارقطني (٤١٧٧) وهو حديث ضعيف.
(٥) في النسخ: عناءً، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٥١، والكلام منه. وقد ذكر ابن المنذر
في الأوسط ١٥٧/١١، والجصاص في مختصر اختلاف العلماء ٤٤١/٣، وابن عبد البر في الاستذكار
١٤/ ١٧٢ عن أبي حنيفة مثل قول الشافعي.
(٦) ذكره ابن شاس في عقد الجواهر الثمينة ١/ ٥٠٧ .

٢٨
سورة الأنفال: الآية ٤١
فرفاهيةٌ وزيادةُ عُدَّة؛ وذلك لا يؤثِّر في زيادة السُّهمان(١)، كالذي معه زيادةُ سيوفٍ أو
رماح، واعتباراً بالثالث والرابع.
وقد رُوي عن سلیمان بن موسی أنه يُسهم لمن کان عنده أفراس، لکلِّ فرسِ
(٢).
.
سهم
السادسة عشرة: لا يُسهمُ إلَّا للعِتاق من الخيل؛ لِمَا فيها من الكَرِّ والفَرّ، وما
كان من البراذين والهُجْن بمثابتها في ذلك. وما لم يكن كذلك لم يُسهم له(٣).
وقيل: إن أجازها الإمامُ أسهم لها؛ لأنَّ الانتفاع بها يختلف بحسَبِ المواضع،
فالهجنُ والبراذين تصلح للمواضع المتوعِّرة؛ كالشِّعاب والجبال، والعِتاقُ تصلح
للمواضع التي يتأتَّى فيها الكَرُّ والفَرّ؛ فكان ذلك متعلِّقاً برأي الإمام. والعِتاق: خيل
العرب. والهُجْن والبراذين: خيل الروم(٤).
السابعة عشرة: واختلف علماؤنا في الفرس الضعيف؛ فقال أشهب وابنُ نافع:
لا يُسْهَمُ له؛ لأنه لا يمكن القتالُ عليه الآن(٥)، فأَشبَ الکسیر(٦). وقيل: يُسهم له لأنه
يُرجی بُرْؤُه.
ولا يُسهم للأعجف(٧) إذا كان في حيِّزٍ ما لا يُنتفع به، كما لا يُسهم للكَسِيرِ. فَأُمَّا
المريضُ مرضاً خفيفاً مثل الرَّهيص(٨)، وما يجري مَجراه مما لا يمنعه المرضُ عن
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٨٥٢/٢، والمفهم ٥٥٩/٣ .
(٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة ٤٠٥/١٢، وأخرجه عبد الرزاق (٩٣٢١) بلفظ: لكل فرس سهمان.
وكذلك هو في الأوسط ١٥٩/١١، والاستذكار ١٧٣/١٤، والمفهم ٥٥٩/٣ .
(٣) عقد الجواهر الثمينة ١/ ٥٠٧ .
(٤) المعونة ٦١٥/١ - ٦١٦ .
(٥) قوله: الآن، ليس في (خ) و(م).
(٦) المنتقى ١٩٦/٣ .
(٧) العَجَف محركة: ذهاب السِّمَن، وهو أعجف، وهي عجفاء. القاموس (عجف).
(٨) الرهيص: الفرس أصابته الرهصة، وهي وَقْرة تصيب باطن حافره. القاموس (رهص).

٢٩
سورة الأنفال: الآية ٤١
حصول المنفعةِ المقصودة منه، فإنه يُسْهَم له. ويعطَى الفرسُ المستعار والمستأجَر،
وكذلك المغصوبُ؛ وسهمُه لغاصبه(١).
ويستحَقُّ السهمُ للخيل وإن كانت في السفن ووقعت الغنيمةُ في البحر؛ لأنها
مُعَدَّةٌ للنزول إلى البَرّ(٢).
الثامنة عشرة: لا حقَّ في الغنائم للحُشْوة، كالأُجَراء والصُّنَّاع الذين يصحبون
الجيشَ للمعاش؛ لأنهم لم يقصِدوا قتالاً ولا خرجوا مجاهدين. وقيل: يُسهَم لهم؛
لقوله﴿: ((الغنيمةُ لمن شهد الوقعة))(٣). أخرجه البخاريّ(٤).
وهذا لا حجَّة فيه؛ لأنه جاء بياناً لمن باشرَ الحربَ وخرج إليه، وكفى ببيان الله
عزَّ وجلَّ المقاتلين وأهلَ المعاش من المسلمين حيث جعلهم فرقتين متميِّزتين، لكلِّ
واحدةٍ حالُها في حُكْمها، فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَّكُونُ مِنْكُ نَرْضَىٌ وَءَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِ الْأَرْضِ
يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهُ وَمَاخَرُونَ يُقَِلُونَ فِ سَبِيلِ اللهِ﴾ [المزمل: ٢٠] إلَّا أنَّ هؤلاء إذا قاتلوا لا
يَضرُّهم كونُهم على معاشهم؛ لأنَّ سبب الاستحقاق قد وُجد منهم(٥).
وقال أشهب: لا يستحقُّ أحدٌ منهم وإن قاتل، وبه قال ابنُ القصَّار في الأجير:
لا يُسهَمُ له وإن قاتل(٦). وهذا يردُّه حديثُ سلمة بنِ الأكْوَع قال: كنت تَبِيعاً لطلحة بنِ
عبيد الله أسقي فرسه وأَحُسُّه وأخدمه وآكل من طعامه، الحديث. وفيه: ثم أعطاني
(١) في النسخ: لصاحبه، والمثبت من عقد الجواهر الثمينة ٥٠٧/١، والكلام منه. وينظر التاج والإكليل
٣٧٢/٢.
(٢) عقد الجواهر الثمينة ١/ ٥٠٧ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٥٢ .
(٤) لم يخرِّجه البخاريّ، ولا هو مرفوع إليه ﴾، إنما أورده البخاريّ ترجمةً للحديث (٣١٢٥). فقال: باب
الغنيمة لمن شهد الوقعة. وهو من كلام عمر ﴾ كتبه إلى عمار، فيما أخرجه عنه عبد الرزاق (٩٦٨٩)
وصحح إسناده الحافظ في الفتح ٢٢٤/٦ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٥٢ .
(٦) قول أشهب في المنتقى ١٧٨/٣، وقول ابن القصار في أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٥٢ .

٣٠
سورة الأنفال: الآية ٤١
رسولُ الله # سهمين، سهمَ الفارس وسهمَ الراجل، فجمعهما لي. خرَّجه مسلم(١).
واحتجَّ ابنُ القضَّار ومَن قال بقوله بحديث عبد الرحمن بن عوف، ذكره عبدُ
الرزاق؛ وفيه: فقال رسول اللـه ﴿ لعبد الرحمن: ((هذه الثلاثةُ الدنانیرِ حُّه ونصيبُه
من غزوته في أمر دنياه وآخرتِه))(٢).
التاسعة عشرة: فأمَّا العبيدُ والنساءُ؛ فمذهب الكِتاب أنه لا يُسْهَمُ لهم ولا
يُرْضَخ(٣). وقيل: يُرضخ لهم؛ وبه قال جمهورُ العلماء(٤). وقال الأوزاعيُّ: إن قاتلت
المرأةُ أُسهِم لها. وزعم أنَّ رسول الله ﴿ أَسهم للنساء يوم خيبر. قال: وأخذ
المسلمون بذلك عندنا. وإلى هذا القولِ مال ابنُ حبيبٍ من أصحابنا(٥).
خرَّج مسلم عن ابن عباسٍ أنه كان في كتابه إلى نَجْدةَ: تسألُني: هل كان
رسولُ الله# يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهنَّ، فَيُداوِين الجرحى ويُخذَيْن من
الغنيمة، وأما بِسهمٍ فلم يَضرِب لهن(٦).
وأما الصِّبيانُ، فإنْ كان مطيقاً للقتال ففيه عندنا ثلاثةُ أقوال: الإسهام. ونَفْيُه حتى
يَبلُغ - لحديث ابنِ عمر - وبه قال أبو حنيفة والشافعيُّ. والتفرِقَةُ بين أن يقاتِلَ فُيُسهَم
له، أو لا يقاتلَ فلا يُسْهَم له(٧).
(١) برقم (١٨٠٧)، وهو بنحوه عند أحمد (١٦٥٣٩).
(٢) مصنف عبد الرزاق (٩٤٥٧)، وفيه أن عبد الرحمن بن عوف اتفق مع رجل على أن يخرج معه إلى
الغزو مقابل ثلاثة دنانير، فلما هزموا العدو وأصابوا الغنائم طلب الرجل نصيبه منها، فرفعوا الأمر
لرسول الله ﴾ فقال: ((هذه الثلاثة ... )). وأخرج أبو داود (٢٥٢٧) نحو هذه القصة عن يعلى بن منية ﴾.
(٣) المدونة ٣٣/٢، والكلام في عقد الجواهر الثمينة ٥٠٣/١، ويُرضخ، أي: يُعطى.
(٤) الأوسط ١٨١/١١ و١٨٥، والمفهم ٦٨٧/٣.
(٥) المفهم ٦٨٧/٣، وأخرج قول الأوزاعي الترمذيُّ إثر الحديث (١٥٥٦).
(٦) صحيح مسلم (١٨١٢) ونجده هو ابن عامر الحروري، نسب إلى حروراء، وهي موضع بقرب الكوفة
خرج منه الخوارج على علي ، وفيها قتلوا، وكان نجدة هذا منهم وعلى رأيهم. المفهم ٣/ ٦٨٧ .
(٧) عقد الجواهر الثمينة ٥٠٤/١، وينظر الأوسط ١٧٨/١١، وأحكام القرآن لابن العربي ٨٥٢/٢،
وحديث ابن عمر رضي الله عنهما سلف ٦/ ٦٢ .

٣١
سورة الأنفال: الآية ٤١
والصحيحُ الأوَّلُ؛ لأمر رسولِ الله ﴾ في بني قريظة أن يُقتلَ منهم مَن أَنْبَتَ
ويُخْلَى مَن لم يُنِت. وهذه مراعاةٌ لإطاقة القتال لا للبلوغ (١).
وقد روى أبو عمر في ((الاستيعاب))(٢) عن سَمُرَة بنِ جُنْدُب قال: كان رسول الله ﴾
يُعرَضُ عليه الغِلمانُ من الأنصار، فيُلحِقُ مَن أدرك منهم؛ فَعُرضْتُ عليه عاماً، فَأَلْحقَ
غلاماً وردَّني، فقلت: يا رسول الله، ألحقتَه وردَدْتَني، ولو صارعني صرعتُه. قال:
فصارعَني فصرعتُه، فألحقني.
وأما العبيد فلا يُسْهَم لهم أيضاً، ويُرْضخ لهم(٣).
الموفية عشرين: الكافر إذا حضر بإذن الإمام وقاتل، ففي الإسهام له عندنا ثلاثةُ
أقوال: الإسهام. ونفيُه؛ وبه قال مالكٌ وابن القاسم، زاد ابنُ حبيب: ولا نصيبَ لهم.
ويفرَّق في الثالث - وهو لسُخْنون - بین أن یستقِلَّ المسلمون بأنفسهم فلا يُسهم له، أو
لا يستقلُّوا ويفتقروا إلى معونته فيُسْهَمَ له. فإن لم يقاتل فلا يستحقُّ شيئاً. وكذلك العبيدُ
مع الأحرار.
وقال الثَّوْريُّ والأوزاعيُّ: إذا اسْتُعين بأهل الذِّمَّة ◌ُسهم لهم(٤).
وقال أبو حنيفة وأصحابُه: لا يُسْهَمُ لهم، ولكن يُرضخ لهم. وقال الشافعيّ ﴾:
يستأجرهم الإمام من مالٍ لا مالكَ له بعينه، فإن لم يفعل أعطاهم سهمَ النبيِّ ﴾. وقال
في موضع آخر: يُرضخ للمشركين إذا قاتلوا مع المسلمين.
قال أبو عمر(٥): اتفق الجميعُ أنَّ العبد - وهو ممن يجوز أمانُه - إذا قاتل لم يُسْهَمْ
له، ولكن يُرضخ(٦)؛ فالكافرُ بذلك أولى ألَّ يُسْهَمَ له.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٨٥٣/٢، وخبر بني قريظة سلف ٦/ ٦٣ .
(٢) ٤ /٢٥٨ (على هامش الإصابة)، وأخرج الخبر أيضاً الطبراني في الكبير (٦٧٤٩)، والحاكم ٢/ ٦٠.
(٣) الأوسط ١٧٩/١١ و١٨٦.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٨٥٣/٢ - ٨٥٤، وعقد الجواهر الثمينة ٥٠٤/١ .
(٥) في التمهيد ١٢/ ٣٧ ، وما قبله منه.
(٦) وذكر ابن المنذر في الأوسط ١٧٩/١١ عن الحسن والنَّخَعي أنهم قالوا: يُسْهَم للعبيد، قال: وروينا
ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وقال أبو ثور: إن كانوا قد اختلفوا فيه فإنه يسهم له، وذلك أن حرمته
وحرمة الحر بمنزلة من طريق الدِّين، وهو يقاتل كما يقاتل الحر وأكثر، وفيه من الغناء ما في الحرّ.

٣٢
سورة الأنفال: الآية ٤١
الحادية والعشرون: لو خرج العبيد وأهلُ الذِّمَّةِ لصوصاً وأخذوا مالَ أهل الحرب
فهو لهم ولا يخمَّس؛ لأنه لم يدخل في عموم قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن
شَىْءٍ فَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾ أحدٌ منهم ولا من النساء. فأما الكفارُ فلا مَدخلَ لهم من غير
خلاف. وقال سُحنون: لا يخمَّس ما ينوب العبدَ. وقال ابن القاسم: يخمَّس؛ لأنه
يجوز أن يأذنَ له سيِّدُه في القتال ويقاتل على الدِّين؛ بخلاف الكافر. وقال أشهب في
كتاب محمد: إذا خرج العبد والذِّمِّيُّ من الجيش وغنما (١)، فالغنيمةُ للجيش دونهم.
الثانية والعشرون: سبب استحقاق السهم شهودُ الوقعة لنصر المسلمين؛ على ما
تقدَّم. فلو شهد آخرَ الوقعةِ استَحَقَّ، ولو حضر بعد انقضاء القتالِ فلا، ولو غاب
بانهزام فكذلك، فإن كان قَصَدَ التحيَُّ إلى فئةٍ فلا يَسقُطُ استحقاقُه(٢).
روى البخاريُّ وأبو داود أنَّ رسول اللـه ◌ِ﴾ بعث أبان بنَ سعيد على سَرِيَّة من
المدينة قِبَلَ نَجْد؛ فقدم أبان بن سعيد وأصحابُه على رسول اللـه # بخيبر بعد أن
فتحَها، وإنَّ حُزُمَ خَيْلِهِم لِيفٌ، فقال أبان: اقسِم لنا يا رسول الله. قال أبو هريرة:
فقلتُ: لا تَقْسِم لهم يا رسول الله، فقال أبان: أنت بها يا وَبْرُ تَحَدَّرَ علينا من رأس
ضَالٍ. فقال رسولُ الله﴾: (اجلس يا أبان)). ولم يقسم لهم رسولُ الله ﴾(٣).
الثالثة والعشرون: واختلف العلماءُ فيمن خرج لشهود الوقعةِ، فمنعَه العذرُ منه؛
كمن ضلَّ(٤)، ففي ثبوت الإسهام له ونفيِه ثلاثةُ أقوال؛ يُفرَّق في الثالث، وهو
(١) في أحكام القرآن لابن العربي ٨٥٤/٢، والكلام منه: وغنم.
(٢) عقد الجواهر الثمينة ٥٠٥/١ .
(٣) صحيح البخاري (٤٢٣٨) تعليقاً، وسنن أبي داود (٢٧٢٣) واللفظ له، وهو من حديث أبي هريرة ﴾
قوله: أنت بها - وفي رواية البخاري: وأنت بهذا - يعني: أنت المتكلم بهذه الكلمة. وقوله: یا وَبْر، الوبر
بسكون الباء دُوَيبة على قدر السُّنَّور، شبَّهه به تحقيراً له. وقوله: تحدَّرَ، كأنه يقول: تهجم علينا بغتة،
وقوله: ضال بالتخفيف: مكان أو جبل بعينه، ویروی بالنون، وهو أيضاً جبل في أرض دوس، يريد
توهين أمره وتحقير قَدْره. ينظر معالم السنن ٣٠٥/٢، والنهاية (وبر) و(ضيل)، وفتح الباري ٧/ ٤٩٢ .
(٤) في النسخ: كمرض، والمثبت من عقد الجواهر الثمينة ٥٠٦/١، والكلام منه.

٣٣
سورة الأنفال: الآية ٤١
المشهور، فيُثْبِته إن كان الضلالُ قبل القتال وبعد الإدراب(١) - وهو الأصحُ؛ قاله ابنُ
العربيّ(٢) - ويَنْفيه إن كان قبله. وكمن بعثه الأميرُ من الجيش في أمرٍ من مصلحة
الجيش، فشغله ذلك عن شهود الوقعة، فإنه يسهم له(٣)؛ قاله ابنُ المَوَّاز، ورواه ابنُ
وَهْب وابنُ نافع عن مالك. وروي: لا يُسْهَم له، بل يُرْضخ له؛ لعُدْم السبب الذي
يستحقُّ به السَّهم، والله أعلم(٤).
وقال أشهب: يُسْهَم للأسير وإن كان في الحديد. والصحيحُ أنه لا يُسهم له؛ لأنه
مِلْكٌ مُسْتَحَقٌّ بالقتال؛ فمن غاب أو حضر مريضاً كمن لم يحضر (٥).
الرابعة والعشرون: الغائب المطلَق لا يُسْھم له، ولم يُسهِم رسولُ الله # لغائب
قطّ إلَّ يومَ خيبر؛ فإنه أسهم لأهل الحُدَيْبِية مَن حضر منهم ومَن غاب؛ لقول الله عزَّ
وجلَّ: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠](٦)؛ قاله موسى بنُ عقبة.
ورُوي ذلك عن جماعةٍ من السلف(٧). وقَسَمَ يوم بدرٍ لعثمان ولسعيد بن زيد وطلحة،
وكانوا غائبَين(٨)؛ فهم كمن حضرها إن شاء اللهُ تعالى:
فأما عثمان؛ فإنه تخلَّف على رُقَيَّة بنتِ رسول اللـه ﴾ بأمره مِن أَجْل مرضِها،
فضرب له رسولُ الله ګ# بسهمه واَخرِه؛ فکان کمن شهدها.
وأما طلحة بن عبيد الله؛ فكان بالشام في تجارة، فضرب له رسولُ الله # بسهمه
:
(١) الإدراب : دخول أرض العدو. اللسان (درب).
(٢) في أحكام القرآن ٢/ ٨٥٤، إلا أنه قاله في المرض؛ قال: وإن مرض بعد الإدراب وقبل القتال ففيه
قولان، والأصح وجوب ذلك (یعني الإسهام) له.
(٣) عقد الجواهر الثمينة ٥٠٦/١ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٥٤ .
(٥) المصدر السابق.
(٦) المصدر السابق.
(٧) أخرجه أبو داود في المراسيل (٢٧٦) عن الزهري، والبيهقي في دلائل النبوة ٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥ عن
موسى بن عقبة.
(٨) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٥٤ .

٣٤
سورة الأنفال: الآية ٤١
وأجره، فيُعَدُّ لذلك في أهل بدر(١).
وأما سعيد بنُ زيد؛ فكان غائباً بالشام أيضاً، فضرب له رسولُ الله # بسهمه
وأجره. فهو معدودٌ في البدريِّين(٢).
قال ابنُ العربيّ(٣): أما أهلُ الحديبية فكان ميعاداً من الله اختصَّ به أولئك النفرَ؛
فلا يشاركُهم فيه غيرُهم. وأما عثمانُ وسعيدٌ وطلحةُ فيحتمل أن يكونَ أَسهمَ لهم من
الخُمس؛ لأن الأُمة مُجْمِعةٌ على أنَّ مَن بقيَ لعذرٍ فلا يُسهَمُ له.
قلت: الظاهر أنَّ ذلك مخصوصٌ بعثمان وطلحةً وسعيد، فلا يقاسُ عليهم
غيرُهم. وأنَّ سهمهم كان من صُلْب الغنيمة كسائر مَن حضرها، لا من الخُمس. هذا
الظاهر من الأحاديث، والله أعلم.
وقد روى البخاريُّ(٤) عن ابن عمر قال: لمَّا تغيَّب عثمان عن بدر فإنه كان تحته
ابنةُ رسول اللـه*، وكانت مريضة، فقال له النبيُّ﴾: ((إنَّ لك أجرَ رجلٍ ممَّن شهد
بدراً وسهمه».
الخامسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ﴾ قال الزَّجَّاجِ(٥) عن
فِرقة: المعنى: فاعلموا أنَّ الله مولاكم إن كنتم؛ فـ ((إنْ)) متعلّقةٌ بهذا الوعد.
وقالت فرقة: إنَّ ((إِنْ)) متعلّقةٌ بقوله: ﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾. قال ابن عطية (٦):
وهذا هو الصحيح؛ لأن قوله: ((واعلموا)) يتضمَّن الأمرَ بالانقياد والتسليم لأمر الله
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٨٩)، والحاكم ٣٦٨/٣ عن عروة بن الزبير. وذكره ابن عبد البر في
الاستيعاب على هامش الإصابة ٢٣٦/٥ عن الزبير بن بكار. وسيأتي خبر عثمان ﴾.
(٢) أخرجه أبو داود في المراسيل (٢٧٦) عن الزهري. وقد سلفت الإشارة إليه قريباً. وذكره مطولاً ابن
سعد في الطبقات ١١/٢ عن الواقدي.
(٣) في أحكام القرآن ٢/ ٨٥٤ .
(٤) برقم (٣١٣٠)، وهو عند أحمد (٦٠١١)، وسلف ٣٧٤/٥ مطولاً.
(٥) في معاني القرآن ٤١٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣١/٢.
(٦) في المحرر الوجيز ٢/ ٥٣١ .

٣٥
سورة الأنفال: الآيتان ٤١ - ٤٢
في الغنائم، فعلَّق ((إنْ)) بقوله: ((واعلموا)) على هذا المعنى، أي: إن كنتم مؤمنين بالله
فانقادوا وسلِّموا لأمر الله فيما أعلمكم به من حال قسمةِ الغنيمة.
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنَزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ اَلْفُرْقَانِ﴾ ((ما)) في موضع خفضٍ؛ عطفٌ
على اسم الله. ((يومَ الفُرْقان)) أي: اليوم الذي فَرَقتُ فيه بين الحقِّ والباطل، وهو يومُ
بدر (١). ﴿يَوْمَ الْتَّقَىَ الْجَمْعَانِ﴾ حزبُ الله وحزبُ الشيطان. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ
مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدُنُّمْ لَأَخْتَلَفْتُمْ فِىِ الْمِيعَدِّ وَلَكِن لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْهَا كَانَ
مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحَْى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيْنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعُ
عَلِيمُ
قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم ◌ِلْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ أي: أنزلنا إذ أنتم على
هذه الصفة. أو يكون المعنى: واذكروا إذا أنتم. والعُذْوَة: جانب الوادي.
وقُرئ بضم العين وكسرِها (٢)؛ فعلى الضمِّ يكون الجمع: عُدّى، وعلى الكسر:
عِدّى، مثل: لحية ولِحَى، وفِرْية وفِرَى. والدنيا: تأنيث الأدنى. والقُصوى: تأنيث
الأقصى. من دنا يدنُو، وقَصَا يقصُو. ويقال: القُضيا، والأصل الواو (٣)، وهي لغة
أهل الحجاز: قُصوى.
فالدُّنيا كانت مما يلي المدينة، والقُصوى مما يلي مكة، أي: إذ أنتم نُزولٌ بشفير
الوادي بالجانب الأدنى إلى المدينة، وعدوُّكم بالجانب الأقصى.
﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ يعني ركبَ أبي سفيان وغيرِه؛ كانوا في موضعٍ أَسْفَلَ
منهم إلى ساحل البحر (٤) فيه الأمتعة.
(١) أخرجه الطبري ٢٠٠/١١ - ٢٠٣ عن ابن عباس وعروة بن الزبير ومجاهد وقتادة وغيرهم.
(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر العين، والباقون بضمها. السبعة ص٣٠٦، والتيسير ص١١٦.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٨٨/٢، وتفسير البغوي ١/ ٢٥٢ .
(٤) تفسير الطبري ١١/ ٢٠٣.

٣٦
سورة الأنفال: الآية ٤٢
وقيل: هي الإبل التي كانت تحمل أمتعتهم، وكانت في موضع يأمنون عليها
توفيقاً من الله عزَّ وجلَّ لهم، فذكَّرهم نِعَمَه عليهم(١).
((الرَّكْب)) ابتداء، ((أَسْفَلَ منكم)» ظرفٌ في موضع الخبر، أي: مكاناً أسفلَ منكم.
وأجاز الأخفشُ والكسائيُّ والفراءُ: والركبُ أسفلُ منكم، أي: أشدُّ تسقُّلاً منكم(٢).
والرَّكْبُ جمع راكب. ولا تقول العرب: رَكْب، إلا للجماعة الراكبي الإبل.
وحكى ابنُ السِّكِّيت وأكثرُ أهل اللُّغة أنه لا يقال: راكب ورَكْب، إلا للذي على
الإبل، ولا يقال لمن كان على فرسٍ أو غيرها: راكبٌ(٣). والرَّكْب والأرْكُب والرُّكْبان
والراكبون لا يكونون إلا على جمال؛ عن ابن فارس (٤).
﴿وَلَوْ تَوَاعَدُّمْ لَآَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَدِ﴾ أي: لم يكن يقع الاتفاق؛ لكثرتهم
وقلَّتكم؛ فإنكم لو عرفتُم كثرتهم لتأخّرتُم، فوفَّق الله عزَّ وجلَّ لكم(٥).
﴿لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ من نصر المؤمنين وإظهار الدِّين. واللام في
(لِيَقْضِيَ)) متعلقةٌ بمحذوف. والمعنى: جَمَعَهم(٦) ليقضيَ الله، ثم كرَّرها فقال:
﴿لِيَهْلِكَ﴾ أي: جمعهم هنالك ليقضي أمراً لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ. ((مَن)) في موضع رفعٍ.
(ويَحْيَا)) في موضع نصبٍ؛ عطف على ((ليهلك)).
والبيِّنة: إقامة الحجة والبرهان، أي: ليموتَ مَن يموتُ عن بيِّنة رآها وعِبرة
عايَنها، فقامت عليه الحجةُ. وكذلك حياةُ مَن يحيا. وقال ابن إسحاق: ليكفرَ مَن كفر
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٨٨/٢. وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٢/٢: والركب بإجماع من
المفسرين: عِير أبي سفيان.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٨٨/٢، وقول الأخفش في معاني القرآن له ٥٤٦/٢، وقول الفراء في معاني
القرآن له ٤١١/١، وقوله: وأجاز ... أسفلُ منكم، يعني في اللغة، لا في القراءة.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٨٨/٢، وقول ابن السكيت في إصلاح المنطق ص٤٦ .
(٤) في مجمل اللغة ٣٩٦/٢ .
(٥) تفسير الطبري ٢٠٦/١١، وإعراب القرآن للنحاس ١٨٨/٢.
(٦) في إعراب القرآن للنحاس ١٨٨/٢ (والكلام منه): جمعكم.

٣٧
سورة الأنفال: الآيتان ٤٢ - ٤٣
بعد حجَّة قامت عليه وقطعت عُذْرَه، ويؤمنَ مَن آمَنَ على ذلك(١).
وقرئ: ﴿مَنْ حَيِيَ﴾ بيائين على الأصل. وبياء واحدة مشدّدة، الأولى قراءةُ أهل
المدينة والبَزِّيِّ وأبي بكر. والثانية قراءةُ الباقين(٢)، وهي اختيارُ أبي عبيد؛ لأنَّها
كذلك وقعت في المصحف(٣).
قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًاٌ وَلَوْ أَرَدَكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ
وَنَزَّعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَ كِنَّ اللَّهَ سَلَّمَّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
قال مجاهد: رآهم النبيُّ:﴿ في منامه قليلاً، فقصَّ ذلك على أصحابه؛ فثبَّتهم اللهُ
بذلك(٤).
وقيل: عنى بالمنام محلَّ النوم، وهو العين، أي: في موضع منامك، فحذف.
عن الحسن؛ قال الزجَّاج(٥): وهذا مذهبٌ حسنٌّ، ولكن الأول(٦) أسْوَغُ في العربية؛
لأنه قد جاء: ﴿وَإِذْ يُرِيِكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِيَّ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِيْ أَعْيُنِهِمْ﴾ فدلَّ
بهذا على أنَّ هذه رؤيةُ الالتقاء، وأنَّ تلك رؤيةُ النوم.
ومعنى ﴿لَّفَشِلْتُمْ﴾: لَجَبُنْتُم عن الحرب. ﴿وَلَنَنَزَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ اختلفتُم.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَّ﴾ أي: سلَّمكم من المخالفة. ابن عباس: من الفشل(٧). ويحتمل
منهما. وقيل: ((سلَّم)) أي: أتمَّ أمر المسلمين بالَّفَر(٨).
(١) تفسير البغوي ١/ ٢٥٢، وقول ابن إسحاق في سيرة ابن هشام ٦٧٣/١. قال ابن عطية في المحرر
الوجيز ٥٣٣/٢: فالهلاك والحياة على هذا - أي: على قول ابن إسحاق - مستعارتان.
(٢) السبعة ص٣٠٦، والتيسير ص١١٦ . والبزي هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة أحد راوبي
ابن کثیر.
(٣) ذكره النحاس في إعراب القرآن ١٨٨/٢ .
(٤) أخرجه الطبري ٢٠٩/١١ .
(٥) في معاني القرآن ٤١٩/٢ .
(٦) في (د) و(م): الأولى.
(٧) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٢٣/٢ دون نسبة.
(٨) أخرج الطبري ١١/ ٢١٠ نحوه عن ابن عباس.

٣٨
سورة الأنفال: الآيتان ٤٤ - ٤٥
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِكُمُوهُمْ إِذِ الْتَّقَيْتُمْ فِيَ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِيَّ أَعْيُنِهِمْ
لِيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولَا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيِكُمُوهُمْ إِذِ الْتَّقَيْتُمْ فِىَ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ هذا في اليقظة. ويجوز
حملُ الأُولى على اليقظة أيضاً إذا قلت: المنام موضعُ النوم، وهو العين، فتكون
الأولى على هذا خاصةً بالنبيِّ ﴾، وهذه للجميع(١).
قال ابن مسعود: قلت لإنسان كان بجانبي يومَ بدر: أتراهم سبعين؟ فقال: هم
نحوُ المئة. فأسرْنا رجلاً فقلنا: كم كنتم؟ فقال: كنَّا ألفاً (٢).
﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِيَّ أَعْيُنِهِمْ﴾ كان هذا في ابتداء القتال حتى قال أبو جهل في ذلك
اليوم: إنَّما هم أَكْلةُ جَزُور، خُذُوهم أخذاً وارْبِطُوهم بالحبال(٣). فلما أخذوا في
القتال؛ عَظُم المسلمون في أعينهم فكثروا، كما قال: ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْمَيْنِّ﴾
[آل عمران: ١٣] حسب ما تقدَّم في ((آل عمران)) بيانُه(٤).
﴿لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ تكرَّر هذا؛ لأنَّ المعنى في الأوّل من اللقاء،
وفي الثاني من قتلِ المشركين وإعزازٍ الدين، وهو إتمام النعمة على المسلمين. ﴿وَإِلَى
اللَّهِ تُرُجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: مصيرُها ومَرَدُّها إليه.
قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِيِنَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَتْبُتُواْ وَأَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا
(٤٥)
لَعَلَّكُمْ نُقْلِحُونَ
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ﴾ أي: جماعة ﴿فَأَثْبُتُوا﴾ أمرٌ
بالثبات عند قتال الكفار، كما في الآية قبلها النَّهيُّ عن الفرار عنهم، فالتقى الأمر
(١) معاني القرآن للزجاج ٤١٩/٢ .
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٧٤، والطبري ١١/ ٢١١.
(٣) ذكره البغوي ٢/ ٢٥٣، وأخرج الطبري ١١/ ٢١٢ نحوه عن السُّدِّيّ. قوله: جَزور: هو من الإبل يقع
على الذكر والأنثى.
(٤) ٣٩/٥.
٠٠٣

٣٩
سورة الأنفال: الآية ٤٥
والنهيُ على سواء. وهذا تأكيدٌ على الوقوف للعدوِّ والتجلُّد له(١).
قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ للعلماء في هذا الذِّكر ثلاثةُ
أقوال:
الأوّل: اذكروا اللهَ عند جَزَعِ قلوبِكم؛ فإنَّ ذِكْرَه يُعين على الثبات في الشدائد.
الثاني: أُثبُتُوا بقلوبكم، واذكروا(٢) بألسنتكم؛ فإنَّ القلبَ قد يَسْكُن(٣) عند اللقاء
ويضطرب اللسان، فأمرَ بالذِّكر حتى يثبتَ القلبُ على اليقين، ويثبتَ اللسانُ على
الذِّكر، ويقول ما قاله أصحاب طالوت: ﴿رَبََّآَ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبْتْ أَقْدَامَنَا
وَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَذِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠]. وهذه الحالة لا تكون إلا عن قوةٍ
المعرفة، واتّقاد البصيرة، وهي الشجاعةُ المحمودة في الناس.
الثالث: أُذكروا ما عندكم من وَغْد الله لكم في ابتياعه أنفسَكم ومُثامنته(٤) لكم.
قلت: والأظهرُ أنه ذِكرُ اللسان الموافقُ للجَنان. قال محمد بن كعب القُرَِيُّ: لو
رُخِّص لأحد في ترك الذِّكر لرُخِّص لزكرِيا، يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿أَنَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ
ثَلَاثَةَ أَيَّاءٍ إِلَّ رَمْزًّا وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ٤١]. ولَرُخِّص للرجل يكون في
الحرب، يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَتْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾(٥).
وقال قتادة: افترض الله جلَّ وعزَّ ذِكرَه على عباده أشغلَ ما يكونون عند الضِّراب
بالسيوف. وحُكُم هذا الذِّكر أن يكون خفيًّ؛ لأنَّ رفعَ الصوت في مواطن القتال رديءٌ
مكروهٌ إذا كان إلغاطاً(٦)، فأما إذا كان من الجميع عند الحملة، فحسن؛ لأنه يَقُتُّ في
أعضاد العدو.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٥٥ .
(٢) في (د) و(م): واذكروه.
(٣) في (د) و(ظ) و(م): فإن القلب لا يسكن، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٥٥ .
(٤) في (ظ): ومثابته.
(٥) سلف ١٢٥/٥ .
(٦) في (م): إذا كان الذاكر واحداً، ولم تجود في (د)، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في
المحرر الوجيز ٥٣٦/٢، والكلام منه، وتفسير الثعالبي ١٠١/٢ .

٤٠
سورة الأنفال: الآيتان ٤٥ - ٤٦
وروى أبو داود عن قيس بن عُبَاد قال: كان أصحابُ رسول الله # يكرهون
الصوتَ عند القتال(١). وروى أبو بُرْدة عن أبيه، عن النبيِّ : ﴿ مثلَ ذلك(٢).
قال ابن عباس: يكره التلثُم عند القتال. قال ابن عطية (٣): وبهذا - والله أعلم -
اسْتَنَّ المرابطون بطَرْحِه عند القتال على ضنانتهم(٤) به.
قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَأْ إِنَّ
٤٦
اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ
قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَلَا تَنَزَعُوا﴾ هذا استمرارٌ على الوصيةً لهم،
والأخذِ على أيديهم في اختلافهم في أمر بَذْر وتنازُعِهم . ﴿فَنَفْشَلُواْ﴾ نصب بالفاء في
جواب النهي. ولا يُجيز سيبويه حذفَ الفاء والجزمَ، وأجازه الكسائيّ(٥). وقرئ:
((فَتَفْشِلوا)) بكسر الشين. وهو غير معروف(٦).
﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: قُوَّتُكم ونصرُكم، كما تقول: الريح لفلان: إذا كان غالباً
في الأمر. قال الشاعر:
فإنَّ لكلِّ خافِقَةٍ(٧) سُكونُ
إذا هَبَّتْ رياحُك فاغْتَنِمْها
وقال قتادة وابن زيد: إنه لم يكن نصرٌ قٌّ إلا بريح تهُبُّ، فتضرب في وجوه
(١) لم نقف عليه عند أبي داود، وأخرجه البيهقي ١٥٣/٩ من طريق أبي داود، وأخرجه ابن أبي شيبة
٤٦٢/١٢ بلفظ: كان أصحاب رسول الله # يكرهون رفع الصوت عند ثلاث: عند القتال، وعند
الجنائز، وعند الذكر. وقيس بن عباد هو الضُّبَعي، أبو عبد الله البصري، مات بعد (٨٠هـ)، ووهم مَن
عدَّه من الصحابة. تقريب التهذيب ص ٣٩٣ .
(٢) أخرجه البيهقي ٩/ ١٥٣ من طريق أبي داود أيضاً.
(٣) في المحرر الوجيز ٥٣٦/٢.
(٤) في النسخ: صيانتهم، والمثبت من المحرر الوجيز، وضن به: لم يبرحه. معجم متن اللغة (ضنن).
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٨٩/٢ .
(٦) المحرر الوجيز ٥٣٦/٢، ونسب القراءة لإبراهيم، وهي في القراءات الشاذة ص ٥٠ عن الحسن،
وذكرها أبو حيان في البحر ٤/ ٥٠٣ عن إبراهيم والحسن وقال: قال أبو حاتم: هذا غير معروف، وقال
غيره: هي لغة.
(٧) في النسخ الخطية: عاصفة، والمثبت من (م) والمصادر، وقد سلف ٧/ ١٢٧ .