Indexed OCR Text
Pages 1-20
كَامِ القُرآن الْجَامِعُ لَـ وَالُبَيِّنُ لَمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَيِ الْقُرْقَانِ تَأليفُ أَبِ عَبْدِ اللَّهِمُحَمَّدِبْنِ أَحْمَد بْن أَبِي بَكِلِقُبِيِّ ( ت ٦٧١ هـ ) تَحقِيْق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركيّ شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَا الجُزْءِ محمد رضوان عرفيوسي ما هِرْجُؤشن الجُزْءُ الْعَاشِرُ مؤسسة الرسالة -3 ל 0 أَحْكَامِ القُرآنِ الجَافِعُ وَالمُبَيِّنُ لمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَيِ القُرْقَانِ جَمْعُ الحقوق محفوظة لِلنّاشِرُ الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م سهالة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بناية المسكن، بيروت - لبنان مؤسسة للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩-٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠ Al-Resalafı PUBLISHERS BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax: 818615-P.O.Box: 117460 Email:Resalah@Cyberia.net.Ib :: بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ, وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْيَتَى وَالْمَسَكِيْنِ وَأَبْنِ اُلْسَبِيلِ إِن كُنْتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ اَلْنَقَى الْجَمْعَانُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَنَّ لِلَّهِ مُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ اٌلْسَبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ﴾. فيه ستّ وعشرون مسألة(١): الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَتْرٍ﴾ الغنيمة في اللغة: ما ينالُه الرجلُ أو الجماعةُ بِسَعْيٍ، ومن ذلك قولُ الشاعر(٢): رضيتُ من الغنيمة بالإیابِ وقد طوَّفْتُ في الآفاق حتى وقال آخر: ومُظْعَمُ الغُنْمِ يومَ الغُثْمِ مُظْعَمُهُ أنَّى تَوَجَّهَ والمَخْرُومُ مَحْرُومُ(٣) والمَغْتَم والغنيمة بمعنّى؛ يقال: غَنِمَ القومُ غُنْماً [بالضم](٤). واعلم أنَّ الاتفاق حاصلٌ على أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ مالُ الكفار إذا ظفِرَ به المسلمون على وجه الغَلَبة والقَهْر. ولا تقتضي اللغةُ هذا التخصيص على ما بيَّناه، ولكنَّ عُرْفَ الشرع قيَّد اللفظَ بهذا النوع. وسَمَّى الشرعُ الواصلَ من (١) كذا في النسخ، لكن ورد فيهاخمسٌ وعشرون مسألة. (٢) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص٩٩ ، وسلف ٥٧/٥ . (٣) قائله علقمة الفحل، وهو في ديوانه ص٦٦، والمحرر الوجيز ٥٢٨/٢ ، والكلام منه. (٤) الصحاح (غنم)، وما بین حاصرتین منه. ٦ سورة الأنفال: الآية ٤١ الكفار إلينا من الأموال باسْمين: غنيمةً وفَيْئاً (١). فالشيءُ الذي ينالُه المسلمون من عدوِّهم بالسعي وإيجافِ الخيل والرِّكاب يُسَمَّى غنيمة. ولَزِم هذا الاسمُ هذا المعنى حتى صار عُرْفاً. والفَيْءُ مأخوذٌ من فاءَ يفيء: إذا رجع، وهو كلُّ مالٍ دخل على المسلمين من غير حربٍ ولا إيجاف، كخّراج الأرض، وجِزْيةِ الجماجم (٢)، وخُمسِ الغنائم، ونحوِ هذا(٣)؛ قاله سفيان الثَّوْرِيُّ وعطاء بن السائب(٤). وقيل: إنهما واحد، وفيهما الخُمس؛ قاله قتادة(٥). وقيل: الفَيْءُ عبارةٌ عن كلِّ ما صار للمسلمين من الأموال بغير قهر. والمعنى متقارب. الثانية: هذه الآية ناسخةٌ لأول السورة عند الجمهور. وقد ادَّعى ابنُ عبد البر(٦) الإجماعَ على أنَّ هذه الآيةَ نزلت بعد قوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، وأنَّ أربعة أخماس الغنيمة مقسومةٌ على الغانمين، على ما يأتي بيانه. وأنَّ قوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْقَالِ﴾ نزلت حين تشاجرَ أهلُ بدرٍ في غنائم بدر، على ما تقدَّم أولَ السورة. قلت: ومما يدلُّ على صحة هذا ما ذكره إسماعيل بنُ إسحاق قال: حدّثنا محمد ابنُ كثير قال: حدَّثنا سفيان قال: حدثني محمد بنُ السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباسٍ قال: لمَّا كان يومُ بدرٍ قال النبيُّ ﴾: ((مَن قَتَلَ قتيلاً فله كذا، ومَن أَسَرَ أسيراً فله كذا)) - وكانوا قتلوا سبعين، وأسرُوا سبعين(٧) - فجاء أبو اليَسَر بنُ عمرو بأسيرين (١) أحكام القرآن للكيا للطبري ١٥٦/٣ . (٢) هي الجزية المفروضة على رؤوس أهل الذمة، إذ يُعبر بالجمجمة عن الرأس. الموسوعة الفقهية ١٥١/١٥. (٣) المحرر الوجيز ٥٢٨/٢ . (٤) أخرجه عنهما ابن أبي شيبة ٤٣٤/١٢، والطبري ١١/ ١٨٤ - ١٨٥. (٥) أخرجه الطبري ١٨٥/١١ - ١٨٦ . (٦) في التمهيد ٤٩/١٤ و٦٢. (٧) قوله: وأسروا سبعين، من (م). ٧ سورة الأنفال: الآية ٤١ فقال: يا رسول الله، إنك وعدتَنا: مَن قتل قتيلاً فله كذا، وقد جئتُ بأسيرين. فقام سعدٌ فقال: يا رسول الله، إنَّا لم يمنعنا زَهادَةٌ(١) في الأجر، ولا جُبنٌ عن العدوِّ، ولكنَّا قمنا هذا المقامَ خشيةَ أن يَعْطِفَ المشركون، فإنك إن تُعْطِ هؤلاء لا يبقَ لأصحابك شيء. قال: وجعل هؤلاء يقولون وهؤلاء يقولون، فنزلت: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. فَسَلَّمُوا الغنيمةَ لرسول اللـه *، ثم نزلت: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ﴾ الآية(٢). وقد قيل: إنها مُحكَمةٌ غيرُ منسوخة، وأنَّ الغنيمة لرسول الله ﴾، وليست مقسومةً بين الغانمين، وكذلك لِمَن بعده من الأئمة(٣). كذا حكاه الماوَزْديُّ(٤) عن كثيرٍ من أصحابنا، ﴾، وأنَّ للإمام أن يُخرجَها عنهم، واحتجُوا بفتح مكةً وقصةٍ حُنين. وكان أبو عبيدٍ يقول: افتتح رسولُ الله ﴿ مكة عَنْوةً، ومنَّ على أهلها فردَّها عليهم، ولم يقسمها ولم يجعلها عليهم فَيْئاً. ورأى بعضُ الناس أنَّ هذا جائزٌ للأئمة بعده(٥). قلت: وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَ لِلَّهِ خَُهُ﴾ والأربعةَ الأخماسِ للإِمام، إن شاء حبسها، وإن شاء قسمها بين الغانمين. وهذا ليس بشيء؛ لِمَا ذكرناه، ولأنَّ الله سبحانه أضاف الغنيمة للغانمين فقال: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾، ثم عيَّن الخُمسَ لمن سَمَّى في كتابه، وسكت عن الأربعة الأخماس، كما سكت عن الثُّلثين في قوله: ﴿وَوَرِثَّهُ، أَبَوَهُ فَلِأُمِهِ الثَُّثُ﴾ [النساء: ١١]، فكان للأب الثُّلثان اتفاقاً. وكذا الأربعةُ الأخماس للغانمين إجماعاً؛ (١) في النسخ ((زيادة)) والمثبت من المصادر . (٢) أخرجه عبد الرزاق (٩٤٨٣) وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٠/ ٢٥١ ، عن سفيان الثوري بهذا الإسناد، وسلف الكلام على رواية محمد بن السائب الكلبي. وأخرجه أبو داود (٢٧٣٧) من طريق آخر عن ابن عباس، بنحوه وله شاهد من حديث عبادة بن الصامت سلف ٩/ ٤٤١ - ٤٤٢ . (٣) ذكره أبو العباس في المفهم ٥٣٦/٣ عن ابن عباس. (٤) في (م): المازري، وينظر الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٠ . (٥) الأموال لأبي عبيد ص٨٢ . ٨ سورة الأنفال: الآية ٤١ على ما ذكره ابنُ المنذر وابن عبد البَرِّ والدَّاوُدِيُّ والمازَريُّ أيضاً والقاضي عياضٌ وابنُ العربيّ(١). والأخبار بهذا المعنى متظاهِرةٌ، وسيأتي بعضُها. ويكون معنى قوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ اُلْأَنْفَالِ﴾ الآية؛ ما يُنفِّله الإمام لمن شاء، لِمَا يراه من المصلحة قبل القِسْمة. وقال عطاءٌ والحسن: هي مخصوصةٌ بما شذَّ من المشركين إلى المسلمين من عبدٍ أو أَمَة أو دابَّة (٢)؛ يقضي فيها الإمامُ بما أحبّ. وقيل: المراد بها أنفالُ السَّرايا(٣)، أي: غنائمها، إن شاء خمَّسها الإمام، وإن شاء نقَّلها كلَّها. وقال إبراهيم النَّخَعيُّ في الإمام يبعث السَّرِيةَ فيصيبون المغنم: إن شاء الإمامُ نقَّلَه كلَّه، وإن شاء خَمَّسه. وحكاه أبو عمر(٤) عن مكحولٍ وعطاء؛ قال عليّ بن ثابت: سألت مكحولاً وعطاءً عن الإمام ينفِّل القومَ ما أصابوا، قال: ذلك لهم. قال أبو عمر(٥): مَن ذهب إلى هذا: تأوَّلَ قولَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْقَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولٌ﴾ أنَّ ذلك للنبيِّ ﴾ يضعها حيث شاء، ولم يرَ أنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِعْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾. وقيل غيرُ هذا ممَّا قد أتينا عليه في كتاب ((المقتبس(٦) في شرح مُوَظَأ مالك بن أنس)). ولم يقل أحدٌ من العلماء فيما أعلم أنَّ قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية، ناسخٌ لقوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُسَهُ﴾ بل قال الجمهور على ما ذكرنا: إنَّ قوله: ﴿مَا غَنِمْتُمْ﴾ ناسخ، وهم الذين لا يجوز عليهم التحريفُ ولا (١) ينظر الأوسط ٩٢/١١، والتمهيد ٤٩/١٤، وإكمال المعلم ٧٥/٦، وأحكام القرآن لابن العربي ٨٥١/٢. (٢) المفهم ٥٣٦/٣، وقول عطاء أخرجه أبو عبيد في الأموال ص٣٨٣، والطبري ١١/ ٧. (٣) المفهم ٥٣٦/٣، وأخرج هذا القول الطبري ٧/١١ عن علي بن صالح بن حي. (٤) في الاستذكار ١٤/ ١٠٢ - ١٠٣ ، وما قبله منه. (٥) في الاستذكار ١٤/ ١٠٣ . (٦) في (د) و(ظ) و(م): القبس، وهو خطأ، وينظر ٢٦٧/١ . ٩ سورة الأنفال: الآية ٤١ التبدیلُ لکتاب الله تعالی. وأما قصة فتح مكةَ فلا حجةً فيها؛ لاختلاف العلماءِ في فتحها. وقد قال أبو عبيد(١): ولا نعلم مكةَ يُشبهها شيءٌ من البلدان من جهتين: إحداهما: أنَّ رسول الله ◌ِ﴾ كان الله قد خصَّه من الأنفال والغنائم ما لم يجعله لغيره، وذلك لقوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية، فنرى أنَّ هذا كان خاصًّا له. والجهةُ الأخرى: أنه سَنَّ لمكة سُنَناً لیست لشيءٍ من البلاد. وأما قصة حُنين فقد عوَّض الأنصارَ لمَّا قالوا: يعطي الغنائمَ قريشاً ويتركُنا وسيوفُنا تقطر من دمائهم! فقال لهم: ((أما تَرْضَوْنَ أنْ يرجعَ الناسُ بالدنيا، وترجعون برسول الله # إلى بيوتكم)). خرَّجه مسلم وغيره(٢). وليس لغيره أن يقول هذا القول، مع أنَّ ذلك خاصٌّ به على ما قاله بعضُ علمائنا(٣). والله أعلم. الثالثة: لم يختلف العلماء أنَّ قوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ ليس على عمومه، وأنه يَدخله الخصوص؛ فمما خصَّصوه بإجماع أنْ قالوا: سَلَبُ المقتولِ لقاتله إذا نادى به الإمام(٤). وكذلك الرِّقاب - أعني الأُسارى - الخِيرَة فيها إلى الإمام بلا خلافٍ(٥)، على ما يأتي بيانُه. ومما خُصَّ به أيضاً الأرضُ. والمعنى: ما غنمتم من ذهبٍ وفضة وسائرِ الأمتعة والسَّبْي، وأما الأرضُ فغيرُ داخلةٍ في عموم هذه الآية؛ لِمَا روى أبو داود عن عمر بنٍ الخطاب أنه قال: لولا آخِرُ الناسِ ما فُتِحتْ قريةٌ إلا قسَمْتُها كما قَسم رسولُ الله ◌ِ﴾ خَيْبر (٦). (١) في الأموال ص٨٢ . (٢) صحيح مسلم (١٠٥٩)، وأخرجه أحمد (١٢٧٣٠)، والبخاري (٣٧٧٨) وهو من حديث أنس (٣) المفهم ١٠٧/٣ . (٤) التمهيد ٥٩/١٤ . (٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ١٦١/٣ . (٦) سنن أبي داود (٣٠٢٠)، وهو عند أحمد (٢٨٤)، والبخاري (٢٣٣٤)، والتمهيد ٤٥٥/٦ - ٤٥٦ = ١٠ سورة الأنفال: الآية ٤١ ومما يصحِّح هذا المذهبَ ما رواه الصحيحُ(١) عن أبي هريرة، عن النبيِّ # قال: (مَنَعت العراقُ قَفِيزَها ودرهمها، ومنعت الشامُ مُذيها(٢) ودینارها)) الحدیث. قال الطَّحاويُّ: ((منعت)) بمعنى: ستمنع. فدلَّ ذلك على أنها لا تكون للغانمين؛ لأنَّ ما ملَكَه الغانمون لا يكون فيه قفيزٌ ولا درهم، ولو كانت الأرض تُقسَم؛ ما بقي لمن جاء بعد الغانمين شيء، والله تعالى يقول: ﴿وَلَّذِينَ جَُّو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] بالعطف على قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ﴾. قال: وإنما يُقسَم ما يُنقل من موضعٍ إلى (٣) موضع(٣). وقال الشافعيّ: كلُّ ما حصلَ من الغنائم من أهل دار الحرب من شيءٍ؛ قلَّ أو كَثُر، مِن دارٍ أو أرض أو متاع أو غيرِ ذلك؛ قُسم، إلّا الرجال البالغون (٤)؛ فإنَّ الإمام فيهم مخيَّرٌ أن يَمُنَّ أو يقتل [أو يُفاديَ] أو يَسْبيّ. وسبيل ما أُخذ منهم وسُبيَ سبيلُ الغنيمة. واحتجَّ بعموم الآية. قال: والأرض مغنومةٌ لا محالة؛ فوجب أن تُقسمَ كسائر الغنائم. وقد قَسَم رسولُ الله ﴾ ما افتتح عَنوةً من خَيْبر. قالوا: ولو جاز أن يُدَّعَى الخصوصُ في الأرض؛ جاز أن يدَّعى في غير الأرض، فيبطلُ حكمُ الآية. وأما آية ((الحشر)) فلا حجَّة فيها؛ لأنَّ ذلك إنما هو في الفيء لا في الغنيمة. وقوله: ﴿وَلَّذِينَ جَآَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ استئنافُ كلامٍ بالدعاء لمن سبقهم بالإيمان؛ لا لغير ذلك. قالوا: وليس يخلو فِعْلُ عمرَ في توقيفه الأرضَ من أحد وجهين: إما أن تكون = والكلام منه. وقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد ٤٤٦/٦ إجماع العلماء على أن ما فتح من خيبر صلحاً عمل فيه رسول الله ﴾ بسنَّة الفيء، وما فتح عنوة عمل فيه بسنة الغنائم. وينظر ما ورد من آثار في أمر تقسيم رسول الله # خيبر في التمهيد ٤٤٦/٦ - ٤٥٣ . (١) صحيح مسلم (٢٨٩٦)، وهو عند أحمد (٧٥٦٥). (٢) في (د) و(ظ) و(م): مدها، وهو خطأ. والمُدي: مكيال لأهل الشام يسع خمسة عشر مُوكاً. والمكُوك: حوالي ٣٤٧٩ غراماً. والقفيز: حوالي ٢٧٨٣٥ غراماً. النهاية (مدا) ومعجم متن اللغة ٨٦/١ . (٣) التمهيد ٤٥٦/٦ - ٤٥٧، وينظر شرح معاني الآثار ١٢٠/٢. (٤) كذا في النسخ والتمهيد ٤٥٩/٦ والكلام منه، وفي (م): البالغين وما سيرد بين حاصرتين من التمهيد. ١١ سورة الأنفال: الآية ٤١ غنيمةً استطاب أنفُسَ أهلِها وطابت بذلك، فوَقَفَها. وكذلك روى جَريرٌ أنَّ عمر استطاب أنفسَ أهلها(١). وكذلك صَنع رسولُ الله﴿ فِي سَبْي هَوَازِنَ لمَّا أَتَوْه، استطابَ أنفُسَ أصحابِهِ عما كان في أيديهم (٢)، وإما أنْ يكونَ ما وقفَه عمرُ فَيْئاً؛ فلم یحتج إلی مُراضاةٍ أحد. وذهب الكوفيون إلى تخيير الإمام في قَسْمها، أو إقرارِها وتوظيفِ الخَراج عليها، وتصيرُ ملكاً لهم كأرض الصُّلح؛ قال شيخنا أبو العباس ﴾(٣): وكأنَّ هذا جمعٌ بين الدليلين ووسطُ بين المذهبين، وهو الذي فهمه عمرُ ﴾ قطعاً؛ ولذلك قال: لولا آخِرُ الناس؛ فلم يُخْبِرِ بنسخ فعلِ النبيِّ ﴾، ولا بتخصيصه بهم، غير أنَّ الكوفيين زادوا على ما فعل عمر، فإنَّ عمر إنما وَقَفَها على مصالح المسلمين، ولم يملكها لأهل الصلح، وهم(٤) قالوا: للإمام أنْ يملِّكَها لأهل الصُّلح. الرابعة: ذهب مالكٌ وأبو حنيفة والثَّورِيُّ إلى أنَّ السَّلَب ليس للقاتل، وأنَّ حكمه حكمُ الغنيمة؛ إلّا أنْ يقول الأمير: مَن قَتَل قتيلاً فله سَلَبُه، فیکونُ حينئذٍ له. وقال الليث والأوزاعِيُّ والشافعيُّ [وأحمد] وإسحاقُ وأبو ثورٍ وأبو عبيدٍ والطبريُّ وابن المنذر: السَّلَبُ للقاتل على كلِّ حال، قاله الإمامُ أو لم يَقُلْه. إلا أنَّ الشافعيَّ ﴾ قال: إنما يكون السَّلَبُ للقاتل إذا قتلَ قتيلاً مُقْبلاً عليه، وأما إذا قتله مُدبراً عنه فلا(٥). قال أبو العباس بنُ سُريج من أصحاب الشافعي: ليس الحديث: ((مَن قَتَل قتيلاً فله سَلَبُه)) (٦) على عمومه؛ لإجماع العلماءِ على أنَّ مَن قتلَ (١) التمهيد ٦/ ٤٦٠ - ٤٦١، وخبر جرير - وهو ابن عبد الله - أخرجه أبو عبيد في الأموال ص٧٨ . (٢) أخرجه أحمد (١٨٩١٤)، والبخاري (٢٣٠٧، ٢٣٠٨) من حديث مروان بن الحكم والمِسْوَر بن مخرمة رضي الله عنهما. (٣) في المفهم ٤١٩/٤، وما قبله منه. (٤) بعدها في النسخ: الذين، والمثبت من المفهم. (٥) التمهيد ٢٤٧/٢٣، وما سلف بين حاصرتين منه، وقول أبي عبيد في الأموال ص٣٩٤، وقول ابن المنذر في الأوسط ١٢٠/١١. (٦) أخرجه أحمد (٢٢٦٠٧)، والبخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١) من حديث أبي قتادة ١٢ سورة الأنفال: الآية ٤١ أسيراً أو امرأةً أو شيخاً أنه ليس له سَلَبُ واحدٍ منهم. وكذلك مَن ذقَّف على جريح (١)، ومَن قَتَل مَن قُطعت يداه ورجلاه. قال: وكذلك المنهزمُ لا يَمتنع(٢) في انهزامه، وهو كالمكتوف. قال: فعُلم بذلك أنَّ الحديث إنما جَعَل السَّلَب لِمَن لِقتلِه معنّى زائدٌ، أو لِمَن في قتله فضيلةٌ، وهو القاتل في الإقبال؛ لِمَا في ذلك من المؤنة. وأما مَن أُنخنَ فلا(٣). وقال الطبري: السَّلَبُ للقاتل، مُقْبِلاً قَتَله أو مُذْبِراً، هارباً أو مُبارِزاً، إذا كان في المعركة. وهذا يردُّه ما ذكره عبدُ الرزاق ومحمد بنُ بكرٍ عن ابن جُريج قال: سمعتُ نافعاً مولى ابنِ عمر يقول: لم نَزَلْ نسمعُ: إذا التقى المسلمون والكفار؛ فقتل رجلٌ من المسلمين رجلاً من الكفار، فإنَّ سَلَبَه له، إلَّا أن يكون في مَعْمَعةِ القتال؛ لأنه حينئذٍ لا يُذْرَى مَن قَتَل قتيلاً. فظاهِرُ هذا يردُّ قولَ الطبريِّ؛ لاشتراطه في السَّلَب القتلَ في المعركة خاصَّة(٤). وقال أبو ثَور وابنُ المنذر: السَّلَبُ للقاتل في معركةٍ كان أو غيرِ معركة، في الإقبال والإدبار، والهروب والانتهاز(٥)، على كلِّ الوجوه؛ لعموم قولِهِ ﴾: ((مَن قَتَلَ قتيلاً فله سَلَبُه))(٦). قلت: روى مسلمٌ عن سلمة بن الأكْوَع قال: غَزونا مع رسول الله # هوازن، فبينا نحن نتَضَخَّى مع رسول الله ﴾، إذ جاء رجلٌ على جمل أحمرَ، فأناخه، ثم انتزع طَلَقاً من حَقَبِهِ، فقيَّد به الجمل، ثم تقدَّم يتغذّى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا (١) أي: أجهزّ عليه. (٢) في (ظ): يتبع. (٣) التمهيد ٢٥١/٢٣. (٤) التمهيد ٢٤٧/٢٣، والأثر في مصنف عبد الرزاق (٩٤٧١). (٥) في (خ) و(ظ) و(م): الانتهار، والمثبت موافق لما في التمهيد. وناهزه: داناه. القاموس (نهز). (٦) التمهيد ٢٤٩/٢٣، وسلف الحديث قريباً، وقول ابن المنذر في الأوسط ١٢٠/١١ - ١٢١، وقد سلف قوله وقول أبي ثور في بداية المسألة. ١٣ سورة الأنفال: الآية ٤١ ضَعْفةٌ ورِقَّة في الظّهر، وبعضُنا مُشاةٌ، إذ خرج يشتدُّ، فأتى جملَه فأطلق قيده، ثم أناخه وقعد عليه، فأثاره، فاشتدَّ به الجمل، فاتَّبعه رجلٌ على ناقةٍ وَرْقاءَ. قال سلمة: وخرجتُ أشتدُّ، فكنتُ عند وَرِك الناقة، ثم تقدَّمتُ حتى كنتُ عند وَرِكِ الجمل، ثم تقدَّمتُ حتى أخذتُ بِخِطام الجملِ فَأَنَخْتُه، فلما وضع ركبتَه في الأرض؛ اخترطتُ سيفي فضربت رأسَ الرجلُ، فَنَدَر، ثم جئتُ بالجمل أقودُه، عليه رَحْلُه وسلاحُه، فاستقبلني رسولُ اللـه :﴿ والناسُ معه، فقال: ((مَن قَتَلَ الرجلَ؟» قالوا: ابنُ الأكوع. قال: ((له سَلَبُه أجمع))(١). فهذا سلمةُ قتله هارباً غيرَ مُقْبِل، وأعطاه سلَبَه. وفيه حجةٌ لمالك مِن أنَّ السَّلَب لا يستحقُّه القاتل إلا بإذن الإمام، إذ لو كان واجباً له بنفس القتلٍ لَمَا احتاج إلى تكرير هذا القول(٢). ومن حُجَّته أيضاً ما ذكره أبو بكر بنُ أبي شيبة(٣) قال: حدَّثنا أبو الأحوص، عن الأسود بنِ قيس، عن شَبْر بن علقمة(٤) قال: بارزتُ رجلاً يوم القادِسِية، فقتلتُه وأخذتُ سَلَبَه، فأتيتُ سعداً، فخطب سعدٌ أصحابَه ثم قال: هذا سَلَبُ شَبر بنِ علقمة، لهو(٥) خيرٌ من اثني عشرَ ألف درهم، وإنَّا قد نفَّلناه إياه. فلو كان السَّلَبُ للقاتل قضاءً من النبيِّ # ما احتاج الأمراء (٦) أن يُضِيفوا ذلك إلى أنفسهم (١) صحيح مسلم (١٧٥٤)، وهو عند أحمد (١٦٥٢٣). قوله: نتضحى: نتغدى في وقت الضَّحاء، وهو بعد امتداد النهار وفوق الضُّحى. والطَّلَق: الحبل. والحَقَب والحقيبة: ما يجعله الراكب خلفه. وفينا ضَعْفة: ضبطوه على وجهين، الصحيح المشهور وروايةُ الأكثرين بفتح الضاد وسكون العين، أي: حالة ضَعْفٍ وهزال. والثاني: بفتح العين جمع ضعيف. نّدَر: سقط. ينظر شرح صحيح مسلم للنووي ١٢/ ٦٦ ، والمفهم ٥٤٦/٣ . (٢) المفهم ٥٤٦/٣ . (٣) في مصنفه ١٢/ ٣٧٠ - ٣٧١، وأخرجه عبد الرزاق (٩٤٧٣) بنحوه. (٤) في (م): بشر بن علقمة في الموضعين، وهو خطأ، وهو شَبْر بن علقمة العَبْدي الكوفي، له إدراك، وله رواية عن ابن مسعود. الإصابة ١٠٠/٥ . (٥) في (د): هو، وفي (م): فهو. (٦) في (د) و(م): الأمر، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في التمهيد ٢٥٨/٣، والكلام منه. ١٤ سورة الأنفال: الآية ٤١ باجتهادهم، وَلأَخَذه القاتلُ دون أمرهم. والله أعلم. وفي الصحيح(١) أنَّ معاذ بنَ عمرو بنِ الجَمُوح(٢) ومعاذَ بنَ عَفراءَ(٣) ضربا أبا جهلٍ بِسَيْفَيْهما حتى قتلاه، فأتَّيا رسولَ الله :﴿ فقال: ((أيُّكما قتله؟)) فقال كلُّ واحدٍ منهما: أنا قتلتُه. فنظر في السيفين فقال: كِلَاكما قتلَه)). وقضى بسَلَبه لمعاذ بنِ عمرو ابنِ الجموح. وهذا نصٌّ على أنَّ السَّلَب ليس للقاتل؛ إذ لو كان له، لَقَسَمِه النبيُّ ﴾ بینھما. وفي الصحيح أيضاً عن عوف بنِ مالكٍ قال: خرجتُ مع مَن خرج مع زید بنِ حارثة في غزوة مُؤْتة، ورافقني مَدَدِيٌّ من اليمن. وساق الحديث، وفيه: فقال عوف: يا خالد، أما علمتَ أنَّ رسول اللـه ﴾ قضى بالسَّلَب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرتُه(٤). وأخرجه أبو بكر البَرْقانيُّ بإسناده الذي أخرجه به مسلم، وزاد فيه بياناً أنَّ عوف ابنَ مالكٍ قال: إنَّ رسول الله ﴾ لم يكن يخمِّس السَّلَب، وإنَّ مَدَدِيًّا كان رفيقاً لهم في غزوة مؤتة (٥) في طَرَفٍ من الشام. قال: فجعل رُوميٌّ منهم يشتدُّ على المسلمين، وهو على فرس أشقرَ وسرجٍ مُذَهَّبٍ ومِنطقة مُلَّخة وسيفٍ محلَّ بذهب. قال: فيُغْرِي بهم، قال: فتلطّف له المَدَدِيُّ حتى مرَّ به، فضرب عُرْقوبَ فرسِه فوقع، وعلاه بالسيف، فقتله وأخذ سلاحَه. قال: فأعطاه خالد بنُ الوليد وحَبَسَ منه، قال عوف: فقلتُ له: (١) صحيح البخاري (٣١٤١)، وصحيح مسلم (١٧٥٢)، وهو عند أحمد (١٦٧٣)، وهو من حديث عبد الرحمن بن عوف ﴾. (٢) الأنصاري الخزرجي السَّلَمي، شهد العقبة، ومات في زمن عثمان. الإصابة ٢٢٤/٩ . (٣) هو معاذ بن الحارث بن رفاعة البخاري الأنصاري الخزرجي، وعفراء أمه عُرف بها، شهد العقبة الأولى وبدراً وعاش بعد ذلك، وقيل: بل جرح ببدر فمات من جراحته. الإصابة ٢٢١/٩ . (٤) صحيح مسلم (١٧٥٣): (٤٤)، هو عند أحمد (٢٣٩٩٧). قوله: مدديّ: أي: رجل من المدد الذين جاؤوا يمدون جيش مؤتة ويساعدونهم. شرح صحيح مسلم للنووي ١٢/ ٦٥ - ٦٦ . (٥) أخرجه بهذه الزيادة البيهقي ٣١٠/٦، وما سيأتي من الحديث فهو بنحوه عند أحمد (٢٣٩٨٧)، ومسلم (١٧٥٣): (٤٣). : ١٥ سورة الأنفال: الآية ٤١ أعطِه كلَّه، أليس قد سمعتَ رسولَ الله # يقول: ((السَّلَب للقاتل؟!)). قال: بلى، ولكنِّي استكثرتُه. قال عوف: وكان بيني وبينه كلام، فقلت له: لأُخبِرَنَّ رسولَ الله ﴾. قال عوف: فلما اجتمعنا عند رسولِ الله ﴾، ذكر عوفٌ ذلك لرسول الله ﴾، فقال لخالد: ((لِمَ لَمْ تُعطِه؟)) قال: فقال: استكثرتُه. قال: ((فادفَعْه إليه)). فقلتُ له: ألم أُنجِز لك ما وعدتُك؟ قال: فغضب رسول اللـه ﴾ وقال: ((يا خالد، لا تَدْفَعْه إلیه، هل أنتم تاركون(١) لي أُمَرَائي)). فهذا يدلُّ دلالةٌ واضحة على أنَّ السَّلَب لا يستحقُّه القاتلُ بنفس القتل، بل برأي الإمام ونظرِه. وقال أحمد بن حنبل: لا يكون السَّلَبُ للقاتل إلَّا في المبارزة خاصَّة(٢). الخامسة: اختلف العلماءُ في تخميس السَّلَب؛ فقال الشافعيّ: لا يُخمَّس(٣). وقال إسحاق: إنْ كان السَّلَبُ يسيراً فهو للقاتل، وإن كان كثيراً خُمِّس. وفعلَه عمر بنُ الخطاب مع البراء بنِ مالكِ حين بارز المَرْزُبانَ(٤) فقتله، فكانت قيمةُ مِنْطَقَتِهِ وسِوارَيه ثلاثين ألفاً، فخمّس ذلك(٥). أنس عن البَرَاء بن مالك: أنه قتلَ من المشركين مئةً رجلٍ إلَّا رجلاً مبارزةً؛ وأنهم لمَّا غَزَوا الزَّارَة خرج دُهقانُ الزَّارةِ فقال: رجلٌ ورجل؛ فبرزَ البراءُ، فاختلفا بسيفيهما ثم اعتنقا، فتورَّكه البراءُ، فقعد على كبده، ثم أخذ السيفَ فذبحه، وأخذ سلاحَه ومِنطقَته وأتى به عمرَ، فنفَّله السلاحَ، وقوَّم المنطقةَ بثلاثين ألفاً، فخمَّسها، وقال: إنها مال (٦) (١) في (ظ): تاركو، وهي رواية أيضاً، كما ذكر النووي في شرح مسلم. (٢) الأوسط ١٢٠/١١. (٣) الأوسط ١٠٩/١١، والتمهيد ٢٤٧/٢٣. (٤) هو رئيس الفرس، ويطلق هذا الاسم عندهم على الفارس الشجاع المقدَّم على القوم دون الملك، وهو معرَّب. ينظر النهاية (مرز). (٥) المحرر الوجيز ٤٩٩/٢، وينظر الأوسط ١٠٩/١١ - ١١٠. (٦) أخرجه بهذا اللفظ البيهقي ٣١١/٦، وبنحوه عبد الرزاق (٩٤٦٨)، وابن أبي شيبة ٣٧١/١٢ - ٣٧٢. والزارة: قرية كبيرة في المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية، ينظر المعجم الجغرافي لحمد الجاسر (القسم الثاني) ص٧٩٩ ، ومعجم البلدان ١٢٦/٣ . ١٦ سورة الأنفال: الآية ٤١ وقال الأوزاعيُّ ومكحول: السَّلَب مغنمٌ، وفيه الخُمس. ورُويَ نحوُه عن عمر بنِ الخطاب(١). والحجة للشافعيِّ ما رواه أبو داود(٢) عن عوف بنِ مالك الأشجعيِّ وخالد بنِ الوليد: أنَّ رسول الله ﴿ قضى في السَّلَب للقاتل ولم يخمِّس السَّلَب. السادسة: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّ السَّلَب لا يُعطى للقاتل إلا أن يُقيمَ البيِّنَةَ على قتله. قال أكثرهم: ويُجزئ شاهدٌ واحد على حديث أبي قتادة(٣). وقيل: شاهدان أو شاهدٌ ویمین. وقال الأوزاعيّ: يُعطاه بمجرَّد دعواه، وليست البيّنةُ شرطاً في الاستحقاق، بل إن اتفق ذلك فهو الأولى دفعاً للمنازعة. ألا ترى أنَّ النبيَّ# أعطى أبا قتادة سَلَبَ مقتولِه من غير شهادةٍ ولا يمين؟ ولا تكفي شهادةُ واحد، ولا يُناط بها حكمٌ بمجرَّدها. وبه قال الليث بن سعد(٤). قلت: سمعت شيخنا الحافظ المنذريَّ الشافعيَّ أبا محمدٍ عبدَ العظيم(٥) يقول: إنما أعطاه النبيُّ# السَّلَبَ بشهادة الأسود بنِ خزاعيٍّ وعبد الله بنٍ أَنَّيْس(٦). وعلى هذا يندفع النِّزاعُ، ويزول الإشكال، ويطّرد الحكم. (١) الأوسط ١١٠/١١، والمحرر الوجيز ٤٩٩/٢. (٢) في سننه (٢٧٢١)، وهو عند أحمد (١٦٨٢٢)، وابن المنذر في الأوسط ١٠٩/١١ . (٣) المحرر الوجيز ٤٩٩/٢، وحديث أبي قتادة أخرجه أحمد (٢٢٦٠٧)، والبخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١) وقد سلفت قطعة منه ص١١ من هذا الجزء. وفيه أن أبا قتادة قتل رجلاً يوم حنين ثم شغله عنه القتال، وعندما انتهت المعركة قال رسول الله : ((من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه)) فقال أبو قتادة: من يشهد لي. فقال رجل: صدق يا رسول الله وسَلَبُه عندي ... ، فأعطى رسول الله ﴾ أبا قتادة سَلَبَ القتيل. (٤) المفهم ٥٤٣/٣، وينظر الإشراف ١١٧/١١، والتمهيد ٢٥٨/٢٣، وإكمال المعلم ٦/ ٦٢ . (٥) هو زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي، الشامي الأصل، المصري، اختصر صحيح مسلم، وسنن أبي داود، ومن كتبه أيضاً الترغيب والترهيب، توفي سنة (٦٥٦هـ). السير ٣١٩/٢٣ . (٦) ذكر الخبر الواقدي في المغازي ٩٠٨/٣، وفيه: فقام عبد الله بن أنيس فشهد لي، ثم لقيت الأسود بن الخزاعي فشهد لي، وإذا صاحبي الذي أخذ السَّلَب لا ينكر أني قتلته ... ١٧ سورة الأنفال: الآية ٤١ وأمَّا المالكية فيخرَّج على قولهم أنه لا يحتاج الإمامُ فيه إلى بيِّنة؛ لأنه من الإمام ابتداءً عطيةٌ، فإنْ شَرَطَ الشهادةَ؛ كان له، وإن لم يشترط؛ جاز أن يُعطيَه من غير شهادة(١). السابعة: واختلفوا في السَّلَب ما هو؛ فأمَّا السلاحُ وكلُّ ما يُحتاج للقتال؛ فلا خلافَ أنه من السَّلَب، وفرسُه إن قاتل عليه وصُرع عنه. وقال أحمد في الفرس: ليس من السَّلَب. وكذلك إن كان في هِمْيانه أو في مِنطقته دنانيرُ أو جواهر أو نحوُ هذا؛ فلا خلافَ أنه ليس من السلَب(٢). واختلفوا فيما يُتزيّن به للحرب(٣)؛ فقال الأوزاعيُّ: ذلك كلُّه من السَّلَب. وقالت فِرقة: ليس من السَّلَب. وهذا مروِيٌّ عن سُحنون رحمه الله؛ إلا المِنْطقَةَ؛ فإنها عنده من السَّلَب. وقال ابن حبيب في ((الواضحة)): والسِّواران من السَّلَب(٤). الثامنة: قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ﴾ قال أبو عبيد: هذا ناسخٌ لقوله عزَّ وجلَّ في أوّل السورة: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ولم يخمِّس رسولُ الله ﴾ غنائمَ بدر، فنُسخ حكمُه في ترك التخميس بهذا(٥). إلَّا أنه يظهر من قول عليٍّ ﴾ في ((صحيح)) مسلم: كان لي شارِفٌ مِن نصيبي من المَغْنَم يوم بَدْر، وكان رسول الله# أعطاني شارِفاً من الخُمس يومئذ. الحديث(٦)، أنه خمَّس؛ فإن كان هذا، فقولُ أبي عبيد مردودٌ. (١) المفهم ٥٤٣/٣ . (٢) المحرر الوجيز ٤٩٩/٢، وذكر صاحب المفهم ٥٤٢/٣ - ٥٤٣ عن ابن حبيب قوله: إن المنطقة التي فيها دنانير ودراهم داخلة في السَّلَب. اهـ. والهِمْيان: شيدادُ السراويل، وكيسٌ للدراهم يشدُّ في الوسط، وهو المراد هنا. (٣) وهي كالتاج والسوارين والأقراط والمناطق المثقلة بالذهب والأحجار. المحرر الوجيز ٤٩٩/٢ . (٤) المحرر الوجيز ٤٩٩/٢، وينظر الإشراف ١٢٦/١١ - ١٢٩. (٥) الأموال ص٣٨٤، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٢٩/٢ ، والكلام الذي بعده لابن عطية، وينظر ما سلف في المسألة الثانية. (٦) صحيح مسلم (١٩٧٩): (٢)، وهو عند البخاري (٢٠٨٩). والشارف: الناقة المُسِنَّة. النهاية (شرف). ١٨ سورة الأنفال: الآية ٤١ قال ابن عطية (١): ويَحتمل أن يكونَ الخُمسُ الذي ذكر عليٍّ من إحدى الغزواتِ التي كانت بين بدر وأُحُد؛ فقد كانت غزوةُ بني سُليم وغزوةُ السَّويق(٢) وغزوة ذي أَمَر وغزوة بُخْران(٣)، ولم يُحفظ فيها قتال، ولكنْ يمكن أَنْ غُنمت غنائم. والله أعلم. قلت: وهذا التأويل يردُّه قولُ عليٍّ: يومئذ، وذلك إشارةٌ إلى يوم قَسْمِ غنائمٍ بدر؛ إلا أنه یحتمل أن یکون من الخُمس ۔ إن کان لم يقع في بدرٍ تخمیس - من خُمس سَرِيَّة عبد الله بنِ جَحْش؛ فإنها أوّلُ غَنيمةٍ غُنمت في الإسلام، وأوَّلُ خُمسٍ كان في الإسلام، ثم نزل القرآن: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّنِ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾(٤). وهذا أَوْلى من التأويل الأوّل. والله أعلم. التاسعة: ((ما)) في قوله: ((مَا غَنِمْتُمْ)) بمعنى الذي، والهاءُ محذوفة؛ أي: الذي غنمتموه. ودخلت الفاء لأنَّ في الكلام معنى المجازاة. و((أَنَّ) الثانيةَ توكيدٌ للأولى، ويجوز كسرُها(٥)، ورُوي عن أبي عمرو (٦). قال الحسن: هذا مِفتاحُ كلام، الدنيا والآخرةُ لله؛ ذَكَره النَّسائي(٧). واستفتح عزَّ وجلَّ الكلامَ في الفيء والخُمسِ بذكر نفسِه؛ لأنهما أشرفُ الكسب، ولم ينسب الصدقةً إليه؛ لأنها أوساخُ الناس. (١) في المحرر الوجيز ٥٢٩/٢ . (٢) في النسخ: بني المصطلق، بدل: السويق، والمثبت من المحرر الوجيز، وهو الصواب، فغزوة بني المصطلق كانت بعد أحد سنة ستّ للهجرة، أما غزوة السويق فكانت بعد بدر في شهر ذي الحجة، وكان فراغ رسول الله # من بدر في عقب شهر رمضان أو في شوال. سيرة ابن هشام ٤٣/٢-٤٤ ٢٨٩ . (٣) بُحران: موضع بناحية الفُرْع، وبين الفُرع والمدينة ثمانية بُد. وأَمَر: موضع بنجد من ديار غطفان. معجم البلدان ١/ ٢٥٢ و٣٤١ . (٤) سلف الخبر ٤٢١/٣ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٨٧/٢ - ١٨٨. (٦) القراءات الشاذة ص٤٩ . (٧) في المجتبى ٧/ ١٣٣، والكلام الذي بعده كذلك هو من قول النسائي ٧/ ١٣٤ - ١٣٥ . والحسن هو ابن محمد بن علي بن أبي طالب، كما في التحفة ١٧٦/١٣ . ١٩ سورة الأنفال: الآية ٤١ العاشرة: واختلف العلماء في كيفية قَسْمِ الخُمس على أقوالٍ ستّة: الأوّل: قالت طائفة: يُقسم الخُمسُ على ستة، فيُجعل السُّدسُ للكعبة، وهو الذي لله، والثاني لرسول الله ﴿، والثالثُ لذَوِي القُربى، والرابع لليتامى، والخامس للمساكين، والسادس لابن السبيل. وقال بعض أصحاب هذا القول: يُردُّ السهمُ الذي لله على ذوي الحاجة(١). الثاني: قال أبو العالية والرَّبيع: تقسم الغنيمةُ على خمسة، فيُعزل منها سهمٌ واحد، وتقسم الأربعةُ على الناس، ثم يَضربُ بيده في (٢) السهم الذي عزله، فما قَبض عليه مِن شيءٍ جعله للكعبة، ثم يَقسم بقيَّةَ السهم الذي عزله على خمسة، سهم للنبيِّ، وسهم لذوي القُربَى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل(٣). الثالث: قال المِنهال بنُ عمرو: سألت عبد الله بنَ محمد بنِ عليٍّ وعليَّ بن الحسين عن الخُمس، فقال: هو لنا. قلت لعليٍّ: إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَالْيَمَى وَالْمَسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ فقال: أيتامُنا ومساكينُنا(٤). الرابع: قال الشافعيُّ: يقسم على خمسة. ورأى أنَّ سهمَ الله ورسوله واحد، وأنه يُصرف في مصالح المؤمنين، والأربعةُ الأخماسِ على الأربعة الأصنافِ المذكورين في الآية(٥). الخامس: قال أبو حنيفة: يقسم على ثلاثة: اليتامى والمساكين وابن السبيل. بـ (١) بنحوه في الأوسط ٨٦/١١، والمحرر الوجيز ٥٣٠/٢، والمفهم ٥٥٦/٣. (٢) في (م): على. (٣) الأوسط ٨٦/١٠، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤٢٩/١٢، والطبري ١٨٩/١١ - ١٩٠ من طريق الربيع عن أبي العالية. (٤) أخرجه الطبري ١٩٩/١١ . وعبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب هو أبو هاشم المدني، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، توفي في خلافة سليمان سنة (٩٨هـ). السير ١٢٩/٤. (٥) المفهم ٥٥٦/٣ . ٢٠ سورة الأنفال: الآية ٤١ وارتفع عنده حکمُ قرابةٍ رسول الله # بموته، كما ارتفع حكمُ سهمه(١). قالوا: ويبدأ من الخُمس بإصلاح القناطر، وبناءِ المساجد، وأرزاقٍ القضاة والجند(٢). ورويَ نحوُ هذا عن الشافعيّ أيضاً. السادس: قال مالك: هو موكولٌ إلى نظر الإمام واجتهادِه؛ فيأخذ منه [حاجته] من غير تقدير، ويعطي منه القرابةَ باجتهاد، ويَصْرف الباقي في مصالح المسلمين. وبه قال الخلفاءُ الأربعة، وبه عملوا. وعليه يدلُّ قولُهُ ﴾: ((مالي مما أفاء اللهُ عليكم إلا الخُمس، والخُمسُ مردودٌ عليكم)). فإنه لم يقسمه أخماساً ولا أثلاثاً(٣)، وإنما ذُكر في الآية مَن ذُكر على وجه التنبيه عليهم؛ لأنهم من أهمٌّ مَن يُدفع إليه. قال الزجَّاج(٤) محتجًا لمالك: قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِيْنَ وَالْبَنَ وَالْسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلُ﴾ [البقرة: ٢١٥] وللرجل(٥) جائزٌ بإجماع أن يُنفِقَ في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك. وذكرَ النَّسائيُّ(٦) عن عطاء قال: خُمُسُ الله وخُمُسُ رسوله واحد، كان رسول الله * يحمل منه ويعطي منه ويضعه حيث شاء، ويصنع به ما شاء. الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلِذِى الْقُرْبَ﴾ ليست اللامُ لبيان الاستحقاقِ (١) الأوسط ٩٥/١١، وشرح معاني الآثار ٣١٠/٣، والمحرر الوجيز ٥٣٠/٢ . (٢) كذا قال المصنف رحمه الله والذي ذكره الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣١١/٣ أن إصلاح القناطر وغير ذلك مما ذكر أعلاه يُبدأ به من الفيء، ثم يوضع ما بقي منه بعد ذلك في مثل ما يوضع فيه خمس الغنائم. (٣) المفهم ٥٥٦/٣، وما سلف بين حاصرتين منه، والحديث أخرجه أحمد (٢٢٧١٨) والنسائي في المجتبى ١٣١/٧ عن عبادة بن الصامت ﴾. وأخرجه أحمد (٦٧٢٩)، وأبو داود (٢٦٩٤) والنسائي ١٣١/٧ - ١٣٢ من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. (٤) في معاني القرآن ٢/ ٤١٥، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٢٩/٢ - ٥٣٠. وما قبله منه. (٥) في المحرر الوجيز: وللإمام، بدل: وللرجل. (٦) في المجتبى ٧/ ١٣٢ - ١٣٣.