Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ سورة الأعراف: الآية ١٨٥ السِّمْنانيّ(١) يقول: أوَّلُ الواجبات الإيمانُ بالله وبرسوله وبجميع ما جاء به، ثم النظرُ والاستدلالُ المُؤدِّيان إلى معرفة الله تعالى. فيتقدَّم وجوبُ الإيمان بالله تعالى عنده على المعرفة بالله. قال: وهذا أقربُ إلى الصواب، وأرفقُ بالخَلْق؛ لأنَّ أكثرَهم لا يعرفون حقيقةً المعرفة والنَّظر والاستدلال. فلو قلنا: إنَّ أوَّلَ الواجبات المعرفةُ بالله؛ لأَذَّى إلى تكفير الجَمِّ الغفير والعدد الكثير، وألَّ يدخلَ الجنَّة إلَّا آحادُ الناس، وذلك بعيدٌ؛ لأنَّ الرسولَ # قطعَ بأنَّ أكثرَ أهل الجنَّة أمَّتُه، وأنَّ أُمَمَ الأنبياء كلِّهم صفًّ واحدٌ (٢)، وأمَّتَه ثمانون صفًّا. وهذا بيِّنٌ لا إشکالَ فیه، والحمد لله. الثالثة: ذهبَ بعضُ المتأخِّرين والمتقدِّمين مِن المتكلِّمين إلى أنَّ مَن لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طُرقوها، والأبحاثِ التي حرَّروها لم يصحَّ إيمانُه، وهو كافر، فيلزمُ على هذا تكفيرُ أكثر المسلمين، وأوَّلُ مَن يُبدأُ بتكفيره آباؤه وأسلافُه وجيرانُه. وقد أُورِدَ على بعضهم هذا فقال: لا تُشنِّع عليَّ بكثرة أهل النَّار، أو كما قال(٣). قلت: وهذا القولُ لا يصدُر إلَّا مِن جاهلٍ بكتاب الله وسنَّة نبيّه؛ لأنَّه ضيَّقَ رحمةً الله الواسعة على شِرذِمة يسيرة مِن المتكلِّمين، واقتحموا في تكفير عامَّة المسلمين. أين هذا مِن قول الأعرابي الذي كشفَ عن فرجه لِيبولَ، وانتهَره أصحابُ النبيِّ ﴾: اللهمَّ ارحمني ومحمداً، ولا ترحَمْ معنا أحداً، فقال النبيُّ ﴾: ((لقد حَجَّرتَ واسِعاً)). (١) كذا سمَّاه المصنف رحمه الله وياقوت الحموي في معجم البلدان ١٥٢/٣ و٢٥٢ ، والسبكي في طبقات الشافعية ٣٠٢/٥. وسمَّاه الخطيب البغدادي في تاريخه ٣٥٥/١، والذهبي في السير ٦٥١/١٧، واللكنوي في الفوائد البهية ص٢٦٢ : محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمود السِّمناني، الحنفي، العراقي، قاضي الموصل، يعتقد مذهب الأشعري، له تصانيف. (٢) كذا قال المصنف رحمه الله ولم نقف على من ذكر (صف واحد)، وأخرج أحمد (٢٢٩٤٠)، والترمذي (٢٥٤٦) من حديث بُريدة الأسلمي ﴾ مرفوعاً بلفظ: «أهلُ الجنة عشرون ومنةُ صفّ، ثمانون منها من هذه الأُمَّة». (٣) المفهم ٦/ ٦٩٣ . ٤٠٢ سورة الأعراف: الآية ١٨٥ خرَّجَه البخاري والترمذي وغيرُهما مِن الأئمة(١). أترى هذا الأعرابيّ عَرَفَ اللهَ بالدليل والبرهان والحُجَّة والبيان؟! وأنَّ رحمتَّه وَسِعَتْ كلَّ شيءٍ، وكم مِن مثله محكومٌ له بالإيمان. بل اكتفى # مِن كثير ممن أسلمَ بالنُّطق بالشهادتين، وحتى إنَّه اكتفى بالإشارة في ذلك، ألا تراه أنه لمَّا قال للسوداء: ((أين الله؟)) قالت: في السماء. قال: ((مَن أنا؟)) قالت: أنت رسولُ الله، قال: ((أَعْتِقْها، فإنَّها مُؤمنةٌ))(٢)، ولم يكن هناك نَظَرٌ ولا استدلالٌ، بل حَكَمَ بإيمانهم مِن أوَّل وَهْلة، وإنْ كان هناك عن النَّظر والمعرفة غَفْلة. والله أعلم. الرابعة: ولا يكون النَّظر أيضاً والاعتبارُ في الوجوه الحِسان مِن المُرْد والنِّسوان. قال أبو الفرج الجوزي(٣): قال أبو الطَّيِّب طاهر بن عبد الله الطبريّ: بلغني عن هذه الطائفةِ التي تسمعُ السَّماعَ أنَّها تُضيف إليه النظرَ إلى وجه الأَمْرد، وربما زيَّتَتْه بالحُلِيِّ والمُصبغات مِن الثياب، وتزعمُ أنَّها تقصِدُ به الازديادَ في الإيمان بالنَّظرِ والاعتبار، والاستدلال بالصَّنعة على الصانع. وهذه النهايةُ في متابعةِ الهوى ومُخادعةِ العقل ومُخالفةِ العلم. قال أبو الفرج: وقال الإمام أبو الوفاء ابن عَقيل: لم يُحِلَّ اللهُ النَّظرَ إلَّا على صورٍ لا ميلَ للنفس إليها، ولا حظّ للهوى فيها، بل عبرةٌ لا يُمازجُها شهوة، ولا يُقارنُها(٤) لذَّة. ولذلك ما بعثَ الله سبحانه امرأةً بالرسالة، ولا جعلها قاضياً ولا إماماً ولا مُؤْذِّناً، كلُّ ذلك لأنَّها محلُّ شهوةٍ وفتنة. فمن قال: أنا آخذُ(٥) مِن الصور المُستحسنة عِبَراً؛ كذَّبناه، وكلُّ مَن ميَّز نفسَه بطبيعة تُخرجه عن طباعنا كذَّبناه، وإنَّما هذه خُدَعُ الشيطان للمُدَّعين. (١) صحيح البخاري (٦٠١٠)، وسنن الترمذي (١٤٧)، وهو عند أحمد (٧٢٥٥) من حديث أبي هريرة (٢) سلف ١٢٣/٥. (٣) في تلبيس إبليس ص٢٥٩ - ٢٦٠ . (٤) في (ظ): يقاربها، وفي تلبيس إبليس: تعتريها. (٥) في (خ) و(د) و(ز) و(م) وتلبيس إبليس: أجد، والمثبت من (ظ). ٤٠٣ سورة الأعراف: الآية ١٨٥ وقال بعضُ الحكماء: كلُّ شيءٍ في العالم الكبير له نظيرٌ في العالم الصغير، ولذلك قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِيَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقال: ﴿وَفِيَّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، وقد بيَّنَّا وجهَ التمثيل في أوَّلِ ((الأنعام))(١). فعلى العاقل أنْ ينظر إلى نفسه، ويتفكّرَ في خَلْقه؛ مِن حينٍ كونِهِ ماءً دافقاً إلى كونه خلقاً سَويًّا، يُعان بالأغذية ويُرَبَّى بالرِّفق، ويُحِفَظُ باللِّين حتى يكتسِبَ القُوَى ويبلغَ الأَشُدَّ. وإذا هو قد قال: أنا، وأنا، ونَسِيَ حين أتى عليه حينٌ مِن الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، وسيعودُ مقبوراً، فيا ويحه إنْ كان محسوراً، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَّةٍ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةٌ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٢-١٦]. فينظرُ أنَّه عبدٌ مربوبٌ مكلَّفٌ، مخوَّفٌ بالعذاب إنْ قصَّر، مُرَجَّى(٢) بالثواب إن ائتمَر، فيُقبِل على عبادةٍ مولاه، فإنَّه(٣) وإنْ كان لا يراه؛ يراه، ولا يخشى (٤) النَّاس، واللهُ أحقُّ أنْ يَخشاه، ولا يتكبَّر على أحدٍ مِن عبادِ الله؛ فإنَّه مُؤَلَّفٌ مِن أقذار، صائرٌ إلى جنَّة - إنْ أطاعَ - أو إلى نار. وقال ابن العربيّ(٥): وكان شيوخُنا يَستحبُّون أنْ ينظرَ المرءُ في الأبياتِ الحكميةِ التي جمعَتْ هذه الأوصافَ العلميَّة : أبدَ الذَّهرِ ضَجِيعُهْ كيف يَزْهُو مَنْ رَجِيعُهْ وأخوهُ ورَضِيعُهْ هو (٦) منهُ وإليهِ (١) ٣١٨/٨. (٢) في (د) و(ز) و(م): مرتجياً، وفي (ظ): يرجى، والمثبت من (خ)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٠٧ ، والكلام منه، وما سيرد بين حاصرتين منه أيضاً. (٣) لفظة: فإنه، من أحكام القرآن لابن العربي. (٤) في النسخ: ويخشى، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي. (٥) في أحكام القرآن ٨٠٧/٢ . (٦) في (د) و(ز) و(ظ) و(م) وأحكام القرآن: فهو، والمثبت من (خ) وهو الموافق لديوان ابن الرومي ١٥٥٢/٤ ، والأبيات له. ٤٠٤ سورة الأعراف: الآيات ١٨٥ - ١٨٧ وهو يدعوهُ(١) إلى الحَـشٌ(٢) بصُغْرٍ فيطيعُةْ قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ معطوفٌ على ما قبلَه، أي: وفيما خلقَ الله مِن الأشياء. ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ أَقَْبَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: وفي آجالِهم التي عسى أنْ تكون قد قَرُبت، فهو في موضع خفض، معطوفٌ على ما قبله(٣). وقال ابن عباس: أرادَ باقترابِ الأجلِ يومَ بَذْرٍ وَيومٍ أُحُد (٤). ﴿فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بأيِّ قرآنٍ غيرِ ما جاءَ به محمدٌ * يُصدِّقون؟(٥). وقيل: الهاءُ للأجَل، على معنى: بأيِّ حديثٍ بعدَ الأجَلِ يؤمنون حين لا ينفعُ الإيمان؟ لأنَّ الآخرةَ ليست بدارِ تكليف(٦). قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَ هَادِىَ لَّ وَيَذَرُهُمْ فِ تُغْيَنِمْ يَعْمَعُونَ بيَّنَ أنَّ إعراضَهم لأنَّ الله أضلَّهم، وهذا ردٌّ على القدريَّة. ﴿وَيَدَرُهُمْ فِي ◌ُغْيَتِهِمْ﴾ بالرفع على الاستئناف(٧). وقُرِئ بالجزمِ حَمْلاً على موضع الفاءِ وما بعدَها (٨). ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يتحيَّرون، وقيل: يتردّدون، وقد مضى في أوَّلِ ((البقرة) مُستوفّى(٩). قوله تعالى: ﴿يَبْشَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أََّنَ مُهْسَنِهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَِّّ لَا يَلِّهَا لِوَقِّهَا إِلَّا هُوْ ثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا تَأْتِيَكُمْ إِلَّ بَعْنَهُ يَسْلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْبَّاً قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَانَ مُهْسَنَهَا﴾ ((أَيَّانَ)) سؤالٌ عن الزمان، مثل: متى. (١) في الديوان: ثم يُلجيه. (٢) الحشّ: (بفتح الحاء وضمها): موضع قضاء الحاجة، وأصله من الحَشّ: البستان؛ لأنهم كانوا كثيراً ما يتغوَّطون في البساتين. النهاية (حشش). (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٦٥/٢ . (٤) لم نقف عليه. (٥) الوسيط للواحدي ٢/ ٤٣٢ . (٦) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٤٨٣/٢ . (٧) قرأ بها أبو عمرو وعاصم. السبعة ص٢٩٩، والتيسير ص١١٥. (٨) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤٨٥/١، وقرأ بها حمزة والكسائي، وقرأ الباقون: ونَذَرُهم. (٩) ٣١٧/١ - ٣١٨. ٤٠٥ سورة الأعراف: الآية ١٨٧ قال الراجز: أيَّانَ تَقضِي حاجَتي أيَّانَا أَما تَرى لِنُجْحِها أوَانًا(١) وكانت اليهودُ تقول للنبيّ ﴾: إنْ كنت نبيًّا فأخبرنا عن الساعة متى تقوم(٢). ورُويَ أنَّ المشركين قالوا ذلك لفَرط الإنكار(٣). و(مُرساها)) في موضع رَفْع بالابتداء عند سيبويه(٤)، والخبرُ: ((أيَّان))، وهو ظرفٌ مبنيٌّ على الفتح؛ بُني لأنَّ فيه معنى الاستفهام(٥). و (مُرساها)) بضم الميم، مِن: أَرساها الله، أي: أَثبتها، أي: متى مُثْبَتُها، أي: متى وقوعُها. وبفتح الميم مِن: رَسَتْ، أي: ثبتَتْ ووقفَتْ، ومنه: ﴿وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ﴾ [سبأ: ١٣]. قال قتادة: أي: ثابتات(٦). ﴿قُلْ إِنََّ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّ﴾ ابتداءٌ وخبر(٧)، أي: لم يُبيِّنها لأحد، حتى يكونَ العبدُ أبداً على حَذَر ﴿لَا يُجِّهَا﴾ أي: لا يُظهرها ﴿لَقِيَا﴾ أي: في وقتها ﴿إِلَّا هُوَ﴾، والتَّجلِيةُ: إظهارُ الشيء، يُقال: جلا لي فلانٌ الخبرَ: إذا أظهرَه وأوضحَه. ومعنى ﴿َقُلَتْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ خَفِيَ علمُها على أهل السماوات والأرض. وكلُّ ما خَفِيَ علمُه فهو ثقيلٌ على الفؤاد(٨). وقيل: كبُرَ مجيئُها على أهل السماوات (١) النكت والعيون ٢٨٤/٢، وهو في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٣٤/١، وتفسير الطبري ٦٠٦/١٠، واللسان (أبن) وفيها: إيَّانا، بدل: أوانا، قال ابن منظور: إيَّان كل شيء: وقته وحينه الذي يكون فيه. (٢) أخرجه الطبري ١٠/ ٦٠٥ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٣) أخرجه الطبري ٦٠٤/١٠ عن قتادة بنحوه. (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٦٦/٢. (٥) مشكل إعراب القرآن لمكي ٣٠٦/١ . (٦) أخرجه الطبري ١٩/ ٢٣٤. (٧) إعراب القرآن للنحاس ١٦٦/٢. (٨) معاني القرآن للنحاس ١١٠/٣ - ١١١. ٤٠٦ سورة الأعراف: الآية ١٨٧ والأرض، عن الحسن وغيره. ابن جُريج والسُّدِّي: عظُمَ وصفُها على أهل السماوات والأرض. وقال قتادة وغيره: المعنى: لا تُطيقُها السماواتُ والأرضُ لِعِظَمها؛ لأنَّ السماءَ تنشقُّ، والنجومَ تتناثرُ، والبحارَ تنضُبُ(١). وقيل: المعنى: ثقُلَت المسألة عنها(٢). ﴿لَا تَأْتِكُتْ إِلَّ بَةٌ﴾ أي: فجأةً، مصدرٌ في موضعِ الحال(٣). ﴿يَسْتَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىُّ عَنّهاً﴾ أي: عالِمٌ بها، كثيرُ السؤالِ عنها. قال ابن فارس (٤): الحَفِيُّ : العالِمُ بالشيء، والحَفِيُّ: المُستَقصي في السؤال. قال الأعشى(٥): حَفِيٍّ عن الأعشَى به حيثُ أَضْعَدَا فإنْ تَسْأَلِي عِنِّي فِيَا رُبَّ سَائِلٍ يقال: أَحفى في المسألة وفي الطلب، فهو مُخْفٍ، وحَفِيٍّ على التكثير، مثل مُخْصِبٍ وخَصيب. قال محمد بن يزيد: المعنى: يسألونَك كأنَّك حَفِيٍّ بالمسألةِ عنها، أي: مُلِحٌّ، يذهب إلى أنَّه ليس في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ(٦). وقال ابن عباس وغيره: هو على التقديم والتأخير، والمعنى: يسألونَك عنها كأنَّك حَفِيٍّ بهم، أي: حَفيٌّ ببرِّهم وفَرِحٌ بسؤالهم، وذلك لأنَّهم قالوا: بيننا وبينك قرابةٌ، فَأَسِرَّ إلينا بوقتِ الساعة(٧). ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ليس هذا تكریراً، ولكن أحدُ العِلْمَين لوقوعها، والآخرُ لِكُنهها (٨). (١) تفسير الطبري ٦٠٨/١٠ - ٦٠٩، والنكت والعيون ٢٨٥/٢ . (٢) معاني القرآن للنحاس ١١١/٣. (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٦٦/٢. (٤) في مجمل اللغة ٢٤٣/١ . (٥) دیو انه ص١٨٥ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ١٦٦/٢، ومحمد بن يزيد: هو المبرّد. (٧) تفسير الطبري ٦١١/١٠ - ٦١٢، ومعاني القرآن للنحاس ١١١/٣ - ١١٢. (٨) إعراب القرآن للنحاس ١٦٦/٢ . ٤٠٧ سورة الأعراف: الآية ١٨٨ قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرَّا إِلَّ مَا شَآءَ اَللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَِّىَ السُّوَّةِ إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيْرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرَّ﴾ أي: لا أملكُ أنْ أجلبَ إلى نفسي خيراً، ولا أدفعَ عنها شرًّا؛ فكيف أملكُ عِلْمَ الساعة(١). وقيل: لا أملكُ لنفسي الهُدى والضلال(٢). ﴿إِلَّا مَا شَآءَ اَللَّهُ﴾ في موضع نصبٍ بالاستثناء، والمعنى: إلَّا ما شاء الله أنْ يُملِّگني ويُمگنني منه، وأنشد سيبويه: مهما شاءَ بالنَّاسِ يَفعَلٍ(٣) ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ المعنى: لو كنت أعلمُ ما يُريد الله عزَّ وجلَّ مني مِن قبل أنْ يُعرِّفَنِيه؛ لفعلتُه. وقيل: لو كنت أعلمُ متى يكونُ لي النصرُ في الحرب لقاتلْتُ فلم أُغلَب (٤). وقال ابن عباس: لو كنت أعلمُ سنةً الجذب لهيّتُ لها في زمن الخصب ما يَكفِيني(٥). وقيل: المعنى لو كنت أعلمُ التجارةَ التي تَنفُقُ لاشتريتُها وقتَ كسادها(٦). وقيل: المعنى: لو كنتُ أعلمُ متى أموتُ لاستكثرتُ مِن العملِ الصالح، عن الحسن وابن جُريج (٧). وقيل: المعنى: لو كنتُ أعلمُ الغيبَ لأَجبْتُ عن كل ما أُسألُ عنه(٨). (١) تفسير أبي الليث ١/ ٥٨٧ . (٢) أخرجه الطبري ٦١٦/١٠ عن ابن جريج. (٣) من بيت للأسود بن يَعفَرَ كما في كتاب سيبويه ٢٤٦/٢، ونوادر أبي زيد ص١٥٩، وتمامه: عن الناس مهما شاء بالناس يفعلٍ ألا هل لهذا الدَّهر من مُتَعلّلٍ (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٦٦/٢ - ١٦٧. (٥) معاني القرآن للنحاس ١١٢/٣، والمحرر الوجيز ٤٨٥/٢ . (٦) أورده بنحوه أبو الليث في تفسيره ٥٨٧/١، والماوردي في النكت والعيون ٢٨٥/٢ . (٧) النكت والعيون ٢/ ٢٨٥، وأخرجه الطبري ٦١٦/١٠ من قول ابن جريج ومجاهد. (٨) أورده الطبرسي في مجمع البيان ٧٩/٩ . : ٤٠٨ سورة الأعراف: الآيات ١٨٨ - ١٩٠ وكلُّه مُراد، والله أعلم. ﴿وَمَا مَسََِّ الشُّوَةُ إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِرٌ لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ﴾ هذا استئنافٌ کلام، أي: ليس بي جنونٌ؛ لأنَّهم نَسبوهُ إلى الجنون. وقيل: هو مثَّصلٌ، والمعنى: لو علمتُ الغيبَ لما مسَّني سوءٌ وَلَحذِرتُ(١). ودلَّ على هذا قولُه تعالى: ﴿إِنْ أَنَا إلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيّاً فَلَمَّا تَغَشّنْهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِ، فَلَمَّا أَثْقَلَتَ ذَّعَوَا ◌َللَّهَ رَبَّهُمَا لَبِنْ ءَتَيْتَنَا صَلِحًا لَّتَكُونَنَّ مِنَ الشَِّكِينَ فَلَمَآ ءَاتَنهُمَا صَلِحًا جَعَلَاً لَهُ شُرَّكَاةَ فِيمَآ ءَاتَنْهُمَأَ فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ فیه سبع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَسِدَةٍ﴾ قال جمهورُ المفسرين: المرادُ بالنفسِ الواحدةِ آدمُ [عليه السلام]. ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني: حوَّاء. ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾: ليأنسَ بها ويطمئنَّ، وكان هذا كلُّه في الجنَّة. ثم ابتدأَ بحالةٍ أُخرى هي في الدنيا بعدَ هبوطِهما، فقال: ﴿فَلَمَّا تَفَشَّنْهَا﴾ كنايةٌ عن الوِقاع(٢). ﴿حَمَلَتْ حَمْلَا خَفِيفًا﴾، كلُّ ما كان في بطنٍ أو على رأسٍ شجرةٍ؛ فهو حَمْلٌ؛ بالفتح. وإذا كان على ظهرٍ أو على رأسٍ؛ فهو حِمْلٌ؛ بالكسر. وقد حكّى يعقوب في حَمْل النخلةِ الكسْر(٣). وقال أبو سعيد السيرافيُّ(٤): يُقال في حَمْلِ المرأةِ: حَمْل وحِمْل، يُشِبَّه مرَّةً (١) تفسير الرازي ٨٥/١٥ . (٢) المحرر الوجيز ٤٨٦/٢ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٦٧/٢، ويعقوب: هو ابن السُّكِّيت. وينظر إصلاح المنطق له ص٣ ، وتهذيب اللغة ٩٠/٥ . (٤) الحسن بن عبد الله بن المَرْزُبان، نحويُّ بغداد، تصدر لإقراء القراءات واللغة، وقرأ القرآن على ابن مجاهد، جوَّد شرح كتاب سيبويه، وله ((ألفات القطع والوصل)). توفي سنة (٣٦٨هـ). السير ٢٤٧/١٦. ٤٠٩ سورة الأعراف: الآيتان ١٨٩ - ١٩٠ الاستبطانِه بحَمْل المرأة، ومرَّةً لبُروزِه وظهورِهِ بِحِمْلِ الدَّابَّة(١). والحَمْلُ أيضاً مصدرُ حَمَل عليه يَحمِل حَملاً: إذا صالَ. ﴿فَمَرَّتْ بِّ﴾ يعني المَنِيَّ، أي: استمرَّتْ بذلك الحَمْلِ الخفيف، يقول: تقومُ وتقعدُ وتَقَلَّبُ، ولا تكترِثُ بحملِه إلى أنْ ثَقُلَ، عن الحسن ومجاهد وغيرِهما (٢). وقيل: المعنى: فاستمرَّ بها الحملُ، فهو مِن المقلوب، كما تقول: أدخلْتُ القَلَتْسُوةَ في رأسي. وقرأَ عبدُ الله بن عمرو (٣): ((فَمَارَتْ به)) بألفٍ والتخفيف، مِن: مَارَ يَمُورُ: إذا ذهبَ وجاءً وتصرَّفُ. وقرأَ ابن عباس ويحيى بن يَعْمَر: ((فَمَرَتْ به))(٤) خفيفةً مِن المِرْيَة، أي: شكَّتْ فيما أصابَها، هل هو حَملٌ أو مرضٌ، أو نحو ذلك. الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْقَلَت﴾ صارَتْ ذاتَ ثِقَل، كما تقول: أثمرَ النخلُ(٥). وقيل: دخلَتْ في الثِّقَل، كما تقول: أصبحَ وأمسَى. ﴿َدَعَوَ اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ الضميرُ في ((دَعَوَا)) عائدٌ على آدمَ وحوَّاء. وعلى هذا القولِ ما رُوي في قَصصٍ هذه الآية أنَّ حوَّاءَ لمَّا حملَتْ أوَّلَ حَملٍ لم تَدْرِ ما هو - وهذا يُقوِّي قراءةَ مَن قرأَ: ((فَمَرَتْ به)) بالتخفيف - فجزِعَتْ لذلك، فوجدَ إبليسُ السبيلَ إليها(٦). قال الكلبيُّ: إنَّ إبليسَ أتى حوَّاءَ في صورةٍ رجلٍ لمَّا أثقلَتْ في أوَّلِ ما حملَتْ فقال: ما هذا الذي في بطنِك؟ قالت: ما أدري! قال: إنِّي أخافُ أنْ يكون بهيمةً. فقالت ذلك لآدمَ عليه السلام. فلم يزالا في هَمٍّ مِن ذلك. ثم عاد إليها فقال: هو مِن الله بمنزلة، فإنْ دعوتُ الله فولَدْتِ إنساناً، أفتسمِينه(٧) بي؟ قالت: نعم. قال: فإِنِّي (١) اللسان (حمل). (٢) أخرجه الطبري ٦١٨/١٠ بنحوه، وينظر معاني القرآن للزجاج ٣٩٥/٢. (٣) في النسخ: عبد الله بن عمر، والمثبت من المحرر الوجيز ٤٨٦/٢، والكلام منه. والمحتسب ٢٧٠/١ . (٤) القراءات الشاذة ص ٤٧، والمحتسب ٢٦٩/١ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٦٧. (٦) المحرر الوجيز ٤٨٦/٢ . (٧) في (خ) و(ز) و(ظ): فتسمِّيه، وفي (د): فسمِّيه باسمي، والمثبت من (م). ٤١٠ سورة الأعراف: الآيتان ١٨٩ - ١٩٠ أدعو الله. فأتاها وقد وَلَّدَتْ، فقال: سمِیه باسمي. فقالت: وما اسمُكَ؟ قال: الحارثُ - ولو سمَّى لها نفسَه لَعرفَتْهُ - عبدَ الحارث(١). ونحو هذا مذكورٌ في(٢) ضعيفِ الحديث، في الترمذي (٣) وغيرِهِ. وفي الإسرائيلياتِ كثيرٌ ليس لها ثباتٌ، فلا يُعوِّلُ عليها مَن له قَلْبٌ، فإنَّ آدمَ وحوَّاءَ عليهما السلام وإنْ غرَّهما بالله الغَرُورُ؛ فلا يُلدغُ المؤمنُ مِن جُخْرٍ مرَّتين، على أنَّه قد سُطّر وكُتبَ، قال(٤) رسولُ اللـه :﴾: ((خدعَهما مرَّتين: [خدعَهما] في الجنَّة، وخدعَهما في الأرض))(٥). وُضِدَ هذا بقراءةِ السلميّ: ((أَتُشرِكون)) بالتاء(٦). ومعنى ﴿مَلِحًا﴾ يريدُ: ولداً سويًّا (٧). ﴿فَلَّآ ءَاتَنُهُمَا صَلِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَةَ فِيمَآ ءَاتَنْهُمَأَ﴾. واختلَفَ العلماءُ في تأويلٍ الشّركِ المضافِ إلى آدمَ وحوَّاء، وهي: الثالثة: قال المفسرون: كان شِرْكاً في التسمية والصفة، لا في العبادةِ والربوبيَّة(٨). (١) تفسير البغوي ٢/ ٢٢١ ، وهو ضعيف۔ کما سیذکر المصنف - ولا يلتفت إليه. (٢) في (خ) و(ظ) و(م): من، والمثبت من (د) و(ز)، وهو موافق لأحكام القرآن لابن العربي ٨٠٩/٢ ، والكلام منه. (٣) الحديث (٣٠٧٧)، وأخرجه أحمد (٢٠١١٧)، والطبري ٦٢٣/١٠ من طريق عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب ﴾ مرفوعاً. وعمر بن إبراهيم، قال: فيه ابن عدي في الكامل ١٧٠٠/٥: يروي عن قتادة ما لا يوافق عليه. والحسن البصري مشهور بالتدليس، ولم يثبت سماعه من سمرة إلا حديث العقيقة، كما في مراسيل ابن أبي حاتم ص٣٢، وجامع التحصيل للعلائي ص١٩٨ . وقد أعلَّ ابن كثير هذا الحديث في تفسيره وقال: إن الحسن البصري نفسه فسَّر الآية بغير هذا، فلو كان عنده عن سمرة مرفوعاً؛ لما عدلَ عنه. (٤) تكرر لفظ: قال في (خ) و(د) و(ز) و(م)، والمثبت موافق لـ (ظ). (٥) أخرجه الطبري ١٠/ ٦٣٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٥ (٨٦٦٤) - وما بين حاصرتين منهما - عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، مرسلاً. ووقع عند ابن أبي حاتم: قال رسول الله #: خدعهما مرتين، قال زيد: خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض. (٦) في الآية التالية، وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤٨ . (٧) تفسير البغوي ٢/ ٢٢١ . (٨) تفسير الطبري ٦٢٩/١٠ . ٤١١ سورة الأعراف: الآيتان ١٨٩ - ١٩٠ وقال أهلُ المعاني: إنَّهما لم يذهبَا إلى أنَّ الحارثَ ربُّهما بتسمِيتِهما ولدَهما عبدَ الحارث، لكنَّهما قَصَدَا إلى أنَّ الحارثَ كان سببَ نجاةِ الولدِ، فسمَّياه به كما يُسمِّي الرجلُ نفسَه عبدَ ضَيْفِه على جهةِ الخُضوع له، لا على أنَّ الضيفَ ربُّه (١)، كما قال حاتم : وإِنِّي لَعبدُ الضَّيفِ ما دام ثاوِياً وما فيّ إلَّ تِيكَ مِن شيمةِ العَبدِ (٢) وقال قومٌ: إنَّ هذا راجعٌ إلى جنسِ الآدميين، والتبيينِ عن حالِ المشركين مِن ذرِّيةِ آدمَ عليه السلام، وهو الذي يُعوَّل عليه. فقوله: ((جَعَلًا له)) يعني الذَّكَرَ والأنثى: الكافرِين، ويُعنى به الجنسان، ودلَّ على هذا: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ولم يَقُل: يُشركان، وهذا قولٌ حَسَنٌ. وقيل: المعنى ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾: مِن هیئةٍ واحدة وشكل واحد، ((وجَعَلَ منها زوجَها)) أي: مِن جنسِها، ((فلمَّا تَغْشَّاها)) يعني الجنسين. وعلى هذا القولٍ لا يكون لآدمَ وحوَّاءَ ذِكرٌ في الآية (٣)، فإذا آتاهما الولدَ صالحاً سليماً سوِيًّا كما أراداهُ؛ صرفاهُ عن الفِطرةِ إلى الشِّرك، فهذا فعلُ المشركين(٤). قال ﴾: ((ما مِن مولودٍ إلَّا يُولدُ على الفطرة - في روايةٍ: على هذه المِلَّة - أبواهُ يُهَوِّدانِه ويُنَصِّرانِه ويُمَجِّسانِه))(٥). قال عكرمة: لم يخصَّ بها آدمَ، ولكنْ جعلَها عامَّةً لجميع الخلقِ بعدَ آدم(٦). وقال الحسين بن الفضل: وهذا أعجبُ إلى أهلِ النَّظر من القول الأول (٧)؛ لِمَا في القولِ (١) وهذا كلام مستند إلى خبر باطل، فلا يعوَّل عليه. (٢) الوسيط للواحدي ٤٣٥/٢، وتفسير البغوي ٢٢١/٢، وتفسير الرازي ٨٨/١٥، والبيت في ديوان حاتم الطائي ص٤٤ ، وفيه: إلا تلك، بدل: إلا تيك. (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٦٧/٢ (٤) المحرر الوجيز ٤٨٦/٢ . (٥) سلف ١٤٨/٧ . (٦) أورده النحاس في معاني القرآن ١١٦/٣، والبغوي في تفسيره ٢٢٢/٢ . (٧) قوله: من القول الأول، من (ظ). ٤١٢ سورة الأعراف: الآيتان ١٨٩ - ١٩٠ الأَوَّلِ مِن المضافِ مِن العظائمِ بِنبيِّ الله آدم. وقرأ أهلُ المدينةِ وعاصم: ((شِرْكاً)) على التوحيد(١). وأبو عمرو وسائرُ أهلِ الكوفة بالجمع(٢)، على مثل: فُعَلَاء، جمعُ شريك. وأنكرَ الأخفشُ سعيدٌ القراءةَ الأُولى(٣)، وهي صحيحةٌ على حذفِ المضاف، أي: جعلا له ذا شِرْك، مثل: ﴿وَسْتَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، فيرجعُ المعنى إلى أنَّهم جعلوا له شُركاء. الرابعة: ودلَّت الآيةُ على أنَّ الحملَ مرضٌ مِن الأمراض. روى ابنُ القاسم ويحيى عن مالك قال: أوَّلُ الحملِ بِشْرٌ (٤) وسرورٌ، وآخرُه مرضٌ مِن الأمراض. وهذا الذي قالَه مالك: إنَّه مرضٌ مِن الأمراض يُعطيهِ ظاهرُ قوله: ﴿وَعَوَا ◌َللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ وهذه الحالُ مُشاهَدَةٌ في الحوامل(٥)، ولأجلِ عِظَمِ الأمرِ وشدَّةِ الخطبِ جُعِلَ موتُها شهادةً، كما وردَ في الحديث(٦). وإذا ثبتَ هذا مِن ظاهرِ الآية؛ فحالُ الحاملِ حالُ المريضِ في أفعاله. ولا خلافَ بين علماءِ الأمصارِ أنَّ فعلَ المريضِ فيما يَهَبُ أو يُحابِي في ثُلُثِهِ. (١) قرأ بها نافع وأبو جعفر المدنيان وعاصم في رواية شعبة. السبعة ص٢٩٩، والتيسير ص ١١٥، والنشر ٢٧٣/٢. (٢) قرأ بها حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وأبو عمرو البصري وابن كثير المكي وابن عامر الشامي. السبعة ص٢٩٩ والتيسير ص ١١٥ . (٣) في معاني القرآن له ٥٣٩/٢ - ٥٤٠، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٦٧/٢-١٦٨، وما قبله وما بعده منه. (٤) في (ز) و(ظ) و(م): يسر، والمثبت من (خ) و(د)، وهو الموافق للموطأ ٢/ ٧٦٤، وأحكام القرآن لابن العربي ٨٠٩/٢ ، والكلام منه. (٥) في النسخ: الحُمَّال، ولم نقف على هذا الجمع، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي. (٦) أخرجه مالك في الموطأ ٢٣٣/١ - ٢٣٤، وأحمد (٢٣٧٥٣)، وأبو داود (٣١١١)، والنسائي ٤/ ١٤ من حديث جابر بن عتيك﴾ مرفوعاً بلفظ: ((الشهادةُ سبعٌ سوى القتل في سبيل الله .. )) وذكّر: ((المرأة تموت بجُمع شهيدة)). وقوله: تموت بجُمع، أي: الميِّتَة في التّفاس وولدها في بطنها لم تَلِدْه وقد تمَّ خلقه. كما في حاشية السندي على مسند أحمد. ٤١٣ سورة الأعراف: الآيتان ١٨٩ - ١٩٠ وقال أبو حنيفة والشافعيّ: إنَّما يكونُ ذلك في الحاملِ بحالِ الطَّلْق، فأمَّا قبلَ ذلك فلا. واحتجُّوا بأنَّ الحملَ عادةٌ، والغالبُ فيه السلامة. قلنا: كذلك أكثرُ الأمراضٍ غالبُه السلامةُ، وقد يموتُ مَن لم يَمْرَضْ(١). الخامسة: قال مالك: إذا مضَتْ للحاملِ سنَّةُ أشهر مِن یومَ حملتْ؛ لم يجزْ لها قضاءً في مالِها إلَّ في الثُّلث(٢). ومَن طلَّق زوجته وهي حاملٌ طلاقاً بائناً؛ فلمَّا أتى عليها سنَّةُ أشهر، فأرادَ ارتجاعَها؛ لم يكنْ له ذلك؛ لأنَّها مريضةٌ، ونكاحُ المريضةِ لا ء (٣) يَصِحُ(٣). السادسة: قال يحيى: وسمعتُ مالكاً يقول في الرجلِ يحضرُ القتالَ: إنَّه إذا زحفَ في الصفّ للقتالِ؛ لم يَجُزْ له أنْ يقضيَ في مالِه شيئاً إلَّا في الثُّلث، وإِنَّه بمنزلةٍ الحاملِ والمريضِ المَخُوفِ عليه ما كان بتلك الحال(٤). ويلتحقُ بهذا المحبوسُ للقتلِ في قِصاص. وخالفَ في هذا أبو حنيفة والشافعيُّ وغيرهما. قال ابن العربيّ(٥): وإذا استوعبْتَ النَّظرَ لم تَرْتَبْ في أنَّ المحبوسَ على القتلِ أشدُّ حالاً مِن المريض، وإنكارُ ذلك غفلةٌ في النَّظر؛ فإنَّ سببَ الموتِ موجودٌ عندهما، كما أنَّ المرضَ سببُ الموت، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ أَلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]. وقال رُوَيشد الطائيّ: سائِلْ بني أسَدٍ ما هذه الصَّوْتُ يا أيُّها الراكبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ قَولاً يُبَرِّثُكم إِنِّي أنا المَوْتُ(٦) وقلْ لهم بادِروا بالعُذْرِ والتَمِسوا (١) أحكام القرآن لابن العربي ٨١٠/٢ . (٢) الموطأ ٢/ ٧٦٥ . (٣) النوادر والزيادات ٤/ ٥٦٠ . (٤) الموطأ ٢/ ٧٦٥ . (٥) في أحكام القرآن ٢/ ٨١٠ ، وما قبله منه. (٦) سلف البيتان ٩١/٣ . ٤١٤ سورة الأعراف: الآيات ١٨٩ - ١٩٢ وممَّا يدلُّ على هذا قولُه تعالى: ﴿إِذْ جَءُوكُمْ مِّن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ اَلْأَبْصَرُ وَيَغَتِ الْقُلُوبُ اَلْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]. فكيف يقول الشافعيّ وأبو حنيفة: الحالُ الشديدةُ إنَّما هي المبارزةُ، وقد أخبرَ الله عزَّ وجلَّ عن مقاومةِ العدوِّ وتَداني الفريقَين بهذه الحالةِ العُظمى مِن بلوغ القلوبِ الحناجر، ومِن سوءِ الظنونِ بالله، ومِن زَلْزلةِ القلوبِ واضطرابِها؛ هل هذه حالة تُرى على المريض أم لا؟ هذا ما لا يشكُّ فيه مُنصِفٌ، وهذا لمن ثبتَ في اعتقاده، وجاهد في الله حقَّ جهاده، وشاهدَ الرسولَ وآياته، فکیف بنا؟! السابعة: وقد اختلف علماؤنا في راکب البحر وقت الھول، هل حكمه حكمُ الصَّحيح أو الحامل؟ فقال ابن القاسم: حکمه حکمُ الصَّحیح. وقال ابن وهب وأشھب: حكمه حكمُ الحامل إذا بلغَتْ سنَّة أشهر. قال القاضي أبو محمد: وقولُهما أقيسُ؛ لأنَّها حالةٌ خوفٍ على النفس كإثقالِ الحَمْل(١). قال ابن العربيّ (٢): وابنُ القاسم لم يركَب البحرَ، ولا رأى دوداً (٣) على عود، ومَن أرادَ أن يوقنَ بالله أنَّه الفاعلُ وحدَه لا فاعلَ معه، وأنَّ الأسبابَ ضعيفةٌ لا تعلُّق لموقنٍ بها، ويتحقَّقَ التوُّلَ والتفويضَ، فليركَبِ البحرَ. وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَّ قوله تعالى: ﴿أَيْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَّقُونَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ قوله تعالى: ﴿أَيُتْرِكُنَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ أي: أيعبدون ما لا يقدر على خلق شيء. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: الأصنام مخلوقة. وقال: ((يُخْلَقُونَ)) بالواو والنون؛ لأنهم اعتقدوا (١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس ٤٠٥/٣، والمعونة لعبد الوهاب البغدادي ١٦٤١/٣. (٢) أحكام القرآن ٨١١/٢. والكلام السابق فيه إلا قول القاضي أبي محمد. (٣) في أحكام القرآن لابن العربي: ولا أرى أنهم دود. ٤١٥ سورة الأعراف: الآيات ١٩٣ - ١٩٦ أنَّ الأصنام تضرُّ وتنفع، فأُجرِيت مُجرى الناس؛ كقوله: ﴿فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]. ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَآَ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ أي: إنَّ الأصنام، لا تَنصرُ ولا تنتصر. قوله تعالى: ﴿وَإِن تَّدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَى لَا يَتَِّعُوكُمْ سَوَةٌ عَلَيْكُنْ أَدَعَوْتُهُمْ أَمْ أَنْتُمْ مَمِتُونَ قوله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَى لَا يَنَِّعُوكُمْ﴾ قال الأخفش: أي: وإن تدعو الأصنام إلى الهدى لا يتبعوكم. ﴿سَوَةٌ عَلَيْكُنْ أَدَعَوْتُهُمْ أَمْ أَنتُمْ مَمِتُونَ﴾ قال أحمد بن يحيى: لأنه رأس آية، يريد أنه قال: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَئِمِنُونَ﴾ ولم يقل: أم صَمَتُّم. وصامتون وصَمَثُّم عند سيبويه واحد (١). وقيل: المراد مَن سبق في علم الله أنه لا يؤمن. وقُرئ: ((لَا يَتَّبِعُوكُمْ)) مشدّداً ومخفَّفاً(٢)، لغتان بمعنَى. وقال بعض أهل اللغة: ((أَتْبَعَهُ)) مخفَّفاً: إذا مضى خلفه ولم يدركه. و((اتَّبَعَهُ)) مشدّداً: إذا مضى خلفه فأدركه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اَلَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُتُمْ صَدِقِينَ ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَّ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنَّ يَبْصِرُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ ءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَاْ قُلِ أَدْعُواْ شُرَّكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا نُظِرُونِ (٢٥) إِنَّ وَلِقِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّلِينَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ﴾ حاجَّهم في عبادة الأصنام. ((تَدْعُونَ)): تعبدون. وقيل: تدعونها آلهة. ((مِنْ دُونِ اللهِ) أي: من غير الله. وسُمِّيت الأوثان عباداً؛ لأنها مملوكةٌ لله مسخّرة. الحسن: المعنى: أن الأصنام مخلوقة أمثالكم. (١) إعراب القرآن للنحاس ١٦٨/٢. وأحمد بن يحيى: هو ثعلب. (٢) قرأ نافع: ((يَتْبَعوكم))، وقرأ الباقون: ((يَتَّبِعوكم)). السبعة ص٢٩٩، والتيسير ص١١٥ . ٤١٦ سورة الأعراف: الآيات ١٩٤ - ١٩٦ ولمَّا اعتقد المشركون أنَّ الأصنامَ تضرُّ وتنفع؛ أجراها مجرى الناس، فقال: ﴿فَدْعُوهُمْ﴾، ولم يقل: فادعوهنّ. وقال: ((عِبَادٌ))، وقال: ((إنَّ الَّذِينَ))، ولم يقل: إنَّ التي. ومعنى ((فَادْعُوهُمْ)) أي: فاطلبوا منهم النفع والضرَّ . ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أنَّ عبادة الأصنام تنفع. وقال ابن عباس: معنى فادعوهم: فاعبدوهم. ثم وَبَّخهم الله تعالى، وسَفَّه عقولَهم فقال: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاْ أَمْ لَمْ أَبْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَعْبُّنْ يُصِرُونَ بِهَاْ أَ لَهُمْ ءَذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَاْ﴾ الآية. أي: أنتم أفضل منهم، فكيف تعبدونهم؟ والغرضُ بيانُ جهلِهم؛ لأنَّ المعبود يتصف بالجوارح. وقرأ سعيد بن جبير: ((إن الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم)) بتخفيف ((إن)) وكسرها لالتقاء الساكنين، ونصب ((عباداً)) بالتنوين، ((أمثالَكم)) بالنصب(١). والمعنى: ما الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم، أي: هي حجارة وخشب؛ فأنتم تعبدون ما أنتم أشرف منه. قال النحاس(٢): وهذه قراءةٌ لا ينبغي أنْ يُقرأَ بها من ثلاث جهات: أحدها: أنها مخالفة للسّواد. والثانية: أنَّ سیبویه یختار الرفعَ في خبر ((إن)) إذا كانت بمعنی ((ما))، فيقول: إنْ زيدٌ منطلق؛ لأنَّ عمل ((ما)) ضعيف، و((إنْ)) بمعناها، فهي أضعف منها. والثالثة: إنَّ الكسائيَّ زعم أنَّ((إنْ)) لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى ((ما))، إلا أن يكون بعدها إيجاب؛ كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿إِنِ الْكَفِرُونَ إِلَّا فِ غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]. ((فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ)) الأصل أن تكون اللام مكسورة، فحذفت الکسرة لثقلها. ثم قيل: في الكلام حذف، المعنى: فادعوهم إلى أن يتَّبعوكم، فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين أنهم آلهة. وقرأ أبو جعفر وشيبة: ﴿أم لهم أيدٍ يبطُشون بها﴾ بضم الطاء (٣)، وهي لغة. واليد (١) القراءات الشاذة ص٤٨، والمحتسب ٢٧٠/١ . (٢) في إعراب القرآن ٢/ ١٦٨ - ١٦٩ وما قبله منه. (٣) وهي قراءة أبي جعفر من العشرة، النشر ٢٧٤/٢ . ٤١٧ سورة الأعراف: الآيات ١٩٤ - ١٩٨ والرِّجل والأذن مؤنَّئات يُصَغَّرْن بالهاء. وتزاد في اليد ياء في التصغير، تردُّ إلى أصلها فيقال: يُدَيَّة؛ بالتشديد؛ لا جتماع الياءين. قوله تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ شُرَّكَكُمْ﴾ أي الأصنام. ﴿ثُمَّ كِيدُونٍ﴾ أنتم وهي. ﴿فَلَا تُظِرُونِ﴾ أي: فلا تؤخّرون. والأصل: ((كِيدُونِي)) حذفت الياء لأنَّ الكسرة تدلُّ عليها. وكذا: (فَلَا تُنْظِرونٍ))(١). والكيد: المكر. والكيد: الحرب؛ يقال: غزا فلم يلقّ كيداً. ﴿إِنَّ وَلِقِىَ اللَّهُ الَّذِىِ نَزَّلَ الْكِنَبِّ﴾ أي: الذي يتولَّى نصرتي(٢) وحفظي اللهُ. ووليُّ الشيءٍ: الذي يحفظه، ويمنع منه (٣) الضرر. والكتاب: القرآن. ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِينَ﴾ أي: يحفظهم. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﴾ جِهاراً غيرَ سِرِّ يقول: ((أَلَا إنَّ آل أبي - يعني فلاناً - ليسوا لي بأولياءَ، إنما وَلَِّ اللهُ وصالحُ المؤمنين)» (٤). وقال الأخفش: وقُرئ: ((إنَّ ولِيَّ اللهِ الذي نَزَّل الكتابَ)) يعني جبريل. النحاس: هي قراءة عاصم الجَحْدَرِيّ(٥). والقراءة الأولى أبْيَن؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّلِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَى لَا يَسْمَعُواْ وَتَرَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا ١٩٧ يَنصُرُونَ يُبْصِرُونَ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ﴾ كرَّره ليبيِّن أنَّ ما يعبدونه لا ينفعُ ولا يضرُّ. (١) قرأ أبو عمرو وأبو جعفر: ((كيدوني)) بإثبات الياء وصلاً، ويعقوب وهشام بخلف عنه وصلاً ووقفاً. وقرأ يعقوب: ((تنظروني) بالحالين. السبعة ص٢٩٩ - ٣٠٠، والتيسير ص١١٥، والنشر ١٨١/٢ و١٨٤. (٢) في (م): نصري. (٣) في (م): عنه. والكلام في إعراب القرآن للنحاس ١٦٩/٢. (٤) صحيح مسلم (٢١٥). وأخرجه أيضاً أحمد (١٧٨٠٤)، والبخاري (٥٩٩٠). قال القاضي عياض في إكمال المعلم ٦٠٠/١: ((يعني فلاناً) هي كناية عن قوم كره الراوي تسميتهم لما يقع في نفوس ذراريهم ... وقيل: إن المكنى عنه الحكم بن العاص. (٥) إعراب القرآن ١٦٩/٢. ونسب القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤٨ للحسن وشيبة وضعَّف هذه القراءة أبو حاتم فيما نقله عنه أبو حيان في البحر ٤٤٦/٤ . ٤١٨ سورة الأعراف: الآيات ١٩٧ - ١٩٩ ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَى﴾ شرط، والجواب: ﴿لَا يَسْمَعُواْ﴾. ﴿وَتَرَهُمْ﴾ مستأنف. ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ في موضع الحال. يعني الأصنامَ. ومعنى النظر: فتح العينين إلى المنظور إليه، أي: وتراهم كالناظرين إليك. وخبَّر عنهم بالواو - وهي جمادٌ لا تُبصِر - لأن الخبر جَرَى على فِعْلٍ مَن يعقل(١). وقيل: كانت لهم أعين من جواهر مصنوعة، فلذلك قال: ((وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ)). وقيل: المراد بذلك المشركون، أخبر عنهم بأنهم لا يبصرون حين لم ينتفعوا بأبصارهم. قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِنَ فيه ثلاث مسائل : الأولى: هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمَّنت قواعدَ الشريعة في المأمورات والمنهيات(٢). فقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ دخل فيه صلةُ القاطعين، والعفوُ عن المذنبين، والرفقُ بالمؤمنين، وغيرُ ذلك من أخلاق المطيعين. ودخل في قوله: ﴿وَأَمُرْ يَلْعُرْفِ﴾ صلةُ الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغَضُّ الأبصار، والاستعداد لدار القرار. وفي قوله: ﴿وَأَعْرِضِ عَنِ الَْهِينَ﴾ الحَضُّ على التعلُّقِ بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزُّه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة، والأفعال الرشيدة. قلت: هذه الخصال تحتاج إلى بسط، وقد جمعها رسولُ اللـه ﴿ لجابر بن سُلَیم. قال جابر بن سُلَيم أبو جُرَيّ: ركبتُ قَعودي(٣)، ثم أتيتُ إلى مكة، فطلبتُ رسولَ الله ◌ِ﴾، فأَنَخْتُ قَعودي بباب المسجد، فدَلَّوني على رسول اللـه :﴿، فإذا هو جالس؛ عليه بُرْد من صوف؛ فيه طرائقُ حُمر، فقلت: السلام عليكَ يا رسولَ الله. فقال: ((وعليكَ (١) إعراب القرآن للنحاس ١٧٠/٢. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٨١٥/٢ . (٣) القَعود من الدواب: ما يقتعد الرجل للركوب والحمل ... ومن الإبل: ما أمكن أن يركب، وأدناه أن یکون له سنتان. النهاية (قعد). ٤١٩ سورة الأعراف: الآية ١٩٩ السلام)). فقلت: إنَّا معشرَ أهل(١) البادية، قومٌ فينا الجفاءُ، فعلِّمني كلماتٍ ينفعني الله بها. قال: ((اذْنُ)) ثلاثاً، فدنَوْت، فقال: ((أعِدْ عليَّ))، فأعدت عليه، فقال: ((اتقِ اللهَ، ولا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئاً، و[لو] أَنْ تلقى أخاك بوجهٍ مُنْبَسِطٍ، و[لو] أنْ تُفْرِغَ من دَلْوكَ في إناء المستسقي، وإن امرؤٌ سبَّكَ بما(٢) يعلمُ منك؛ فلا تسُبَّهُ بما تعلم فيه، فإنَّ اللهَ جاعلٌ لكَ أجراً وعليه وِزْراً، ولا تسبَّنَّ شيئاً مما خَوَّلك الله تعالى)). قال أبو جُرَيّ: فوالذي نفسي بيده، ما سبَبْتُ بعدَه شاةً ولا بعيراً. أخرجه أبو بكر البزار في ((مسنده) بمعناه(٣). ورَوَى أبو سعيد المَقْبُرِيّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ# أنه قال: ((إنكم لا تَسَعُونَ الناسَ بأموالكم، ولكن يسعُهم منكم بسطُ الوجهِ وحُسْنُ الخُلق))(٤). ورَوَى البخاريُّ(٥) من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُنْ بِلْعُرْفِ﴾ قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاقٍ الناس. ورَوَى سفيان بن عُيَيْنَة، عن الشعبيّ أنه قال: إنَّ جبريلَ نَزَلَ على النبيِّ ﴾، فقال له النبيُّ : ((ما هذا يا جبريل؟))، فقال: ((لا أدري حتى أسألَ العالِم)). في رواية: ((لا أدري حتى أسألَ ربي)). فذهب فمَكَثَ ساعةً، ثم رجع فقال: ((إنَّ الله تعالى يأمركَ أن تعفوَ عمَّن ظَلَمَك، وتعطيَ مَن حَرَمَك، وتَصِلَ مَن قَطَعَك))(٦). فنظمه بعض (١) لفظة أهل، من (م). (٢) في النسخ: بما لا. والمثبت موافق لأحكام القرآن لابن العربي ٨١٢/٢ - ٨١٣، ومصادر التخريج. (٣) لم نقف عليه في مطبوع مسند البزار. وأخرجه أحمد (٢٠٦٣٢)، وأبو داود (٤٠٨٤)، والترمذي (٢٧٢١)، والنسائي في الكبرى (٩٦١١). وما بين حاصرتين منها. (٤) أخرجه البزار (١٩٧٧) و(١٩٧٨) (زوائد)، وأبو يعلى (٦٥٥٠)، والحاكم ١٢٤/١ وقال: حديث صحيح. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٢/٨: فيه عبد الله بن سعيد المقبري، وهو ضعيف. (٥) في صحيحه (٤٦٤٣) و(٤٦٤٤). ووقع في النسخ غير (ظ) قبل ذلك قوله: وقال ابن الزبير: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس. وهو تكرار لما سيورده المصنف من صحيح البخاري، والمثبت من (ظ). (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨١٢. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٦، والطبري ٦٤٣/١٠ و ٦٤٤ ، وأبو الليث في تفسيره ١/ ٥٩٠ . ٤٢٠ سورة الأعراف: الآية ١٩٩ الشعراء فقال : مَنْ كَمُلَتْ فيه فذاك(١) الفَتَى مَكارمُ الأخلاقِ في ثلاثة تَقْطَعُهُ والعفوُ عَمَّنِ اعتدَى إعطاءُ مَنْ تَحرِمُه ووَصلُ مَنْ وقال جعفر الصادق: أَمَر اللهُ نبيَّه بمكارم الأخلاق في هذه الآية، وليس في القرآن آيةٌ أجمعَ لمكارم الأخلاق من هذه الآية (٢). وقال #: «بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاق))(٣). وقال الشاعر: إلََّ الثَّناءَ فإنَّهُ لَكَّ باقي كُلُّ الأُمورِ تَزولُ عنكَ وتنقضي ما اخترتُ غيرَ مكارم الأخلاقِ(٤) ولو انني خُيِّرتُ كلَّ فضيلةٍ وقال سهلُ بنُ عبد الله: كلَّم اللهُ موسى بطُور سَيْنَاء. قيل له: بأيِّ شيء أوصاك؟ قال: بتسعة أشياء، الخشيةِ في السِّرِّ والعلانية، وكلمةِ الحقِّ في الرِّضا والغضب، والقصدِ في الفقر والغِنَى، وأمرني أنْ أصلَ مَنْ قطعني، وأُعطيَ مَنْ حَرَمني، وأعفوَ عمَّن ظلمني، وأنْ يكونَ صَمْتِي تَفَكُّراً، وقَوْلي ذِكْراً(٥)، ونظري عِبْرة. قلت: وقد رُوي عن نبينا محمد# أنه قال: ((أَمرني ربي بتسع: الإخلاصِ في السِّرِّ والعلانية، والعدلِ في الرِّضا والغضب، والقصدِ في الغنَى والفقر، وأنْ أعفوَ عمَّنْ ظلمني، وأَصِلَ مَنْ قطعني، وأُعطيَ مَنْ حَرَمني، وأنْ يكون نطقي ذكراً، وصمتي فِكْراً، ونظري عِبْرة))(٦). (١) في (م): فذلك. (٢) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٢٢٤ . (٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٩٢/١٠ من حديث أبي هريرة بلفظ: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)). وأخرجه أيضاً أحمد (٨٩٥٢) بلفظ: ((إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)). (٤) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا (٥٧) وشعب الإيمان (٨٥١٠). (٥) في (م): نطقي ذكراً، وصمتي فكراً. (٦) لم نقف عليه بتمامه وأخرج بعضه القضاعي في الشهاب (١١٥٩) نحوه مختصراً من حديث ابن عائشة، عن أبيه. قال الذهبي في الميزان ٣/ ٥٥٠ : حديث معضل.