Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ سورة الأعراف: الآيتان ١٢٧ - ١٢٨ نَفَى أنْ يكونَ له ربٍّ وإِلَّاهةٌ، فقيل له: ويذرَك وإِلا هتَك؛ بمعنى: ويتركّك وعبادةً الناس لك. وقراءةُ العامة: ((وَآلَهتَكَ)) كما تقدَّم، وهي مَبْنِيَّةٌ على أنَّ فرعون اذَّعَى الرُّبُوبيَّةَ في ظاهر أمرِه، وكان يعلم أنه مَرْبُوب(١). دليلُ هذا قولُه عند حضور الحِمَام(٢): ﴿مَامَنْتُ أَنَُّ لَّ إِلَهَ إِلَّ الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَِّلَ﴾ [يونس: ٩٠]. فلم يُقْبلْ هذا القولُ منه، لمَّا أَتى به بعد إغلاق باب التوبة. وكان قبلَ هذه الحالِ له إلهٌ يعبدُه سِرًّا دونَ ربِّ العالمین جلَّ وعزّ؛ قاله الحسنُ وغيره(٣). وفي حرف أُبَيّ: ((أَتَذَر موسى وقومَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرض وقد تَرَكُوكَ أن يعبدوك»(٤). وقيل: ((وآلِهِتَك)) قيل: كان يعبدُ بقرةً، وكان إذا استحسنَ بقرةً أَمَرَ بعبادتها، وقال: أنا ربُّكم وربُّ هذه. ولهذا قال: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ [طه: ٨٨]. ذكره ابنُ عباس والسُّدِّي(٥). قال الزجاج(٦): كان له أصنامٌ صِغار يعبدُها قومُه تقرُّباً إليه، فنُسبتْ إليه؛ ولهذا قال: ((أَنا رَبُّكم الأَعلى)). قال إسماعيلُ بنُ إسحاق: قول فرعون: ((أنا ربُّكُم الأَعْلَى)) يدُلُّ على أنهم كانوا يعبدُون شيئاً غيره. وقد قيل: إنَّ المُرادَ بالإلاهة على قراءة ابنِ عباس البقرةُ التي كان يعبدُها. وقيل: أرادوا بها الشمسَ، وكانوا يعبدُونها. قال الشاعر: (١) تفسير الرازي ٢١١/١٤. (٢) الحِمَام: قضاء الموت وقدره. القاموس المحيط (حمم). (٣) أخرجه الطبري ٣٦٧/١٠. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٤٤ - ١٤٥، والمحرر الوجيز ٤٤١/٢، وأخرجه الطبري ٣٦٦/١٠. (٥) أخرجه الطبري ٣٦٧/١٠، والآية المذكورة في السامري، والمعنى - والله أعلم -: أنه لما كان فرعون يعبد ما يستحسن من البقر أخرج لهم السامري عجلاً جسداً له خوار، وقال: هذا إلهكم وإلهُ موسى. ينظر النكت والعيون ٢٤٨/٢ . (٦) في معاني القرآن ٣٦٧/٢ . ٣٠٢ سورة الأعراف: الآيات ١٢٧ - ١٢٩ وأعْجَلْنَا الإلاهةَ أن تَؤُوبا(١) ثم آنسَ قومَه فقال: ﴿سَنَقْتُلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ بالتخفيف؛ قراءةُ نافع وابن كثير. والباقون بالتشديد على التكثير(٢). ﴿وَنَسْتَحِ، نِسَآءَهُمْ﴾ [: نتركهنَّ أحياءً] (٣). أي: لا تخافوا جانبَهم. ﴿وَإِنَّا فَوْقَّهُمْ قَِهِرُونَ﴾ آنْسَهم بهذا الكلام. ولم يقُلْ: سَنقتلُ موسى؛ لِعْلمِه أنه لا يَقدِرُ عليه(٤). وعن سعيد بنٍ جُبير(٥) قال: كان فرعونُ قد مُلىء من موسى رُعْباً، فكان إذا رآه بالَ كما يبولُ الحمار. ولما بلغ قومَ موسى من فرعونَ هذا، قال لهم موسى: ﴿أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوّاً إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ﴾ أَظْمَعهم في أنْ يُورِثَهم اللهُ أرض مصر. ﴿وَالْعَقْبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: الجنةُ لمن اتَّقى (٦). وعاقبةُ كلِّ شيء: آخرُه، ولكنها إذا أُظْلِقتْ فقيل: العاقبة لفلان، فُهِمَ منه في العُرْف الخيرُ. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَأْ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ١٣٩ قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَّنَا﴾ أي: في ابتداء ولادتِك بقتل الأبناء واسترقاقِ النساء. ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا ◌ِشْتَنَأْ﴾ أي: والآن أُعِيدَ علينا ذلك؛ يَعْنون الوعيدَ الذي كان من فرعون. وقيل: الأَذَى مِن قبلُ: تَسْخيرُهم لِبني إسرائيلَ في أعمالهم إلى نصف النهار، وإرسالُهم بَقيَّتَه لِيَكْتسبوا لِأَنفسهم. والأَذَى من بعدُ: تسخيرُهم جميعَ (١) قائلته ميَّةُ بنت عتيبة بن الحارث اليربوعي، وصدره: تروَّحنا من اللَّعباء قصراً. وهو في تفسير الطبري ٣٦٩/١٠، والمحتسب ١٢٣/٢، وتفسير البغوي ١٨٩/٢. (٢) السبعة ص٢٩٢، والتيسير ص ١١٢ . (٣) ما بين حاصرتين من تفسير البغوي ١٨٩/٢، وهو المعنى الذي ذكره المفسرون، ولم يذكره المصنف. (٤) زاد المسير ٢٤٥/٣ . (٥) في (ظ): سعيد بن المسيب، والأثر أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٩١١) من قول مجاهد. (٦) الوسيط ٣٩٧/٢، وزاد المسير ٢٤٥/٣ . ٣٠٣ سورة الأعراف: الآيتان ١٢٩ - ١٣٠ النهارِ كلّه بلا طعام ولا شراب؛ قاله جُوَيْبر. وقال الحسن: الأذى مِن قبلُ ومِن بعدُ واحد، وهو أخذُ الجِزْية (١). ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الْأَرْضِ﴾ ((عسى)) من الله واجبٌ؛ جدَّد(٢) لهم الوعدَ وحقَّقه. وقد استُخْلِفوا في مصر في زمان داود وسليمانَ عليهما السَّلام، وفَتَحُوا بيتَ المقدس مع يُوشَعَ بنِ نُون(٣)؛ كما تقدَّم(٤). ورُوي أنهم قالوا ذلك حين خرجَ بهم موسى وتَبِعَهم فرعون، فكان وراءَهم، والبحرُ أمامَهم(٥)، فحقَّق اللهُ الوعيدَ؛ بأنْ غرَّق فرعونَ وقومَه وأنجاهم. ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ تقدَّم نظائره. أي يَرى ذلك العمل الذي يجبُ به الجَزاء؛ لأن اللهَ لا يُجازِيهم على ما يَعلَمُه منهم، إنما يُجازيهم على ما يقعُ منهم (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاَ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِأَلْسِنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ ٢٠ يَذَّكَّرُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ﴾ يعني: الجُدُوب. وهذا معروفٌ في اللغة، يقال: أصابتهم سَنَةٌ، أي: جَذْب. وتقديره: جَذْبُ سنة. وفي الحديث: ((اللهمَّ اجْعَلْها عليهم سِنِينَ كَسِني يوسُفَ))(٧). (١) النكت والعيون ٢٤٩/٢، وزاد المسير ٢٤٥/٣ . (٢) في (ز): حدد، وفي (ظ): جرد. (٣) المحرر الوجيز ٤٤٢/٢ . (٤) ٢٢٨/٤ وما بعدها. (٥) ذكره بنحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٤٢/٢، ثم قال: وبالجملة هو كلام يجري مع المعهود من بني إسرائيل؛ من اضطرابهم على أنبيائهم، وقلّة يقينهم وصبرهم على الدِّين. واستعطافُ موسى بقوله: ((عسى ربكم أن يُهلك عدوَّكم)) ووعدُه لهم بالاستخلاف في الأرض يدلّ على أنه يستدعي نفوساً نافرة. ويقوّي هذا الظنّ في بني إسرائيل سلوكهم هذه السبيل في غير قصة. (٦) معاني القرآن للزجاج ٣٦٧/٢. (٧) أخرجه البخاري (٨٠٤)، ومسلم (٦٧٥) من حديث أبي هريرة ﴾، وسلف ٢/٦. ٣٠٤ سورة الأعراف: الآيتان ١٣٠ - ١٣١ ومن العرب مَن يُعْرب النُّونَ في السنين، وأنشد الفراء: كما أخَذَ السَّرارُ مِن الهلالِ(١) أَرَى مَرَّ السِّنِينِ أَخَذْنَ مِنِّي قال النَّاس(٢): وأنشد سيبويه هذا البيتَ بفتح النون، ولكن أنشدَ في هذا ما لا يجوز غيرُه، وهو قوله: وقد جَاوَزْتُ رأسَ الأربعينِ(٣) وحكى الفراءُ عن بني عامر أنهم يقولون: أقمتُ عنده سِنِيناً يا هذا؛ مصروفاً. قال: وبنو تمیم لا يَضرِفون، ويقولون: مَضَتْ له سنینُ يا هذا. وسنين: جمعُ سَنَة، والسَّنة هنا بمعنى الجَدْب، لا بمعنى الحَوْل. ومنه أَسْنَتَ القومُ، أي: أجدبوا. قال عبدُ الله بنُ الزُّبغرى: عمرو العُلَا هَشَمَ الثَّرِيدَ لقومه ورجالُ مِكَّةَ مُسنِتُون عِجَافُ (٤) ﴿لَعَلَّهُمْ يَّذَّكَّرُونَ﴾ أي: ليتَّعظوا وتَرِقَّ قلوبهم. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَءَتَهُمُ الْحَسَنَّةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن ◌َّعَهُ، أَلَا إِنَّمَا طَِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَءَ تْهُمُ الْمَسَنَّةُ﴾ أي: الخِصْبُ والسَّعة. ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي: أُعْطيناها باستحقاق. ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قَخْطٌ ومرض، وهي (١) قائله جرير، وهو في ديوانه ٥٤٦/٢، وفيه رأت، بدل: أرى. والسّرار (بفتح السين وكسرها): الليلة التي يستسرُّ فيها القمر آخر الشهر، أي: يختفي. اللسان (سرر). (٢) في إعراب القرآن ٢/ ١٤٥، وما قبله منه. (٣) قائله سُحيم بن وَثِيل الرِّياحي، وصدره: وماذا يدَّري الشعراء مني. وهو في طبقات فحول الشعراء ٧٢/١، والمقتضب ٣٣٢/٣، وشرح المفصل ١١/٥، والخزانة ٢٦٠/١. (٤) ديوان عبد الله بن الزُّبَعرى ص٥٣، وعمرو هو هاشم بن عبد مناف، وهو أول من أطعم الثريد بمكة، وإنما كان اسمه عمراً، فما سُمِّ هاشماً إلا بهشمه الخبز بمكة لقومه. السيرة النبوية ١٣٦/١. ٣٠٥ سورة الأعراف: الآية ١٣١ المسألة: الثانية: ﴿يَطََّّرُوا بِمُوسَى﴾ أي: يتشاءموا به. نظيره: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِم مِنْ عِندِكْ﴾ [النساء: ٧٨]. والأصل: ((يتطيّروا))؛ أدغمت التاءُ في الطاء. وقرأ طلحة: (تطيّروا)) على أنه فعلٌ ماض (١). والأصل في هذا من الطَّيَرَةِ وزَجْرِ الظَّير، ثم كَثُرَ استعمالُهم حتى قيل لكلِّ مَن تشاءم: تَطَيَّر (٢). وكانت العربُ تَتيمَّن بالسَّانح: وهو الذي يأتي من ناحية اليمين. وتتشاءم بالبارح: وهو الذي يأتي من ناحية الشّمال(٣). وكانوا يتطيّرون أيضاً بصوت الغراب، ويتأوَّلونه البَيْن. وكانوا يَستدِلُّون بِمُجاوَبات الطيور بعضِها بعضاً على أمور، وبأصواتها في غير أوقاتها المعهودةِ على مِثْل ذلك. وهكذا الظّباءُ إذا مضَتْ سانحةٌ أو بارحة، ويقولون إذا بَرَحت: مَن لي بالسَّانح بعد البارح(٤). إلّا أنَّ أقوى ما عندهم كان يقعُ في جميع الطير، فسمَّوا الجميعَ تَطَيُّراً من هذا الوجه. وتطيّر الأعاجم إذا رأوا صَبِيًّا يُذهب به إلى المُعَلِّم بالغَداة، ويَتِيمَّنون برؤية صبيٍّ يَرجِع مِن عندِ المعلِّم إلى بيته، ويتشاءمون برؤية السَّقَّاءِ على ظَهْره قِرْبةٌ مملوءةٌ مشدودة، ويَتيمَّنون برؤيته(٥) فارغَ السِّقَاءِ مفتوحةً قِرْبَتُه(٦)؛ ويتشاءمون بالحمَّال المُثْقَل بالحِمْل، والدابَّةِ المُؤْقَرة، ويَتيمَّنون بالحَمَّال(٧) الذي وضع حِمْلَه، وبالدَّابَّة يُحَظّ عنها ثِقْلُها. فجاء الإسلامُ بالنَّهْي عن التَّطيُّر والتشاؤمِ بما يُسمَعُ من صوتٍ طائر ما كان، (١) القراءات الشاذة ص ٤٥. (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٤٥/٢ - ١٤٦. (٣) زاد المسير ٢٤٧/٣ - ٢٤٨ . (٤) الأمثال للقاسم بن سلام ص٢٤٥ . (٥) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): برؤية، والمثبت من (خ). (٦) لفظة: قربته، من (م). (٧) في (د) و(ظ): بالجمال، في الموضعين. ٣٠٦ سورة الأعراف: الآية ١٣١ وعلى أيِّ حالٍ كان، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أَقِرُّوا الطيرَ على مَكِناتها))(١). وذلك أنَّ كثيراً من أهل الجاهليةِ كان إذا أراد الحاجةَ، أتى الطيرَ في وَكْرِها فنفَّرها، فإذا أخذتْ ذاتَ اليمينِ مضَى لحاجته، وهذا هو السائحُ عندهم. وإن أخذتْ ذاتَ الشّمالِ رَجَع، وهذا هو البارحُ عندهم. فنهى النبيُّ# عن هذا بقوله: ((أَقِرُّوا الطيرَ على مَكِناتها)» هكذا في الحديث(٢). وأهلُ العربية يقولون: وُكُناتها. قال امرؤُ القيس: وقد أَغْتَدي والطَّيْرُ في وُكُناتها(٣) والؤُكْنة: اسمٌ لكلِّ وَكْرٍ وعُشّ. والوَكْنِ: موضعُ الطائر الذي يَبيض فيه ويُفْرِخ، وهو الخَرْقُ في الحيطان والشجر. ويقال: وَكَن الطائر يَكِن وكُوناً: إذا حَضَنَ بيضه(٤). وكان أيضاً مِن العرب مَن لا يرى التطيُّر شيئاً، ويمدحون من كذَّب به. قال المُرَقِّش: أغدُو على وَاقٍ وحاتِمْ ولقد غَدَوْتُ وكنتُ لا مِنِ والأيامِنُ كالأشائمْ(٥) فإذا الأشائِمُ كالأيا (١) أخرجه أحمد (٢٧١٣٩) وأبو داود (٢٨٣٥) من حديث أم كُرْز الكعبية رضي الله عنها، وفي إسناده سباع بن ثابت، قال الذهبي في الميزان ٢/ ١١٥ سباع بن ثابت عن أم كرز لا يكاد يعرف. والمكنات في الأصل: بيض الضِّباب، واحدتها مَكِنة، بكسر الكاف، وقد تفتح. يقال: مَكِنت الضَّبة وأَمْكَنت. قال أبو عبيد: جائز في الكلام أن يُستعار مَكنْ الضَّباب فيجعل للطير. وقيل: المكنات بمعنى الأمكنة، وقيل: المكنة من التمكَّن، يعني: أَقِرُّوها على كل مَكِنَة ترونها عليها، ودعوا التطير بها. النهاية (مكن). وينظر غريب الحديث لأبي عبيد ٢/ ١٣٥ . (٢) ينظر السنن للشافعي ٦٢/٢ - ٦٤ . (٣) سلف ٣٨٢/٥. (٤) في النسخ: على بيضه، والمثبت من (م). (٥) البيتان في كتاب الحيوان ٤٣٦/٣، وتأويل مختلف الحديث ص١٠٦ - ١٠٧ وعيون الأخبار ١٤٥/١، والتمهيد ٢٨٧/٩ والواقي: هو الصُّرَد: وهو طائر فوق العصفور، يصيد العصافير. والحاتم: الغراب الأسود. اللسان (صرد) (حتم) (وقى). وثمَّة مُرَقِّشان؛ الأكبر: وهو ربيعة بن سعد، ويقال: بل هو عمرو ابن سعد. والأصغر: وهو ربيعة بن سفيان من بني سعد بن مالك، وهو ابن أخي المرقّش الأكبر، وهو أشعرُ من الأكبر وأطول عمراً. ينظر الشعر والشعراء ٢١٠/١ و٢١٤. ٣٠٧ سورة الأعراف: الآية ١٣١ وقال عكرمة: كنتُ عند ابنِ عباس، فمرَّ طائرٌ يصيح، فقال رجلٌ من القوم: خير، خير. فقال ابنُ عباس: ما عند هذا لا خيرٌ ولا شرٌّ(١). قال علماؤنا: وأما أقوالُ الطير، فلا تعلُّقَ لها بما يُجعل دَلالةً عليه، ولا لها علمٌ بكائنٍ فضلاً عن مستقبلٍ فَتُخبِرَ به، ولا في الناس مَن يعلم منطقَ الطير؛ إلَّا ما كان اللهُ تعالى خصَّ به سليمانَ ﴿ من ذلك، فالتحق التطيِّرُ بجملة الباطل. والله أعلم. وقال ﴾: ((ليس مِنَّ مَنْ تحلَّمَ، أو تكهَّنَ، أو ردَّه عن سفره تطيُّرٌ))(٢). وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ# قال: ((الطَّيَرة شِرْك)) ثلاثاً، وما مِنَّا إلَّا، ولكنَّ اللهَ يُذْهِبِه بالتوُّل(٣). وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﴿ قال: ((مَنْ رجَّعتْه الطّيرةُ عن حاجته فقد أشرك)). قيل: وما كفَّارةُ ذلك يا رسولَ الله؟ قال: ((أنْ يقولَ أحدُهم: اللهمَّ لا طَيْرَ إلا طَيْرُكَ، ولا خَيْرَ إلَّا خَيْرُكَ، ولا إله غيرُك، ثم يَمضي لحاجته))(٤). وفي خبرٍ آخر: ((إذا وَجد ذلك أحدُكم فليقل: اللَّهُمَّ لا يأتي بالحسنات إلَّا أنت، (١) أورده ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص١٠٨، وابن عبد البر في التمهيد ١٩٤/٢٤، والحافظ ابن حجر في الفتح ٢١٥/١٠ وعزاه للطبري. (٢) لم نقف عليه بهذا السياق، وأخرج الطبراني في الأوسط (٢٦٨٤)، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ١٧٤ ، والخطيب في تاريخ بغداد ٢٠١/٥، وابن الجوزي في العلل المتناهية ٧١١/٢ عن أبي الدرداء ﴾ أن النبي # قال: ((ثلاثٌ من كنَّ فيه لم يسكن الدرجاتِ العُلا، ولا أقول لكم الجنة: من تكهن، أو استقسم، أو ردَّه من سفر تطيُّرٌ)). وفي إسناده محمد بن الحسن الهمداني، كذّبه ابن معين وأبو داود، وقال أحمد: ما أراه يسوى شيئاً. ميزان الاعتدال ٣/ ٥١٤ . (٣) سنن أبي داود (٣٩١٠)، وأخرجه أحمد (٣٦٨٧)، والترمذي (١٦١٤)، وابن ماجه (٣٥٣٨). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقوله: وما منَّا إلا .. من قول ابن مسعود ، أُدرج في الخير، وقد بيّته سليمان بن حرب شيخ البخاري فيما حكاه الترمذي عن البخاري عنه. فتح الباري ٢١٣/١٠ ومعنى: وما منّا إلَّا، أي: إلا من يعتريه التطيُّر، ويسبق إلى قلبه الكراهة فيه، فحذف اختصاراً للكلام واعتماداً على فهم السامع. معالم السنن ٢٣٢/٤ . (٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٠١/٢٤، وفيه: ((من حاجته)) بدل: ((عن حاجته))، وأخرجه أحمد (٧٠٤٥) بنحوه. ٣٠٨ سورة الأعراف: الآيتان ١٣١ - ١٣٢ ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بك))(١). ثم يذهب متوكِّلاً على الله، فإنَّ اللهَ يَكفيه ما وَجد في نفسه مِن ذلك، وكفَاهُ اللهُ تعالى ما يُهِمُّه. وقد تقدَّم في ((المائدة)) الفرقُ بين الفأل والطّيَرة(٢). ﴿أَلَّ إِنَّمَا طَيِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ وقرأ الحسنُ: ((طَيْرُهم))؛ جمعُ طائر، أي: ما قُدِّر لهم وعليهم. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ما لَحِقَهم من القَحْط والشَّدائِدِ إنما هو مِن عند الله عزَّ وجلَّ بذنوبهم، لا من عند موسى وقومِه(٣). قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِتَسْحَرَفَ بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِعُؤْمِنِينَ قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ﴾ أي: قال قومُ فرعونَ لموسى: ((مهما)). قال الخليل(٤): الأصل ما ما، الأُولى للشَّرط، والثانيةُ زائدة، توكيدٌ للجزاء، كما تزاد في سائر الحروف، مثلُ: إمّا وحيثما وأينما وكيفما. فكَرِهوا حرفين لفظهما واحد؛ فأبدَلوا من الألفِ الأولى هاءً، فقالوا: مهما. وقال الكسائيّ: أصله: مَهْ، أي: أُكْفُف ما تأتينا به مِن آية. وقيل: هي كلمة مُفرَدة(٥)، يُجازَى بها ليُجزَم ما بعدَها على تقدير: إنْ. والجواب: ((فما نحن لك بمؤمنين)). ﴿لِتَسْحَنَا﴾: لِتَصْرِفَنا عمَّا نحن عليه. وقد مضى في ((البقرة)) بيانُ هذه اللفظة(٦). قيل: بقي موسى في القِبط بعد إلقاء السحَرةِ سُجَّداً عشرين سنة يُريهم الآياتِ إلى أنْ أغرق اللهُ فرعون، فكان هذا قولَهم. (١) أخرجه أبو داود (٣٩١٩) من حديث عروة بن عامر القرشي. قال المنذري في مختصره ٣٧٩/٥: قال أبو القاسم الدمشقي: لا صحبة له تصحّ. وذكر البخاري وغيره أنه سمع من ابن عباس. فعلى هذا يكون الحدیث مرسلاً . اهـ (٢) ٢٩٠/٧ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٤٦/٢، وقراءة الحسن في القراءات الشاذة ص ٤٥ . (٤) في العين ٣٥٨/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٤٦/٢ . (٥) إملاء ما منَّ به الرحمن، للعكبري (على هامش الفتوحات الإلهية) ٣/ ٥٥ . (٦) ٢٧٢/٢ - ٢٧٣. ٣٠٩ سورة الأعراف: الآية ١٣٣ قوله تعالى: ﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْتُّلُوَفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَائِعَ وَالذَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا تُجُِّمِينَ فيه خمسُ مسائل : الأولى: روى إسرائيلُ عن سِمَاك، عن نَوْفِ الشاميِّ قال: مَكّثَ موسى # في آل فرعونَ بعد ما غلب السَّحَرةَ أربعين عاماً. وقال محمد بنُ عثمان بنِ أبي شيبة عن مِنْجاب: عشرين سنة؛ يُريهم الآيات: الجراد والقُمَّل والضفادع والدَّم(١). الثانية: قوله تعالى: ﴿اَلْقُلُوفَانَ﴾ أي: المطر الشديد حتى عامُوا فيه. وقال مجاهدٌ وعطاء: الطوفان: الموت(٢). قال الأخفش(٣): واحدتُه ◌ُطُوْفانة. وقيل: هو مصدرٌ كالرُّجْحان والنُّقْصان، فلا يُطلَبُ له واحد(٤). قال النحاس(٥): الطُّوفان في اللغة ما كان مُهْلِكاً من موتٍ أو سَيْل؛ أي: ما يُطيف بهم فيُهلِكُهم. وقال السُّدِّي: ولم يُصِبْ بني إسرائيل قطرةٌ من ماء، بل دخل بيوتَ القِيْطِ حتى قاموا في الماء إلى تَرَاقِيهم، ودام عليهم سبعةَ أيام. وقيل: أربعين يوماً. فقالوا: ادْعُ لنا ربَّكَ يَكْشِفْ عنا فنؤمنَ بك، فدعا ربَّه، فرفع عنهم الطُّوفان، فلم يؤمنوا. فأَنبتَ اللهُ لهم في تلك السَّنة، ما لم يُنبتْه قبل ذلك من الكلأ والزرع، فقالوا: كان ذلك الماءُ نعمةٌ، فبعث اللهُ عليهم الجراد - وهو الحيوانُ المعروف، جمع جرادة في المذكَّر والمؤنَّث، فإنْ أردتَ الفصلَ نعثَّ فقلت: رأيتُ جرادةً ذكراً(٦) - فأكلَ زروعَهم وثمارَهم، حتى إنها كانت تأكلُ السُّقوف والأبوابَ حتى تَنهدِم(٧) ديارهم. (١) أخرجهما أبو نعيم في الحلية ٦/ ٥٠ . (٢) أخرجه الطبري ١٠/ ٣٨٠ . (٣) في معاني القرآن له ٢/ ٥٣١ . (٤) تهذيب اللغة ١٤/ ٣٣ . (٥) في معاني القرآن ٦٩/٣ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ١٤٦/٢. (٧) في (خ): تهدمت، وفي (د): تهدم. ٣١٠ سورة الأعراف: الآية ١٣٣ ولم يدخلْ دُورَ بني إسرائيلَ منها شيءٍ(١). الثالثة: واختلف العلماءُ في قَتْل الجرادِ إذا حَلَّ بأرض قومٍ (٢) فأفسد، فقيل: لا يُقتل. وقال أهلُ الفِقْه كلُّهم: يُقتل. احتجَّ الأوَّلون بأنه خَلْقٌ عظيم مِنْ خَلْق الله، يأكل مِن رزق الله، ولا يَجْري عليه القلم. وبما رُوي: ((لا تقتلوا الجرادَ؛ فإنه جندُ اللهِ الأعظمُ))(٣). واحتجَّ الجمهور بأنَّ في تَرْكها فسادَ الأموال، وقد رخّص النبيُّ # بقتال(٤) المسلمِ إذا أراد أخذَ ماله؛ فالجرادُ إذا أرادتْ فسادَ الأموال، كانت أولى أنْ يجوزَ قتلُها. ألا ترى أنهم قد اتَّفقوا على أنه يجوز قتلُ الحيةِ والعقرب؛ لأنهما يُؤذيان الناس؟ فكذلك الجراد. روى ابنُ ماجه عن جابرٍ وأنس بنِ مالك أنَّ النبيَّ # كان إذا دعا على الجراد قال: ((اللَّهُمَّ أَهلكْ كِبارَه، واقتُل صِغارَه، وأفسِدْ بيضَه، واقطَعْ دابرَه، وخُذْ بأفواهه عن معایشنا وأرزاقِنا، إنك سميعُ الدعاء)». قال رجلٌ: یا رسولَ الله، کیف تدعو على جُندٍ من أجناد الله بِقَطْعِ دابره؟ قال: ((إنَّ الجرادَ نَثْرةُ الحوتِ في البحر))(٥). الرابعة: ثبت في ((صحيح)) مسلم (٦) عن عبد الله بنِ أبي أَوْفَى قال: غَزَوْنا مع رسول الله # سبعَ غَزَوات كنا نأكلُ الجراد معه. ولم يختلف العلماءُ في أكله على الجملة، وأنه إذا أُخذ حيًّا وقطعت رأسُه أنه (١) تفسير الطبري ٣٨٦/١٠ وما بعدها، وعرائس المجالس ص١٩٤ . (٢) كلمة: قوم، من (د) و(ز). (٣) حديث ضعيف، وسلف ١٩٦/١، ومن الواضح أن القول الأول ظاهر الفساد. (٤) في (ظ): بقتل. (٥) سنن ابن ماجه (٣٢٢١)، وأخرجه الترمذي (١٨٢٣)، وفي إسناده موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، قال فيه يحيى: ليس بشيء ولا يكتب حديثه، وقال البخاري: عنده مناكير. ميزان الاعتدال ٢١٨/٤ . وقوله: ((نثرة الحوت)): أي: عطسته. النهاية (نثر). (٦) الحديث (١٩٥٢)، وهو في صحيح البخاري (٥٤٩٥)، وسلف ٢٤/٣ - ٢٥ . ٣١١ سورة الأعراف: الآية ١٣٣ حلالٌ باتفاق. وأنَّ ذلك يتنزّل منه منزلةَ الذَّكاةِ فيه. وإنما اختلفوا: هل يحتاج إلى سببٍ يموت به إذا صِيدَ أم لا؟ فعامَّتُهم على أنه لا يحتاج إلى ذلك، ويؤكل كيفما مات. وحكمُه عندهم حكمُ الحِيتان، وإليه ذهب ابنُ نافعٍ(١) ومُطَرِّف. وذهب مالٌ إلى أنه لابدَّ له من سببٍ يموت به؛ کقطع رؤوسه أو أرجُلِه أو أجنحته؛ إذا مات مِن ذلك، أو يُصْلقُ(٢) أو يطرح في النار؛ لأنه عنده من حَيَوان البَرِّ، فَمِيْتَتُه محرَّمة. وكان اللَّيثُ يكره أكلَ ميِّتِ الجراد، إلَّا ما أُخذ حيًّا ثم مات؛ فإنَّ أَخْذَه ذكاة. وإليه ذهب سعيد بن المسيب. وروى الدَّارَ قُطْنيُّ عن ابن عمر، أنَّ رسولَ الله :﴿ قال: ((أُحِلَّ لنا ميتتان: الحُوتُ والجراد، ودمان: الكَبِدُ والطُّحَال))(٣). وقال ابن ماجه: حدَّثنا أحمد بنُ مَنيع، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن أبي سعد (٤)، سمع أنس بنَ مالكِ يقول: كُنَّ أزواجُ النبيِّ # يتهادَيْنَ الجرادَ على الأطباق(٥). ذكره ابنُ المنذر أيضاً(٦). الخامسة: روى محمد بنُ المنكدر عن جابر بن عبد الله، عن عمر بن الخطاب ﴾، قال: سمعتُ رسولَ الله ﴾ يقول: ((إنَّ اللهَ تعالى خلق ألفَ أُمَّة: ستُّ مئة منها في البحر، وأربع مئة في البَرِّ، وإنَّ أوَّلَ هلاك هذه الأمم الجراد، فإذا هلكت الجرادُ تتابعت الأممُ مثلَ نظامِ السِّلكِ إذا انقطع)». ذكره الترمذيُّ الحکیم في («نوادر (١) في المفهم ٢٣٧/٥ - ٢٣٨ ( والكلام منه): ابن عبد الحكم. (٢) أي: يُشوى. اللسان (صلق). (٣) سنن الدار قطني (٤٧٣٢)، وسلف ٢٤/٣ . (٤) في (د) و(ز) و(م): أبي سعيد. وأبو سعد: هو سعيد بن المَرْزُبان البقَّال. قال البخاري: منكر الحديث وضعَّفه النسائي، كما في تهذيب الكمال ١١/ ٥٢ . (٥) سنن ابن ماجه (٣٢٢٠). (٦) في الإشراف ٣٤١/٢ . ٣١٢ سورة الأعراف: الآية ١٣٣ الأصول))(١) وقال: وإنما صار الجرادُ أوَّلَ هذه الأمم هلاكاً؛ لأنه خُلق من الطّينة التي فَضَلت من طينة آدم. وإنما تَهلِكُ الأممُ لهلاك الآدميِّين؛ لأنها مُسَخّرةٌ لهم. رَجَعنا إِلى قصة القِبْط: فعاهدوا موسى أنْ يؤمنوا لو كُشِف عنهم الجراد، فدعا فكُشف، وكان قد بَقِيَ من زُروعهم شيء، فقالوا: يَكفينا ما بَقِيَ؛ ولم يؤمنوا، فبعثَ اللهُ عليهم القُمَّل - وهو صِغارُ الدَّبَى؛ قاله قتادة. والدَّبَى: الجرادُ قبل أنْ يَطير، الواحدة دَبَاة، وأرضٌ مَذْبِيَّة: إذا أكلَ الدَّبَى نباتَها(٢). وقال ابن عباس: القُمَّل: السُّوس الذي في الحِنْطة. وقال ابن زيد: البراغيث. وقال الحسن: دوابُّ سُودٌ صِغار(٣). وقال أبو عُبيدة(٤): الحَمْنان، وهو ضربٌ من القُرَاد، واحدُها حَمْنانة - فأكلتْ دوابَّهم وزُروعَهم، ولَزِمتْ جلودَهم كأنها الجُدَرِيُّ عليهم، وَمَنَعَهم النومَ والقَرار. وقال حبيبُ بنُ أبي ثابت: القُمَّل: الجِعْلان(٥). والقُمَّل عند أهل اللغة: ضربٌ من القِرْدان. قال أبو الحسن الأعرابيّ العدويُّ(٦): القُمَّل: دوابُ صِغارٌ مِن جنس القِردان، إلَّا أنها أصغرُ منها، واحدتها ثُمَّلة. قال النحاس(٧): وليس هذا بناقضٍ لِمَا قاله أهلُ التفسير؛ لأنه يجوز أن تكونَ هذه الأشياءُ كلُّها أُرْسِلتْ عليهم، وهي أنها (١) ص١٣١، وأخرجه ابن حبان في المجروحين ٢٥٦/٢ - ٢٥٧ ، وابن عدي في الكامل ١٩٩٠/٥، قال ابن حبان: وهذا شيء لا شك أنه موضوع ليس هذا من كلام رسول الله﴾. قلنا: في إسناده محمد ابن عيسى بن كيسان، قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو زرعة: لا ينبغي أن يُحدَّث عنه، وقال ابن حبان: يروي عن محمد بن المنكدر العجائب. ينظر ميزان الاعتدال ٦٧٧/٣ . (٢) الصحاح (دبى). (٣) أخرج هذه الأقوال الطبري ٣٨٣/١٠ - ٣٨٥. (٤) في مجاز القرآن ٢٢٦/١ . (٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٨٧٤)، والجِعلان: جمع جُعَل، حشرة كالخُنْفَساء يكثر في المواضع النديَّة. المعجم الوسيط (جعل). (٦) لم نعرفه. (٧) في معاني القرآن ٣/ ٧٠ . وما قبله منه. ٣١٣ سورة الأعراف: الآية ١٣٣ كلَّها تجتمع في أنها تُؤذيهم. وذکر بعض المفسرين أنه کان پِعَیْن شمس گثِيبٌ مِن رمل، فضربه موسى بعصاه فصار قٌّمَّلاً (١). وواحدُ القُمَّلِ قُمَّلة. وقيل: القُمَّلُ: القَمْلُ، قاله عطاءُ الخُراسانِيّ(٢). وفي قراءة الحسن: ((والقَمْلَ)) بفتح القاف وإسكان الميم(٣). فتضرَّعوا، فلمَّا كُشِفَ عنهم لم يؤمنوا، فأرسل اللهُ عليهم الضَّفادع، جمع ضِفْدِعِ، وهي المعروفةُ التي تكون في الماء، وقد ورد النهي عن قتلها(٤)، أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسنادٍ صحيح؛ أخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق. وابنُ ماجه عن محمد ابنِ يحيى النيسابوريِّ الذَّهْليّ، عن أبي هريرة قال: نهى رسولُ الله # عن قَتْل الصُّرَدِ(٥) والضِّفْدِعِ والنَّملة والهدهد (٦). وخرَّجِ النَّسائيُّ عن عبد الرحمن بنِ عثمان، أنَّ طبيباً ذَكرَ ضِفْدَعاً في دواءٍ عند النبيِّ#، فنهاه النبيُّ﴾ عن قَتْله(٧). صحَّحه أبو محمدٍ عبدُ الحق(٨). (١) أخرجه الطبري ٣٩٥/١٠ من قول سعيد بن جبير والحسن. (٢) أورده البغوي في تفسيره ٢/ ١٩٢، وأخرجه الطبري ٣٩٧/١٠ من قول زيد بن أسلم. (٣) القراءات الشاذة ص ٤٥، والمحتسب ١/ ٢٥٧. (٤) في (خ) و(ظ) و(م): وفيه مسألة واحدة، وهي أن النهي ورد عن قتلها. (٥) الصُّرَد: هو طائر ضخم الرأس والمنقار، له ريش عظيم، نصفه أبيض ونصفه أسود. النهاية (صرد). (٦) کذا ذکر المصنف حديثي أبي داود وابن ماجه، وهو وهم منه رحمه الله، فالذي رواه أبو داود (٥٢٦٧) عن أحمدَ بنِ حنبل، وابن ماجه (٣٢٢٤) عن محمد بنٍ يحيى النيسابوري (وهو الذي ذكره المصنف أعلاه)، كلاهما (أحمد ومحمد) عن عبد الرزاق ... بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن النبي : نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهُدهد، والصُّرَد. (وليس فيه ذكر الضّفدع). وأما الحديث الذي أورده المصنف أعلاه، فقد رواه ابن ماجه وحده (٣٢٢٣) عن محمد بن بشار وعبد الرحمن بن عبد الوهّاب (وليس عن محمد بن يحيى) ... بإسنادهما إلى أبي هريرة ... باللفظ الذي ذكره المصنف وأما حديث النهي عن قتل الضّفدع عند أبي داود فهو الآتي بعده. وانظر تحفة الأشراف ٦٩/٥ و٤٦٨/٩ . (٧) المجتبى ٧/ ٢١٠، وأخرجه أحمد (١٥٧٥٧)، وأبو داود (٥٢٦٩). (٨) في الأحكام الوسطى ٢٤٩/٤ - ٢٥٠، والأحكام الصغرى ٨٤٨/٢ - ٨٤٩ . ٣١٤ سورة الأعراف: الآية ١٣٣ وعن أبي هريرة قال: الصُّرَد أوَّلُ طيرٍ صام، ولَمَّا خرج إبراهيمُ عليه السلام من الشام إلى الحرم في بناء البيت، كانت السَّكِينةُ (١) معه والصُّرَد؛ فكان الصُّرَدُ دلیلَه إِلی الموضع، والسَّكِينةُ مِقدارَه. فلمَّا صار إِلى البُقعة (٢)، وقعت السَّكِينةُ على موضع البيت ونادت: إِبْنِ يا إبراهيمُ على مِقدار ظِلِّي. فنهى النبيُّ ﴾ عن قَتْل الصُّرَد؛ لأنه كان دليلَ إِبراهيمَ على البيت، وعن الضُّفِعِ؛ لأنها كانت تصبُّ الماءَ على نار إِبراهيم(٣). ولمَّا تسلَّطت على فرعون، جاءتْ فأخذت الأمكنةَ كلَّها، فلمَّا صارتْ إلى التَّنُّور، وَثَبَتْ فيها وهي نارٌ تُسعَّر؛ طاعةً لله. فجعل اللهُ نقِيقَها تسبيحاً. يقال: إِنها أكثرُ الدوابِّ تسبيحاً. قال عبد الله بنُ عمرو: لا تقتلوا الضُّفِدِعَ؛ فإنَّ نقيقَه الذي تسمعون تسبيح (٤). فرُوي أنها مَلَأتْ فُرُشَهم وأَوعيتهم وطعامَهم وشرابَهم؛ فكان الرجلُ يجلِسُ إلى ذَقنه في الضفادع، وإذا تكلّم وَثَبَ الضُّفِعُ في فيه. فشكَوْا إلى موسى وقالوا: نتوبُ؛ فكشف اللهُ عنهم ذلك، فعادوا إلى كُفرهم، فأرسل اللهُ عليهم الدَّمَ، فسال النيلُ عليهم دَماً. وكان الإسرائيليُّ يغترفُ منه الماء، والقِبْطيُّ الدَّمَ. وكان الإسرائيليُّ يَصُبُّ الماءَ في فم القبطيِّ فيصيرُ دَماً، والقبطيُّ يَصُبُّ الدَّمَ في فم الإسرائيليِّ فيصيرُ ماءً زُلالاً(٥). ﴿وَيَتٍ مُّفَصَّلَتٍ﴾ أي: مُبَيَّنات ظاهرات؛ عن مجاهد(٦). قال الزجاج(٧): ((آياتٍ مُفَصَّلات)): نصب على الحال. ويُروى أنه كان بين الآية والآية ثمانيةُ أيام. وقيل: أربعون يوماً. وقيل: شهر (٨)؛ فلهذا قال: ((مُفَصَّلات)). ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ أي: ترفَّعوا عن الإيمان بالله تعالى. (١) السكينة: ريح سريعة الممر. النهاية (سكن). (٢) في (ظ): الحرم. (٣) نوادر الأصول ص ١٣٢. (٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٤١٨)، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٣٧٢٨) عنه مرفوعاً. قال الذهبي في ميزان الاعتدال ١١٧/٤ : صوابه موقوف. (٥) عرائس المجالس ص١٩٦ . وليس في هذه المبالغات التي أوردها المفسرون نصٌّ صحيح. (٦) أخرجه الطبري ٣٩٨/١٠ بنحوه. (٧) في معاني القرآن ٢/ ٣٧٠ . (٨) المحرر الوجيز ٤٤٤/٢ - ٤٤٥ . ٣١٥ سورة الأعراف: الآيات ١٣٤ - ١٣٦ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكٌ لَبِن كَثَفْتَ عَنَا الرِّجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَغُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىَ إِسْرَِّيلَ (٣٢) فَلَمَّا كَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَّ أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُونَ فَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ (١٣٥ فَأَغْرَقْتَهُمْ فِىِ الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِثَايَدِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِينَ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْرِجْزُ﴾ أي: العذاب. وقُرئ بضمِّ الراء (١)؛ لغتان. قال ابن جُبير: كان طاعوناً، مات به من القِبْط في يوم واحد سبعون ألفاً(٢). وقيل: المرادُ بالرِّجز ما تقدَّم ◌ِکْرُه مِن الآيات. ﴿بِمَا عَهِدَ عِندٌَ﴾ ((ما)» بمعنى الذي، أي: بما استودَعكَ من العلم، أو: بما اختصَّك به فنبَّك. وقيل: هذا قَسَمٌ، أي: بعهده عندك إِلَّا ما دعوتَ لنا؛ فـ ((ما)) صِلَة (٣) ﴿لَيِن كُثَفْتَ عَنَّا الْرِّجْزَ﴾ أي: بدعائك لإلهك حتى يكشفَ عنَّا. ﴿لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ أي: نصدّقك بما جئتَ به. ﴿وَلَتُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيَّ إِسْرَِّيلَ﴾ وكانوا يَستخدمونهم؛ على ما تقدَّم (٤). ﴿إِلَ أَجَلٍ هُم بَلِفُوهُ﴾ يعني: أجلَهم(٥) الذي ضَرَبَ لهم في التغريق. ﴿إِذَا هُمْ يَنَكُونَ﴾ أي: يَنْقُضون ما عَقَدُوه على أنفسهم. ﴿فَْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْتَهُمْ فِىِ اَلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِثَايَدِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَفِلِينَ﴾ واليَمُّ: البحر. ((وكانوا عنها)) أي: عن النّقمة؛ دلَّ عليها: ((فانتقمنا)). وقيل: عن الآيات، أي: لم يعتبروا بها حتى صاروا كالغافلين عنها. (١) قرأ بها مجاهد وابن محيصن كما في القراءات الشاذة ص٤٥ . (٢) أخرجه الطبري ٣٩٩/١٠ - ٤٠٠ . (٣) الصواب أنها مصدرية، ينظر الكشاف ١٠٨/٢ - ١٠٩. (٤) ٦/ ٢٦٣. (٥) في النسخ الخطية: آجالهم، والمثبت من (م). ٣١٦ سورة الأعراف: الآية ١٣٧ قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا أُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا أَِّى بَرَكْنَا فِيَهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَ بَفِىّ إِسْرَِّيلَ بِمَا صَبَّرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ بَعْرِشُونَ قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا أَلْقَوْمَ﴾ يريدُ بني إسرائيل. ﴿الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾ أي: يُسْتَذَلُّون بالخِدمة. ﴿مَشَرِفَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا﴾ زَعَم الكِسائيُّ والفرَّاء أنَّ الأصل: في مشارق الأرض ومغاربها، ثم حذفَ ((في)) فنصب(١). والظاهرُ أنهم وَرِثوا أرضَ القِبْط. فهما نصبٌ على المفعول الصريح؛ يقال: ورِثتُ المالَ وأورثتُه المالَ؛ فلما تعدَّى الفعلُ بالهمزة نَصَبَ مفعولَین. والأرض: هي أرضُ الشام ومصر. ومشارقُها ومغاربُها: جِهَاتُ الشرق والغرب بها، فالأرض مخصوصة، عن الحسن وقَتادةَ وغيرهما. وقيل: أراد جميعَ الأرض؛ لأنَّ مِن بَني إسرائيل داود وسليمانَ، وقد مَلّكا الأرضَ (٢). ﴿الَِّى بَرَكْنَا فِيهاً﴾ أي: بإخراج الزُّروعِ والثِّمار والأنهار. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَ عَلَى بَِّ إِسْرَِّيلَ﴾ هي قوله: ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَ الَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَنَّجْعَلَهُمْ أَيِنَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِنَ﴾(٣) [القصص: ٥]. ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي: بِصَبْرهم على أَذَى فرعون، وعلى أمرِ الله بعد أنْ آمنوا بموسى. ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾(٤) يقال: عَرَش يَعْرِش: إِذا بَنى. قال ابن عباس ومجاهد: أي: ما كانوا يَبنون من القُصُور وغيرِها (٥). وقال الحسن: هو تعريشُ الگرْم. (١) إعراب القرآن للنحاس ١٤٧/٢، وقول الفراء في معاني القرآن له ٣٩٧/١. (٢) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٤٤٦/٢ وتفسير الرازي ٢٢١/١٤، وقول الحسن وقتادة أخرجه الطبري ٤٠٦/١٠ - ٤٠٧ دون ذکر مصر. (٣) المحرر الوجيز ٤٤٦/٢، ونسبه للمهدوي. (٤) وقع في (خ) و(ز) و(ظ) بدل هذه الآية قوله: ويعرشون يبنون، والمثبت من (د) و(م). (٥) أخرجه الطبري ١٠/ ٤٠٧ . ٣١٧ سورة الأعراف: الآيتان ١٣٧ - ١٣٨ وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم: ((يَعْرُشون)) بضمِّ الراء(١). قال الكسائيّ: هي لغةُ تميم(٢). وقرأ إِبراهيم بنُ أبي عَبْلَةَ: ((يُعرِّشون)) بتشديد الراء وضمِّ الياء(٣). قوله تعالى: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَّهِيَلَ الْبَحْرَ فَأَتَوَأْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَهُمَّ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَا كَمَا لَمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ٣٨ قوله تعالى: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمْ﴾ قرأ حمزةُ والكِسائيُّ بكسر الكاف، والباقون بضمِّها(٤). يقال: عَكَف يَعْكِف ويَعْكُف، بمعنى: أقام على الشيء ولَزِمه. والمصدر منهما على فُعُول(٥). قال قتادة: كان أولئك القومُ من لَخْم، وكانوا نزولاً بالرقَّة (٦). وقيل: كانت أصنامُهم تماثيلَ بَقَر؛ ولهذا أخرج لهم السامِريُّ عجلاً(٧). ﴿قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَمْ ءَاِهَةٌ﴾ نظيره قولُ جُهَّالِ الأَعراب - وقد رأوا شجرةً خضراءَ للكفار، تُسَمَّى ذاتَ أنْوَاط(٨)، يعظّمونها في كل سنةٍ يوماً -: یا رسولَ الله، اجعل لنا ذاتَ أَنْواط كما لهم ذاتُ أَنْواط. فقال عليه الصلاة والسلام: ((اللهُ أكبرُ. قُلتم - والذي نفسي بيده - كما قال قومُ موسى: ﴿أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَا كَمَا لَمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لَتركَبُنَّ سَننَ مَن قَبَلَكُمْ حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّةُ(٩)، حتى إنهم لو (١) السبعة ص ٢٩٢، والتيسير ص١١٣. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٤٧ . (٣) المحرر الوجيز ٤٤٧/٢، وهي قراءة شاذة. (٤) السبعة ص٢٩٢، والتيسير ص١١٣ . (٥) تهذيب اللغة ٣٢١/١، والصحاح (عكف). (٦) تفسير البغوي ٢/ ١٩٤، وأخرجه الطبري ٤٠٩/١٠ - ٤١٠ دون قوله: وكانوا نزولاً بالرقة. (٧) أخرجه الطبري ٤٠٩/١٠ من قول ابن جريج. (٨) سميت بذلك لأنهم كانوا ينوطون بها سلاحهم، أي: يعلِّقونه بها. النهاية (نوط). (٩) القذة: ريشة السهم، جمعها: قُذَذ. أي: كما تُقدَّر كل واحدة منهما على قدر صاحبتها وتُقطع. يضرب مثلاً للشيئين يستويان ولا يتفاوتان. النهاية (قذذ). ٣١٨ سورة الأعراف: الآيات ١٣٨ - ١٤١ دخلوا جُخْرَ ضَبٍّ لدخلتموه))(١). وكان هذا في مَخْرَجِه إلى حُنَين، على ما يأتي بيانُه في ((براءة)) إن شاء الله تعالى(٢). قَالَ أَغَيْرَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبِّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ اللَّهِ أَبْفِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبِّرُ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ أي: مُهْلَك، والتَّبَار: الهلاك. وكلُّ إناءٍ مُكَسَّر: مُتَبَّرٌ، وأمر مُتَبَّر. أي: إنَّ العابد والمعبود مُهْلَكان. وقوله: ﴿مَنَطِلِّ﴾ أي: ذاهبٌ مُضْمَحِلّ. ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ((كانوا)) صِلَةٌ زائدة. ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْفِيكُمْ إِلَهَا﴾ أي: أَطلبُ لكم إلهاً غيرَ اللهِ تعالى؟ يقال: بَغَيْتُه وبَغَيْت له . ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَيِينَ﴾ أي: على عالَمِي زمانِكم. وقيل: فضَّلَهم بإهلاك عدوّهم وبما خصَّهم به من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْنَكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابٍ يُقَيِّلُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِ ذَلِكُمْ بَلَهٌ مِنْ زَّبِّكُمْ عَظِيمُ (١)﴾ ذگّرهم مِنَّته. وقيل: هو خطابٌ لیهود عصر النبيّ ﴾. أي: واذكروا إذ أنجینا أسلافَكم(٣)؛ حَسَبَ ما تقدَّم بيانُه في سورة البقرة(٤). (١) وقع لفظ هذا الحديث (كما أورده المصنف) في أكثر من حديث، فقد أخرجه أحمد (٢١٨٩٧)، والترمذي (٢١٨٠) من حديث أبي واقد الليثي ، دون قوله: ((حذو القُذَّة بالقُذَّة ... )) إلى آخر الحديث. وقولُه: ((حذو القُذّة بالقُذّة)) وقع في حديث شداد بن أوس ﴾، أخرجه أحمد (١٧١٣٥)، وقوله: ((حتى إنهم لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه) وقع في حديث أبي هريرة +، أخرجه أحمد (٨٣٤٠)، وحديث أبي سعيد الخدري ﴾، أخرجه أحمد (١١٨٠٠)، والبخاري (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩). (٢) في تفسير الآية (٢٥) منها. (٣) تفسير الطبري ٤١٣/١٠ . (٤) ٢/ ٨٠ وما بعدها. ٣١٩ سورة الأعراف: الآية ١٤٢ قوله تعالى: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَلْتُ رَيِِّه أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِهِ هَرُونَ أَخْلُفْنِى فِى قَوِْى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّبِعَ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ١٤٢ قوله تعالى: ﴿وَوَ عَدْنَا مُوسَى نَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَيِِّ: أَرْبَعِينَ کیل﴾﴾. فيه ثلاثُ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَثِينَ لَيْلَةً﴾ ذكر أنَّ ممَّا كرَّم اللهُ به موسى ﴾ هذا. فكان وعده المناجاة إکراماً له. ﴿وَأَتْمَمْنَهَا بِعَثْرٍ﴾، قال ابن عباس ومجاهدٌ ومسروق ﴾: هي ذو القَعْدة وعشرٌ من ذي الحِجَّة(١). أمره أن يصومَ الشهرَ وينفردَ فيه بالعبادة، فلمَّا صامَه؛ أنكر خُلُوفَ فَمِه، فاستاك. قيل: بعود خَرْنُوب، فقالت الملائكة: إنَّا كنَّا نستنشقُ من فيكَ رائحةً المِسْك، فأفسدتَه بالسِّواك. فَزِيْدَ عليه عشرُ ليالٍ من ذي الحِجَّة. وقيل: إنَّ الله تعالى أَوْحَى إليه لمَّا استاك: يا موسى، لا أُكلِّمك حتى يعودَ فُوك إلى ما كان عليه قبلُ، أَمَا علمتَ أنَّ رائحةَ الصائم أحبُّ إليَّ من ريح المِسْك. وأمره بصيام عَشْرةٍ أيام(٢). وكان كلامُ الله تعالى لموسى ﴾ غداةَ النَّحْرِ حين فَدَى إسماعيلَ من الذَّبح، وأكمل لمحمدٍ ﴾ الحجَّ(٣). وحُذفت الهاءُ من عشر؛ لأنَّ المعدود مؤنَّث. والفائدة في قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَتُ رَيِّدِه أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ﴾ وقد عُلم أنَّ ثلاثين وعشرةً (١) أخرجه الطبري ٤١٤/١٠ - ٤١٥، وابن أبي حاتم ١٥٥٦/٥ (٨٩٢٠). (٢) الوسيط ٤٠٥/٢، وزاد المسير ٢٥٥/٣، وأخرجه ابن أبي حاتم ١٥٥٦/٥ (٨٩١٨) بنحوه من قول ابن عباس رضي الله عنهما. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٧٨١/٢ . ٣٢٠ سورة الأعراف: الآية ١٤٢ أربعون، لئلا يُتوهَّمَ أنَّ المراد: أَتممنا الثلاثين بعشرٍ منها؛ فبيَّن أنَّ العشر سوى الثلاثين(١). فإن قيل: فقد قال في ((البقرة)): ((أربعين)) [الآية: ٥١]، وقال هنا: (ثلاثين))، فيكونُ ذلك من البَدَاءِ(٢). قيل: ليس كذلك، فقد قال: ﴿وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ﴾ والأربعون، والثلاثون والعشرة؛ قولٌ واحد ليس بمختلف. وإنما قال القولين على تفصيلٍ وتأليف، قال: ((أربعين)) في قولٍ مؤلّف، وقال: ((ثلاثين)) يعني: شهراً متتابعاً وعشراً. وكلُّ ذلك أربعون؛ كما قال الشاعر: عشر وأربع (٣) يعني: أربعَ عَشْرةَ، ليلةَ البدر. وهذا جائزٌ في كلام العرب. الثانية: قال علماؤنا: دلَّت هذه الآيةُ على أن ضَرْب الأجل للمواعَدة سُنَّةٌ ماضية، ومعنّى قديمٌ أسَّسَه اللهُ تعالى في القضايا، وحَكّم به للأمم، وعرَّفهم به مقاديرَّ التأنّي في الأعمال. وأوّلُ أجلٍ ضربه اللهُ تعالى الأيامُ السِّنة التي خلق فيها جميعَ المخلوقات (٤)، ﴿وَلَقَدْ خَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن ◌ُنُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. وقد بيَّنَّا معناه فيما تقدَّم في هذه السورة من قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الآية: ٥٤]. قال ابن العربيّ(٥): فإذا ضُرِب الأجلُ لمعنّى يحاول فيه تحصيلُ المؤجّل، فجاء الأجلُ ولم يتيسَّر، زِيدَ فيه تبصرةً ومعذرةً. وقد بيَّن اللهُ تعالى ذلك لموسى عليه السلام، فضرب له أجلاً ثلاثين ثم زاده عشراً تتمةَ أربعين. وأبطأ موسى عليه السلام في هذه العشرِ على قومه، فما عَقَلوا جوازَ التأنّي والتأخُرِ حتى قالوا: إنَّ موسى ضَلَّ أو نَسِي، ونكثوا عهدَه وبدَّلوا بعده، وعبدوا إلهاً غيرَ الله. :٠ (١) إعراب القرآن للنحاس ١٤٨/٢، وتفسير الرازي ٢٢٦/١٤. (٢) يقال: بَدًا له في هذا الأمر بَدَاءٌ - بالمدّ - أي: نشأ له فيه رأي. الصحاح (بدو). (٣) قائله أبو نواس، وهو في ديوانه ص٢٢٣ ، وهو بتمامه: كالبدر ليلة عشر (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٨٠ . (٥) في أحكام القرآن ٢/ ٧٨٠ . وأربع لـشُعوده