Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ سورة الأعراف: الآيات ٤٠ - ٤٢ ((الجَمْل)) بفتحِ الجيمِ وسكونِ الميم؛ تخفيفُ ((جَمَل))(١). وسَمُّ الخِيَاط: ثَقْبُ الإبرة، عن ابن عباس وغيره(٢). وكلُّ ثَقْبٍ لطيفٍ في البدن يُسمَّى سَمًّا وسُمَّا، وجمعُه: سُمومٌ. وجمعُ السمِّ القاتل: سِمَام(٣). وقرأَ ابن سِيرين: (في سُمِّ) بضمِّ السين(٤). والخِيَاط: ما يُخاط به، يقال: خِياطٌ ومِخْيَط، مثل: إِزَارٍ ومِثْزَرٍ، وقِنَاعٍ ومِقْنَع (٥). والمِهَادُ: الفِراش. و((غواشٍ)) جمعُ غاشية، أي: نيرانٌ تَغْشاهُمْ. ﴿وَكَذَلِكَ فَْزِى الظَّالِمِينَ﴾ يعني الكفَّار(٦)، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضََّلِحَتِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَّ أُوْلَتْكَ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ قوله تعالى: ﴿لَا تُكَلِّفُ تَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ كلامٌ مُعترِضٌ، أي: والذين آمنوا وعَمِلُوا الصالحاتِ أولئك أصحابُ الجنَّةِ هم فيها خالدون(٧). ومعنى ﴿لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾(٨) أي: إنَّه لم يُكلِّفْ أحداً مِن نفقاتٍ الزوجاتِ إلَّا ما وَجَدَ وتمكَّنَ منه، دونَ ما لا تنالُهُ يُدُه، ولم يُرِدْ إثباتَ الاستطاعةِ قبل الفعل، قاله ابن الطيب، نظيرُه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلََّ مَآ ءَاتَنِهَا﴾ [الطلاق: ٧](٩). (١) القراءات الشاذة ص٤٣، والمحتسب ٢٤٩/١ ، ويعني بالتخفيف إسكان الميم. (٢) أخرجه الطبري ١٩٦/١٠ . (٣) كذا قال، وكلاهما يجمع على سُموم وسِمام. ينظر الصحاح (سمم). (٤) معاني القرآن للنحاس ٣٦/٣، والمحرر الوجيز ٤٠٠/٢، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤٣ لأبي السمّال. (٥) معاني القرآن للفراء ٣٧٩/١ . (٦) الكلام بنحوه في معاني القرآن للنحاس ٣٦/٣ - ٣٧. (٧) تفسير الرازي ١٤/ ٧٨ . (٨) في النسخ الخطية، وتمهيد الأوائل ص٣٢٨، والكلام منه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَأَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. (٩) ومعنى الآية أن الشريعة لا يتقرر من تكاليفها شيء لا يطاق، فلا تكلف نفس إلا طاقتها وما لا تحرج فيه ولا تضييق عليه. ينظر المحرر الوجيز ٤٠١/٢، وتفسير البغوي ١٦٠/٢. ٢٢٢ سورة الأعراف: الآية ٤٣ قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ تَجْرِى مِن تَعْنِهِمُ الْأَنْهَرِّ وَقَالُواْ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنْنَا لِهَذَا وَمَا كَاَ لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا اللَّهُ لَقَدْ جَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِالِّْ وَنُودُوّا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُوْرِقْتُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ١٤٣ ذَكَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ فيما يُنعِمُ به على أهلِ الجنَّةِ نزعَ الغِلِّ مِن صدورِهم. والنَّزْعُ: الاستخراجُ. والغِلُّ: الحِقدُ الكامِنُ في الصدر، والجمعُ: غِلالٌ(١)، أي: أذهبنا في الجنَّةِ ما كان في قلوبِهِم مِن الغِلِّ في الدنيا، قال النبيُّ:﴿: ((الغِلُّ على بابِ الجنَّةِ كمَبَاركِ الإبلِ قد نزعَهُ الله مِن قلوبِ المؤمنين)»(٢). ورُويَ عن عليٍّ ﴾ أنَّه قال: أرجو أنْ أكونَ أنا وعثمانُ وطلحة والزبير مِن الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَزَعْنَا مَا فِىِ صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍ﴾(٣). وقيل: نزعُ الغِلِّ في الجنَّةِ أَلَّا يَحسُد بعضُهم بعضاً في تفاضُلِ منازلهم (٤). وقد قيل: إنَّ ذلك يكون عن شرابِ الجنَّة، ولهذا قال: ﴿وَمَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] أي: يُطهِّرُ الأوْضَارَ من الصدور، على ما يأتي بيانُه في سورة الإنسان والزمر إن شاء الله تعالى(٥). ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَيْنَا لِهَذَا﴾ أي: لهذا الثوابِ؛ بأنْ أرشدَنا وخلَقَ لنا الهدايةَ، وهذا ردٌّ على القَدَرِيَّة. ﴿وَمَا كُنَّا﴾ قراءةُ ابن عامر بإسقاطِ الواو، والباقون بإثباتها (٦). ﴿لِهْتَدِىَ﴾ لامُ نفي(٧). ﴿لَوْلَا أَنْ هَدَنَا اللَّهُ﴾ في موضعٍ رفع. (١) إعراب القرآن للنحاس ١٣٦/٢. (٢) لم نقف عليه، ونقله المصنف عن ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤٠١ . (٣) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٢٩/٢، والطبري ١٩٩/١٠. (٤) معاني القرآن للزجاج ٣٣٩/٢، ومعاني القرآن للنحاس ٣٧/٣ . (٥) سورة الإنسان، الآية (٢١)، وسورة الزمر، الآية (٧٣). (٦) السبعة ص ٢٨٠، والتيسير ص١١٠ . (٧) في النسخ الخطية و(م): كي، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ١٢٦/٢، والكلام منه، ولام النفي: هي اللام التي تأتي بعد كان المنفية، ويسميها أكثرهم لام الجحود. قال ابن هشام في المغني ص٢٧٨ : قال النحاس: والصواب تسميتها لام النفي؛ لأن الجحد في اللغة إنكار ما تعرفه، لا مطلق الإنكار. ٢٢٣ سورة الأعراف: الآية ٤٣ ﴿وَنُودُوا﴾ أصلُه: نُودِيوا. ﴿أَنْ﴾ في موضع نصبٍ مخفّفةٌ مِن الثقيلة، أي: بأنَّه ﴿يَلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾. وقد تكون تفسيراً لما نُودوا به؛ لأنَّ النداءَ قولٌ، فلا یکون لها موضعٌ، أي: قيل لهم: ((تِلكُمُ الجَنَّةُ)؛ لأنَّهم وُعِدوا بها في الدنيا، أي: قيل لهم: تلكُمُ(١) الجنَّةُ التي وُعِدتم بها، أو يقال لهم ذلك قبل الدخولِ حين عايَنوها مِن بُعْدٍ (٢). وقيل: ((تِلكُم)) بمعنى هذه(٣). ومعنى، ﴿أُوْرِقْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: وَرِثتُم منازلَها بعمَلِكُم، ودخولكم إيَّاها برحمةِ الله وفضلِه، كما قال: ﴿ذَلِكَ اَلْفَضْلُ مِنَ اَللَّهِ﴾ [النساء: ٧٠]، وقال: ﴿فَسَيُّدْيِلُهُمْ فِ رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء: ١٧٥]. وفي ((صحيح)) مسلم: ((لن يُدخِلَ أحداً منكم عَمَلُهُ الجنَّةَ))، قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟! قال: (ولا أنا، إلَّا أنْ يتغمَّدَنيَ اللهُ برحمَةٍ منه وفَضْل))(٤). وفي غیرِ الصحيحِ: ليس من كافر ولا مؤمن إلَّا وله في الجنَّة والنَّار منزلٌ، فإذا دخَلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ رُفِعَت الجنَّةُ لأهلِ النَّارِ، فنظروا إلى منازلهم فيها، فقيل لهم: هذه منازلُكم لو عملتُم بطاعَةِ الله، ثم يقال: يا أهلَ الجنَّةِ، رِثُوهم بما كنتُمْ تعملون، فتُقْسَمُ بين أهلِ الجنَّةِ منازلُهم(٥). قلت: وفي ((صحيح) مسلم: ((لا يموتُ رجلٌ مسلمٌ إلَّا أدخَلَ اللهُ مكانَه في النَّارِ يهوديًّا أو نصرانيًا))(٦)، فهذا أيضاً ميراثٌ، نَغَّم(٧) بفضلِهِ مَن شاءَ، وعذَّبَ بعدلِه مَن (١) في النسخ غير (ظ): هذه تلكم. والظاهر أن لفظة هذه، نسخة للفظة: تلكم، أُقحمت في النصّ. (٢) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٣٤٠، وإعراب القرآن للنحاس ١٢٦/٢، ومعاني القرآن للنحاس ٣٨/٣. (٣) تفسير أبي الليث ٥٤٢/١ . (٤) صحيح مسلم (٢٨١٦) (٧٥)، وأخرجه أحمد (٧٥٨٧)، والبخاري (٥٦٧٣) من حديث أبي هريرة ﴾. (٥) أخرجه الطبري ٢٠٢/١٠ من قول السدّي. وفي باب رؤية العبد مقعده من الجنة أو النار عند الموت عن أبي سعيد الخدري ﴾ عند أحمد (١١٠٠٠) وينظر حديث أنس رضي الله عنه عند مسلم (٢٨٧٠). (٦) صحيح مسلم (٢٧٦٧) (٥٠)، وأخرجه أحمد (١٩٤٨٥) من حديث أبي موسى الأشعري (٧) في (ز) و(ظ): يعم. ٢٢٤ سورة الأعراف: الآيتان ٤٣ - ٤٤ شاءَ. وبالجملَةِ؛ فالجنَّة ومنازلُها لا تُنالُ إلَّا برحمتِهِ، فإذا دخلُوها بأعمالِهم فقد وَرِثوها برحمتِهِ، ودخلُوها برحمتِهِ، إذْ أعمالُهم رحمةٌ منه لهم وتفضُّلٌ عليهم. وقُرِئ: ((أُورِثْتُموها)) مِن غيرِ إدغام، وقُرِئ بإدغامِ الثاءِ في التّاءِ (١). قوله تعالى: ﴿وَنَدَّ أَصْحَبُ اَلْنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ أَنْ قَّدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبَّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدِّثُم ◌َّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَهَّ فَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَّْنَةُ اللَّهِ عَلَ النَِّينَ ٤٤ قوله تعالى: ﴿وَنَادَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ هذا سؤالُ تَقْريعٍ وتَغْيِيرٍ. ﴿أَنْ قَّ وَجَدْنَا﴾ مثل: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْمَنَّةُ﴾ أي: إنَّه قد وَجَدْنا، وقيل: هو نفسُ النِّداء(٢). ﴿فَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي: نادَى وصوَّتَ؛ يعني مِن الملائكَةِ، ((بينَهم)) ظرفٌ، كما تقولُ: أعْلَم وسطهم. وقرَأَ الأعمشُ والكِسائيُّ: ((نَعِم)) بكسرِ العين، وتجوزُ على هذه اللُّغةِ بإسكانٍ العين (٣). قال مكيّ (٤): مَن قال: (نَعِم)) بكسر العين أرادَ أنْ يُفرِّقَ بينَ ((نَعَم)) التي هي جوابٌ، وبينَ (نَعَم)) التي هي اسمٌّ للإبلِ والبقرِ والغنمِ. وقد رُوي عن عمرَ إنكارُ (نَعَم)) بفتحِ العينِ في الجوابِ، وقال: قُلْ نَعِم(٥). ونَعَم ونَعِم لغتانٍ؛ بمعنى العِدَةِ والتصديق، فالعِدَةُ إذا استفهمْتَ عن موچِبٍ، نحوُ قولكَ: أيقومُ زيدٌ؟ فيقول: نَعَمْ. والتصديقُ إذا أخبرْتَ عمَّا وقَعَ، تقول: قد كان (١) قرأ بإدغام (أُورثُموها) أبو عمرو وابن عامر من رواية هشام، وحمزة والكسائي، والباقون من غير إدغام. السبعة ص٢٨١ ، والتيسير ص٤٤ . (٢) معاني القرآن للزجاج ٣٤٠/٢ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٢٧/٢، وقراءة الكسائي في السبعة ص٢٨١، والتيسير ص١١٠. (٤) الكشف عن وجوه القراءات ٤٦٢/١ - ٤٦٣ . (٥) وذكر هذه القصة أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٠٣/٢. قال السمين في الدر المصون ٣٢٦/٥: ولم نرَ العرب يعرفون ما رَوَوْه عن عمر، ونراه مُوَلَّداً. ثم قال: هذا طَعْن في المتواتر فلا يُقبل. ٢٢٥ سورة الأعراف: الآيتان ٤٤ - ٤٥ كذا وكذا، فيقول: نَعَمْ. فإذا استفهمْتَ عن منفيٍّ فالجواب: بلى، نحو قولكَ: ألم أُکړمك؟ فيقول: بلى. فنَعَمْ لجوابِ الاستفهام الداخل على الإيجاب كما في هذه الآية. وبلَی لجوابٍ الاستفهامِ الداخلِ على النفي، كما قال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بٌَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وقرأَ البَزِّيُّ وابنُ عامر وحمزة والكِسائيُّ: ((أنَّ لعنةَ اللـه))، وهو الأصلُ. وقرأَ الباقون بتخفيف ((أنْ)) ورَفْع اللَّعنةِ على الابتداء (١)، فـ((أن)) في موضعٍ نصب على القراءتَين على إسقاط الخافض. ويَجوزُ في المخفَّفةِ ألَّا يكون لها موضعٌ من الإعراب، وتكون مفسِّرةً كما تقدَّم(٢). وحُكِيَ عن الأعمش أنَّه قرأ: ((إنَّ لعنةَ اللهِ)) بكسرِ الهمزة، فهذا على إضمارِ القول كما قرأ الكوفيون: ﴿فَنَادَاهُ(٣) الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إِنَّ (٤) الله﴾(٥) [آل عمران: ٣٩]. ويُروى أنَّ طاوساً دخَل على هشام بن عبد الملك فقال له: اتَّقِ اللهَ واحذَرْ يومَ الأذان، فقال: وما يوُ الأذان؟ قال: قوله تعالى: ﴿فَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَهُمْ أَنْ لَّمْنَةُ اللَّهِ عَلَ الظَّالِمِينَ﴾. فصَعِقَ هشام، فقال طاوسٌ: هذا ذُلُّ الصَّفةِ، فكيف ذُلُّ المعايَنَة(٦). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِلِ اَللَّهِ وَغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِلَآَخِرَةِ كَفِرُونَ (@) قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سِلِ الَِّ﴾ في موضع خفض لـ ((الظالمينَ)) على النَّعت، ويَجوزُ الرفعُ والنصبُ على إضمارٍ: هُمْ، أو: أَعني(٧)، أي: الذين كانوا (١) السبعة ص٢٨١، والتيسير ص ١١٠ . (٢) في تفسير الآية السابقة، عند قوله تعالى: (أن تلكم). (٣) قرأ بها حمزة والكسائي، مع الإمالة، وقرأ الباقون: ((فنادَتْه)) كما سلف ١١٢/٥. (٤) قرأ بها ابن عامر وحمزة، وقرأ الباقون: ((أن)) بفتح الهمزة، وسلفت ١١٣/٥. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٢٧. (٦) وذكر هذه القصة الذهبي في الكبائر ص١٧٩ . (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٢٧. ٢٢٦ سورة الأعراف: الآيتان ٤٥ - ٤٦ يصدُّون في الدنيا النَّاسَ عن الإسلام، فهو مِن الصَّدِّ الذي هو المَنعُ، أو يصدُّون بأنفسِهم عن سبيلِ اللهِ، أي: يُعرِضون، وهذا مِن الصُّدود. ﴿وَغُونَهَا عِوَجًا﴾ يطلُبون اعوجاجَها، ويذمُّونَها فلا يؤمنون بها، وقد مضى هذا المعنى(١). ﴿وَهُمْ بِلْآَخِرَةِ كَفِرُونَ﴾ أي: وكانوا بها كافِرِينَ، فحذفَ، وهو كثيرٌ في الكلام. قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَفِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمْ وَنَادَوْاْ أَضْحَبَ اَّْةِ أَنْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ قوله تعالى: ﴿وَيَهُمَا ◌ِجَابٌ﴾ أي: بين النَّار والجنَّة - لأنَّه جرَى ذِكْرهما - حاجزٌ(٢)، أي: سُورٌ، وهو السُّورُ الذي ذَكرَهُ الله في قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمُ بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣]. ﴿وَعَلَى الْأَعْرَفِ رِجَالٌ﴾ أي: وعلى أعرافِ السُّور، وهي: شُرَفُه، ومنه عُرفُ الفرس(٣)، وعُرفُ الديك. روى عُبيدُ اللـه (٤) بن أبي يزيد عن ابن عباس أنَّه قال: الأعراف: الشيءُ المُشْرِفُ. وروى مجاهد عن ابن عباس أنَّه قال: الأعرافُ: سورٌ له عُرفٌ كعُرْفِ الديك(٥). والأعرافُ في اللَّغة: المكانُ المُشْرفُ، جَمِعُ عُرْف. قال يحيى بن آدم (٦): سألتُ الكسائيَّ عن واحدِ الأعراف، فسكَتَ، فقلتُ: حدَّثنا إسرائيل، عن جابر، عن (١) ٢٣٣/٥. (٢) في (ظ): حجاب. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٢٧ . (٤) في النسخ: عبد الله، والمثبت من تفسير الطبري ٢٠٩/١٠ - ٢١٠، ومعاني القرآن للنحاس ٤٠/٣ والكلام منه. وهو من رجال التهذيب. (٥) أخرجهما الطبري ١٠/ ٢١٠ - ٢١١ . (٦) أبو زكريا الأموي، الكوفي، الحافظ صاحب ((الخَراج))، توفي سنة (٢٠٣ هـ). السير ٥٢٢/٩. ٢٢٧ سورة الأعراف: الآية ٤٦ مجاهد، عن ابن عباس قال: الأعرافُ سُورٌ له عُرفٌ كعُرفٍ(١) الدِّيك، فقال: نعم والله، واحده يعني، وجماعتُهُ أعرافٌ، يا غلام، هاتِ القِرطاسَ فكتَبَهُ. وهذا الكلامُ خَرَجَ مَخرجَ المدح؛ كما قال فيه: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ نِحَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ [النور: ٣٧]. الله ــ ذکر وقد تكلّم العلماءُ في أصحابِ الأعرافِ على عشرةٍ أقوال: فقال عبد الله بنُ مسعود وحُذيفة بن اليمان وابن عباس والشعبيُّ والضحاك وابن جُبير: هم قَومٌ استوَتْ حسناتُهم وسيئاتُهم (٢). قال ابن عطية (٣): وفي مسندٍ خَيْئمةَ بنِ سليمان(٤) في آخرِ الجزءِ الخامسَ عشرَ حديثٌ عن جابر بن عبد الله قال: قال رسولُ الله ﴾: ((تُوضَعُ الموازينُ يومَ القيامةِ، فتُوزَنُ الحسناتُ والسيئاتُ، فمن رجحَتْ حسناتُه على سيئاتِهِ مثقالَ صُؤابَةٍ دخلَ الجنَّةَ، ومَن رجَحَتْ سيئاتُه على حسناته مثقالَ صُؤْابَةٍ دخلَ النَّارَ)). قيل: يا رسولَ الله، فمن استوَتْ حسناتُه وسيئاتُه؟ قال: ((أولئكَ أصحابُ الأعرافِ، لم يدخلُوها وهم يَظْعمون))(٥). وقال مجاهد: هم قومٌ صالحون فقهاءُ علماء(٦). وقيل: هم الشهداءُ. ذَكره المهدوي (٧). وقال القشيريُّ: وقيل: هم فُضَلاءُ المؤمنين والشهداء، فرَغوا مِن شُغلِ أنفسِهِم، وتفرَّغوا لمطالعةِ حال النَّاس، فإذا رأَوا أصحابَ النَّار تعوَّذوا بالله أنْ يُرَدُّوا إلى النَّار، فإنَّ في قُدرةِ الله كلَّ شيء، وخلافُ المعلوم مقدورٌ. (١) في (خ) و(ز)، و(ظ): مثل عرف. (٢) أخرجه الطبري ٢١٣/١٠ - ٢١٧ . (٣) في المحرر الوجيز ٢/ ٤٠٤ . (٤) القرشي، محدِّث الشام، مصنّف ((فضائل الصحابة)). توفي سنة (٣٤٣هـ). السير ٤١٢/١٥ . (٥) وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٢١/٥، وأبو الشيخ وابن مردويه فيما ذكره السيوطي في الدر المنثور ٨٧/٣. وقوله: ((صؤابة)): هي بيضة القملة. الصحاح (صأب). (٦) أخرجه الطبري ٢١٩/١٠ . (٧) نقله عنه المصنف بواسطة المحرر الوجيز لابن عطية ٢/ ٤٠٤. ٢٢٨ سورة الأعراف: الآية ٤٦ فإذا رأوا أهلَ الجنَّة وهم لم يدخلُوها بعدُ يَرجونَ لهم دخولَها. وقال شُرَحْبِيلِ بنُ سعد: هم المُستشهِدون في سبيلِ الله، الذين خرجوا عصاةً لآبائهم(١)، وذكرَ الطبريُّ في ذلك حديثاً عن النبيِّ ﴾، وأنَّه تعادلَ عُقوقُهم واستشهادُهم (٢). وذكرَ الثعلبيُّ بإسنادِهِ عن ابن عباس في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَعَلَ الْأَغْرَافِ رِجَالٌ﴾ قال: الأعرافُ: موضعٌ عالٍ على الصراط، عليه العباس وحمزة وعليّ بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين ﴾، يعرِفونَ مُحبِّيهم ببياض الوجوه، ومُبْغضيهم بسوادٍ الوجوه(٣). وحكّى الزَّهراويُّ أنَّهم عدولُ القيامةِ الذين يشهدونَ على النَّاس بأعمالِهم، وهم في كلِّ أمَّةَ (٤). واختارَ هذا القولَ النحاسُ(٥)، وقال: وهو مِن أحسنِ ما قيل فيه، فهم على السُّورِ بين الجنَّةِ والنَّار. وقال الزجَّاج (٦): هم قومٌ أنبياءُ. وقيل: هم قومٌ كانت لهم صغائرُ لم تُكفَّرْ عنهم بالآلامِ والمصائبِ في الدنيا، وليست لهم كبائرُ، فُيُحبَسون عن الجنَّة لينالَهم بذلك غَمٌّ فيقعَ في مقابلةِ صغائرِهم. وتمنَّى سالم مولى أبي حُذيفة أنْ يكونَ من أصحاب الأعراف (٧)؛ لأنَّ مذهبَهُ أنَّهم مذنبون. وقيل: هم أولادُ الزّنَى، ذكرَهُ القشيريُّ عن ابن عباس(٨). (١) أخرجه الطبري ٢١٨/١٠ . (٢) المحرر الوجيز ٤٠٤/٢، والحديث الذي ذكره الطبري ٢١٨/١٠ فيه أبو مَعْشّر، وهو ضعيف، وقد اضطرب فيه فيما ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة ٦/ ٣٣٠، وينظر كلام الشيخ أحمد شاكر في تفسير الطبري ٤٥٨/١٢ (طبعته). (٣) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٨/ ٦٥ . (٤) المحرر الوجيز ٤٠٤/٢ . (٥) في إعراب القرآن ٢/ ١٢٧. (٦) في معاني القرآن ٣٤٣/٢ . (٧) أخرجه أحمد في الزهد ص٢٤٩ ، وابن أبي الدنيا في كتابه المُتمنِّين ص٣١. (٨) وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٢٠٥/٣ . ٢٢٩ سورة الأعراف: الآية ٤٦ وقيل: هم ملائكةٌ موَّلون بهذا السُّور، يُميِّزون الكافرين مِن المؤمنين قبلَ إدخالِهِم الجنَّةَ والنَّارَ. ذكرَهُ أبو مِجْلَز. فقيل له: لا يُقال للملائكةِ رجالٌ؟ فقال: إنَّهم ذكورٌ وليسوا بإناث(١)، فلا يَبعدُ إيقاعُ لفظِ الرجال عليهم، كما أُوقِعَ على الجِنِّ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾(٢) [الجن: ٦]. فهؤلاءِ الملائكةُ يَعرفون المؤمنين بعلاماتِهم، والكفَّارَ بعلاماتِهِم، فيُبشِّرون المؤمنين قبلَ دخولهم الجنَّةَ وهم لم يدخلُوها بَعْدُ، فيطمعون فيها. وإذا رأوا أهلَ النَّارِ دَعَوْا لأنفسِهم بالسلامةِ من العذاب. قال ابن عطيّة(٣): واللَّازِيمُ من الآية أنَّ على الأعراف رجالاً من أهل الجنَّة يتأخّرُ دخولُهم، ويقعُ لهم ما وُصِفَ من الاعتبار في الفريقين. و﴿يَعْفُونَ كُلَّ بِمَهُمْ﴾ أي: بعلامتِهم (٤)، وهي بياضُ الوجوهِ وحسنُها في أهلِ الجنَّة، وسوادُها وقبحُها في أهلٍ النَّار، إلى غير ذلك من معرفةٍ حَيِّزٍ هؤلاء وحَيِّز(٥) هؤلاء. قلت: فوقفَ عن التعيين لاضطرابٍ الأثر والتفصيل، واللهُ بحقائق الأمور عليمٌ. ثم قيل: الأعرافُ جمعُ عُرْف، وهو كل عالٍ مُرتفِع؛ لأنَّه بظهورِهِ أعرفُ مِن المُنخفض، قال ابن عباس: الأعرافُ شُرَف الصراط (٦). وقيل: هو جَبلُ أُحُد يُوضَعُ هناك، قال ابن عطية (٧): وذكرَ الزَّهْرَاوِيُّ حديثاً أنَّ رسولَ الله # قال: ((إنَّ أُحُداً جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه، وإنَّه يومَ القيامَةِ يمثلُ بين الجنَّةِ (١) أخرجه الطبري ٢١٩/١٠ - ٢٢١. (٢) المحرر الوجيز ٢/ ٤٠٤ . (٣) في المحرر الوجيز ٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥ . (٤) في (د) و(م): بعلاماتهم. (٥) في (د) و(ز) و(ظ): خبر (في الموضعين). والمثبت من (خ) و(م) وهو الموافق للمحرر الوجيز ٤٠٤/٢ - ٤٠٥ ، والكلام منه. (٦) ذكره الرازي في تفسيره ١٤ / ٨٧ . (٧) في المحرر الوجيز ٢/ ٤٠٤ . ٢٣٠ سورة الأعراف: الآية ٤٦ والنَّارِ يُحبَسُ عليه أقوامٌ يَعرِفون كلَّ بسيماهُمْ، هم إنْ شاء الله مِن أهلِ الجنَّة)(١)، وذكرَ حديثاً آخرَ عن صفوان بن سُلَيم أنَّ النبيَّ :﴿ قال: ((إنَّ أُحُداً على ركنٍ مِن أَركان الجنَّة))(٢). قلت: وذكرَ أبو عمر عن أنس بن مالك أنَّ النبيَّ # قال: ((أُحُدٌّ جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه، وإِنَّه لعلى تُرْعَةٍ مِن تُرَع الجنَّةِ)(٣). قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ أَمْعَبَ اَلْجَنَّةِ﴾ أي: نادَى أصحابُ الأعرافِ أصحابَ الجنَّة، ﴿أَنْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قالوا لهم: سلامٌ عليكم. وقيل: المعنى سَلِمتم مِن العقوبة، ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَعْمَعُونَ﴾ أي: لم يَدْخُلِ الجنَّةَ أصحابُ الأعراف، أي: لم يدخلُوها بَعْدُ، ((وهم يَطمعونَ)) على هذا التأويلِ بمعنى: وهم يعلمون أنَّهم يَدْخلونَها، وذلك معروفٌ في اللّغة أنْ يكونَ طَمِعَ بمعنى عَلِمَ، ذَكَره النخَّاس(٤). وهذا قولُ ابن مسعود وابن عباس وغيرِهما؛ أنَّ المُرادَ أصحابُ الأعراف(٥). وقال أبو مِجْلَز: هم أهلُ الجنَّة، أي قال لهم أصحابُ الأعراف: سلامٌ عليكم، وأهلُ الجنَّةِ لم يدخلُوا الجنَّةَ بَعْدُ، وهم يطمعونَ في دخولِها للمؤمنينَ (١) لم نقف عليه بهذا السياق، وقوله فيه: ((إن أحداً جبل يحبنا ونحبه)) أخرجه أحمد (١٢٤٢١) والبخاري (٤٠٨٣)، ومسلم (١٣٩٣) من حديث أنس ﴾. وأخرجه أحمد (٢٣٦٠٤)، والبخاري (٤٤٢٢)، ومسلم (١٣٩٢) من حديث أبي حُميد الساعدي ﴾. (٢) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة ٨٣/١ من حديث داود بن الحُصَين، وأخرجه أبو يعلى (٧٥١٦)، والطبراني في الكبير (٥٨١٣) من حديث سهل بن سعد ، ولفظه: ((أُحد ركن من أركان الجنة))، وفي إسناده عبد الله بن جعفر بن نجيح، والد علي بن المديني، متفق على ضعفه، قال يحيى: ليس بشيء، وقال ابن المديني: أبي ضعيف، وقال أبو حاتم: منكر الحديث جداً، ميزان الاعتدال ٤٠١/٢ . (٣) التمهيد ٣٣٠/٢٢، وأخرجه ابن ماجه (٣١١٥)، وفيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعن. وقوله منه: ((أُحُد جبلٌ يحبنا ونحبه)) صحيح، وسلف قريباً. وقوله: ((تُرعة): الترعة في الأصل: الروضة على المكان المرتفع خاصة، فإذا كانت في المطمئن فهي روضة، النهاية (ترع). (٤) في إعراب القرآن ٢/ ١٢٧ - ١٢٨ . (٥) أخرجه الطبري ٢٢٦/١٠ . ٢٣١ سورة الأعراف: الآيتان ٤٦ - ٤٩ المارِّينَ على أصحابِ الأعراف(١). والوقفُ على قوله: ((سَلامٌ عليكم)). وعلى قوله: ((لم يَدْخُلُوها)). ثم يَبتدِئ: ((وهم يَطْمَعونَ)) على معنَى: وهم يَطمعونَ في دخولِها. ويَجوزُ أنْ يكونَ ((وهم يَطمعونَ» حالاً، ويكون المعنَى: لم يدخلها المؤمنون المارُّونَ على أصحابِ الأعراف طامعين، وإنَّما دخلُوها غيرَ طامعينَ في دخولها، فلا يُوقَفُ على ((لم يدخلُوها)(٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَرُهُمْ ثِلِقَةَ أَعَْبِ النَّارِ قَالُواْ رَّا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ النَّالِمِينَ ٤٧ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَرُهُمْ ثِلِقَّةَ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ أي: جهةً اللقاءِ، وهي جهةٌ المقابلَةِ(٣). ولم يأتِ مصدرٌ على تِفْعال غيرُ حرفين: تِلقاء وتِبيان، والباقي بالفتح، مثلُ تَسْيار وتَهمام وتَذكار. وأمَّا الاسم بالكسرِ فيه فكثيرٌ، مثلُ تِقصار وتِمثال (٤). ﴿قَالُوا﴾ أي: قال أصحابُ الأعرافِ. ﴿رَّا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الَّذِينَ﴾ سألوا الله أَلَّا يجعلَهم معَهم، وقد علموا أنَّه لا يجعلُهم معَهم، فهذا على سبيلِ التذلَّلِ، كما يقولُ أهلُ الجنَّة: ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَا نُرَنَا﴾ [التحريم: ٨]، ويقولونَ: الحمدُ لله، على سبيلِ الشكرِ لله عزَّ وجلَّ، ولهم في ذلك لَذَّةُ (٥). قوله تعالى: ﴿وَادَى أَعَْبُ اْأَعْرَافِ رِعَلَا يَِّ فُونَهُ بِسِيمَعُمْ قَالُواْ مَآ أَغْفَ عَنكُمْ جَمْمُكُوْ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ أَدْخُلُواْ الْجَّةَ لَا وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبُونَ ٤٩ خَوْفُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَفُونَ قوله تعالى: ﴿وَادَ أَمْعَبُ اَلْأَعْرَافِ رِجَالًا بَعْيِفُؤَهُم بِسِيمَهُمْ﴾ أي: مِن أهلِ النَّارِ. ﴿قَالُواْ (١) أخرجه الطبري ١٠/ ٢٢٧ بنحوه. (٢) المكتفى في الوقف والابتدا ص ٢٧١، ومنار الهدى للأشموني ص١٠٩ . (٣) الوسيط للواحدي ٣٧١/٢. (٤) تفسير الرازي ٩٠/١٤ - ٩١، وإملاء ما منَّ به الرحمن ١٣/٣. (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٢٨/٢. ٢٣٢ سورة الأعراف: الآيات ٤٨ - ٥٠ مَآ أَغْفَ عَنكُمْ جَمْتُكُمْ وَمَا كُنُمْ تَسْتَكْبُونَ﴾ أي: للدنيا، واستكبارُكُمْ عن الإيمان. ﴿أَمَوَّلَاءِ الَّذِينَ﴾ إشارةٌ إلى قوم مِن المؤمنينَ الفقراءِ، كبلال وسلمان وخبَّاب وغيرِهم. ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾ في الدنيا، ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللّهُ﴾ في الآخرَة، ﴿بِرَحْمَةٍ﴾؛ يُوبِّخونَهم بذلك، وزِيدُوا غَمّاً وحسرةً بأنْ قالُوا لهم: ﴿آَدْخُلُواْ الَّْةَ﴾. وقرأَ عكرمة: ((دَخُلُوا الجنَّةَ) بغيرِ ألفٍ، والدالُ مفتوحَةٌ، وقرأَ طلحة بن مُصَرِّف: (أُدْخِلُوا الجنَّةَ) بكسرِ الخاءِ على أنَّه فعلٌ ماضٍ(١). ودلَّتْ الآيةُ على أنَّ أصحابَ الأعرافِ ملائكةٌ أو أنبياءُ؛ فإنَّ قولَهم ذلكَ إخبارٌ عن الله تعالَى. ومَن جَعَلَ أصحابَ الأعرافِ المذنبينَ كانَ آخرَ قولهِم لأصحابِ النَّارِ (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ))، ويكونُ ((أهؤلاءِ الذينَ)) إلى آخرِ الآيةِ مِن قولِ الله تعالَى لأهلِ النَّارِ توبيخاً لهم على ما كان مِن قولهِم في الدنيا، ورُوي عن ابن عباس(٢)، والأوَّلُ عن الحسَن. وقيل: هو مِن كلامِ الملائكةِ المؤكَّلين بأصحابِ الأعراف، فإنَّ أهلَ النَّارِ يحلِفونَ أنَّ أصحابَ الأعرافِ يدخلونَ معهم النَّارَ، فتقول الملائكةُ لأصحابٍ الأعراف: ﴿أَدْخُلُواْ أَلَّْةَ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمْ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾(٣). قوله تعالى: ﴿وَنَادَىَّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيِضُواْ عَلَيَّنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُواْ إِنَ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِينَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَنَدَى أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيَّنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ﴾ فيه ثلاثُ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَنَادَىَ﴾ قيل: إذا صَارَ أهلُ الأعرافِ إلى الجنَّةِ طَمِعَ أهلُ النارِ فقالوا: يا رَبَّنا إنَّ لنا قَراباتٍ في الجنة؛ فأُذَنْ لنا حتى نراهم ونُكلِّمَهم. وأهلُ الجنة لا يعرِفونهم لسواد وجوههم، فيقولون: ﴿أَفِيِضُواْ عَلَيَّنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِنَّا رَزَقَكُمُ (١) إعراب القرآن للنحاس ١٢٨/٢، وينظر القراءات الشاذة ص٤٤، والمحتسب ٢٤٩/١. (٢) أخرجه الطبري ٢٣١/١٠. (٣) تفسير البغوي ٢/ ١٦٣ . ٢٣٣ سورة الأعراف: الآية ٥٠ اللَّهُ﴾(١) فبيَّن أن ابن آدم لا يستغني عن الطعام والشراب وإن كان في العذاب(٢). ﴿قَالُواْ إِنََّ اَللَّهَ حَزَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِينَ﴾ يعني طعامَ الجنة وشرابها. والإفاضة: التوسعة(٣)، يقال: أَفاضَ علیه نِعمَه. الثانية: في هذه الآيةِ دليلٌ على أن سَقْيَ الماء من أفضلِ الأعمال. وقد سُئل ابنُ عباس: أيُّ الصدقةِ أفضل؟ فقال: الماء، أَلم تَرَوْا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة: ﴿أَنْ أَفِيَضُواْ عَلَيَّنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾(٤)؟. وروى أبو داود أنَّ سعداً أَتَى النبيَّ ﴾ فقال: أيُّ الصدقة أعجبُ إليك؟ قال: (الماء)). وفي رواية: فحفَرَ بئراً فقال: ((هذه لأمّ سعد))(٥). وعن أنس قال: قال سعدٌ: يا رسولَ الله، إنَّ أُمَّ سعد كانت تحبُّ الصدقةَ، أَفينفعها أن أتصدَّقَ عنها؟ قال: ((نعم، وعليكَ بالماء))(٦). وفي روايةٍ: أن النبيَّ ﴾ أمر سعدَ بنَ عُبادةَ أن يسقيَ عنها الماء. فدلَّ على أن سَقْيَ الماء من أعظم القُرُبات عند الله تعالى. وقد قال بعض التابعين: من كَثُرتْ ذُنوبُه فعليه بِسَقْي الماء. وقد غفر اللهُ ذنوبَ الذي سقَى الكلبَ، فكيف بمن سقَى رجلاً مؤمناً موحِّداً وأَحياه(٧). روى البخارِيُّ عن أبي هريرةَ﴾ أنَّ رسولَ اللهِ﴾ قال: «بَيْنا رجلٌ يمشي بطريق، (١) زاد المسير ٢٠٨/٣ . (٢) تفسير أبي الليث ١/ ٥٤٤ . (٣) تفسير الطبري ٢٣٥/١٠ . (٤) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٢٦٧٣)، والطبراني في الأوسط (١٠١٥)، وفي إسناده موسى بن المغيرة، وهو مجهول وشيخه الذي روى عنه الأثر لا يعرف. قاله الذهبي في الميزان ٢٢٤/٤ . ثم أورد هذا الأثر. (٥) سنن أبي داود (١٦٧٩) و(١٦٨١)، وهو عند أحمد (٢٢٤٥٩). وسعد: هو ابن عُبادة ﴾. (٦) أخرجه ضياء الدين المقدسي في المختارة (٢٠٥٦). (٧) لم نقف عليه، وذكره العيني في عمدة القاري ٢٠٨/١٢ . ٢٣٤ سورة الأعراف: الآية ٥٠ اشتدّ عليه العطشُ، فنزل بئراً فشَرِب منها، ثم خَرَج؛ فإذا كلبٌ [يلهثُ] يأْكُلِ الثَّرَى من العطَشِ، فقال: لقد بلَغ هذا الكلبَ مثلُ الذي بلغ بي، فملأَ خُقَّه ثمَّ أمسَكَه بفِيه، ثم رَقِيَ، فسقى الكلبَ، فشكر اللهُ له فَغَفَر له)). قالوا: يا رسولَ الله، وإنَّ لنا في البهائم أجراً؟ قال. ((في كل كَبِدٍ رَظْبةٍ أجرٌ))(١). وعكسُ هذا ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمر، أنَّ رسولَ اللـه :﴿ قال: ((عُذِّبتِ امرأةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حتى ماتت، فدخلتْ فيها النارَ، لا هي أطعمَتْها وسقتْها إذ هي حَبَستها، ولا هي تركتها تأكلُ من خَشاشِ الأرض)»(٢). وفي حديث عائشةَ عن النبيِّ ﴾: ((ومن سَقَى مسلماً شَربةً من ماءٍ حيث يوجد الماءُ، فكأنما أعتَقَ رَقَبةً، ومن سَقَى مسلماً شربةً من ماءٍ حيث لا يوجد الماء، فكأنَّمَا أَحْيَاها)). خرَّجه ابنُ ماجه في ((السُّنَن))(٣). الثالثة: وقد استدلَّ بهذه الآية مَن قال: إنَّ صاحب الحوض والقِرْبة أحقُّ بمائه، وأنَّ له مَنْعَه ممن أراده، لأنَّ معنى قولِ أهل الجنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ﴾: لا حَقَّ لكم فيهما. وقد بَوَّبَ البخارِيُّ رحمه اللهُ على هذا المعنى: باب: مَن رأى أنَّ صاحِبَ الحَوْضِ والقِربة أحقُّ بمائه. وأدخل في الباب: عن أبي هريرة، عن النبيِّ﴾ قال: ((والَّذي نفسي بيده، لَأَذودَنَّ رِجالاً عن حوضي، كَما تُذادُ الغريبةُ مِن الإبلِ عن الحوضِ» (٤). قال المُهلّب: لا خلافَ أن صاحبَ الحوض أحقُّ (١) صحيح البخاري (٢٣٦٣)، وأخرجه أحمد (٨٨٧٤)، ومسلم (٢٢٤٤)، وما بين حاصرتين منها. ووقع في (م): لأجراً ... و: ((في كل ذات كبدٍ ... )). وهي عند البخاري (٢٤٦٦). (٢) صحيح مسلم (٢٢٤٢)، وأخرجه البخاري (٣٤٨٢). وفي الباب عن أبي هريرة ﴾ أخرجه أحمد (٧٨٤٧)، ومسلم (٢٢٤٣). وقوله: ((خشاش الأرض): أي: هوامّها وحشراتها. النهاية (خشش). (٣) الحديث (٢٤٧٤)، وفي إسناده زهير بن مرزوق، عن علي بن زيد بن جُدعان، قال البخاري في زهير: منكر الحديث. وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف أيضاً. ميزان الاعتدال: ٨٥/٢ - ٨٦ و٠١٢٧/٣ وينظر تنزيه الشريعة ١٣٦/٢. (٤) صحيح البخاري (٢٣٦٧). وأخرجه أحمد (٧٩٦٨)، ومسلم (٢٣٠٢). ٢٣٥ سورة الأعراف: الآيات ٥٠ - ٥٢ بمائه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لأذودنَّ رجالاً عن حوضي))(١). قوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوَا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَأْ فَلْيَّوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِعَايَئِنَا يَجْحَدُونَ ﴾﴾ ((الذین)) في موضع خفض نعتٌ للكافرين. وقد يكون رفعاً ونصباً بإضمار(٢). قيل: هو من قولٍ أهل الجنة. ﴿فَلْيَوْمَ نَسَهُمْ﴾ أي: نتركُهم في النار. ﴿كَمَا نَسُواْ لِقَآَةُ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ أي: تركوا العملَ له(٣) وكذَّبوا به. و((ما)) مصدرية، أي: كَنَسْيهم. ﴿وَمَا كَانُواْ بِئَايَِنَا يَجْحَدُونَ﴾ عطفٌ عليه، أي: وجَحْدهم(٤). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِثْنَهُمْ بِكِنٍَ فَضَّلْنَهُ عَلَى عِلٍْ هُدَّى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ نه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِثْنَهُمْ بِكِنَهٍ﴾ يعني القرآن. ﴿فَمَّلْنَهُ﴾ أي: بيَّنَّاه حتى يَعرِفَه مَن تدبَّره. وقيل: ((فَصَّلْنَاهُ)): أنزلناه متفرِّقاً. ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ مِنَّا به، لم يَقَعْ فيه سهوٌ ولا غَلَط. ﴿هُدَى وَرَحْمَةٌ﴾، قال الزجَّاج: أي: هادياً وذا رَحمة، فجعله حالاً من الهاء التي في ((فضَّلناه)). قال الزجاج: ويجوز: هدّى ورحمةٌ، بمعنى هو هدى ورحمةٌ(٥). وقيل: يجوز: هدى ورحمةٍ، بالخفض على البدل من كتاب(٦). وقال الكسائيُّ والفرّاء(٧): ويجوز: هدى ورحمةٍ بالخَفْض على النعت لكتاب. (١) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ٣١/٥، ونسبه لابن بطال. (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٢٩/٢. (٣) من (د) و(ز) و(م): به، والمثبت من (خ) و(ظ). (٤) الوسيط ٢/ ٣٧٤، والبيان ٣٦٤/١ . (٥) معاني القرآن ٣٤١/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٢٩/٢. (٦) نسب ذلك مكي في مشكل إعراب القرآن ٢٩٣/١ للفراء والكسائي. أوجواز الرفع والخفض هنا يعني في اللغة، لا في القراءة. (٧) معاني القرآن له ١/ ٣٨٠، ونقله المصنف عنه بواسطة في إعراب القرآن للنحاس ١٢٩/٢. ٢٣٦ سورة الأعراف: الآيتان ٥٢ - ٥٣ قال الفرّاء: مثل ﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]. ﴿لَّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خُصَّ المؤمنون لأنهم المُنتَفعون به. قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْتُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةٌ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَّآ أَوْ نُرَدُّ فَتَعَمَلَ غَيّرَ الَّذِى كُتَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (or) قوله تعالى: ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ بالهمز، مِنْ ((آلَ)). وأهلُ المدينة يُخفِّفون الهمزةَ. والنَّظر: الانتظار، أي: هل ينتظرون إلا ما وُعِدوا به في القرآن من العِقاب والحساب. وقيل: ((ينظرون)) من النَّظر إلى يوم القيامة (١)، فالكناية في ((تأويله)) تَرْجِعُ إلى الكتاب، وعاقبةُ الكتاب ما وَعَدَ اللهُ فيه من البعث والحساب(٢). وقال مجاهد: ((تأويله)): جزاؤه، أي: جزاءُ تكذيبهم بالكتاب. قال قتادة: ((تأويله)): عاقبته(٣). والمعنى مُتَقَارِبٌ. ﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ﴾ أي: تبدو عواقبُه يومَ القيامة. و((يوم)) نصب بـ ((يقول))(٤)، أي: يقول الذين نَسُوه مِنْ قبلُ يومَ يأتي تأويلُه: ﴿قَدْ بََّتْ رُسُلُ رَيْنَا بِالْحَّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَلَةَ﴾ استفهامٌ فيه معنى التمنِّي. ﴿فَيَشْفَعُواْ﴾ نصب؛ لأنه جوابُ الاستفهام. ﴿لَنَّ أَ ثُرَةُ﴾ قال الغرّاء(٥): المعنى: أو هل نُرَدُّ ﴿فَعَمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌ﴾. قال الزجَّاج(٦): نردُّ عطف على المعنى، أي: هل يشفع لنا أحدٌ أو نردُّ. وقرأ ابن [أبي] (١) إعراب القرآن للنحاس ١٢٩/٢ - ١٣٠. (٢) من قوله: وعاقبة الكتاب ... إلى هنا، لعل حقّه أن يأتي بعد قول قتادة الآتى (٣) أخرجهما الطبري ٢٤١/١٠ - ٢٤٢ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٣٠/٢. (٥) في معاني القرآن ١/ ٣٨٠ . (٦) لم نقف عليه في معاني القرآن له. ٢٣٧ سورة الأعراف: الآيتان ٥٣ - ٥٤ إسحاق: ((أو نُرَدَّ فنعملَ))، بالنصب فيهما (١)، والمعنى: إلا أن نُردَّ فنعملَ(٢)؛ كما قال: فقلتُ له لا تَبْكِ عينُك إنما نُحاول مُلْكاً أو نموتَ فنُعْذَرَا(٣) وقرأ الحسن: ((أو نردُّ فتعملُ)) برفعهما جميعاً. ﴿قَدْ خَسِرُوّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: فلم ينتفعوا بها، وكلُّ مَن لم ينتفع بنفْسه فقد خَسِرها (٤). وقيل: خَسِروا النِّعَم وحَظّ أنفسهم منها. ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: بَطَل ما كانوا يقولون من أنَّ مع الله إلهاً آخر (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُ حَثِيْئًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَمَرِّهِ أَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ٥٤) قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾؛ بَيَّنَ أنه المنفردُ بقدرة الإيجاد، فهو الذي يَجِبُ أن يُعْبد. وأصل ((ستة)): سِدْسة، فأرادوا إدغامَ الدالِ في السين، فالتقيا عندَ مَخْرَجِ التاء؛ فغلبتْ عليهما - وإنْ شئت قلت: أبدل من إحدى السينين تاء وأدغم في الدال ـ لأنك تقول في تصغيرها: سُدَيْسة، وفي الجمع: أسداس، والجمع والتصغير يَرُدَّان الأسماءَ إلى أصولها. ويقولون: جاء فلانٌ سادساً وسادياً وساتاً؛ فمن قال: سادياً أبدل من السين ياءً(٦). (١) القراءات الشاذة ص٤٤، والمحتسب ١/ ٢٥١، وما بين حاصرتين منهما ومن إعراب القرآن للنحاس ١/ ١٣٠، وعنه نقل المصنف قولي الفراء والزجاج السالفين. (٢) قوله: فنعمل، من (ظ). (٣) قائله امرؤ القيس، وهو في ديوانه ص٦٦، وسلف ٣٠٧/٥ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٣٠، وقراءة الحسن في القراءات الشاذة ص٤٤. (٥) الوسيط ٣٧٥/٢ . (٦) وقع في النسخ: سادتا، أبدل من السين تاءً، والمثبت من تهذيب اللغة ١٢/ ٢٨٢، وينظر المخصص ١١٢/١٧، والدر المصون ٣٣٩/٥ . ٢٣٨ سورة الأعراف: الآية ٥٤ واليوم: من طلوع الشمس إلى غُروبها. فإن لم يكن شمسٌ فلا يوم؛ قاله القشيريُّ. وقال: ومعنى ((في ستَّةٍ أَيَّام)) أي: من أيام الآخرة، كلُّ يوم ألفُ سنة؛ لتفخيم الأمر في (١) خلق السماوات والأرض. وقيل: من أيام الدنيا. قال مجاهد وغيره: أوّلها الأحدُ وآخرُها الجمعة(٢). وذكر هذه المُدَّةَ، ولو أرادَ خَلْقَها في لحظةٍ لَفعل؛ إذ هو القادرُ على أن يقول لها: كوني، فتكون. ولكنه أرادَ أن يُعَلِّم عبادَه الرِّفقَ والتثبُّتَ في الأمور، ولِتظهرَ قدرتُه للملائكة شيئاً بعد شيء(٣). وهذا عند مَن يقول: خلق اللهُ الملائكةَ قبل خلق السماوات والأرض. وحكمةٌ أُخرى: خلَقها في ستة أيام؛ لأنَّ لكل شيء عنده أجلاً. وبَيَّنَ بهذا تركَ معاجلةِ العُصاة بالعقاب؛ لأنَّ لكل شيء عنده أجلاً. وهذا كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ وَمَا مَسَنَا مِن أُغُوبٍ فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٨-٣٩]. بعد أن قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا﴾ (٤) [ق: ٣٦]. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَ الْعَرْشِ﴾ هذه مسألةُ الاستواء، وللعلماء فيها كلامٌ وإجزاء(٥). وقد بيَّنَّا أقوالَ العلماء فيها في ((الكتاب الأسنى في شرح أسماءِ الله الحسنى وصفاتهِ العُلى))(٦) وذكرنا فيها هناك أربعةَ عشرَ قولاً. والأكثرُ من المتقدِّمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيهُ الباري سبحانه عن الجهة والتحيُّز، فمن ضرورة ذلك ولَواحِقِه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدِّمين وقادتهم من المتأخرين، تنزيهُه تبارك وتعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم متى (١) قوله: الأمر في، ليس في (م). (٢) أخرجه الطبري ٢٤٥/١٠ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٣١/٢. (٤) تفسير الرازي ١٤/ ٩٩ . (٥) في (م): وإجراء. (٦) ص١٨٧ وما بعدها. ٢٣٩ سورة الأعراف: الآية ٥٤ اختصَّ بجهةٍ أن يكون في مكانٍ أو حيِّز، ويَلزم على المكانِ والخَيِّزِ الحركةُ والسكونُ للمتخَيّزِ، والتغيرُ والحدوث. هذا قولُ المتكلمين. وقد كان السلف الأوَّل﴾ لا يقولون بنفي الجهة ولا يَنْطِقون بذلك، بل نَطَقوا هم والكافّةُ بإثباتها لله تعالی کما نطق کتابُه وأخبرتْ رسلُه. ولم يُنكر أحدٌ من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقةً. وخَصَّ العرشَ بذلك لأنه أعظمُ مخلوقاته. وإنما جَهِلوا كيفيةَ الاستواء، فإنه لا تُعلم حقيقته، كما قال مالكٌ رحمه الله: الاستواءُ معلومٌ - يعني في اللغة - والكَيْفُ مجهولٌ، والسؤالُ عن هذا بدعةٌ(١). وكذا قالت أمُّ سلمة رضي اللهُ عنها (٢). وهذا القَدْرُ كافٍ، ومَن أراد زيادةً عليه فَلْيقِفْ عليه في موضعه من كُتب العلماء. والاستواءُ في كلام العرب هو العُلُوُّ والاستقرار. قال الجوهريُّ: واستوى مِن اعوجاجٍ، واستوى على ظَهْر دابَّته، أي: استقرَّ. واستوى إلى السماء، أي: قَصَد. واستوى، أي: استولى وظَهر. قال: قد استوى بِشْرٌ على العِراق من غير سيفٍ ودمِ مُهْراقٍ واستوى الرجلُ، أي: انتهى شبابُه. واستوى الشيءُ: إذا اعتدل(٣). وحكى أبو عمر بن عبد البَرّ عن أبي عبيدة (٤) في قوله تعالى: ﴿الرَّحَْنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قال: علا. وقال الشاعر: فأَوْرَدْتُهم ماءً بفَيْفَاءَ قَفْرَةٍ وقد حَلَّق النجمُ اليمانِيُّ فاستَوَى أي: علا وارتفعَ(٥). (١) سلف ٣٨١/١. (٢) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٦٦٣). (٣) الصحاح (سوى). والبيت للأخطل، وقد سلف ٣٨٢/١. (٤) في مجاز القرآن ١٥/٢ . (٥) التمهيد ١٣١/٧، وسلف البيت ٣٨١/١. ٢٤٠ سورة الأعراف: الآية ٥٤ قلت: فعلۇُّ الله تعالى وارتفاعُه عبارةٌ عن علوّ مَجْدِه وصفاتِه ومَلَکوتِه، أي: ليس فوقَه فيما يجب له من معاني الجلال أحدٌ، ولا معه مَن يكون العلوُّ مُشتركاً بينه وبينه، لكنه العليُّ بالإطلاق سبحانه. قوله تعالى: ﴿عَلَ الْعَرْشِ﴾، العَرْش (١): لفظُ مُشترك يُطلق على أكثر من واحد. قال الجوهري(٢) وغيره: العرش: سرير المَلِك. وفي التنزيل ﴿يَكْرُواْ لَا عَرْشَهَا﴾ [النمل: ٤١]، ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠]. والعَرْش: سَقْفُ البيت. وعرشُ القَدَمِ: ما نَتأ في ظَهرها، وفيه الأصابع. وعرشُ السِّماك: أربعةُ كواكبَ صِغارٍ أسفلَ(٣) من العَوَّاءِ(٤)، يقال: إنها عَجُز الأسد. وعرشُ البئر: طَيُّها بالخشب، بعد أن يُظْوَى أسفلُها بالحجارة قدرَ قامَة؛ فذلك الخشب هو العَرْشُ، والجمع عُروش. والعَرْش: اسمُ لمكة(٥). والعَرْش: المُلك والسُّلطان. يقال: ثُلَّ عرشُ فلان: إذا ذهب مُلكُه وسُلطانه وعِزُّه. قال زهير: وذُبْيَانَ إِذْ زَلَّتْ(٦) بأقدامها الثَّعْلُ تَدارکتُما عَبْساً وقد ثُلَّ عَرْشُها وقد يُؤَوَّل(٧) العرشُ في الآية بمعنى المُلْك، أي: ما استوى المُلْك إلا له جلَّ وعزَّ. وهو قولٌ حَسَن(٨)، وفيه نَظَرٌ، وقد بيّنَّاه في جملة الأقوال في كتابنا. والحمد لله(٩). (١) قوله: العرش، من (د) و(ز). (٢) الصحاح (عرش). (٣) في (ز): أصغر. (٤) العوَّاء: منزل للقمر خمسة كواكب، أو أربعة. القاموس المحيط (عرش) (عوى). (٥) في النسخ الخطية: اسم الملك، والمثبت من (م). وقال المصنف في كتابه الأسنى ص١٨٦: ويقال: إن العرشَ اسمُ الملك، لرفعته وعُلوِّ منزلته. (٦) في (م): ذلَّت. ورواية الدیوان ص١٠٩ : تداركتما الأحلاف قد ثُلَّ عرشها وذبيانَ قد زلَّت بأقدامها النعل (٧) في النسخ الخطية: تأول، والمثبت من (م). (٨) بل هو قول بعض المعتزلة، وقد رده المحققون من السلف، والاستواء عند أهل السنة بمعنى العلو والاستقرار والارتفاع. (٩) الأسنى ص١٨٦ وما بعدها.