Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ سورة الأنعام: الآية ١٢٤ المغيرة: لو كانت النبوّة حقًّا لكنت أوْلَى بها منك؛ لأني أكبرُ منك سِنَّا، وأكثرُ منك مالاً (١). وقال أبو جهل: والله لا نَرضى به ولا نتبعه أبداً؛ إلا أنْ يأتيَنا وَحْيٌّ كما يأتيه. فنزلت الآية(٢). وقيل: لم يطلبوا النبوّة، ولكن قالوا: لا نصدّقك حتى يأتيَنا جبريل والملائكةُ يخبروننا بصدقك. والأوّل أصح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ﴾ أي: بمن هو مأمونٌ عليها ومَوضِعٌ لها(٣). و ((حيث)) ليس ظرفاً هنا، بل هو اسمٌ نُصب نَصب المفعولِ به على الاتساع؛ أي: اللهُ أعلمُ أهلَ الرسالة. وكان الأصل: الله أعلمُ بمواضع رسالته، ثم حذف الحرف، ولا يجوز أنْ يعملَ («أعلم)) في ((حيث)) ويكون ظرفاً، لأنَّ المعنى يكون على ذلك: الله أعلمُ في هذا الموضِع، وذلك لا يجوز أنْ يوصف به الباري تعالى، وإنما موضعها نصب بفعل مضمر دلّ عليه ((أعلم»(٤). وهي اسمٌ كما ذكرنا. والصَّغار: الضَّيْم والذُّلُّ والهَوانُ، وكذلك الصُّغْر؛ بالضم، والمصدر: الصَّغَر؛ بالتحريك، وأصلُه من الصُّغَر دون الكبر؛ فكأنَّ الذُّلَّ يصغّر إلى المرء نفسه. وقيل: أصلُه من الصَّغَر، وهو الرِّضا بالذُّلِّ؛ يقال منه: صَغَر يَصْغُر؛ بفتح الغين في الماضي وضمها في المستقبل. وصَغِر بالكسر؛ يصْغَر بالفتح؛ لغتانٍ؛ صَغَراً وصَغاراً، واسم الفاعل صاغِرٌ وصغير. والصَّاغر: الراضي بالضَّيم. والمَصْغُوراء(٥) الصِّغار. وأرض (١) أورده البغوي ١٢٨/٢، والرازي في تفسيره ١٣/ ١٧٥ . (٢) أورده البغوي ١٢٨/٢، والزمخشري في الكشاف ٤٨/٢ . (٣) تفسير الرازي ١٥٦/١٣. وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص: ((رسالته))، والباقون: ((رسالاته)). (٤) إملاء ما من به الرحمان للعكبري بهامش الفتوحات الإلهية ٢/ ٦٣٤، وتفسير النسفي ٧٥/٢، والدر المصون ١٣٧/٥ . (٥) جمع صغير، ووقع في (د) و(ز) و(ظ): والمصغور، وفي (خ): الصغوراء، والمثبت من (م)، وهو الموافق للصحاح (صغر)، والكلام منه ومن تهذيب اللغة ٢٣/٨ بنحوه. ٢٢ سورة الأنعام: الآيتان ١٢٤ - ١٢٥ مُصْغِرَة: نبتُها [صغيرٌ] لم يَطْل. عن ابن السِّكّيت(١). ﴿عِندَ اللَّهِ﴾، أي: من عند الله، فحذف. وقيل: فيه تقديمٌ وتأخير، أي: سيصيب الذين أجرموا عند الله صَغارٌ. الفراء: سيصيب الذين أجرموا صَغارٌ من الله. وقيل: المعنى: سيصيب الذين أجرموا صَغارٌ ثابتٌ عند الله. قال النحاس(٢): وهذا أحسنُ الأقوال؛ لأنَّ ((عند)) في موضعها. قوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَضَغَدُ فِى السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ (١٢٥) الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ قوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾، أي: يوسِّعه له، ويوفّقه، ويزيّن عنده ثوابه. ويقال: شرح: شقَّ، وأصلُه التوسعةُ. وشرح الله صدره: وسَّعه بالبيان لذلك. وشرحت الأمر: بيّنتُه وأوضحتُه. وكانت قريش تَشْرَح النساء شَرْحاً، وهو مما تقدَّم من التوسعة والبَسْط، وهو وَظْءُ المرأةِ مستلقِيَةً على قفاها(٣). فالشّرح: الكشفُ؛ تقول: شرحت الغامضَ؛ ومنه تشريحُ اللحم. قال الراجز: كَمْ قَد أكلتُ(٤) كَبِداً وإِنْفَحَهْ ثم ادّخَرتُ أَلْيَةً مُشَرَّحَهْ والقطعة منه شَريحةٌ. وكلُّ سمين من اللحم ممتدٍّ فهو شريحة(٥). ﴿وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾: يُغوِيَه ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، وهذا ردٌّ على (١) في إصلاح المنطق ص ٤٠٥، وما بين حاصرتين منه ومن الصحاح (صغر). (٢) في معاني القرآن ٤٨٤/٢، وما قبله منه بنحوه، وقول الفراء في معاني القرآن له ٣٥٣/١. (٣) تهذيب اللغة ١٧٩/٤، والمحرر الوجيز ٣٤٣/٢ . (٤) في النسخ: كم أكلتُ، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمصادر. (٥) الصحاح (شرح)، وينظر اللسان (شرح، نفح)، وقوله: إنفحة؛ بكسر الهمزة وفتح الفاء: كَرِشُ الحَمّل أو الجَدْي ما لم يأكل، فإذا أكل فهو كّرِشٌ، ويقال: مِنْفَحَة؛ بكسر الميم، والجمع: أنافح. الصحاح (نفح). ٢٣ سورة الأنعام: الآية ١٢٥ القدريَّةِ (١). ونظير هذه الآية من السُّنَّة قولُه عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ يُرِدِ اللهُ به خيراً يفقهه في الدِّين)). أخرجه الصحيحان(٢). ولا يكون ذلك إلا بشرح الصدرِ وتنويرِه. والدين العباداتُ؛ كما قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَِّ اَلْإِسْلَمُ﴾. ودليلُ خطابه أنَّ مَن لم يُرد الله به خيراً ضيَّقَ صَدْرَه، وأبعدَ فهمَه، فلم يفقهه. والله أعلم. ورُوي أنَّ عبد الله بن مسعود قال: يا رسولَ الله، وهل ينشرحُ الصدر؟ فقال: ((نعم، يدخل القلبَ نورٌ)). فقال: وهل لذلك من علامة؟ فقال: ((التَّجَافِي عن دار الغُرورِ، والإنابةُ إلى دار الخلودِ، والاستعدادُ للموت قبلَ نزولِ الموت))(٣). وقرأ ابن كثير: ((ضَيْقاً)) بالتخفيف(٤)؛ مثل: هَيْن ولَيْن؛ لغتان(٥). ونَافع وأبو بكر: ((حَرِجاً)) بالكسر (٦)، ومعناه الضيقُ. كرّر المعنى، وحَسُن ذلك؛ لاختلاف اللفظِ (٧) . والباقون بالفتح؛ جمع حَرَجَة، وهو شدّةُ الضيق أيضاً، والحَرَجَة: الغَيْضَةِ(٨)؛ والجمع حَرَج وحَرَجات. ومنه: فلانٌ يتحرَّج، أي: يُضيِّق على نفسه في تركه هواه (١) تفسير الرازي ١٧٧/١٣، والمحرر الوجيز ٣٤٣/٢. (٢) صحيح البخاري (٧١)، وصحيح مسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية ﴾، وهو في مسند أحمد (١٦٨٣٧). (٣) أخرجه الطبري ٩/ ٥٤٢، ٥٤٣ من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود بنحوه، وأبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود أبيه كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص١٩٦ ، وأخرجه الحاكم ٣١١/٤ وفي إسناده عدي ابن الفضل؛ قال الذهبي في تلخيص المستدرك: عديّ ساقط، وأخرجه أيضاً الطبري ٩/ ٥٤١، ٥٤٢ عن أبي جعفر المدائني مرسلاً، وأبو جعفر هذا كذبه أحمد وابن المديني والنسائي كما في الميزان ٥٠٤/٢ . وينظر ما قاله ابن كثير عند تفسير هذه الآية. (٤) السبعة ص٢٦٨ ، والتيسير ص١٠٦ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٩٥/٢، والحجة للقراء السبعة ٣/ ٤٠٠. (٦) السبعة ص٢٦٨ ، والتيسير ص١٠٦ . (٧) الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤٥٠، وينظر مشكل إعراب القرآن ٢٦٩/١. (٨) هي الشجر الملتفّ؛ والغيضة أيضاً: مغيضُ ماءٍ يجتمع، فينبت فيه الشجر. ينظر اللسان (غيض). ٢٤ سورة الأنعام: الآية ١٢٥ للمعاصي(١). قاله الھَرَوِيّ. وقال ابن عباس: الحَرَج موضعُ الشجرِ الملتفّ، فكأنَّ قلبَ الكافرِ لا تصل إليه الحكمةُ كما لا تصل الرَّاعية إلى الموضع الذي التفّ شجرُهُ(٢). ورُويَ عن عمر بن الخطاب هذا المعنى؛ ذكره مكيّ(٣) والثعلبِيّ وغيرهما. وكل ضيِّق: حَرِجُ وحَرَج. قال الجوهَرِي(٤): مكانٌ حَرِج وحَرَج، أي: ضيِّقٌ كثير الشجرِ لا تصل إليه الرَّاعية. وقرئ: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَمُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ و((حَرِجاً)). وهو بمنزلة الوَحَد(٥) والوَحِد، والفَرَد والفَرِد، والدَّنَف والدّنِف؛ في معنّى واحد. وحكاه غيره عن الفراء (٦)، وقد حَرِجَ صدرُه يَحْرَجُ حَرَجاً. والحَرَج: الإثمُ. والحَرَج أيضاً: الناقةُ الضامرةُ. ويقال: الطويلةُ على وجه الأرض. عن أبي زيد، فهو لفظ مشترك. والحَرَج: خشبٌ يُشَدُّ بعضُه إلى بعض يُحملُ فيه الموتى. عن الأصمعيّ، وهو قول امرئ القيس: فإمّا تَرَيْني في رِحالة(٧) جابرٍ على حَرَج كالقَرِّ تَخفِقُ أكفانِي(٨) (١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٩٥، وتهذيب اللغة ١٣٧/٤، والصحاح (حرج). (٢) أورده أبو الليث ٥١٢/١، والرازي في تفسيره ١٨٣/١٣. (٣) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤٥٠ - ٤٥١، وأخرجه الطبري ٥٤٥/٩، وذكره أيضاً النحاس في معاني القرآن ٤٨٦/٢، والبغوي في تفسيره ١٢٩/٢، والرازي في تفسيره ١٨٣/١٣، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٤٣/٢ . (٤) في الصحاح (حرج). (٥) في النسخ الخطية: الواحد، والمثبت من (م)، وهو الموافق للصحاح. (٦) في (د) و(ظ): وحكاه عنه الفراء، وكلام الفراء في معاني القرآن ٣٥٣/١-٣٥٤. (٧) في (د) و(ز) و(ظ): حالة، والمثبت من (خ) و(م)، وهو الموافق للمصادر. (٨) ديوان امرئ القيس ص ٩٠ ، وقوله: الرَّحالة: خشبات كان يُحمل عليها امرؤ القيس وكان مريضاً، وهي الحَرَج، وجابر هذا من بني تغلب، وقوله: القرّ: مركب من مراكب النساء كالهودج، وقوله: أكفاني، أي: ثيابي، فصير ثيابه أكفانا لمرضه. شرح الديوان. ٢٥ سورة الأنعام: الآية ١٢٥ وربما وُضع فوقَ نَعشِ النساء؛ قال عنترة يصف ظلِيماً : .. حَرَجٌ على نَعْشٍ لهنّ مُخَيَّمُ(١) يتْبَغْنَ قُلَّةَ رأسِه وكأنَّه وقال الزَّجَّاج: الحَرَجِ: أضيقُ الضِّيق. فإذا قيل. فلان حَرَجُ الصدرِ، فالمعنى: ذو حَرَجٍ في صدره، فإذا قيل: حَرِج، فهو فاعل(٢). قال النحاس(٣): حَرِجُ اسمُ الفاعل، وحَرَجٌ مصدرٌ وُصفَ به؛ كما يقال: رجل عَدْلٌ ورِضاً. قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّغَدُ فِ السَمَلَّمْ﴾ قرأه ابن كثير بإسكان الصَّاد مخفَّفاً (٤)، من الصعود، وهو الطلوعُ. شبَّه الله الكافرَ في نفوره عن الإيمان(٥) وثِقِله عليه بمنزلة من تكلّف ما لا يُطيقه؛ كما أنَّ صعودَ السماء لا يُطاق(٦). وكذلك يصَّاعد، وأصله: يَتَصاعد، أدغمت التاء في الصاد، وهي قراءةُ أبي بكر(٧) والنخَّعِي؛ إلا أنَّ فيه معنى فعلِ شيءٍ بعدَ شيء، وذلك أثقلُ على فاعله. وقرأ الباقون بالتشديد من غير ألف، وهو كالذي قبلَه. معناه: يتكلفُ ما لا يُطيق شيئاً بعدَ شيء؛ كقولك: يتَجرّع ويتفرّق(٨). (١) الصحاح (حرج)، والبيت في المعاني الكبير ٣٤٥/١، وتهذيب اللغة ١٣٩/٤، واللسان (حرج، نعش). وقوله: قلة رأسه: أعلاه، فهو يصف نعامة يتبعها رِئالُها - جمع رِئل: ولدُ النَّعامة - وهي تبسُط جناحيها، وتجعلها تحتها؛ يقول: هذا الظليم قد علاهن كأنه حرجٌ على نعش. المعاني الكبير وتهذيب اللغة. (٢) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٢٩٠ بنحوه، وتهذيب اللغة ١٣٧/٤. (٣) في إعراب القرآن ٢/ ٩٥ . (٤) السبعة ص٢٦٨ ، والتيسير ص ١٠٦ - ١٠٧ . (٥) في (خ) و(م): من الإيمان، والكلام في الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤٥١/١ . (٦) تفسير أبي الليث ١/ ٥١٢ . (٧) هو شعبة أحد راوبي عاصم. السبعة ص٢٦٩، والتيسير ص ١٠٧ . (٨) في (م): يتفوق. ٢٦ سورة الأنعام: الآيتان ١٢٥ - ١٢٦ ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: ((كأنما يتَصَعّد)). قال النحاس(١): ومعنى هذه القراءةِ وقراءةٍ من قرأ: يصّعد ويصّاعد واحدٌ. والمعنى فيها(٢): أنَّ الكافرَ من ضيقٍ صدرِه كأنه يريدُ أنْ يصعدَ إلى السماء وهو لا يقدِر علی ذلك؛ كأنّه(٣) يستدعي ذلك. وقيل: المعنى: كاد قلبُه يصعدُ إلى السماء نبواً عن الإسلام(٤). ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ عليهم؛ كجعله ضيقَ الصدر في أجسادهم. وأصل الرِّجسِ في اللغة: النَّتْنُ. قال ابن زيد: هو العذابُ. وقال ابن عباس: الرِّجس: الشيطان(٥)، أي: يسلطه عليهم. وقال مجاهد: الرِّجسُ ما لا خيرَ فيه (٦). وكذلك الرجسُ عندَ أهلِ اللغةِ هو النَّتْنُ. فمعنى الآيةِ - والله أعلم - ويجعل اللعنةَ في الدنيا والعذابَ في الآخرة على الذين لا يؤمنون(٧). قوله تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَضَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَذَّ كَّرُونَ قوله تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَّطُ رَيّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ أي: هذا الذي أنت عليه يا محمد والمؤمنون دينُ ربك لا اعوجاجَ فيه (٨). ﴿قَدْ فَصَلْنَا اَلَيَتِ﴾، أي: بيّناها ﴿لِقَوْمٍ يَذَكَّرُونَ﴾. (١) في معاني القرآن ٢/ ٤٨٧، وقراءة ابن مسعود فيه، وذكرها أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٤٣/٢. (٢) في (خ) و(م): فيهما، والمثبت من (د) و(ز) و(ظ)، وهو الموافق لمعاني القرآن للنحاس. (٣) في (م): فكأنه. (٤) زاد المسير ٣/ ١٢١ . (٥) في (م): الرجس هو الشيطان. (٦) أخرج الأقوال الطبري ٩/ ٥٥١ - ٥٥٢ . (٧) معاني القرآن للنحاس ٤٨٨/٢ . (٨) تفسير الطبري ٩/ ٥٥٣، والوسيط ٣٢٢/٢، وتفسير البغوي ١٣٠/٢. ٢٧ سورة الأنعام: الآيتان ١٢٧ - ١٢٨ ١٢٧ قوله تعالى: ﴿لَّمْ دَارُ السَّلَمِ عِندَ رَيْهِمَّ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿لَمْ﴾، أي: للمتذكرين. ﴿دَارُ السَّلَمِ﴾ أي: الجنة، فالجنة دارُ الله(١)؛ كما يقال: الكعبة بيتُ الله. ويجوز أنْ يكونَ المعنى: دار السلامة، أي: التي يَسلمُ فيها من الآفات(٢). ومعنى ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي: مضمونةٌ لهم عنده يُوصلُهم إليها بفضله(٣). ﴿وَهُوَ وَلِيُهُمْ﴾ أي: ناصرُهم ومُعينهم. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَمَعْشَرَ أَلْجِنِّ قَدِ أَسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِّ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ أَلْإِنِسِ رَبَّنَا أُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِىّ أَجَّلْتَ لََّ قَالَ النَّارُ مَثْوَنَكُمْ خَلِينَ فِيهَاْ إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ١٢٨ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾(٤) نصب على الفعل المحذوف، أي: ويومَ نحشرهم نقول. ﴿جَمِيعًا﴾ نصبٌ على الحال. والمراد حشرُ جميع الخلقِ في موقف القيامة. ﴿يَمَعْشَرَ أَلْجِنِ﴾ نداء مضاف. ﴿قَدِ أُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ اُلْإِنِّ﴾ أي: من الاستمتاع بالإنس، فحذف المصدر المضاف إلى المفعول وحرف الجر(٥)؛ يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿رَبَّنَا أُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. وهذا يردُّ قولَ من قال: إنَّ الجنَّ هم الذين استمتعوا من الإنس؛ لأنَّ الإنسَ قبِلوا منهم (٦). والصحيح أنَّ كلَّ واحدٍ مستمتعٌ بصاحبه. والتقدير في العربية: استمتع بعضنا ببعضنا(٧)، فاستمتاع الجنِّ من الإنس (١) أخرجه الطبري ٩/ ٥٥٤ من قول السدي. (٢) معاني القرآن للنحاس ٤٨٨/٢، وينظر تفسير أبي الليث ٥١٣/١. (٣) الوسيط ٣٢٢/٢ . (٤) بالنون هي قراءة السبعة غير عاصم من رواية حفص. السبعة ص٢٦٩ ، والتيسير ص١٠٧ . (٥) في (ظ): وحذف الجر. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٩٥ . (٧) في النسخ: بعضاً، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٩٦/٢ . ٢٨ سورة الأنعام: الآية ١٢٨ أنهم تلذّذوا بطاعة الإنسِ إياهم، وتلذّذَ الإنسُ بقبولهم من الجنِّ حتى زَنَوْا وشرِبوا الخمور بإغواءِ الجنِّ إيّاهم(١). وقيل: كان الرجل إذا مَرّ بوادٍ في سفره، وخاف على نفسه قال: أعوذ بربِّ هذا الوادي من جميع ما أَخْذَر(٢)، وفي التنزيل: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ اِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]، فهذا استمتاعُ الإنسِ بالجنّ(٣). وأما استمتاعُ الجنِّ بالإنس فما (٤) كانوا يُلقون إليهم من الأراجيف والكهانةِ والسِّحر(٥). وقيل: استمتاعُ الجنِّ بالإنس أنهم يعترفون أنَّ الجنّ يَقْدرون أن يدفعوا عنهم ما يَحذَرون(٦). ومعنى الآيةِ تقرير (٧) الضالِّين والمُضِلِّين وتوبيخُهم في الآخرة على أعين العالمين. ﴿وَبَغْنَآَ أَجَلَنَا الَّذِى أَبَّلْتَ لَنَّا﴾ يعني الموتَ والقبر، ووافَينا نادمين. ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَنَكُمْ﴾ أي: موضعُ مُقَامِكم. والمَثْوَى: المُقام. ﴿خَلِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهَ﴾ استثناءٌ ليس من الأوّل. قال الزجَّاج: يرجع إلى يوم القيامة، أي: خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرِهم من قبورهم ومقدارٍ مدَّتهم في الحساب، فالاستثناء منقطع (٨). وقيل: يرجع الاستثناء إلى النار، أي: إلا ما شاء الله من تعذيبكم بغير النار في (١) إعراب القرآن للنحاس ٩٥/٢ - ٩٦ بنحوه، وينظر معاني القرآن له ٤٨٩/٢. (٢) أخرجه الطبري ٥٥٦/٩ من قول ابن جريج بنحوه. (٣) معاني القرآن للزجاج ٢٩١/٢، ومعاني القرآن للنحاس ٤٨٩/٢، والنكت والعيون ١٦٨/٢. (٤) في (د): فيما. (٥) تفسير البغوي ٢/ ١٣١، وزاد المسير ١٢٤/٣ . (٦) معاني القرآن للنحاس ٤٩٠/٢، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢٩١/٢ . (٧) في (م): تقريع. (٨) معاني القرآن للزجاج ٢٩٢/٢، ومعاني القرآن للنحاس ٤٩١/٢، والكلام منه بنحوه. ٢٩ سورة الأنعام: الآيتان ١٢٨ - ١٢٩ بعض الأوقات(١). وقال ابن عباس: الاستثناء لأهل الإيمان. فـ ((ما)) على هذا بمعنى مَن(٢). وعنه أيضاً أنه قال: هذه الآيةُ توجب الوقفَ في جميع الكفار، ومعنى ذلك: أنها توجب الوقفَ فيمن لم يمت؛ إذْ قد يُسلم(٣). وقيل: ((إلّا ما شاء الله)) من كونهم في الدنيا بغير عذاب (٤). ومعنى هذه الآيةِ معنى الآية [١٠٦] التي في ((هود)): قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى النَّارِ﴾. وهناك يأتي مستوفى إن شاء الله. ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ﴾ أي: في عقوبتهم وفي جميع أفعالِه ﴿عَلِيمٌ﴾ بمقدار (٥) مجازاتِهم(٥). قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًَّا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ١٣٩ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ النَّلِينَ بَعْضَا﴾ المعنى: وكما فعلنا بهؤلاء مما وصفتُه لكم من استمتاع بعضِهم ببعض؛ أجعلُ بعضَ الظالمين أولياء بعض (٦)، ثم يتبرأ بعضُهم من بعض غداً. ومعنى ((نُوَلِّي)) على هذا: نجعل وليًّا(٧). قال ابن زيد: نسلّط ظَلَمةَ الجِنّ على ظلمة الإنس(٨). وعنه أيضاً: نسلّط بعضَ الظَّلَمة على بعض، (١) تفسير البغوي ٢/ ١٣١. (٢) الوسيط ٣٢٣/٢. (٣) تفسير البغوي ٢/ ١٣١، والنكت والعيون ١٦٩/٢، وتفسير الطبري ٩/ ٥٥٧ - ٥٥٨ . (٤) زاد المسير ١٢٤/٣. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٩٦ . (٦) تفسير الطبري ٥٥٩/٩، وتفسير البغوي ٢/ ١٣١. (٧) زاد المسير ١٢٤/٣، والمحرر الوجيز ٣٤٦/٢ . (٨) أخرجه الطبري ٩/ ٥٥٩ . ٣٠ سورة الأنعام: الآية ١٢٩ فيهلكُه ويذِلُّم(١). وهذا تهديدٌ للظالم؛ إنْ لم يمتنع من ظلمه سلَّط الله عليه ظالماً آخرَ، ويدخل في الآية جميعُ مَن يظلم (٢)، أو يظلم الرعيَّةَ، أو التاجرُ يظلم الناسَ في تجارته، أو السارقُ وغیرُهم(٣). وقال فُضيل بن عياض: إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم فقِف، وانظر فيه متعجِّباً. وقال ابن عباس: إذا رضيَ الله عن قوم ولَّى أمرَهم خيارَهم، وإذا سخِط الله على قوم ولَّى أمرَهم شرارَهم(٤). وفي الخبر عن النبيِّ #: ((من أعان ظالماً سلّطه الله عليه))(٥). وقيل: المعنى: نَكِلُ بعضَهم إلى بعض فيما يختارونه من الكفر، كما نَكِلُهم غداً إلى رؤسائهم الذين لا يقدرون على تخليصهم من العذاب. أي: كما نفعلُ(٦) بهم ذلك في الآخرة؛ كذلك نفعلُ بهم في الدنيا. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّ﴾ [النساء: ١١٥]: نَكِلُه إلى ما وَكَل إليه نفسه. قال ابن عباس: تفسيرها: هو أنَّ الله إذا أراد بقوم شرًّا وَلَّى أمرَهم شرارهم(٧)؛ يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَيِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. (١) أورده الماوردي في النكت والعيون ٢/ ١٧١، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٤٦/٢ بنحوه. (٢) بعدها في (م): نفسه. (٣) تفسير أبي الليث ٥١٣/١ بنحوه. (٤) أورد القولين أبو الليث في تفسيره ١/ ٥١٣ . (٥) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤/٣٤، من حديث ابن مسعود، وذكره السخاوي في المقاصد الحسنة ص٦٢٤، والمناوي في فيض القدير ٦/ ٧٢، وفي إسناده: الحسن بن زكريا، قال السخاوي: هو العدوي متهم بالوضع، فهو آفته. (٦) في النسخ: كما فعلنا، والمثبت من (م). (٧) أورده البغوي في تفسيره ٢/ ١٣١، وسلف نحوه في الصفحة قبلها. ٣١ سورة الأنعام: الآية ١٣٠ قوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنّ وَاَلْإِسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِىِ وَيُذِرُونَّكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَّا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَ أَنْفُسِنَّ وَغَرَّتْهُمُ الْمَةُ الدُّنَاَ وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِنَ ١٣٠ قوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ أَلِْنّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾، أي: يومَ نحشرهم نقولُ لهم (١): ألم يأتكم رسلٌ، فحذف، فيعترفون بما فيه افتضاحُهم. ومعنى ((منكم)): في الخلق والتكليفِ والمخاطبة. ولما كانت الجن ممن يُخاطَب ويَعقِلُ قال: ((منكم))؛ وإنْ كانت الرسلُ من الإنس(٢)، وغلّب الإنس في الخطاب كما يُغلّب المذكر على المؤنث. وقال ابن عباس: رسلُ الجن هم الذين بلَّغوا قومهم ما سمعوه من الوحي؛ كما قال: ﴿وَلَّوْ إِلَى قَوْمِهِم ◌ُنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩](٣). وقال مُقاتِل والضحّاك: أرسل الله رسلاً من الجنِّ كما أرسل من الإنس(٤). وقال مجاهد: الرسلُ من الإنس، والنُّذُر من الجنّ؛ ثم قرأ: ﴿إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ﴾(٥). وهو معنى قول ابن عباس، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في «الأحقاف)). وقال الكلبيُّ: كانت الرسل قبل أنْ يُبعثَ محمدٌ ﴾ يُبعثون إلى الإنس والجن جميعاً (٦). (١) قوله: لهم، من (م). (٢) إعراب القرآن ٩٦/٢، ومعاني القرآن؛ كلاهما للنحاس ٤٩٢/٢ . (٣) معاني القرآن للنحاس ٤٩٢/٢، وأخرج قول ابن عباس الطبري ٩/ ٥٦١ . (٤) قول مقاتل أورده أبو الليث في تفسيره ٥١٤/١، وابن الجوزي في زاد المسير ١٢٥/٣، وقول الضحاك أخرجه الطبري ٩/ ٥٦٠ . (٥) أورده الواحدي في الوسيط ٣٢٣/٢، والبغوي في تفسيره ١٣١/٢. (٦) أورده الزمخشري في الكشاف ٥١/٢، والطبرسي في مجمع البيان ١٩٩/٨، وأبو حيان في البحر المحيط ٢٢٣/٤ بلفظ: كانت الرسل قبل أن يبعث محمد # يبعثون إلى الإنس والجن، ورسول الله ﴾ بُعث إلى الإنس والجن، وينظر تفسير البغوي ١٣١/٢ . ٣٢ سورة الأنعام: الآية ١٣٠ قلت: وهذا لا يصحُّ، بل في صحيح مسلم(١) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاريِّ قال: قال رسول الله ﴾: ((أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهُنَّ نبيٍّ قبلي؛ كان كلُّ نبيٍّ يُبعثُ إلى قومه خاصّةً، وبُعثتُ إلى كل أحمرَ وأسوَد)». الحديث. على ما يأتي بيانه في (الأحقاف)). وقال ابن عباس: كانت الرسل تُبعثُ إلى الإنس، وإنَّ محمداً ﴾ بُعث إلى الجنِّ والإنس؛ ذكره أبو الليث السَّمَرْ قَنْدِيُّ (٢). وقيل: كان قومٌ من الجنِّ استمعوا إلى الأنبياء، ثم عادوا إلى قومهم وأخبروهم، كالحال مع نبينا عليه الصلاة والسلام. فيقال لهم: رسلُ الله وإن لم يُنصَّ علی إرسالهم(٣). وفي التنزيل: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الْأُولُ وَالْمَرْحَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] أي: من أحدهما، وإنما يخرج من المِلح دون العَذْب، فكذلك الرسلُ من الإنس دون الجن؛ فمعنى (منكم): أي: من أحدكم، وكان هذا جائزاً؛ لأنَّ ذكرَهما سبق(٤). وقيل: إنما صيَّر الرسلَ في مخرج اللفظِ من الجميع؛ لأن الثَّقَلَين قد ضمَّتهما عَرْصةُ القيامة، والحساب عليهم دون الخلق؛ فلما صاروا في تلك العَرْصة في حساب واحدٍ في شأن الثواب والعقابِ؛ خوطبوا يومئذ بمخاطبة واحدةٍ كأنهم جماعةٌ واحدة؛ لأنَّ بدءً(٥) خلقهم للعبودية، والثوابُ والعِقاب على العبودية، ولأنَّ الجنَّ أصلُهم من مارج من نار، وأصلُنا من تراب، وخلقُهم غيرُ خلقِنا؛ فمنهم مؤمنٌ وكافر. وعدوّنا إبليس عدوٌّ لهم، يعادي مؤمنَهم، ويُوالِي كافرهم. وفيهم أهلُ(٦) أهواء: شِيعَةٌ وقَدَرِيّةٍ ومُرْجئةٌ يتلون كتابنا. وقد وصف الله عنهم في سورة الجن [١١ و١٤] من قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَسِطُونَ﴾. و﴿ وَأَنَّا مِنَّا الَّذِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَّبِقَ قِدَدًا﴾ ، (١) برقم (٥٢١)، وسلف ٢٥٨/٤ . (٢) في تفسيره ١/ ٥١٤، وذكره أيضاً ابن الجوزي في زاد المسير ١٢٥/٣. (٣) تفسير الرازي ١٣/ ١٩٥. (٤) معاني القرآن للزجاج ٢٩٢/٢، وتفسير البغوي ١٣٢/٢. (٥) في (خ) و(ز): لأن بدو، وفي (د) و(ظ): لأنه بدو، والمثبت من (م). (٦) لفظة: أهل، من (ظ). ٣٣ سورة الأنعام: الآيتان ١٣٠ - ١٣١ على ما يأتي بيانه هناك. ﴿یَقُضُونَ﴾ في موضع رفع نعت لرسل(١) . ﴿قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَ أَنفُسِنّ﴾ أي: شهدنا أنهم بَلَّغوا. ﴿وَغَرَّقْهُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ قيل: هذا خطابٌ من الله للمؤمنين؛ أي: إنَّ هؤلاء قد غرّتهم الحياة الدنيا، أي: خدعتهم، وظنّوا أنها تدُوم، وخافوا زوالَها عنهم إنْ آمنوا. ﴿وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، أي: اعترفوا بكفرهم (٢). قال مُقاتل: هذا حينَ شهِدتْ عليهم الجوارحُ بالشِّرك وبما كانوا يعملون(٣). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنَ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظَلْمٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ في موضع رفع عندَ سيبويه، أي: الأمرُ ذلك. و((أنْ)) مخفّفةٌ من الثقيلة، أي: إنما فعلنا هذا بهم؛ لأني لم أكن أُهلك القرى بظلم (٤)، أي: بشركهم قبلَ إرسال الرسلِ إليهم، فيقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير. وقيل: لم أكن أُهلك القرى بشرك من أشرك منهم(٥)؛ فهو مثل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىْ﴾ [فاطر: ١٨]. ولو أهلكهم قبلَ بعثة الرسلِ فله أنْ يفعل ما يريد. وقد قال عيسى: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]، وقد تقدّم. وأجاز الفراء(٦) أنْ يكون ((ذلك)) في موضع نصب، المعنى: فعل ذلك بهم؛ لأنه لم يكن يُهلك القرى بظلم. (١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٩٦ . (٢) تفسير الرازي ١٩٦/١٣، والمحرر الوجيز ٣٤٧/٢. (٣) تفسير البغوي ١٣٢/٢، وتفسير الواحدي ٢/ ٣٥٢، وقوله: وبما كانوا يعملون، من (م). (٤) في (خ) و(د) و(ز) و(م): بظلمهم، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ٩٦/٢ ، والكلام منه بنحوه، وقول سيبويه ذكره أيضاً الزجاج في معاني القرآن ٢٩٢/٢، ولم نقف عليه في الكتاب. (٥) تفسير الطبري ٩/ ٥٦٣، وتفسير البغوي ١٣٢/٢. (٦) في معاني القرآن ٣٥٥/١، وإعراب القرآن للنحاس ٩٦/٢، وعنه نقل المصنف، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢٩٢/٢ - ٢٩٣ ، والبيان لابن الأنباري ٣٤٠/١ . ٣٤ سورة الأنعام: الآيتان ١٣٢ - ١٣٣ قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتُ مِّمَا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِفَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ أي: من الجنِّ والإنس؛ كما قال في آية أخرى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىَ أُرِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ اَلِْنَّ وَالإِنسَّ إِنَّهُمْ كَانُوْ خَسِيرِينَ﴾، ثم قال: ﴿وَلِكُلِّ دَرَحَتٌ فَِّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِيَهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٨-١٩]. وفي هذا ما يدلُّ على أنَّ المطيعَ من الجن في الجنة، والعاصي منهم في النار؛ كالإنس سواء. وهو أصحُّ ما قيل في ذلك فاعلمه. ومعنى ((ولكلِّ درجات))، أي: ولكل عامل بطاعة درجاتٌ في الثواب. ولكلّ عاملٍ بمعصية دَرَكاتٌ في العقاب(١). ﴿وَمَا رَبُّكَ بِفَفِلٍ﴾ أي: ليس بِلَاهٍ ولا سَاءٍ. والغفلةُ أنْ يذهبَ الشيءُ عنك لا شتغالك بغيره. ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قرأه ابن عامر بالتاء، الباقون بالياء(٢). قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةٍ قَوْمٍءَاخَرِينَ قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ﴾ أي: عن خلقه وعن أعمالهم. ﴿ذُو الْرَّحْمَةِ﴾ أي: بأوليائه وأهلِ طاعته. ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ بالإماتة والاستئصال بالعذاب. ﴿وَيَسْتَظِفْ مِنْ بَعْدِكُم ◌َا يَشَآءُ﴾ أي: خلقاً آخرَ أَمْثَلَ منكم وأطوع(٣). ﴿كَمَّا أَشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةٍ قَوْمٍ ◌َاخَرِينَ﴾ والكاف في موضع نصب، أي: يستخلف من بعدكم ما يشاء استخلافاً مثلَ ما أنشأكم(٤)، ونظيرُه ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِثَّاخِينَ﴾ (١) النكت والعيون ٢/ ١٧٢، وزاد المسير ١٢٦/٣. (٢) السبعة ص٢٦٩ ، والتيسير ص١٠٧ . (٣) تفسير أبي الليث ٥١٤/١ - ٥١٥، والوسيط ٣٢٤/٢، وتفسير البغوي ١٣٢/٢. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٩٦ . ٣٥ سورة الأنعام: الآيات ١٣٣ - ١٣٥ [النساء: ١٣٣]. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. فالمعنى يبدّل غيركم مكانكم، كما تقول: أعطيتك من دينارك ثوباً(١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَتٍّ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِينَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَتِّ﴾ يحتمل أنْ يكونَ من ((أوعدت)) في الشرّ، والمصدر الإيعاد. والمراد عذابُ الآخرة(٢). ويحتمل أنْ يكونَ من ((وعدت))(٣) على أنْ يكونَ المراد الساعةَ التي في مجيئها الخيرُ والشرُّ، فغلّب الخير. رُوي معناه عن الحسن(٤). ﴿وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ﴾، أي: فائتين؛ يقال: أعجزني فلانٌ، أي: فاتني وغلبني(٥). قوله تعالى: ﴿قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَى مَكَتِكُمْ إِّ عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُمْ عَقِبَةُ الدَّارِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ١٣٥ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَ مَكَتِكُمْ﴾ وقرأ أبو بكر بالجمع: (مكاناتكم)(٦). والمكانة: الطريقةُ(٧). والمعنى: اثبتوا على ما أنتم عليه، فأنا أثبتُ على ما أنا عليه. فإن قيل: كيف يجوز أنْ يُؤمروا بالثبات على ما هم عليه وهم كفارٌ؟ فالجواب: أنَّ هذا تهديدٌ؛ كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَيُضْحَكُوْ قَلِيلًا وَلْيَكُواْ كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢]، ودلَّ عليه: ﴿فَسَوّفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُمْ عَقِبَةُ الدَّارِ﴾(٨). أي: (١) تفسير الطبري ٩/ ٦٥ . (٢) تفسير أبي الليث ١/ ٥١٥ . (٣) الوسيط للواحدي ٣٢٤/٢ . (٤) تفسير الرازي ٢٠٢/١٣. (٥) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٠٦/١ . (٦) السبعة ص٢٦٩ ، والتيسير ص١٠٧ . (٧) النكت والعيون ٢/ ١٧٢ . (٨) معاني القرآن للنحاس ٤٩٣/٢، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢٩٣/٢ - ٢٩٤. ٣٦ سورة الأنعام: الآيتان ١٣٥ - ١٣٦ العاقبة المحمودةُ التي يُحمد صاحبُها عليها، أي: من له النَّصرُ في دار الإسلام(١)، ومن له وراثةُ الأرضِ، ومن له الدار الآخرةُ، أي: الجنة. قال الزجَّاج(٢): ((مكانتكم)): تمكّنكُم في الدنيا. ابن عباس والحسن والنَّخَعيّ: على ناحيتكم(٣). القُتَبيُّ: على موضعكم(٤). ﴿إِّ عَامِلٌ﴾ على مكانتي، فحذف؛ لدلالة الحال عليه. ((مَنْ)) مِن قوله: ((مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ)) في موضع نصب بمعنى الذي؛ لوقوع العلم عليه. ويجوز أنْ تكونَ في موضع رفع؛ لأنَّ الاستفهامَ لا يَعملُ فيه ما قبله، فيكون الفعلُ معلَّقاً، أي: تعلمون أيّنا تكون له عاقبةُ الدّار(٥)؟ كقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَّ لَلِزْبِيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢]. وقرأ حمزة والكِسائيُّ: ((من يكون)) بالياءِ(٦). قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَّهِ مِنَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَيْنَا فَمَا كَانَ لِتُرَكَيْهِمْ فَلاَّ يَصِلُ إلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَابِهِمَّ سَاءَ مَا بَحْكُونَ ١٣ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِنَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا﴾ فيه مسألةٌ واحدة: ويقال: ذرأ يذرأُ ذَرْءاً، أي: خَلَق. وفي الكلام حذفٌ واختصار، وهو: وجعلوا لأصنامهم نصيباً؛ دلَّ عليه ما بعده(٧). وكان هذا مما زيَّنه الشيطان، وسؤَّله لهم، حتى (١) مجمع البيان ٢٠٣/٨ . (٢) في معاني القرآن ٢/ ٢٩٣ . (٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري ٩/ ٥٦٧، وقول الحسن أورده الماوردي في النكت والعيون ١٧٣/٢ . (٤) تفسير غريب القرآن له ص ١٦٠ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٩٧، وتفسير الطبري ٥٦٨/٩ . (٦) السبعة ص ٢٧٠، والتيسير ص ١٠٧ . (٧) معاني القرآن للنحاس ٤٩٣/٢ . ٣٧ سورة الأنعام: الآية ١٣٦ صَرَفُوا من مالهم طائفةً إلى الله بزعمهم وطائفةً إلى أصنامهم؛ قال(١) ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة؛ والمعنى متقارب: جعلوا لله جزءاً ولشركائهم جزءاً، فإذا ذهب ما لشركائهم بالإنفاق عليها وعلى سَدَنتها عوَّضوا منه ما لله، وإذا ذهب ما لله بالإنفاق على الضِّيفان والمساكين لم يُعوِّضوا منه شيئاً، وقالوا: الله مُستغْنٍ عنه، وشركاؤنا فقراء (٢). وكان هذا من جهالاتهم وبزعمهم. والزعم: الكذبُ. قال شُريح القاضي: إنَّ لكل شيءٍ كُنْيةً وكُنْيَةُ الكذب ((زعموا))(٣). وكانوا يكذبون في هذه الأشياء؛ لأنه لم ينزل بذلك شرعٌ. وروى سعيد بنُ جبير عن ابن عباس أنه قال: من أراد أنْ يعلمَ جهلَ العربِ؛ فليقرأ ما فوقَ الثلاثين والمئةِ من سورة الأنعام إلى قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ أَلَّذِينَ قَتَلُوَّا أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾(٤) [الأنعام: ١٤٠]. قال ابن العربيّ(٥): وهذا الذي قاله كلامٌ صحيح، فإنها تصرَّفت بعقولها العاجزةِ في تنويع الحلالِ والحرامِ سفاهةً بغير معرفةٍ ولا عدلٍ، والذي تصرّفت بالجهل فيه من اتخاذ الآلهةِ أعظمُ جهلاً، وأكبرُ جُرْماً؛ فإنَّ الاعتداءَ على الله تعالى أعظمُ من الاعتداء على المخلوقات. والدليلُ في أنَّ الله واحدٌ في ذاته واحدٌ في صفاته واحدٌ في مخلوقاته أبْيَنُ وأوضحُ من الدليل على أنَّ هذا حلالٌ وهذا حرامٌ. وقد رُوي أنَّ رجلاً قال لعمرو بن العاص: إنكم على كمال عقولِكم ووفُور أحلامِكم عبدتم الحجرَ! فقال عمرو: تلك عقولٌ كادها باريها(٦). (١) في (م): قاله. (٢) تفسير الطبري ٥٦٩/٩ - ٥٧١، وتفسير الرازي ٢٠٤/١٣ . (٣) أخرجه ابن سعد ٦/ ١٤١ وابن أبي شيبة ٦٣٧ - ٦٣٨ بنحوه. وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً ٦٣٦ - ٦٣٧ ، وأحمد (١٧٠٧٥) عن أبي مسعود البدريّ قال: قيل له: ما سمعتَ رسول الله # يقول في ((زعموا))؟ قال: ((بئس مطية الرجل) وفي إسناده انقطاع، وانظر الفتح ٥٥١/١٠ . (٤) أخرجه البخاري (٣٥٢٤) بنحوه. (٥) في أحكام القرآن ٢/ ٧٤٣ . (٦) أورده الخطابي في غريب الحديث ٤٨٦/٢ بنحوه، وأورده أيضاً ابن الجوزي في غريب الحديث = ٣٨ سورة الأنعام: الآيتان ١٣٦ - ١٣٧ فهذا الذي أخبر الله سبحانه من سخافة العرب وجهلها أمرٌ أَذهبه الإسلام، وأبطله الله ببعثة(١) الرسول عليه الصلاة والسلام. فكان من الظاهر لنا أنْ نميتَه حتى لا يَظهر، وننساه حتى لا يُذكر؛ إلا أنَّ ربَّنا تبارك وتعالى ذَکَره بنصه، وأورده بشرحه، كما ذَكر كفرَ الكافرين به. وكانت الحكمة في ذلك - والله أعلم - أنَّ قضاءه قد سبق؛ وحُكمَه قد نفَذ؛ بأنَّ الكفرَ والتخليطَ لا ينقطعان إلى يوم القيامة(٢). وقرأ يحيى بن وثّاب والسُّلَميُّ والأعمش والكسائيُّ: ((بزُعمهِم)) بضم الزاي. والباقون بفتحها(٣)، وهما لغتان. ﴿فَمَا كَانَ لِتُرَكَبِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾، أي: إلى المساکین(٤) . ﴿سَآءُ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: ساء الحُكْم حکمُهم. قال ابن زيد: كانوا إذا ذبحوا ما لله ذكروا عليه اسمَ الأوثان، وإذا ذبحوا ما لأوثانهم لم يذكروا عليه اسمَ الله(٥)، فهذا معنى ((فَمَا كَانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَی اللهِ»، فكان تركُهم لذِكر اللهِ مذموماً منهم، وكان داخلاً في ترك أكلٍ ما لم يُذكر اسمُ الله عليه(٦). قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمَّ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ مَا فَعَلُوَةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَّرُونَ. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ = ٣٠٦/٢، وابن الأثير في النهاية (عقل، كيد) مختصراً، وقوله: كادها باريها؛ أي: أرادها بسوء، يقال: كِدتُ الرجل أكيده، والكيد: الاحتيالُ والاجتهاد. (١) في (م): ببعثه. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٤٣ - ٧٤٤ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٩٧، والقراءة من السبعة، ينظر السبعة ص ٢٧٠ ، والتيسير ص ١٠٧ . (٤) بعدها في (ظ): وما كان لله فهو يصل إلى المساكين، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم. (٥) أخرجه الطبري ٩/ ٥٧٢ بنحوه . (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٤٥ . ٣٩ سورة الأنعام: الآية ١٣٧ المعنى: فكما زَيّن لهؤلاء أنْ جعلوا لله نصيباً ولأصنامهم نصيباً؛ كذلك زَيّنَ لكثير من المشركين قَتلَ أولادِهم شركاؤُهم. قال مجاهد وغيره: زيَّنتْ لهم قتلَ البناتِ ٠٤ مخافةَ العَيْلَةِ(١). قال الفرَّاء والزجَّاج: شركاؤهم هاهنا هم الذين كانوا يَخدُمون الأوثان(٢). وقيل: هم الغُوَاة من الناس(٣). وقيل: هم الشياطين(٤). وأشار بهذا إلى الوَأد(٥)، وهو دفنُ البنتِ حيَّةً مخافةَ السِّبَاء والحاجة، وعدمٍ ما حُرمْن من النصرة. وسمّى الشياطين شركاء؛ لأنهم أطاعوهم في معصية الله، فأشركوهم مع اللهِ في وجوب طاعتِهم (٦). وقيل: كان الرجل في الجاهلية يحلِفُ بالله لئن وُلد له كذا وكذا غلاماً لينحَرنّ أحدهم؛ كما فعله عبد المطلب حين نذَر ذبحَ ولدِهِ عبدِ الله(٧). ثم قيل: في الآية أربعُ قراءات، أصحُّها قراءةُ الجمهور: ﴿وَكَذَلِكَ زَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾، وهذه قراءةُ أهلِ الحرمين وأهلٍ الكوفةِ وأهل البصرة (٨). ((شركاؤهم)) رفع بـ ((زَيَّنَ))؛ لأنهم زَيّنوا ولم يَقتُلوا. ((قَتْلَ)) (١) أخرجه الطبري ٩/ ٥٧٥ . (٢) قول الفراء في معاني القرآن له ٣٥٧/١، وقول الزجاج ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٧٠/٢، وابن الجوزي في زاد المسير ١٣٠/٣. (٣) النكت والعيون ١٧٤/٢ . (٤) أخرجه الطبري ٩/ ٥٧٥ من قول ابن زيد. (٥) بعدها في (خ) و(ظ) و(م): الخفي، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الصواب؛ إذ إن الوأد الخفي هو العزل كما ورد في الحديث، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ٧٤٥/٢ . (٦) تفسير البغوي ١٣٣/٢ . (٧) تفسير أبي الليث ٥١٦/١، والنكت والعيون ١٧٤/٢ - ١٧٥، وأحكام القرآن لابن العربي ٧٤٥/٢. (٨) هي قراءة السبعة؛ غير ابن عامر. السبعة ص ٢٧٠، والتيسير ص ١٠٧ . ٤٠ سورة الأنعام: الآية ١٣٧ نصب بـ (زَيَّن))، و((أولادِهم)) مضاف إلى المفعول(١)، والأصل في المصدر أنْ يضافَ إلى الفاعل؛ لأنه أحدثَه، ولأنه لا يُستغنى عنه، ويُستغنى عن المفعول؛ فهو هنا مضافٌ إلى المفعول لفظاً مضافٌ إلى الفاعل معنًى؛ لأنَّ التقدير: زَيّن لكثير من المشركين قتلَهم أولادهم شركاؤُهم، ثم حذف المضاف، وهو الفاعل كما حذف من قوله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَمُ اَلْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، أي: من دعائه الخيرَ. فالهاء فاعلةُ الدعاء، أي: لا يسأم الإنسان من أنْ يدعوَ بالخير. وكذا قوله: زَيَّن لكثير من المشركين في أنْ يَقتلوا أولادَهم شركاؤهم. قال مكيّ (٢): وهذه القراءةُ هي الاختيار؛ لصحة الإعرابِ فيها، ولأنَّ عليها الجماعة. القراءة الثانية: ((زُيّن)) بضم الزاي. ((لكثير من المشركين قتلُ)) بالرفع. ((أولادِهم)) بالخفض. ((شركاؤهم)) بالرفع؛ قراءة الحسن(٣). ابنُ عامر وأهل الشام: ((زُيّنَ)) بضم الزاي ((لكثير من المشركين قتلُ أولادهم»؛ برفع ((قتل)) ونصب ((أولادهم)). ((شركائهم)) بالخفض فيما حكى أبو عبيد؛ وحكى غيره عن أهل الشام أنهم قَرؤوا: ((وكذلك زُيِّنَ)) بضم الزاي ((لكثير من المشركين قتلُ)) بالرفع ((أولادهم)) بالخفض ((شركائهم)) بالخفض أيضاً (٤) . فالقراءةُ الثانية قراءة الحسن جائزةٌ، يكون: ((قتلُ)) اسم ما لم يُسمَّ فاعلُه، (شركاؤهم)؛ رفع بإضمار فعل يدل عليه ((زَيْنَ))، أي: زيّنه شركاؤهم. ويجوز على هذا : ضُرِب زيدٌ عمرٌو، بمعنى: ضربه عمرو، وأنشد سيبويه(٥): (١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٩٧ - ٩٨ . (٢) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤٥٣ - ٤٥٤، وما قبله منه بنحوه. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٩٧/٢ - ٩٨، والكلام منه بنحوه، ونسبها ابن جني في المحتسب ٢٢٩/١ لأبي عبد الرحمن السلمي. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٩٨/٢، والكلام منه بنحوه، وقراءة ابن عامر من السبعة كما سلف. (٥) في الكتاب ٢٨٨/١، ٣٦٦.