Indexed OCR Text

Pages 1-20

الجَامعَ لأَحْكَامِ الْقُرآن
٧
وَالمُبَيِّنُ لِمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَيِ الْقُرْقَانِ
تَأليف
أَبِ عَبَدِالَّهِ مُحَمَّدِبْنِ أَحْمَد بْن أَبِي بَكِ القُرُبيِّ
( ت ٦٧١ هـ )
تحقيق
الدكتور عبد الّه بن عبد المحسن التربيّ
شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَا الْجُزْءِ
محمّد ضور جر فيسوسي غياث الحاج أحمدْ
الجُرْع التاسع
مؤسسة الرسالة

-3
5

الْجَامِعُ لَحْكَامِ القُرآنِ
وَالمُبَيِّنُ لَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآي آلْقُرْقَانِ

جَمِيعُ الحقوق محفوظة لِلنّاشِرْ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م
مؤسسة الرسالة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بناية المسكن، بيروت - لبنان
للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩-٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠
Al-Resalah
BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax:818615-P.O.Box:117460
Email:Resalah@Cyberia.net.ib
PUBLISHERS

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْيِ الرَّحِيمَةِ
:
قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اَلَّهِ أَبْتَغِى حَكَمَا وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلاً
وَالَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِأَلِّ فَلَ تَكُونَنَّ مِنَ
﴾
اُلْمُمْتَرِنَ
قوله تعالى: ﴿أَنَفْرَ اُللّ ◌َبْتَغِی حكمًا﴾ ((غیرً)) نصب بـ ((أبتغي)). ((حَگماً)) نصب
على البيان، وإن شئت على الحال(١). والمعنى: أفغَير الله أطلبُ لكم حاكماً؛ وهو
الذي كفاكم مؤونة المسألة في الآيات بما أنزله إليكم من الكتاب المفضَّل، أي:
المُبين.
ثم قيل: الحَكّم أبلغُ من الحاكم؛ إذْ لا يستحقُّ التسميةَ بحَكَم إلَّ مَن يَحْكُم
بالحقِّ، لأنها صفةُ تعظيم في مدح. والحاكمُ صفةٌ جاريةٌ على الفعل، فقد يُسَمَّى بها
مَن يَحْكُم بغير الحق(٢).
﴿وَأَلَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ اَلْكِنَبَ﴾ يريد اليهود والنصارى. وقيل: مَن أَسلم منهم كسَلْمَان
وصُهيب وعبدِ الله بن سلام. ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿مُنَزَّلٌ مِّنِ زَيِّكَ بِأَلْنِّ﴾ أي:
إنَّ كلَّ ما فيه من الوعد والوعيد لَحَقٌّ ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: من الشاكِين في
أنَّهم يعلمون أنَّه منزَّل من عند الله.
وقال عطاء: الذين آتيناهم الكتابَ هم رؤساءُ أصحاب محمد عليه الصلاة
والسلام: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (٣) ﴾.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٩٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٣٣٧/٢ .
(٣) ذكره البغوي ٢/ ١٢٥ .

٦
سورة الأنعام: الآيات ١١٥ - ١١٧
قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلَاً لَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ
(١١٥)
الْعَلِيمُ
قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كلمات رَبِّكَ﴾ قراءة أهلِ الكوفة بالتوحيد(١)، والباقون
بالجمع. قال ابن عباس: مواعيدُ ربك، فلا مغيِّرَ لها(٢). والكلماتُ ترجع إلى
العبارات، أو إلى المتعلقات من الوعد والوعيد وغيرِهما (٣).
قال قتادة: الكلماتُ هي القرآنُ لا مبدِّلَ له(٤)، لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون.
﴿صِدْقَاً وَعَدْلًا﴾ أي: فيما وعدَ وحَكم، لا راد لقضائه، ولا خُلْفَ في وعده(٥).
وحكى الرّمّانيُّ عن قتادة: لا مبدِّلَ لها فيما حَكم به (٦)، أي: إنه وإنْ أمكنه
التغيير والتبديلُ في الألفاظ كما غيَّر أهلُ الكتابِ التوراةَ والإنجيلَ؛ فإنه لا يُعتدُّ
بذلك.
ودلّت الآية على وجوب اتباع دلالاتِ القرآن؛ لأنه حقٌّ لا يمكن تبديلُه بما
يناقضه؛ لأنه من عند حكيم لا يخفى عليه شيءٌ من الأمور كلِّها(٧).
قوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوَكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ إِن
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُ عَن
يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١٧)
سَبِيلٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ (٣٦)﴾
قوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَّرَ مَنْ فِى الْأَرْضِ﴾، أي: الكفار ﴿يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ﴾، أي: عن الطريق التي تؤدّي إلى ثواب الله. ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّاّ الظَّنَّ﴾ ((إِنْ)) بمعنى
(١) يعني قراءة عاصم وحمزة والكسائي، السبعة ص٢٦٦ ، والتيسير ص١٠٦.
(٢) أورده الواحدي في الوسيط ٣١٤/٢ بنحوه.
(٣) تفسير البغوي ٢/ ١٢٥ .
(٤) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ١١١/٣ .
(٥) زاد المسير ١١١/٣ .
(٦) أخرجه الطبري ٥٠٨/٩
(٧) قوله: كلها، من (م).

٧
سورة الأنعام: الآيتان ١١٦ - ١١٧
ما (١)، وكذلك: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾، أي: يَحْدِسُون ويُقدِّرون(٢)؛ ومنه الخَرْصُ،
وأصله القطعُ. قال الشاعر:
تَرى قِصَدَ المُرّانِ فينا كأنّه
تَذَرُّعُ(٣) خِرْصانٍ بأيْدِي الشَّواطِبِ(٤)
يعني جريداً يُقطع طولاً، ويُتَّخذُ منه الحُصُرُ. وهو جمعُ الخُرْص، ومنه: خَرَص
يَخْرُص النَّخْلَ خَرْصاً إذا حَزَره ليأخذَ الخَرَاجَ منه. فالخارصُ يَقطع بما لا يجوزُ القطعُ
به؛ إذْ لا يقينَ معه(٥). وسيأتي لهذا مزيدُ بيان في ((الذاريات)) إن شاء الله تعالى(٦).
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ قال بعض الناس: إنَّ ((أعلم)) هنا بمعنى يعلم؛ وأنشدَ قولَ
حاتم الطائيّ:
واللهُ أعلمُ ما كنَّا لهم خُذُلَا (٨)
فحالفَتْ(٧) طَيِّيٌّ من دوننَا حِلِفاً
وقول الخنساء:
(١) إعراب القرآن للنحاس ٩٣/٢ .
(٢) معاني القرآن للنحاس ٣٤٤/٣، والكشاف ٤٦/٢ .
(٣) لم تجود الكلمة في النسخ الخطية، والمثبت من (م)، والمصادر.
(٤) قائله قيس بن الخطيم، وهو في ديوانه ص٣٩، والصحاح (خرص)، وروايته فيه: تُلقى كأنها، بدل:
فينا كأنه؛ وقوله: قِصَد جمع قِصْدَة؛ وهي القطعة من الشيء إذا انكسر، وقوله: المُؤَّان: الرماح الصّلبة
اللَّدْنة؛ واحدتُها مُرَّانّة، وقوله: تَذَرُّع؛ قال الأصمعي: تذرع فلان الجرید إذا وضعه في ذراعه فشطبه،
وقوله: الخِرصان أصلها القُضبان من الجريد، وقوله: الشواطب جمع الشاطبة، وهي المرأة التي تقشر
العَسِيب، ثم تلقيه إلى المنقّية، فتأخذ كل ما عليه بسكينها حتى تتركه دقيقاً ثم تلقيه المنقّية إلى الشاطبة
ثانية، فتشطبه على ذراعها وتتذرعه. اللسان (قصد، مرن، ذرع).
(٥) ينظر تفسير الطبري ٥٠٩/٩، تهذيب اللغة ١٢٩/٧ - ١٣١.
(٦) عند تفسير الآية (١٠) منها.
(٧) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): تحالفت، والمثبت من (خ)، وهو الموافق للمصادر.
(٨) في النسخ: خولا، والمثبت من المصادر، والبيت لم نقف عليه في ديوان حاتم، وهو في تفسير
الطبري ٩/ ٥١٠، ومجمع البيان ١٧٥/٨. وقوله: حِلِف، هو الحلْف، وحركت اللام بالكسر
للضرورة.

٨
سورة الأنعام: الآيات ١١٦ - ١١٨
القومُ أعلمُ(١) أنَّ جَفْنَتَهُ تَغدو غداةَ الرِّيح أو تَسرِي(٢)
وهذا لا حجةَ فيه؛ لأنه لا يطابِقِ ((وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ))(٣). ولأنه يحتمل أنْ
يكونَ على أصله . ﴿مَن يَضِلُ عَن سَبِيلِهِ﴾ ((من)) بمعنى: أيّ؛ فهو في محل رفع،
والرافع له: ((يضل)). وقيل: في محل نصب بأعلم، أي: إنَّ ربَّك أعلمُ أيّ الناس
يضلُّ عن سبيله. وقيل: في محل نصب بنزع الخافض؛ أي: بمن يضل. قاله بعض
البصريين، وهو حَسَنٌ؛ لقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ﴾ وقوله في آخر النحل
[الآية: ١٢٥]: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَ عَن سَبِيلِهٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْنَدِينَ﴾(٤). وقرئ
(يُضِلّ))، وهذا على حذف المفعول، والأوّل أحسنُ؛ لأنه قال: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ
بَلْمُهْتَدِينَ﴾(٥) فلو كان من الإضلال لقال: وهو أعلم بالهادين.
قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ الَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِثَايَتِهِ، مُؤْمِنِينَ
قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مَِّا ذُكِرَ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾ نزلت بسبب أناس أتَوُا النبيَّ ﴾،
فقالوا: يا رسول الله، إنا نأكلُ ما نقتُلُ، ولا نأكلُ ما قتلَ الله! فنزلت: ((فَكُلُوا - إلى
قوله - وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)). خرجه الترمذيُّ وغيره(٦).
(١) في (د) و(ز) و(م): الله أعلم، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لتفسير الطبري ٩/ ٥١١،
ومجمع البيان ٨/ ١٧٥ .
(٢) ديوان الخنساء ص٥٦ ، وفيه: الحي يعلم، بدل: الله أعلم، وقوله: جفنته؛ أي: قصعته، والجمع
جِفان وجَفّنات. ينظر القاموس (جفن).
(٣) أي إن دخول الباء في ((المهتدين)) يبيِّن أن ((أعلم)) ليس بمعنى ((يعلم))؛ إذ إن قوله: ((وهو أعلم
بالمهتدين)) معطوف على ما قبله. ينظر تفسير الطبري ٩/ ٥١٠ - ٥١١، ومجمع البيان ٨/ ١٧٥.
(٤) تفسير الطبري ٩/ ٤٣١، ٥١٠، ومشكل إعراب القرآن ٢٦٦/١، والمحرر الوجيز ٣٣٨/٢، قال
مكي: ولا يحسن تقدير حذف حرف الجر لأنه من ضرورات الشعر.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤٧٩/٢، والقراءة المذكورة نُسبت في القراءات الشاذة ص ٢٤٠ والمحتسب
٢٢٨/١ للحسن.
(٦) أخرجه الترمذي (٣٠٦٩) وأبو داود (٢٨١٩) من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس رضي الله عنهما. قال الترمذي: حديث حسن غريب ... ورواه بعضهم عن عطاء بن السائب،
عن سعيد بن جبير، عن النبي # مرسلاً.

٩
سورة الأنعام: الآيتان ١١٨ - ١١٩
قال عطاء: هذه الآيةُ أمرٌ بذكر اسم اللهِ على الشَّراب والذَّبح وكلِّ مطعوم(١).
وقوله: ﴿إِن كُنْتُم بِئَايَتِ مُؤْمِنِينَ﴾، أي: بأحكامه وأوامره آخذين؛ فإنَّ الإيمانَ
بها يتضمّن ويقتضي الأخذَ بها والانقياد لها(٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَضَّلَ لَكُمْ مَّا
حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنْ كَثِيرَاً لَّيُضِلُونَ بِأَهْوَآَيِهِم بِغَيْرِ عِلَهٍّ إِنَّ رَبَّكَ
هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: المعنى: ما المانعُ
لكم من أكل ما سمَّيتم عليه ربَّكم وإنْ قتلتموه بأيديكم(٣). ﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾، أي: بيّن
لكم الحلال من الحرام، وأُزيل عنكم اللَّبسُ والشَّكُ.
فـ ((ما)) استفهام يتضمن التقرير. وتقدير الكلام: وأيُّ شيءٍ لكم في ألا تأكلوا.
فـ ((أنْ)) في موضع خفض بتقدير حرفِ الجر. ويصحُّ أنْ تكونَ في موضع نصب على
ألا يُقدَّر حرفُ جر، ويكون الناصبُ معنى الفعلِ الذي في قوله: ((مَا لَكُمْ))؛
تقديره(٤): ما يمنعكم؟ ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا آضْطُرِّرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ يريد: مِن جميع ما
حرّم، كالميتة وغيرها، كما تقدّم في ((البقرة))(٥). وهو استثناءٌ منقطع(٦).
وقرأ نافع ويعقوب: ((وقد فَصَّل لكم ما حَرّم)) بفتح الفعلين. وقرأ أبو عمرو وابن
عامر وابن كثير بالضم فيهما، والكوفيون: ((فَضَّل)) بالفتح، ((حُرِّم)) بالضم(٧).
(١) أخرجه الطبري ٩/ ٥١١ - ٥١٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٣٣٨/٢.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٧٣٨/٢ .
(٤) بعدها في (خ) و(د) و(ز) و(م): أي. والمثبت من (ظ)، وفي المحرر الوجيز ٣٣٨/٢، والكلام منه:
تقديره: ما يجعلكم، وينظر مشكل إعراب القرآن ١/ ٢٦٧ .
(٥) ٣٥/٢ - ٣٦.
(٦) المحرر الوجيز ٣٣٩/٢.
(٧) هي قراءة عاصم من رواية شعبة، وحمزة والكسائي. أما قراءة عاصم من رواية حفص؛ فكقراءة نافع
ويعقوب. السبعة ص٢٦٧، والتيسير ص١٠٦، والنشر ٢/ ٢٦٢ .

١٠
سورة الأنعام: الآيتان ١١٩ - ١٢٠
وقرأ عطية العَوْفي: ((فَصَل)) خفيفة(١). ومعناه: أبان وظهر؛ كما قرئ: ((الر کِتابُ
أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فَصَلَتْ)»(٢) [هود: ١]، أي، استبانت. واختار أبو عبيد(٣) قراءةَ أهلٍ
المدينة. وقيل: ((فضَّل))، أي: بيّن(٤)، وهو ما ذكره في سورة المائدة من قوله:
﴿حُرِمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَهُ وَلَّمُ وَلَمُ الْخِنِزِيرِ﴾ الآية [٣].
قلت: هذا فيه نظر؛ فإنَّ (الأنعام)) مكية، والمائدة مدنية، فكيف يُحیلُ بالبيان
على ما لم ينزلْ بعدُ(٥)؟ إلا أنْ يكونَ ((فضَّل)) بمعنى يفصِّل. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُونَ﴾ وقرأ الكوفيون: ((يُضِلُّون))(٦) من أضلَّ.
﴿بِأَهْوَآيِهِم بِغَيْرِ عِلَّوَّ﴾ يعني المشركين حيث قالوا: ما ذَبح الله بسِكِّينه خيرٌ مما ذَبحتم
بسكاكينكم. ((بِغَيْرِ عِلْم))، أي: بغير علم يعلمونه في أمر الذَّبح(٧)؛ إذ الحكمةُ فيه
إخراجُ ما حرّمه الله علينا من الدم؛ بخلاف ما مات حَتْف أنْفِه؛ ولذلك شَرع الذكاةَ
في محلٌّ مخصوصٍ لیکونَ الذبحُ فیه سبباً لجذب كلِّ دم في الحيوان بخلاف غيره من
الأعضاء(٨). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ فَهِرَ أَلْإِثْمِ وَبَاِنَهُ؟ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ آلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ
﴾
بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ
قوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ خَِهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ؟﴾ للعلماء فيه أقوالٌ كثيرة. وحاصلُها
(١) في (د) و(م): بالتخفيف، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ)، وهو الموافق لمعاني القرآن للنحاس ٤٨٠/٢ ،
والكلام منه، وقراءة عطية العوفي في القراءات الشاذة ص ٤٠ .
(٢) القراءات الشاذة ص٥٩، والمحتسب ٣١٨/١.
(٣) في (م): أبو عبيدة.
(٤) هو قول قتادة أخرجه الطبري ٩/ ٥١٣ .
(٥) ينظر تفسير الرازي ١٦٦/١٣ .
(٦) السبعة ص ٢٦٧ ، والتيسير ص ١٠٦ .
(٧) معاني القرآن للزجاج ٢٨٧/٢، وتفسير الرازي ١٦٧/١٣.
(٨) القبس ٦١٧/٢ .

١١
سورة الأنعام: الآيات ١٢٠ - ١٢١
راجعٌ إلى أنَّ الظاهرَ ما كان عملاً بالبدن ممَّا نهى الله عنه، وباطنه ما عُقد بالقلب من
مخالفَة أمرٍ الله فيما أَمر ونهى؛ وهذه المرتبةُ لا يبلُغها إلا من اتقى وأحسن؛ كما
قال: ﴿ثُمَّ أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ ثُمَّ أَتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ﴾ [المائدة: ٩٣]. وهي المرتبةُ الثالثةُ حسب ما تقدّم
بيانه في ((المائدة))(١). وقيل: هو ما كان عليه الجاهلية من الزنى الظاهر واتخاذٍ
الحلائلِ في الباطن (٢). وما قدّمنا جامعٌ لكل إثمٍ (٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌّ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ
١٢
لَيُوحُونَ إِلَى أَوْ لِيَآَيِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَ يُذْكَرٍ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فيه خمس
مسائل :
الأولى: روى أبو داود(٤) قال: جاءت اليهود إلى النبيّ #، فقالوا: نأكل مما
قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَّ يُذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ
عَيْهِ﴾ إلى آخر الآية.
وروى النَّسائيّ عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ
عَلَيْهِ﴾، قال: خاصمهم المشركون، فقالوا: ما ذبح الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم
أكلتموه(٥)! فقال الله سبحانه لهم: لا تأكلوا؛ فإنكم لم تذكروا اسمَ الله عليها. وتنشأ
هنا مسألةٌ أصولية، وهي :
(١) ١٦٧/٨ .
(٢) تفسير البغوي ١٢٦/٢، والنكت والعيون ١٦٠/٢.
(٣) بعدها في (م): وموجب لكل أمر.
(٤) برقم (٢٨١٩) من حديث ابن عباس ، وسلف قريباً.
(٥) سنن النسائي المجتبى ٢٣٧/٧، والكبرى (٤٥١١) (١١١٠٦) والكلام بعده من أحكام القرآن لابن
العربي ٧٣٩/٢ . وقوله: خاصمهم المشركون، أي: خاصم المؤمنين المشركون: فقالوا في معرض
الاستدلال على بطلان دين المسلمين: بأنكم تحرمون ذبيحة الله تعالى التي هي الميتة، وتحللون
ذبيحتكم !. قاله السندي في حاشيته على النسائي. والحديث سلف بنحوه قريباً.

١٢
سورة الأنعام: الآية ١٢١
الثانية: وذلك أنَّ اللفظَ الواردَ على سبب؛ هل يُقصَر عليه أم لا؟ فقال علماؤنا :
لا إشكالَ في صحة دعوى العمومِ فيما يذكره الشارع ابتداءً من صِيَغ ألفاظِ العموم.
أما ما ذكره جواباً لسؤال ففيه تفصيل، على ما هو معروفٌ في أصول الفقه (١)؛ إلا أنه
إنْ أتى بلفظ مستقلّ دون السؤالِ لَحِقٍ(٢) بالأوّل في صحة القصدِ إلى التعميم؛ فقوله:
((لا تأكلوا)) ظاهرٌ في تناول الميتة، ويدخلُ فيه ما ذُكر عليه غيرُ اسم الله بعموم أنه لم
يذكر عليه اسم الله، وبزيادة ذكرٍ غيرِ اسم الله سبحانه عليه الذي يقتضي تحريمه نصًّا
بقوله: ﴿وَمَآ أُهِلَ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وهل يدخل فيه ما ترك المسلم التسميةَ
عمداً عليه من الذبح، وعند إرسالِ الصيد؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال
خمسة، وهي المسألة(٣).
الثالثة: القول الأوّل: إنْ تركها سهواً أُكِلَا جميعاً؛ وهو قولُ إسحاقَ وروايةٌ عن
أحمد بن حنبل. فإنْ تركها عمداً لم يُؤكلًا؛ وقاله في الكتاب (٤) مالكٌ وابنُ القاسم،
وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابِهِ والثوريِّ والحسن بنٍ حيّ وعيسى وأَضْبَغ، وقاله سعيد
ابنُ جُبير وعطاء، واختاره النحاس(٥)، وقال: هذا حسن(٦)؛ لأنه لا يُسَمَّى فاسقاً إذا
کان ناسياً.
الثاني: إنْ تركها عامداً أو ناسياً يأكلُهما. وهو قولُ الشافعي والحسن، ورُوي
ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء وسعيد بن المسيّب(٧) وجابر بن زيد وعِكرمة
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٧٣٩/٢. وينظر المحصول في أصول الفقه له ص٧٨ - ٧٩ .
(٢) في (ظ): إلا أنه أتى بلفظ مستقل دون السؤال ولحق.
(٣) قوله: المسألة، من (م). وما قبله بنحوه في أحكام القرآن لابن العربي ٧٣٩/٢ .
(٤) ٢/ ٥١ .
(٥) في معاني القرآن ٢/ ٤٨١، وينظر الناسخ والمنسوخ له ٣٥٣/٢، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
لمكي ص٢٨٧، وأحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٤٠ .
(٦) في (د) و(ز) و(ظ): أحسن، والمثبت من (خ) و(م)، وهو الموافق لمعاني القرآن للنحاس.
(٧) بعدها في (خ) و(ظ) و(م): والحسن. وقد سلف ذكره، والمثبت من (د) و(ز).

١٣
سورة الأنعام: الآية ١٢١
وأبي عِياض وأبي رافع وطاوس وإبراهيم النَّخَعِيّ وعبد الرحمن بن أبي لَيْلى
وقتادة(١).
وحكى الزَّهْرَاوِيُّ عن مالك بن أنس أنه قال: تؤكلُ الذبيحة التي تُركت التسميةُ
عليها عمداً أو نسياناً. وعن ربيعة أيضاً.
قال عبد الوهّاب (٢): التسمية سُنةٌ؛ فإذا تركها الذابح ناسياً أُكلت الذبيحةُ في قول
مالك وأصحابِهِ(٣).
الثالث: إنْ تركها عامداً أو ساهياً حَرُم أكلُها. قاله محمد بن سِيرين وعبد الله بنُ
عياش(٤) بنِ أبي ربيعةً وعبد الله بنُ عمر ونافع وعبد الله بنُ يزيد(٥) الخَظْمِيُّ
والشَّعبيُّ؛ وبه قال أبو ثور وداود بن عليّ وأحمدُ في رواية (٦).
الرابع: إنْ تركّها عامداً كُره أكلُها؛ قاله القاضي أبو الحسن والشيخ أبو بكر من
علمائنا(٧).
الخامس: قال أشهب(٨): تؤكل ذبيحةُ تاركِ التسميةِ عمداً إلا أنْ يكون مستخِفًّا،
.(٩)
وقال نحوَه الطبري
(١) الاستذكار ٢١٦/١٥ - ٢١٧، وأحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٤٠ . وليس فيهما ذكر أبي عياض.
(٢) في المعونة ٦٦٥/١، و٦٩٨/٢.
(٣) المحرر الوجيز ٣٤٠/٢ .
(٤) في النسخ الخطية: عبد الله بن عباس، وهو خطأ، والكلام في المحرر الوجيز ٢/ ٣٤٠، بنحوه،
وينظر الموطأ ٤٨٨/٢، وعبد الله بن عياش وُلد بالحبشة حيث هاجر إليها أبوه، وكان قديم الإسلام،
وأدرك عبد الله من حياة النبي # ثمان سنين، ومات سنة (٦٤هـ). ينظر الإصابة ١٨٨/٦.
(٥) في النسخ: عبد الله بن زيد، وهو عبد الله بن يزيد بن زيد، والمثبت من المحرر الوجيز، وينظر
تفسير الطبري ٩/ ٥٢٩ .
(٦) التمهيد ٣٠٢/٢٢، والاستذكار ٢٢٠/١٥، وأحكام القرآن لابن العربي ٧٤٠/٢، والمغني ٢٥٨/١٣.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٤٠ . أبو الحسن: هو ابن القصار، وأبو بكر: هو الأبهري.
(٨) في النوادر والزيادات ٤/ ٣٦٠ .
(٩) تفسيره ٩/ ٥٣٢، والمحرر الوجيز ٢/ ٣٤٠، وعنه نقل المصنف.

١٤
سورة الأنعام: الآية ١٢١
[قال القاضي أبو بكر: يجب أنْ تُعلَّقَ هذه الأحكامُ بالقرآن والسنة والدلائل
المعنوية التي أسستها الشريعة، فأما القرآن فقد] قال(١) الله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ
أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَمْ يُؤْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾، فبيّن الحالين
وأَوضَح الحكمين. فقوله: ((لا تأكلوا)) نهيّ [محمولٌ] على التحريم، [و] لا يجوز
حملُه على الكراهة؛ لتناوله في بعض مقتضياته الحرامَ المحضَ، ولا يجوز أنْ
يتبعّض، أي: يراد به التحريم والكراهة معاً؛ وهذا من نفيس [علم] الأصول (٢).
وأما النَّاسي فلا خطابَ توجَّه إليه؛ إذْ يستحيلُ خطابُه، فالشَّرط ليس بواجب
عليه(٣).
وأما التارك للتسمية عمداً فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يتركّها إذا أضجع
الذبيحةَ ويقول: قلبي مملوءٌ من أسماء اللهِ تعالى وتوحيدِه، فلا أفتقرُ إلى ذكر [ذلك]
بلساني؛ فذلك يجزئه؛ لأنه ذكر الله جلّ جلاله وعّمه. أو يقول: إنَّ هذا ليس
بموضع تسمية صريحة؛ إذْ ليست بقربة؛ فهذا أيضاً يجزئه [لكونه على مذهبٍ يصحُّ
اعتقادُه اجتهاداً للمجتهد فيه وتقليداً لمن قلَّده]. أو يقول: لا أُسمِّي، وأيُّ قذرٍ
للتسمية؟ فهذا متهاون [كافر] فاسقٌ لا تؤكلُ ذبيحته. قال ابن العربيّ(٤): واعجب
لرأس المحققين إمام الحرمين حيث قال: ذِكرُ اللهِ تعالى إنما شُرع في القُرَب،
والذّبح ليس بقُرْبة. وهذا يعارِض القرآن والسنة؛ قال # في الصحيح: ((ما أنهر الدّمَ
وذُكر اسمُ الله عليه فَكُلْ»(٥). فإن قيل: المرادُ بذكر اسم الله بالقلب(٦)؛ لأنَّ الذكر
(١) قبلها في (خ) و(ظ): أدلة.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٤٠، وما بين حاصرتين منه.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٧٤٢/٢ .
(٤) في أحكام القرآن لابن العربي ٧٤٢/٢، وما قبله وبين حاصرتين منه.
(٥) قطعة من حديث رافع بن خديج أخرجه أحمد (١٥٨٠٦)، والبخاري (٢٥٠٧)، ومسلم (١٩٦٨).
(٦) في النسخ: القلب، والمثبت من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن ٧٤١/٢ .

١٥
سورة الأنعام: الآية ١٢١
يضادّ النسيانَ، ومحلُّ النسيانِ القلبُ، فمحلُّ الذكرِ القلبُ، وقد روى البَرَاء بن
عازب: ((اسم الله على قلب كل مؤمن سَمَّى أو لم يسمّ))(١) [ولهذا تجزئه الذبيحة إذا
نسي التسمية تعويلاً على ما في قلبه من اسم الله سبحانه].
قلنا: الذكر باللسان وبالقلب، والذي كانت العرب تفعلُه تسمية الأصنام والنُّصُبِ
باللسان، فنسخ الله ذلك بذكره في الألسنة، واشتهر ذلك(٢) في الشريعة حتى قيل
المالك: هل يُسَمِّي الله تعالى إذا توضأ؟ فقال: أيريدُ أنْ يَذْبِح(٣)؟!
وأما الحديثُ الذي تعلَّقوا به من قوله: ((اسمُ اللهِ على قلب كلِّ مؤمن)» فحديث
ضعيفٌ [لا تَلتَفْتُوا إليه](٤).
وقد استدلّ جماعةٌ من أهل العلم على أنَّ التسميةَ على الذبيحة ليست بواجبة
بقوله(٥) عليه الصلاة والسلام لأناس سألوه، قالوا: يا رسول الله، إنَّ قوماً يأتوننا
باللّحم؛ لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال رسول الله﴾: ((سَمُّوا اللهَ عليه
وكلوا)). أخرجه الدّار قطنيّ عن عائشةَ(٦)، ومالكٌ(٧) مرسلاً عن هشام بن عروةً عن
(١) لم نقف عليه من حديث البراء عند غير ابن قدامة في المغني ٢٥٨/١٣ وهو ضعيف كما سيذكر
المصنف. وأخرجه ابن عدي في الكامل ٢٣٨١/٦، والدارقطني (٤٨٠٣)، والبيهقي ٩/ ٢٤٠ من
حديث أبي هريرة ﴾ بنحوه، ونقل ابن عدي عن أحمد تضعيفه. وأخرجه الدارقطني (٤٨٠٨)، والبيهقي
٢٣٩/٩ من حديث ابن عباس مرفوعاً بنحوه، وأعله ابن القطان كما في نصب الراية ٤/ ١٨٢ ، وأخرجه
أيضاً عبد الرزاق (٨٥٤٨)، والدارقطني (٤٨٠٦) عن ابن عباس من قوله بنحوه.
وأخرجه أبو داود في المراسيل (٣٧٨) عن الصّلت السدوسي مرسلاً، ونقل الزيلعي في نصب الراية
٤/ ١٨٣ عن ابن القطان قوله: وفيه [أي الحديث] مع الإرسال أن الصلت لا يعرف له حال، ولا يعرف
بغير هذا.
(٢) في أحكام القرآن ٧٤١/٢ : واستمر ذلك.
(٣) في (د) و(ظ): أتريد أن تذبح، والمثبت من (خ) و(د) و(م).
(٤) أحكام القرآن ٢/ ٧٤٠ - ٧٤١ .
(٥) في (د) و(ز) و(م): لقوله، والمثبت من (خ) و(ظ).
(٦) برقم (٤٨٠٩)، وأخرجه أيضاً البخاري (٢٠٥٧)، وأبو داود (٢٨٢٩)، والنسائي ٢٣٧/٧، وابن ماجه
(٣١٧٤).
(٧) في الموطأ ٤٨٨/٢ .

١٦
سورة الأنعام: الآية ١٢١
أبيه، لم يُختلف عليه في إرساله، وتأوّله بأنْ قال في آخره: وذلك في أوّل الإسلام.
يريد قبلَ أنْ ينزلَ عليه: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. قال أبو عمر (١):
وهذا ضعيفٌ، وفي الحديث نفسِه ما يردّه، وذلك أنه أمرهم فيه بتسمية اللهِ على
الأكل؛ فدلَّ على أنَّ الآيةَ قد كانت نزلتْ عليه. ومما يدلُّ على صحة ما قلناه أنَّ هذا
الحديثَ كان بالمدينة، ولا يختلف العلماء أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَ يُذْكَرِ
أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾ نزل في سورة ((الأنعام)) بمكة.
ومعنى ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، أي: لَمعصية؛ عن ابن عباس(٢). والفِسْق: الخروج؛
وقد تقدّم(٣).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُؤُحُونَ إِلَى أَوْ لِيَآَيِهِمْ﴾، أي: يوسوسون
فيُلقون في قلوبهم الجِدالَ بالباطل(٤).
روى أبو داود(٥) عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُؤُحُونَ إِلَى أَوْلِيَّآْبِهِمْ﴾
يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكُلُوه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا
لَ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
قال عِكرمة: عنَى بالشياطين في هذه الآية مَرَدةَ الإنسِ من مَجُوس فارس.
وقال ابن عباس وعبد الله بنُ كثير: بل الشياطين الجنُّ، وكفرة الجن أولياءُ
قریش(٦).
ورُوي عن عبد الله بن الزبير أنه قيل له: إنَّ المختارَ يقول: يُوحَى إليَّ، فقال:
(١) في التمهيد ٢٩٩/٢٢ - ٣٠٠، وما قبله منه بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٥٣٠ .
(٣) ٣٦٨/١.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٢٨٧، وتفسير البغوي ٢/ ١٢٧ .
(٥) برقم (٢٨١٨)، وسلف بنحوه ص٨ من هذا الجزء.
(٦) المحرر الوجيز ٢/ ٣٤٠، والأقوال بنحوها في تفسير الطبري ٥٢٠/٩ - ٥٢٢.

١٧
سورة الأنعام: الآية ١٢١
صدق، إنَّ الشياطينَ ليوحون إلى أوليائهم(١).
وقولُهُ(٢): (ليجادلوكم)). يريد قولهم: ما قتل الله لم تأكلوه، وما قتلتموه(٣)
أكلتموه!
والمجادلة: دفعُ القولِ على طريق الحجةِ بالقوّة؛ مأخوذٌ من الأجدل: طائر
قوِيٌّ.
وقيل: هو مأخوذٌ من الجدالة، وهي الأرضُ؛ فکأنه یغلِہ بالحجة ویقھرُه حتى
یصیر کالمجدول بالأرض.
وقيل: هو مأخوذٌ من الجَدْل، وهو شدّةُ الفَتْل؛ فكأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يفتِلُ حُجةً
صاحبِهِ حتى يقطعَها، وتكون حقًّا في نصرة الحقِّ، وباطلاً في نصرة الباطل (٤).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾، أي: في تحليل الميتة ﴿إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾.
فدلّت الآية على أنَّ من استحلّ شيئاً مما حرّم الله تعالى صار به مُشرِكاً. وقد حرَّم الله
سبحانه الميتة نصًّا؛ فإذا قَبل تحليلَها من غيره فقد أشرك(٥).
قال ابن العربيّ: إنما يكونُ المؤمن بطاعة المشرك مشركاً إذا أطاعه في الاعتقاد
[الذي هو محلُّ الكفر والإيمانِ]؛ فأما إذا أطاعه(٦) في الفعل وعقْدُه سليمٌ مستمرٌ
على التوحيد والتصديق فهو عاصٍ؛ فافهموه (٧). وقد مضى في ((المائدة))(٨).
(١) تفسير أبي الليث ١/ ٥١٠ . وأخرجه الطبري ٩/ ٥٣٠ عن ابن عباس، وابن أبي حاتم ١٣٧٩/٤، عن
ابن عمر وابن عباس. والمختار هو أبو إسحاق بن أبي عُبيد الثقفي.
(٢) لفظة: قوله، من (م)، وكذلك لفظة: قولهم، الآتية.
(٣) في (خ) و(ظ): قتلتم.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٧٤٢/٢ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ٢٨٧/٢، وتفسير أبي الليث ١/ ٥١٠.
(٦) في (د) و(ز): فإن أطاعه، وفي أحكام القرآن: فإذا أطاعه.
(٧) أحكام القرآن ٧٤٣/٢ ، وما بين حاصرتين منه.
(٨) ٨/ ١٠٧.

١٨
سورة الأنعام: الآية ١٢٢
قوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَخْبَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِهِ فِى النَّاسِ
كَمَن مَّثَلُ فِ الظُلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِينَ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ
١٢٢
قوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَخْبَيْنَهُ﴾ قرأ الجمهور بفتح الواو، دخلت عليها
همزة الاستفهام. وروى المُسَيَّبيّ(١) عن نافع بن أبي نعيم: ((أَوْ مَنْ كَانَ)) بإسكان
الواو. قال النحاس(٢): يجوز أنْ يكونَ محمولاً على المعنى، أي: انظروا
وتدبروا(٣): أغيرَ اللهِ أبتغِي حَكَماً، أَوْ مَنْ كان مَيْتاً فأحييناه؟ قيل: معناه: كان ميتاً
حين كان نطفةً، فأحييناه بنفخ الروح فيه؛ حكاه ابن بحر (٤). وقال ابن عباس: أو من
كان كافراً فهديناه(٥). نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل(٦).
وقال زيد بن أسْلم والسُّدّي: ((فَأَخْيَيْنَاهُ»: عمر ﴾. ((كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ)»: أبو
جهل لعنه الله(٧).
والصحيح أنها عامّةٌ في كل مؤمن وكافر(٨).
وقيل: كان ميتاً بالجهل فأحييناه بالعلم. وأنشد بعض أهل العلم ما يدل على
صحة هذا التأويلِ لبعض شعراء البصرة:
(١) هو أبو عبد الله محمد بن إسحاق المدني الثقة، أخذ القراءة عرضاً عن أبيه عن نافع، روى عنه مسلم
وأبو داود. كان من العلماء العاملين، مات سنة (٢٣٦). طبقات القراء ٩٨/٢.
(٢) في إعراب القرآن ٩٤/٢، وما قبله منه.
(٣) في إعراب القرآن: وتبيَّنوا.
(٤) النكت والعيون ١٦٣/٢ . وابن بحر: هو علي بن إبراهيم بن سلمة.
(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٥٣٥ .
(٦) تفسير البغوي ١٢٨/٢ وأسباب النزول للواحدي ص٢١٩، وتفسير الرازي ١٧٢/١٣ .
(٧) قول زيد بن أسلم أورده الواحدي في الوسيط ٣١٩/٢، وقول السدي أورده النحاس في معاني القرآن
٤٨٣/٢، وأخرجه الطبري ٥/ ٥٣٣ عن الضحاك.
(٨) معاني القرآن للزجاج ٢٨٨/٢، وتفسير الرازي ١٧٣/١٢ .

١٩
سورة الأنعام: الآيتان ١٢٢ - ١٢٣
فأجسامُهم قبلَ القبور قبورُ
وفي الجهل قبلَ الموتِ موتٌ لأهله
فليس له حتى النُّشور نشورُ(١)
وإنّ امرأً لم يَحْيَ بالعلم ميّتٌ
والنُّور عبارةٌ عن الهُدَى والإيمان. وقال الحسن: القرآن(٢). وقيل: الحكمة(٣).
وقيل: هو النُّورُ المذكور في قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَيِأَيْمَتِهِ﴾ وقولِه:
﴿أَنْظُرُوْنَا نَقْتَبِسْ مِن نُُّرِكُمْ﴾ (٤) [الحديد: ١٢ -١٣].
﴿يَمْشِى بِهِ﴾، أي: بالنور ﴿فِي النَّاسِ كَمَنْ مَّثَلُهُ فِ الظُّلُمَتِ﴾، أي: كمن هو؛
فـ ((مثل)) زائدةٌ(٥). تقول: أنا أُكرم مثلكَ؛ أي: أُكرمك. ومِثْلُه: ﴿فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ
النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
وقيل: المعنى: كمن مَثَلُه مَثَلُ من هو في الظلمات(٦). والمَثَل والمِثْل واحدٌ.
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: زَيَّن لهم الشيطان عبادةَ
الأصنام(٧)، وأوهمهم أنهم أفضلُ من المسلمين.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا
يَمْكُرُونَ إِلَّا يَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُونَ
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِ كُلِّ ◌َرَبَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ المعنى: وكما زيَّنًا
للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلْنا في كل قرية ﴿مُجْرِمِيهَا﴾(٨) مفعول أوّل لجعَل
(١) النكت والعيون ١٦٣/٢.
(٢) أورده الماوردي في النكت والعيون ١٦٣/٢، وابن الجوزي في زاد المسير ١١٧/٣.
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٨٨/٢ .
(٤) المحرر الوجيز ٣٤١/٢ .
(٥) تفسير البغوي ١٢٨/٢، والوسيط ١١٧/٣.
(٦) تفسير الطبري ٩/ ٥٣٣.
(٧) ذكره البغوي ١٢٨/٢ من قول ابن عباس.
(٨) معاني القرآن للزجاج ٢٨٨/٢، وتفسير الطبري ٩/ ٥٣٧.

٢٠
سورة الأنعام: الآيتان ١٢٣ - ١٢٤
﴿أَكَبِرَ﴾ الثاني، على التقديم والتأخير. وجَعل بمعنى صيَّر. والأكابرُ جمعُ
الأكبر(١). قال مجاهد: يريد العظماءَ(٢). وقيل: الرؤساء والعظماء، وخصّهم بالذكر؛
لأنهم أقدرُ على الفساد(٣).
والمكر: الحيلةُ في مخالفة الاستقامة، وأصله الفتلُ؛ فالماكر يَفْتِل عن
الاستقامة، أي: يَصرِفُ عنها.
قال مجاهد: كانوا يجلسون على كل عَقَبَةٍ أربعةً ينفّرون الناس عن اتباع
النبيِّ ﴾(٤)؛ كما فعل من قبلَهم من الأمم السالفةِ بأنبيائهم.
﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا يَأَنْفُسِهِمْ﴾، أي: ويَالُ مكرِهم راجعٌ إليهم. وهو من الله عزَّ
وجلَّ الجزاءُ على مكر الماكرين بالعذاب الأليم(٥). ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ في الحال؛
لِفَرْط جهلِهم أنَّ وبالَ مكرِهم عائدٌ إليهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن تُؤْمِنَ حَّ تُؤْقَى مِثْلَ مَا أُوْنِىَ رُسُلُ اللّهِ
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُّ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارُ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ
٢١٢٤
شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن ◌ُؤْمِنَ﴾ بَيْنَ شيئاً آخرَ من جهلهم، وهو
أنهم قالوا: لن نؤمنَ حتى نكونَ أنبياء، فنُؤْتَى مثلَ ما أُوتي موسى وعيسى من
الآيات(٦)؛ ونظيرُه: ﴿بَلْ بُرِيدُ كُلُّ أَمْرِكٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْقَ صُحُفًا مُنَثَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢].
والكناية في ((جاءتهم)) ترجع إلى الأكابر الذين جرى ذكرهم. قال الوليد بن
(١) مشكل إعراب القرآن ٢٦٨/١، والمحرر الوجيز ٣٤١/٢.
(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٥٣٧ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٨٨/٢، ومعاني القرآن للنحاس ٢/ ٤٨٤.
(٤) أورده الواحدي في الوسيط ٣١٩/٢، وابن الجوزي في زاد المسير ١١٨/٣.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤٨٤/٢، وتفسير الطبري ٩/ ٥٣٧ .
(٦) تفسير الطبري ٥٣٩/٩ .