Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
سورة الأنعام: الآيتان ٢٣ - ٢٤
وفي صحيح مسلم(١) من حديث أبي هريرة قال: ((فيلقَى العبدَ، فيقولُ: أي
قُلْ(٢)! ألم أُكْرِمْكَ وأُسَوِّدْك وأُزوّجْك، وأُسخِّرْ لك الخيل والإبل، وأَذرْكَ تَرْأَس
وتَرْبَع(٣)؟ فيقول: بلى (٤). فيقولُ: أفظنَنْتَ أنك مُلاقيَّ؟ فيقول: لا. فيقولُ: فإني
أنساك كما نَسِيتَني. ثم يلقى الثاني، فيقولُ له [مثل ذلك]، ويقول هو مثلَ ذلك بعينه.
ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك. فیقول: يا ربِّ! آمنت بك ویکتابك
وبرسولك(٥)، وصَلَّيتُ وصُمتُ وتَصدقتُ، ويُثني بخيرٍ ما استطاع. قال: فيقال: هاهنا
إِذاً. ثم يقال له: الآن نَبعثُ شاهداً عليك. فيفكِّر(٦) في نفسه: مَن ذا الذي يشهد عليَّ؟
فيُختَم على فِيهِ، ويقال لِفَخذِهِ ولحمه وعظامه: انطِقِي. فَتَنْطِقُ فخِذُه ولحمُه وعظامه
بعمله، وذلك ليُعذِر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي سَخِط الله عليه))(٧).
قوله تعالى: ﴿أَتُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَُّونَ
٢٤
قوله تعالى: ﴿أَتُرَ كَيْفَ كَذَّبُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ كَذْبُ المشركين(٨) قولُهم: إنَّ عبادة
(١) برقم (٢٩٦٨)، ورواية المصنف للحديث موافقة لروايته في المفهم ٧/ ١٩٧ - ١٩٨، وما سيرد بين
حاصرتين منه.
(٢) أي: يا فلان، وهو ترخيم على خلاف القياس، وقيل: هي لغة بمعنى فلان. شرح النووي لصحيح
مسلم ١٠٣/١٨.
(٣) في النسخ الخطية: وترتع، والمثبت من (م) والمصادر.
(٤) بعدها في (م) ومطبوع صحيح مسلم: أي رب.
(٥) في (د) ومطبوع صحيح مسلم: وبرسلك.
(٦) في (م) ومطبوع صحيح مسلم: ويتفكر، وفي (د): فتفكر.
(٧) قوله: أسوِّدك، أي: جعلتك سيداً، وقوله: وتربع، أي تأخذ الربع فيما يحصل لقومك من الغنائم
والكسب. وقوله: أنساك كما نسيتني، أي: أتركك في العذاب كما تركت معرفتي وعبادتي. وقوله:
هاهنا إذاً، يعني: أهاهنا تكذب وتقول غير الحق. المفهم ٧/ ١٩٧ - ١٩٨ . وقال النووي في شرحه
لصحيح مسلم ١٠٣/١٨ : قوله: هاهنا إذاً، معناه: قف هاهنا حتی یشهد علیك جوارحك؛ إذ قد
صرت منكِراً.
(٨) في (خ) و(ز): المشرك، وفي (د) و(ظ): المشركون.

٣٤٢
سورة الأنعام: الآية ٢٤
الأصنام تُقَرِّبنا (١) إلى الله زُلْفَى، بل ظَنُّوا ذلك، وظَنُّهم الخطأُ لا يُعذِرهم ولا يُزيلُ
اسمَ الكذب عنهم، وكَذِبُ المنافقين(٢) باعتذارهم بالباطل، وجَحْدِهم نفاقَهم.
﴿وَضَلَّ عَنْهُ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: وانظر كيف ضلَّ عنهم افتراؤهم، أي: تَلَاشى
وبطَّل ما كانوا يظنُّونه من شفاعة آلهتهم.
وقيل: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمُ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، أي: فارقهم ما كانوا يعبدون من دون الله،
فلم يُغْنِ عنهم شيئاً؛ عن الحسن(٣). وقيل: المعنى: عَزَب (٤) عنهم افتراؤهم؛
لدَهَشِهم وذهولِ عقولهم.
والنظر في قوله: ((انظر))، يُراد به نظرُ الاعتبار، ثم قيل: ((كَذَبُوا)) بمعنى:
يَكَذِبون، فعبَّر عنه بالماضي(٥)، وجاز أن يكذِبوا في الآخرة؛ لأنَّه موضعُ دَهَشٍ
وحيرةٍ وذهولِ عقل.
وقيل: لا يجوز أن يقع منهم كذبٌ في الآخرة؛ لأنها دارُ جزاء على ما كان في
الدنيا - وعلى هذا أكثرُ أهل النَّظر - وإنما ذلك في الدنيا، فمعنى ﴿وَاللَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّ
مُشْرِكِينَ﴾ على هذا: ما كنا مشركين عند أنفسنا (٦).
وعلى جواز أن يَكذِبوا في الآخرة يعارضُه قوله: ﴿وَلَا يَكْتُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾
[النساء: ٤٢]، ولا معارضةَ ولا تناقُضَ، لا يَكتمون الله حديثاً في بعض المواطن إذا
شهِدت عليهم ألسنتُهم وأيديهم وأرجلُهم بعملهم، ويكذبون على أنفسهم في بعض
المواطن قَبْل شهادة الجوارح على ما تقدَّم. والله أعلم.
(١) في (خ) و(ظ): تقربهم.
(٢) في (خ) و(ز): المنافق، وفي (د): المنافقون.
(٣) ذكره بنحوه الطبرسي في مجمع البيان ٧/ ٣١.
(٤) أي: ذهب. معجم متن اللغة (عزب).
(٥) في (م): عن المستقبل بالماضي.
(٦) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٢/ ١٠٢ عن قطرب، وتتمته: لاعتقادنا فيها أننا على صواب، وإن
ظهر لنا خطؤه الآن.

٣٤٣
سورة الأنعام: الآية ٢٤
وقال سعيد بنُ جُبَير في قوله تعالى: ﴿وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، قال: اعتذَروا
وحَلَفوا. وكذلك قال ابنُ أبي نَجِيح وقَتَادة، ورُوي عن مجاهد أنه قال: لمَّا رأَوا
الذنوبَ(١) تُغفر إلا الشركَ بالله، والناسَ يخرجون من النار [إلا المشركين] قالوا :
﴿وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّ مُشْرِكِينَ﴾(٢).
وقيل: ﴿وَِّ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أي: علمنا أنَّ الأحجار لا تضرُّ ولا تنفع. وهذا
وإن كان صحيحاً من القول، فقد صَدَقوا ولم يكتموا، ولكنْ لا يُعذَرون بهذا؛ فإنَّ
المعاند کافرٌ غيرُ معذور.
ثم قيل في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ﴾ خمسُ قراءات(٣): قرأ حمزة والكِسائيّ:
(يَكُنْ)) بالياء، ((فَتْنَتَهُم)) بالنصب خبر ((يكن))، ((إِلَّا أَنْ قَالُوا)) اسمُها، أي: إلَّا قولُهم،
وهذه قراءةٌ بيِّنة.
وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو: ((تَكُنْ)) بالتاء، ((فِتْنَتَهُم)» بالنصب(٤)، ((إِلَّا أَنْ قَالُوا))
أي: إلا مقالتُهم.
وقرأ أُبيِّ وابنُ مسعود: ((وما كان - بدلَ قوله: ((ثم لم تكن)) - فتنَتَهُم إِلَّا أنْ
قالوا)»(٥).
وقرأ ابن عامر، وعاصمٌ مِن رواية حفص، والأعمشُ من رواية المفضَّل،
والحسنُ وقَتَادةُ وغيرُهم: ((ثم لم تَكُنْ)) بالتاء، ((فتْنَتُهُم)) بالرفع(٦) اسم ((تكن))،
(١) في (م): أن الذنوب.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٤٠٨/٢، وما بين حاصرتين منه، وأخرج الآثار المذكورة الطبري ٩/ ١٩١ و١٩٤.
(٣) نقلها المصنف بتمامها من إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٦٠ - ٦١، وينظر تفصيلها (كما سيأتي) في
السبعة ص ٢٥٥، والتيسير ص١٠١ - ١٠٢، والنشر ٢٥٧/٢ .
(٤) هي قراءة نافع وأبي جعفر من أهل المدينة، وأبي عمرو وعاصم في رواية شعبة وخلف من العشرة.
(٥) ذكرها بالإضافة إلى النحاس ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٧٨/٢، وأبو حيان في البحر ٩٥/٤ .
(٦) ووافقهم ابن كثير من السبعة، كما في السبعة والتيسير.

٣٤٤
سورة الأنعام: الآيتان ٢٤ - ٢٥
والخبرُ: ((إِلَّا أَنْ قالوا)»، فهذه أربعُ قراءات.
الخامسة: ((ثم لم يَكُنْ)) بالياء، ((فِتْنَتُهُم)) بالرفع (١)، يذكِّر الفتنةَ لأنها بمعنى
الفُتون، ومثلُه: ﴿فَمَن ◌َهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْثَهَى﴾ [البقرة: ٢٧٥].
((واللهِ)) الواوُ واوُ القسم، (رَبِّنَا)) نعتٌ لله عزَّ وجلَّ، أو بدل. ومَن نَصَبَ، فعَلَى
النداء، أي: يا ربَّنا، وهي قراءةٌ حسنة؛ لأن فيها معنى الاستكانة والتضرُّع، إلَّا أنه
فَصَل بين القَسَم وجوابِهِ بالمنادى(٢).
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم ◌َن يَسْتَمِعُ إِلَيٌّْ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيْ ءَاذَانِهِمْ
وَقْرَأْ وَإِن يَرَوْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِّ حََّ إِذَا جَاءُوَ يُحَدِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ
هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٥)
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم ◌َن يَسْتَمِعُ إلَكٌ﴾. [أفرد] على اللفظ(٣)، يعني: المشركينَ
كفار مكة.
﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ﴾ أي: فعلنا ذلك بهم مُجازاةً على كفرهم. وليس المعنى
أنهم لا يسمعون ولا يفقهون، ولكنْ لمَّا كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، ولا ينقادون
إلى الحقِّ، كانوا بمنزلة مَن لا يسمعُ ولا يفهم (٤).
والأَكِنَّة: الأَغْطِية، جمع كِنَان، مثلُ: الأَسِنَّة والسِّنان، والأَعِنَّة والعِنان(٥). كَتَنْتُ
الشيء في كِنِّه: إذا صُنْتَه فيه. وأَكنتُ الشيء: أخفيتُه. والكِنانة معروفة. والكُنَّة؛ بفتح
(١) في (خ) و(ز) و(ظ) و(م): رفع، والمثبت من (د) وإعراب القرآن للنحاس. والقراءة ذكرها ابن خالويه
في القراءات الشاذة ص٣٦ عن المفضل عن عاصم والأعمش.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٦١/٢، وقرأ: ((ربَّنا)) بالنصب حمزة والكسائي من السبعة، وخلف من
العشرة، والباقون بالخفض. السبعة ص٢٥٥، والتيسير ص١٠٢، والنشر ٢/ ٢٥٧.
(٣) المحرر الوجيز ٢٧٩/٢، وما بين حاصرتين منه، وقال أبو حيان في البحر ٤/ ٩٧: وحَّد الضمير في
(يستمع)) حملاً على لفظ ((مَنْ))، وجمعَه في ((على قلوبهم) حملاً على معناها.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤٠٩/٢ .
(٥) تفسير الطبري ٩/ ١٩٧، ومعاني القرآن للزجاج ٢٣٦/٢.

٣٤٥
سورة الأنعام: الآية ٢٥
الكاف والنون: امرأةُ ابنك(١) - ويقال: امرأةُ الابن أو الأخ(٢) - لأنها في كِنِّه.
﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: يفهموه، وهو في موضع نصب، المعنى: كراهيةَ أن يَفهموه،
أو: لئلا يفهموه(٣).
﴿وَفِّ ءَذَانِهِمْ وَقْرَأْ﴾ عطفٌ عليه، أي: ثِقَلاً، يقال منه: وَقِرَتْ أُذُنُه - بفتح الواو -
تَوْقَر وَقْراً، أي: صَمَّتْ، وقیاسُ مصدرِه التحریكُ؛ إلا أنه جاء بالتسكين. وقد وَقَر
الله أُذُنَه يَقِرُها وَقْراً؛ يقال: اللهمَّ قِرْ أُذْنَه(٤). وحكى أبو زيد عن العرب: أُذُنّ
موقورة، على ما لم يُسمَّ فاعلُه، فعلى هذا: وُقِرَت بضم الواو(٥).
وقرأ طلحة بنُ مُصَرِّف: ((وِقْراً) بكسر الواو(٦)، أي: جَعل في آذانهم ما سدَّها عن
استماع القول؛ على التشبيه بوِقْر البعير، وهو مِقدارُ ما يُطيق أن يحمل، والوِقْر:
الحِمْل؛ يقال منه: نخلة مُوقِرٍ ومُوقِرة: إذا كانت ذات ثَمَر كثير. ورجل ذُو قِرَة: إذا كان
وَقوراً؛ بفتح الواو، يقال منه: وَقُر الرجل - بضم القاف ـ وَقاراً، ووَقَر - بفتح القاف -
أيضاً(٧).
قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوَأْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِأَ﴾ أخبر الله تعالى بعِنادهم؛ لأنهم لمَّا
رأَوا القمر منشقًّا قالوا: سِحر، فأخبر الله عزَّ وجلَّ بردِّهم الآياتِ بغير حجة(٨).
قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا ◌َءُوَكَ يُجَدِلُونَكَ﴾ مجادلتُهم: قولُهم: تأكلون ما قَتلتُم، ولا
(١) في (خ) و(د) و(ز) و(م): أبيك، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في مجمل اللغة ٧٦٦/٣ ،
والكلام منه.
(٢) تهذيب اللغة ٩/ ٤٥٣ .
(٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٣٦/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٦١/٢، وتفسير الطبري ١٩٨/٩.
(٤) الصحاح (وقر).
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٦١.
(٦) القراءات الشاذة ص٣٦ .
(٧) مجمل اللغة ٩٣٣/٣.
(٨) معاني القرآن للنحاس ٢/ ٤١١ .

٣٤٦
سورة الأنعام: الآية ٢٥
تأكلون ما قَتل الله، عن ابن عباس(١). ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني قريشاً، قال ابن
عباس: قالوا للنَّضْر بن الحارث: ما يقول محمد؟ قال: (ما أدري ما يقول، إلا أنّي]
أرى تحريك شفتيه، وما يقولُ إلَّا أساطيرَ الأوَّلين، مِثلَ ما أحدِّثكم عن القرون
الماضية. وكان النَّضر صاحبَ قَصص وأسفار، فسمع أقاصيصَ في ديار العجم، مثلَ
قصة رُسْتُم وأسفندِيار، فكان يحدِّثهم(٢).
وواحدُ الأساطير: أَسْطَار، كأَبيات وأباييت؛ عن الزَّجَّاج(٣). الأخفش: واحدُها
أُسْطُورة، كأُحدوثة وأحاديث(٤). أبو عُبيدة(٥): واحدُها إِسْطَارة. النَّحاس: واحدُها
أُسْطُور؛ مثلُ عُثْكُول. ويقال: هو جمعُ أَسْطَار(٦). وأَسْطارٌ جمع سَطْر؛ يقال: سَظْر
وسَطَرٌ. والسَّطر: الشيء الممتدُّ المؤلّف؛ كسَطر الكتاب. القُشيريُّ: واحدها أُسْطِير.
وقيل: هو جمعٌ لا واحدَ له كمذاکِیر وعَباديد(٧) وأبابيل(٨)، أي: ما سطَّره
الأوَّلون في الكتب. قال الجوهريُّ(٩) وغيرُه: الأساطير: الأباطيل والتُّرَّهات.
قلت: أنشدني بعضُ أشياخي :
(١) أخرجه الطبري ٩/ ٢٠١ .
(٢) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص٢٠٩ ، وابن الجوزي ١٨/٢ من طريق أبي صالح عن ابن عباس،
وما سلف بين حاصرتين منهما، وذكره البغوي ٢/ ٩٠ - ٩١ عن الكلبي، وذكره ابن هشام في السيرة
٣٥٨/١ دون نسبة.
(٣) معاني القرآن له ٢٣٨/٢، وينظر تفسير الطبري ١٩٩/٩.
(٤) ذكر الأخفش في معاني القرآن ٤٨٦/٢ هذا القول، ثم قال: ولا أراه إلا من الجمع الذي ليس له
واحد، نحو عباديد ومذاکیر وأبابيل.
(٥) في مجاز القرآن ١٨٩/١ .
(٦) كذا ذكر المصنف، والذي في إعراب القرآن للنحاس ٦١/٢: واحد الأساطير إسطارة، ويقال:
أسطورة، ويقال: هو جمع أسطار ...
وذكر الأزهري في تهذيب اللغة ٣٢٧/١٢ عن اللحياني: واحد الأساطير أُسطور وأُسطورة وأُسْطير.
(٧) في (ظ): عبابيد، والعبابيد والعباديد: الخيل المتفرقة في ذهابها ومجيئها. اللسان (عبد).
(٨) وهو قول الأخفش كما تقدم، ونقله عنه الطبري ٩/ ٢٠٠ .
(٩) في الصحاح (سطر).

٣٤٧
سورة الأنعام: الآيتان ٢٥ - ٢٦
لِتٍ أَتَى بالتُّرَّهات الأباطيلِ(١)
تَطاولَ ليلي واعترتني وَسَاوِسي
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنَْوْنَ عَنَّهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا
يَنْعُرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوَنَ عَنْهُ وَيَتْنَ عَنْهٌ﴾ النَّهي: الزَّجر، والنأيُ: البُعد، وهو
عامٌّ في جمیع الكفار، أي: ینھَون عن اتباع محمد ﴾، ویناوْنَ عنه. عن ابن عباس
والحسن(٢).
وقيل: هو خاصٌّ بأبي طالبٍ؛ ينهَى الكفارَ عن إذاية محمد ﴿، ويتباعدُ عن
الإيمان به. عن ابن عباس أيضاً (٣).
روى أهلُ السِّير قال: كان النبيُّ# قد خرج إلى الكعبة يوماً، وأراد أن يصلّيَ،
فلمَّا دخل في الصلاة، قال أبو جهل لعنه الله: مَن يقوم إلى هذا الرجل، فيفسدَ عليه
صلاتَه. فقام ابنُ الزِّبَعْرَى، فأخذ فَرْئاً ودماً، فَلَطَّخَ به وجه النبيِّ #، فانفتل النبيُّ ◌ِ
من صلاته، ثم أتى أبا طالب عَمَّه، فقال: ((يا عمِّ، ألا ترى إلى ما فُعِل بي))، فقال
أبو طالب: مَن فَعل هذا بك؟ فقال النبيُّ﴾: عبد الله بنُ الزّبَعْرَى، فقام أبو طالب،
فوضع سيفه على عاتقه، ومشى معه حتى أتى القوم، فلما رأوا أبا طالب قد أقبل،
جعل القوم ينهضون، فقال أبو طالب: والله لئن قام رجل لَجلَّلْتُه بسيفي، فقعدوا حتى
دنا إليهم، فقال: يا بُنيَّ، مَن الفاعلُ بك هذا؟ فقال: ((عبد الله بنُ الزِّبَعْرَى))، فأخذ
أبو طالب فَرْئاً ودماً، فلطّخَ به وجوههم ولِحاهم وثيابَهم، وأساء لهم القول، فنزلت
هذه الآية: ﴿وَهُمْ يَنْهَوَّنَ عَنْهُ وَيَنْقَوْنَ عَنْهُ﴾. فقال النبيُّ ﴾: ((يا عمِّ نزلت فيك آيةٌ))،
(١) كذا في النسخ، وقائل البيت معاوية بن أبي سفيان﴾، وهو في ديوانه ص٨٣ ، والكامل للمبرد
٤٢٢/١، وفيهما: البسابس، بدل: الأباطيل. والترهات البسابس: هي الباطل. الصحاح (بسبس).
(٢) أخرجه عن ابن عباس الطبري ٢٠١/٩، وذكره عن الحسن الماوردي في النكت والعيون ٢/ ١٠٤ ،
والواحدي في الوسيط ٢/ ٢٦٢ .
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢٠٦/١، وسعيد بن منصور في سننه (٨٧٤ - تفسير)، والطبري ٩/ ٢٠٤ .
قال النحاس في معاني القرآن ٢/ ٤١١: والقول الأول أشبه لأنه متصل بأخبار الكفار وقولهم.

٣٤٨
سورة الأنعام: الآية ٢٦
قال: وما هي؟ قال: ((تمنع قريشاً أن تؤذيّني، وتأبى أن تؤمن بي))، فقال
أبو طالب(١) :
حتى أُوسَّدَ في الثُّرابِ دَفِينَا
واللهِ لن يَصِلُوا إليك بجمعهم
وابْشِرْ بذاك وَقَرَّ منك عُيونَا
فاصدَعْ بأمرك(٢) ما عليكَ غضاضةٌ
فلقد صَدَقتَ وكنتَ قبلُ أَمينَا
ودَعوتَني وزعمتَ(٣) أنك ناصحِي
من خَير أَديانِ البَرِيَّة دِينًا
وَعَرَضتَ دِيناً قد عرفتُ بأنّهُ
لوجدْتَنِي سَمْحاً بذاك يَقِينا(٥)
لولا الملامةُ أو حِذارُ مَسَبَّةٍ (٤)
فقالوا: يا رسول الله، هل تنفع أبا طالب نصرتُه؟ قال: ((نعم، دُفِع عنه بذاك
الغُلُّ، ولم يُقْرَن مع الشياطين، ولم يَدخل في جُبِّ الحيَّات والعقارب، إنما عذابُه في
نعلين من نارٍ في رجليه، يَغلي منهما دماغه في رأسه، وذلك أهونُ أهل النار عذاباً».
وأنزل الله على رسوله: ﴿فَأَصْبِرْ كُمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥](٦).
وفي صحيح مسلم (٧) عن أبي هُريرة قال: قال رسول اللـه﴾ لعمِّه: ((قل: لا إله
إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة))، قال: لولا [أن] تعيِّرني قريش، يقولون: إنما
حمله على ذلك الجزَع، لأقررتُ بها عينَك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ
أَحَْيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. كذا الروايةُ المشهورة: ((الجَزَع)»
بالجيم والزاي، ومعناه: الخوف. وقال أبو عُبيد: ((الخَرَع)) بالخاء المنقوطة والراء
(١) لم نقف على هذه القصة، وما سيرد من شعر أبي طالب ذكره في قصة مغايرة لهذه القصة ابن إسحاق
في السير والمغازي ص ١٥٥، والبغوي ٩١/٢ ، وابن الجوزي ٢١/٣ وابن كثير في البداية والنهاية
١٠٨/٤ - ٠١٠٩
(٢) في (خ) و(د) و(ز) و(ظ): فامضي لأمرك، وفي السير والمغازي: امضي لأمرك، والمثبت من (م)
وباقي المصادر.
(٣) في السير والمغازي والبداية: وعلمت، وفي تفسير البغوي: وعرفت، ولم يذكر ابن الجوزي هذا البيت.
(٤) في السير والمغازي وتفسير ابن الجوزي: أو حذاري سبة.
(٥) في البداية والنهاية: ((مُبينا)).
(٦) لم نقف عليه بهذا السياق، وسيأتي قريباً تخريج الحديث في عذاب أبي طالب.
.(٧) برقم (٢٥)، وهو عند أحمد (٩٦١٠)، وما سيأتي بين حاصرتين منهما.

٣٤٩
سورة الأنعام: الآية ٢٦
المهملة. قال: يعني الضّعف والخَوَر(١).
وفي صحيح مسلم أيضاً (٢) عن ابن عباس أنَّ رسول اللـه ﴿ قال: ((أهونُ أهل
النار عذاباً أبو طالب، وهو منتعِلٌ بنعلين مِن نارٍ يغلي منهما دماغُه)».
وأما عبد الله بنُ الزِّبَعْرى، فإنه أسلم عام الفتح وحَسُن إسلامُه، واعتذر إلى
رسول الله ﴿ فقبِل عُذْرَه، وكان شاعراً مُجيداً، فقال يمدحُ النبيَّ ﴾، وله في مدحه
أشعار كثيرةٌ ينسخُ بها ما قد مضى في كفره، منها قوله :
واللَّيلُ مُعْتَلِجُ الرِّوَاقِ بَهِيمُ(٣)
مَنَعَ الرُّقادَ بَلابِلٌ وهُمومُ
فيه فيِتُّ كأنَّني مَحْمُومُ
مِمَّا أَتاني(٤) أَنَّ أحمدَ لامَني
يا خيرَ مَن حَمَلتْ على أَوْصالها
إنِّي لمعتذِرٌ إليكَ مِن الذي
عَيْرَانةٌ سُرُعُ اليدينِ غَشُومُ(٥)
أَسْدَيْتُ إذْ أَنَا في الضَّلال أَهِيمُ(٦)
سَهْمٌ وتأمُرني بها مَخْزُومُ
أيامَ تأمُرني بأَغْوَى خُطَّةٍ
أَمرُ الغُوَاةِ وأَمرُهم مَشْؤُومُ
وأَمدُّ أسبابَ الرَّدى ويَقودُني
قَلْبي ومُخْطِئُ هذه مَخْرُومُ
فاليومَ آمَنَ بالنبيِّ مُحمَّدٍ
وأَتتْ أَواصِرُ بينَنا وحُلُومُ
مَضَتِ العداوةُ وانقضتْ أسبابُها
(١) الكلام بتمامه في غريب الحديث للخطابي ١/ ٤٩١ نقلاً عن ثعلب وذكره عن ثعلب أيضاً ابن الجوزي
في غريب الحديث ١/ ٢٧٣ ، وابن الأثير في النهاية (خرع)، وذكر أبو عبيد في غريب الحديث
١٥٩/٤ - ١٦٠ حديث أبي سعيد الخدري : لو سمع أحدكم ضغطة القبر لجزع أو خرع. قال أبو
عبيد: يقول: انكسر وضعف.
(٢) برقم (٢١٢)، وهو عند أحمد (٢٦٩٠).
(٣) البلابل: الوساوس المختلطة والأحزان. ومعتلج، أي: مضطرب يركب بعضه بعضاً. والبهيم: الذي لا
ضياء فيه. الإملاء المختصر في شرح غريب السير ٨١/٣ .
(٤) في (ظ): آت أتاني.
(٥) عيرانة: ناقة تشبه العَيْر في شدته ونشاطه، والعير هنا حمار الوحش. سرح اليدين: خفيفة اليدين.
غشوم، أي: ظلوم، يعني أن مشيها فيه جفاء. الإملاء المختصر ٣/ ٨٢ .
(٦) في (خ) و(د) و(ز) و(ظ): مقيم، والمثبت من (م) والمصادر.

٣٥٠
سورة الأنعام: الآيتان ٢٦ - ٢٧
وارحَمْ(١) فإِنَّكَ راحِمٌ مَرْحومُ
فاغفِرْ فِدّى لك والداي كلاهما
وعليك من سِمَة(٢) المليك عَلَامٌ
أَعطاكَ بعدَ مَحبَّةٍ بُرْهانَهُ
نُورٌ أَغَرُّ وخاتَمٌ مَخْتومُ
شَرَفاً وبُرْهَانُ الإلهِ عظيمُ (٣)
حَقًّا وأنَّكَ في العباد جَسِيمٌ(٤)
ولقد شَهِدْتُ بأنَّ دِينكَ صادقٌ
· مُستقبَلٌ(٥) في الصالحين کریمُ
واللهُ يشهدُ أنَّ أحمدَ مُصْطفى
فَرْعٌ تَمكَّنَ في الذُّرَى وَأَرُومُ(٦)
قَرْمٌ علَا بِنيانُه مِن هاشمٍ
وقيل: المعنى: ((يَنْهَوْنَ عَنْهُ)) أي: هؤلاء الذين يستمعون ينهَوْن عن القرآن
(وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ)). عن قَتَادة(٧). فالهاءُ على القولين الأوَّلَيْن في ((عنه)) للنبيِّ ◌َ ﴾، وعلى قول
قَتَادة للقرآن.
﴿وَإِنِ يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ ((إن)) نافية، أي: وما يُهلكون إلا أنفسَهم بإصرارهم
على الكفر، وحملهم أوزارَ الذين يَصدُّونهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَيْلَنَا نُرَّةُ وَلَا تَكَذِّبَ ثَايَتِ رَبِنَا
وَتَكُونَ مِنَ الْؤْمِنِينَ (َ)﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ﴾ أي: إذا (٨) وُقفوا غداً، و((إذْ)) قد تُستعمل
(١) في (م): زللي، وهو موافق لما في السيرة النبوية ٤٢٠/٢ .
(٢) في السيرة: من علم.
(٣) الأبيات إلى هذا الموضع في الاستيعاب ٦/ ١٨٥ (بهامش الإصابة)، وهي جميعها في السيرة النبوية
٤١٩/٢ .
(٤) في السيرة: حقٍّ وأنك ... ، وقوله: جسيم: أي عظيم. الإملاء المختصر ٨٢/٣.
(٥) أي: منظور إليه ملحوظ. الإملاء المختصر.
(٦) قرم: أي: سيد. والذُّرى: الأعالي. والأروم: الأصول. الإملاء المختصر.
(٧) أخرجه الطبري ٩/ ٢٠٢ - ٢٠٣ عن قتادة ومجاهد، وذكره عنهما الماوردي في النكت والعيون ٢/ ١٠٤،
وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٨٠/٢ .
(٨) في (خ) و(ظ) و(م): إذ، والمثبت من (د) و(ز)، وينظر تفسير الطبري ٢٠٧/٩، والمحرر الوجيز
٢٨١/٢.

٣٥١
سورة الأنعام: الآية ٢٧
في موضع ((إذا))، و((إذا)) في موضع ((إذْ))، وما سيكون فكأنه كان؛ لأن خبر الله تعالى
حقٌّ وصدقٌ، فلهذا عَبَّر بالماضي.
ومعنى ((وُقِفُوا)): حُبِسوا، يقال: وَقَفْتُه وَقْفاً، فَوَقَف وُقوفاً (١). وقرأ ابن السَّمَيْفع:
((إذْ وَقَفُوا)) بفتح الواو والقاف، من الوقوف(٢).
((على النَّارِ)) أي: هم فوقها على الصراط، وهي تحتهم (٢).
وقيل: ((على)) بمعنى الباء، أي: وَقَفوا بقربها وهم يُعاينونها.
وقال الضّحاك: يعني جُمعوا (٤) على أبوابها. ويقال: وُقفوا على مَتْن جهنمَ،
والنارُ تحتهم.
وفي الخبر: إن الناس كلَّهم يُؤْقَفون على مَثْن جهنم، كأنَّها مَتْنُ إِهَالَةٍ، ثم يُنادي
منادٍ: خُذي أصحابك ودَعي أصحابي (٥).
وقيل: ((وُقِفوا)): دخلوها (٦) - أعاذنا الله منها ــ فـ((على)) بمعنى ((في))، أي: وُقِفوا
(٧)
في النار(٧).
وجواب ((لو)) محذوفٌ؛ ليذهبَ الوهمُ إلى كلِّ شيء، فيكونَ أبلغَ في التخويف،
(١) المحرر الوجيز ٢٨١/٢، قال الطبري ٩/ ٢٠٧: ولم يقل: أُوْقِفوا؛ لأن ذلك هو الفصيح من كلام
العرب، يقال: وقَفْتُ الدابةً أو الأرض - بغير ألف - إذا جعلتها صدقة حبيساً.
(٢) ذكرها أبو حيان في البحر ١٠١/٤، والسمين الحلبي في الدر المصون ٥٨٤/٤ عن ابن السميفع وزيد
بن علي.
(٣) النكت والعيون ١٠٥/٢ .
(٤) في النسخ: جمعوا يعني، والمثبت من تفسير أبي الليث ٤٧٩/١، والكلام منه.
(٥) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٣٤٦/٤، وابن أبي شيبة ١٦٩/١٣، وأبو نعيم في الحلية ٣٦٧/٥
عن كعب الأحبار قوله. قال أبو عبيد: الإهالة ما أذيب من الألية والشحم، ومتن الإهالة ظهرها إذا
سكنت في الإناء، فإنما شبه كعب سكون جهنم قبل أن يصير الكفار في جوفها بذلك.
(٦) في (د) و(ز): دخلوا، وفي (ظ): أدخلوها.
(٧) تفسير الطبري ٢٠٦/٩ وتفسير البغوي ٩٢/٢. قال البغوي: كقوله: ﴿عَلَ مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾ [البقرة: ١٠٢]
أي: في ملك سلیمان.

٣٥٢
سورة الأنعام: الآية ٢٧
والمعنى: لو تراهم في تلك الحال، لرأيت أسوأ حال، أو لرأيت منظَراً هائلاً، أو
لرأيت أمراً عجباً، وما كان مثل هذا التقدير(١).
قوله تعالى: ﴿فقالوا يا ليتَنا نُرَدُّ ولا نكذِّبُ بآياتٍ ربِّنا ونكونُ من المؤمنين﴾
بالرفع في الأفعال الثلاثة عطفاً؛ قراءةُ أهل المدينة والكسائي(٢). وكلُّه داخلٌ في
معنى التمني، أي: تَمَنَّوا الردَّ، وأَلَّا يُكذِّبوا، وأن يكونوا من المؤمنين(٣). واختار
سيبويهِ (٤) القطعَ في ((ولا نكذّبُ))، فيكونُ غيرَ داخِلٍ في التمني، المعنى: ونحن لا
نُكذّبُ، على معنى الثبات على ترك التكذيب، أي: لا نكذبُ، رُدِدنا أو لم نُردًّ. قال
سيبويه: وهو مِثلُ قوله: دعني ولا أعود، أي: لا أعود على كلِّ حال، تركتني أو لم
تتركني.
واستدل أبو عمرو على خروجه من التمني بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾؛ لأن الكذب
لا يكون في التمني، إنما يكون في الخبر. وقال مَن جعله داخلاً في التمني: المعنى:
وإنهم لكاذبون في الدنيا في إنكارهم البعثَ وتكذيبهم الرسلَ(٥).
وقرأ حمزةُ وحفص بنصب ((نُكذّبَ)) و(نكونَ))(٦) جواباً للتمني؛ لأنه غيرُ واجب،
وهما داخلان في التمنِّي على معنى أنهم تمَنَّوا الردّ وتَرْكَ التكذيب والكونَ مع
(١) تفسير البغوي ٢/ ٩٢، والمحرر الوجيز ٢٨١/٢ .
(٢) السبعة ص ٢٥٥، والتيسير ص١٠٢ . وقرأ بها أيضاً ابنُ كثير المكّي، وأبو عمرو البصري، وعاصم في
رواية شعبة. ووقع في (د) و(م) بعد قوله: والكسائي، ما نصّه: وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بالضم.
ابن عامر على رفع: نكذب، ونصب: ونكون. ولم يرد في باقي النسخ، وغالب الظن أن هذه الزيادة
استدراك على المصنف مقحمٌّ في تفسيره؛ من قارئ أو ناسخ أو متملّك ... يتبين ذلك من سياقها،
وارتباط الكلام بعدها بقراءة الرفع في الأفعال الثلاثة، التي ذكرها أولاً؛ دون نصب الأخير على قراءة
ابن عامر التي سيذكرها المصنف فيما بعد.
(٣) ينظر الحجة للفارسي ٢٩٣/٣ - ٢٩٤، والكشف عن وجوه القراءات ٤٢٧/١ - ٤٢٨.
(٤) في الكتاب ٤٤/٣، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٦٢/٢، ومعاني القرآن له ٤١٣/٢ .
(٥) الحجة للفارسي ٢٩٣/٣ - ٢٩٤، والكشف عن وجوه القراءات ٤٢٨/١.
(٦) السبعة ص ٢٥٥، والتيسير ص١٠٢ .

٣٥٣
سورة الأنعام: الآية ٢٧
المؤمنين(١).
قال أبو إسحاق(٢): معنى ((ولا نكذِّبَ)) أي: إن رُدِدنا لم نُكذِّب.
والنصبُ في ((نُكذِّبَ)) و((نكونَ)) بإضمارِ ((أَنْ))، كما يُنصب في جواب الاستفهام
والأمرِ والنهي والعَرْض؛ لأنَّ جميعَه غيرُ واجبٍ ولا واقعٍ بعدُ، فيُنصَب الجواب مع
الواو، كأنه عُطِف على مصدر الأول، كأنهم قالوا: يا ليتنا يكون لنا رَدِّ، وانتفاءٌ من
التكذيب(٣)، وكَونٌ من المؤمنين، فحُمِلا على مصدر («نُرُّ»؛ لانقلاب المعنى إلى
الرفع، ولم يكن بُدٌّ مِن إضمار ((أَنْ))؛ فَبِهِ يتُّ النصب في الفعلين.
وقرأ ابن عامر: ((ونكونَ)) بالنصب على جواب التمني، كقولك: ليتك تَصير إلينا
ونُكرمَك، أي: ليت مصيرَك يقع وإكرامَنا(٤)، وأَدخل الفعلين الأوَّلَيْن في التمني. أو
أراد: ونحن لا نكذِّبُ(٥)، على القطع - على ما تقدَّم - محتمل(٦).
وقرأ أُبيّ: ((ولا نكذِّبَ بآيَاتِ ربِّنا أبداً)). وعنه وابنٍ مسعود: ((يا ليتنا نُرَدُّ فلا
نُكَذِّبَ)) بالفاء والنصب(٧)، والفاءُ يُنصَب بها في الجواب كما يُنصب بالواو؛ عن
الزَّجَّاج. وأكثرُ البصريين لا يُجيزون الجوابَ إلا بالفاء(٨).
(١) الكشف عن وجوه القراءات ٤٢٧/١، وينظر الحجة للفارسي ٢٩٤/٣ .
(٢) هو الزجاج، وكلامه في معاني القرآن له ٢/ ٢٤٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني
القرآن ٢/ ٤١٣ .
(٣) في النسخ: الكذب، والمثبت من الكشف عن وجوه القراءات ٤٢٧/١، والكلام منه، والحجة
٢٩٤/٣.
(٤) بعدها في (م): يقع.
(٥) في (م): ونحن لا نكرمك.
(٦) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٤٠/٢، والحجة ٢٩٤/٣ - ٢٩٥، والكشف ٤٢٨/١ - ٤٢٩، ومشكل
إعراب القرآن ١/ ٢٥٠.
(٧) ذكرهما النحاس؛ الأولى في معاني القرآن ٤١٤/٢، والثانية في إعراب القرآن ٢/ ٦٢ .
(٨) كذا قال المصنف، وذكر ابن الأنباري في الإنصاف ٥٥٥/٢ - ٥٥٨ أن البصريين جميعاً يجيزون نصب
الفعل الواقع بعد الفاء والواو في الجواب.

٣٥٤
سورة الأنعام: الآية ٢٨
قوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ ﴾
قوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلٌ﴾ (بل)) إضرابٌ عن تَمنِّيهم وادِّعائهم
الإيمانَ لو رُدُّوا.
واختلفوا في معنى ((بدا لهم)) على أقوالٍ، بعد تعيين مَن المرادُ، فقيل: المراد
المنافقون؛ لأنَّ اسم الكفر مشتملٌ عليهم، فعاد الضمير على بعض المذكورين؛ قال
النحاس(١): وهذا من الكلام العَذْب الفصيح(٢).
وقيل: المراد الكفار، وكانوا إذا وعظهم النبيُّ# خافوا، وأخفَوْا ذلك الخوفَ
لئلا يَفْطَن بهم ضعفاؤهم، فيظهر (٣) [ذلك] يوم القيامة؛ ولهذا قال الحسن: ((بَدَا
لَهُمْ))، أي: بدا لبعضهم ما كان يُخفيه عن بعض (٤).
وقيل: بل ظهر لهم ما كانوا يجحدونه من الشِّرك فيقولون: ﴿وَأَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّ
مُشْرِكِينَ﴾ فيُنطِقُ الله جوارحَهم، فتشهدُ عليهم بالكفر، فذلك حين ﴿بَدَا لَهُ مَّا كَانُواْ
يُحْفُونَ مِن قَبْلٌ﴾. قاله أبو رَوْق(٥).
وقيل: ((بدا لهم)) ما كانوا يكتمونه من الكفر، أي: بدت أعمالهم السيئةُ كما
قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اَللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]. قال المبرِّد: بدا لهم جزاءُ
كُفْرِهم الذي كانوا يخفونه(٦).
وقيل: المعنى: بل ظهر للذين اتَّبعوا الغُواةَ ما كان الغُواة يُخفون عنهم من أمر
(١) في إعراب القرآن ٦٢/٢ ، والكلام الذي قبله منه، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٢) في إعراب القرآن: وهذا من كلام العرب الفصيح.
(٣) إعراب القرآن: فظهر.
(٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٠٦/٢ .
(٥) تفسير الرازي ١٩٣/١٢، وذكره الواحدي في الوسيط ٢٦٣/٣ دون نسبة.
(٦) قول المبرد ذكره البغوي ٩٢/٢، وابن الجوزي ٢٣/٣.

٣٥٥
سورة الأنعام: الآيتان ٢٨ - ٢٩
البعث والقيامة؛ لأن بعده ﴿وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَ الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾(١).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُؤُواْ﴾ قيل: بعد مُعاينة العذاب. وقيل: قبل معاينته ﴿لَعَادُواْ لِمَا
نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي: لصاروا ورَجعوا إلى ما نُهوا عنه من الشِّرك؛ لِعلم الله تعالى فيهم أنهم
لا یؤمنون، وقد عاینَ إِیلیسُ ما عاین من آیات الله ثم عاند.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ إخبارٌ عنهم، وحكايةٌ عن الحال التي كانوا عليها
في الدنيا من تكذيبهم الرسلَ، وإنكارِهم البعثَ، كما قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾
[النحل: ١٢٤]، فجعلَه حكايةً عن الحال الآتية.
وقيل: المعنى: وإنَّهم لكاذبون فيما أخبروا به عن أنفسهم مِن أنهم لا يَكذِبون
ویکونون من المؤمنین(٢).
وقرأ يحيى بن وَثَّاب: ((وَلَوْ رِدُّوا)) بكسر الراء؛ لأنَّ الأصل رُدِدوا، فقُلبت(٣)
کسرةُ الدال على الراء.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَاَ الذُّنْيَا﴾ ابتداء وخبر، و((إِنْ)) نافية ﴿وَمَا نَحْنُ﴾
((نحن)) اسم ((ما)) ﴿بِمَبْعُوثِينَ﴾ خبرُها، وهذا ابتداءُ إخبارٍ عنهم عمَّا قالوه في الدنيا (٤).
قال ابن زيد: هو داخلٌ في قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ ﴿وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّا
حَيَاثْنَا الذُّنْيَا﴾(٥)، أي: لعادوا إلى الكفر، واشتغلوا بلذّة الحال. وهذا يُحمل على
(١) معاني القرآن للنحاس ٤١٤/٢.
(٢) النكت والعيون ١٠٦/٢ .
(٣) في (د) و(م): فنقلت، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٦٢
والكلام منه، وذكر القراءة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٢٨٢، وأبو حيان في البحر ١٠٤/٤ وزادا
نسبتها للنخعي والأعمش.
(٤) المحرر الوجيز ٢٨٣/٢ . قال ابن عطية: هذا على تأويل الجمهور.
(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٢١٣ .

٣٥٦
سورة الأنعام: الآيات ٢٩ - ٣١
المعاند كما بيَّنَّه في حال إبليس، أو على أن الله يَلْبس عليهم بعد ما عَرَفوا(١)، وهذا
شائعٌ في العقل.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَيْهِمَّ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَ وَرَبِنَاً
٣٠)
قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على ربهم﴾ ((وُقِفُوا)) أي: حُبِسوا ((عَلَى رَبِّهِمْ))
أي: على ما يكون من أمر الله فيهم.
وقيل: ((على)) بمعنى ((عند))، أي: عند ملائكته وجزائه، وحيث لا سلطانَ فيه
لغير الله عزَّ وجلَّ، تقول: وقفت على فلان، أي: عنده، وجواب ((لو)) محذوفٌ؛
لعظم(٢) شأن الوقوف.
﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ تقرير وتوبيخ، أي: أليس هذا البعثُ كائناً موجوداً؟!
﴿قَالُواْ بَ﴾ ويؤكّدون اعترافهم بالقسَم بقولهم: ﴿وَرَبًِّا﴾.
وقيل: إنَّ الملائكة تقول لهم بأمر الله: أليس هذا البعثُ وهذا العذابُ حقًّا؟
فيقولون: (بَلَى وَرَبِّنَا)) إنه حقٌّ(٣) ﴿قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَِّ اللَّهِ حَّى إِذَا جَآءَتَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ
يَحَسْرَثَنَا عَلَى مَا فَرَّطَّنَا فِيَهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَى ظُهُورِهِمَّ أَلَا سَآءَ مَا
٣١)
يَزِرُونَ
قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَامِ اَللّه﴾ قيل: بالبعث بعد الموت وبالجزاء،
دليله: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((مَن حَلفَ على يمينٍ كاذبةٍ ليقتَطِعَ بها مالَ امرئ
(١) بعدها في (ظ): وما عرفوا.
(٢) في (د): لتعظيم.
(٣) تفسير البغوي ٢/ ٩٢ .

٣٥٧
سورة الأنعام: الآية ٣١
مسلم، لقيَ اللهَ وهو عليه غضبان))(١) أي: لقي جزاءه؛ لأن مَن غضِب الله عليه، لا
يرى الله عند مُثبتي الرؤية، ذهب إلى هذا القَقَّال وغيرُه.
قال القُشَيْرِيُّ: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ حمْلَ اللقاء في موضعٍ على الجزاء لِدليلٍ
قائم (٢) لا يوجِبُ هذا التأويلَ في كلِّ موضع، فلْيُحمَلِ اللقاءُ على ظاهره في هذه
الآية، والكفارُ كانوا ينكرون الصانع، ومُنكر الرؤية منكرٌ للوجود !.
قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ سُمِّيت القيامةُ بالساعةِ(٣) لسرعة
الحساب فيها (٤).
ومعنى ((بغتةً)): فجأة، يقال: بَغَتهم الأمرُ يَبْغَتُهُمْ بَغْتاً وبَغْتَةً(٥). وهي نصبٌ على
الحال، وهي عند سيبويه(٦) مصدرٌ في موضع الحال، كما تقول: قتلته صَبْراً. وأنشد:
فَلَأَياً بِلَأَيٍ ما حَمَلْنا وَلِيدَنا على ظَهْرٍ مَحْبوكٍ ظِمَاءٍ مَفَاصِلُهُ(٧)
ولا يجيز سيبويه أن يُقاس عليه، لا يقال: جاء فلانٌ سُرْعةً.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَحَسْرَأَنَا﴾ وقع النداءُ على الحسرة، وليست بمنادّى في
(١) أخرجه أحمد (٣٥٧٦)، والبخاري (٦٦٥٩)، ومسلم (١٢٨) عن عبد الله بن مسعود ﴾، ووقع عند
مسلم: يمين صبر، بدل: يمين كاذبة، وسلف ص١٢٨ من هذا الجزء.
(٢) في (خ) و(د) و(ز): قام.
(٣) في (خ) و(ظ): الساعة، وفي من (د) و(ز): ساعة، والمثبت من (م).
(٤) تفسير الرازي ١٩٨/١٢، وذكر الرازي وجهاً آخر، وهو أنها سميت ساعة لأنها تفجأ الناس في ساعة
لا يعلمها أحد إلا الله. وزاد البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ اَلسَّاعَةِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وجهاً
ثالثاً، قال: لأنها - على طولها - عند الله كساعة.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤١٥/٢ .
(٦) في الكتاب ١/ ٣٧٠ - ٣٧١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٦٢/٢ - ٦٣،
والكلام منه.
(٧) الكتاب ٣٧١/١، والبيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه بشرح ثعلب ص١٣٣. قال الشنتمري
في شرح الديوان ص٥٣ : يقول: لنشاط الفرس لم نحمل الوليد عليه إلا بعد جهد وعناء شديد.
والوليد: الغلام. والمحبوك: الشديد الخَلْقِ المُدْمَج. وقوله: ظماء مفاصله، أي: هي قليلة اللحم
يابسة، وليست برَهِلة، وبذلك توصف العِتاق.

٣٥٨
سورة الأنعام: الآية ٣١
الحقيقة، ولكنه يدلُّ على كثرة التَّحسُّر، ومثلُه: يا لَلعجبٍ، ويا لَلرَّخاءٍ، وليسا
بمناديين في الحقيقة، ولكنه يدل على كثرة التعجُّب(١) والرَّخاء. قال سيبويه(٢): كأنه
قال: يا عجبُ تعال، فهذا زمنُ إتيانِك، وكذلك قولُك: يا حسرتنا(٣)، أي: یا
حسرتنا(٤) تعالَيْ فهذا وقتُك، وكذلك ما لا يصحُّ نداؤه يجري هذا المَجْرى، فهذا
أبلغُ مِن قولك: تعجبتُ(٥). ومنه قول الشاعر:
فيا عجباً من رَخْلِها المتحمَّلِ(٦)
وقيل: هو تنبيهٌ للناس على عظيم ما يحِلُّ بهم من الحسرة، أي: يا أيها الناس،
تَنَّهوا على عظيم ما بي من الحسرة. فوقع النداءُ على غير المنادى حقيقةً، كقولك: لا
أَرَيَنَّك هاهنا. فيقع النهي على غير المَنْهيِّ في الحقيقة(٧).
قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا فَرَّطَنَا فِيهَا﴾ أي: في الساعة، أي: في التقدمةٍ لها، عن
(٨)
الحسن (٨).
و (فَرَّظْنَا)) معناه: ضيَّعنا (٩)، وأصله التقدُّم؛ يقال: فَرَط فلان، أي: تقدَّم وسبق
إلى الماء، ومنه: ((أنا فَرَطُكم على الحوض))(١٠). ومنه: الفارط، أي: المتقدِّم
(١) في (خ) و(ظ): العجب.
(٢) في الكتاب ٢١٧/٢ .
(٣) في (م) و(د): يا حسرتي.
(٤) في (خ) و(ز) و(م): يا حسرتا، وسقطت من (د)، والمثبت من (ظ).
(٥) شرح القصائد التسع للنحاس ١١٣/١، ومعاني القرآن له ٤١٥/٢ - ٤١٦ .
(٦) هو عجز بيت لامرئ القيس، وصدره: ويوم عقرتٌ للعذارى مطيَّتي، وهو في ديوانه ص١٨ .
(٧) ينظر شرح القصائد التسع ١١٤/١، وقال النحاس: قولهم: لا أرينك هاهنا، قد عُلم أنه لا ينهى
نفسه، فالتقدير: لا تکونن هاهنا، فإنه من یکن هاهنا أره.
(٨) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٨٤/٢ .
(٩) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٩١ .
(١٠) أخرجه أحمد (١٨٨٠٩)، والبخاري (٦٥٨٩)، ومسلم (٢٢٨٩) من حديث جندب بن عبد الله
البجلي ﴾. وأخرجه أحمد (٣٦٣٩)، والبخاري (٦٥٧٥)، ومسلم (٢٢٩٧) من حديث عبد الله بن
مسعود ﴾. وسلف ٢٥٧/٥ من حديث سهل بن سعد ﴾. وقوله: ((فرطكم))، فَرَطُ: فَعَلِّ بمعنى فاعِل،
مثل تَبَع بمعنى تابع، يقال: رجل فَرَطْ، وقوم فَرَطُ أيضاً. الصحاح (فرط).

٣٥٩
سورة الأنعام: الآية ٣١
للماء، ومنه - في الدعاء للصبيِّ -: اللهم اجعله فَرَطاً لأبويه(١).
فقولهم (٢): ((فَرَّظْنَا)) أي: قدَّمنا العجز(٣). وقيل: ((فَرَّظْنَا))، أي: جعلْنا غيرَنا
الفارِطَ السابقَ لنا إلى طاعة الله وتَخَلَّفْنا. ((فيها)) أي: في الدنيا بترك العمل للساعة.
وقال الطَّبَريُّ(٤): الهاء راجعةٌ إلى الصَّفْقة، وذلك أنهم لما تَبيَّن لهم خُسرانُ
صَفْقتهم ببيعهم الإيمانَ بالكفر، والآخرةَ بالدنيا ﴿قَالُواْ يَحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطَّنَا فِيهَا﴾ ،
أي: في الصَّفْقة، وتَرك ذكرها لدلالة الكلام عليها؛ لأن الخُسران لا يكون إلا في
صفْقَةٍ بيعٍ، دليله قولُه: ﴿فَمَا رَبِحَت ◌َرَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦].
وقال السُّدِّيُّ: على ما ضيَّعنا، أي: مِن عمل الجنة. وفي الخبر عن أبي سعيد
الخُذريِّ، عن النبيِّ﴾ في هذه الآية قال: ((يرى أهلُ النار منازلهم في الجنة،
فيقولون: يَا حَسْرَتَنَا))(٥).
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْيِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾ أي: ذنوبَهم، جمعُ وِزر. ﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾
مَجازٌ وتوسُّع، وتشبيه بمن يحمل ثِقْلاً؛ يقال منه: وَزَر یَزِر، ووَزِر یَوْزَر، فهو وازِرٌ
ومَوْزور(٦)، وأصلُه مِن الوَزَر، وهو الجبل(٧). ومنه الحديثُ في النساء اللواتي خرجن
(١) مجمل اللغة ٧١٦/٣ - ٧١٧. والحديث أورده البخاري معلقاً كما في الفتح ٢٠٣/٣ عن الحسن،
وأخرجه عبد الرزاق (٦٤٣٩) عن ابن عباس رضي الله عنهما، والطحاوي في شرح معاني الآثار
٥٠٧/١ عن سمرة بن جندب ﴾، والبيهقي ٩/٤ - ١٠ عن أبي هريرة، كلها موقوفة عليهم. قوله:
فرطاً لأبويه، قال ابن فارس: أي أجراً متقدماً.
(٢) في النسخ الخطية: فقوله، والمثبت من (م).
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٤٢/٢ .
(٤) في تفسيره ٩/ ٢١٤، ونقله المصنف عنه بواسطة البغوي ٢/ ٩٣ .
(٥) أخرجهما الطبري ٩/ ٢١٥، وخبر أبي سعيد أخرجه أيضاً الخطيب في تاريخ بغداد ٣٨٩/٣، قال
السيوطي في الدر ٩/٣ : أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه
والخطيب بسند صحيح.
(٦) الصحاح (وزر).
(٧) معاني القرآن للزجاج ٢٥٢/٥، قال الزجاج: الوَزَر في كلام العرب: الجبل الذي يُلجأ إليه، هذا
أصله، و کل ما التجأت إليه وتخلصت به فهو وَزّر.

٣٦٠
سورة الأنعام: الآيتان ٣١ - ٣٢
في جنازة، فقال لهن(١): ((ارجِعْنَ مَوْزوراتٍ غيرَ مأجوراتٍ)). قال أبو عبيد: والعامةُ
تقول: ((مأزورات)). كأنه لا وجه له عنده؛ لأنه من الوٍزر (٢).
قال أبو عبيدة (٣): ويقال للرجل إذا بَسَط ثوبه فجعل فيه المتاع: احمل وِزْرك،
أي: ثِقْلك. ومنه الوزير؛ لأنه يحمل أثقال ما يُسنَد إليه من تدبير الولاية. والمعنى:
أنهم لزمتهم الآثام، فصاروا مُثْقَلين بها . ﴿أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ أي: ما أسوأ الشيء
الذي يحملونه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌّ وَلََّّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌّ﴾ أي: لِقِصَر مُدَّتها كما
قال:
وما خيرُ عيشٍ لا يكونُ بدائمِ
أَلَا إنما الدُّنْيَا كأحلامِ نائمٍ
فأفنيتَها هل أنت إلَّا كحالِم(٤)
تَأَمَّلْ إذا ما نلتَ بالأمسِ لَذَّةً
وقال آخر:
واكدخ لنفسك أيُّها الإنسانْ
فاعملْ على مَهَلٍ فإنك مَيِّتٌ
وكأنَّ ما هو كائنٌ قد كانْ(٥)
فكأنَّ ما قد كان لم يكُ إذْ مَضَى
(١) قوله: فقال لهن، ليس في (ظ) و(م)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في معاني القرآن
للنحاس ٤١٦/٢، والكلام منه.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٤١٦/٢، والحديث سلف ٤٩/٦.
(٣) في (خ) و(د) و(ز) و(م): عبيد، والمثبت من (ظ)، وقوله في مجاز القرآن ١/ ١٩٠، وذكره عنه أيضاً
الرازي ١٩٩/٢ .
(٤) أدب الدنيا والدين ص٩٩، وذكرهما أبو إسحاق الوطواط في غرر الخصائص الواضحة ص١٠٨ عن
الحسن البصري، وفيه: إذا حاولت، بدل: إذا ما نلت.
(٥) في (م): كانا، والبيتان ذكرهما الطبري في التاريخ ١٦٧/٦، والماوردي في أدب الدنيا والدين
ص١١٣ عن عبد الملك بن مروان، وذكرهما الجاحظ في البيان والتبيين ١٧٦/٣ دون نسبة.