Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ بالتجارة صُحْبةَ أهلِ الكتاب وعَبَدةِ الأوثان وأنواع الكَفَرة. والآيةُ محكمةٌ على مذهب أبي موسى وشُرَيْح وغيرهما(١). القول الثاني: أنَّ قوله سبحانه: ﴿أَوْ ءَاخَرَانٍ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ منسوخٌ؛ هذا قولُ زیدٍ بن أسلم ومالكِ(٢) والشافعيِّ، وأبي حنيفة وغيرِهم من الفقهاء، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ خالفَهُم فقال: تجوزُ شهادةُ الكفار بعضِهم على بعض، ولا تجوزُ على المسلمين. واحتجُوا بقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدّلٍ مِنْكُ﴾ [الطلاق: ٢]، فهؤلاء زعموا أنَّ آية الدَّيْن من آخرِ ما نزل، وأنَّ فيها: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ فهو ناسخٌ لذلك(٣)، ولم يكن الإسلامُ يومئذٍ إلَّا بالمدينة، فجازت شهادةُ أهلِ الكتاب، وهو اليومَ طَبَّقَ الأرض، فسقطت شهادةُ الكفار(٤). وقد أجمعَ المسلمون على أنَّ شهادةَ الفُسَّاقِ لا تجوز، والكفارُ فسَّاقٌ فلا تجوزُ (٥) شهادتهم(٥). قلت: ما ذكرتُموه صحيحٌ، إلا أنَّا نقول بموجبه، وأنَّ ذلك جائزٌ في شهادة أهل الذمَّةِ على المسلمين في الوصية في السفر خاصةً للضرورة بحيث لا يوجد مسلم، وأمَّا مع وجودٍ مسلمٍ فلا (٦). ولم يأتِ ما اذَّعيتُموه من النّسْخ عن أحدٍ ممن شَهِدَ التنزيل، وقد قال بالأول (١) المحرر الوجيز ٢٥١/٢ . (٢) قبلها في النسخ: والنخعي، والمثبت من الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٠٤/٢ والكلام منه، وقد سلف مذهب النخعي - وهو إبراهيم - في القول الأول. (٣) الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (٣٠٤)، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٠٤/٢ والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي ص٢٧٧ ، وأحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ٣٢٠، ونقل أبو عبيد عن أصحاب هذا القول قولهم: ولا يكون أهل الشرك عدولاً أبداً، ولا ممن تُرضى شهادتُه. (٤) النكت والعيون ٢/ ٧٧، ذكره الماوردي عن ابن زيد، وأخرجه عنه الطبري ٩/ ٦٧. (٥) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٠٥/٢ . (٦) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص٢٧٦ و ٢٧٨ . ٢٦٢ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ ثلاثةٌ من الصحابة، وليس ذلك في غيره، ومخالفةُ الصحابةِ إلى غيرهم ينفرُ عنه أهلُ (١) العلم(١). ويقوِّي هذا أنَّ سورة المائدة من آخرِ القرآنِ نزولاً، حتى قال ابنُ عباس والحسنُ وغيرُهما: إنَّه لا منسوخَ فيها(٢). وما ادَّعَوْه من النَّسخ لا يصح؛ فإنَّ النَّاسخ لابدَّ من إثباته(٣) على وجهٍ يتنافى الجمعُ بينهما مع تراخي الناسخ، فما ذكروه لا يصحُّ أنْ يكون ناسخاً؛ فإنَّه في قصةٍ غيرِ قصة الوصية [وأَمْكَنَ تخصيصُ الوصية به] لمكانٍ الحاجة والضرورة، ولا يَمتنعُ اختلافُ الحكم عند الضرورات، ولأنَّه ربما كان الكافرُ ثقةً عند المسلم، ويرتضيه عند الضرورة، فليس فيما قالوه ناسخ. القول الثالث: أنَّ الآية لا نَسْخَ فيها؛ قاله الزهريّ والحسنُ وعِكرِمة (٤)، ويكون معنى قوله: ((منكم)) أي: من عشيرتكُم وقَرابتكم؛ لأنَّهم أَحفظُ وأضبطٌ وأبعدُ عن النسيان. ومعنى قوله: ((أوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ)) أي: من غير القرابةِ والعشيرة(٥)؛ قال النحاس(٦): وهذا ينبني على معنّى غامضٍ في العربية، وذلك أنَّ معنى ((آخَر)) في العربية: [آخَرُ] مِنْ جنسِ الأوَّل؛ تقول: مررتُ بكريمٍ وكريمٍ آخَرَ، فقولُه: آخَر، يدلُّ (١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٠٦/٢، غير أن قوله: وقد قال بالأول ثلاثة من الصحابة ... ، وقع بدله عند النحاس: وقد قاله صحابيان ... ، وسلف الكلام فيه أول هذه المسألة، وينظر أحكام القرآن للجصاص ٤٩٠/٢ . (٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ١١٨/٣، وأثر الحسن أخرجه أبو عبيد (٣٠٤)، أما أثر ابن عباس فلم نقف عليه، وقد روي عنه أنه قال: نُسخت من هذه السورة آيتان؛ آية القلائد، وقوله تعالى: ﴿فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ ... ، وسلف ٢٥٨/٧ . (٣) في (م): فإن النسخ لابد فيه من إثبات الناسخ، والكلام في أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ١٢٠، وما سیرد بین حاصرتین منه. (٤) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٠٤/٢، وأخرج قولهم الطبري ٦٨/٩. وأخرجه عن الزهري أيضاً أبو عبيد (٣٠٧). (٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ١١٨/٣ . (٦) في الناسخ والمنسوخ ٣٠٦/٢، وما سيرد بين حاصرتين منه. : ٢٦٣ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ على أنه من جنس الأول، ولا يجوزُ عند أهل العربية: مررتُ بكريمٍ وخسيسٍ آخَر، ولا مررتُ برجلٍ وحمارٍ آخر؛ فوجبَ من هذا أن يكون معنى قوله: ((أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ)) أي: عدلان، والكفارُ لا يكونون عدولاً؛ فيصحُّ على هذا قولُ مَن قال: ((مِنْ غَيْرِكُمْ)): من غيرِ عشيرتكم من المسلمين. وهذا معنّى حسنٌ من جهة اللِّسان، وقد يُحتجُّ به لمالكٍ ومَن قال بقوله؛ لأنَّ المعنى عندهم: ((من غيركم)): من غير قبيلتكم(١)؛ على أنه قد عورض هذا القول بأنَّ في أول الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ فخوطب الجماعة من المؤمنين(٢). السابعة: استدلَّ أبو حنيفةَ بهذه الآية على جواز شهادة الكفار من أهل الذِّمة فيما بينَهم(٣)؛ قال: ومعنى: ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير أهل دينكم؛ فدلَّ على جواز شهادة بعضِهم على بعض. فيقال له: أنت لا تقول بمقتضى هذه الآية؛ لأنَّها نزلت في قبول شهادة أهل الذمة على المسلمین، وأنت لا تقول بها، فلا يصحُّ احتجاجُك بها. فإن قيل: هذه الآيةُ دلَّت على جواز قبول شهادة أهل الذِّمة على المسلمين من طريق النطق، ودلَّت على قبول شهادتهم على أهل الذِّمة من طريق التنبيه؛ وذلك أنَّه إذا قُبلت شهادتُهم على المسلمين، فَلأَنْ تُقبلَ على أهل الذِّمة أَوْلى، ثم دلَّ الدليل على بطلان شهادتهم على المسلمين، فبقي شهادتُهم على أهل الذِّمة على ما كان علیه. وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ قبولَ شهادة أهل الذِّمة على أهل الذِّمة فرٌ لقَبولِ شهادتهم (١) لم نقف على هذا القول لمالك، وذكر مكي في الإيضاح ص٢٧٨، عن مالك أن معنى ((من غيركم)) أي: من أهل الكتاب، وهو منسوخ. اهـ. وهذا يوافق ما سلف من قول مالك في نسخ قوله تعالى: ((أو آخران من غير كم». (٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٠٦/٢ . (٣) مختصر اختلاف العلماء ٣٤٠/٣. ٢٦٤ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ على المسلمين، فإذا بطَلَت شهادتُهم على المسلمين وهي الأصل، فَلَأنْ تَبْطُلَ شهادتُهم على أهل الذِّمة - وهي فرعُها - أحرى وأولى. والله أعلم. الثامنة: قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَيْتُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم، وفي الكلام حذفٌ تقديره: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَيْتُمْ فِ الْأَرْضِ فَأَصَبَتَكُمْ تُصِيبَةُ الْمَونَ﴾ فأوصيتُم إلى اثنین عدلین في ظنِّكم، ودفعتُم إليهما ما معكم من المال، ثم مثُّم، وذهبا إلى ورثتكم بالتركة، فارتابوا في أمرهما؛ وادَّعوا عليهما خيانة، فالحكم أن ﴿تَمْيِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ﴾ أي: تستوثقوا منهما (١). وسمَّى الله تعالى الموت في هذه الآية مصيبةً؛ قال علماؤنا: والموتُ وإنْ كان مصيبةً عُظمى، ورَزِيَّةً كبرى؛ فأعظمُ منه الغفلةُ عنه، والإعراضُ عن ذكره، وتركُ التَّفكُّر فيه، وتركُ العملِ له، وإنَّ فيه وحدَه لعبرةً لمن اعتبر، وفكرةً لمن تفكّر. ورُوي عن النبيِّ # أنه قال: ((لو أنَّ البهائم تعلمُ مِن الموت ما تعلمون ما أَكَلْتم منها سميناً)»(٢). ويُروَى أنَّ أعرابيًّا كان يسيرُ على جملٍ له، فخرَّ الجملُ ميتاً؛ فنزل الأعرابيُّ عنه، وجعل يطوفُ به ويتفكّر فيه، ويقول: ما لَكَ لا تقوم؟! ما لَكَ لا تنبعث؟! هذه أعضاؤُكَ كاملةً، وجوارحُكَ سالمةً، ما شأنُك؟! ما الذي كان يحملُك؟! ما الذي كان يبعثُك؟! ما الذي صَرَعَك؟! ما الذي عن الحركة مَنَعَك؟! ثم تركه وانصرف متفكّراً في شأنه، متعجِّباً من أمره. (١) الكلام بنحوه في الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣١١/٢، وتفسير البغوي ٧٤/٢، وفيه: تستوقفونهما، بدل: تستوثقوا منهما. (٢) أخرجه القضاعي في الشهاب (١٤٣٤)، والبيهقي في الشعب (١٠٥٥٧) من حديث أم صُبَّيَّةً الجهنية، وفي إسناده عبد الله بن سلمة بن أسلم، ضعفه الدارقطني وغيره، وقال أبو نعيم: متروك. الميزان ٤٣١/٢ . وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥٣ - زوائد نعيم) عن الحسن بن صالح بلاغاً عن النبي ؟ !. وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣٩٢/٦ من كلام سفيان الثوري. ٢٦٥ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ التاسعة: قوله تعالى: ﴿فَِّسُونَهُمَا﴾ قال أبو عليٍّ(١): ((تحبِسونهما)) صفةٌ لـ: (آخَران)). واعترض بين الصفةِ والموصوف بقوله: ((إنْ أنتم)). وهذه الآيةُ أصلٌ في حَبْس مَن وَجَبَ عليه حقٌّ. والحقوق على قسمين: منها ما يصلُحُ استيفاؤُه معجَّلاً، ومنها ما لا يمكن استيفاؤُه إلَّا مؤجَّلاً، فإنْ خُلِّي مَن عليه الحق(٢)، وغاب واختفى، بَطل الحَقُّ وتوِيَ(٣)، فلم يكن بدٌّ من التوثُّق منه؛ فإمّا بعِوضٍ عن الحقِّ؛ وهو المسمَّى رهناً، وإمَّا بشخصٍ ينوبُ مَّنَابَه في المطالبة والذِّمة، وهو الحَمِيل(٤)، وهو دون الأوَّل؛ لأنَّه يجوزُ أن يغيبَ كمَغِيبه، ويتعذَّرَ وجودُه كتعذُّره، ولكن لا يمكنُ أكثرُ من هذا، فإنْ تعذَّرا جميعاً؛ لم يبقَ إلَّا التوثُّقُ بحبسه حتَّى تقعَ منه التوفيةُ لِمَا كان عليه من حقٌّ، أو تَبين(٥) عسرته. العاشرة: فإن كان الحُّ بدنيًّا لا يقبل البَدَلَ - كالحدود والقصاص - ولم يتّفق استيفاؤُه معجَّلاً؛ لم يكن فيه إلا التوثُقُ بسَجْنه، ولأَجْل هذه الحكمة شُرع السجن(٦)؛ روى أبو داود والترمذيُّ وغيرُهما، عن بَهْزِ بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النبيَّ ﴾ حبسَ رجلاً في تهمةٍ (٧). وروى أبو داود عن عمرو بن الشَّرِيد، عن أبيه، عن رسول الله # قال: ((لَيُّ (١) في الحجة ٢٦٤/٣ - ٢٦٥، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٢٥٢. (٢) قوله: الحق، من (م)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ٧١٦/٢، والكلام منه، وكذلك ما سیرد بین حاصرتین. (٣) في النسخ: غاب واختفى وبطل الحق وتوي، والمثبت من أحكام القرآن. وتوي المال: ذهب فلم يُرْج. اللسان (توا). (٤) أي الوكيل. مجمل اللغة ٢٥٢/١ . (٥) في (خ) و(د): أو تبيين. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٧١٦/٢ . (٧) سنن أبي داود (٣٦٣٠)، وسنن الترمذي (١٤١٧)، وهو عند النسائي في المجتبى ٦٧/٨ وزاد الترمذي والنسائي: ثم خلّی عنه. قال الترمذي: حديث بهز بن حکیم عن أبيه عن جده حسن. ٢٦٦ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَه وعُقوبتَه)). قال ابن المبارك: يُحِلُّ عِرضَه: يُغلظ له، وعقوبته: يُحبَس له(١). قال الخطّابيُّ(٢): الحبسُ على ضَرْبَين؛ حبسُ عقوبة، وحبسُ استظهار، فالعقوبةُ لا تكون إلَّا في واجب، وأمَّا ما كان في تهمةٍ فإنَّما يُستظهرُ(٣) بذلك ليُستْشَف به ما وراءه، وقد رُوي أنه حَبَس رجلاً في تهمةٍ ساعةً من نهار، ثم خَلَّى عنه(٤). وروى مَعْمَر، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: كان شُرَيح إذا قَضَى على رجل بحقِّ، أَمَرَ بحبسه في المسجد إلى أن يقوم، فإن أعطاه حقّه، وإلَّا أَمرَ به إلى السجن(٥). الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ﴾ يريدُ صلاةَ العصر، قاله الأكثر من العلماء؛ لأنَّ أهل الأديان يُعظّمون ذلك الوقت، ويتجنَّبون فيه الكذب واليمين الكاذبة(٦) وقال الحسن: صلاة الظهر. وقيل: أيّ صلاةٍ كانت. وقيل: من بعد صلاتهما على أنَّهما كافران(٧)؛ قاله السُّدِّي(٨). وقيل: إنَّ فائدة اشتراطِه بعد الصلاة تعظيماً للوقت، وإرهاباً به؛ لشهودٍ الملائكة (١) سنن أبي داود (٣٦٢٨)، وسلف ١٧٩/٤. (٢) في معالم السنن ١٧٩/٤ . (٣) استظهر: احتاط واستوثق. متن اللغة (ظهر). (٤) سلف من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وأخرجه بهذا اللفظ البيهقي ٦/ ٥٣ . (٥) أخرجه عبد الرزاق (١٥٣١٠). (٦) تفسير البغوي ٧٤/٢، وأخرج الطبري ٧٦/٩ - ٧٧ هذا القول عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة. (٧) أحكام القرآن لابن العربي ٧١٦/٢ - ٧١٧ . (٨) أخرجه الطبري ٧٨/٩. وذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ٣١١/٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٥٣/٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما. ٠٤ ٢٦٧ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ ذلك الوقت؛ وفي الصحيح: ((مَن حَلَفَ على يمينٍ كاذبةٍ بعد العصر، لقي الله وهو عليه غضبان)) (١) الثانية عشرة: هذه الآية أصلٌ في التغليظ في الأيمان، والتغليظُ يكون بأربعة أشياء : أحدها : الزمانُ کما ذکرنا. الثاني: المكان، کالمسجد والمنبر(٢)، خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه حیث يقولون: لا يجب استحلافُ أحدٍ عند منبر النبيِّ﴾، ولا بين الركن والمقام، لا في قليل الأشياء ولا في كثيرها(٣)، وإلى هذا القول ذهب البخاريُّ رحمه الله حيث ترجم: باب يَحلِف المدَّعَى عليه حيثُما وجَبَت عليه اليمينُ، ولا يُصرَف من موضعٍ (٤) إلى غيره .: وقال مالك والشافعيُّ: ويُجلبُ في أيمان القَسامة إلى مكة مَنْ كان من أعمالها، فيحلِفُ بين الرُّكن والمقام، ويُجلبُ إلى المدينة مَن كان من أعمالها، فيحلف عند المنبر(٥). الثالث: الحال؛ روى مُطَرِّفٌ وابنُ الماجِشون، وبعضُ أصحاب الشافعيّ: أنَّه يحلف قائماً مستقبِلَ القبلة؛ لأنَّ ذلك أبلغُ في الردع والزجر. وقال ابنُ كنانة [عن مالك]: يحلفُ جالساً. (١) ذكر الحديث بهذا اللفظ ابن العربي في أحكام القرآن ٧١٧/٢، وأخرجه بنحوه أحمد (١٠٢٢٦)، والبخاري (٢٣٦٩)، ومسلم (١٠٨) من حديث أبي هريرة * ولفظه عند البخاري: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ... ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم ... ). (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧١٧ . (٣) الاستذكار ٢٢/ ٩٢ . (٤) فتح الباري ٢٨٤/٥ . (٥) الاستذكار ٨٨/٢٢ . ٢٦٨ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ قال ابن العربيّ(١): والذي عندي أنَّه يحلفُ كما يُحْكم عليه بها، إن قائماً(٢) فقائماً، وإن جالساً فجالساً؛ إذ لم يثبت في أثرٍ ولا نظرٍ اعتبارُ ذلك من قيامٍ أو جلوس. قلت: قد استنبط بعضُ العلماء من قوله في حديث عَلْقَمة بن وائل عن أبيه: ((فانطلَقَ ليحلفَ)) القيامَ - والله أعلم - خرَّجه مسلم(٣). الرابع: التغليظُ باللفظ؛ فذهبت طائفةٌ إلى الحلف بالله لا يزيدُ عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِالَّهِ﴾، وقوله: ﴿قُلْ إِى وَرَبٍ﴾ [يونس: ٥٣]، وقال: ﴿وَتَاَللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْتَمَكُرُ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن كان حالفاً فليحلف بالله أو لِيَضْمُتْ))(٤) وقول الرجل: واللهِ لا أزيدُ عليهن(٥). وقال مالك: يحلفُ بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندي حقٌّ، وما اذَّعاه عليَّ باطلٌ. والحجةُ له: ما رواه أبو داود (٦): حدثنا مسدّد قال: حدثنا أبو الأحوص (٧) قال: حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي يحيى، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ :# قال - يعني لرجل حلَّفه -: ((اخْلِفْ بالله الذي لا إله إلّا هو ما له عندك (٨) شيء)) يعني (١) في أحكام القرآن ٧١٩/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) في (م): إن كان قائماً. (٣) في صحيحه (١٣٩): (٢٢٣). وفي رواية أخرى عند مسلم (١٣٩): (٢٢٤) فلما قام ليحلف، وهذه الرواية الثانية هي التي استدل بها القاضي عياض في إكمال المعلم ٤٣٩/١ على أن الحالف يكون قائماً. أما الرواية الأولى فقد استدل بها القاضي عياض في إكمال المعلم، وأبو العباس في المفهم ٣٥٠/١ على أن اليمين تكون في أعظم مواضع البلد، كالبيت بمكة، ومنبر النبي # بالمدينة، ومسجد بيت المقدس، وفي المساجد الجامعة من سائر الأمصار. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٧١٩/٢، وسلف الحديث ٢٣/٤ . (٥) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٣٩٠)، والبخاري (٤٦)، ومسلم (١١) عن طلحة بن عبيد الله ﴾. (٦) في سننه (٣٦٢٠). (٧) هو محمد بن الهيثم بن حماد الثقفي مولاهم، البغدادي ثم العُكْبَري. (٨) في النسخ الخطية: عندي، والمثبت من (م). ٢٦٩ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ للمدَّعي؛ قال أبو داود: أبو يحيى اسمه زياد، كُوفيٌّ ثقةٌ ثَبْت. وقال الكوفيون: يحلفُ بالله لا غير، فإن اتَّهمه القاضي غلَّظ علیه الیمین؛ فَيُحلِّفه بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السرِّ ما يَعلم من العلانية، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور(١). وزاد أصحابُ الشافعيِّ التغليظَ بالمصحف. قال ابن العربي(٢): وهو بدعةٌ ما ذكرها أحدٌ قظٌ من الصحابة، وزعم الشافعيُّ أنَّه رأى ابنَ مازن(٣) قاضيَ صنعاءَ يحلِّفُ بالمصحف، ويأمرُ أصحابه بذلك، ويرويه عن ابن عباس(٤)، ولم يصح. قلت: وفي كتاب ((المهذَّب))(٥) وإنْ حلف بالمصحف وما فيه من القرآن، فقد حكى الشافعي(٦) عن مُطرِّفٍ أنَّ ابن الزبير كان يحلِّف على المصحف. قال: ورأيتُ مطرِّفًا بصنعاءً يحلِّفُ(٧) على المصحف. قال الشافعيُّ: وهو حَسَنٌ. قال ابنُ المنذرِ(٨): وأجمعوا على أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق والعتاق والمصحف. قلت: قد تقدم في الأيمان(٩): وكان قتادة [يكره أن] يحلفَ بالمصحف. وقال أحمد وإسحاق: لا يُكره ذلك؛ حكاه عنهما ابن المنذر(١٠). (١) ذكره ابن المنذر في الإشراف ٢٣٥/٢ عن أبي حنيفة، باب: ذكر صفة اليمين في القسامة، وينظر بدائع الصنائع ٤٣٤/٨ . (٢) في أحكام القرآن ٧١٨/٢ . (٣) هو مطرف بن مازن، توفي سنة (١٩١هـ). الميزان ٤/ ١٢٥ - ١٢٦. (٤) لم نقف عليه عن ابن عباس، وإنما رواه مطرف بن مازن عن ابن الزبير على ما يأتي. (٥) المهذب في فقه الإمام الشافعي لأبي إسحاق الشيرازي ٣٢٣/٢ . (٦) في الأم ٧/ ٣١ . (٧) في (خ) و(ظ): يستحلف. (٨) في الإقناع ٢/ ٥١٧ . (٩) ص١٣٢ من هذا الجزء. (١٠) الإشراف ١/ ٤١١، وما سلف بين حاصرتين منه. ٢٧٠ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ الثالثة عشرة: اختلف مالكٌ والشافعيُّ من هذا الباب في قَدْر المال الذي يُحْلَفُ به (١) في مَقْطَع الحق(٢)؛ فقال مالك: لا تكون اليمينُ في مقطع الحق في أقلّ من ثلاثة دراهم قياساً على القطع، وكلُّ مالٍ تُقْطَع فيه اليدُ، وتَسقُط به حُرمةُ العُضْو، فهو عظيم. وقال الشافعيُّ: لا تكونُ اليمينُ في ذلك في أقلَّ من عشرين ديناراً قياساً على الزكاة، وكذلك عند مِنْبَر كلِّ مسجد(٣). الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ يِاَلَّهِ﴾ الفاءُ في ((فَيُقْسِمانِ)) عاطفةٌ جملةً على جملة، أو جوابُ جزاء؛ لأنَّ ((تَخْبِسونهما)) معناه: احبسوهما، أي: لليمين؛ فهو جوابُ الأمر الذي دلَّ عليه الكلام، كأنه قال: إذا حبستُموهما أَقْسَما(٤)، قال ذو الرُّمة: وإنسانُ عيْنِي يَخْسِرُ الماءُ مرةً فِيَبْدو وتَاراتٍ يَجُمُّ فِيَغْرَقُ(٥) تقديره عندهم: إذا حسَرَ بدا. الخامسة عشرة: واختُلِف مَن المرادُ بقوله: ((فيقسِمان)»؟ فقيل: الوصيَّان إذا ارتيبَ بقولهما(٦). وقيل: الشاهدان؛ إذا لم يكونا عَدْلَين، وارتاب بقولهما الحاكم، حلَّفهما. قال ابن العربيّ(٧) مُبْطِلاً لهذا القول: والذي سمعتُ - وهو بدعةٌ - عن ابن أبي ليلى أنَّه يُحلِّف الطالب مع شاهدَيْهِ أنَّ الذي شهدا به حقٌّ، وحينئذٍ يُقْضَى له (١) في (ظ): يحلف عليه. (٢) مقطع الحق: هو حيث يُفصل بين الخصوم بنص الحكم. اللسان (قطع). (٣) الكلام بنحوه في المعونة ١٥٨٥/٣، والاستذكار ٨٧/٢٢ - ٩١، والمنتقى ٢٣٥/٥. (٤) مشكل إعراب القرآن ١/ ٢٤٢. (٥) ديوان ذي الرمة ٤٦٠/١، ومجالس ثعلب ص٥٤٤، والخزانة ١٩٢/٢. وهو في الديوان والخزانة برواية: تارة، بدل: مرة. قال البغدادي: حسر: نضب عن موضعه وغار. ويجم بضم الجيم وكسرها مضارع جم، أي: كثر وارتفع. قال ثعلب: أي يقل الماء فيُرى، ويكثر فلا يرى. اهـ. وإنسان العين: المثال يُرى في سواد العين. القاموس (أنس). (٦) في (م): في قولهما. (٧) في أحكام القرآن ٧١٨/٢ ، وما قبله منه، وكذلك ما سيرد بين حاصرتين. ٢٧١ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ بالحق. وتأويلُ هذا عندي إذا ارتابَ الحاكمُ بالقبضِ [للحقِّ] فيحلف إنَّه لباق، وأَمَّا غيرُ ذلك فلا يُلتَفَتُ إليه، هذا في المُدَّعي، فكيف يُحْبَس الشاهدُ أو يُحلَّف؟! هذا ما لا يُلتفت إليه. قلت: وقد تقدَّم من قول الطبريّ(١) في أنَّه لا يُعلَم لله حُكْم يجب فيه على الشاهد یمین. وقد قيل: إنما استُحلف الشاهدان؛ لأنَّهما صارا مُدَّعَى عليهما، حيث ادَّعى الورثةُ أنهما خانا في المال. السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شرطٌ لا يتوجَّه تحلیفُ الشاهدين إلا به، ومتى لم يقع رَيْبٌ ولا اختلافٌ؛ فلا يمين. قال ابن عطية (٢): أمَا إنَّه يظهرُ من حكم أبي موسى في تحليف الذِّمَّيِّين أنَّه باليمين تَكْملُ شهادتُهما وتنفذ الوصية لأهلها [وإن لم يَرْتَبْ]؛ روى أبو داود عن الشعبيّ: أنَّ رجلاً من المسلمين حضرته الوفاةُ بدَقُوقاء هذه، ولم يجد أحداً من المسلمين حضَرَه(٣) يُشهِدُه على وصيته؛ فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدِما الكوفة فأتيا الأشعريّ فأخبراه، وقَدِما بتركته ووصيَّته، فقال الأشعريُّ: هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﴿، فَأَحْلَفَهُما بعد العصر: باللهِ ما خانا ولا كَذَبا، ولا بدَّلا ولا كَتَما ولا غيَّرا، وإنَّها لوصِيةُ الرجل وتركتُه. فأمضى شهادتهما(٤). قال ابن عطية (٥): وهذه الرِّيبةُ عند مَن لا يرى الآيةَ منسوخةً تترتَّبُ في الخيانة، وفي الاتّهام بالميلِ إلى بعض المُوصى لهم دون بعض، وتقع مع ذلك اليمينُ عنده. (١) ص٢٥٧ من هذا الجزء. (٢) في المحرر الوجيز ٢٥٣/٢، وما قبله منه. وكذلك ما سيأتي بين حاصرتين. (٣) في النسخ الخطية: حضر، وليست في مصادر التخريج. (٤) سنن أبي داود (٣٦٠٥)، وسلف ص ٢٦٠ من هذا الجزء. قوله: دقوقاء - بالمد والقصر - مدينة بين إربل وبغداد معروفة، كان بها وقعةٌ للخوارج. معجم البلدان ٢/ ٤٥٩ . (٥) في المحرر الوجيز ٢٥٣/٢ . ٢٧٢ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ وأمَّا مَن يرى الآية منسوخةً، فلا يقعُ تحليفٌ إلَّ أن يكون الارتيابُ في خيانة، أو تعدٍّ بوجهٍ من وجوه التعدِّي، فيكون التحليفُ عنده - بحَسَب الدعوى - على منكِر، لا على أنَّه تكميلٌ للشهادة. قال ابن العربيّ(١): يمينُ الريبة والتهمةِ على قسمين؛ أحدهما: ما تقعُ الريبةُ فيه بعد ثبوت الحقِّ وتوجّهِ الدعوى، فلا خلاف في وجوب اليمين. الثاني: التهمةُ المطلَقة في الحقوق والحدود، وله تفصيلٌ بيانُه في كتب الفروع، وقد تحقّقت هاهنا الدعوى وقَوِیَتْ حسْبَما ذُكِر في الروايات. السابعة عشرة: الشرطُ في قوله: ((إِنِ ارْتَبْتُمْ)) يتعلَّقُ بقوله: (تَحْبِسُونَهُمَا))(٢) لا بقوله: ((فَيُقْسِمَانِ))؛ لأنَّ هذا الحبسَ سببُ القسم. الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿لَا نَشْتَرِى بِهِ، ثَمَنَا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرٌّ﴾ أي: يقولان في یمینهما : لا نشتري بقَسَمِنا عِوَضاً نأخذه بدلاً مما أوصى به، ولا ندفعه إلى أحدٍ، ولو كان الذي نُقسم له ذا قُرْبى منا. وإضمارُ القول كثير، كقوله: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَتِهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤] أي: يقولون: سلامٌ عليكم. والاشتراء هنا ليس بمعنى البيع، بل هو التحصيل(٣). التاسعة عشرة: اللام في قوله: ((لَا نَشْتَرِي)» جوابٌ لقوله: ((فَيُقْسِمَانٍ)»؛ لأنَّ ((أقسم)) يلتقي بما يلتقي به القسم(٤)؛ وهو ((لا)) و((ما)) في النَّفي، ((وإنَّ) واللامُ في الإيجابُ(٥). والهاء في ((به)) عائدٌ على اسم الله تعالى، وهو أقربُ مذكور، المعنى: لا نبيع (١) في أحكام القرآن ٧١٩/٢ - ٧٢٠ . (٢) والمعنى: إن ارتبتم حبستموها فاستحلفتموهما. زاد المسير ٤٤٨/٢، وقاله الطبري ٧٦/٩. (٣) في (د) و(خ): للتحصيل. (٤) مشكل إعراب القرآن ٢٤٢/١، والمحرر الوجيز ٢٥٣/٢. (٥) المقتضب ٣٣٤/٢. ٢٧٣ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ حظّنا من الله تعالى بهذا العَرَض(١). ويَحتملُ أنْ يعود على الشهادة وذُكِّرت على معنى القول(٢)، كما قال ﴾: ((واتَّقِ دعوةَ المظلوم فإنَّه ليس بينها وبينَ الله حجابٌ)) فأعاد(٣) على معنى الدعوة الذي هو الدعاء، وقد تقدَّم في سورة النساء(٤). الموفية عشرين: قوله تعالى: ((ثَمَناً)) قال الكوفيون: المعنى: ذا ثمنٍ، أي: سلعةً ذا ثمن، فحذف المضاف وأُقیمَ المضافُ إلیه مقامه. [وهذا ما لا يُحتاج إليه] وعندنا وعند كثيرٍ من العلماء أنَّ الثمن قد يكون هو، ويكونُ السِّلعة(٥)؛ فإنَّ الثَّمن عندنا مشترَى [كما أن المثمون مشترَى]؛ وكلُّ واحدٍ من المَعْنَيين(٦) ثمناً ومثموناً، كان البيعُ دائراً على عَرْضٍ (٧) ونَقْد، أو على عَرْضَيْن، أو على نقْدَيْن. وعلى هذا الأصل تنبني مسألة: إذا أفلس المبتاعُ، ووجد البائعُ متاعه؛ هل يكون أولى به؟ قال أبو حنيفة: لا يكون أولى به. وبناه على هذا الأصل، وقال: يكونُ صاحبُها أسوةَ الغرماء. وقال مالك: هو أحقُّ بها في الفَلَس دون الموت. وقال الشافعيُّ: صاحبُها أحقُّ بها في الفلس والموت. تمسَّك أبو حنيفة بما ذكرنا، وبأنَّ الأصل الكلِّيَّ أنَّ الدَّيْن في ذمَّة المفلِس والمیت، وما بأيديهما محلٌّ للوفاء، فیشتركُ جميع الغرماء فيه بقَدْر رؤوس أموالهم، ولا فرقَ في ذلك بين (٨) أن تكون أعيانُ السِّلَع موجودةً أو لا، إذْ قد خرجت عن ملك (١) في (د): العوض، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ٧٢٠/٢ . (٢) البيان لأبي البركات الأنباري ٣٠٨/١ . (٣) بعدها في (م): الضمير. (٤) ٦ / ٨٥ . (٥) في (ظ): وتكون السلعة ثمناً. (٦) في (م) والمطبوع من أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٢٠ (والكلام منه): فكل واحد من المبيعين. والمثبت من النسخ الخطية، وما سلف بين حاصرتين من أحكام القرآن. (٧) أي: متاع. (٨) في (خ) و(ظ): من، بدل: بين. ٢٧٤ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ بائعها، ووجبت أثمانُها لهم في الذِّمَّة بالإجماع، فلا يكون لهم إلا أثمانُها [إن وجدت]، أو ما وُجِد منها. وخَصَّص مالكٌ والشافعيُّ هذه القاعدة بأخبارٍ رُويت في هذا الباب رواها الأئمةُ أبو داود وغيره(١). الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُ شَهَدَةَ الَّهِ﴾ أي: ما أَعْلَمَنا اللهُ من الشهادة. وفيها سبعُ قراءات، مَن أرادها وجدها في ((التحصيل))(٢) وغيره. الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَ أَنَّهُمَا أَسْتَحَقًّاَ إِثْمًا﴾ قال عمر: هذه الآيةُ أَعْضَلُ ما في هذه السورةِ من الأحكام(٣). وقال الزجَّاج(٤): أصعبُ ما في القرآن من الإعراب قوله: ﴿مِنَ الذينَ اسْتُحِقَّ عليهم الأوليان﴾(٥). عثر على كذا، أي: اطّلع عليه؛ يقال: عثرْتُ منه على خيانة، أي: اطّلعتُ، وأعثرتُ غيري عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾. لأنَّهم كانوا يطلبونهم وقد خَفِي عليهم موضعُهم(٦)؛ وأصل العثورِ: الوقوعُ والسقوط على الشيء، ومنه (١) المفهم ٤٣٢/٤، وما سلف بين حاصرتين منه. ودليل مالك في أن صاحبها أحقُّ بها في الفَلَس دون الموت: ما أخرجه هو في الموطأ ٦٧٨/٢، ومن طريقه أبو داود (٣٥٢٠) عن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث، أن رسول الله # قال: ((أيُّما رجل باع متاعاً، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئاً، فَوَجَدِ متاعه بعينه، فهو أحقُّ به، وإن مات المشتري، فصاحبُ المتاع أسوةُ الغرماء)» قال أبو العباس: هذا مرسل صحيح. ودليل الشافعي أن صاحبها أحقُّ بها في الفَلَس والموت: ما أخرجه أبو داود (٣٥٢٣) وابن ماجه (٢٣٦٠) من حديث أبي هريرة﴾ يرفعه: ((مَن أفلس أو مات، فوَجد رجلٌ متاعه بعينه، فهو أحقُّ به)). (٢) لعله كتاب: التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل، للمهدوي أحمد بن عمار، وقد ذكره المصنف، في المسألة الثانية عشرة من تفسير الآية الثانية من سورة النور. وقراءة الجمهور هي المذكورة أعلاه، وما عداها فهي قراءات شاذة، وينظر بعضها في القراءات الشاذة ص٣٥ ، والمحتسب ٢٢١/١، والبحر المحيط ٤/ ٤٤، والدر المصون ٤٦٨/٤ - ٤٧٠ . (٣) ذكره عن عمر ﴾ الرازي في التفسير ١٢١/١٢، وعزاه للواحدي في البسيط. (٤) في معاني القرآن ٢١٦/٢ . (٥) (اسْتُحِقَّ)) بضم التاء وكسر الحاء، قراءة الجماعة غير حفص فقد قرأ بفتح التاء والحاء، كما سيذكر المصنف. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٧٢١/٢ . ٢٧٥ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ قولهم: عثرَ الرجلُ يعثرُ عثوراً: إذا وقعتْ إصبعُه بشيء صدمته، وعثرتْ إِصبعُ فلانٍ بكذا: إذا صدمتْه فأصابته ووقعتْ عليه. وعثر الفرسُ عِثاراً (١)؛ قال الأعشى: بذاتٍ لَوْثٍ عَفَرْنَاةٍ إذا عَثَرَتْ فالنَّعْسُ أدْنَى لها مِن أنْ أقول لَعَا(٢) والعِثْيَر: الغبارُ الساطع؛ لأنَّه يقع على الوجه(٣)، والعِثْيَر: الأثرُ الخفيُّ(٤)؛ لأنَّه يُوقَع عليه من خَفَاء. والضمير في ((أنهما)) يعود على الوصيَّيْن اللَّذَيْن ذُكِرا في قوله عزَّ وجلَّ: ((اثنان))؛ عن سعيد بن جبير. وقيل: على الشاهدين؛ عن ابن عباس(٥). و((استَحَقًّا)) أي: استوجبا ((إِثْماً)) يعني بالخيانة، وأخذِهما ما ليس لهما، أو باليمين الكاذبة، أو بالشهادة الباطلة. وقال أبو علي: الإثمُ هنا اسمُ الشيء المأخوذ؛ لأنَّ آخِذَه بأَخْذِه آئِمٌ؛ فسُمِّي إِثْماً، كما سُمِّي ما يُؤخذ بغير حقِّ مَظْلِمة. وقال سيبويه: المَظْلِمة اسمُ ما أُخِذ منك. فكذلك سُمِّ هذا المأخوذ باسم المصدر (٦)؛ وهو الْجَامُ. الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فَاخَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يعني في الأيمان، أو في الشهادة، وقال: ((آخَرَانٍ)) بحسَب [الاتفاق] أنَّ الورثةَ كانا اثنين(٧). وارتفع ((آخران)» بفعلٍ مضمَر. ((يَقُومَانِ)) في موضع نعت. ((مَقامَهما)) مصدر، وتقديره: مقاماً (١) تفسير الطبري ٩/ ٨١، ومجمع البيان ٢٢٧/٧ . (٢) ديوان الأعشى ص ١٥٣، والخزانة ٣٦٣/١١. قال البغدادي: لعاً: كلمة تقال للعاثر في معنى: اسلم. اهـ. والمعنى: أنها ناقة لا تعثر لقوتها، ولو عثرت لقلت لها: تعِسْتِ. واللوث: القوة. وناقة عفرناة: أي قویة. اللسان (لوث) و(عفر). (٣) تهذيب اللغة ٣٢٤/٢ - ٣٢٥، ومجمع البيان ٢٢٧/٧ . وقوله: الغبار الساطع، قال صاحب اللسان (سطع): السَّطْع: كل شيء انتشر وارتفع من برق أو غبار أو نور أو ريح. (٤) وكذلك: العَيْثر بوزن غَيْهَب. ينظر مجمل اللغة ٦٤٧/٣، والصحاح (عثر)، والقاموس (عثر). (٥) النكت والعيون ٧٧/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٧٢١/٢ . (٦) المحرر الوجيز ٢٥٤/٢، وكلام أبي علي في الحجة ٢٦٨/٣، وكلام سيبويه في الكتاب ٤/ ٩١. (٧) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٢٢ ، وما بين حاصرتين منه. ٢٧٦ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ مثلَ مَقامِهما، ثم أُقيم النعتُ مقام المنعوت، والمضافُ مقامَ المضاف إليه(١). الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿من الذين اسْتُحِقَّ عليهم الأَوْلَيَان﴾ قال ابن السَّرِيِّ(٢): المعنى: استُحقَّ عليهم الإيصاءُ؛ قال النحاس(٣): وهذا من أحسن ما قيل فيه؛ لأنه لا يُجعل حرف بدلاً من حرف، واختاره ابنُ العربي(٤). وأيضاً فإنَّ التفسير عليه؛ لأنَّ المعنى عند أهل التفسير: من الذين استُحقَّتْ عليهم الوصيةُ. و((الْأَوْلَيَانِ)) بدلٌ من قوله: ((فآخَران)) قاله ابن السَّرِيِّ، واختاره النحاس(٥)، وهو بدلُ المعرفةِ من النكرة، وإبدالُ المعرفة من النكرة جائز. وقيل: النكرة إذا تقدَّم ذكرُها ثم أُعيد ذِكرها صارت معرفة، كقوله تعالى: ﴿كَمِشْكَوْمٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ثم قال: ﴿أَلْيِصَاحُ فِ زُجَابَةٍ﴾ ثم قال: ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ [النور: ٣٥]. وقيل: هو بدلٌ من الضمير في ((يقومان)) كأنه قال: فيقوم الأوليان، أو خبرُ ابتداءٍ محذوفٍ؛ التقدير: فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان(٦). وقال ابنُ عيسى: ((الأَوْلَيَان)) مفعولُ ((اسْتُحِقَّ) على حذف المضاف؛ أي: استُحقَّ فيهم وبسببهم إثمُ الأَوْليين، فعليهم بمعنى فيهم، مثل: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: في ملك سليمان (٧). وقال الشاعر: متى ما تُنكروها تَعرفوها على أَقطارها عَلَقٌ نَفِيثُ(٨) (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٧/٢ . (٢) هو إبراهيم بن السري، أبو إسحاق الزجاج، والكلام في معاني القرآن له ٢١٧/٢. (٣) في الناسخ والمنسوخ ٣١٣/٢، وعنه نقل المصنف قول الزجاج. (٤) في أحكام القرآن ٢/ ٧٢٢ - ٧٢٣ . (٥) في الناسخ والمنسوخ ٣١٣/٢، وقول الزجاج في معاني القرآن ٢١٧/٢ . (٦) الحجة للفارسي ٢٦٧/٣ . (٧) تنظر وجوه الإعراب هذه وغيرها في معاني القرآن للفراء ٣٢٤/١، ومعاني القرآن للزجاج ٢١٦/٢-٢١٧، وتفسير الطبري ٩٨/٩ ١٠١، وإعراب القرآن للنحاس ٤٧/٢ وتفسير الرازي ١٢٠/١٢، والدر المصون ٤/ ٤٧٣ - ٤٧٨ . (٨) البيت لأبي المثلَّم الهُذَلي، وهو في ديوان الهُذَليين ٢٢٤/٢ ، ونسبه ابن قتيبة في أدب الكاتب = ٢٧٧ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ أي: في أقطارها. وقرأ يحيى بن وَثَّاب والأعمشُ وحمزة: ((الأَوَّلِينَ))(١) - جمع أوَّل ــ على أنَّه بدلٌ من ((الذينَ))، أو من الهاء والميم في ((عليهم)) (٢). وقرأ حفص: ((اسْتَحَقَّ) بفتح التاء والحاء (٣)، ورُوي عن أبيّ بن كعب(٤)، وفاعلُه (الأَوْلَيَانٍ)) والمفعولُ محذوف، والتقدير: من الذين استحقَّ عليهم الأوليان(٥) بالميت وصيته التي أوصى بها(٦). وقيل: استحقَّ عليهم الأوليان رَدَّ الأيمان. وروي عن الحسن: ((الْأَوْلَانِ)). وعن ابن سيرين: ((الأوْلَيْنِ)). قال النحاس(٧): والقراءتان لَحْنٌ؛ لا يقال في مَثْنى: مَثْنَان(٨)، غير أنه قد رُوي عن الحسن: ((الأَوَّلانٍ))(٩). الخامسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: يَخْلِفان الآخران اللَّذان يقومان مقام الشاهدين(١٠): أنَّ الذي قال صاحبُنا في وصيَّته حقٌّ، وأنَّ المال الذي = ص٥١٨، وفي المعاني الكبير ٢/ ٩٧٠ لصخر الغي. والعلق: الدم. ويصف في هذا البيت كتيبة؛ يقول: متى ما أنكرتم ما هذه الكتيبة عرفتموها بهذه العلامة، يسيل من أقطارها الدم، كذلك شرحه ابن قتيبة، وذكر البطليوسي في الاقتضاب ص٤٥١ أن الهاء في ((تنكروها)) تعود على المقالة، والمعنى أقول فيكم مقالة لا تقدرون على إنكارها ورفعها على أنفسكم ... (١) قراءة حمزة في السبعة ص٢٤٨، والتيسير ص ١٠٠، وقرأ بها من العشرة أيضاً عاصم في رواية أبي بكر، ويعقوب وخلف. النشر ٢٥٦/٢ . وذكرها عن الأعمش ويحيى بن وثاب النحاس في الناسخ والمنسوخ ٣١٣/٢. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤٧، ومشكل إعراب القرآن ٢٤٣/١ . (٣) السبعة ص٢٤٨، والتيسير ص ١٠٠ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٧/٢ . (٥) في (د): أولیان. (٦) الكشف عن وجوه القراءات ٤٢٠/١ . (٧) كلام النحاس هذا مع ما قبله من قراءة الحسن وابن سيرين هو في إحدى نسخ إعراب القرآن له كما في حواشيه ٢/ ٤٧ . (٨) في النسخ الخطية: مثنيان، والمثبت من (م) وحاشية إعراب القرآن. (٩) القراءات الشاذة ص٣٥، قال السمين في الدر ٤٨١/٤: والمراد بهما الاثنان المتقدمان في الذكر. (١٠) تفسير الطبري ٩/ ١٠٣. ٢٧٨ سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨ وصَّى به إليكما كان أكثرَ ممَّا أَتيتُمانا به، وأنَّ هذا الإناء لَمِن متاع صاحبنا الذي خرج به معه وكتبَه في وصيته، وأنَّكُما خُنْتُما، فذلك قوله: ﴿لَشَهَدَنْنَا أَحَقٌّ مِن شَدَتِهِمَا﴾ أي: يمينُنا أحقُّ من يمينهما؛ فصحَّ أنَّ الشهادة قد تكونُ بمعنى اليمين(١)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتٍِ﴾ [النور: ٦]. وقد روى مَعْمَر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عَبِيدة قال: قامَ رجلان من أولياء الميِّت فحلفا(٢). ((لَشَهَادَتْنَا أَحَقُّ)) ابتداءٌ وخبر. وقوله: ﴿وَمَا أَعْتَدَيْنَآَ﴾ أي: [وما] تجاوزنا الحق في قَسَمِنا. ﴿إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن كنا حَلَفْنا على باطل، وأخذنا ما ليس لنا(٣). السادسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْفَ﴾ ابتداءٌ وخبر ﴿أَن﴾ في موضع نصب(٤) ﴿يَأَتُواْ﴾ نصب بـ ((أن)) ﴿أَوْ يَخَافُوا﴾ عطف عليه ﴿أَنْ تُرَدَّ﴾ في موضع نَصْبٍ بـ « يخافوا)»(٥) ﴿أَعٌَْ بَعْدَ أَيْمَتِهِمْ﴾. قيل: الضمير في ((يَأْتوا)) و((يَخافوا)) راجعٌ إلى الموصَى إليهما، وهو الأَلْيَقُ بمسَاق الآية. وقيل: المرادُ به الناس، أي: أَخْرى أن يَحْذَر الناسُ الخيانةَ فِيَشْهَدوا بالحقِّ خوفَ الفضيحة في ردِّ اليمين على المدَّعي، والله أعلم. السابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُوا﴾ أمرٌ، ولذلك حُذِفت منه النون، أي: اسمعوا ما یقالُ لکم، قابلینَ له، متبعین أمرَ الله فیه. ﴿وَلَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فَسَقَ يفْسِق ويفْسُق: إذا خرج من الطاعة إلى المعصية، وقد تقدَّم(٦)، والله أعلم. (١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣١٣/٢. (٢) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٠٠/١ . (٣) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣١٣/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. (٤) أي: في موضع نصب على حذف حرف الجر، تقديره: بأن يأتوا. مشكل إعراب القرآن ٢٤٣/١. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٨/٢. (٦) ٣٦٨/١. ٢٧٩ سورة المائدة: الآية ١٠٩ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَّ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ يقال: ما وجهُ اتصالٍ هذه الآية بما قَبْلها؟ فالجواب: أنَّه اتصالُ الزَّجْر عن الإظهار خلافَ الإبطانِ في وصيةٍ أو غيرِها، مما يُنبِئُ أنَّ المُجازِيَ علیه عالمٌ به. و((يومَ» ظرفُ زمانٍ والعاملُ فيه ((واسمعوا)) أي: واسمعوا خَبَر يوم. وقيل: التقدير: واتقوا يومَ يجمعُ الله الرُّسُل؛ عن الزجاج(١). وقيل: التقدير: اذكروا أو احذَروا يومَ القيامة حين يجمع الله الرسل، والمعنى متقارِبٌ، والمراد: التهديدُ والتخويف. ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي: ما الذي أجابتكم به أُممكم؟ وما الذي ردَّ عليكم قومُكُم حين دعوتموهم إلى توحيدي؟. ﴿قَالُوا﴾ أي: فيقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنْآَ﴾. واختلف أهل التأويل في المعنى المراد بقولهم: ((لَا عِلْمَ لَنَا))؛ فقيل: معناه: لا علمَ لنا بباطنٍ ما أجاب به أُمَمنا؛ لأنَّ ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء، وهذا مَرْوِيٌّ عن النبيِّ ﴾(٢). وقيل: المعنى: لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، فحذف؛ عن ابن عباس ومجاهدٍ بخلاف(٣). وقال ابنُ عباس أيضاً: معناه لا علم لنا إلا علمٌ أنت أعلمُ به منا (٤). وقيل: إنهم يَذْهَلون من هَوْل ذلك، ويَفْزَعون عن(٥) الجواب، ثم يُجيبون بعدما (١) معاني القرآن له ٢١٨/٢. ونقله المصنف بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٤٨/٢ (٢) لم نقف عليه مرفوعاً، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٧٨/٢ عن الحسن وذكره الرازي ١٢٣/١٢ عن ابن عباس. (٣) أخرجه الطبري ١١١/٩، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٧٨/٢ عن مجاهد، ولم نقف عليه عن ابن عباس. (٤) أخرجه الطبري ٩/ ١١٠ . (٥) في (م): من. ٢٨٠ سورة المائدة: الآية ١٠٩ تَثُوب إليهم عقولُهم فيقولون: ((لا عِلْمَ لنا))؛ قاله الحسنُ ومجاهدٌ والسدِّي(١). قال النحاس(٢): وهذا لا يصح؛ لأنَّ الرُّسل صلواتُ الله عليهم لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. قلت: هذا في أكثرِ مواطنِ القيامة؛ ففي الخبر: ((إنَّ جهنمَ إذا جيءَ بها زَفَرت زَفْرةَ، فلا يبقى نبيٍّ ولا صِدِّيقٌ إلَّا جَثَا لركبتيه))(٣). وقال رسولُ الله﴾: ((خوَّفني جبريلُ يومَ القيامة حتى أبكاني، فقلت: يا جبريلُ، ألم يُغفرْ لي ما تقدَّمَ من ذنبي وما تأخّر؟ فقال لي: يا محمد لتَشْهدنَّ مِن هَوْل ذلك اليوم ما يُنسيك المغفرة))(٤). قلت: فإن كان السؤال عند زفرة جهنم - كما قاله بعضُهم - فقولُ مجاهدٍ والحسن صحیح، والله أعلم. قال النحاس(٥): والصحيحُ في هذا أنَّ المعنى: ماذا أُجِبتم في السرِّ والعلانية؛ ليكون هذا توبيخاً للكفار، فيقولون: لا عِلْم لنا، فيكون هذا تكذيباً لمن اتخذَ المسيحَ إلهاً. وقال ابنُ جُرَيْج: معنى قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾: ماذا عَمِلوا بعدكم؟ قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَّا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبٍ﴾(٦)؛ قال أبو عبيد: ويُشْبِهِ هذا حديثَ النبيِّ ﴿ أَنَّه قال: (يَرِدُ عَلَيَّ أقوامٌ الحوضَ فِيُخْتَلَجون، فأقولُ: أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بَعْدَك))(٧). (١) أخرج قولهم الطبري ٩/ ١١٠ - ١١١. (٢) في إعراب القرآن ٤٨/٢ . (٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣٧١/٥ و ٣٧٣ عن كعب الأحبار من قوله. (٤) لم نقف عليه. (٥) في إعراب القرآن ٢/ ٤٨ . (٦) أخرجه الطبري ٩/ ١١٢، قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٥٧/٢: وهذا معنى حسن في نفسه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ لكن لفظة: ((أجبتم)) لا تساعد قول ابن جريج إلا على کړه. (٧) أخرجه أحمد (٢٣٢٩٠)، ومسلم (٢٢٩٧) من حديث حذيفة ، وقد سلف بنحوه ٥/ ٢٥٧ من =