Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة المائدة: الآيتان ٨٨ - ٨٩
فمذاهبُ الناسِ في تمكينِ النفس منها مختلفةٌ. فمنهم مَن يرى صَرْفَ النفسِ عنها
وقَهْرَها عن اتِّباع شهواتها أَخْرى؛ ليَذِلَّ له قيادُها، ويَهُونَ عليه ◌ِنادُها؛ فإنَّه إذا
أعطاها المرادَ يصيرُ أسيرَ شهواتِها، ومنقاداً بانقیادِها.
حُكِي أنَّ أبا حازم كان يَمرُّ على الفاكهةِ فيشتهيها، فيقولُ: مَوعدُكِ الجنةُ (١).
وقال آخرون: تمكينُ النفسِ من لذَّاتِها أَوْلى؛ لِمَا فيه من ارتياحِها ونشاطِها
بإدراك إرادتها.
وقال آخرون: بل التوسّطُ في ذلك أَولى؛ لأنَّ إعطاءَها(٢) ذلك مرةً، ومنعَها
أُخرى، جَمْعٌ بينَ الأمرين، وذلك النَّصَفُ من غيرِ شَيْن. وتقدَّم معنى الاعتداءِ والرزقِ
في ((البقرة))(٣) والحمدُ لله.
قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَلَغْوِ فِيَ أَيْمَلِكُمْ وَلَكِن يُؤَكِذُكُم بِمَا عَقَّدتُمُ
الْأَيْمَنِّ فَكَفَّرَتُهُ: إِلْعَامُ عَشَرَوْ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ
أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ ثَةِ أَيَّاءِ ذَلِكَ كَفََّةُ أَيْمَيْكُمْ إِذَا حَقْتُهْ
وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اَللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
فيه سبعٌ وأربعون مسألةً:
الأولى: قولُه تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُّكُ اَللَّهُ بِلَّغْوٍ فِ أَيْمَئِكُمْ﴾ تقدَّم معنى اللَّغوِ في
((البقرة))(٤).
ومعنى ﴿فيِ أَيْمَئِكُمْ﴾ أي: مِن أيمانِكم(٥)، والأيمانُ جمعُ يمينٍ. وقيل: يَمين
(١) العقد الفريد ١٦٨/٣، وأبو حازم هو سلمة بن دينار، المخزومي مولاهم، شيخ المدينة المنورة، التمار
القاصّ الزاهد، ولد في أيام ابن الزبير وابن عمر، وتوفي سنة (١٤٠هـ). وقيل غير ذلك. السير ٩٦/٦ .
(٢) في (د) و(ز) و(م): لأن في إعطائها.
(٣) ٢٧٢/١ و١٥٨/٢.
(٤) ٤ / ١٧ .
(٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٨٩/٣، وقال الكيا: فكأن الأيمان منقسمة إلى ما يتعلق به مؤاخذة، وإلى
ما لا يتعلق به مؤاخذة.

١٢٢
سورة المائدة: الآية ٨٩
فَعِيل، من اليُمْن: وهو البركةُ، سمَّاها الله تعالى بذلك؛ لأنها تحفظُ الحقوق(١).
ويَمين تُذكَّر وتؤنَّث، وتجمع: أَيْمَان وأَيْمُنُّ؛ قال زهير:
فتُجمَعُ أيْمُنْ مِنَّا ومِنكم(٢)
الثانية: واختُلِف في سببٍ نزول هذه الآية؛ فقال ابن عباس: سببُ نزولها القوم
الذين حَرَّموا طيباتِ المطاعمِ والملابسِ والمناكحِ على أنفسهم، حَلَفوا على ذلك،
فلما نزلت: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَّا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] قالوا: كيف نصنعُ
بأيماننا؟ فنزلت هذه الآيةُ(٣).
والمعنى على هذا القول: إذا أتيتُم باليمينِ ثم أَلغيتُموها - أي: أَسقطتُم حُكْمَها
بالتكفيرِ وكَفَّرتم - فلا يُؤاخذُكم اللهُ بذلك، وإنما يُؤاخِذكم بما أَقمتم عليه فلم
تُلْغوه، أي: فلم تُكفِّروا(٤). فبانَ بهذا أنَّ الحَلِفَ لا يُحرِّم شيئاً، وهو دليلُ الشَّافعيِّ
على أنَّ اليمين لا يتعلَّقُ بها تحريمُ الحلالِ، وأنَّ تحريمَ الحلالِ لَغْوٌ، كما أنَّ تحليل
الحرامِ لَّغْو، مثل قولِ القائل: استحللتُ شرب الخمر، فتقتضي الآيةُ على هذا القولِ
أنَّ الله تعالى جعل تحريم الحلالِ لَغْواً في أنَّه لا يُحرِّم، فقال: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بَِلَغْوٍ
فيِ أَيْمَتِكُمْ﴾ أي: بتحريم الحلال(٥).
ورُوي أنَّ عبد الله بنَ رَوَاحة كان له أيتامٌ وضيفٌ، فانقلب من شُغْلِه بعد ساعةٍ
من الليل، فقال: أَعشَيتُم ضَيفي؟ فقالوا: انتظرناك، فقال: لا واللهٍ لا آكُلُه الليلةَ،
فقال ضيفُه: وما أنا بالذي يأكل، وقال أيتامُه: ونحن لا نأكل. فلما رأى ذلك أَكَلَ
(١) وقال الجوهري في الصحاح (يمن): سمي بذلك لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل امرئ منهم يمينه
على يمين صاحبه. وقال الأزهري في تهذيب اللغة ٥٢٦/١٥: قيل للحَلف: يمين، باسم اليد، وكانوا
يبسطون أيمانهم إذا حلفوا، أو تحالفوا وتعاقدوا وتبايعوا.
(٢) ديوان زهير بشرح ثعلب ص٧٨، وقد تقدم ٢١/٤ .
(٣) أخرجه الطبري ٦١٦/٨ .
(٤) ينظر المحرر الوجيز ٣٠١/١، وذكر ابن عطية هذا القول عن ابن عباس والضحاك، وقد سلف ١٩/٤.
(٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٨٩/٣ .

١٢٣
سورة المائدة: الآية ٨٩
وأَكَلوا. ثم أتى النبيَّ ◌َ﴿ فأخبره، فقال له: ((أَطَعْتَ الرحمن وعَصيتَ الشيطان)) فنزلت
الآيةُ(١).
الثالثة: الأَيمانُ في الشريعة على أربعة أقسام: قسمان فيهما الكفَّارةُ، وقسمان لا
كفَّارةَ فيهما. خرَّج الدارَقُطْنيُّ في ((سننه))(٢): حدَّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز،
حدَّثنا خلف بن هشام، حدثنا عَبْثَر، عن ليثٍ، عن حمادٍ، عن إبراهيم، عن عَلْقَمة،
عن عبدِ الله قال: الأَيمانُ أربعةٌ: یمینان یُكفَّران، ویمینان لا يُكفَّران، فالیمینان
اللَّذان يُكفّران(٣): فالرجلُ يحلف(٤): واللهِ لا أفعلُ كذا وكذا، فيفعل، والرجلُ
يقول: والله لأفعلنَّ كذا وكذا، فلا يفعلُ، واليمينان اللَّذان لا يُكفَّران: فالرجلُ
يحلفُ: ما فعلتُ(٥) كذا كذا، وقد فعل، والرجلُ يحلف: لقد فعلت كذا وكذا، ولم
يفعله(٦).
قال ابن عبد البر (٧): وذكر سفيانُ الثوريُّ في ((جامعِه)) - وذكره المَرْوَزِيُّ(٨) عنه
أيضاً - قال سفيانُ: الأيمانُ أربعةٌ: يمينان يُكفَّران: وهو أن يقول الرجلُ: واللهِ لا
أفعلُ، فيفعل، أو يقولَ: واللهِ لأفعلنَّ، ثم لا يفعل، ويمينانِ لا يُكفَّران: وهو أن
يقول الرجلُ: والله ما فعلتُ، وقد فعل، أو يقولَ: واللهِ لقد فعلتُ، وما فعلَ.
(١) أخرجه الطبري ٦١٣/٨ عن زيد بن أسلم، وهو مرسل. وأخرجه عبد الرزاق (١٦٠٤٥) عن مجاهد
قال: نزل رجل على رجل من الأنصار ... ، وذكر القصة.
(٢) برقم (٤٣٢٨)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى ٣٨/١٠.
(٣) قوله: فاليمينان اللذان يكفران، ليس في سنن الدارقطني والبيهقي.
(٤) في (م): فالرجل الذي يحلف.
(٥) في (م): والله ما فعلت.
(٦) قال البيهقي ٣٨/١٠: هكذا رواه عبثر بن القاسم عن ليث بن أبي سليم، وخالفه سفيان الثوري فرواه
عن ليث، عن زياد بن كليب أبي معشر، عن إبراهيم من قوله، وهو أشبه . اهـ ثم أخرجه من طريق
سفیان المذکور.
(٧) في التمهيد ٢١/ ٢٥٠ .
(٨) هو محمد بن نصر، والكلام في كتابه اختلاف العلماء ص٢١١ .

١٢٤
سورة المائدة: الآية ٨٩
قال المروزيُّ(١): أمَّا اليمينان الأُوْليان، فلا اختلافَ فيهما بين العلماء [أنه] على
ما قال سفيان. وأمَّا اليمينان الأُخْريان، فقدِ اختلف أهلُ العلم فيهما؛ فإن كان
الحالفُ(٢) على أنه لم يفعلْ كذا وكذا - أو أنه قد فعلَ كذا وكذا - عند نفسِه صادقاً
يَرَى أنَّه على ما حلفَ عليه، فلا إثمَ عليه ولا كفَّارةَ عليه(٣) في قولِ مالكٍ وسفيانَ
الثوريِّ وأصحاب الرأي، وكذلك قال أحمدُ وأبو عبيد [وأبو ثور]. وقال الشافعيُّ:
لا إثمَ عليه وعليه الكفَّارةُ.
قال المروزيُّ: وليس قولُ الشافعي في هذا بالقوي. قال: وإن كان الحالفُ على
أنه لم يفعلْ كذا - وقد فَعَلَ - متعمِّداً للكذب، فهو آثمٌ، ولا كفَّارةَ عليه في قولِ عامةٍ
العلماء: مالكِ وسفيانَ الثوريِّ وأصحابِ الرأي وأحمد بن حنبل وأبي ثورٍ وأبي
عبيد. وكان الشافعيُّ يقول: يُكَفِّر. قال: وقد رُوي عن بعضٍ التابعين مثلُ قولٍ
الشافعي.
قال المروزيُّ: أَميلُ إلى قول مالكٍ وأحمدَ (٤).
قال: فأمَّا يمينُ اللغو الذي اتفقَ عامَّةُ العلماء على أنها لَغْوٌ؛ فهو قولُ الرجل: لا
واللهِ، وبلى واللهِ، في حديثه وكلامِه؛ غيرَ معتقدٍ(٥) لليمين ولا مُريدها. قال
الشافعي(٦): وذلك عند اللَّجاجِ والغضبِ والعَجَلة.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿ولكنْ يُؤَاخِذُكُمْ بما عَقَدْتُم الأَيْمان﴾ مخَفَّف القاف(٧)؛
(١) في اختلاف العلماء ص٢١١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عبد البر في التمهيد ٢١/ ٢٥٠، وما
سیرد بین حاصر تین منهما.
(٢) بعدها في (د) و(ز) و(م): حلف، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في المصدرين المذكورين.
(٣) قوله: ولا كفارة عليه، ليس في (ظ) ولا التمهيد.
(٤) في اختلاف العلماء: أميل إلى قول سفيان وأحمد، وفي التمهيد: أميل إلى قول مالك وسفيان وأحمد.
(٥) في (م): منعقد.
(٦) في الأم ٧ / ٥٧ .
(٧) وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر. السبعة ص٢٤٧، والتيسير ص ١٠٠ .

١٢٥
سورة المائدة: الآية ٨٩
من العَقد، والعَقدُ على ضَرْبَيْن: حِسِّيّ، كعَقْد الحَبْل، وحُكْمَيّ، كعَقْد البيع(١)؛ قال
الشاعر(٢):
قومٌ (٣) إذا عَقَدوا عَقْداً لجارِهمُ شَدُّوا العِنَاجَ وَشَدُّوا فوقه الكَرَبَا
فاليمينُ المنعقدةُ مُنْفَعِلة من العَقْد(٤)، وهي عقدُ القلب في المستقبل ألَّ يفعلَ،
ففعل؛ أو ليفعلنَّ، فلا يفعل، كما تقدَّم. فهذه التي يحلُّها الاستثناءُ والكفَّارة، على ما
یآتي(٥).
وقُرئ: ((عَاقَدْتُمْ)) بألفٍ بعد العين على وزنٍ فَاعَلَ (٦)، وذلك لا يكونُ إلَّا من
اثنين في الأكثر. وقد يكون الثاني مَن حُلِف لأجلِه في كلامٍ وَقَع معه(٧).
أو يكون المعنى: بما عاقدتم عليه الأَيْمانَ؛ لأنَّ عاقدَ قريبٌ من معنى عاهَد،
فَعُدِّيَ بحرف الجر لمَّا كان في معنى عاهد، وعاهدَ يتعدّى إلى مفعولين الثاني منهما
بحرفٍ جر؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْثَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وهذا كما
عدِّيتْ: ﴿نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٥٨] بإلى، وبابُها أن تقول: ناديتُ زيداً ﴿وَنَدَيْتَهُ
مِن جَانِ اُلُُّورِ آلْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، لكنْ لمَّا كانت بمعنى ((دعوت)) عدِّيَ بإلى؛ قال
الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى الَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣]. ثم اتسعَ في قوله
تعالى: ((عَاقَدْتُمْ(٨) الأيمانَ)) فحذفَ حرف الجر، فوصل الفعل إلى المفعول فصار:
عاقدتموه [الأيمانَ]، ثم حُذِفت الهاء كما حُذفت من قولِه تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾
[الحجر: ٩٤].
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٦٣٥/٢ .
(٢) هو الحطيئة، والبيت في ديوانه ص١٢٨، وقد سلف ٢٤٦/٧ .
(٣) قوله: قوم، من (م)، وليس في باقي النسخ، وهو الموافق لما في الديوان.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٦٣٥/٢ .
(٥) في المسألة السادسة عشرة.
(٦) وهي قراءة ابن عامر في رواية ابن ذكوان. السبعة ص ٢٤٧، والتيسير ص١٠٠ .
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٦٣٩/٢ .
(٨) بعدها في (د) و(ز) و(م): عليه.

١٢٦
سورة المائدة: الآية ٨٩
أو يكون ((فَاعلَ)) بمعنى: ((فَعلَ)) كما قال تعالى: ﴿قَانَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٠]
أي: قَتَلهم. وقد تأتي المفاعلةُ في كلامِ العربِ من واحدٍ بغيرِ معنى ((فاعلْتُ))،
كقولهم: سافرتُ وظاهرتُ(١).
وقرئ: ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ بتشديد القاف(٢). قال مجاهدٌ: معناهُ: تعمَّدتم(٣)، أي:
قَصدتُم. ورُوي عن ابن عمر أنَّ التشديدَ يقتضي التكرارَ، فلا تجبُ عليه الكفَّارةُ إلَّا
إذا كَرَّر(٤). وهذا يَردُّه ما رُوي أنَّ النبيَّ :﴿ قال: ((إنِّي واللهِ - إن شاء الله - لا أحلفُ
على يمينٍ؛ فَأَرَى غيرَها خيراً منها، إلَّا أتيتُ الذي هو خيرٌ، وكَفَّرتُ عن يميني)) فذكَرَ
وجوبَ الكفَّارة في اليمين التي لم تَتكرر (٥).
قال أبو عُبيد: التشديدُ يقتضي التكريرَ(٦) مرةً بعدَ مرةٍ، ولستُ آمَنُ أن يَلْزِمَ مَن
قرأ بتلك القراءةِ ألَّا يُوجِبَ (٧) عليه كفَّارة في اليمينِ الواحدةِ حتى يُردِّدَها مِراراً، وهذا
قولُ خلافُ الإجماع(٨).
روى نافعٌ أنَّ ابن عمر كان إذا حَنِثَ من غيرِ أن يؤكدَ اليمينَ؛ أَطعم عشرة
مساكين، فإذا وَكَّد اليمينَ أعتقَ رقبةً. قيل لنافع: ما معنى وَكَّد اليمينَ؟ قال: أن
(١) ينظر الحجة للفارسي ٢٥٢/٣ - ٢٥٣، والمحرر الوجيز ٢٢٩/٢، وما بين حاصرتين منه، وينظر ما
سلف ٢٨/١ و٦/ ٣٧٣ .
(٢) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر في رواية هشام، وعاصم في رواية حفص. السبعة
ص٢٤٧، والتيسير ص١٠٠ .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٥٩٥٣)، والطبري ٦١٧/٨ - ٦١٨ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٦٣٩/٢ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٦٣٩/٢، وأخرجه أحمد (١٩٥٥٨)، والبخاري (٦٦٢٣)، ومسلم (١٦٤٩)
من حديث أبي موسى الأشعري ، وينظر ما سيأتي ص ١٣٩ من هذا الجزء.
(٦) في النسخ الخطية: تكرير. والمثبت من (م).
(٧) في (م): توجب، والكلام في إعراب القرآن للنحاس ٣٨/٢.
(٨) في إعراب القرآن للنحاس: وهذا خارجٌ من قول الناس.

١٢٧
سورة المائدة: الآية ٨٩
يحلف على الشيء مراراً(١).
الخامسة: اختُلِف في اليمين الغَمُوسِ؛ هل هي يمينٌ منعقدةٌ أم لا؟ فالذي عليه
الجمهورُ أنَّها يمينُ مكرٍ وخَدِيعةٍ وكذبٍ، فلا تنعقد ولا كفَّارةَ فيها. وقال الشافعي:
هي يمينٌ منعقدةٌ؛ لأنها مُكتَسَبَةٌ بالقلبِ، معقودةٌ بخبرٍ، مقرونةٌ باسم الله تعالى،
وفيها الكفَّرةُ. والصحيحُ الأوَّل(٢)؛ قال ابنُ المنذر(٣): وهذا قولُ مالك بن أنس ومَن
تبعه من أهل المدينة، وبه قال الأوزاعيُّ ومَن وافقه من أهل الشام، وهو قولُ الثوريِّ
وأهلِ العراق، وبه قال أحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور وأبو عُبيد، وأصحابُ الحديث،
وأصحابُ الرأي من أهلِ الكوفة.
قال أبو بكر: وقولُ النبيِّ ﴾: ((مَن حَلَفَ على يمينٍ فرأى غيرَها خيراً منها،
فليأتِ الذي هو خيرٌ، ولْيُكَفِّرْ عن يمينه))، وقولُه: ((فلْيُكفِّر عن يمينه ويأتي الذي هو
خير)) (٤) يدلُّ على أنَّ الكفَّارة إنما تجبُ فيمَن حلف على فعلٍ يفعلُه فيما(٥) يُستَقبل فلا
يَفعلُه، أو على فعلٍ ألَّ يفعلَه فيما يُستقبل فيفعله.
وفي المسألة قولٌ ثانٍ: وهو أن يكفِّر وإن أَثِم وعَمَدَ الحَلِفَ بالله كاذباً؛ هذا قولُ
الشافعي. قال أبو بكر: ولا نعلم خبراً يدلُّ على هذا القولِ، والكتابُ والسنَّةُ دالَّان
على القول الأوَّل؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةٌ لِأَيْمَنِكُمْ أَنْ تَبَرُواْ وَتَتَّقُواْ
وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢٢٤]. قال ابن عباس: هو الرجلُ يحلفُ ألَّ يَصِلَ
قرابته، فجعلَ الله له مخرجاً في التكفير، وأَمَره ألَّ يعتلَّ بالله، ولْيكفِّر عن يمينِه
[ولْيَبْرُر].
(١) أخرجه مالك في الموطأ ٤٧٩/٢، وذكره النحاس في معاني القرآن ٣٥٢/٢، وابن العربي في أحكام
القرآن ٢/ ٦٤١ .
(٢) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٣٧ .
(٣) في الإشراف ١/ ٤٢٢ . وأبو بكر الذي سيرد ذكره هو ابن المنذر.
(٤) أخرجه مسلم (١٦٥٠): (١٣) و(١٤) من حديث أبي هريرة ﴾، وتنظر أحاديث الباب ص١٣٩ - ١٤٠
من هذا الجزء.
(٥) في النسخ: مما، والمثبت من الإشراف.

١٢٨
سورة المائدة: الآية ٨٩
والأخبارُ دالةٌ على أنَّ اليمينَ التي يَحلِفُ بها الرجلُ يقتطعُ بها مالاً حراماً؛ هي
أعظمُ مِن أن يكفِّرِها ما يكفِّرُ اليمين (١).
قال ابن العربي(٢): الآيةُ وردت بقسمين: لَغْو ومنعقدة، وخرجتْ على الغالب
في أَيْمان الناس، فدعْ ما بعدها يكونُ مئةً قسم؛ فإنه لم تُعلَّق عليه كفَّارةٌ.
قلتُ: خرَّجَ البخاريّ عن عبد الله بن عمرو قال: جاء أعرابيٍّ إلى النبيِّ # فقال:
يا رسول الله، ما الكبائرُ؟ قال: ((الإشراكُ بالله» قال: ثم ماذا؟ قال: ((عقوقُ
الوالدين)) قال: ثم ماذا؟ قال: اليمينُ الغَمُوسُ)). قلت: وما اليمينُ الغَمُوس؟ قال:
الذي يقتطعُ مالَ(٣) امرئٍ مسلم هو فيها كاذبٌ (٤).
وخرَّج مسلم عن أبي أمامة، أنَّ رسول الله :﴿ قال: ((مَن اقتطعَ حقَّ امرئٍ مسلم
بيمينه، فقد أوجبَ اللهُ له النار، وحَرَّم عليه الجنة)) فقال رجلٌ: وإن كان شيئاً يسيراً يا
رسول الله؟ قال: ((وإِنْ قضِيباً من أَراكٍ))(٥).
ومن حديث عبد الله بن مسعود، فقال رسول الله ﴾: ((مَن حَلَفَ على يمينِ صَبْرٍ
يَقتطعُ بها مال امرئٍ مسلم هو فيها فاجرٌ، لقيَ الله وهو عليه غضبانُ)). فنزلت: ﴿إِنَّ
اُلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اَللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية(٦)، ولم يذكر
(١) الإشراف ٤٢٣/١، وما بين حاصرتين منه، وأخرج الطبري ٦/٤ قول ابن عباس.
(٢) في أحكام القرآن ٢/ ٦٣٧ .
(٣) في (٥) و(م): التي يقتطع بها مال، وفي (ظ) و(ز): الذي ... والمثبت من صحيح البخاري.
(٤) صحيح البخاري (٦٩٢٠) وهو من طريق فراس بن يحيى الهمداني، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن
عمرو، به. والقائل: قلت، هو فراس، والمسؤول هو الشعبي، كما في رواية ابن حبان (٥٦٢). وقد
ذكر ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري ٥٥٦/١١ .
(٥) في (ظ) و(م): وإن كان قضيباً من أراك، والحديث في صحيح مسلم (١٣٧)، وسلف ٥/ ١٨٢ .
(٦) صحيح مسلم (١٣٨)، وهو عند أحمد (٤٢١٢)، والبخاري (٦٦٧٦). وقوله: ((على يمين صبر)) قال
القاضي عياض في إكمال المعلم ١/ ٣٩٢: يمين الصبر هي التي يُصبّر صاحبها، أي: يُحبس ويُكْرَه
حتى يحلفها، وقد يكون في معنى الجرأة والإقدام عليها، وقال النووي في شرح مسلم ١٦٠/٢: هي
التي يحبسُ الحالف نفسه عليها.
٠

١٢٩
سورة المائدة: الآية ٨٩
كفَّارةً، فلو أَوجبنا عليه كفَّارةً لسَقطَ جُرْمُه، ولقيَ اللهَ وهو عنه راضٍ، ولم يستحقّ
الوعيدَ المتوغَّدَ عليه. وكيف لا يكونُ ذلك وقد جمعَ هذا الحالفُ الكذبَ؟،
واستحلالَ مالِ الغير، والاستخفافَ باليمينِ بالله تعالى، والتهاونَ بها، وتعظيمَ
الدنيا؟ فأهانَ ما عَظّمه اللهُ، وعَظّم ما حقَّره الله، وحَسبُك، ولهذا قيل: إنَّما سُميتٍ
اليمينُ الغَمُوسُ غَمُوساً؛ لأنها تَغْمِسُ صاحبها في النار(١).
السادسة: الحالفُ بألّا يفعلَ على بِرِّ ما لم يَفعل، فإن فعلَ حَنِث ولزمته الكفَّارةُ؛
لوجودِ المخالفةِ منه، وكذلك إذا قال: إن فعلتُ. وإذا حلفَ بأن ليفعلنَّ، فإنه في
الحالِ على حِنْثٍ لوجودِ المخالفة، فإن فَعَلَ بَرَّ، وكذلك إذا (٢) قال: إن لم أَفعلْ(٣).
السابعةُ: قولُ الحالِف: لأفعلنَّ، و: إن لم أفعل، بمنزلةِ الأمر. وقولُه: لا
أفعلُ، و: إن فعلتُ، بمنزلةِ النهي. ففي الأوَّلِ لا يَبَرُّ حتى يفعلَ جميع المحلوف
عليه؛ مثالُه: لآكلنَّ هذا الرغيفَ، فَأَكَل بعضَه، لا يبرُّ حتى يأكل جميعَه؛ لأنَّ كلَّ
جزءٍ منه محلوفٌ عليه. فإن قال: والله لآكلنَّ - مطلقاً - فإنه يَبَرُّ بأقلِّ جزءٍ مما (٤) یقعُ
عليه الاسمُ؛ لإدخالِ ماهيةِ الأكل في الوجود.
وأما في النهي فإنه يَحَثُ بأقلِّ ما ينطلقُ عليه الاسم؛ لأنَّ مقتضاه ألَّا يدخلَ فردٌ
من أفراد المنهيّ عنه في الوجود، فلو(٥) حلفَ ألَّا يدخلَ داراً، فأدخلَ إحدى رجليه،
حَنِث. والدليلُ عليه: أنَّا وجدنا الشارعَ غَلَّظ جهةَ التحريمِ بأول الاسمِ في قوله
تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا تَكَحَ ءَابَآَُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، فمَن عَقَدَ على امرأةٍ ولم يدخلْ
بها، حَرُمت على أبيه وابنه، ولم يكتفِ في جهةِ التحليل بأول الاسم فقال: ((لا،
(١) تهذيب الأسماء واللغات ٦٣/٤ .
(٢) في (م): إن.
(٣) المعونة ٦٣٤/١، قال القاضي عبد الوهّاب: لأنه إذا قال: إن لم أضرب عبدي، فهو في الحال غير
ضارب، فهذا حنث؛ إذ الحنث ليس أكثر من المخالفة، والبِرُّ مترقّب فيما بعد.
(٤) في النسخ الخطية: ما، والمثبت من (م).
(٥) في (م): فإن.

١٣٠
سورة المائدة: الآية ٨٩
حتی تَذوقي ◌ُسَيْلَتَه))(١).
الثامنة: المحلوفُ به هو الله سبحانه، وأسماؤُه الحسنى، كالرحمن، والرحيم،
والسمع، والعلیم، والحلیم، ونحو ذلك من أسمائه وصفاتِه العلیا، كعزَّته، وقدرته،
وعلمِه، وإرادته، وكبريائه، وعظمته، وعهدِهِ، وميثاقه، وسائرٍ صفاتٍ ذاته؛ لأنها
يمينٌ بقديمٍ غيرِ مخلوق، فكان الحالفُ بها كالحالف بالذات(٢).
روى الترمذيُّ والنَّسائيُّ وغيرُهما: أنَّ جبريل عليه السلام لمَّا نظر إلى الجنة
ورجع إلى الله تعالى، قال: وعِزَّيِّك لا يسمعُ بها أحدٌ إلا دخلَها، وكذلك قال في
النار: وعِزِك لا يسمعُ بها أحدٌ فيدخلَها(٣).
وخرَّجا أيضاً وغيرُهما عن ابن عمر قال: كانت يمينُ النبيِّ ﴾: ((لا ومُقلِّبٍ
القلوبِ))(٤) وفي روايةٍ: ((لا ومُصرِّفِ القلوب))(٥).
وأجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ مَن حلفَ فقال: واللهِ، أو: باللهِ، أو: تاللهِ،
فَحِنِثَ، أنَّ عليه الكفَّارةَ. قال ابنُ المنذر(٦): وكان مالكٌ والشافعيُّ وأبو عبيد وأبو
ثور وإسحاق وأصحابُ الرأي يقولون: مَن حلف باسم من أسماءِ الله، فحنث، فعليه
الكفَّارةُ. وبه نقول، ولا أعلم في ذلك خلافاً.
قلت: قد نَقَل في بابٍ ذكرِ الحَلِف بالقرآن: وقال يعقوبُ: مَن حلفَ بالرحمن
(١) سلف ٤٧٦/٢. قال صاحب النهاية (عسل): شبَّه لذة الجماع بذوق العسل.
(٢) المعونة ١/ ٦٣٠، وينظر الكافي ٤٤٧/١، والمفهم ٤/ ٦٢٣ .
(٣) سنن الترمذي (٢٥٦٠)، وسنن النسائي (المجتبى) ٣/٧ - ٤، وهو عند أحمد (٨٣٩٨). قال الترمذي:
حسن صحيح.
(٤) سنن الترمذي (١٥٤٠)، وسنن النسائي (المجتبى) ٢/٧، وهو عند أحمد (٤٧٨٨)، والبخاري
(٦٦٢٨). قال الحافظ في الفتح ٥٢٧/١١: قوله: ((لا)) نفي للكلام السابق، ومقلب القلوب هو المُقسّم
به، والمراد بتقليب القلوب تقليب أعراضها وأحوالها، لا تقليب ذات القلب.
(٥) أخرجه النسائي في المجتبى ٢/٧ ، وابن ماجه (٢٠٩٢).
(٦) في الإشراف ٤٠٩/١، وما قبله منه.

١٣١
سورة المائدة: الآية ٨٩
[فحنث؛ إن أراد بالرحمن الله تعالى، فعليه كفارةُ يمينٍ، وإن أراد سورةَ الرحمن]
فحنث، فلا كفارةَ عليه. قلتُ: والرحمنُ من أسمائه سبحانه مُجْمَعٌ عليه، ولا خلافَ
فیه(١).
التاسعة: واختلفوا في: وحَقِّ الله، وعَظَمةِ الله، وقُدْرةِ الله، وعِلْمِ الله، ولعَمْرُ
الله، وايمُ الله؛ فقال مالكٌ: كلُّها أيمانٌ تجبُ فيها الكفَّارة. وقال الشافعيُّ في وحقٌّ
الله وجلالِ الله وعظمةِ الله وقدرة الله: يمينٌ إن نوى بها اليمينَ، وإن لم يُرِدِ اليمينَ
فليست بيمينٍ؛ لأنه يَحتملُ: وحقُّ الله واجبٌ، وقدرتهُ ماضيةٌ. وقال في أمانةِ الله:
ليست بيمينٍ، وَلَعَمْرُ اللهِ وايمُ الله: إن لم يُرد بها اليمينَ فليست بيمينٍ (٢).
وقال أصحابُ الرأي: إذا قال: وعظمةِ الله وعزةِ الله وجلالِ الله وكبرياءِ الله
وأمانةِ الله، فحنِثَ، فعليه الكفَّارة(٣).
وقال [محمد بن] الحسن في وحقٌّ الله: ليست بيمينٍ، ولا كفَّارةَ فيها. وهو قولُ
أبي حنيفة؛ حكاه عنه الرازيُّ، وكذلك: عهد اللهِ وميثاقه وأمانته؛ ليست بيمينٍ.
[وقال أبو حنيفة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] هي الإيمان
والشرائع]. وقال بعضُ أصحابِهِ: هي يمينٌ(٤). وقال الطحاويُّ: ليست بيمين(٥).
وكذا إذا قال: وعِلم الله، لم يكن يميناً في قول أبي حنيفة. وخالَفَه صاحبُه أبو
يوسف فقال: يكون يميناً. قال ابن العربي(٦): والذي أوقعه (٧) في ذلك أن العِلم قد
(١) كلام ابن المنذر في الإشراف ٤١١/١، وما بين حاصرتين منه، وعلى هذا، فكلامه متسق منسجم،
ووهم المصنف رحمه الله في استدراكه عليه.
(٢) التمهيد ٤/ ٣٧٢ .
(٣) الإشراف ١/ ٤١٠ .
(٤) يعني في قوله: وأمانة الله، وينظر التعليق التالي.
(٥) التمهيد ٣٧٢/١٤، وما سلف بين حاصرتين منه، قال الطحاوي كما في مختصر اختلاف العلماء ٣/ ٢٤٠ :
لا يختلفون في قوله: وعهد الله وميثاقه أنه يمين. وينظر مختصر الطحاوي ص٣٠٥ - ٣٠٦، واختلاف
العلماء للمروزي ص٢١٧، والمبسوط السرخسي ١٣٣/٨، وبدائع الصنائع ١٦/٤ - ١٨.
(٦) في أحكام القرآن له ٦٣٨/٢ .
(٧) يعني أبا حنيفة رحمه الله.

١٣٢
سورة المائدة: الآية ٨٩
ينطلق على المعلوم، وهو المحدَثُ، فلا يكون يميناً، وذهلَ عن أنَّ القدرةَ تنطلق
على المقدور، فكلُّ كلام له في المقدور فهو حجَّتُنا في المعلوم.
قال ابنُ المنذر(١): وثبت أن رسول اللـه ﴾ قال: ((وايمُ اللهِ، إنْ كان لَخليقاً
للإمارة)) في قصةِ أسامة بن زيد وأبيه زيد(٢). وكان ابنُ عباس يقول: وايمُ اللهِ.
وكذلك قال ابن عمر(٣). وقال إسحاقُ: إذا أراد بأيم الله يميناً، كانت يميناً بالإرادةِ
وعَقْدِ القلب.
العاشرة: واختلفوا في الحَلِفِ بالقرآن؛ فقال ابن مسعودٍ: عليه بكلِّ آيةٍ يمينٌ،
وبه قال الحسنُ البصريُّ(٤) وابنُ المبارك. وقال أحمد: ما أعلمُ شيئاً يدفعُه. وقال أبو
عبيد: يكون يميناً واحدة. وقال أبو حنيفة: لا كفَّارةَ عليه. وكان قَتَادةُ [يكره أن]
يحلفَ بالمصحف. وقال أحمدُ وإسحاقُ: لا نكرهُ ذلك(٥).
الحادية عشرة: لا تنعقدُ اليمينُ بغير الله تعالى وأسمائه وصفاتِه. وقال أحمد
ابن حنبل: إذا حلف بالنبيِّ# انعقدت يمينُه؛ لأنه حلفَ بما لا يتمُّ الإيمانُ إلَّا به،
فتلزمُه الكفَّارةُ كما لو حلفَ بالله (٦). وهذا يردُّه ما ثبت في ((الصحيحين)) وغيرِهما
عن رسول اللـه *، أنَّه أدركَ عمرَ بن الخطاب في رَكْبٍ وعُمرُ يحلف بأبيه،
فناداهم رسولُ الله ◌ِ﴾: ((أَلَا إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائِكم، فَمن كان حالفاً
فلْيحلِفْ بالله أو لِيصمُتْ))(٧). وهذا حَصْرٌ في عدم الحَلِفِ بكلِّ شيءٍ سوى اللهِ
(١) في الإشراف ٤١٠/١ .
(٢) في (د) و(ز) و(م): في قصة زيد وابنه أسامة، والحديث أخرجه أحمد (٥٨٨٨)، والبخاري (٦٦٢٧)،
ومسلم (٢٤٢٦) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(٣) أخرجه عنهما عبد الرزاق (١٥٩٤١) و(١٥٩٤٢).
(٤) أخرجه عنهما عبد الرزاق (١٥٩٤٦) و(١٥٩٤٧) و(١٥٩٤٩).
(٥) الإشراف ٤١١/١، وما سلف بين حاصرتين منه، وخبر قتادة أخرجه عبد الرزاق (١٥٩٣٢)، وذكره
ابن عبد البر في الاستذكار ٩٦/٥ .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٦٣٨/٢ .
(٧) صحيح البخاري (٦٦٤٦)، وصحيح مسلم (١٦٤٦)، وهو عند أحمد (١١٢).

١٣٣
سورة المائدة: الآية ٨٩
تعالی وأسمائه وصفاتِه کما ذکرنا.
وممَّا يحقّقُ ذلك ما رواه أبو داود والنَّسَائيُّ وغيرُهما (١)، عن أبي هريرةَ قال: قال
رسول الله#: ((لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمَّهاتِكم، ولا بالأندادِ، ولا تحلفوا إلَّا
بالله، ولا تحلفوا بالله إلَّا وأنتم صادقون)).
ثم ينتقضُ عليه بمَن قال: وآدمَ، وإبراهيمَ؛ فإنَّه لا كفَّارةَ عليه، وقد حلفَ بما لا
يتمُّ الإيمانُ إلَّا به(٢).
الثانية عشرة: روى الأئمةُ - واللفظُ لمسلم - عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله﴾:
(مَنْ حَلَفَ منكم، فقال في حَلِفِه: باللَّاتِ، فَلْيَقُل: لا إله إلا الله. ومَن قال لصاحبه:
تعالَ أُقَامِرْك، فلْيتصدَّقْ))(٣).
وخرَّج النَّسائيُّ عن مُصْعَب بنِ سعد، عن أبيه قال: كنَّا نذكُر بعضَ الأمر وأنا حديثُ
عهدٍ بالجاهلية، فحلفتُ باللات والعُزَّى، فقال لي بعضُ أصحابٍ رسول اللـه ﴾: بئسَ
ما قلتَ، وفي روايةٍ: قلتَ هُجْراً. فأتيتُ رسولَ الله ﴾، فذكرتُ ذلك له، فقال: ((قل:
لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كل شيءٍ قدير، وانفثْ
عن يسارِك ثلاثاً، وتَعوَّذْ بالله من الشيطان، ثم لا تَعُدْ»(٤).
قال العلماءُ: فأمرَ رسولُ الله ﴿ مَن نَطَقَ بذلك أن يقول بعده: لا إله إلا الله،
تكفيراً لتلك اللفظة، وتذكيراً من الغَفْلة، وإتماماً للنعمة. وخَصَّ اللاتَ بالذكر؛ لأنَّها
أكثرُ ما كانت تجري على ألسنتهم، وحُكُمُ غيرِها من أسماء آلهتهم حُكْمُها؛ إذ لا
فرقَ بينها(٥)، وكذا: (مَن قال لصاحبه: تعالَ أُقَامِرْك، فلْيتصدَّقْ)) القولُ فيهِ كالقول
(١) سنن أبي داود (٣٢٤٨)، وسنن النسائي (المجتبى) ٥/٧ . وأخرجه أيضاً ابن حبان (٤٣٥٧).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٦٣٨/٢ .
(٣) أخرجه أحمد (٨٠٨٧)، والبخاري (٦١٠٧)، ومسلم (١٦٤٧).
(٤) سنن النسائي (المجتبى) ٧/٧ - ٨. قال ابن العربي كما في الفتح ٦١٢/٨: من حلف بها جادًّا فهو
كافر، ومن قالها جاهلاً أو ذاهلاً، يقول: لا إله إلا الله، يكفر الله عنه، ويرد قلبه عن السهو إلى الذكر.
(٥) في النسخ الخطية: بينهما، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المفهم ٤/ ٦٢٥، والكلام منه.

١٣٤
سورة المائدة: الآية ٨٩
في اللاتِ؛ لأنهم كانوا اعتادوا المقامرةَ، وهي من أكلِ المال بالباطل.
الثالثة عشرة: قال أبو حنيفةً في الرجل يقول: هو يهوديٌّ، أو نصراني، أو بريءٌ
من الإسلام، أو من النبيّ، أو من القرآن، أو أَشْرَكَ بالله، أو كَفرَ(١) بالله: إنها يمينٌ
تلزمُ فيها الكفَّارةُ، ولا تلزمُ فيما إذا قال: واليهوديةِ، والنصرانيةِ، والنبيِّ، والكعبةِ،
وإن كانت على صيغة الأَيْمان(٢). ومُتَمسَّكُه ما رواه الدارقطنيُّ(٣) عن أبي رافعٍ؛ أنَّ
مولاتَه أرادت أن تُفرِّقَ بينه وبين امرأتِه، فقالت: هي يوماً يهوديةٌ، ويوماً نصرانيةٌ،
وكلُّ مملوكٍ لها حُرٍّ؛ وكلُّ مالٍ لها في سبيل الله، وعليها المشيُّ(٤) إلى بيت الله، إنْ
لم تُفرِّق بينهما. فسألتُ عائشةَ وحفصةً وابن عمر وابن عباس وأمّ سلمة، فكلُّهم قال
لها: أَتريدين أن تكوني مثلَ هاروت وماروت؟ وأمروها أن تُكفِّر يمينَها(٥) وتُخلِّيَ
بینھما.
وخَرَّج أيضاً عنه (٦) قال: قالت مولاتي: لأُفرِّقنَّ بينك وبين امرأتك، وكلُّ مالٍ
لها في رِتاجِ الكَعْبةٍ، وهي يوماً يهوديةٌ، ويوماً نصرانيةٌ، ويوماً مجوسيةٌ، إنْ لم
يُفرَّق(٧) بينك وبين امرأتك. قال: فانطلقتُ إلى أم المؤمنين أمِّ سلمةَ فقلت: إنَّ
مولاتي تريدُ أن تُفرِّق بيني وبين امرأتي! فقالت: انطلقْ إلى مولاتِك فقل لها: إنَّ هذا
لا يَحِلُّ لكِ. قال: فرجعتُ إليها. قال: ثم أتيتُ ابنَ عمر فأخبرتُه، فجاء حتى انتهى
إلى الباب فقال: ها هنا هاروتُ وماروتُ؟ فقالت: إني جعلتُ كلَّ مالٍ لي في رِتاجٍ
الكعبةِ. قال: فما (٨) تأكلينَ؟ قالت: وقلت: أنا يوماً يهوديةٌ، ويوماً نصرانيةٌ، ويوماً
(١) في (م): أكفر.
(٢) المفهم ٦٢٤/٤ - ٦٢٥، وينظر الإشراف ٤٢٤/١، والاستذكار ٧٢/١٥ .
(٣) في سننه (٤٣٣١)، ومن طريقه البيهقي ٦٦/١٠.
(٤) في النسخ: مشي، والمثبت من سنن الدارقطني وسنن البيهقي.
(٥) في (م): عن يمينها.
(٦) سنن الدارقطني (٤٣٣٢)، ومن طريقه البيهقي ٦٦/١٠.
(٧) في النسخ الخطية: تفرق، وفي (م): أفرق، والمثبت من سنن الدارقطني.
(٨) في (م): فمم.

١٣٥
سورة المائدة: الآية ٨٩
مجوسيةٌ. فقال: إن تَهوَّدتِ قُتلتٍ، وإن تَنصَّرْتِ قُتلتٍ، وإن تَمَجَّسْتِ قُتلتِ، قالت:
فما تَأْمُرني؟ قال: تُكفِّرين عن يمينِك(١)، وتَجمعين بين فتاكِ وفتاتِك.
وأجمع العلماءُ على أن الحالف إذا قال: أُقسم بالله، أنها يمينٌ. واختلفوا إذا
قال: أقسمُ أو أشهدُ ليكوننَّ كذا وكذا، ولم يقل: بالله، فإنها تكون أيماناً عند مالك
إذا أراد بالله، وإن لم يُرد بالله لم تكن أيماناً تُكفّر. وقال أبو حنيفة والأوزاعيُّ
والحسنُ والنَّخَعيُّ: هي أيمانٌ في الموضعين. وقال الشافعيُّ: لا تكون أيماناً حتى
يذكرَ اسمَ الله تعالى. هذه روايةُ المُزَنيِّ عنه. وروى عنه الرَّبيعُ مثلَ قولٍ مالك(٢).
الرابعة عشرة: إذا قال: أقسمتُ عليك لتفعلنَّ. فإن أراد سؤالَه فلا كفَّارةَ فيه،
وليست بيمينٍ، وإن أرادَ اليمينَ كان ما ذكرناه آنفاً.
الخامسة عشرة: مَن حَلَفَ بما يُضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفةٍ، كقوله:
وخَلْقِ اللهِ ورزقِه وبيتِهِ، لا شيءَ عليه؛ لأنها أيمانٌ غيرُ جائزة، وحَلِفٌ بغير الله
تعالى(٣).
السادسة عشرة: إذا انعقدت اليمينُ حَلَّتها الكفارةُ أو الاستثناءُ. وقال ابن
الماجِشُون: الاستثناءُ بَدَلٌ عن الكفارةِ، وليست حِلَّا لليمين. قال ابنُ القاسم: هي
حِلٌّ لليمين؛ وقال ابنُ العربي(٤): وهو مذهبُ فقهاءِ الأمصار، وهو الصحيح؛
وشرطُه أن يكون مثَّصلاً منطوقاً به لفظاً؛ لِمَا رواه النَّسائيُّ وأبو داود(٥) عن ابن عمرَ
عن النبي # قال: ((مَن حلفَ فاستثنى، فإن شاءَ مضى، وإن شاء تَركَ غيرَ (٦) حَيْثٍ)).
(١) في النسخ: تكفّري عن يمينك، والوجه ما أثبتناه، وفي سنن الدار قطني: تكفِّرين يمينك.
(٢) التمهيد ٣٧١/١٤، وينظر الإشراف ٤١٢/١، ومختصر اختلاف العلماء ٢٣٧/٣ - ٢٣٩ .
(٣) المفهم ٤/ ٦٢٣ .
(٤) نقله عنه ابن شاس في عقد الجواهر الثمينة ٥١٩/١، ووقع فيه قولا ابن الماجشون وابن القاسم
السالفان عکس ما نقله المصنف عنهما.
(٥) سنن النسائي (المجتبى) ١٢/٧، وسنن أبي داود (٣٢٦٢)، وهو عند أحمد (٥٣٦٢).
(٦) في (م): ترك عن غير.

١٣٦
سورة المائدة: الآية ٨٩
فإن نواهُ من غيرِ نُظْق، أو قَطعه من غيرِ عذرٍ، لم ينفعه.
وقال محمد بن المؤَّاز(١): يكونُ الاستثناء مقترناً باليمين اعتقاداً ولو بآخِر(٢)
حرفٍ. قال: فإن فرغَ منها واستثنى لم يَنفعْه ذلك؛ لأن اليمينَ فَرغتْ عاريةً من
الاستثناءِ، فوُرودُها بعده لا يؤثِّر، كالتراخي.
وهذا يردُّه الحديثُ: (مَن حلف فاستثنى)) والفاءُ للتعقيبٍ، وعليه جمهورُ أهلٍ
العلم. وأيضاً فإنَّ ذلك يؤدِّي إلى ألَّا تَنحلَّ يمينٌ ابتُدِى عَقْدُها، وذلك باطلٌ.
وقال ابن خُوَیْزِمَنْدَاد: واختلفَ أصحابُنا متى استثنى في نفسه تخصيصَ ما حَلف
عليه، فقال بعضُ أصحابنا: يصحُّ استثناؤُه وقد ظلمَ المحلوفَ له. وقال بعضُهم: لا
يصحُّ حتى يسمعَ المحلوف له. وقال بعضهم: يصحُّ إذا حرَّكَ به لسانَه وشفتيه، وإن لم
يسمعِ المحلوف له.
قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: وإنَّما قلنا: يصحُّ استثناؤه في نفسه؛ فلأنَّ الأَيمانَ تُعتبر
بالنِّياتِ. وإنَّما قلنا: لا يصحُّ ذلك حتى يُحرِّكَ به لسانَه وشفتيه؛ فإنَّ مَن لم يحرِّكْ به
لسانَه وشفتيه(٣)، لم يكن متكلِّماً، والاستثناءُ من الكلامِ يقعُ بالكلام دون غيره. وإنما
قلنا: لا يصحُّ بحالٍ؛ فلأنَّ ذلك حقٌّ للمحلوف له، وإنما يقعُ على حَسَب ما يستوفيه
له الحاكمُ، فلما لم تكن اليمينُ على اختيار الحالِفِ، بل كانت مستوفاةً منه، وجبَ
ألَّ يكونَ له فيها حكم (٤).
وقال ابن عباس: يُدرِك الاستثناءُ اليمينَ بعد سنة(٥)، وتابَعَه على ذلك أبو العالية
(١) قوله في أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٤١، وعقد الجواهر الثمينة ٥١٩/١.
(٢) في النسخ الخطية وعقد الجواهر: لآخر، والمثبت من (م) وأحكام القرآن لابن العربي.
(٣) قوله: وشفتيه، من (م).
(٤) ذكر أبو العباس في المفهم ٦٤١/٤: أن قول كافة العلماء وأئمة الفتيا أن الاستثناء لا يصح إلا بالقول،
ولا يصح بالنية المجردة. قال: وقال بعض متأخري شيوخنا: إنه يصح بالنية.
(٥) أخرجه الطبري ٢٢٥/١٥، والبغوي في الجعديات (٨١٣)، والطبراني في الكبير (١١٠٦٩). من طريق
الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس به. ووقع في رواية البغوي: سنتين، بدل: سنة. قال أبو العباس
في المفهم: وقد أنكرت هذه الرواية وضعِّفت، وتأوَّلها بعضهم: بأن له أن يستثني امتثالاً لأمر الله:
﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّ أَنْ يَشَآءَ للَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤] لا لحِلُّ اليمين.

١٣٧
سورة المائدة: الآية ٨٩
والحسنُ(١)، وتعلَّق بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]
الآية، فلما كان بعد عامٍ نزل ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾(٢) [الفرقان: ٧٠].
وقال مجاهد: من قال بعد سنتين: إن شاء اللهُ، أجزأه. وقال سعيد بن جُبير: إن
استثنى بعد أربعة أشهرٍ أجزأه. وقال طاوسٌ: له أن يستثنيَ ما دام في مجلسه. وقال
قَتَادةُ: إن استثنى قبل أن يقوم أو يتكلّمَ؛ فله ثُنْيَاهُ. وقال أحمد بن حنبل وإسحاقُ:
يستثني ما دام في ذلك الأمر. وقال عطاء: له ذلك قَدْرَ حَلْبِ الناقة الغزِيرة(٣).
السابعة عشرة: قال ابنُ العربي(٤): أمَّا ما تَعَلَّقَ به ابنُ عباس من الآية؛ فلا
مُتعلَّقَ له فيها؛ لأن الآيتين كانتا مثَّصلتين في عِلم الله تعالى وفي لوحه، وإنما تأخّر
نزولُها لحكمةٍ عَلِمَ الله ذلك فيها، أَمَا إنه يتركَّبُ عليها فرعٌ حسن، وهو أنَّ الحالف
إذا قال: والله لا دخلت الدار، أو أنتِ(٥) طالقٌ إن دخلتِ الدار، واستثنى في يمينه
الأوَّل: إن شاء الله في قلبه، واستثنى في اليمين الثانية في قلبه أيضاً ما يَضْلح
للاستثناء الذي يرفع اليمين لمدَّةٍ أو سببٍ أو مشيئةٍ أحدٍ، ولم يُظهر شيئاً من الاستثناء
إرهاباً على المحلوف [له]، فإنَّ ذلك ينفعُه، ولا ينعقدُ اليمينان عليه، وهذا في
الطلاق ما لم تَحضُرْه البينة؛ فإن حضرته بينةً لم تُقبلْ منه دعواه الاستثناء، وإنما يكون
ذلك نافعاً له إذا جاء مستفتياً.
قلت: وجهُ الاستثناءِ أنَّ الله تعالى أَظهرَ الآيةَ الأولى وأَخفى الثانية، فكذلك
الحالفُ إذا حلف إرهاباً وأخفى الاستثناء. والله أعلم.
(١) أخرج قوليهما الطبري ٢٥/ ٢٢٥ - ٢٢٦ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٤١ .
(٣) الإشراف ٤٢٦/١ - ٤٢٧، وينظر الاستذكار ٧١/١٥، والمفهم ٦٣٩/٤. وقال ابن المنذر: إن
اليمين إذا انقضت وصار بينها وبين الاستثناء فصل، أن ذلك (يعني الاستثناء) لا ينفع، ولو جاز ما قاله
مَن خالف هذا القول، ما وجبت كفارة على حالف أبداً؛ لأنه يستثنى إذا ذكرها، فتسقط الكفارة عنه.
(٤) في أحكام القرآن ٢/ ٦٤١ - ٦٤٢، وما سیرد بین حاصرتین منه.
(٥) في (م): وأنت.

١٣٨
سورة المائدة: الآية ٨٩
قال ابن العربي(١): كان أبو الفضل المَرَاغيُّ(٢) يقرأ بمدينة السلام(٣)، وكانت
الكتبُ تأتي إليه من بلده، فيضعُها في صندوقٍ ولا يقرأُ منها واحداً، مخافةً أن يطّلع
فيها على ما يُزعجه ويقطعُ(٤) به عن طلبه، فلما كان بعد خمسة أعوام، وقضى غَرَضاً
من الطَّلَب، وعزم على الرحيل، شدَّ رَحْلَه، وأبرزَ كتبه وأخرج تلك الرسائل، فقرأ
فيها ما لو أنَّ واحدةً منها قرأها في وقتٍ وصولها(٥) ما تمگّن بعده من تحصیل حرفٍ
من العلم، فحمد الله ورَحَّلَ على دابةٍ قُمَاشَهُ(٦)، وخرج إلى باب الحَلْبة (٧) طريق
خُرَاسان، وتقدَّمه الكَرِيُ(٨) بالدَّابة، وأقام هو على نامِيٌّ(٩) يبتاعُ منه سُفرتَه(١٠)،
فبينما هو يحاولُ ذلك معه إذ سمعه يقول لفاميٍّ آخر: أمَا سمعتَ العالمَ يقولُ - يعني
الواعظ - أنَّ ابن عباس يُجوِّز الاستثناء ولو بعد سنة، لقد اشتغل بذلك بالي منذ
سمعتُه، فظَالْتُ فيهِ متفكّراً، ولو كان ذلك صحيحاً لَمَا قال الله تعالى لأيوبَ: ﴿وَنُّذْ
بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِبِ يِِّ، وَلَا تَحْتَثْ﴾ [ص: ٤٤]. وما الذي يمنعه من أن يقول: قل إن شاء
الله؟! فلما سَمِعَه يقول ذلك قال: بلدٌ يكون فيه الفامِيُّون بهذا الحظّ من العلم وهذه
المرتبة أخرجُ عنه إلى المَرَاغةِ! لا أفعلُه أبداً. واقتفى أثر الكَرِيِّ وحَلَّله من الكِراء،
(١) في أحكام القرآن ٢/ ٦٤٢ .
(٢) لعله الذي ذكره ابن ماكولا في الإكمال ١٩٩/٧ وقال: أبو الفضل كناز المراغي. والمراغي نسبة إلى:
مَرَاغَة، بلدة عظيمة مشهورة أعظم وأشهر بلاد أذربيجان. معجم البلدان ٩٣/٥ .
(٣) مدينة السلام بغداد، ودار السلام الجنة، ويجوز أن تكون سميت بذلك على التشبيه أو التفاؤل، وقيل:
سميت بذلك لقربها من دجلة، وكانت دجلة تسمى: نهر السلام. معجم البلدان ٢٣٤/٣ .
(٤) في أحكام القرآن: أو يقطع.
(٥) في النسخ: ما لو أن واحداً منها يقرؤه بعد وصوله، والمثبت من أحكام القرآن.
(٦) أي: متاعه، وقماش البيت: متاعه. ينظر الصحاح (قمش).
(٧) الحلبة: محلة كبيرة واسعة في شرقي بغداد. معجم البلدان ٢٩٠/٢ .
(٨) الگرِي بوزن الصبي: الذي يُکري دابته. اللسان (کرا).
(٩) الفامي: بائع الفوم، والفوم: الحنطة وسائر الحبوب التي تُخْتَبَز. معجم متن اللغة (فوم).
(١٠) السفرة: طعام يتخذ للمسافر. اللسان (سفر).

١٣٩
سورة المائدة: الآية ٨٩
وأقام بها حتى مات.
الثامنة عشرة: الاستثناءُ إنما يَرفع اليمين بالله تعالى؛ إذ هي رُخصةٌ من الله
تعالى، ولا خلافَ في هذا. واختلفوا في الاستثناء في اليمين بغير الله؛ فقال الشافعي
وأبو حنيفة: الاستثناءُ يقع في كلِّ يمينٍ، كالطلاق والعتاق وغير ذلك، كاليمين بالله
تعالى(١).
قال أبو عمر (٢): ما أجمعوا عليه فهو الحقُّ، وإنَّما ورد التوقيفُ بالاستثناء في
الیمین بالله عزَّ وجلَّ لا في غیرِ ذلك.
التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ اختلف العلماءُ في تقديم الكفارة على
الحِنْث؛ هل تجزئُ أم لا؟ - بعد إجماعِهم على أنَّ الحِنْثَ قبل الكفَّارة مباحٌ حسن،
وهو عندهم أَوْلى(٣) - على ثلاثةِ أقوالٍ:
أحدها: يُجزئُّ مطلقاً، وهو مذهبُ أربعةَ عشرَ من الصحابة وجمهورِ الفقهاء،
وهو مشهورُ مذهبٍ مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابُه: لا تُجزئُ بوجهٍ، وهي روايةٌ
أشهب عن مالك(٤).
وجهُ الجوازِ: ما رواه أبو موسى الأشعريُّ قال: قال رسول الله ﴾: ((وإنِّي واللهِ
- إن شاء اللهُ - لا أحلفُ على يمينٍ فَأَرَى غيرَها خيراً منها، إلَّا كفَّرتُ عن يميني،
وأتيتُ الذي هو خيرٌ)). خرَّجه أبو داود(٥).
(١) الإشراف ١/ ٤٢٧، والمفهم ٤/ ٦٤٠ .
(٢) في التمهيد ١٤/ ٣٧٣ .
(٣) التمهيد ٢٤٤/٢١ .
(٤) المفهم ٦٢٩/٤، وينظر الإشراف ١/ ٤٥٥ .
(٥) في سننه (٣٢٧٦)، وقد جاء فيه على الشك من الراوي فذكر: (( ... إلا كفّرت عن يميني وأتيت الذي هو
خير)) أو قال: ((إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني)) وأخرجه أيضاً هكذا على التردد في تقديم
الكفارة وتأخيرها، أحمد (١٩٥٥٨)، والبخاري (٦٦٢٣).
وأخرجه مسلم (١٦٤٩): (٧) بتقدیم الكفارة دون تردد.
ووقع في رواية البخاري (٦٧١٨): ((إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير، و کفرت)) قال =

١٤٠
سورة المائدة: الآية ٨٩
ومن جهة المعنى: أنَّ اليمين سببُ الكفَّارة؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَيْكُمْ
إِذَا حَلَفْتُمَّ﴾ فأضاف الكفَّارة إلى اليمين، والمعاني تُضافُ إلى أسبابها(١). وأيضاً فإن
الكفَّارة بدلٌ عن البِرِّ، فيجوز تقديمُها قبل الحِنث(٢).
ووجهُ المنع: ما رواه مسلمٌ عن عديٍّ بن حاتم، قال: سمعتُ رسول الله ﴾
يقول: ((مَن حلفَ على يمينٍ، ثم رأى غيرها خيراً منها، فليأتِ الذي هو خيرٌ))(٣). زاد
النسائي: ((وليكفِّرْ عن يمينه))(٤).
ومن جهةِ المعنى: أنَّ الكفَّارة إنما هي لرفع الإثم، وما لم يَحْنَث لم يكن هناك
ما يُرفَعُ، فلا معنى لفعلها، وكان معنى قولِه تعالى: ﴿إِذَا حَفْتُمْ﴾ أي: إذا حلفتُم
وحَنِئتم(٥). وأيضاً فإنَّ كلَّ عبادةٍ فُعلت قبل وجوبِها لم تصحّ، اعتباراً بالصلوات
وسائرِ العبادات.
وقال الشافعي: تجزئ بالإطعام والعتق والكسوة، ولا تجزئ بالصوم(٦)؛ لأنَّ
عمل البدنِ لا يقدَّم قبل وقته، ويجزئ في غير ذلك تقديمُ الكفَّارة، وهو القولُ الثالث.
الموفية عشرين: ذكر الله سبحانه في الكفَّارة الخِلالَ الثلاث، فخيَّر فيها، وعَقَّب
عند عَدَمها بالصيام. وبدأ بالطعام لأنه كان الأفضلَ في بلاد الحجاز؛ لغَلَبة الحاجة
= الحافظ في الفتح ٦٠٥/١١: كذا وقع لفظ: ((وكفرت)) مكرَّراً في رواية السَّرخسي.
وأخرجه أحمد (١٩٥٩١)، والبخاري (٣١٣٣)، ومسلم (١٦٤٩): (٩) بلفظ: (( ... إلا أتيت الذي هو
خير وتحلَّلْتها)).
وقد جاء تقديم الحنث على الكفارة في حديث عدي بن حاتم عند مسلم (١٦٥١): (١٧)، ومن حديث
عبد الرحمن بن سمرة عند البخاري (٦٦٢٢)، ومسلم (١٦٥٢)، وتقدم من حديث أبي هريرة ص١٢٧
من هذا الجزء.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٤٣.
(٢) القبس ٦٧١/٢ .
(٣) صحيح مسلم (١٦٥١): (١٨).
(٤) سنن النسائي (المجتبى) ١٠/٧ - ١١. وأخرج مسلم (١٦٥٠): (١٣) تقديم الحنث على الكفارة من
حديث أبي هريرة ﴾. وينظر التمهيد ٢٤٤/٢١ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٤٣ .
(٦) المفهم ٦٢٩/٤ .