Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سورة المائدة: الآية ٧٥
ستْرَ ذنوبِهم، والمراد الكفرةُ منهم. وإنما خصَّ الكفَرةَ بالذكر؛ لأنهم القائلون بذلك
دونَ المؤمنین.
قوله تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْبُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِ الرَّسُلُ
وَأُتُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُّ أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيُِّ لَهُمُ اَلَيَاتِ
(٧٥)
ثُمَّ أَنْظُرْ أَّى يُؤْفَكُونَ
قوله تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْثُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِ الرَّسُلُ﴾ ابتداءٌ
وخبر، أي: ما المسيحُ وإن ظهرت الآياتُ على يديه، فإنما جاء بها كما جاءت بها
الرسل؛ فإن كان إلهاً فليكن كلُّ رسول إلهاً؛ فهذا ردِّ لقولهم، واحتجاجٌ عليهم. ثم
بَالَغَ في الحجة، فقال: ﴿وَأُثُهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ابتداء وخبر ﴿كَانَا بَأْكُلَانِ الطَّعَامُّ﴾،
أي: إنه مولودٌ مربوبٌ، ومَن ولدته النساءُ وكان يأكل الطعامَ مخلوقٌ مُحْدَثٌ كسائر
المخلوقين (١)؛ ولم يَدفع هذا أحدٌ منهم، فمتى يصلح المربوبُ لأنْ يكون ربًّا؟!
وقولهم: كان يأكل بناسوتِهِ لا بِلاهوته، فهذا منهم مصيرٌ إلى الاختلاط، ولا يتصورُ
اختلاطُ إلهٍ بغير إله، ولو جاز اختلاط القديم بالمُحدَث لجاز أنْ يصير القديمُ مُحْدَثاً،
ولو صح هذا في حقِّ عيسى، لصح في حقِّ غيرهٍ حتى يقال: اللاهوتُ مخالطٌ لكل
مُحْدَث.
وقال بعض المفسرين في قوله: ((كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ)»: إنه كنايةٌ عن الغائط
والبول؛ وفي هذا دلالةٌ على أنهما بشَران(٢). وقد استدل من قال: إنَّ مريم عليها
السلام لم تكن نبيَّةً بقوله تعالى: ﴿وَأُقُهُ صِدِّيقَةٌ﴾(٣).
(١) ينظر معاني الزجاج ١٩٦/٢ - ١٩٧، وإعراب القرآن للنحاس ٣٤/٢.
(٢) ينظر تفسير غريب القرآن ص ١٤٥، وإعراب القرآن ٣٤/٢، وقد ردّ هذا القول ابن عطية في المحرر
الوجيز ٢٢٢/٢، والرازي في تفسيره ١٢/ ٦١ .
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٢٢٢/٢.

١٠٢
سورة المائدة: الآيتان ٧٥ - ٧٦
قلت(١): وفيه نظر، فإنه يجوز أنْ تكونَ صِدّيقة مع كونها نبيّةً؛ كإدريسَ عليه
السلام(٢)؛ وقد مضى في ((آل عمران)) ما يدلُّ على هذا(٣)، والله أعلم.
وإنما قيل لها: صدّيقةٌ؛ لكثرة تصديقها بآيات ربِّها وتصديقها ولدَها فيما أخبرها
به. عن الحسن(٤) وغيره. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَتِ﴾ أي: الدلالات. ﴿ثُمَّ اُنْتُرْ
أَّى يُؤْقَكُونَ﴾، أي: كيف يُصرفون عن الحقِّ بعد هذا البيان؛ يقال: أَفَكَهُ يأفِكُهُ:
إذا صرفه(٥). وفي هذا ردٌّ على القَدَريّة والمعتزلة.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَحِكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعَاً
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا﴾ زيادة
في البيان وإقامة حجة عليهم؛ أي: أنتم مقرّون أنَّ عيسى كان جَنِيناً في بطن أمِّه، لا
يملك لأحدٍ ضَرًّا ولا نفعاً، وإذ قد أقررتم(٦) أنَّ عيسى كان في حال من الأحوال لا
يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا ينفع ولا يضر، فكيف اتخذتموه إلهاً؟ ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ﴾، أي: لم يزل سميعاً عليماً يملكُ الضرَّ والنّفع(٧)؛ ومن كانت هذه صفته؛ فهو
الإلهُ على الحقيقة. والله أعلم.
(١) لفظة: قلت: بدلها في (د): قال الشيخ المؤلف، وليست في (ز) و(ظ)، والمثبت من (م).
(٢) ينظر المفهم ٣١٥/٦ و ٣٣٢.
(٣) ١٢٧/٥.
(٤) أورده الطبرسي في مجمع البيان ١٦٧/٦، والماوردي في النكت والعيون ٥٦/٢ .
(٥) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٤/٢ - ٣٥، وتفسير الطبري ٥٨٣/٨، والوسيط ٢١٤/٢.
(٦) في (د): وقد أقررتم، وفي (ز) و(م): وإذا أقررتم، والمثبت من (ظ).
(٧) ينظر إعراب القرآن ٣٥/٢.

١٠٣
سورة المائدة: الآيتان ٧٧ - ٧٨
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ غَيْرَ أَلْحَقِّ وَلَا
تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَنِ سَوَآءِ
التّبیل
W
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ غَيْرَ اُلْحَقِّ﴾، أي: لا
تُفْرِطوا كما أفرطت اليهودُ والنصارى في عيسى؛ غُلُوُّ اليهودِ قولُهم في عيسى: ليس
ولَدَ رَشْدَةٍ (١)، وغلوُّ النصارى قولُهم: إنه إله(٢). والغلُوُّ: مجاوزةُ الحدّ، وقد تقدم في
(النساء)) بيانه(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ﴾، الأهواء جمع هوّى، وقد تقدّم في
((البقرة)) (٤). وسمي الهوى هوّى؛ لأنه يَهْوِي بصاحبه في النار(٥). ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن
قَبْلُ﴾ قال مجاهد(٦) والحسن: يعني اليهود. ﴿ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا﴾، أي: أضلوا كثيراً
من الناس. ﴿وَضَلُّواْ عَن سَوَاءِ السَّكِيلِ﴾ أي: عن قصد طريقٍ محمدٍ ﴾. وتكرير
((ضلوا)) على معنى أنهم ضَلُّوا من قبل، وضلُّوا من بعد؛ والمراد الأسلافُ الذين
سَنُّوا الضَّلالَة وعملوا بها من رؤساء اليهودِ والنصارى(٧).
قوله تعالى: ﴿لُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَفِتْ إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى
أَبْنِ مَرْيَدَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ (٨)
قوله تعالى: ﴿لُمِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِى إِسْرَّدِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ
(١) يقال: هذا ولد رِشْدَةٍ؛ إذا كان النكاح صحيح، كما يقال في ضدّه: ولد زِئْيَّةٍ بالكسر فيهما، والفتح
أفصح اللغتين. النهاية (رشد).
(٢) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٥/٢، وتفسير الطبري ٥٨٥/٨ .
(٣) ٢٢٩/٧ .
(٤) ٢/ ٢٤٥ .
(٥) تفسير الرازي ١٢/ ٦٣ .
(٦) أخرجه الطبري ٨/ ٥٨٥ .
(٧) ينظر الوسيط ٢١٤/٢، وتفسير الرازي ٦٣/١٢.

١٠٤
سورة المائدة: الآية ٧٨
مَرْيَةٌ﴾ فيه مسألة واحدةٌ: وهي جوازُ لعنِ الكافرين وإنْ كانوا من أولادِ الأنبياء، وأنَّ
شرفَ النسبِ لا يمنع إطلاقَ اللعنةِ في حقِّهم (١).
ومعنى ﴿عَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَةٌّ﴾، أي: لُعنوا في الزَّبور والإنجيل؛
فإِنَّ الزبورَ لسانُ داود، والإنجيلَ لسانُ عيسى، أي: لعنهم الله في الكتابَين(٢). وقد
تقدّم اشتقاقهما(٣).
قال مجاهدُ وقَتَادة وغيرهما: لعنهم: مسخهم قردة وخنازيرَ.
قال أبو مالك: الذين لُعنوا على لسان داود مُسِخوا قردةً، والذين لُعنوا على لسان
عيسى مُسِخوا خنازيرَ (٤).
وقال ابن عباس: الذين لُعنوا على لسان داود أصحابُ السَّبت، والذين لُعنوا
على لسان عيسى الذين كفروا بالمائدة بعدَ نزولها(٥). ورُوي نحوه عن النبيّ ﴾(٦).
وقيل: لُعِن الأسلافُ والأخلافُ ممن كفر بمحمدٍ ﴿ على لسان داودَ وعيسى؛
لأنهما أَعلما أنَّ محمداً ﴿ نبيّ مبعوثٌ، فَلَعَنَا مَن يكفرُ به(٧).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوا﴾. ذلك في موضع رفع بالابتداء، أي: ذلك اللعنُ
بما عصوا، أي: بعصيانهم. ويجوز أنْ يكونَ على إضمار مبتدأ، أي: الأمرُ ذلك.
ويجوز أنْ يكونَ في موضع نصب، أي: فعلنا ذلك بهم بعصيانهم(٨) واعتدائهم(٩).
(١) أحكام القرآن للكيا ٨٦/٣ .
(٢) ينظر تفسير الطبري ٥٨٦/٨ .
(٣) ١١/٥ - ١٣.
(٤) أخرج هذه الأقوال الطبري ٥٨٧/٨ - ٥٨٩ .
(٥) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٢٤/٢، وأورده الواحدي في الوسيط ٢١٥/٢ - ٢١٦ من قول
الحسن وقتادة ومجاهد.
(٦) لم تقف عليه.
(٧) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٩٨/٢، وتفسير الرازي ١٢ / ٦٤.
(٨) في (م): لعصيانهم.
(٩) إعراب القرآن للنحاس ٣٥/٢ .

١٠٥
سورة المائدة: الآية ٧٩
قوله تعالى: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ
يَفْعَلُونَ
قوله تعالى: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوّنَ﴾، أي: لا ينهى بعضُهم بعضاً.
﴿لَيْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ ذٌّ لتركهم النهيَ، وكذا من بعدهم يُذَمُّ من فعلَ
فعلَهم. خرَّج أبو داود (١) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﴾: ((إنَّ أوّلَ ما
دخلَ النقصُ على بني إسرائيلَ؛ كان الرجلُ يلقى(٢) الرجلَ، فيقولُ: يا هذا اتّقِ اللهَ
ودعْ ما تصنعُ؛ فإنه لا يحلُّ لك، ثم يلقاه من الغدِ، فلا يمنعُهُ ذلك أنْ يكونَ أكِيلَه
وشرِيبَه وقَعِيدَه، فلما فعلوا ذلك ضَرب اللهُ قلوبَ بعضِهم ببعض)) ثم قال: ﴿لُمِنَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَفِى إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَةُّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ
وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَسِقُونَ﴾، ثم قال: ((كلَّا، واللهِ لتأمرُنَّ بالمعروف،
ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، ولَتأخُذُنَّ على يدي الظالم، ولَتأطُرُنّه على الحقِّ أظْراً(٣)،
ولَتَقْصُرنَّه على الحق قصراً، أو لَيَضربنَّ الله بقلوب بعضِكم على بعض، ولَيلعنَنَّكم
كما لعنَهم)). خرجه الترمذيُّ أيضاً (٤). ومعنى لتأظُرنه: لتركُّنَّه.
الثانية: قال ابن عطية(٥): والإجماعُ منعقدٌ على أنَّ النهي عن المنكر فرضٌ لمن
أطاقه [ونَهى بمعروف] وأَمِن الضررَ على نفسه وعلى المسلمين؛ فإن خاف، فَيُنْكِرُ
(١) في سننه (٤٣٣٦) (٤٣٣٧).
(٢) في (م): الرجل أول ما يلقى.
(٣) لفظة: أطراً، من (ظ)، وسنن أبي داود.
(٤) برقم (٣٠٣٧) بنحوه دون قوله: ((ولتقصرنه على الحق ... )، وأخرجه أيضاً ابن ماجه عقب الحديث
(٤٠٠٦)، وهو عند أحمد (٣٧١٣)، وفي إسناده أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، ولم يسمع من أبيه
كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص١٩٦ . وله شاهد من حديث أبي موسى ﴾ ذكره الهيثمي في مجمع
الزوائد ٢٦٩/٧، وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
(٥) في المحرر الوجيز ٢٢٤/٢، وما سيرد بين حاصرتين منه.

١٠٦
سورة المائدة: الآيتان ٧٩ - ٨٠
بقلبه، ويهجرُ ذا المنكر، ولا يخالطُه.
وقال حذّاقُ أهلِ العلم: ليس من شرط الناهي أنْ يكون سليماً عن معصية(١) بل
ینھی العصاةُ بعضُهم بعضاً.
وقال بعض الأصوليين: فرضٌ على الذين يتعاطون الكؤوسَ أنْ ينهى بعضُهم
بعضاً؛ واستدل(٢) بهذه الآية؛ قال(٣): لأنَّ قوله: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ
فَعَلُوٌ﴾ يقتضي اشتراكهم في الفعل، وذمّهم على ترك التناهي(٤).
وفي الآية دليلٌ على النهي عن مجالسة المجرمين وأمرٌ بتركهم وهجرانهم. وأكّد
ذلك بقوله في الإنكار على اليهود: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ (٥).
((وما)) من قوله: ((ما كانوا)) يجوز أنْ تكون في موضع نصب، وما بعدها نعتٌ لها؛
التقدير: لبئس شيئاً كانوا يفعلونه. أو تكون في موضع رفع، وهي بمعنى الذي(٦).
قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ
لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِ اَلْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ ﴾
قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ﴾، أي: من اليهود؛ قيل: كعب بنُ
الأشرف وأصحابُه. وقال مجاهد: يعني المنافقين ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي:
المشركين؛ وليسوا على دينهم. ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾، أي: سوَّلت وزَيَّنت.
وقيل: المعنى: لبئس ما قدَّموا لأنفسهم ومعادِهم(٧).
(١) في المحرر الوجيز: سليماً من المعصية.
(٢) في (د) و(ز) و(م): واستدلوا، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمحرر الوجيز.
(٣) في (د) و(ز) و(م): قالوا، والمثبت من (ظ).
(٤) المحرر الوجيز ٢/ ٢٤ بنحوه.
(٥) أحكام القرآن للكيا ٨٧/٣ .
(٦) ينظر مشكل إعراب القرآن ٢٣٥/١.
(٧) ينظر تفسير البغوي ٥٦/٢، وتفسير الرازي ٦٥/١٢، وزاد المسير ٤٠٧/٢ .

١٠٧
سورة المائدة: الآيات ٨٠ - ٨٢
﴿أَن سَخِطَ اَللّهُ عَلَيهِمْ﴾ ((أَنْ)) في موضع رفع على إضمار مبتدأ، کقولك: بئس
رجلاً زيدٌ. وقيل: بدل من (ما)) في(١) «لبئس [ما])) على أنْ تكون ((ما)) نكرةً، فتكون
رفعاً أيضاً. ويجوز أنْ تكونَ في موضع نصب؛ بمعنى: لأن سخط الله عليهم، ﴿وَفِي
الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ﴾ ابتداء وخبر(٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا
أَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ
أَوْلِيَّةٍ﴾ يدلُّ بهذا على أنَّ من اتخذَ كافراً وليًّا فليس بمؤمن(٣) إذا اعتقد اعتقاده
ورضي أفعاله. ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾، أي: خارجون عن الإيمان بنبيهم؛
لتحريفهم، أو عن الإيمان بمحمدٍ ﴾؛ لنفاقهم.
قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمِ مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىْ ذَلِكَ بِأَنَّ
مِنْهُمْ فِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُّونَ ﴾
قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ﴾ اللامُ لامُ قسم،
ودخلت النونُ على قول الخليل وسيبويه فَرْقاً بين الحال والمستقبل. ((عَدَاوَةً)) نصب
على البيان، وكذا: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمِ قَّوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا
نَصَرَى﴾ (٤).
وهذه الآيةُ نزلت في النجاشيِّ وأصحابه؛ لمَّا قدم عليهم المسلمون في الهجرة
(١) بعدها في (م): قوله.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٦/٢ بنحوه، وما بين حاصرتين منه، وينظر معاني القرآن للزجاج ١٩٩/٢،
ومشكل إعراب القرآن لمكي ٢٣٥/١، والمحرر الوجيز ٢٢٥/٢.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٦/٢، وينظر الكشاف ١/ ٦٣٧.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٦/٢.

١٠٨
سورة المائدة: الآية ٨٢
الأولى - حَسْبَ ما هو مشهورٌ في سيرة ابن إسحاقَ وغيرِه(١) - خوفاً من المشركين
وفتنتِهم، وكانوا ذَوَي عدد، ثم هاجر رسول الله # إلى المدينة بعد ذلك، فلم يقدروا
على الوصول إليه؛ حالت بينَهم وبين رسول الله # الحربُ، فلمَّا كانت وَقْعةُ بدٍ
وقَتَلَ اللهُ فيها صناديدَ الكفار؛ قال كفار قريش: إنَّ ثأركم بأرض الحبشة، فَأَهْدُوا إلى
النجاشيِّ، وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم مَن عندَه فتقتلونهم(٢) بمن
قُتِل منكم بیدر.
فبعث كُفار قريش عمرو بنَ العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا، فسمع النبيُّ #
بذلك، فبعث رسولُ الله # عمرو بنَ أُمَيَّة الضَّمْريَّ، وكتب معه إلى النجاشيِّ، فَقَدِمَ
على النجاشيٍّ، فقرأ كتابَ رسولِ الله #، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين،
وأرسل إلى الرهبان والقِسِّيسين، فجمعهم، ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ
سورة مريم، وقاموا تفيضُ أعينُهم من الدمع، فهم الذين أنزلَ الله فيهم: ﴿وَلَتَجِدَةَّ
أَقْرَبَهُمِ قَوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَى﴾ وقرأ إلى: ﴿الشاهِدِين﴾
[المائدة: ٨٣]. رواه أبو داود قال: حدَّثنا محمد بنُ سلمة المُراديُّ قال: حدثنا ابنُ
وَهْب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث
ابن هشام، وعن سعيد بن المسيِّب، وعن عروة بن الزبير، أنَّ الهجرةَ الأولى هجرةٌ
المسلمين إلى أرض الحبشة، وساق الحديث بطوله(٣).
وذكر البيهقيُّ عن ابن إسحاق(٤) قال: قدم على النبيِّ # عشرون رجلاً وهو بمكةً
(١) ينظر السير والمغازي لابن إسحاق ص٢١٨، وتفسير الطبري ٨/ ٥٩٥، وأسباب النزول للواحدي
ص١٩٦ - ١٩٧ .
(٢) في (ظ): فتقتلونه.
(٣) أخرجه ابن عبد البر في الدرر في اختصار المغازي والسير ص١٣٤ من طريق أبي داود، به، وليس هو
في سنن أبي داود كما يوهم كلام المصنف. وأخرجه بنحوه ابن أبي حاتم (٦٦٧٨)، والواحدي في
أسباب النزول ص١٩٧ من طريق الزهري، به.
(٤) دلائل النبوة ٣٠٦/٢، وهو في السير والمغازي لابن إسحاق ص٢١٨، وذكره ابن كثير في البداية
والنهاية ٤/ ٢٠٣ .

١٠٩
سورة المائدة: الآية ٨٢
- أو قريبٌ من ذلك - من النصارى - حين ظهر خبره - من الحبشة، فوجدوه في
المجلس(١)، فكلَّموه وساءَلوه(٢)، ورجالٌ من قريش في أنديتهم حولَ الكعبة، فلما
فَرغوا من مسألتهم رسولَ الله# عمَّا أرادوا؛ دعاهم رسولُ الله ﴾ إلى الله
عزَّ وجلَّ، وتلا عليهم القرآن، فلمَّا سمعوه فاضت أعينُهم من الدمع، ثم استجابوا له
وآمنوا به وصَدَّقوه، وعرفوا منه ما كان يوصَف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا
من عنده؛ اعترضَهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا: خَيَّبَكم اللهُ من رَكْب! بعثكم
مَنْ وراءَكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل، فلم تطمئنَّ
مجالسُكم (٣) عنده حتى فارقتُم دينكم وصدَّقتموه بما قال لكم! ما نعلم ركباً أحمقَ
منكم. أو كما قالوا(٤) لهم. فقالوا: سلامٌ عليكم لا نُجاهلُكم، لنا أعمالُنا ولكم
أعمالُكم، لا نألُوا أنفسنا خيراً. فيقال: إنَّ النَّفَر النصارى من أهل نَجْران. ويقال: إنَّ
فيهم نزلت هؤلاءِ الآياتُ: ﴿ الَِّينَ مَيْتَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله:
﴿لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ -٥٥].
وقيل: إن جعفراً وأصحابَه قدم على النبيِّ # في سبعين رجلاً عليهم ثيابُ
الصوف، فيهم اثنان وسِتُّون من الحبشة، وثمانيةٌ من أهل الشام، وهم: بُحَيْراء(٥)
الراهب، وإدريسُ، وأشرفُ، وأبرهةُ، وتمَّام، وقثيم(٦)، ودُريدُ، وأَيمنُ، فقرأ عليهم
رسولُ الله # سورةَ يس، إلى آخرها، فبكّوا حين سمعوا القرآنّ وآمنوا، وقالوا: ما
(١) في (د) و(م) والسير والمغازي: المسجد، والمثبت من (ظ) و(ز) وهو الموافق لما في دلائل النبوة
والبداية والنهاية.
(٢) في (م): وسألوه.
(٣) في النسخ: فلم تظهر مجالستكم، والمثبت من المصادر.
(٤) في النسخ: قال، والمثبت من المصادر.
(٥) قال صاحب تحفة الأحوذي ١٠/ ٩٠: بُخَيراء؛ بضم الباء وفتح الحاء ممدوداً على المشهور، وضبطها
الشيخ الجزري بفتح الباء وكسر الحاء وألف مقصورة.
(٦) في النسخ الخطية: وتمام وثمام ونسيم بدل: أبرهة وتمام وقثيم. وفي (م): ثمامة وقثم، بدل تمام
وقثیم، والمثبت من أسباب النزول للواحدي ص١٩٧ ، والكلام منه.

١١٠
سورة المائدة: الآية ٨٢
أَشْبهَ هذا بما كان ينزلُ على عيسى، فنزلت فيهم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُمِ مَوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا
نَصَرَىْ﴾ يعني وفد النجاشيّ وكانوا أصحابَ الصَّوامع.
وقال سعيد بن جبير: وأَنزلَ الله فيهم أيضاً: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ. هُم يِ
يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٢-٥٣] إلى آخر الآية(١).
وقال مقاتلٌ والكلبيُّ: كانوا أربعين رجلاً من أهل نَجْران من بني الحارث بن
كعب، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانيةٌ روميون(٢) من أهل الشام.
وقال قتادةُ: نزلت في ناسٍ من أهل الكتاب كانوا على شريعةٍ من الحقِّ مما جاء
به عيسى، فلما بعثَ الله محمداً ﴿ آمنوا به، فأثنى اللهُ عليهم(٣).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ فِيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ واحدُ ((القِسِّيسين)): قَسِّ
وقِسِّيس. قال قُظْرُب(٤): والقِسِّيسُ العالمُ [بلغة الروم]، وأصلُه مِن قَسَّ: إذا تتبعَ
الشيءَ فطلبَه؛ قال الراجزُ(٥):
يُصْبِخِنَ عن قَسِّ الأذى غَوَافِلاً
وتَقَسَّسْتُ أصواتَهم بالليل: تَسمَّعتها. والقَسُّ: الثَّميمةُ. والقَسُّ أيضاً: رئيسٌ من
رؤساء النَّصارى في الدين والعلم (٦)، وجمعه قُسُوس، وكذلك القِسِّيسُ، مثل الشَّر
(١) أخرجه الطبري ٦٠٠/٨، وابن أبي حاتم (١٦٩٧٧).
(٢) في النسخ: وثمانية وستون، والمثبت من تفسير البغوي ٨/٢ ، ومجمع البيان للطبرسي ٦/ ١٧٥ حيث
ذكرا هذا الخبر عن قتادة، أما خبر مقاتل والكلبي فقد وقع عندهما بلفظ: كانوا أربعين رجلاً: اثنان
وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام. وقال الحافظ ابن كثير عند تفسير هذه الآية: اختلف في عدة
هذا الوفد؛ فقيل: اثنا عشر، وقيل: خمسون، وقيل: بضع وستون، وقيل: سبعون رجلاً، فالله أعلم.
(٣) تفسير البغوي ٥٨/٢، وأخرجه الطبري ٨/ ٥٩٧ .
(٤) في النسخ: قاله قطرب، والصواب ما أثبتناه، وقد ورد قوله هذا في تفسير البغوي ٥٨/٢ ، والوسيط
للواحدي ٢١٧/٢، وزاد المسير ٨/٢ -٤، وتفسير الرازي ٦٧/١٢، وما بين حاصرتين منها.
(٥) هو رؤبة بن العجاج، والبيت في ديوانه ص١٢١، وتهذيب اللغة ٢٥٨/٨، والصحاح (قسس).
(٦) الصحاح (قسس).

١١١
سورة المائدة: الآية ٨٢
والشّرير، فالقِسِّيسون هم الذين يُتَّبعون؛ العلماءُ والعبَّادُ. ويقال في جمع قسِیس
مُكَسَّراً: قَساوِسَة، أُبدل من إحدى السينين واو(١)، وقَسَاوسة أيضاً كمَهَالبة. والأصلُ
قَسَاسِسَة، فأبدلوا إحدى السينات واواً لكثرتها(٢).
ولفظُ القِسِّيس إما أن يكون عربيًّ، وإما أن يكون بلُغةِ الروم، ولكنْ خَلَطته العربُ
بكلامهم، فصارَ من لغتهم، إذ ليس في الكتاب ما ليس من لغة العرب كما تقدَّم(٣).
وقال أبو بكر الأنباريُّ: حدَّثنا أبي، حدَّثنا نصر بنُّ داود، حدَّثنا أبو عبيد، قال:
حُدِّثت عن معاويةَ بنِ هشام، عن نُصَيْر الطائيّ، عن الصَّلْت، عن حامية بن رِئاب(٤)
قال: قلتِ لسلمانَ: ﴿َأَنَّ مِنْهُمْ فِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فقال: دَعِ القِسِّيسينَ(٥) في
الصَّوامعِ والخِرَب(٦)، أَقرأنيها رسولُ الله ﴾: ((بأنَّ منهم صِدِّيقِينَ ورُهْبانا)(٧).
وقال عُروُ بنُ الزبير: ضَيَّعتِ النصارى الإنجيلَ، وأَدخلوا فيه ما ليس منه،
وكانوا أربعةَ نَفَرِ الذين غيَّروه: لوقاس ومرقوس ويُحَّس(٨) ومقبوس، وبقي قسِّيس
على الحقِّ وعلى الاستقامة، فمَن كان على دينه وهَذْيِه فهو قِسِیس.
قوله تعالى: ﴿وَرُهْبَانًا﴾ الرُّهبان جمعُ راهب، كرُكْبان وراكب. قال النابغة:
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٧/٢.
(٢) تهذيب اللغة ٢٦٠/٨ .
(٣) ١/ ١١٠، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٢٦/٢: هو اسم أعجمي عُرِّب.
(٤) في (م): رباب، وفي (ظ): ديات. والمثبت من باقي النسخ، وينظر الإكمال ٣/٤، ٥.
(٥) في النسخ الخطية: القسيس، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في مصادر التخريج.
(٦) في (م): والمحراب، وفي (ز): والحارث.
(٧) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ١١٦/٨ وابن أبي حاتم (٦٦٧١) و(٦٦٧٢)، والطبراني في الكبير
(٦١٧٥) من طريق نصير بن زياد الطائي به. ونصير بن زياد، قال فيه الأزدي: منكر الحديث. الميزان
٢٦٤/٤. وقد ذكره الذهبي نُضير، بالضاد المعجمة، وقال ابن ماكولا في الإكمال ٣٢٧/١ - ٣٢٨:
ذكره البخاري بصاد مهملة ووهم فيه؛ قاله الدارقطني. وينظر توضيح المشتبه ٩/ ٨٧ - ٨٩.
(٨) في (ظ): مخليس.

١١٢
سورة المائدة: الآية ٨٢
عَبَدَ الإله صَرُورَةٍ متعبِّدٍ
لو أنَّها عَرَضَتْ لِأَشْمَط راهِبٍ
ولَخالَه (٢) رَشَداً وإِن لم يَرْشُدِ(٣)
ڵرنا(١) لِرؤیتھا وحُسنٍ حدیثِھا
والفعل منه: رَهِبَ اللهَ يَرْهَبُه، أي: خافه، رُهْباً(٤) وَرَهَباً وَرَهْبَةً. والرَّهبانيةُ
والترَهُّبُ: التَّعبُّد في صومعة؛ قال أبو عبيد: وقد يكون ((رُهْبان)) للواحد والجمع؛
قال الفرَّاء: ويجمع ((رُهْبان)) إذا كان للمفرد: رَهَابِنة ورَهَابِين(٥)، كقُرْبان وقَرَابين؛
قال جرير في الجمع :
رُهْبَانُ مَذينَ لو رأوكٍ تَنَزَّلُوا
والعُصْمُ من شَعَفِ العُقُولِ الفَادِرِ(٦)
الفَادِرُ: المُسِنُّ من الوُعُول. ويقال: العظيم، وكذلك الفَدُور، والجمع: فُدْر
وفُدُر(٧)، ومَوْضِعُها: المَفْدَرة؛ قاله الجوهري(٨). وقال آخرُ في التوحيد:
لو أَبْصَرَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ في الجَبَلْ لانْحدَرَ الرُّهبانُ يَسعى ويُصَلّ (٩)
من الصلاة. والرَّهابة على وزن السَّحابة: عَظْمٌ في الصدر مُشرِفٌ على البطن مثلُ
اللسان(١٠)
(١) في (ظ): لدنا.
(٢) في (ظ): ويخاله.
(٣) ديوان النابغة الذبياني ص٢٠، وفيه: لرنا لبهجتها ... ، والشَّمَط في الرجل: شيب اللحية. تهذيب اللغة
٣١٩/١١ . والصَّرُورة: الذي لم يأت النساء، كأنه أصر على تركهن. اللسان (صور).
(٤) وقع في إعراب القرآن للنحاس ٣٧/٢ (والكلام منه): رُهْباناً، بدل: رُهباً، وكلاهما صحيح. ينظر
مفردات الراغب (رهب) ومتن اللغة (رهب).
(٥) إعراب القرآن ٣٧/٢، وعنه نقل المصنف قول أبي عبيد والفراء، وينظر تهذيب اللغة ٦/ ٢٩٠ - ٢٩١.
(٦) ديوان جرير ٣٠٨/١. قال محمد بن حبيب شارح الديوان: العصم: الوُعول، وإنما سميت عُصْماً
لبياضٍ في أيديها. والعقول: المتحرِّزة في شَعَف الجبال، وشَعَف كلِّ شيءٍ أعلاه.
(٧) في (م): فدور، وهو صحيح أيضاً، كما في اللسان والقاموس (فدر) وسقطت من (ظ)، والمثبت من
(د) و(ز)، وهو الموافق لما في الصحاح (فدر).
(٨) الصحاح (فدر).
(٩) أنشده ثعلب كما في غريب الحديث للخطابي ٤٩٨/١، وذكره الطبري ٥٩٨/٨-٥٩٩، والأزهري في
تهذيب اللغة ٦/ ٢٩٠ برواية: لو عاينت رهبان دير في القلل ...
(١٠) الصحاح (رهب).

١١٣
سورة المائدة: الآيتان ٨٢ - ٨٣
وهذا المدحُ لمن آمن منهم بمحمد﴿ دون مَن أصرَّ على كُفْره(١)، ولهذا قال:
﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ﴾ أي: عن الانقيادِ إلى الحقِّ.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِنَّا
﴾
عَرَقُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنًا فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ﴾ أي:
بالدمع، وهو في موضع الحال، وكذا ﴿يَقُولُونَ﴾(٢). وقال امرؤ القيس:
على النَّخْرِ حتى بَلَّ دَمْعيَ مِحْمَلي(٣)
ففاضت دموعُ العين منِّي صَبابةٌ
وخبرٌ مستفيضٌ: إذا كَثُر وانتشر؛ كفيض الماء عن الكثرة. وهذه أحوالُ العلماء
يبكون ولا يُصعَقون، ويَسألون ولا يَصيحون، ويَتحازَنون ولا يَتموَّتون، كما قال
تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَِهَا مَثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَهُمْ
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقال: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ
اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]. وفي ((الأنفال)) يأتي بيانُ هذا المعنى إن شاء الله تعالى.
وبيَّن الله سبحانه في هذه الآيات أنَّ أشدَّ الكفار تمرُّداً وعُتوًّا وعداوةً للمسلمين
اليهودُ، ويُضاهيهم المشركون، وبيَّن أنَّ أقربهم مودّة النصارى. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَأَكْتُبْنَا مَعَ النَّهِينَ﴾ أي: مع أمةٍ محمدٍ﴿ الذين يشهدون
بالحقِّ من(٤) قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾
(١) وقال البغوي ٥٦/٢ أيضاً: لم يُرد به جميع النصارى؛ لأنهم في عداوتهم المسلمين كاليهود في قتلهم
المسلمين، وأسرهم وتخريب بلادهم، وهدم مساجدهم، وإحراق مصاحفهم، بل الآية فيمن أسلم منهم
مثل النجاشي وأصحابه.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٧/٢.
(٣) ديوان امرئ القيس ص٩، والمحمل: علاقة السيف. اللسان (حمل).
(٤) في (ظ): في.

١١٤
سورة المائدة: الآيتان ٨٣ - ٨٤
[البقرة: ١٤٣] عن ابنِ عباسٍ وابن ◌ُرَيج(١). وقال الحسن: الذين يشهدون بالإيمان(٢).
وقال أبو علي: الذين يشهدون بتصديق نبيِّك وكتابك. ومعنى ﴿أَكْتُبْنَا﴾:
اجعلنا، فيكون بمنزلةٍ ما قد كُتب ودُوَّن(٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا
مَعَ الْقَوْمِ الصَِّلِحِينَ
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لَا تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَءَنَا مِنَ الْحَقٌ﴾ بَيَّن استبصارَهم في الدين،
أي: يقولون: وما لنا لا نؤمن؟ أي: وما لنا تاركينَ الإيمان؟ فـ ((نُؤْمِنُ)) في موضع
نصبٍ على الحال(٤).
﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُّدْيِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ أي: مع أمة محمدٍ ﴾(٥)، بدلیل
قوله: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ اٌلْصََّلِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] يريد أمةً محمدٍ ﴾.
وفي الكلام إضمارٌ، أي: نطمع أن يدخلَنا ربُّنا الجنةَ. وقيل: ((مع)) بمعنى
(في))(٦) كما تُذْكَر ((في)) بمعنى ((مع))؛ تقول: كنتُ فيمَن لقي الأمير؛ أي: مع مَن لقي
الأمير.
والطمعُ يكون مخفَّفاً وغيرَ مخفّف(٧)؛ يقال: طَمِع فيه طَمَعاً وطَمَاعةً وطَمَاعِيَةً
مخفّف، فهو طَمِع(٨).
(١) أخرجه عنهما الطبري ٦٠٣/٨، وأخرجه عن ابن عباس أيضاً الحاكم ٣١٣/٢ وصححه.
(٢) النكت والعيون ٥٨/٢ .
(٣) مجمع البيان ١٧٦/٦، وأبو علي هو الجبّائي.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٢٠٠ .
(٥) الوسيط للواحدي ٢١٩/٢، وتفسير البغوي ٥٨/٢ .
(٦) قال السمين في الدر المصون ٤٠٢/٤: ولا حاجة إليه؛ لاستقلال المعنى مع بقاء الكلمة على
موضوعها.
(٧) في (د): محققاً وغير محقق.
(٨) الصحاح (طمع). وذكر صاحب اللسان (طمع): طماعيَّة (مشددة)، قال: وأنكر بعضهم التشديد.

١١٥
سورة المائدة: الآيات ٨٥ - ٨٧
قوله تعالى: ﴿فَأَثَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا
وَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِتَابَِنَآ أُوْلَكَ أَصْحَبُ
وَذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ (١)
الْجَحِيمِ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿فَأَتَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّتٍ﴾ دليلٌ على إخلاص إيمانهم وصدقٍ
مَقَالهم، فأجاب الله سؤالَهم وحَقَّق طَمَعَهُم، وهكذا مَن خَلَص إيمانُه وصَدَق يقينه؛
یکون ثوابه الجنة.
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من اليهود والنَّصارى ومن المشركين ﴿وَكَذَّبُواْ بِجَايَتِنَآَ
أُوْلَكَ أَمْعَبُ لٌلَْحِيمِ﴾ والجحيم: النار الشديدةُ الاتِّقادِ. يقال: جَحَم فلانٌ النارَ: إذا
شدَّد إيقادَها. ويقال أيضاً لِعَيْنِ الأسدِ: جَحْمَة؛ لشدَّة اتِّقادِها(١). ويقالُ ذلك
للحرب(٢)، قال الشاعر:
حِمها التَّخيُّلُ والمِراخ
والحربُ لا يَبقى لجا
جدات والفَرسُ الوَقاحْ(٣)
إلّا الفتى الصَّبَّارُ في النَّـ
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَزِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلَا تَّمْتَدُوَّأْ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَزِّمُواْ طَيِبَتِ مَا أَعَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَّدُوَّأْ﴾.
فيه خمسُ مسائلَ:
(١) في النسخ الخطية: إيقادها، وفي معاني القرآن للزجاج ٢/ ٢٠٠ (والكلام منه): توقدها، والمثبت من
(م).
(٢) في معاني القرآن للزجاج وغيره أنه يقال لوقود الحرب وهو شدة القتال فيها: جاحم.
(٣) البيتان لسعد بن مالك بن ضبيعة بن ثعلبة، أحد سادات بكر بن وائل، كما في الأغاني ٤٦/٥،
والمؤتلف والمختلف للآمدي ص١٩٨، والحلل للبَطَلْيَوْسي ص٢٤٦، والخزانة ٤٦٨/١. ونسبهما
سيبويه في الكتاب ٣٢٤/٢ الحارث بن عُباد، وهما في معاني القرآن للزجاج ٢٠١/٢ بلا نسبة. قال
البغدادي: التخيُّل: الكبر، من الخُيَلاء. والمراح بكسر الميم: النشاط. والنجدة: الشدة والبأس في
الحرب. والوقاح بفتح الواو: الفرس الذي حافره صلْبٌ شديد، ومنه الوقاحة.

١١٦
سورة المائدة: الآية ٨٧
الأولى: أَسندَ الطَّبريُّ إلى ابن عباس، أنَّ الآية نزلت بسبب رجلٍ أتى النبيَّ ﴾،
فقال: يا رسول الله، إني إذا أَصَبْتُ من اللحمِ انتَشَرْتُ وأَخذتني شَهوتي، فَحرَّمتُ
اللحم. فأنزل الله هذه الآية(١).
وقيل: إنها نزلت بسبب جماعةٍ من أصحاب رسول الله ﴾ - منهم أبو بكر،
وعليّ، وعبد الله بنُ مسعود، وعبد الله بن عمرو (٢)، وأبو ذَرِّ الغِفَاريُّ، وسالمٌ مولى
أبي حُذَيفة، والمِقْدَادُ بن الأسود، وسَلْمانُ الفارسيُّ، ومَعْقِل بن مُقَرِّن ﴾ - اجتمعوا
في دار عثمان بن مَظْعُون، واتفقوا على أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا
على الفُرُش، ولا يأكلوا اللحم ولا الوَدَكِ(٣)، ولا يَقْرَبوا النساء والطَّب، ويلبسوا
المُسُوح(٤) ويَرفضوا الدنيا، ويَسيحوا في الأرض، ويتَرهَّبوا ويَجُبُّوا المَذَاكِير، فأنزل
الله تعالى هذه الآية.
والأخبارُ بهذا المعنى كثيرةٌ وإن لم يكن فيها ذكرُ النزول، وهي:
الثانية: خَرَّج مسلم(٥) عن أنس، أنَّ نفراً من أصحاب النبيِّ # سألوا أزواجَ
النبيِّ﴾ عن عمله في السُّرُّ، فقال بعضُهم: لا أتزوَّج النساء، وقال بعضُهم: لا آكلُ
اللحمَ، وقال بعضُهم: لا أنامُ على فِراش. فحمد الله وأثنى عليه فقال: ((ما بَالُ أقوامٍ
قالوا كذا وكذا؟ لكنِّي أُصلِّي وأنام، وأصومُ وأُفطِرِ، وأَتزوَّج النساءَ، فَمن رَغِب عن
سُنَّتي فليس منِّي)).
وخرَّجه البخاريُ(٦) عن أنس أيضاً، ولفظُه قال: جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بيوتٍ أزواج
(١) تفسير الطبري ٦١٣/٨، وأخرجه أيضاً الترمذي (٣٠٥٤) وقال: حسن غريب.
(٢) في (م): عمر، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في أسباب النزول للواحدي ص١٩٩ .
والكلام منه، وذكر البغوي الخبر ٥٩/٢ ، ووقع فيه: عبد الله بن عمر.
(٣) أي: الدسم. اللسان (ودك).
(٤) جمع مِسْح، وهو الكساء من الشَّعر، والجمع القليل: أمساح، والكثير: مسوح. اللسان (مسح).
(٥) في صحيحه (١٤٠١)، وهو عند أحمد (١٣٥٣٤).
(٦) في صحيحه (٥٠٦٣).

١١٧
سورة المائدة: الآية ٨٧
النبيُّ # يسألون عن عبادته، فلما أُخْبِروا؛ كأنهم تَقَالُّوها، فقالوا: وأين نحنُ من
النبي ﴾؟ قد غفر الله له من ذنبه ما تقدَّم وما تأخّر؟! فقال أحدهم: أمَّا أنا فإني أُصلِّي
الليل أبداً. وقال آخرُ(١): أمَّا أنا فأصومُ الدهر(٢) ولا أُفطر. وقال آخرُ: وأنا فأعتزلُ(٣)
النساءَ ولا أتزوَّج أبداً. فجاء رسولُ الله ﴾ فقال: ((أنتُم الذين قُلتم(٤) كذا وكذا؟ أَمَا
والله إنِّي لأخشاكُم للهِ وأَتقاكم له، لكنِّي أصومُ وأُفطر، وأُصلِّي وأَرقُدُ، وأتزوَّج
النساء، فمَن رَغِب عن سُنََّي فليس مني)).
وخَرَّجا(9) عن سعد بن أبي وقَّاص قال: أراد عثمانُ بن مظعونٍ أن يتَبَّل، فَنهاه
النبيُّ #، ولو أجازَ له ذلك لاختَصَينا.
وخرَّج الإمامُ أحمدُ بن حنبل ﴾ في ((مسنده)) قال: حدَّثنا أبو المغيرة قال: حدَّثنا
مُعَانُ بنُ رِفاعة، قال: حدَّثني عليُّ بنُ يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامةَ الباهليّ ﴾
قال: خرجنا مع رسول الله# في سَرِيَّةٍ من سراياه، قال: فمرَّ رجلٌ بغارٍ فيه شيءٌ من
الماء، فحدَّث نفسَه بأن يُقيمَ في ذلك الغار، فیقوتُه ما كان فيه من ماءٍ، ویصیبُ ما
حولَه من البَقْلِ، ويَتخلَّى من (٦) الدنيا، قال: لو أنِّي أَتيتُ إلى النبيِّ ﴾ فذكرتُ له
ذلك، فإنْ أَذِن لي فَعلتُ، وإلَّا لم أَفعلْ. فأتاه فقال: يا نبيَّ الله، إني مَررتُ بغارٍ فيه
ما يَقُوتُني من الماء والبَقْل، فحدَّثتني نفسي بأن أُقيم فيه وأَتخلَّ عن(٧) الدنيا، قال:
فقال النبيُّ(٨) *: ((إنِّي لم أُبْعَثْ باليهوديةِ ولا النَّصْرانية، ولكنِّي بُعثتُ بالحَنِيفيَّة
(١) في النسخ الخطية: الآخر، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في صحيح البخاري.
(٢) قوله: الدهر، من (م)، وهو الموافق لما في صحيح البخاري.
(٣) في (م): أما أنا فأعتزل، وعند البخاري: أنا أعتزل.
(٤) في النسخ الخطية: أنتم القائلون، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في صحيح البخاري.
(٥) صحيح البخاري (٥٠٧٣)، وصحيح مسلم (١٤٠٢).
(٦) في (م): عن.
(٧) في المسند: من.
(٨) في (م): فقال له النبي.

١١٨
سورة المائدة: الآية ٨٧
السَّمْحة، والذي نفسُ محمدٍ بيده، لَغَدْوةٌ أو رَوْحةٌ في سبيلِ الله خيرٌ من الدنيا وما
فيها، ولَمُقامُ أحدِكم في الصفِّ خيرٌ من صلاتِهِ ستِّين سنة)»(١).
الثالثة: قال علماؤنا رحمةُ الله عليهم: في هذه الآيةِ وما شابهها، والأحاديثِ
الواردة في معناها رَدٍّ على غُلاةِ المتزهِّدين، وعلى أهل البَطَالة من المتصوِّفين؛ إذ كلُّ
فريقٍ منهم قد عدلَ عن طريقِهِ، وحادَ عن تحقيقه(٢).
قال الطَّبريُّ: لا يجوزُ لأحدٍ من المسلمين تحريمُ شيء مما أحلَّ الله لعباده
المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح؛ إذا خافَ على نفسه
بإحلالٍ ذلك لها(٣) بعضَ العَنَتِ والمشقة، ولذلك ردَّ النبيُّ# التبتُّلَ على ابن
مَظْعون، فثبتَ أنه لا فضلَ في ترك شيءٍ مما أحلَّه الله لعباده، وأنَّ الفضلَ والبِرَّ إنما
هو في فعلٍ ما نَدَب عبادَه إليه، وعَمِلَ به رسولُ اللهِ ﴾ وسَنَّهُ لأمَّته، واتبعه على
منهاجه الأئمةُ الراشدون؛ إذ كان خيرَ الهَدْي هَدْيُ نبيِّنا محمدٍ ﴾، فإذا كان كذلك؛
تَبيَّن خطأُ مَن آثَرَ لباسَ الشَّعرِ والصُّوفِ على لباس القطنِ والكُتَّان - إذا قدَرَ على لباسٍ
ذلك من حِلُّه - وآثرَ أَكْلَ الخَشِنِ من الطعامِ، وتركَ اللحم وغيره حَذَراً مِن عَارضٍ
الحاجة إلى النِّساء.
قال الطَّبَريُّ: فإن ظنَّ ظانٌّ أنَّ الفضل(٤) في غير الذي قلنا - لِمَا في لباس الخَشِن
وأكلِه من المَشقَّةِ على النفس، وصَرفِ ما فَضَلَ بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة -
فقد ظنَّ خطأً؛ وذلك أنَّ الأَوْلى بالإنسان صلاحُ نفسِه، وعونُه لها على طاعة ربِّها،
(١) مسند أحمد (٢٢٢٩١). علي بن يزيد هو الألهاني؛ قال الحافظ في التقريب: ضعيف. وأبو المغيرة هو
عبد القدوس بن الحجاج الخولاني. وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه أحمد (٩٧٦٢).
(٢) المفهم ٤/ ٨٧ .
(٣) في (ز) و(م): بها، وليست في (د)، والمثبت من (ظ).
(٤) في (م) الخير. والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في فتح القدير ٦٩/٢ - ٧٠، وفيه قول
الطبري.

١١٩
سورة المائدة: الآية ٨٧
ولا شيء أضرُّ للجسم من المطاعم الرديئة؛ لأنَّها مُفسِدةٌ لعقله، ومُضعِفةٌ لأدواتِه التي
جعلها الله سبباً إلى طاعته.
وقد جاء رجلٌ إلى الحسن البَصْريِّ فقال: إنَّ لي جاراً لا يأكلُ الفَالُوذَجَ! فقال:
ولِمَ؟ قال: يقولُ: لا يؤدِّي شُكرَه. فقال الحسن: أَفيشربُ الماءَ البارد؟ فقال: نعم.
فقال: إنَّ جارَك جاهل، فإنَّ نعمةَ الله عليه في الماء الباردِ أكثرُ من نعمته عليه في
الفالوذج(١).
قال ابن العربي (٢): قال علماؤنا: هذا إذا كان الدِّينُ قَوَاماً، ولم يكن المال
حراماً، فأمَّا إذا فَسَدَ الدِّينُ عند الناس، وعَمَّ الحرامُ، فالتبتُّلُ أَفضلُ، وتَركُ اللذَّاتِ
أَوْلى، وإذا وُجِد الحلالُ فحالُ النبيِّ ◌َ﴾ أفضلُ وأعلی.
قال المهلَّبُ: إنما نَهى # عن التبتُّل والترهُّب من أجلٍ أنه مُكَائِرٌ بأمته الأممَ يوم
القيامة، وأنه في الدنيا مقاتلٌ بهم طوائفَ الكفَّار، وفي آخِر الزمان يقاتلون الدَّجَّالَ،
فأراد النبيُّ# أن يَكثُرَ النَّسل.
الرابعة: قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتَدُوَأْ﴾ قيل: المعنى: لا تَعتدوا فتُحِلُّوا ما حرَّم
اللهُ، فالنَّهْيانِ على هذا تَضَمَّنا الطَّرَفين، أي: لا تَشَدَّدوا فتحرِّموا حلالاً، ولا
تَتَرَخَّصوا فتُحِلُّوا حراماً. قاله الحسن البصريُّ(٣).
وقيل: معناهُ: التأكيدُ لقوله: ((تُحَرِّمُوا))؛ قاله السُّدِّيُّ وعِكرمةٌ(٤) وغيرُهما، أي:
لا تُحرِّموا ما أحلَّ اللـه وشَرَع. والأوَّل أولى. والله أعلم.
الخامسة: مَن حرَّم على نفسه طعاماً أو شراباً، أو أَمَةً له، أو شيئاً ممَّا أحلَّ الله،
فلا شيءَ عليه، ولا كَفَّارةَ في شيءٍ من ذلك عند مالكِ، إلّا أنَّه إنْ نَوى بتحريم الأمَّةِ
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (٧١)، والبيهقي في الشعب (٤٥٨٣). والفالوذج: حلوى تسوَّى من
لبِّ الحنطة، معرَّب: بالوزة، وتسمى: فالوذق وفالوذ، جمعها: فواليذ. معجم متن اللغة (فلذ).
(٢) في أحكام القرآن له ٢/ ٦٣٤ .
(٣) المحرر الوجيز ٢٢٨/٢، وقول الحسن أخرجه الطبري ٨/ ٦١٤ - ٦١٥.
(٤) أخرج قولهما الطبري ٨/ ٦١٣ - ٦١٤ .

١٢٠
سورة المائدة: الآيتان ٨٧ - ٨٨
عِتقَها، صارت حرةً، وحَرُم علیه وطُها إلا بنكاح جدید بعد عتقِها، وكذلك إذا قال
لا مرأته: أنتِ عليَّ حرامٌ، فإنَّه تَطلقُ عليه ثلاثاً، وذلك أنَّ الله تعالى قد أباح له أن
يحرِّم امرأته عليه بالطلاق صريحاً وكنايةً، و((حرامٌ)) من كناياتِ الطلاق(١). وسيأتي ما
للعلماءِ فيه في سورةٍ ((التحريم))(٢) إن شاء الله تعالى.
وقال أبو حنيفة: إنَّ مَن حرَّم شيئاً صار محرَّماً عليه، وإذا تَناوله لَزِمته الكفارةُ،
وهذا بعيدٌ(٣)، والآيةُ تردُّ عليه.
وقال سعيدُ بن جبير: لغوُ اليمينِ تحريمُ الحلالِ (٤). وهو معنى قولِ الشافعي على
ما يأتي(٥).
قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ مَِّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبَاً وَأَثَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىَ أَنتُم بِهِ،
(M)
مُؤْمِنُونَ
قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبًا﴾ فيه مسألةٌ واحدةٌ: الأكلُ في هذه
الآيةِ عبارةٌ عن التمتُّع (٦) بالأكلِ والشرب واللباس والركوب ونحو ذلك. وخَصَّ
الأكلَ بالذكر؛ لأنه أعظمُ المقصود، وأخصُّ الانتفاعات بالإنسان. وسيأتي بيانُ حكم
الأكل والشرب واللباس في ((الأعراف))(٧) إن شاء الله تعالى.
وأما شهوةُ الأشياء الملذَّذة(٨)، ومنازعةُ النفس إلى طلبِ الأنواعِ الشهية،
(١) ينظر إكمال المعلم ٢٦/٥ - ٢٧، والمفهم ٢٥٠/٤، وأحكام القرآن لابن العربي ٦٣٤/٢ .
(٢) عند تفسير الآية الأولى منها.
(٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ٨٧ .
(٤) أخرجه بنحوه ابن أبي حاتم (٦٧١١).
(٥) ص١٢٢ من هذا الجزء.
(٦) في النسخ الخطية: تمتعوا، والمثبت من (م)، ووقعت العبارة في المحرر الوجيز ٢٢٩/٢ (والكلام
منه): كلوا في هذه الآية عبارة عن تمتعوا ...
(٧) عند تفسير الآية: ٣١ منها.
(٨) في (د) و(ز) و(م): الملذة.