Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١
سورة المائدة: الآيات ٦١ - ٦٤
ودلت الآية على أنَّ تاركَ النهي عن المنكر كمرتكِب المنكرِ، فالآية توبيخٌ
للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد مضى القولُ في هذا المعنى
في ((البقرة)) و(آل عمران))(١).
وروى سفيانُ بنُ عُيينة قال: حدّثني سفيان بنُ سعيد، عن مِسعَر قال: بلغني أنَّ
مَلَكاً أُمِر أنْ يَخسِفَ بقرية، فقال: يا ربِّ؛ فيها فلانٌ العابد، فأوحى الله تعالى إليه:
أنْ به فابدأُ، فإنه لم يَتَمَعَّرْ وجهُه فيَّ ساعةً قطُّ (٢).
وفي صحيح التّرمذيّ: ((إنَّ الناس إذا رأَوا الظالمَ، ولم يأخذوا على يديه،
أوشك أنْ يَعمَّهم الله بعقاب مِن عنده)). وسيأتي(٣).
والصُّنع بمعنى العمل؛ إلّا أنّه يقتضي الجودةَ يقال: سيف صنيعٌ: إذا جُوِّد عملُه.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اٌلْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُمِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ
مَبْسُوَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَ كَثْرًا مِنْهُم ◌َّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيَّكَ مُغْيَنًا وَكُفْرَاً
وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَذَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَاً أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرَّبِ أَلْفَأَهَا له
وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اٌلْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. قال ◌ِكْرمة: إنما قال هذا فنحاص بنُ
عازوراء - لعنه الله - وأصحابُه، وكان لهم أموالٌ، فلمَّا كفروا بمحمد ﴿، قَلَّ مالُهم،
فقالوا: إنَّ الله بخيلٌ، ويدُ الله مقبوضةٌ عنّا في العطاء(٤). فالآية خاصّةٌ في بعضهم.
وقيل: لمّا قال قوم هذا، ولم ينكر الباقون، صاروا كأنّهم بأجمعهم قالوا هذا(٥).
(١) ٥٦/٢، و٧٣/٥ .
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (١٦). ورواه الطبراني في الأوسط (٧٦٥٧) من حديث جابر ﴾،
وإسناده ضعيف. قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ٣١٠/٢: المحفوظ من قول مالك بن دينار.
(٣) سنن الترمذي (٢١٦٨) و(٣٠٥٧) من حديث أبي بكر الصديق ﴾، وهو في مسند أحمد (٣٠)، وسلف
تخريجه ١٧/٣ ، وسيأتي عند تفسير الآية (٢٥) من الأنفال.
(٤) أخرجه الطبري ٨/ ٥٥٥ مختصراً.
(٥) ينظر تفسير البغوي ٢/ ٥٠، وزاد المسير ٣٩٢/٢.
٨٢
سورة المائدة: الآية ٦٤
وقال الحسن: المعنى: يدُ اللهِ مقبوضةٌ عن عذابنا(١).
وقيل: إنهم لمّا رَأَوا النبيَّ :﴿ في فَقْر وقلَّةِ مال، وسمعوا: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ
فَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، ورأَوا أنّ النبيَّ ﴾ قد كان يستعينُ بهم في الدِّيات، قالوا:
إِنَّ إلهَ محمدٍ فقيرٌ، وربّما قالوا: بخيلٌ، وهذا معنى قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُوَةٌ﴾، فهو
٤
على التمثيل كقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدََكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾(٢) [الإسراء: ٢٩].
ويقال للبخيل: جَعْدُ الأناملِ، ومقبوضُ الكفّ، وكَرُّ الأصابع، ومغلولُ اليدِ(٣)؛
قال الشاعر:
وكلُّ باب من الخيرات مفتوحٌ
كانت خُراسانُ أرضاً إِذْ يَزيدُ بها
كأنّما وجهُه بالخلِّ مَنِضوحُ(٤)
فاستبدلتْ بعدَه جَعْداً أنامله
واليد في كلام العرب تكونُ [بمعنى] الجارحة؛ كقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا﴾
[ص: ٤٤]، وهذا مُحالٌ على الله تعالى.
وتكونُ [بمعنى] النعمة، تقول العرب: كم يدٍ لي عندَ فلان؛ أي: كم مِن نعمة لي
قد أسديتُها له.
وتكونُ [بمعنى] القوّة؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَبْدِ﴾ [ص: ١٧]،
أي: ذا القوّة.
وتكونُ [بمعنى] المُلك(٥) والقدرةِ؛ قال الله تعالى: ﴿قُلِّ إِنَّ اٌلْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيِهِ
مَن يَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٧٣].
(١) أورده الماوردي في النكت والعيون ٥١/٢، والبغوي في تفسيره ٢/ ٥٠، وابن عطية في المحرر
الوجيز ٢١٥/٢ .
(٢) زاد المسير ٣٩٢/٢، والمحرر الوجيز ٢١٤/٢.
(٣) تفسير الرازي ١٢/ ٤١ .
(٤) نسبهما البلاذري في فتوح البلدان ص ٤٠٢ لمالك بن الريب، وقال: ويقال: إنها لنهار بنٍ تَوسعة،
ونسبهما ابن قتيبة في الشعر والشعراء ١/ ٥٣٧، وعيون الأخبار ١٥٥/٣، والميداني في مجمع الأمثال
لنهار بن توسعة، ورواية الشطر الأول من البيت الثاني فيها: فيُدِّلتْ بعده قِرِداً نُطيفٌ به.
(٥) في (م): للملك. وكذلك وقع فيها قبلها: تكون للجارحة .. للنعمة .. للقوة.
٨٣
سورة المائدة: الآية ٦٤
وتكونُ بمعنى الصِّلة؛ قال الله تعالى: ﴿مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١]، أي:
مما عملنا نحن، وقال: ﴿أَوْ يَعْفُوَأْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحُ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي: الذي
له عقدةُ النكاح(١).
وتكونُ بمعنى التأييد والنُّصرة، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((يدُ اللهِ مع
القاضي حتى يَقْضِيَ، والقاسم حتى يَقسِمَ))(٢).
وتكونُ لإضافة الفعل إلى المخبّر عنه تشريفاً له وتكريماً، قال الله تعالى:
﴿وَإِبْلِسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ﴾ [ص: ٧٥]، فلا يجوز أنْ يُحملَ على
الجارحة؛ لأن البارئ جلَّ وتعالى واحدٌ لا يجوز عليه التَّبعيضُ، ولا على القوّة
والمُلك، والنعمة والصّلة، لأنَّ الاشتراكَ يقع حينئذٍ بين وَليِّه آدَمَ وعدوّه إبليسَ،
ويَبطُلُ ما ذُكر من تفضيله عليه؛ لبطلان معنى التخصيص، فلم يبقَ إلا أنْ يُحملَا(٣)
على صفتين تعلّقتا بخلق آدمَ تشريفاً له دون خلقِ إبليسَ تَعلُّقَ القدرةِ بالمقدور، لا من
طريق المباشَرة ولا من حيث المماسّةُ، ومثلُه ما رُوي أنه - عزَّ اسمُه وتعالى علاه
وجدُّه(٤) - كَتَب الثَّوراةَ بيده، وغَرَس دارَ الكرامة(٥) لأهل الجنة (٦)، وغير ذلك، تعلق
الصفة بمقتضاها(٧).
(١) الأسماء والصفات للبيهقي ١٢٧/٢، وما بين حاصرتين منه.
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٥١١) من حديث أبي أيوب الأنصاري﴾ وفيه: حين يقضي ... حين يقسم. وفي
إسناده عبد الله بن لهيعة، قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٩٣: حديثه حسن، وفيه ضعف.
(٣) في (د): يحمل، وفي (ز) و(م): تحمل، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للأسماء والصفات للبيهقي
١٢٧/٢، والكلام منه.
(٤) قوله: أنه عزَّ اسمه وتعالى علاه وجده، من (م).
(٥) بعدها في (م): بيده.
(٦) أخرجه الدارقطني في الصفات (٢٨)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٢٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات
(٦٩٢) من حديث عبد الله بن الحارث؛ قال البيهقي: حديث مرسل.
(٧) الأسماء والصفات ١٢٧/٢ . والسلفُ ﴿ يثبتون صفة اليد لله تعالى حقيقة، من غير تحريف ولا
تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
٨٤
سورة المائدة: الآية ٦٤
قوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُمِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ حُذفت الضّمة من الياء لثقلها، أي: غُلّت
في الآخرة، ويجوز أنْ يكونَ دعاءً عليهم، وكذا: ﴿وَلُمِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾(١). والمقصودُ
تعليمُنا؛ كما قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اَللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]؛ علَّمنا الاستثناءَ،
وكما علّمنا الدعاء على أبي لهب بقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ﴾ [المسد: ١].
وقيل: المراد أنهم أبخلُ الخلقِ، فلا ترى يهودياً غيرَ لئيم؛ وفي الكلام على هذا
القول إضمارُ الواو، أي: قالوا: يدُ الله مغلولةٌ، وغُلَّت أيديهم(٢). واللعنُ: الإبعاد،
وقد تقدّم(٣).
قوله تعالى: ﴿بَلّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ابتداء وخبر، أي: بل نعمتُه مبسوطةٌ، فاليد
بمعنى النعمة. قال بعضهم: هذا غلطٌ؛ لقوله: ﴿بَلّ يَدَهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾؛ فنِعَمُ الله تعالى
أكثرُ من أنْ تُحصى، فكيف تكون: بل نعمتاه مبسوطتان(٤)؟ وأُجيب: بأنه يجوزُ أنْ
يكون هذا تثنيةَ جنس لا تثنيةً واحدٍ مفرد، فيكون مثلَ قوله عليه الصلاة والسلام:
((مَثَلُ المنافِقِ كالشاة العائرة بين الغنمين))(٥). فأحدُ الجنسين: نعمةُ الدنيا، والثاني:
نعمةُ الآخرة، وقيل: نعمةٍ(٦) الدنيا: النعمةُ الظاهرةُ والنعمةُ الباطنة، كما قال:
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَلُ ظَاهِرَةً وَبَِنَةٌ﴾(٧) [لقمان: ٢٠].
وروى ابن عباس عن النبيّ ﴿ أنه قال فيه: ((النِّعمة الظاهرةُ ما حسَّنَ من خلقك،
والباطنةُ ما سَتَر عليك مِن سيّئ عملِك))(٨).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٣٠.
(٢) ينظر تفسير الرازي ٤١/١٢ - ٤٢، وزاد المسير ٣٩٢/٢.
(٣) ٢٤٧/٢ .
(٤) ينظر معاني القرآن للنحاس ٣٣٤/٢.
(٥) قطعة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما سلف ٥/ ٤٢٤ .
(٦) في (م): نعمتا، وينظر معاني القرآن للنحاس ٢٣٥/٢.
(٧) ينظر تفسير الرازي ١٢/ ٤٣ - ٤٤، والمحرر الوجيز ٢١٥/٢ .
(٨) أورده الديلمي في مسند الفردوس (٧١٦٧)، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤٥٠٤) بنحوه.
٨٥
سورة المائدة: الآية ٦٤
وقيل: نعمتاه: المطرُ والنباتُ اللتان النعمةُ بهما ومنهما. وقيل: إنَّ النعمةَ
للمبالغة، كقول العرب: لبيك وسعديك، وليس يريد الاقتصارَ على مرتين، وقد يقول
القائل: مالي بهذا الأمر يدٌ، أي: قوّةٌ(١). قال السُّدّيّ: معنى قوله: ((يداه)): قوَّتاه
بالثواب والعقاب(٢)، بخلاف ما قالت اليهود: إنَّ يدَه مقبوضةٌ عن عذابهم.
وفي صحيح مسلم عن أبي هُريرةَ﴾ عن النبيّ :﴿، قال: ((إنَّ الله تعالى قال لي:
أَنِفِقْ أُنْفِقْ عليك»(٣).
وقال رسول اللـه﴾: ((يَمينُ الله مَلْأَى لا يَغِيضُها سَخَّاءُ الليلَ والنهارَ، أرأيتم ما
أَنفقَ مُذ خَلَقَ السماءَ(٤) والأرضَ؛ فإنه لم يَغِضْ ما في يمينَه - قال -: وعَرشُه على
الماء، وبِيده الأخرى القَبْضُ(٥)، يرفعُ ويَخْفِض))(٦)؛ السَّخُّ: الصَّبُّ الكثير. ويَغِيضُ:
ينقصُ، ونظيرُ هذا الحديثِ قولُه جلَّ ذِكرُه: ﴿وَاَللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْقٌُّ﴾(٧) [البقرة: ٢٤٥].
وأمّا هذه الآيةُ ففي قراءة ابنٍ مسعود: ((بَلْ يَدَاهُ بُسُطَانٍ)) حكاه الأخفش، وقال
يقال: يد بُسُطَةٌ (٨)، أي: منطلقة منبسِطة(٩).
(١) ينظر النكت والعيون ٢/ ٥١، وتفسير الرازي ٤٣/١٢ - ٤٤، والمحرر الوجيز ٢١٥/٢ .
(٢) أورده الماوردي في النكت والعيون ٢/ ٥١ دون نسبة.
(٣) صحيح مسلم (٩٩٣): (٣٧)، وهو قطعة من الحديث الآتي.
(٤) في (د) و(ز) و(م): السموات، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمصادر.
(٥) في (د) و(ز): الفيض، وهي إحدى روايات البخاري (٧٤١٩): ((وبيده الأخرى الفيضُ أو القبض،
وسقط الكلام في هذا الموضع من (خ)، ووقع في (ظ) بياض، والمثبت من (م)، وهو الموافق لسائر
المصادر.
(٦) أخرجه أحمد (٨١٤٠) (٨١٥٣)، والبخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣): (٣٧) من حديث أبي هريرة ﴾،
وسلف مختصراً ١/ ٣٨٠ .
(٧) ينظر المفهم ٣٨/٣ - ٣٩.
(٨) بضم السين وسكونها، كما في القاموس (بسط).
(٩) إعراب القرآن للنحاس ٣٠/٢، وقول الأخفش منه، ولم نقف عليه في معاني القرآن له، وقراءة ابن
مسعود في القراءات الشاذة ص٣٤، ومعاني القرآن للفراء ٣١٥/١. وقيَّد السمين الحلبي هذه القراءة
في الدر المصون ٣٤٤/٤ بضم الباء والسين، وذكر صاحب القاموس (بسط) أنها بضم الباء وكسرها.
٨٦
سورة المائدة: الآية ٦٤
﴿يُفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، أي: يرزقُ كما يريد. ويجوز أنْ تكونَ اليدُ في هذه الآية
بمعنى القدرة؛ أي: قدرته شاملةٌ، فإنْ شاء وسّع، وإنْ شاء قَتَر(١).
﴿وَلَيَزِيدَنَ كَثْرَا مِنْهُمْ﴾؛ اللام(٢) لامُ قسم. ﴿مَّ أُزِلَ إِلَّكَ مِن رَّيْكَ﴾، أي: بالذي
أنزل إليك. ﴿ُغْيَّنًا وَكُفْرًا﴾، أي: إذا نزل شيءٌ مِن القرآن فكفَروا، ازداد كفرُهم(٣).
﴿وَأَلْقَيَّنَا بَيْنَهُمُ﴾؛ قال مجاهد: أي بين اليهود والنصارى(٤)؛ لأنه قال قبل هذا:
تَِّذُواْ الْيُهُودَ وَالنَّصَرَةِ أَوْلِيَّةٌ﴾.
﴿لا
وقيل: أي ألقينا بين طوائف اليهود، كما قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَقََّ﴾؛
فهم متباغضون غيرُ متفقين، فهم أبغضُ خلق اللهِ إلى الناس(٥).
﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُوْ نَارًا لِّلْحَرَّبِ﴾ يريد: اليهود. و((كلّما)) ظرف، أي: كلما جمعوا وأعدّوا
شَتَّت الله جمعَهم(٦).
وقيل: إنَّ اليهود لمّا أفسدوا وخالفوا كتاب الله - التوراة -، أرسل الله عليهم
بُخْتَنصَّر، ثم أفسدوا، فأرسل عليهم بُطرسَ الروميّ، ثم أفسدوا، فأرسل الله(٧) عليهم
المجوسَ، ثم أفسدوا، فبعث الله عليهم المسلمين؛ فكانوا كلّما استقام أمرُهم شنَّتهم
الله، فكلَّما أوقدوا ناراً، أي: أهاجوا شرًّا، وأجمعوا أمرهم على حرب النبيِّ ﴾
﴿ أَفَهَا الَّهَ﴾، وقَهرَهم ووهَّن أمرَهم؛ فذِكْرُ النار مستعارٌ (٨).
(١) ينظر تفسير الرازي ١٢/ ٤٥ .
(٢) لفظة: اللام، من (ظ).
(٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٩٠/٢.
(٤) أخرجه الطبري ٨/ ٥٥٨ .
(٥) معاني القرآن للنحاس ٢٣٥/٢ .
(٦) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٠/٢.
(٧) لفظة: الله، ليست في (م).
(٨) ينظر تفسير البغوي ٥٠/٢، والكشاف ٦٢٩/١، والمحرر الوجيز ٢١٦/٢.
٨٧
سورة المائدة: الآيات ٦٤ - ٦٦
قال قتادة: أذلهم الله جلَّ وعزَّ، فلقد بَعث الله النبيَّ # وهم تحت أيدي
المجوسِ(١). ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا﴾، أي: يسعَون في إبطال
الإسلام، وذلك من أعظم الفساد، والله أعلم.
وقيل: المراد بالنار هنا نارُ الغضب، أي: كلَّما أوقدوا نار الغضب في أنفسهم،
وتَجمعوا بأبدانهم وقوة النفوس منهم باحتِدام نار الغضب، أطفأها الله حتى يضعُفوا،
وذلك بما جعله من الرُّعب نُصرةً بين يدي نبيه﴾(٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَكَغَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ
وَأَدْخَلْتَهُمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ (١٥) وَلَوْ أَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن
زَّيِهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْكُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِرُ مِنْهُمْ سَّةُ مَا
يَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ﴾؛ ((أَنَّ) في موضع رفع، وكذا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ
أَقَامُواْ التَّوْرَةَ﴾(٣). ﴿ءَامَنُوا﴾: صدَّقوا. ﴿وَأَتَّقَوْا﴾، أي: الشِّركَ والمعاصي(٤).
﴿لَكَفَرْنَا عَنْهُمْ﴾؛ اللام جواب ((لو)). وكفَّرنا: غطّينا، وقد تقدم(٥).
وإقامةُ التوراة والإنجيل العملُ بمقتضاهما وعدمُ تحريفهما، وقد تقدَّم هذا
المعنى في ((البقرة)) مستوفى (٦). ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ﴾، أي: القرآن. وقيل: كتب
أنبيائهم(٧). ﴿لَّأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَّحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال ابنُ عباس وغيرُه: يعني المطر
(١) أخرجه الطبري ٥/ ٥٦٠ .
(٢) ينظر تفسير الطبري ٥/ ٥٦١ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣١/٢.
(٤) تفسير أبي الليث ٢/ ٤٤٨ .
(٥) ٢٨٠/١.
(٦) ٢ / ١٦٥ .
(٧) ينظر تفسير البغوي ٢/ ٥١ .
٨٨
سورة المائدة: الآيتان ٦٥ - ٦٦
والنبات، وهذا يدلُّ على أنَّهم كانوا في جَذْب.
وقيل: المعنى: لوسَّعنا عليهم في أرزاقهم، وأكلوا أكلاً متواصلاً(١)، وذكرُ
(فوق)) و(تحت) للمبالغة فيما يُفتح عليهم من الدنيا؛ ونظير هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ
يَجْعَل لَّهُ بِخْرًَّا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢-٣]، ﴿وَأَلَّوِ أَسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ
لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَنَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَّكَتٍ مِنَ
السَمَآءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، فجعل تعالى التُّقَى من أسباب(٢) الرزقِ كما في هذه
الآيات، ووعد بالمزيد لمن شَكّر، فقال: ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾(٣) [إبراهيم: ٧].
ثم أخبر تعالى أنَّ منهم مقتصِداً - وهم المؤمنون منهم؛ كالنجاشيّ وسَلْمانَ
وعبدِ الله بنِ سلام ــ اقتصدوا، فلم يقولوا في عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام
إلا ما يليقُ بهما (٤).
وقيل: أراد بالاقتصاد قوماً لم يؤمنوا، ولكنهم لم يكونوا من المؤذين
المستهزئين، والله أعلم(٥).
والاقتصاد الاعتدال في العمل(٦)، وهو من القصد، والقصد إتيانُ الشيء،
تقول: قصدته، وقصدتُ له، وقصدتُ إليه، بمعنى(٧) . ﴿سَآءُ مَا يَعمَلُونَ﴾، أي: بئس
شيءٌ عَمِلوه(٨)، كذَّبوا الرسل، وحَرَّفوا الكتب، وأَكَلوا السُّحت.
(١) ينظر معاني القرآن للنحاس ٣٣٧/٢ والكشاف ٦٣١/١، وأخرج أثر ابن عباس الطبري ٨/ ٥٦٣ بنحوه.
(٢) في (ظ): أبواب.
(٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٩١/٢، وتفسير الرازي ٤٧/١٢، وزاد المسير ٣٩٥/٢.
(٤) ينظر تفسير البغوي ٥١/٢، وتفسير الرازي ١٢ / ٤٧ .
(٥) رد هذا القولَ الزجاجُ في معاني القرآن له ٢/ ١٩٢، وقال: والذي أظنه أنه لا يُسمي الله من كان على
شيءٍ من الكفر مقتصداً.
(٦) ينظر الوسيط ٢٠٨/٢، وتفسير البغوي ٢/ ٥١ .
(٧) الصحاح (قصد).
(٨) في (ظ) عملهم، وينظر الوسيط ٢٠٨/٢، وتفسير البغوي ٢/ ٥١ .
٨٩
سورة المائدة: الآية ٦٧
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ زَّيٌِّ وَإِن ◌َّمْ تَفْعَل ◌َا بَلَّغْتَ
رِسَالَتَهُ وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ إِنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى أَلْقَوْمَ اَلْكَفِرِينَ ﴾﴾
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَّيٌِّ﴾. قيل: معناه:
أَظهِر التبليغ؛ لأنه كان في أوّل الإسلام يُخفيه خوفاً مِن المشركين، ثم أُمر بإظهاره
في هذه الآية، وأعلمه الله أنه يَعصِمُه من الناس(١).
وكان عمرُ ﴾ أوَّلَ مَن أَظهر إسلامه، وقال: لا نَعبدُ(٢) اللهَ سِرًّا، وفي ذلك
نزلت: ﴿يَأَيُّهَا النَُّ حَسْبُكَ اَللَّهُ وَمَّنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾(٣) [الأنفال: ٦٤].
فدلت الآية على ردِّ قول مَن قال: إنّ النبيَّ :﴿ كتم شيئاً من أمر الدينِ تَقِيَّةً،
وعلى(٤) بطلانه، وهم الرَّافضةُ، ودلَّت على أنه # لم يُسِرَّ إلى أحدٍ شيئاً من أمر
الدِّين؛ لأن المعنى: بَلِّغ جميع ما أُنزل إليك ظاهراً، ولولا هذا ما كان في قوله عزَّ
وجلَّ: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ لَّا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ فائدةٌ(٥).
وقيل: بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك في أمر زينب بنت جحش الأَسَدية رضي الله
عنها(٦). وقيل غيرُ هذا، والصحيح القولُ بالعموم.
قال ابن عباس: المعنى: بَلِّغ جميع ما أُنزل إليك من ربك، فإنْ كتمتَ شيئاً منه
فما بلَّغتَ رِسالته(٧). وهذا تأديبٌ للنبيّ ﴾، وتأديبٌ لحملة العِلم من أُمته ألَّ يكتموا
(١) ينظر البغوي ٢/ ٥٢ .
(٢) في النسخ: يعبد، والمثبت من (م).
(٣) لم تقف عليه.
(٤) لفظة: على، من (م).
(٥) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣١/٢ .
(٦) تفسير البغوي ٢/ ٥١ - ٥٢، وتفسير الرازي ٤٩/١٢ .
(٧) أخرجه الطبري ٥٦٨/٨ .
٩٠
سورة المائدة: الآية ٦٧
شيئاً من أمر شريعتِه (١)، وقد علِم الله تعالى من أمرٍ نبيه(٢) أنه لا يكتمُ شيئاً من وَخيه.
وفي صحيح مسلم عن مسروق عن عائشة أنها قالت: مَن حدَّثك أنَّ محمداً {# كتم
شيئاً مِن الوحي، فقد كذَب، والله تعالى يقول: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيَّكَ مِن
زَّيٌْ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٣). وقبَّح اللهُ الروافضَ حيث قالوا: إنه # كتم
شيئاً مما أوحى الله إليه كان بالناس حاجةٌ إليه(٤).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِّ﴾ دليلٌ على نبوّته؛ لأنَّ الله عزَّ
وجلَّ أخبر أنه معصومٌ، ومَن ضمِن سبحانه له العِصمةَ فلا يجوز أنْ يكونَ قد ترك شيئاً
مما أمره الله به(٥) .
وسبب نزول هذه الآيةِ أنَّ النبيَّ # كان نازلاً تحت شجرة، فجاء أعرابيّ،
فاخْتَرَطَ سيفه، وقال للنبيّ ﴾: مَن يمنعُك مِنّي؟ فقال: ((الله)) فذُعِرت يدُ الأعرابيِّ،
وسقط السيف من يدِه، وضَرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، ذكره المهدويّ(٦).
وذكره القاضي عياض في كتاب الشِّفا (٧)، قال: وقد رُوِيت هذه القصةُ في
الصحيح، وأنَّ غَوْرَت بنَ الحارث صاحبُ القصة، وأنَّ النبيّ :﴿ عفا عنه، فرجع إلى
قومه، وقال: جئتكم مِن عند خيرِ الناس. وقد تقدّم الكلام في هذا المعنى في هذه
السورة عند قوله: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَن يَبْسُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١] مستوفّى(٨)،
(١) في (ظ): أمر الشريعة.
(٢) في (ظ): من نبيه.
(٣) صحيح مسلم (١٧٧): (٢٨٧)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٤٢٢٧) مطولاً، والبخاري (٤٦١٢).
(٤) ينظر أحكام القرآن للكيا الطبري ٨٥/٣ .
(٥) ينظر أحكام القرآن للكيا ٣/ ٨٥ .
(٦) وأخرجه الطبري في تفسيره ٨/ ٥٧٠ عن محمد بن كعب القرظي وذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٥٢ عن
محمد بن كعب عن أبي هريرة ، ويغني عنه الحديث الصحيح الذي سيذكره المصنف قريباً، وقوله:
اخترط سيفه؛ أي: سلَّه من غمده. النهاية (خرط).
(٧) ٣٤٧/١ .
(٨) ٣٧٤/٧ .
٩١
سورة المائدة: الآية ٦٧
وفي ((النساء)) أيضاً في ذِكر صلاة الخوف(١).
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: غزونا مع رسول الله # غزوةً قِبلَ
نَجْدٍ، فأدركَنَا رسولُ الله﴾ في وادٍ كثير العِضَاءِ، فنزل رسول الله 8# تحت شجرة،
فعلَّق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتَفرّق الناس في الوادي يَستظِلّون بالشجر،
قال: فقال رسول الله ﴾: ((إنَّ رجلاً أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف، فاستيقظت وهو
قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيفُ صَلْتاً في يده، فقال لي: مَن يمنعُك مِنّي؟ -
قال - قلت: الله. ثم قال في الثانية: مَن يمنعك مِني؟ - قال - قلت: الله. قال: فشَامَ
السيفَ، فها(٢) هو ذا جالِسٌ))، ثم لَمْ يعرِضْ له رسول الله ﴾(٣).
وقال ابن عباس: قال النبيّ﴾: ((لمّا بعثني الله برسالته ضِقتُ بها ذَرْعاً، وعرفت
أنَّ من الناس مَن يكذّبُني، فأنزل الله هذه الآية))(٤).
وكان أبو طالب يُرسِلُ كلَّ يوم مع رسولِ اللـه# رجالاً من بني هاشم يحرُسونه
حتى نزل: ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِ﴾، فقال النبيِ ﴾: ((يا عماه، إنَّ الله قد عَصَمني
من الجنّ والإنس، فلا أحتاج إلى مَن يَحرُسني))(٥).
(١) ١٠٨/٧ - ١٠٩ .
(٢) في النسخ: ها، والمثبت من (م)، والمصادر.
(٣) صحيح مسلم ١٧٨٦/٢ (٨٤٣) (١٣)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٣٣٥)، والبخاري (٤١٣٥)، وسلف
بنحوه مختصراً ٧/ ١٠٨ - ١٠٩، ٣٧٤. وقوله: العِضّاه: كل شجر عظيم له شوك. وقوله: إلا والسيف
صلتاً، أي: مجرداً، يقال: أصلت السيف إذا جرده من غمده. وقوله: فشام السيف، أي: أغمده،
والشَّيم من الأضداد، يكون سلَّ وإغماداً. النهاية (عضه، صلت، شيم).
(٤) لم نقف عليه من قول ابن عباس ، وأورده الواحدي في أسباب النزول ص١٩٤ - ١٩٥، والوسيط
٢٠٨/٢، والبغوي في تفسيره ٥١/٢ ، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٩٦/٢ عن الحسن مرسلاً.
وأخرج نحوه أبو نعيم في الحلية ٥/ ٥٠٢ من حديث أبي هريرة دون ذكر الآية.
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (١١٦٦٣) والواحدي في الوسيط ٢٠٩/٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما،
قال الهيثمي في المجمع ١٧/٧ : في إسناده النضر بن عبد الرحمن، وهو ضعيف، وقال الحافظ ابن
كثير عند تفسير هذه الآية: هذا حديث غريب، والصحيح أنه هذه الآية مدنية.
٩٢
سورة المائدة: الآية ٦٧
قلت: وهذا يقتضي أنَّ ذلك كان بمكةً، وأنّ الآية مكيةٌ، وليس كذلك، وقد تقدّم
أنَّ هذه السورةَ مدنية بإجماع(١)، ومما يدل على أنَّ هذه الآية مدنيةٌ ما رواه مسلم في
الصحيح عن عائشةَ قالت: سهِر رسول اللـه # مَقْدَمَه المدينةَ ليلةً، فقال: «لیت رجلاً
صالحاً من أصحابي يحرُسني الليلةَ))، قالت: فبينا نحن كذلك سمعنا خَشْخَشَةَ
سِلاح، فقال: ((من هذا؟))، قال: سعدُ بنُ أبي وقاص. فقال له رسول الله ﴾: ((ما
جاء بك))؟. فقال: وقع في نفسي خوفٌ على رسول اللـه ﴿؛ فجئت أحرُسه، فدعا له
رسول الله څ﴾، ثم نام(٢).
وفي غير الصحيح قالت: فبينما نحن كذلك سمعتُ صوتَ السلاح، فقال: ((من
هذا)»؟ فقالوا: سعدٌ وحُذَيْفة جئنا نحرُسك، فنام ﴿ حتى سمعتُ غَطِیطه، ونزلت هذه
الآية، فأخرج رسول الله # رأسه من قُبَّة أَدَم، وقال: ((انصرفوا أيها الناس، فقد
عَصَمني الله))(٣).
وقرأ أهل المدينة: ((رِسَالَاتِهِ)) على الجمع. وأبو عمرو وأهل الكوفة: ((رِسَالَتَهُ))
على التوحيد(٤)؛ قال النحاس: والقراءتان حسنتان، والجمع أبْيَن؛ لأنَّ رسولَ الله ﴾
كان ينزل عليه الوحي شيئاً فشيئاً، ثم يبيِّته(٥).
والإفراد يدلُّ على الكثرة، فهي كالمصدر؛ والمصدرُ في أكثر الكلام لا يُجمع
ولا يُثَنَّى؛ لدلالته على نوعه بلفظه، كقوله: ﴿وَإِن تَعُدُواْ نِعْمَتَ اللّهِ لَا تُوهَأَ﴾ (٦)
(١) ٢٤٣/٧ .
(٢) صحيح مسلم برقم (٢٤١٠): (٤٠)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٥٠٩٣)، والبخاري (٢٨٨٥)، وقوله:
خشخشة سلاح: صوت ضرب بعضه في بعض. المفهم ٦/ ٢٨٠ .
(٣) أخرجه الترمذي (٣٠٤٦)، وحسن إسناده الحافظ في الفتح ٨٢/٦، وذكره الواحدي في أسباب النزول
ص ١٩٧ - ١٩٨، وقوله: غطيطه؛ الغطيط هو الصوت الذي يخرج مع نفس النائم. النهاية (غطط).
(٤) قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ((رسالاته)) بالجمع وكسر التاء، وقرأ باقي السبعة:
(رسالته)) بالتوحيد ونصب التاء. السبعة ص٢٤٦، والتيسير ص ١٠٠.
(٥) إعراب القرآن ٣١/٢.
(٦) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤١٥/١ .
٩٣
سورة المائدة: الآيتان ٦٧ - ٦٨
[النحل: ١٨].
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾، أي: لا يُرشدُهم، وقد تقدم(١). وقيل: أَبْلِغ
أنت، فأمّا الهِدايةُ فإلينا؛ نظيره: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ [المائدة: ٩٩]، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا
أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَبِّكُمّ وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا مِنْهُم ◌َّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن زَّبِّكَ مُغْيَئِنًا وَكُفْرَأْ
فَلَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ
٦٨
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قال ابن عباس: جاء جماعةٌ من اليهود إلى النبيِّ ﴾، فقالوا: ألست تُقِرُّ
أنَّ التوراة حقٌّ من عند الله؟ قال: ((بلى)). فقالوا: فإنا نؤمن بها، ولا نؤمن بما
عَدَاها، فنزلت الآية، أي: لستم على شيء من الدِّين حتى تعملوا بما في الكتابين من
الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، والعملِ بما يوجبُه ذلك منهما(٢).
وقال أبو عليّ (٣): ويجوزُ أنْ يكون ذلك قبلَ النَّسخ لهما.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثْرًا مِّنْهُم مَّ أُنزِلَ إِلَّكَ مِن زَيِكَ مُفْيَنًا وَكُفْرًا﴾، أي:
يكفرون به، فيزدادون كفراً على كفرهم.
والطغيان: تجاوزُ الحدِّ في الظلم والغُلوّ فيه (٤)؛ وذلك أنَّ الظلم منه صغيرةٌ ومنه
كبيرة، فمن تجاوز منزلةَ الصغيرةِ فقد طغى، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِسَنَ لَطْفَ﴾
[العلق: ٦]، أي: يتجاوزُ الحدَّ في الخروج عن الحقّ.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَلَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾، أي: لا تحزن عليهم. أَسِيَ
(١) ٧/ ١٨٢ .
(٢) ينظر الوسيط ٢١٠/٢، وأخرج الخبر الطبري ٥٧٣/٨، وهو في السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٥٦٧-٥٦٨.
(٣) هو الجبائي، ونقله عنه الطبرسي في مجمع البيان ٦/ ١٥٤ .
(٤) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢/ ١٩٠.
٩٤
سورة المائدة: الآيتان ٦٨ - ٦٩
یأْسی أَسی إذا حزِن. قال:
وَانْحَلبتْ عيناه من فَرْطِ الأَسَى(١)
وهذه تسليةٌ للنبيِّ ﴾(٢)، وليس بنهي عن الحُزن؛ لأنه لا يقدرُ عليه، ولكنه تسليةٌ
ونهيّ عن التّعرض للحزن. وقد مضى هذا المعنى في آخر ((آل عمران)) مستوفّى (٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاَلَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّئُونَ وَالنَّصَرَى مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَِحًا فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
تقدم الكلام في ذلك كلِّه(٤)، فلا معنى لإعادته. ﴿وَلَّذِينَ هَادُوا﴾ معطوف،
وكذا ﴿ وَالصَّئُونَ﴾ معطوفٌ على المضمر في: ((هَادُوا)) في قول الكسائيِّ والأخفش.
قال النحاسُ(٥): سمعت الزجاجَ يقول(٦) - وقد ذُكِر له قولُ الأخفشِ والكسائيّ -:
هذا خطأٌ من جهتين؛ إحداهما: أنَّ المضمَر المرفوعَ یقبح العطف علیه حتی یؤَّد.
والجهة الأخرى: أنَّ المعطوفَ شريكُ المعطوف عليه، فيصيرُ المعنى أنَّ الصابئين قد
دخلوا في اليهودية، وهذا محالٌ.
وقال الفرّاء(٧): إنما جاز رفع: ((وَالصَّابِثُونَ))(٨)؛ لأنَّ((إنّ) ضعيفةٌ، فلا تؤثر إلا
(١) قائله العجاج، وهو في ديوانه ص١٥٦، وقوله: انحلبت: سالت، اللسان (حلب)، وقوله: فَرْط
الأسى؛ الفرطُ ما سبق من شيء. شرح الديوان وينظر تفسير الطبري ٥٧٤/٨.
(٢) الوسيط للواحدي ١١٠/٢.
(٣) ٤٢٩/٥.
(٤) ٢ /١٥٨ .
(٥) في إعراب القرآن ٣٢/٢، وما قبله منه، وذكر قول الكسائي أيضاً الزجاج في معاني القرآن ١٩٤/٢،
وابن عطية في المحرر الوجيز ٢١٩/٢ .
(٦) في معاني القرآن ٢/ ١٩٤ .
(٧) في معاني القرآن له ١/ ٣١٠ - ٣١١، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٢/٢.
(٨) في (م): جاز الرفع في: ((والصابئون)).
٩٥
سورة المائدة: الآية ٦٩
في الاسم دون الخبر، و((الَّذِينَ)) هنا لا يتبين فيه الإعرابُ، فجرى على جهة واحدةٍ
الأمران؛ فجاز رفع الصابئين؛ رجوعاً إلى أصل الكلام.
قال الزّجاج(١): وسبيلُ ما يتبين فيه الإعراب وما لا يتبين فيه الإعراب واحدٌ.
وقال الخليل وسيبويه(٢): الرفع محمولٌ على التقديم والتأخير، والتقدير: إن
الذين آمنوا والذين هادوا مَن آمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحاً، فلا خوفٌ
عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى كذلك. وأنشد سيبويه وهو نظيره:
وإِلّا فاعلموا أَنَّا وأنتم بُغَاةٌ ما بَقِينَا في شِقَاقٍ(٣)
وقال ضَابِئ البُرْجُمِيّ:
فمن يُ أمسى بالمدينةِ رَحْلُهُ فإنّي وَقَيَّارٌ بِها لَغَرِيبُ(٤)
وقيل: ((إنّ)) بمعنى ((نَعَم))؛ فالصابئون مرتفعٌ بالابتداء، وحذف الخبر لدلالة
الثاني عليه، فالعطف يكون على هذا التقدير بعد تمام الكلام وانقضاء الاسم
(٥)
والخبر(٥).
وقال [عبيد الله بن] قيس الرُّقيّات(٦):
حِ يَلُمْنَنِي وأَلُومُهُنَّةْ
بكّرَ العَواذِلُ في الصَّبا
(١) نقله عنه النحاس في إعراب القرآن ٣٢/٢ .
(٢) في الكتاب ١٥٥/٢ - ١٥٦، وينظر مشكل إعراب القرآن لمكي ٢٣٣/١، وتفسير الرازي ١٢/ ٥١،
والمحرر الوجيز ٢١٩/٢ .
(٣) قائله بشر بن خازم، وسلف ٤١٩/٢.
(٤) سلف ٦٩/٢ دون نسبة، وهذا البيت قاله ضابىء بنُ الحارث يهجو بني جَرول، وكانت بينه وبينهم
خصومةٌ، فاستعدوا عليه عثمان بن عفان فحبسه في السجن إلى أن مات. الشعر والشعراء ١/ ٣٥٠ .
(٥) ينظر مشكل إعراب القرآن ٢٣٢/١، والمحرر الوجيز ٢١٩/٢ . وقد ردًّ السمين الحلبي في الدر
المصون ٣٥٥/٤ هذا القول، وقال: كونها بمعنى نعم، قول مرجوح.
(٦) في النسخ: قيس الرقيات، وما بين حاصرتين من المصادر.
٩٦
سورة المائدة: الآيتان ٦٩ - ٧٠
كَ وقد كبرتَ فقلت إِنّهْ(١)
ويَقلْنَ شَيْبٌ قد عَلَا
قال الأخفش(٢): ((إنَّه)) بمعنى ((نَعَم))، وهذه الهاء أدخلت للسكت.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ وَأَرْسَلْنَآَ إِلَيْهِمْ رُسُلًاٌ كُلَّا
جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَوِيلَ وَأَرْسَلْنَآَ إِلَّهِمْ رُسُلًا﴾. قد تقدّم في
((البقرة))(٣) معنى الميثاق، وهو ألا يعبدوا إلا الله، وما يتصل به.
والمعنى في هذه الآية: لا تأس على القوم الكافرين، فإنَّا قد أَعذَرنا إليهم،
وأرسلنا الرسلَ، فنقضوا العهودَ. وكل هذا يرجع إلى ما افتتحت به السورة، وهو
قولُه: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾.
﴿كُلَّمَا جَآءَهُمْ﴾، أي: اليهود ﴿رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىَ أَنفُسُهُمْ﴾: لا يوافق هواهم.
﴿فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾، أي: كذبوا فريقاً، وقتلوا فريقاً؛ فممن(٤) كذَّبوه
عيسى ومن مثله من الأنبياء، وقتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من الأنبياء(٥).
وإنما قال: ((يقتلون)) لمراعاة رأس الآية(٦).
وقيل: أراد فريقاً كذبوا، وفريقاً قتلوا، وفريقاً يكذبون، وفريقاً يقتلون، فهذا
(١) ديوان ابن قيس الرقيات ص٦٦، وأمالي ابن الشجري ٦٥/٢ برواية: بكرتْ عليَّ عواذلي يَلحَينَني ...
وأورده بمثل رواية المصنف أبو الفرج في الأغاني ٤/ ٢٩٤، والنحاس في إعراب القرآن ٤٥/٣.
(٢) هو الصغير أبو الحسن علي بنُ سليمان، وذكر قولَه هذا النحاس في إعراب القرآن ٤٤/٣ عند تفسير
الآية (٦٩) من سورة طه، والجوهري في الصحاح (أنن)، وينظر معاني القرآن للزجاج ٣٦٣/٣،
وأمالي ابن الشجري ٢/ ٦٥ .
(٣) ١/ ٣٧٠ .
(٤) في (ز) و(ظ) و(م): فمن، والمثبت من (د).
(٥) ينظر تفسير أبي الليث ١/ ٣٥٠.
(٦) ينظر مجمع البيان ٦/ ١٦٠.
٩٧
سورة المائدة: الآيتان ٧٠ - ٧١
دأبهم وعادتُهم، فاختصر. وقيل: فريقاً كذبوا لم يقتلوهم، وفريقاً قتلوهم فكذَّبوا.
و((يقتلون)) نعت لفريق. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُواْ أَلَا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَنُواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
ثُمَّ عَمُواْ وَصَقُواْ كَثِيرٌ مِنْهُمُّ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؛ المعنى: ظنَّ هؤلاء الذين أُخذ عليهم
الميثاقُ أنه لا يقع من الله عزَّ وجلَّ ابتلاءٌ واختبار بالشدائد، اغتراراً (١) بقولهم: نحن
أبناء الله وأحباؤه(٢)، وإنما اغترّوا بطول الإمهال.
وقرأ أبو عمرو وحمزةُ والكسائيُّ: ((تَكُونُ)) بالرفع(٣)، ونصب الباقون؛ فالرفع
على أنَّ (حَسِب)) بمعنى: عَلِمٍ وتَيقَّن، و(أَنْ)) مخففّة من الثقيلة، ودخول ((لا)) عوضٌ
من التخفيف، وحذف الضمير(٤)؛ لأنهم كرهوا أنْ يليهَا الفعل، وليس من حكمها أنْ
تدخُلَ علیه؛ ففصلوا بينهما بـ ((لا)).
ومن نصب جعل ((أَنْ)) ناصبةً للفعل، وبقي ((حَسِب)) على بابه من الشك وغيره(٥).
قال سيبويه: حسبتُ ألَّا يقولُ ذاك؛ أي: حسبتُ أنه. قال(٦): وإنْ شئت نصبت.
قال النحاس: والرفع عند النحويين في حَسِب وأخواتها أجودُ كما قال(٧):
(١) في النسخ: اغترار، والمثبت من (م).
(٢) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢/ ١٩٥، وتفسير الطبري ٥٧٦/٨ .
(٣) السبعة ص٢٤٧، والتيسير ص١٠٠ .
(٤) في المحرر الوجيز ٢/ ٢٢٠: حَسُنَ دخولها لأن ((لا)) قد وطأت أن يليها الفعل، وقامت مقام الضمير
المحذوف عوضاً منه.
(٥) ينظر مشكل إعراب القرآن ٢٣٣/١، والكشف عن وجوه القراءات السبع ٤١٦/١ .
(٦) في النسخ: حسبت أنه قال ذلك، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٣٢/٢، وعنه نقل المصنف،
وكلام سيبويه في الكتاب ١٦٦/٣ .
(٧) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص٢٨، وفيه: يُحسن، بدل: يشهد. وقد سلف ١٤٩/٤ .
٩٨
سورة المائدة: الآية ٧١
. كَبِرْتُ وألّا يَشْهَدُ اللّهْوَ أمثالي
أَلَّا زعمتْ بَسْبَاسَةُ اليومَ أنَّني
وإنما صار الرفع أجودَ؛ لأنَّ((حسِب)) وأخواتها بمنزلة العلم في أنه(١) شيء
ثابتٌ.
قوله تعالى: ﴿فَعَمُوا﴾ أي: عن الهدى. ﴿وَصَنُواْ﴾، أي: عن سماع الحقِّ؛
لأنهم لم ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه. ﴿ثُّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ﴾ في الكلام إضمارٌ،
أي: وقعت(٢) بهم الفتنةَ فتابوا، فتاب اللهُ عليهم بكشف القحط، أو بإرسال محمدٍ ﴾
يخبرهم بأنَّ اللهَ يتوبُ عليهم إن آمنوا؛ فهذا بيان ((تَابَ اللهُ عَلَيْهمْ))، أي: يتوبُ عليهم
إِنْ آمنوا وصدّقوا، لا أنهم تابوا على الحقيقة(٣).
﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَنُواْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾، أي: عَمِيَ كثيرٌ منهم وصَمَّ بعدَ تبيُّنِ الحقِّ لهم
بمحمدٍ عليه الصلاة والسلام، فارتفع ((كثير)) على البدل من الواو، وقال الأخفش
سعيد: كما تقول رأيت قَوْمَكَ ثُلُثَيْهِم(٤).
وإنْ شئت كان على إضمار مبتدأ، أي: العُمْيُ والصُّمُّ كثيرٌ منهم. وإنْ شئت كان
التقدير: العُمْيُ والضُّمُّ منهم کثیرٌ.
وجوابٌ رابع: أنْ يكونَ على لغة من قال: («أكلوني البراغيثُ))، وعليه قولُ
الشّاعر:
ولكِنْ دِيَافِيٍّ أبوه وأمّهُ بِحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ(٥) السَّلِيطَ أقارِيُهُ (٦)
(١) في (د) و(ز) و(م): العلم لأنه، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ٣٣/٢.
(٢) في (ز) و(ظ) و(م): أوقعت.
(٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٩٥/٢، وزاد المسير ٤٠١/٢ .
(٤) في النسخ: ثلاثتهم، والمثبت من (م)، وهو الموافق لمعاني القرآن للأخفش ٤٧٤/٢، وإعراب
القرآن للنحاس ٣٣/٢، وعنه نقل المصنف.
(٥) في النسخ: يعصون، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمصادر.
(٦) قائله الفرزدق، وهو في ديوانه ص٤٦، وقوله: ديافي، نسبة إلى دياف؛ قرية من قرى الشام، تُنسب
إليها الإبل والسيوف، وكانوا إذا عرَّضوا برجل نسبوه إليها، وقوله: السَّليط: الزيت، وقيل: دهن
السمسم. وإنما قال: يعصرن السليط أقاربُه؛ لأنه شبَّههم بالنساء؛ لأنهم لا شجاعة لهم، وسبب هذا =
٩٩
سورة المائدة: الآيات ٧١ - ٧٤
ومن هذا المعنى قوله: ﴿وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣]. ويجوز في غير
القرآن ((كثيراً)) بالنصب؛ يكون نعتاً لمصدر محذوفٍ(١).
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَدٌ وَقَالَ
اُلْمَسِيحُ يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبٍِ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ
عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنَّهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ (
٧٢
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوَأْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَدٌ﴾. هذا قولُ
اليعقوبِية، فردَّ اللهُ عليهم ذلك بحجةٍ قاطعةٍ مما يقرّون به، فقال: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِّ
إِسْرَِّيلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّ وَرَبَّكُمْ﴾، أي: إذا كان المسيحُ يقول: يا ربّ، ويا الله،
فكيف يدعو نفسَه، أم كيف يسألُها؟ هذا محالٌ(٢).
﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾؛ قيل: هو من قول عيسى. وقيل: ابتداء كلام من الله
تعالى(٣). والإشراك أنْ يعتقد معه موجِداً. وقد مضى في ((آل عمران)» القولُ في اشتقاق
المسيح (٤)، فلا معنى لإعادته. ﴿وَمَا لِلَّلِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّ
إِلَهٌ وَحِدُ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمُ ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (َ)﴾
قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَدَثَةُ﴾؛ أي: أحدُ ثلاثة. ولا
يجوز فيه التنوين؛ عن الزجاج وغيره(٥).
= البيت أن الفرزدق مدح عمرو بن مسلم، فأمَر له بعطاء، فاستكثر ذلك عمرو بنُ عفراء، فبلغ ذلك
الفرزدق، فهجاه بهذا البيت. ينظر خزانة الأدب ٣٣٤/٥ - ٣٣٩.
(١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٣/٢، ومعاني القرآن للأخفش ٤٧٤/٢ - ٤٧٥.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٤/٢، واليعقوبية فرقة من النصارى سلف ذكرها ١٥٤/٥ .
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٢٢١/٢.
(٤) ٥/ ١٣٥ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ١٩٦/٢، وذكره أيضاً الفراء في معاني القرآن له ٣١٧/١، والنحاس في إعراب
القرآن ٣٤/٢ .
١٠٠
سورة المائدة: الآيتان ٧٣ - ٧٤
وفيه للعرب مذهبٌ آخرُ؛ يقولون: رابعُ ثلاثة، فعلى هذا يجوز الجرُّ والنصب؛
لأنَّ معناه: الذي صَيَّرَ الثلاثةَ أربعةً بكونه منهم(١). وكذلك إذا قلتَ: ثالث اثنين؛
جاز التنوين(٢).
وهذا قولُ فرقِ النصارى من المَلْكِية والنُّسْطُوريّة واليعقوبية(٣)؛ لأنهم يقولون:
أبٌ، وابن، وروحُ القدس(٤) إلهٌ واحدٌ؛ ولا يقولون: ثلاثة آلهة، وهو معنى مذهبهم،
وإنما يمتنعون من العبارة، وهي لازمةٌ لهم؛ وما كان هكذا صَحَّ أنْ يحكى بالعبارة
اللازمة؛ وذلك أنهم يقولون: إنَّ الابنَ إلهٌ، والأبَ إله، وروحَ القدس إله(٥). وقد
تقدّم القولُ في هذا في ((النساء))(٦)، فأكفرهم اللهُ بقولهم هذا، وقال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَّهِ
إِلَّ إِلَهٌ وَجِدُّ﴾، أي: إنّ الإلهَ لا يتعدّد، وهم يلزمهم القولُ بثلاثة آلهة - كما تقدم(٧) -
وإنْ لم يُصرِّحوا بذلك لفظاً؛ وقد مضى في ((البقرة)) معنى الواحد(٨).
و((مِن)) زائدة. ويجوز في غير القرآن: ((إلهاً واحداً)) على الاستثناء. وأجاز
الكسائيُّ الخفضَ على البدل(٩).
قوله تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ يَنْتَهُوا﴾، أي: يكفُّوا عن القول بالتثليث لَيَمَسَّنَّهم عذابٌ
أليمٌ في الدنيا والآخرة . ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ﴾ تقريرٌ وتوبيخ؛ أي: فليتوبوا إليه وليسألوه
(١) ينظر معاني القرآن للفراء ٣١٧/١، وتفسير الرازي ٥٩/١٢ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٤/٢ .
(٣) سلف ذكر هذه الفرق ٢١١/٧ .
(٤) في النسخ: وروح قدس، والمثبت من (م).
(٥) ينظر تفسير الطبري ٥٨٠/٨، ومجمع البيان ١٦٤/٦.
(٦) ٢٣٣/٧ .
(٧) قريباً.
(٨) ٤٨٨/٢ .
(٩) إعراب القرآن للنحاس ٣٤/٢، وردًّ قول الكسائي الفراء في معاني القرآن ٣١٧/١، ومكي في مشكل
إعراب القرآن ٢٣٤/١ - ٢٣٥.