Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
سورة المائدة: الآية ٥٨
وأمَّا رؤيا عبدِ الله بنِ زيدٍ الخزرجيّ الأنصاريّ وعمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنهما
فمشهورة، وأنَّ عبد الله بنَ زيد أخبر النبي ﴿ بذلك ليلاً طرَقه به، وأنَّ عمر ﴾ قال:
إذا أصبحتُ أخبرتُ النبيَّ ﴾، فأمر النبي ﴿ بلالاً فأذَّن بالصلاة أذانَ الناسِ اليومَ. وزاد
بلال في الصبح: الصلاة خيرٌ من النوم، فأقرَّها رسول الله ﴾، وليست فيما أُرِي
الأنصاريّ. ذكره ابن سعد عن ابن عمر(١).
وذكر الدَّارَقُطْنيُّ رحمه الله أنَّ الصدّيقِ ﴾ أُرِيَ الأذانَ، وأنه أخبر النبيِّ ﴾
بذلك، وأن النبيَّ # أمر بلالاً بالأذان قبلَ أنْ يُخبِرَه الأنصاريّ؛ ذكره في کتاب
((المدَبّج)) له في حديث النبيِّ # عن أبي بكر الصدّيق وحديثِ أبي بكر عنه (٢).
الثالثة: واختلف العلماء في وجوب الأذان والإقامة؛ فأمَّا مالك وأصحابُه: فإنَّ
الأذانَ عندهم إنما يجب في المساجد للجماعات حيث يجتمع الناس، وقد نصَّ على
ذلك في موظّئه(٣).
واختلف المتأخرون من أصحابه على قولين: أحدهما: أنه(٤) سنة مؤكدة واجبةٌ
على الكفاية في المِصر، وما جرى مَجرى مِصرٍ من القرى. وقال بعضهم: هو فرض
على الكِفاية. وكذلك اختلف أصحاب الشافعيّ.
وحكى الطَّبَريّ عن مالك قال: إن تَركَ أهل مصرِ الأذانَ عامدِين، أعادوا الصلاة.
(١) في الطبقات الكبرى ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٧٠٧)، قال الحافظ في التلخيص
٢٠١/١ : إسناد ابن ماجه ضعيف جداً.
وأخرجه أحمد (١٦٤٧٨)، وأبو داود (٤٩٩)، والترمذي (١٨٩)، وابن ماجه (٧٠٦) من حديث
عبد الله بن زيد الأنصاري ( بنحوه. وخبر أمر النبي # بلالاً بالأذان أخرجه أحمد (٦٣٥٧)، والبخاري
(٦٠٤)، ومسلم (٣٧٧) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وليس فيه خبر الرؤيا.
(٢) وأخرجه الطبراني في الأوسط (٢٠٤١) من حديث بريدة بن الحصيب بنحوه، وفيه أن النبي # أمر
بلالاً بالأذان بعد أن أخبره الأنصاري . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٢٩/١ : في إسناده من تكلم
فيه، وهو ثقة.
(٣) ١/ ٧١ .
(٤) لفظة: أنه، من (ز) و(ظ)، وهو الموافق للاستذكار ١٧/٤، والكلام منه.
٦٢
سورة المائدة: الآية ٥٨
قال أبو عمر(١): ولا أعلم خلافاً(٢) في وجوب الأذانِ جملةً على أهل المِصر؛
لأنَّ الأذان هو العلامة الدَّالةُ المفرِّقة بين دار الإسلامِ ودارِ الكفر، وكان رسول الله ﴿
إذا بعث سَرِيَّة قال لهم: ((إذا سمعتم الأذان فأَمسِكوا وكُفُّوا، وإن لم تسمعوا الأذان
فَأَغيروا(٣). أو قال: ((فشنُّوا الغارةَ))(٤). وفي صحيح مسلم قال: كان رسول الله ﴾
يُغِير إذا طلع الفجر، فإن سمع أذاناً أمسك، وإلا أغار. الحديث(٥).
وقال عطاء ومجاهد والأوزاعيّ وداود: الأذان فرض، ولم يقولوا: على الكفاية.
وقال الطَّبَريّ: الأذان سنةٌ وليس بواجب. وذَكَر عن أشهب عن مالك: إن ترك
الأذان مسافرٌ عمداً، فعليه إعادةُ الصلاة.
وكره الكوفيون أنْ يصلّيَ المسافر بغير أذان ولا إقامة، قالوا: وأمَّا في
المِصر(٦)، فيستحب له أنْ يؤذِّنَ ويقيم، فإن استجزأ بأذان الناس وإقامتهم، أجزأه.
وقال الثوريّ: تُجزئه الإقامة عن الأذان في السفر، وإن شئت أذّنت وأقمتَ.
وقال أحمد بن حنبل: يؤذِّن المسافر على حديث مالك بنِ الحُوَيرِثِ(٧).
وقال داود: الأذان واجبٌ على كل مسافرٍ في خاصَّته والإقامةُ؛ لقول رسول الله ◌ِ﴾
لمالك بنِ الحُوَيرِث ولصاحبه: ((إذا كنتما في سفر فأَذِّنا وأقيما، وليؤمَّكما أكبرُكما)).
(١) في الاستذكار ١٧/٤ - ١٩، وما قبله منه، وينظر التمهيد ٢٧٧/١٣ - ٢٧٨.
(٢) في (ز) و(ظ) و(م): اختلافا، والمثبت من (د)، وهو الموافق للاستذكار.
(٣) في النسخ: فغيروا، والمثبت من (م).
(٤) لم نقف عليه بهذا اللفظ عند غير ابن عبد البر في الاستذكار، وهو بنحوه في الصحيحين كما في
الحديث الآتي.
(٥) صحيح مسلم (٣٨٢) من حديث أنس ﴾، وأخرجه أيضاً أحمد (١٢٣٥١)، والبخاري (٢٩٤٣).
(٦) في (م): وأما ساكن المصر، وفي (د) و(ز)، وأما المصر، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للتمهيد
٢٧٨/١٣، والكلام منه، ومن الاستذكار ١٨/٤، و٧٩ - ٨٠ بنحوه.
(٧) الاستذكار ٨٠/٤، وسيرد حديث مالك بن الحويرث.
٦٣
سورة المائدة: الآية ٥٨
خرجه البخاريّ، وهو قولُ أهلِ الظاهر(١).
قال ابن المنذر(٢): ثبت أنَّ رسولَ الله ﴾ قال لمالك بنِ الحويرث ولابن عم له:
((إذا سافرتما فأذِّنا وأقِيما، وليؤمَّكما أكبرُكما)). قال ابن المنذر: فالأذان والإقامةُ
واجبان على كل جماعةٍ في الحضر والسفر؛ لأن النبي # أمر بالأذان، وأمرُه على
الفرض(٣).
قال أبو عمر(٤): واتفق الشافعيّ وأبو حنيفة وأصحابهما والثوريّ وأحمدُ
وإسحاقُ وأبو ثورٍ والطَّبَريُّ على أنَّ المسافرَ إذا ترك الأذان عامداً أو ناسياً، أجزأته
صلاته، وكذلك لو ترك الإقامة عندهم، وهم أشدُّ كراهةً لتركه الإقامة. واحتج
الشافعيّ في أنَّ الأذان غيرُ واجب فرضاً (٥) من فروض الصلاة بسقوط الأذانِ للواحد
عند الجميعِ(٦) بعَرَفة والمزدلفة. وتحصيلُ مذهبٍ مالك في الأذان في السفر
کالشافعيّ سواء.
الرابعة: واتفق مالك والشافعيّ وأصحابُهما على أنَّ الأذانَ مَثنی [مثنی]،
والإقامةَ مرَّةً مرَّةً، إلا أنَّ الشافعيَّ يُربِّع التكبير الأولَ، وذلك محفوظٌ من روايات
الثقات في حديث أبي محذورة(٧)، وفي حديث عبد الله بن زيد، قال: وهي زيادةٌ
(١) الاستذكار ٨٠/٤، والتمهيد ٢٧٩/١٣، والحديث في صحيح البخاري (٦٣٠)، وأخرجه أيضاً أحمد
(١٥٦٠١)، ومسلم (٦٧٤): (٢٩٣)، ومالك بن الحويرث، ويقال: ابن الحويرثه، يكنى أبا سليمان،
ليثي، سكن البصرة، ومات بها سنة (٦٤هـ). الإصابة ٩/ ٤٣ - ٤٤ .
(٢) في الأوسط ٢٤/٣.
(٣) في (د) و(ز) و(م): الوجوب، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للأوسط.
(٤) في الاستذكار ٤/ ٨١ - ٨٢ .
(٥) في (م): واجب وليس فرضاً.
(٦) في (ظ) و(م): الجمع، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق للاستذكار.
(٧) سيورده المصنف بتمامه في المسألة الحادية عشرة.
٦٤
سورة المائدة: الآية ٥٨
يجب قبولها(١).
وزعم الشافعي أنَّ أذانَ أهلٍ مكةَ لم يَزَّل في آل أبي مَحْذُورة كذلك إلى وقته
وعصره. قال أصحابه: وكذلك هو الآن عندهم، وما ذهب إليه مالك موجودٌ أيضاً في
أحاديث صحاحٍ في أذان أبي مَحْذُورة(٢)، وفي أذان عبد الله بن زيد(٣)، والعمل
عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعد القَرَظ(٤) إلى زمانهم.
واتفق مالك والشافعي على الترجيع في الأذان؛ وذلك رجوعُ المؤذِّنِ إذا قال:
أشهد أن لا إله إلا الله؛ مرتين، أشهد أن محمداً رسول الله؛ مرتين، رَجَّع؛ فمدّ من
صوته جهده(٥) [بالشهادتين مرَّتین].
ولا خلاف بين مالك والشافعي في الإقامة إلا [في] قوله: قد قامت الصلاة، فإنَّ
مالكاً يقولها مرة، والشافعيُّ مرتين، وأكثر العلماء على ما قال الشافعي، وبه جاءت
الآثار(٦).
وقال أبو حنيفة وأصحابُه والثوريّ والحسنُ بنُ حيّ: الأذان والإقامة جميعاً مَثنى
مَثنى، والتكبير عندهم في أول الأذان وأوّلِ الإقامة: الله أكبر، أربع مرات، ولا
(١) الاستذكار ١٢/٤، وما بين حاصرتين منه، وحديث عبد الله بن زيد أخرجه أحمد (١٦٤٧٧)،
(١٦٤٧٨)، وأبو داود (٤٩٩)، والترمذي (١٨٩)، وابن ماجه (٧٠٦). ونقل البيهقي في معرفة السنن
والآثار ٢٦٠/٢ عن البخاري قوله: هو عندي حديث صحيح.
(٢) هي رواية أحمد (١٥٣٧٩) (١٥٣٨١)، ومسلم (٣٧٩)، وسيرد بتمامه في المسألة الحادية عشرة برواية
التكبير أربعاً.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٧٧٤)، والبيهقي ٤١٤/١ عن سعيد بن المسيب مرسلاً.
(٤) في (د) و(م): القرظي، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق للمصادر، وهو ابن عائذ المؤذن، مولى
عمار بن ياسر، كان يتجر في القَّرَظ، فقيل له: سعد القَّرَظ، نقله أبو بكر من قباءِ إلى المسجد النبوي،
فأذن فيه بعد بلال، وتوارث عنه بنوه الأذان. الإصابة ١٥١/٤ . وقوله: القَرَظ: شجر يدبغ به، وقيل:
ورق السَّلَّم يدبغ به الأدم. اللسان (قرّظ).
(٥) في الاستذكار ١٣/٤ : جهرة.
(٦) الاستذكار ١٢/٤، وما بين حاصرتين منه، وينظر التمهيد ٢٨/٢٤، وسترد هذه الآثار قريباً.
٦٥
سورة المائدة: الآية ٥٨
ترجيعَ عندهم في الأذان، وحجتُهم في ذلك حديثُ عبد الرحمن بنِ أبي ليلى؛ قال:
حدَّثَنَا أصحاب محمد ﴿ أنَّ عبد الله بنَ زيد جاء إلى النبي ﴾، فقال: يا رسول الله،
رأيت في المنام كأنَّ رجلاً قام وعليه بُردان أخضران على جِذْم حائط، فأذّن مَثْنَى؛
وأقام مَثْنَى؛ وقعد بينهما فَعدة. فسمع بِلال بذلك، فقام، وأُذِن مَثْنَى، وقعد قَعدةً،
وأقام مَثْنَى. رواه الأعمش وغيرُه عن عمرو بنٍ مُرَّة عن ابن أبي ليلى، وهو قولُ
جماعةِ التابعين والفقهاءِ بالعراق(١).
قال أبو إسحاق السَّبِيعيّ: كان أصحاب عليّ وعبد الله يَشْفَعون الأذان
والإقامة(٢). فهذا أذان الكوفيين متوارَث عندهم به العملُ قرناً بعد قرن أيضاً
كما يتوارث الحجازيون، فأذانهم(٣) تربِيعُ التكبير مثلُ المكيين. ثم الشهادةُ بأن
لا إله إلا الله، مرّةً واحدة، وأشهد أن محمداً رسولُ الله، مرَّةً واحدة، ثم حيَّ على
الصلاة، مرَّة، ثم حيَّ على الفلاح، مرَّةً، ثم يرجع المؤذِّن، فيمدُّ صوته، ويقول:
أشهد أن لا إله إلا الله - الأذانَ كلَّه - مرتين مرتين إلى آخره.
قال أبو عمر: ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بنُ رَاهُوْيَه وداود بنُ عليّ ومحمد
ابنُ جرِيرِ الطَّبَريّ إلى إجازة القولِ بكل ما رُوي عن رسول الله {﴾، وحملوه على
الإباحة والتخيير؛ قالوا: کلُّ ذلك جائز؛ لأنه قد ثبت عن رسول الله /# جمیعُ ذلك،
وعَمِل به أصحابه، فمن شاء قال: الله أكبر [الله أكبر] مرتين في أول الأذان، ومن
(١) الاستذكار ١٣/٤ - ١٤، وينظر التمهيد ٢٩/٢٤، وحديث ابن أبي ليلى أخرجه ابن حزم في المحلى
١٥٧/٣ - ١٥٨ مختصراً، والبيهقي ١/ ٤٢٠ من طريق الأعمش به. قال ابن حزم: هذا إسناد في غاية
الصحة. وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: رجاله على شرط الصحيح، وقد صرح فيه ابن أبي ليلى
بأن أصحاب محمد # حدثوه.
وأخرجه أحمد (٢٢٠٢٧)، والدارقطني (٩٣٧) من طريق عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى عن معاذ بن
جبل. وقوله: جذم حائط؛ الجذم: الأصل؛ أراد بقية حائط أو قطعة منه. النهاية (جذم).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٠٦/١ .
(٣) في الاستذكار ١٤/٤ (والكلام منه): كما توارث الحجازيون في الأذان زمناً بعد زمن على ما وصفنا،
وأما البصريون، فأذانهم ..
٦٦
سورة المائدة: الآية ٥٨
شاء قال ذلك أربعاً، ومن شاء رجَّع في أذانه، ومن شاء لم يرجِّع، ومن شاء ثَنَّى
الإقامة، ومن شاء أفردها، إلا قولَه: قد قامت الصلاة، فإنَّ ذلك مرتان مرتان على
كل حال(١).
الخامسة: واختلفوا في التَّثْويب لصلاة الصبح - وهو قول المؤذّن: الصلاة خيرٌ
من النوم - فقال مالك والثوريّ والليث: يقول المؤذِّن في صلاة الصبح بعد قوله:
حيّ على الفلاح مرتين: الصلاة خير من النوم؛ مرتين، وهو قول الشافعيّ بالعراق،
وقال بمصر: لا يقول ذلك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقوله بعد الفراغ من الأذان إن شاء، وقد رُوي عنهم
أن ذلك [جائزاً في نفس الأذان، وعليه الناسُ في صلاة الفجر(٢).
قال أبو عمر(٣): رُوي عن النبي ﴾ من حديث أبي مَحْذُورةً أنه أمره أنْ يقول في
أذان الصبح: الصلاة خير من النوم. ورُوي عنه أيضاً ذلك من حديث عبد الله بنِ
زيد(٤). ورويَ عن أنس أنه قال: من السنة أنْ يقالَ في الفجر: الصلاة خيرٌ من النوم.
ورُوي عن ابن عمر أنه كان يقوله(٥).
وأمَّا قول مالك في ((الموظّأ)»: إنه بلغه أن المؤذِّن جاء إلى عمر بنِ الخطاب يُؤْذِنه
بصلاة الصبح فوجده نائماً، فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره [عمر] أنْ يجعلها في
(١) الاستذكار ١٦/٤، وما بين حاصرتين منه، والتمهيد ٣١/٢٤.
(٢) التمهيد ٢٩/٢٤ ، وما بین حاصرتین منه.
(٣) في التمهيد ٢٤/ ٣٠.
(٤) حديث أبي محذورة أخرجه أحمد (١٥٣٧٨)، وأبو داود (٥٠٠)، والنسائي في المجتبى ١٤/٢ وفي
الكبرى (١٦٢٣)، وصححه ابن حزم كما في التلخيص الحبير ٢٠٢/١، وسيرد بتمامه في المسألة
الحادية عشرة، وليس فيه ذكر التثويب. وسلف حديث عبد الله بن زيد في المسألة السابقة.
(٥) أخرجه عن أنس ابن خزيمة في صحيحه (٣٨٦)، والدار قطني (٩٤٤)، والبيهقي ٤٢٣/١ قال: وهو
إسناد صحيح. وأخرجه عن ابن عمر عبد الرزاق ١/ ٤٧٣، والبيهقي ٤٢٣/١، والدارقطني ٢٤٣/١،
قال الحافظ في التلخيص الحبير ١١٢/١ : سنده حسن.
٦٧
سورة المائدة: الآية ٥٨
نداء الصبح(١)، فلا أعلم أنه رُوي هذا(٢) عن عمر من جهةٍ يُحتج بها وتُعلمُ صحتها،
وإنما فيه حديثُ هشام بن عروة، عن رجل يقال له: إسماعيل؛ لا أعرفه(٣). ذكر ابن
أبي شيبة(٤): حدّثنا عَبْدة بنُ سليمان، عن هشام بن عروة عن رجل يقال له:
إسماعيل، قال: جاء المؤذّن يُؤْذِن عمر بصلاة الصبح، فقال: الصلاة خير من النوم،
فأُعجِب به عمر، وقال للمؤذّن: أقرَّها في أذانك.
قال أبو عمر(٥): والمعنى فيه عندي أنه قال له: نداء الصبح موضعُ القولِ بها لا
ههنا، كأنه كرِهِ أنْ يكونَ منه نداء آخرُ عندَ باب الأميرِ كما أحدثه الأمراء بعده (٦).
قال أبو عمر: وإنما حملني على هذا التأويلِ وإن كان الظاهر من الخبر خلافَه؛
لأن التثويبَ في صلاة الصبح أشهرُ عند العلماءِ والعامَّة مِن أن يُظنَّ بعمر ﴾ أنه جَهِل
ما (٧) سنَّه رسولُ اللهِ ﴾ وأمر به مؤذّنَيه: بالمدينة بِلالاً، وبمكةَ أبا مَحْذُورة، فهو
محفوظٌ معروف في تأذين بلال(٨)، وأذانُ أبي مَخذورة في صلاة الصبحِ للنبي ◌َ﴾(٩)
مشهورٌ عندَ العلماء.
(١) في الموطأ ١/ ٧٢، والاستذكار ٧٤/٤، وعنه نقل المصنف، وما بين حاصرتين منه.
(٢) في (م): أن هذا روي، والمثبت من (د) و(ز) و(ظ) وهو الموافق لما في الاستذكار ٤/ ٧٤ .
(٣) في (د) و(ز) و(م): فاعرفه، وسقط في (ظ)، من قوله: إسماعيل، إلى قوله: قال جاء المؤذن يؤذن،
والمثبت من الاستذكار ٧٤/٤، وتنوير الحوالك للسيوطي ٩٣/١ .
(٤) في المصنف ٢٠٨/١ .
(٥) في الاستذكار ٤/ ٧٥ - ٧٦ .
(٦) في (ظ) و(م): بعد، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق للاستذكار.
(٧) في (م): جهل شيئاً، والمثبت من (د) و(ز) و(ظ)، وهو الموافق للاستذكار.
(٨) فيما أخرجه أحمد (١٦٤٧٧) عن عبد الله بن زيد، وفيه: فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك، ويدعو
رسول الله # إلى الصلاة، قال: فجاءه فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﴾ نائم،
قال: فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم. قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في
التأذين إلى صلاة الفجر. وسلف تخريج الحديث أول المسألة الرابعة، وفي الباب عن بلال ﴾ عند
أحمد (٢٣٩١٢).
(٩) سلف تخريجه قريباً في هذه المسألة.
٦٨
سورة المائدة: الآية ٥٨
روى وَكِيع عن سفيان، عن عمران بنِ مسلم، عن سُوَيد بنِ غَفَلَة أنه أرسل إلى
مؤذّنه: إذا بلغتَ حيّ على الفلاح، فقل: الصلاة خيرٌ من النوم، فإنه أذان بلالٍ(١).
ومعلوم أنَّ بلالاً لم يؤذّنْ قٌ لعمر، ولا سمِعه بعدَ رسولِ الله ﴾ إلا مرَّةً بالشام إذْ
دخلها(٢).
السادسة: وأجمع أهلُ العلم على أنَّ من السنة ألا يؤذَّن للصلاة إلا بعدَ دخولٍ
وقتها إلا الفجر (٣)، فإنه يؤذَّن لها قبلَ طلوع الفجر في قول مالك والشافعي وأحمدَ
وإسحاقَ وأبي ثور، وحجتهم قولُ رسولِ اللـه﴾: ((إن بلالا يؤذِّن بليل، فكُلُوا
واشربوا حتى يناديَ ابنُ أمِّ مَكتوم)»(٤).
وقال أبو حنيفة والثوريّ ومحمد بنُ الحسن: لا يؤذَّن لصلاة الصبح حتى يدخلَ
وقتُها؛ لقول رسول الله# لمالك بنِ الحُويرث وصاحبه: ((إذا حضرت الصلاة فأذّنا،
ثم أقيما، وليؤمَكما أكبرُكما)»(٥)، وقياساً على سائر الصلوات ...
وقالت طائفة من أهل الحديث: إذا كان للمسجد مؤذّنان؛ أذّن أحدُهما قبلَ
طلوعِ الفجر، والآخرُ بعدَ طلوعِ الفجر(٦).
السابعة: واختلفوا في المؤذِّن يؤذِّن، ويقيم غيرُه؛ فذهب مالك وأبو حنيفة
وأصحابُهما إلى أنه لا بأسَ بذلك؛ لحديث محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه أنَّ
رسولَ الله﴾ أمره إذا رأى النداءَ في النوم أنْ يُلقِيَه على بلال، فأذِّن بلالٌ، ثم أمر
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٠٨/١، وابن حزم في المحلى ٣/ ١٥١ .
(٢) الاستذكار ٤/ ٧٥ - ٧٦ .
(٣) الأوسط ٢٩/٣.
(٤) أخرجه أحمد (٤٥٥١)، والبخاري (٦١٧)، ومسلم (١٠٩٢): (٣٦) (٣٧) من حديث ابن عمر رضي
الله عنهما. وأخرجه البخاري (٦٢٢) و(٦٢٣)، ومسلم (١٠٩٢): (٣٨) من حديث عائشة رضي الله
عنها.
(٥) سلف في المسألة الثالثة.
(٦) ينظر الأوسط ٣٠/٣، والتمهيد ٥٨/١٠ - ٥٩، والاستذكار ٧١/٤ .
٦٩
سورة المائدة: الآية ٥٨
عبدَ الله بنَ زيد، فأقام(١).
وقال الثوريّ واللیث والشافعيّ: مَن أَذّن فهو یقیم؛ لحديث عبد الرحمن بن زياد بن
أَنْعُم، عن زياد بن نُعَيم، عن زياد (٢) بن الحارث الصُّدَائيّ قال: أتيتُ رسولَ الله لِ﴾،
فلما كان أول الصبحِ أمرني فأذّنتُ، ثم قام إلى الصلاة، فجاء بلال ليقيمَ، فقال رسول
الله ﴿: ((إنَّ أخا صُدَاءٍ أذن، ومن أذَّن فهو يُقِيم))(٣).
قال أبو عمر(٤): عبد الرحمن بنُ زياد هو الإفريقيُّ، وأكثرُهم يضعِّفونه، وليس
يروي هذا الحديثَ غيرُه، والأول أحسنُ إسناداً إن شاء الله تعالى. وإنْ صحَّ حديثُ
الإفريقي - فإن مِن أهل العلم مَن يوثّقه ويُثني عليه - فالقولُ به أولى؛ لأنه نصٌّ في
موضع الخلافِ، وهو متأخرٌ عن قصة عبد اللهِ بنِ زيد مع بلال والآخِر؛ فالآخِر من
أمرِ رسول الله ﴿ أَولى أنْ يُتَّبعَ، ومع هذا فإني أَستحبُّ إذا كان المؤذِّن واحداً راتباً
أنْ يتولَّى الإقامة؛ فإنْ أقامها غيرُه فالصلاة ماضيةٌ بإجماع، والحمد لله.
الثامنة: وحكمُ المؤذّنِ أنْ يَتَرسَّلَ في أذانه، ولا يُطَرِّبَ(٥) به كما يفعلُه اليومَ كثيرٌ
من الجُمَّال، بل وقد أخرجه كثيرٌ من الطَّغَام(٦) والعوامَ عن حدّ الإطراب؛ فيُرَجِّعون
فيه التّرجيعات، ويُكثرون فيه التقطيعاتِ حتى لا يُفهَم ما يقول، ولا بما به يصول.
رَوَى الدَّارَقُظْنيّ(٧) من حديث ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عباس قال: كان
لرسول اللـه* مؤذّن يُطَرِّب، فقال رسول اللـه ﴾: ((إنَّ الأذانَ سهلٌ سمح، فإن كان
(١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٤٢/١، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٩٩/١، وسلف في
المسألة الرابعة، وليس فيه أنه أمر عبد الله بن زيد بالإقامة.
(٢) في (د) و(ز) و(ظ): عبد الله، والمثبت من المصادر.
(٣) أخرجه أحمد (١٧٥٣٧)، وأبو داود (٥١٤)، والترمذي (١٩٩)، وابن ماجه (٧١٧).
(٤) في التمهيد ٣٢/٢٤ . وما قبله منه.
(٥) قوله: يُطرِّب؛ من التطريب، وهو مدّ الصوت وتحسينه. ينظر الصحاح (طرب).
(٦) هم أوغاد الناس. القاموس (طغم).
(٧) في سننه (٩١٧) وسلف ٣١/١.
٧٠
سورة المائدة: الآية ٥٨
أذانك سمحاً سهلاً (١)، وإلا فلا تؤذّنْ)).
ويستقبل في أذانه القبلة عند جماعةٍ من(٢) العلماء، ويَلوي رأسه يميناً وشِمالاً في
حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح عندَ كثير من أهل العلم.
قال أحمد: لا يدُور إلا أنْ يكون في منارة يريدُ أنْ يُسمِع الناسَ، وبه قال
إسحاق، والأفضل أنْ يكونَ متطهِّراً(٣).
التاسعة: ويستحب لسامع الأذان أنْ يَحكيَه إلى آخِرِ التشهُّدين، وإنْ أتمَّه جاز؛
لحديث أبي سعيد (٤).
وفي صحيح مسلم(٥) عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله : ((إذا قال
المؤذِّن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا
إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله،
قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حيّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة
إلا بالله، ثم قال: حيّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله
أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله
مِن قلبه دخل الجنة».
وفيه عن سعد بن أبي وقّاص عن رسول الله # أنه قال: ((من قال حين يسمع
المؤذِّن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه،
رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غُفِرِ له ما تقدَّم من ذنبه))(٦).
(١) في (م): سهلاً سمحاً، والمثبت من (د) و(ز) و(ظ)، وهو الموافق لسنن الدار قطني.
(٢) لفظة: من ، من (م).
(٣) ينظر الأوسط ٢٦/٣ - ٢٨، ٣٧.
(٤) ينظر الاستذكار ١٩/٤، والتمهيد ١٣٥/١٠ وحديث أبي سعيد أخرجه أحمد (١١٠٢٠)، والبخاري
(٦١١)، ومسلم (٣٨٣).
(٥) برقم (٣٨٥).
(٦) صحيح مسلم (٣٨٦)، وهو في مسند أحمد (١٥٦٥).
٧١
سورة المائدة: الآية ٥٨
العاشرة: وأمَّا فضل الأذانِ والمؤذِّن؛ فقد جاءت فيه أيضاً آثارٌ صحاح؛ منها ما
رواه مسلم عن أبي هريرة أنَّ النبيّ ﴾: قال: ((إذا نُودي للصلاة، أَدبر الشيطان له
ضُرَاطٌ حتى لا يَسمع التَّذِينَ)) (١) الحديث.
وحسبك أنه شِعارُ الإسلامِ، وعَلَمٌ على الإيمان كما تقدَّم.
وأما المؤذِّن؛ فروى مسلم عن معاويةً قال: سمعت رسول الله # يقول:
(المؤذِّنون أطولُ الناس أعناقاً يومَ القيامة))(٢). وهذه إشارةٌ إلى الأمن من هَول ذلك
اليوم، والله أعلم. والعرب تَكْني بطول العُنُقِ عن أشراف القوم وساداتِهم، كما قال
قائلهم:
طِوال أنْضِيَةِ الأَعْناق واللِّمَمِ (٣)
وفي الموظّأ عن أبي سعيد الخُذْريّ؛ سمع رسول الله # يقول: ((لا يَسمعُ مَدَى
صوتِ المؤذِّن جِنٌّ ولا إنس ولا شيءٌ إلّا شَهِدَ له يومَ القيامةِ))(٤).
وفي سنن ابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسولُ اللهِ ﴾: ((مَن أَذَّنَ مُحتسِباً
سبعَ سنين، كُتبت له براءةٌ من النار))(٥).
وفيه عن ابن عمر أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ قال: ((من أَذَّن ثِنتي عشرةَ سنة، وجبت له
(١) صحيح مسلم (٣٨٩): (١٩)، وأخرجه أيضاً أحمد (٨١٣٩)، والبخاري (٦٠٨).
(٢) صحيح مسلم (٣٨٧)، وهو في مسند أحمد (١٦٨٦١).
(٣) ينظر المفهم ١٥/٢، والبيت لليلى الأخيلية، وهو في ديوانها ص١١٨ ، وفيه وفي المصادر: وطول،
بدل: طوال، وصدره: يُشبَّهون ملوكاً في تجِلَّتهم. ونسبه الجاحظ في كتاب الحيوان٩٢/٣ للشمردل،
وفيه: والأمم، بدل: واللمم. وقوله: أنضية؛ جمع نضي، وهو العنُق أو أعلاه أو عظمه أو ما بين العاتق
إلى الأذن، وقوله: اللِّمم؛ جمع لِمَّة، وهي الشّعر المجاوز شحمة الأذن. القاموس (نضي، لمم).
(٤) الموطأ ٦٩/١، وأخرجه أيضاً أحمد (١١٣٠٥)، والبخاري (٦٠٩).
(٥) سنن ابن ماجه (٧٢٧). وأخرجه أيضاً الترمذي (٢٠٦) وقال: حديث غريب، وفيه جابر بن يزيد الجُعْفي
ضعفوه. وضعفه النووي في خلاصة الأحكام ١/ ٢٧٧ .
٧٢
سورة المائدة: الآية ٥٨
الجنة، وكُتب له بتأذينه في كلِّ يوم سِتون حسنةً، ولكل إقامةٍ ثلاثون حسنة))(١). قال
أبو حاتم: هذا الإسناد منكر . والحديث صحيح(٢).
وعن عثمان بن أبي العاص قال: كان آخرُ ما عَهِد إليَّ النبيِ ﴾: ألَّا أَتَّخِذَ مؤذّناً
يأخذ على أذانه أجراً(٣). حديث ثابتٌ.
الحادية عشرة: واختلفوا في أخذ(٤) الأجرةِ على الأذان؛ فكره ذلك القاسم بنُ
عبد الرحمن وأصحاب الرأي، ورخّص فيه مالك، وقال(٥): لا بأس به.
وقال الأوزاعيّ: ذلك مكروه، ولا بأس بأخذ الرزقٍ على ذلك من بيت المال.
وقال الشافعيّ(٦): لا يُرزق المؤذِّن إلا من خُمْس الخُمْسِ سهم النبيّ ﴾.
قال ابن المنذر(٧): لا يجوز أخذ الأجرة على الأذان.
وقد استدل علماؤنا بأخذ الأجرةِ بحديث أبي محذورة، وفيه نظرٌ؛ أخرجه
النسائي وابن ماجه وغيرهما، قال: خرجت في نفر، فكنّا ببعض الطريق، فأذَّن مؤذِّنُ
(١) سنن ابن ماجه (٧٢٨)، وهو من طريق عبد الله بن صالح، عن يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن
نافع، عن ابن عمر، قال الحافظ في التلخيص الحبير ٢٠٨/١: هذا الحديث أحد ما أُنكر على عبد الله
ابن صالح، قال: ورواه البخاري في التاريخ من حديث يحيى بن المتوكل، عن ابن جريج، عن صدقة،
عن نافع، وقال: هذا أشبه.
(٢) علل ابن أبي حاتم بإثر الحديث (٣٦٦) وفيه: هذا منكر جداً، وليس فيه قوله: والحديث صحيح.
ولعله من كلام المصنف، وانظر التعليق قبله.
(٣) سنن ابن ماجه (٧١٤). وأخرجه أيضاً الترمذي (٢٠٩)، وفي إسناده أشعث بن سوار ضعفه الحافظ في
التقريب. وله طريق أخرى، رجالها ثقاتٌ أخرجها أحمد (١٦٢٧٠)، وأبو داود (٥٣١)، والنسائي ٢٣/٢.
بنحوه، و فيه زيادة.
(٤) لفظة: أخذ، من (م)، والأوسط ٣/ ٦٣، والكلام منه بنحوه.
(٥) في المدونة ٢٦/١ .
(٦) في الأم ١/ ٧٢ .
(٧) في الأوسط ٦٣/٣ - ٦٤ وما قبله منه.
٧٣
سورة المائدة: الآية ٥٨
رسول الله ﴾ بالصلاة عندَ رسول الله ﴿، فسمعنا صوتَ المؤذِّن ونحن عنه مُتَنگّبون،
فصرخنا نحكيه، نهزأ به، فسمع رسول الله ﴾، فأرسل إلينا قوماً فأقعدونا بين يديه،
فقال: ((أيُّكم الذي سمعتُ صوته قد ارتفع؟)) فأشار إليَّ القوم كلُّهم وصدقوا، فأرسل
كلَّهم وحبسني، وقال لي: ((قم فأذن)). فقمت ولا شيءَ أكره إليَّ من رسول الله(١) #
ولا مما يأمرُني به، فقمت بين يدي رسولِ الله ﴾، فألقى عليَّ رسولُ الله ﴾ التأذينَ هو
بنفسه، فقال: ((قل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله،
أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسولُ الله، أشهد أن محمداً رسول الله)). ثم
قال لي: «ارفع فمُدَّ صوتك، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد
أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيّ على
الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)). ثم
دعاني حين قضيتُ التأذينَ، فأعطاني صُرَّة فيها شيءٌ من فضَّة، ثم وضع يده على
ناصية أبي مَحْذُورة، ثم أَمَرَّها على وجهه، ثم على ثَذْتَيه(٢)، ثم على كبده ثم بلغت يدُ
رسول الله # سُرَّةً أبي مَحْذُورةً، ثم قال رسول الله ﴾: ((بارك الله لك وبارك عليك))،
فقلت: يا رسول الله، مُرني بالتّأذين بمكةَ، قال: ((قد أمرتُك)). فذهب كلُّ شيء كان
لرسول الله﴾ من كراهية، وعاد ذلك كلُّه محبةً لرسول الله ﴾. فقدِمتُ على عَتّاب بنِ
أَسِيد عاملٍ رسول الله # بمكةً، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﴾. لفظ ابن
ما جه(٣).
(١) في النسخ: من أمر رسول الله، والمثبت من المصادر.
(٢) في (د) و(ز) و(ظ): بين وعند أحمد (١٥٣٨٠): بين يديه.
(٣) برقم (٧٠٨)، وسنن النسائي ٥/٢، وأخرجه أيضاً أبو داود (٥٠٠)، (٥٠٣)، والترمذي (١٩١)
مختصراً وليس عندهما أن النبي ﴿ أعطاه صُرَّةً من فضّة، وهو عند أحمد (١٥٣٨٠) مطول، وسلفت
الإشارة إليه في المسألة الرابعة والخامسة وقوله: متنكبون؛ يقال: نَكَّب عن الطريق وعن الشيء: إذا
عدل عنه، وتنگّب فلان عنا تنگُباً، أي: مال عنّا. ينظر اللسان (نكب).
٧٤
سورة المائدة: الآيات ٥٨ - ٦٠
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾، أي: إنهم بمنزلة مَن لا
عقل له يمنعُه من القبائح(١).
رُوي أنَّ رجلاً من النّصارى وكان بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن
محمداً رسول الله، قال: حُرِق الكاذبُ، فسقطت في بيته شَرَرَةٌ(٢) من نار وهو نائم،
فتعلقت [النار] بالبيت فأحرقته، وأحرقت ذلك الكافرَ معه؛ فكانت عِبرةً للخلق،
والبلاءُ مُؤَثَّلٌ بالمنطِق. وقد كانوا يُمهَلون مع النبي ﴿ حتى يَستفتحوا، فلا يُؤخَّروا
بعد ذلك. ذكره ابن العربي(٣).
قوله تعالى: ﴿قُلْ بَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنَقِمُونَ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِلَهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَاً
أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْتَكُمْ فَسِقُونَ ﴿ قُلْ هَلْ أُنَّبِّئُكُمْ بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَتُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ
◌ََّنَهُ اَللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَاْلْتَزِيَرَ وَعَبَدَ الطَّغُوتَ أُوْلَكَ شَرٌّ ◌َكَانًا
وَأَضَلُّ عَن سَوَِّ السَّبِيلِ.
قوله تعالى: ﴿قُلْ بَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّاً﴾ قال ابن عباس﴾: جاء نَفَر من
اليهود - فيهم أبو ياسر بنُ أخطب ورافِعُ بنُ أبي رافع - إلى النبيّ #، فسألوه عمَّن
يؤمِنُ به من الرسل عليهم السلام، فقال: ((نؤمنُ بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزل إلى
إبراهيمَ إسماعيلَ)) إلى قوله: ((وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)) (٤). فلمَّا ذَكرَ عيسى عليه السلام،
جحدوا نبوَّتَه وقالوا: واللهِ ما نعلم أهلَ دين أقلَّ حظًّا في الدنيا والآخرة منكم، ولا
دِيناً شرًّا من دِينكم، فنزلت هذه الآيةُ وما بعدها(٥)، وهي متصلةٌ بما سبقها من
(١) مجمع البيان ٦/ ١٣٣.
(٢) في (م): شرارة.
(٣) في أحكام القرآن له ٢/ ٦٣٠ - ٦٣١، وما بين حاصرتين منه.
(٤) يعني من الآية (١٣٦) من سورة البقرة، وأولها: قولوا آمنا بالله ...
(٥) أخرجه الطبري ٨/ ٥٣٧ - ٥٣٨ بنحوه، وأورده البغوي في تفسيره ٤٨/٢، والواحدي في أسباب
النزول ص١٩٤ .
٧٥
سورة المائدة: الآيتان ٥٩ - ٦٠
إنكارهم الأذانَ، فهو جامعٌ للشهادة(١) لله بالتوحيد، ولمحمد بالنبوَّة، والمتناقضُ
دِينُ مَن فرَّق بين أنبياءِ الله، لا دِينُ مَن يؤمِن بالكُل(٢).
ويجوز إدغام اللَّام في التاء لقربها منها(٣).
و((تَنْقِمُونَ)) معناه: تَسخطون. وقيل: تكرهون. وقيل: تُنكِرون. والمعنى متقارب،
يقال: نَقَم مِن كذا يَنْقِم، ونَقِم يَنْقَم، والأول أكثرُ(٤)؛ قال عبد الله بنُ قيس(٥)
الرُّقَيَّات:
ما نَقَمُوا مِن بني أُمَيَّةَ إلَّا ... أنَّهم يَحلمُون إنْ غَضِبُوا (٦)
وفي التنزيل: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [البروج: ٨]، ويقال: نَقَمتُ على الرجل [أنقِم]
بالكسر، فأنا ناقِمٌ: إذا عتبت عليه؛ يقال: ما نَقِمْتُ عَلَيْه الإحسان(٧). قال الكسائي:
نَقِمت بالكسر لغةٌ، ونَقَمتُ الأمر أيضاً، ونَقِمته إذا کرِهته، وانتقم الله منه، أي:
عاقبه، والاسمُ منه النَّقِمة، والجمع نَقِماتٌ ونَقِمٌّ(٨)؛ مثلُ: كلمة وكَلِمات وكَلِم، وإِنْ
شئت سكّنت القاف، ونقلتَ حركتها إلى النون، فقلت: نِقْمة، والجمع نِقَمٌ، مثل:
نِعْمة ونِعَم.
(١) في النسخ: بالشهادة، والمثبت من (م).
(٢) ينظر تفسير الرازي ١٢/ ٣٤ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٩/٢. وقرأ بالإدغام هشام وحمزة والكسائي، السبعة ص١٢٢ - ١٢٤،
والتيسير ص٤٣ .
(٤) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٨٦/٢، والمحرر الوجيز ٢١٠/٢.
(٥) لفظة: قيس، من (م).
(٦) ديوانه ص٤ وذكر الشيخ محمود شاكر رحمه الله في تعليقه على طبقات فحول الشعراء ٢/ ٦٤٧ أن
الذي عليه إجماع أصحاب نسب قريش وكتب النسب اسمه: عُبيد الله.
(٧) في الصحاح (نقم)، والكلام وما بين حاصرتين منه: ما نقمت منه إلا الإحسان.
(٨) لفظة: ونقم، من (م)، والصحاح.
٧٦
سورة المائدة: الآيتان ٥٩ - ٦٠
﴿إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ﴾ في موضع نصب بـ (تنقِمون))، و ((تَنْقِمُونَ)) بمعنی تَعِیبون، أي:
هل تنقِمون مِنا إلَّا إِيمانَنا بالله، وقد علمتم أنَّا على الحق(١).
﴿وَأَنَّ أَكْتَكُرُ فَسِقُونَ﴾، أي: في ترككم الإيمانَ، وخروجِكم عن امتثال أمرٍ الله؛
فقيل: هو مِثلُ قولِ القائل: هل تنقمُ منّي إلّا أَنّي عفيفٌ وأنَّك فاجر. وقيل: أي: لأنَّ
أكثَركم فاسقون تنقِمون منَّا ذلك(٢).
قوله تعالى: ﴿قُلّ ◌َلْ أُنَيِّئُكُم بِشَهْرٍ مِّن ذَلِكَ﴾، أي: بشرِّ مِن نقمكم علينا. وقيل: بشرّ
ممَّا (٣) تريدون لنا من المكروه، وهذا جوابُ قولِهِم: ما نعرف ديناً شرًّا من دينكم.
﴿مَثُوَةٌ﴾ نصب على البيان، وأصلُها مفعولة، فأُلقيتْ حركة الواو على الثاء،
فسكَنت الواو وبعدها واوٌ ساكنةٌ، فحذِفتْ إحداهما لذلك(٤)، ومثله: مَقُولة ومَجُوزة
ومَضُوفة على معنى المصدر (٥)، كما قال الشاعر:
أُشَمِّرُ حتى يَنْصُفَ السَّاقَ مِثْزَرِي(٦)
وكنتُ إذا جارِي دَعًا لِمَضُوفةٍ
وقيل: مَفْعُلة كقولك(٧): مَكْرُمة وَمَعْقُلة.
﴿مَنْ لَمَنَهُ اللَّهُ﴾ ((مَنْ) في موضع رفع؛ كما قال: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُ النَّارُ﴾
[الحج: ٧٢]، والتقدير: هو لعنُ مَن لعنه الله، ويجوز أنْ يكونَ في موضع نصب؛
بمعنى: قل هل أنبئكم بِشرِّ مِن ذلك مَن لعنه الله (٨)، ويجوز أنْ يكونَ في موضع
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٩/٢، وينظر معاني القرآن للفراء ٣١٣/١.
(٢) ينظر تفسير الرازي ٣٤/١٢ - ٣٥، والمحرر الوجيز ٢١٠/٢.
(٣) في (٥) و(ز) و(م): ما.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٩/٢ .
(٥) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٧٠/١، وتفسير الطبري ٥٣٨/٨، وتفسير الرازي ٣٦/١٢.
(٦) قائله أبو جندب بن مُؤَّة، والبيت في ديوان الهذليين ٩٢/٣، والمعاني الكبير ٧٠٠/٢، وقوله:
لمضوفة، أي: الأمر الذي يحذر منه ويخاف. اللسان. (ضيف).
(٧) في النسخ: كقوله، والمثبت من (م)، وينظر المحتسب ٢١٣/١ - ٢١٤ .
(٨) في إعراب القرآن للنحاس ٢٩/٢. قال الطبري ٥٤٠/٨: فيجعل (أنتكم) عاملاً في ((من)).
٧٧
سورة المائدة: الآيتان ٥٩ - ٦٠
خفضٍ على البدل مِن ((شر)) والتقدير: هل أنبئكم بمَن لعنه الله؛ والمراد اليهودُ(١)،
وقد تقدَّم القول في الطَّاغوت(٢)، أي: وجعل منهم مَن عَبَد الطاغوتَ. والموصول
محذوفٌ عند الفراء(٣).
وقال البصريون: لا يجوز حذفُ الموصول، والمعنى: من لعنه الله وعَبَد
الطاغوتَ(٤).
وقرأ ابن وثّاب والنَّخَعِيُّ: ((أُنْبِئُكُمْ)) بالتخفيف(٥).
وقرأ حمزة: ((عَبُدَ الطَّاغُوت)) بضم الباء وكسر التاء؛ جعله اسماً على فَعُل،
كعَضُد، فهو بناءً للمبالغة والكثرة، كيَقُظُ ونَدُس(٦) وحَذُر، وأصله الصَّفةُ(٧)، ومنه
قولُ النابغة:
مِن وَخْشٍ وَجْرَةَ مَوْشِيٍّ أَكَارِعُهُ طَاوِي المَصِيرِ كَسيفِ الصَّيْقَلِ الفَرُدِ(٨)
بضم الراء.
ونصبه بـ ((جعل))، أي: جعل منهم عَبُداً للطاغوتِ، وأضاف عَبُد إلى الطاغوت،
فخفضه. وجَعَل بمعنى خلق، والمعنى: وجَعَل منهم مَن يبالغ في عبادة الطاغوت(٩).
(١) تفسير البغوي ٤٩/٢ .
(٢) ٢٨٣/٤ - ٢٨٤.
(٣) في معاني القرآن له ٣١٤/١.
(٤) ينظر البيان في غريب إعراب القرآن ٢٩٩/١ لأبي البركات ابن الأنباري، ومجمع البيان ١٣٨/٦.
(٥) القراءات الشاذة ص٣٣، والمحرر الوجيز ٢١٠/٢، والبحر المحيط ٥١٨/٣.
(٦) قوله: ندُس؛ يقال: رجلٌ نَدْس ونَدِسٌ ونَدُس؛ أي: فَهِمْ سريعُ السمع فَطِنٌّ. اللسان (ندس).
(٧) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤١٤/١، وقراءة حمزة في السبعة ص ٢٤٦، والتيسير ص ١٠٠.
(٨) ديوان النابغة الذبياني ص٣١، وفيه شبه الشاعر ناقته بثور وحشي موصوف بهذه الصفات الآتية،
وخصَّ وحش وجرة لأنها فلاة بين مَرَّان وذات عِرْق، والوحش يكثر فيها، ومَوشي أكارعه: أي في
قوائمه نقط سود، وفي وجهه سُفْعة. وطاوي المصير، أي: ضامره، والمصير المِعَّى، وجمعه مُصْران.
وكسيف الصَّيقل أي: يلمع. والفرد، بكسر الراء، وفتحها، وسكونها: الثور المنفرد عن أنثاه. ولم نقف
على ضبطه بضم الراء كما سيذكر المصنف وينظر خزانة الأدب ١٨٨/٣ .
(٩) الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي ٤١٤/١ .
٧٨
سورة المائدة: الآيتان ٥٩ - ٦٠
وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء؛ جعلوه فعلاً ماضياً، وعَطفوه(١) على فعلٍ ماضٍ،
وهو غَضِب ولَعَن، والمعنى عندهم: من لَعَنه الله ومن عَبَد الطاغوتَ، أو منصوباً بـ
((جعل))، أي: جَعَل منهم القردة والخنازيرَ وعَبَد الطاغوتَ. ووحَّد الضمير في ((عَبَد))
حملاً على لفظ ((مَنْ)) دون معناها(٢).
وقرأ أبيّ وابنُ مسعود: ((وعَبَدُوا الطاغوتَ)) على المَعنى(٣).
ابن عباس: ((وعُبُدَ الطَّاغُوتِ))(٤)؛ فیجوز أن یکون جمعَ عَبْد؛ کما یقال: رَهْن
ورُهُن، وسَقْف وسُقُّف، ويجوز أنْ يكونَ جمعَ عِباد؛ كما يقال: مِثَال ومُثُل، ويجوز
أنْ يكونَ جمعَ عَبِيد؛ کرَغِیف ورُغُف، ويجوز أنْ يكونَ جمع عَابد، کیازِل وبُزُل،
والمعنى: وخَدَمَ الطَّاغونِ(٥).
وعن ابن عباس أيضاً: ((وعُبَّدَ الطَّاغُوتِ))؛ جعله جمعَ عابد؛ كما يقال: شَاهِد
وشُهَّد، وغَائب وغُيَّب(٦).
وعن أبي واقد: ((وعُبَّادَ الطاغوتِ)) للمبالغة، جمع عابد أيضاً؛ كعامل وعُمّال،
وضارب وضُرَّاب(٧).
وذكر محبوبٌ(٨) أنَّ البصريين قرؤوا: ((وعِبَادَ الطاغوتِ))، جمع عابد أيضاً،
كقائم وقيام، ويجوز أنْ يكونَ جمعَ عَبْد(٩).
(١) في النسخ: عطفه، والمثبت من (م).
(٢) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤١٤/١ - ٤١٥ بنحوه.
(٣) القراءات الشاذة ص٣٣ - ٣٤، والمحتسب ص٢١٥ .
(٤) المحتسب ٢١٤/١ .
(٥) ينظر معاني القرآن للنحاس ٢٣٠/٢ - ٢٣١، والمحتسب ٢١٤/١ - ٢١٥، والمحرر الوجيز ٢١٣/٢.
(٦) معاني القرآن للنحاس ٢/ ٣٣٠، وقراءة ابن عباس في المحتسب ٢١٤/١، والمحرر الوجيز ٢١٣/٢.
(٧) القراءات الشاذة ٣٣، والمحتسب ٢١٥/١، ومعاني القرآن للنحاس ٢٣١/٢، وينظر المحرر
الوجيز ٣١٢/٢ .
(٨) هو محمد بن الحسن النحوي المشهور.
(٩) المحتسب ٢١٥/١، والمحرر الوجيز ٢١٢/٢ .
٧٩
سورة المائدة: الآيتان ٥٩ - ٦٠
وقرأ أبو جعفر الرؤاسي: ((وعُبِدَ الطَّاغُوتُ))(١) على المفعول، والتقدير: وعُبِدَ
الطاغوتُ فيهم. وقرأ عون العُقَيْليّ وابن بُرَيدة: ((وعَابِدَ الطَّاغُوتِ))(٢) على التوحيد،
وهو يؤدّي عن جماعة. وقرأ ابن مسعود أيضاً: ((وعُبَدَ الطَّاغُوتِ))(٣). وعنه أيضاً
وأُبيّ: ((وعُبِدَتِ الطَّاغُوتُ))؛ على تأنيث الجماعة، كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ
اَلْأَعْرَابُ﴾ (٤) [الحجرات: ١٤]. وقرأ عُبيد بنُ عمير: ((وَأَعْبُدَ الطَّاغُوتِ)) مثل: كلب
وأَكْلُب(٥). فهذه اثنا عشرَ وجهاً.
قوله تعالى: ﴿أُوْقَيْكَ شَرِّ مَكَانًا﴾ لأنَّ مكانَهم النار، وأمَّا المؤمنون فلا شَرَّ في
مكانهم. وقال الزجَّاج: أولئك شرٌّ مكاناً على قولكم.
النحاس(٦): ومِن أحسن ما قيل فيه: أولئك الذين لعنهم الله شرٌّ مكاناً في
الآخرة مِن مكانكم في الدنيا؛ لِما لَحِقكم مِن الشرّ.
وقيل: أولئك الذين لعنهم الله شرٌّ مكاناً مِن الذين نقَموا عليكم.
وقيل: أولئك الذين نقموا عليكم شرٌّ مكاناً من الذين لعنهم الله.
ولمَّا نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم: يا إخوةَ القردة والخنازير، فنگّسوا
رؤوسهم افتضاحاً(٧)، وفيهم يقول الشاعر:
(١) ذكرها الطبري ٥٤٣/٨، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣٣ للنخعي، وذكرها ابن جني في
المحتسب ٢١٥/١ دون نسبة، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٢١٣/٢، وأبو حيان في البحر
المحيط ٥١٩/٣ لأبي جعفر والأعمش، وقراءة أبي جعفر المشهورة كقراءة الجماعة.
(٢) المحتسب ٢١٥/١، ووقع في القراءات الشاذة ص٣٤، ومعاني القرآن للنحاس ٢٣٠/٢، وتفسير
الطبري ٥٤٣/٨: بريدة بدل: ابن بريدة، وعون العقيلي، له اختيار في القراءة أخذ القراءة عرضاً عن
نصر بن عاصم، وروى عنه القراءة المعلى بن عيسى. طبقات القراء ١/ ٦٠٦.
(٣) القراءات الشاذة ص٣٤، والمحتسب ٢١٥/١ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٢٣٠/٢، وذكر قراءة ابن مسعود أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٢١٣/٢،
وأبو حيان في البحر المحيط ٥١٩/٣ .
(٥) تفسير الرازي ٣٦/١٢، والبحر المحيط ٥١٩/٣.
(٦) في إعراب القرآن ٢/ ٣٠ وقول الزجاج منه.
(٧) ينظر تفسير أبي الليث ٤٤٦/١، والكشاف ٦٢٦/١.
٨٠
سورة المائدة: الآيات ٥٩ - ٦٣
إنَّ اليهودَ إخوةُ القرودِ (١)
فلعنةُ اللهِ على اليهودِ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنًا وَقَدَ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِّ وَاللَّهُ أَعْلَُّ
بِمَا كَانُواْ يَكْتُونَ ١ وَتَرَ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِ آلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ
◌َبْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١) لَوْلَا يَنْهَهُمُ الرَِّيُونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ
التُّحْتَّ لَفْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءُوَكُمْ قَالُواْ ءَامَنَا﴾ الآية؛ هذه صفةُ المنافقين، والمعنى: أنهم
لم ينتفعوا بشيء مما سمعوه، بل دخلوا كافرين وخرجوا كافرين(٢).
﴿وَاللَّهُ أَعْلَهُ بِمَا كَانُوا يَكْتُونَ﴾، أي: مِن نفاقهم. وقيل: المرادُ اليهودُ الذين قالوا:
آمِنوا بالذي أُنزِل على الذين آمنوا وجهَ النهار إذا دخلتم المدينة، واكفروا آخرَه إذا
رجعتم إلى بيوتكم(٣)، يدلُّ عليه ما قبله من ذكرهم وما يأتي.
قولُه تعالى: ﴿وَرَ كَثِيرً مِنْهُمْ﴾ يعني مِن اليهود. ﴿يُسَرِعُونَ فِ آلْإِثْمِ وَالْعُذّوَنِ﴾ أي:
يسابقون في المعاصي والظلم(٤) ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَيْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَوْلًا يَنْهَنُهُمُ الرَِّبُّونَ وَآلآحْبَارُ﴾ ((لولا)) بمعنى أفلا. ((ينهاهم)):
يزجرهم. ((الرَّبَّانِيُّون)): علماء النصارى. ((والأحبار)): علماء اليهود. قاله الحسن(٥).
وقيل: الكُلُّ في اليهود؛ لأنَّ هذه الآياتِ فيهم(٦). ثم وبّخ علماءَهم في تركهم نهيَهم،
فقال: ﴿لَلْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾، كما وبّخ مَن يسارعُ في الإثم بقوله: ﴿لَيْسَ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ﴾.
(١) لم نقف عليه.
(٢) ينظر المحرر الوجيز ٢١٤/٢.
(٣) ينظر تفسير البغوي ٤٩/٢ .
(٤) ينظر تفسير أبي الليث ١/ ٤٤٧، وتفسير البغوي ٤٩/٢ .
(٥) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٢١٤/٢ بنحوه، وينظر تفسير البغوي ٤٩/٢ .
(٦) ينظر تفسير الفخر الرازي ٣٩/١٢.