Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ سورة المائدة: الآية ٤٩ [المائدة: ٤٢]، فمعنى ﴿وَأَنْ أُمْكُمْ بَيْتَهُم بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ﴾، أي: احكم [بينهم] بذلك إِنْ حكمتَ واخترتَ الحكمَ. فهو كلَّه مُحْكّم غيرُ منسوخٍ؛ لأنَّ الناسخَ لا يكونُ مرتبطاً بالمنسوخ [و] معطوفاً عليه، فالتخييرُ للنبيِّ # في ذلك محكّمٌ غيرُ منسوخ. قاله مكيُّ رحمه الله(١). ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ﴾ في موضع نصبٍ عطفاً على ((الكتاب))، أي: وأنزلنا إليك أن احكمْ بينهم بما أنزل الله، أي: بحكم الله الذي أنزله إليك في كتابه(٢). ﴿وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾؛ ((أَنْ)) بدلٌ من الهاء والميم في ((وَاحْذَرْهُمْ))، وهو بدلُ الاشتمال(٣)، أو مفعولٌ من أجله؛ أي: من أجل أنْ يفتِنوك. وعن ابن إسحاق قال ابن عباس: اجتمع قومٌ من الأحبار، منهم ابنُ صُورِیًا، وكعب بن أسد، وابن صَلُوبًا، وشَأُس بن قيس(٤)، وقالوا: اذهبوا بنا إلى محمد، فلعلَّنا نفتِنُه عن دينه، فإنما هو بَشَرٌ. فَأَتَوه فقالوا: قد عرفتَ يا محمدُ أنَّا أحبارُ اليهود، وإن اتبعناك لم يخالفنا أحدٌ من اليهود، وإنَّ بيننا وبين قومٍ خصومةً فنحاكمُهم إليك، فاقضٍ لنا عليهم حتى نؤمِنَ بك. فأبى رسولُ الله #، ونزلت هذه الآية(٥). وأصلُ الفتنةِ الاختبارُ؛ حسبما تقدَّم(٦)، ثم يختلفُ معناها؛ فقوله(٧) تعالى هنا: (١) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ٢٧٢ - ٢٧٣، وما بين حاصرتين منه. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٤/٢ . (٣) في (د) و(ز) و(م): اشتمال، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لمشكل إعراب القرآن لمكي ٢٢٨/١، والكلام منه، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٥/٢، والبيان لابن الأنباري ٢٩٥/١. (٤) في النسخ الخطية و(م): عدي، والمثبت من المصادر. (٥) أخرجه الطبري ٧/ ٥٠٢، والبيهقي ٥٣٦/٢ من طريق ابن إسحاق عن محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير وعكرمة، عن ابن عباس، به، وهو في سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٧، وأسباب النزول للواحدي ص١٩١ . (٦) ٢٤٧/٣ . (٧) في النسخ: بقوله: والمثبت من (م). ٤٢ سورة المائدة: الآية ٤٩ (يَفْتِنُوكَ)) معناه: يَصدُّوك ويَردُّوك. وتكونُ الفِتنة بمعنى الشِّرْك؛ ومنه قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكَبَرُ مِنَ الْقَتْلُ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقوله: ﴿وَقَائِلُهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. وتكون الفِتنة بمعنى العِبرة؛ كقوله: ﴿لَا تَجَعَلْنَا فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٥]، و﴿لَّا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ اَلَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]. وتكون الفتنة الصدَّ عن السبيل، كما في هذه الآية(١) . وتكريرُ ﴿وَأَنْ أَعْكُمْ بَهُم بِمَّ أَزَّلَ اَللَّهُ﴾ للتأكيد، أو هي أحوالٌ وأحكام؛ أمره أنْ یحکم في کلِّ واحدٍ بما أنزل الله. وفي الآية دليلٌ عل جواز النِّسيان على النبيِّ ﴾؛ لأنه قال: ((أَنْ يَفْتِنُوكَ)) وإنما يكون ذلك عن نسيان، لا عن تعمّد(٢). وقيل: الخطاب له والمرادُ غيره. وسيأتي بيانُ هذا في ((الأنعام)) إن شاء الله تعالى(٣). ومعنى ﴿عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُ﴾: عن كلِّ ما أنزل الله إليك (٤). والبعضُ يستعمل بمعنى الكلّ؛ قال الشاعر: أو يَعْتَبِظُ(٥) بعضَ النُّفوسِ حِمامُها(٦) ويُروى: أو يَرتبِظُ(٧). أراد: كلَّ النفوس؛ وعليه حملوا قولَه تعالى: ﴿وَلِأُبَِّنَ لَكُمْ (١) ينظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص٣٦٢ - ٣٦٣، وتفسير أبي الليث ١/ ٤٤٢ . (٢) ينظر تفسير الرازي ١٤/١٢ . (٣) عند تفسير الآية (٥٣) منها. (٤) قوله: إليك، من (م)، وأحكام القرآن لابن العربي ٦٢٩/٢ . (٥) في النسخ: تغتبط، وفي أحكام القرآن لابن العربي، والكلام منه: يغتبط، والمثبت من (م). (٦) عجز بيت للبيد، وهو في ديوانه ص١٧٥، وفيه: أو يعتلق، بدل: أو يعتبط، وصدره: ترَّاك أمكنةٍ إذا لم أَرضَها، وقوله: يعتبط، من عَبّط فلان بنفسه في الحرب إذا ألقاها فيها غير مكره. ينظر اللسان (عبط). وسلف ١٤٧/٥ برواية: أو يرتبطْ. وسلف ثمة الكلام على البيت. (٧) في النسخ: ترتبط، والمثبت من (م)، وذكر هذه الرواية ابن جني في الخصائص ٧٤/١ . ٤٣ سورة المائدة: الآيتان ٤٩ - ٥٠ بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيَّةٌ﴾ [الزخرف: ٦٣]. قال ابن العربيّ(١): والصحيحُ أنَّ (بعض)) على حالها في هذه الآية، وأنَّ المرادَ به الرجمُ، أو الحكم الذي كانوا أرادوه، ولم يقصدوا أنْ يفتِنوه عن الكلّ. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَإِنِ تَوَلَوْ﴾، أي: فإن أبَوا حكمَك وأعرَضوا عنه ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّا يُرِبِدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمٌ﴾، أي: يعذِّبهم بالجلاء والجِزية والقتل، وكذلك كان. وإنما قال: ((ببعض))؛ لأنَّ المجازاةَ بالبعض كانت كافيةً في التدمير عليهم. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ﴾ يعني اليهود(٢). قوله تعالى: ﴿أَفَتُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ٥٠ فیه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ((أَفَحُكُمْ))(٣) نصب بـ ((يَبْغُونَ)) والمعنى: أنَّ الجاهليةَ كانوا يجعلون حكمَ الشَّريفِ خلافَ حكم الوضيع؛ كما تقدَّم في غير موضع(٤)، وكانت اليهود تُقيم الحدودَ على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء؛ فضارَعوا الجاهليةَ في هذا الفعل(٥). الثانية: روى سفيان بنُ عُيينةَ عن ابن أبي نَجِيحِ، عن طاوس قال: كان إذا سألوه عن الرجل يفضِّلُ بعضَ ولده على بعضٍ، يقرأ هذه الآية: ﴿أَفَتُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ﴾(٦)، فكان طاوس يقول: ليس لأحدٍ أنْ يفضِّلَ بعضَ ولده على بعض، فإنْ فعل لم يَنْفُذ (١) في أحكام القرآن ٦٢٩/٢ . (٢) ينظر تفسير البغوي ٤٣/٢، والوسيط للواحدي ١٩٦/٢، وتفسير الرازي ١٤/١٢. (٣) قوله: أفحكم، من (م). (٤) ٧/ ٤٧٦، ص٥ من هذا الجزء. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٥/٢. (٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٢٢٠ - ٢٢١، وابن عبد البر في التمهيد ٢٢٩/٧. ٤٤ سورة المائدة: الآية ٥٠ وفُسِخ. وبه قال أهلُ الظاهر. ورُويّ عن أحمد بن حنبل مثلُه. وكرهه الثوريُّ وابنُ المبارك وإسحاق؛ فإن فعل ذلك أحدٌ نَفَذ ولم يُردّ(١). وأجاز ذلك مالكٌ والثوريُّ والليث والشافعيُّ وأصحاب الرأي؛ واستدلُّوا بفعل الصِّدِّيق في نَحْله عائشةَ دون سائرٍ ولده(٢)، وبقوله عليه الصلاة والسلام: ((فارْجِعه)»(٣)، وقولِه: ((فَأَشْهِد على هذا غيري))(٤). واحتجَّ الأَوَّلون بقوله عليه الصلاة والسلام لبشير: ((ألك ولدٌ سوى هذا؟)) قال: نعم، فقال: ((أَكلَّهم وهبتَ له مثلَ هذا؟)) قال: لا، قال: ((فلا تُشْهِدني إذاً، فإني لا أَشهدُ على جَوْر)»(٥)، في رواية: ((وإني لا أَشهد إلَّا على حقِّ))(٦). قالوا: وما كان جَوْراً وغيرَ حقٍّ فهو باطلٌ لا يجوز(٧). وقولُه: ((أَشْهِدْ على هذا غيري)) ليس إذناً في الشهادة، وإنما هو زجرٌ عنها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد سمَّاه جَوْراً، وامتنع من الشهادة فيه؛ فلا يمكن أنْ يَشهدَ أحدٌ من المسلمين في ذلك بوجه. وأما فعلُ أبي بكرٍ فلا يُعارَضُ به قولُ النبيِّ ﴾، ولعله قد كان نَحَلَ أولادَه نُحْلاً يعادلُ ذلك(٨). (١) التمهيد ٧/ ٢٢٧ . (٢) أخرجه مالك ٢/ ٧٥٢ من حديث عائشة رضي الله عنها. وينظر التمهيد ٢٢٥/١٧. (٣) قطعة من حديث النعمان بن بشير ﴾ أخرجه أحمد (١٨٣٥٨)، والبخاري (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٢٣)، وسيرد بألفاظ متقاربة. (٤) قطعة من الحديث السالف، وأخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٨٣٧٨)، ومسلم (١٦٢٣): (١٧). ووجه استدلال المصنف بهذين الحديثين لمن أجاز ذلك؛ أن قوله ﴿: «فارْجِعْه)» محمولٌ على الندب، وقوله: ((فأشهِدْ على هذا غيري)) يدلُّ على صحة الهبة؛ لأنه لم يأمره بردّها، وإنما أمره بتأكيدها بإشهاد غيره عليها. ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٢٢٦/٧ عن مالك والشافعي رضي الله عنهما، وعنه أخذ المصنف. (٥) أخرج هذه الرواية أحمد (١٨٣٦٣)، ومسلم (١٦٢٣) (١٤)، وأخرجه البخاري (٢٦٥٠) بنحوه. (٦) هي عند أحمد (١٤٤٩٢) ومسلم (١٦٢٤) من حديث جابر ﴾. (٧) ينظر التمهيد ٢٢٥/٧ - ٢٢٩، والاستذكار ٢٩٣/٢٢ - ٢٩٤. (٨) المفهم ٤/ ٥٨٧ . ٤٥ سورة المائدة: الآية ٥٠ فإن قيل: الأصلُ تصرُّفُ الإنسانِ في ماله مطلقاً. قيل له: الأصل الكُليُّ والواقعة المعيَّنةُ المخالفةُ لذلك الأصلِ [في حكمه] لا تَعَارُض بينهما، كالعموم والخصوص. وفي الأصول: أنَّ الصحيح بناءُ العامِّ على الخاصّ. ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوقُ الذي هو أكبرُ الكبائر، وذلك محرَّم، وما يؤدِّي إلى المحرَّم فهو ممنوعٌ؛ ولذلك قال ﴾: ((اتقوا الله، واعدِلوا بين أولادِكم)). قال النُّعمان: فرجع أبي فردَّ تلك الصدقة(١). والصدقةُ لا يَعتصِرها(٢) الأب بالاتفاق(٣). وقولُه: ((فارجعه)) محمولٌ على معنى: فاردُدْه، والردُّ ظاهرٌ في الفسخ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدِّ)(٤)، أي: مردودٌ مفسوٌ. وهذا كلُّه ظاهرٌ قويٌّ، وترجيحٌ جليٍّ في المنع(٥). الثالثة: قرأ ابن وثَّاب والنَّخَعيّ: ((أَفَحُكْمُ)) بالرفع على معنى يبغونه(٦)؛ فحذفَ الهاءَ كما حذفها أبو النجم في قوله(٧): عليَّ ذنباً كلُّه لم أَضْنعٍ قد أَصبحَتْ أمُّ الخِيارِ تَدَّعي فیمن روی ((كلُّ)) بالرفع. ويجوز أنْ يكونَ التقدير: أفحكمُ الجاهلية حكمٌ يبغونه، فحذف الموصوف(٨). (١) أخرجه البخاري (٢٥٨٧) ومسلم (١٦٢٣): (١٣) من حديث النعمان ﴾، وأخرجه أيضاً أحمد (١٨٤١٩) مختصراً. النعمان: هو ابنُ بشير، راوي الحديث. (٢) في النسخ: يقتصرها، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمفهم ٥٨٧/٤ ، والكلام وما بين حاصرتين منه، وقوله: يعتصرها، من الاعتصار، وهو الرجوع في الهبة. الاستذكار ٢٩٧/٢٢ . (٣) في النسخ الخطية و(م): بالإنفاق، والمثبت من المفهم ٤/ ٥٨٧ . (٤) سلف ٤/ ٣٩٣ . (٥) ينظر المفهم ٤ / ٥٨٧ . (٦) القراءات الشاذة ص٣٢، والمحتسب ٢١٠/١. (٧) في ديوانه ص١٣٢، والكتاب ٨٥/١، وسلف ٢٩٨/٧ . (٨) ينظر المحتسب ٢١١/١، والمحرر الوجيز ٢٠٢/٢ - ٢٠٣ . ٤٦ سورة المائدة: الآية ٥٠ وقرأ الحسن وقَتَادةُ والأعرج والأعمش: ((أفَحَكُمَ)) بنصب الحاء والكاف وفتح الميم (١)؛ وهي راجعةٌ إلى معنى قراءةِ الجماعة، إذ ليس المرادُ نفْسَ الحَكّم، وإنما المراد الحُكْمُ، فكأنه قال: أفحُكْمَ حَكَمِ الجاهليةِ يبغون. وقد يكون الحَكّمُ والحاكمُ في اللغة واحداً (٢)، وكأنهم يريدون الكاهنَ وما أشبهه من حُكّام الجاهلية؛ فيكون المرادُ بالحكم الشيوعَ(٣) والجنسَ؛ إذ لا يراد به حاكمٌ بعينه. وجاز وقوعُ المضافِ جنساً كما جاز في قولهم: منعتْ مِصرُ إِزْدَبَّها، وشبهِه (٤). وقرأ ابن عامر: ((تبغون)) بالتاء، الباقون: بالياء(٥). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حَكِّمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ هذا استفهامٌ على جهة الإنكار، بمعنى: لا أَحَدَ أحسن، فهو (٦) ابتداءٌ وخبر، و((حُكماً)) نصبٌ على البيان(٧). (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)؛ أي: عندَ قومٍ يوقنون. قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَِّذُواْ الُْهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوِْيَّةٌ بَتْهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِرَّ وَمَن يَتَوَلَُّم ◌ِنَّكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ النَّالِمِينَ @ فيه مسألتان: الأولى: ﴿الُهُودَ وَالنَّصَرَيَ أَوْلَةٌ﴾ مفعولان لِـ (تَتَّخِذُوا))(٨)؛ وهذا يدلُّ على قطع (١) القراءات الشاذة ص٣٢، والمحتسب ٢١١/١. و(الحكم)) اسم جنس، كما في المحرر الوجيز ٢٠٣/٢. (٢) في النسخ: واحد، والمثبت من (م). (٣) في النسخ: الشياع، والمثبت من (م). (٤) ينظر معاني القرآن للنحاس ٢/ ٣٢٠، والمحرر الوجيز ٢٠٣/٢ . وقوله: جنساً، يعني اسم جنس، وقوله: ((منعت مصر إردبّها)) قطعة من حديث أبي هريرة ﴾ أخرجه أحمد (٧٥٦٥)، ومسلم (٢٨٩٦)، الإزْدَبّ: هو مكيال لأهل مصر يسع أربعة وعشرين صاعاً، والهمزة فيه زائدة. النهاية (اردب). (٥) السبعة ص٢٤٤ ، والتيسير ص٩٩ . (٦) في (د) و(ز) و(م): فهذا، والمثبت من (ظ)، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٥/٢ . (٧) بعدها في (م): لقوله. (٨) قوله: لتتخذوا، من (م). ٤٧ سورة المائدة: الآية ٥١ الموالاةِ شرعاً (١)، وقد مضى في ((آل عمران)) بيانُ ذلك(٢). ثم قيل: المراد به المنافقون؛ المعنى: يا أيها الذين آمنوا بظاهرهم(٣)، وكانوا یوالون المشرکین ويُخبرونهم بأسرار المسلمين. وقيل: نزلت في أبي لبابةً، عن عِكرِمة(٤). قال السُّدِّيّ: نزلت في قصة يوم أُحُد، حين خاف المسلمون، حتى همَّ قومٌ منهم أنْ يوالوا اليهود والنصارى. وقيل: نزلت في عُبَادةَ بنِ الصَّامت وعبد الله بنٍ أُبَيِّ بنِ سَلُول؛ فتبرأ عبادة ﴾ من موالاة اليهود، وتمسّك بها ابنُ أُبَيِّ، وقال: إني أخاف أنْ تدورَ الدوائر(٥). ﴿بَتُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ﴾ مبتدأٌ وخبره، وهو يدلُّ على إثبات الشرع الموالاةَ فيما بينهم، حتى يتوارث اليهودُ والنصارى بعضُهم من بعض(٦). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَوَُّم ◌ِّنَكُمْ﴾، أي: يعضُدهم على المسلمين ﴿فَإِنَّهُ بيَّن تعالى أنَّ حُكمَه حكمهم(٧)؛ وهو يمنع إثباتَ الميراثِ للمسلم من المرتد(٨)، وكان الذي تولَّاهم ابنُ أُبيِّ. ثم هذا الحُكمُ باقٍ إلى يوم القيامةِ في قطع الموالاة؛ وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ عَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، وقال تعالى في ((آل عمران)): ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَُّ مِن دُونِ اَلْمُؤْمِنِينُّ﴾ (١) أحكام القرآن للكيا ٣/ ٨٢ . (٢) ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٥ . (٣) في النسخ: بظاهركم والمثبت من (م). (٤) تفسير الطبري ٥٠٦/٨ - ٥٠٧ . (٥) أخرج هذه الآثار الطبري ٥٠٤/٨ - ٥٠٧، والأثر الأخير أخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ١٣٧/١٢ مختصراً، وذكره ابن هشام في السيرة ٤٩/٣، والواحدي في أسباب النزول ص١٩١ . (٦) أحكام القرآن للكيا ٨٢/٣ - ٨٣. (٧) في (م): کحکیھم. (٨) أحكام القرآن للكيا ٨٣/٣ . ٤٨ سورة المائدة: الآيات ٥١ - ٥٣ [الآية: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وقد مضى القولُ فيه (١). وقيل: إنَّ معنى ((بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ))، أي: في النُّضْرةُ(٢). ﴿وَمَنْ يَوْلُ قِنَّكُمْ فَإِنَُّ مِنْهُمْ﴾ شرطٌ وجوابه؛ أي: لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله کما خالفوا، ووجبت معاداته کما وجبت معاداتهم، ووجبت له النارُ كما وجبت لهم، فصار منهم، أي: من أصحابهم(٣). قوله تعالى: ﴿فَقَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ غَخْتَوَ أَنْ تُصِيبَنَا دَآَيْرَةٌ فَعَسَى اَللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَ مَّا أَسَرُّواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِين وَ يَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِلَلَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِمٌ إِنَّهُمْ لَمَكُمْ حَطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ قوله تعالى: ﴿فَرَىَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شكٌّ ونفاق، وقد تقدَّم في ((البقرة))(٤). والمراد ابنُ أُبَيِّ وأصحابُه. ﴿يُسَرِعُونَ فِهِمْ﴾، أي: في موالاتهم ومعاونتهم. ﴿يَقُولُونَ تَخْشَوَ أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ﴾، أي: يدور الدهرُ علينا، إمَّا بقحطٍ فلا يَمِيرُوننا(٥)، ولا يُفْضِلوا علينا، وإمَّا أنْ يَظفرَ اليهودُ بالمسلمين، فلا يدومُ الأمرُ لمحمدٍ ﴾(٦). وهذا القول أَشبهُ بالمعنى؛ كأنه من دارت تدورُ، أي: نخشى أنْ يدورَ الأمرُ، ويدلُّ عليه قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿فَسَى اَللّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾(٧)؛ وقال الشاعر: يَردُّ عنك القَدَرَ المقدورا ودائراتِ الدهرِ أنْ تَدورا(٨) (١) ٢٧٢/٥ - ٢٧٥ (٢) تفسير البغوي ٢/ ٤٤ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٥/٢. (٤) ٢٩٩/١ - ٣٠٠. (٥) قوله: لا يميروننا، أي: لا يجلبون لنا الطعام، والميَّارُ: جالب الميرة. ينظر القاموس (مير). (٦) ينظر تفسير البغوي ٢/ ٤٤ . (٧) معاني القرآن للنحاس ٣٢٢/٢. (٨) قائله حميد الأرقط، وهو في مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٦٩/١، وتفسير الطبري ٥١٣/٨، والنكت والعيون ٤٧/٢، ومجمع البيان ١١٨/٦ والمحرر الوجيز ٢٠٥/٢ . ٤٩ سورة المائدة: الآيتان ٥٢ - ٥٣ يعني دُوَلَ الدهرِ الدائرةَ من قومٍ إلى قوم. واختلف في معنى الفتح؛ فقيل: الفتح: الفَصْلُ(١) والحُكم. عن قَتَادة وغيره. قال ابن عباس: أتى الله بالفتح، فقُتِلت مُقاتِلةُ بني تُرَيظةً، وسُبيت ذراريهم، وأُجْليَ بنو النَّغِير. وقال أبو عليّ: هو فتحُ بلادٍ المشركين على المسلمين. وقال السُّدِّيّ: يعني بالفتح فتحَ مكةً(٢). ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾؛ قال السُّدِّيّ: هو الجزيةُ. الحسن: إظهارُ أمر المنافقين، والإخبارُ بأسمائهم، والأمرُ بقتلهم. وقيل: الخِصبُ والسَّعَة للمسلمين(٣). ﴿فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُّواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ﴾، أي: فيصبِحوا نادمين على تولِّيهم الكفارَ إذا رأوا نصرَ الله المؤمنين(٤)، وإذا عاينوا عندَ الموت، فبُشِّروا بالعذاب(٥). قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ اَلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾؛ قرأ أهلُ المدينة وأهلُ الشَّامِ: ((يَقُولُ)) بغير واو (٦). وقرأ أبو عمرٍو وابنُ أبي إسحاق: ((وَيَقُولَ)) بالواو والنصب عطفاً على ((أَنْ يأتيَ)) عند أكثر النحويين (٧)؛ التقدير: فعسى اللهُ أن يأتيّ بالفتح وأنْ يقولَ. وقيل: هو عطفٌ على المعنى؛ لأن معنى ((عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ)): وعسى أنْ يأتيَ اللهُ بالفتح؛ إذ لا يجوزُ: عسى زيدٌ أنْ يأتيَ ويقومَ عمرو؛ لأنه لا يصحُّ المعنى إذا قلت: وعسى زيدٌ أنْ يقومَ عمرو، ولكن لو قلتَ: عسى أنْ يقومَ زيدٌ ويأتيَ عمرٌو؛ كان (١) في النسخ: الفصل الفتح، والمثبت من (م). (٢) أخرج أثر قتادة والسدي الطبري ٥١٣/٨ - ٥١٤، وقولُ ابن عباس وأبي علي - وهو الجبائي - في مجمع البيان ٦/ ١٢٠، وينظر النكت والعيون ٤٧/٢، وزاد المسير ٣٧٩/٢. (٣) قول السدي أخرجه الطبري ٥١٤/٨، وقول الحسن أورده الطبرسي في مجمع البيان ٦/ ١٢٠، وينظر الوسيط للواحدي ١٩٨/٢، وزاد المسير ٣٧٩/٢. (٤) في (م): للمؤمنين. (٥) ينظر مجمع البيان ٦/ ١٢٠. (٦) هي قراءة نافع وابن عامر ووافقهما ابن كثير المكي. السبعة ص ٢٤٥، والتيسير ص٩٩ . (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٦/٢، وقراءة أبي عمرو من السبعة. ٥٠ سورة المائدة: الآيتان ٥٢ - ٥٣ جيِّداً (١). فإذا قدَّرت التقديمَ في ((أنْ يأتيّ)) إلى جنب ((عسى)) حَسُن؛ لأنه يصير التقدير: عسى أنْ يأتيَ وعسى أنْ يقول(٢)، ويكونُ من باب قوله: ورأيتُ زوجَكِ في الوغَى مُتقلِّداً سيفاً ورُمحا(٣) وفيه قولٌ ثالث: وهو أنْ تَعطِفه على ((الفتح))؛ كما قال الشاعر: لَلُبْسُ عَباءِةٍ وَتَقرَّعيني(٤) ويجوز أنْ يُجعلَ ((أَنْ يَأْتِيَّ)) بدلاً من اسم اللهِ جلَّ ذِكرُه؛ فيصير التقديرُ: عسى أنْ يأتيَ اللهُ ويقولَ الذين آمنوا (٥). وقرأ الكوفيون: ((وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا)) بالرفع على القطع من الأوَّل(٦). ﴿أَهَؤُلَاءٍ﴾ إشارةٌ إلى المنافقين. ﴿أَقْسَمُواْ بِلَّهِ﴾: حلَفوا واجتهدوا في الأيمان(٧). ﴿إِنَّهُمْ لَعَكُمْ﴾، أي: قالوا: إِنهم، ويجوزُ ((أنهم)) نصب(٨) بـ ((أقسموا))(٩)، أي: قال المؤمنون لليهود على جهة التوبيخ: أهؤلاء الذين أقسموا بالله جَهْدَ أيمانِهم أنهم یعینونکم علی محمد. ويحتمل أنْ يكونَ من المؤمنين بعضهم لبعض؛ أي: هؤلاء الذين كانوا يحلِفون (١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٦/٢، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٢٢٨/١ - ٢٢٩. (٢) في (د) و(ز) و(م): يقوم، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤١٢. (٣) سلف ٢٩١/١ . (٤) صدر بيت لميسون بنت بَحْدل الكلبية، وعجزه: أحبُّ إليَّ من ◌ُبس الشفوف. وهو في الكتاب ٤٥/٣ ، والمقتضب ٢٧/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٢٧/٢، والخزانة ٥٠٣/٨ . قال في الخزانة: على أنَّ «تقرّا منصوب بأن مضمرة بعد الواو. (٥) الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤١٢، وينظر إملاء ما منَّ به الرحمن للعكبري ٤٣٤/٢ على هامش الفتوحات الإلهية. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٧/٢، وينظر السبعة ص ٢٤٥ والتيسير ص٩٩ . (٧) ينظر الوسيط للواحدي ١٩٨/٢ . (٨) قوله: نصب، من (م). (٩) إعراب القرآن النحاس ٢٧/٢ . ٥١ سورة المائدة: الآيات ٥٢ - ٥٤ أنهم مؤمنون، فقد انهتك اليومَ(١) سِترُهم(٢). ﴿حَِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾: بطلت(٣) بِنفاقهم. ﴿فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ﴾، أي: خاسرين الثوابَ. وقيل: خسِروا في موالاة اليهود، فلم تحصُل لهم ثمرةٌ بعدٌ قتلِ اليهودِ (٤) وإجلائهم(٤). قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنَّكُمْ عَن دِينِ، فَوْفَ يَأْتِى اللّهُ بِقَوْمٍ يُهُمْ وَيُحِبُونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّمْ عَلَى الْكَفِينَ يَُّهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَضَانُونَ لَوْمَةً ◌َآَبِرٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَدَهُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ (@) فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِ﴾ شرطٌ، وجوابه: ((فَسَوْفَ)). وقراءةُ أهلِ المدينةِ والشَّامِ: ((مَنْ يَرْتَدِدْ) بدالين. الباقون: ((مَنْ يَرْتَدَّ)(٥). وهذا من إعجاز القرآنِ والنبيِّ ﴾؛ إذْ أَخبر عن ارتدادهم، ولم يكنْ ذلك في عهده، وكان ذلك غيباً، فكان على ما أخبر بعدَ مدَّة، وأهلُ الرِّدة كانوا بعدَ موتِه ◌ِ﴾(٦). قال ابن إسحاق: لما قُبِض رسولُ اللـه # ارتدَّت العربُ إلَّ ثلاثةَ مساجد؛ مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جُؤَاثى(٧). وكانوا في رِدَّتهم على قِسمين: (١) في (م): فقد هتك الله اليوم. (٢) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢/ ١٨١ - ١٨٢، والمحرر الوجيز ٢٠٦/٢ - ٢٠٧. (٣) بعدها في النسخ: أي: والمثبت من (م). (٤) ينظر تفسير الرازي ١٢/ ١٨ . (٥) قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ((يرتدَّ) بدال واحدة مشددة، وقرأ نافع وابن عامر: ((يرتدِدْ)) بدالين؛ الثانية ساكنة. السبعة ص ٢٤٥ ، والتيسير ص٩٩ . (٦) ينظر تفسير الرازي ١٩/١٢ . (٧) في النسخ: جُواثى، والمثبت من (م)، وكلاهما صحيح، كما في اللسان (جأث) و(جوث). وهو اسم حصن لعبد القيس بالبحرين فتحه العلاء بن الحضرمي في أيام أبي بكر 4 سنة (١٢هـ) عنوة، وهو أول موضع جمعت فيه الجمعة بعد المدينة. معجم البلدان ٢/ ١٧٤ . ٥٢ سورة المائدة: الآية ٥٤ قِسمٌ نَبذَ الشّريعةَ كلَّها، وخرج عنها، وقِسمٌ نبذ وجوب الزكاةِ، واعترف بوجوب غيرِها؛ قالوا: نصومُ ونصلِّي، ولا نزِّي؛ فقاتل الصِّدِّيقُ جميعَهم، وبعث خالد بنّ الوليد إليهم بالجيوش، فقاتلهم وسَبَاهم؛ على ما هو مشهورٌ من أخبارهم(١). الثانية: قوله تعالى: ﴿فَوْفَ بَتِى اَللَّهُ بِقَوْمِ ثُهُمْ وَيَُّدُرِ﴾ في موضع النعت. قال الحسن وقَتَادةُ وغيرهما: نزلت في أبي بكرِ الصِّدِّيقِ وأصحابه. وقال السُّدِّيّ: نزلت في الأنصار(٢). وقيل: هي(٣) إِشارةٌ إلى قومٍ لم يكونوا موجودين في ذلك الوقت، وأنَّ أبا بكر قاتل أهلَ الرِّدَّةِ بقومٍ لم يكونوا وقتَ نزول الآية، وهم أحياءٌ من اليمَن؛ من كِنْدةَ وبَجِيلة ومن أشجع(٤). وقيل: إنها نزلت في الأشعريين؛ ففي الخبر: أنها لمَّا نزلت؛ قدِم بعد ذلك بيسيرٍ سفائنُ الأشعريين وقبائلُ اليمن من طريق البحرِ، فكان لهم بلاءٌ في الإسلام في زمن رسولِ الله ﴾، وكانت عامَّةُ فتوحِ العِراقِ في زمن عمرَ ﴾ على يدَي قبائلِ اليمن(٥). هذا أصحُّ ما قيل في نزولها (٦). والله علم. وروى الحاكمُ أبو عبدِ الله في ((المستدرَك)) بإسناده: أنَّ النبيَّ # أشار إلى أبي موسى الأشعريِّ لما نزلت هذه الآيةُ فقال: ((هم قومُ هذا))(٧). قال الفُشَيريُّ: فأَتباعُ أبي الحسن (٨) من قومه؛ لأنَّ كلَّ موضعٍ أُضيف فيه قومٌ إلى (١) أخرجه الطبري ٥٢٠/٨، والبيهقي ٨/ ١٧٧ - ١٧٨ عن قتادة بنحوه. (٢) أخرج هذه الآثار الطبري ٥١٨/٨ - ٥٢١، و٥٢٤ . (٣) في النسخ: هو، والمثبت من (م). (٤) ينظر تفسير البغوي ٢/ ٤٦، وتفسير الطبري ٥٢٥/٨ - ٥٢٦ . (٥) نوادر الأصول ص ٢٥٣، وينظر الوسيط ٢/ ٢٠٠ . (٦) ينظر تفسير الطبري ٥٢٥/٨ . (٧) المستدرك ٣١٣/٢، وهو من حديث عياض الأشعري. قال المزي في تهذيب الكمال ٥٧١/٢٢ في عياض: مختلف في صحبته. وقال أبو حاتم كما في المراسيل ص ١٢٥ : هو تابعي. (٨) هو أبو الحسن الأشعري. ٥٣ سورة المائدة: الآية ٥٤ نبيِّ أُريدَ به الأتباعُ. الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَفِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ ((أَذِلَّةٍ)) نعتٌ لقوم، وكذلك ﴿أَعِزَّةِ﴾، أي: يرأفون بالمؤمنين ويرحمونهم ويَلينون لهم؛ من قولهم: دابَّةٌ ذَلولٌ، أي: تنقاد سهلةٌ، وليس من الذُّلُ في شيء، ويُغْلِظون على الكافرين ويعادونهم(١). قال ابن عباس: هم للمؤمنين كالوالد لِلولد، والسيِّدِ للعبد، وهم في الغلظة على الكفار كالسَّبُع عل فريسته؛ قال الله تعالى: ﴿أَشِذَُّ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾(٢) [الفتح: ٢٩]. ويجوز: ((أَزِلَّةً))(٣) بالنصب على الحال؛ أي: يُحبُّهم ويحبونه في هذا الحال. وقد تقدَّمت معنى محبة الله تعالى لعباده ومحبتهم له (٤). الرابعة: قوله تعالى: ﴿يُجَهِدُونَ فِى سَبِلِ الَّهِ﴾ في موضع الصفة أيضاً. ﴿وَلَا يَافُونَ لَوْمَّةَ لَآئِمٍ﴾ بخلاف المنافقين يخافون الدَّوائر؛ فدلَّ بهذا على تثبيت إمامةِ أبي بكر وعمرَ وعثمانَ وعليَّ ﴾؛ لأنهم جاهدوا في الله عزَّ وجلَّ في حياة رسولِ الله ﴾، وقاتلوا المرتدِين بعده(٥)؛ ومعلومٌ أنَّ مَن کانت فيه هذه الصِّفاتُ فهو وليّ لله تعالى. وقيل: الآية عامَّةٌ في كلِّ مَن يجاهد الكفارَ إلى قيام الساعة. والله أعلم (٦). ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَلَّهُ﴾ ابتداءٌ وخبر. ﴿وَلَهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾، أي: واسعُ الفضل، عليمٌ بمصالح خلقِه(٧). (١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٧/٢، ومعاني القرآن للزجاج ١٨٣/٢، والوسيط ٢٠٠/٢. (٢) أورده الواحدي في الوسيط ٢/ ٢٠٠، وذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٤٧ عن عطاء. (٣) يعني في اللغة، لا في القراءة، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٧/٢. (٤) ٩٢/٥ - ٩٣. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٧/٢ . (٦) ينظر المحرر الوجيز ٢٠٧/٢ . (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٧/٢ . ٥٤ سورة المائدة: الآية ٥٥ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ؛ قال جابر بنُ عبد الله: قال عبد الله بن سَلام للنبي ﴾: إنَّ قوماً (١) من قُرَيظةَ والنَّضير قد هجرونا، وأقسموا ألَّا يجالسونا، ولا نستطيعُ مجالسةَ أصحابك لبُعد المنازل. فنزلت هذه الآية، فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياءَ(٢). ((والَّذِينَ)) عامٌّ في جميع المؤمنين؛ وقد سُئِل أبو جعفر محمد بنُ علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب(٣) ﴾ عن معنى: ﴿إِنَّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾: هل هو عليّ بن أبي طالب؟ فقال: عليٍّ من المؤمنين؛ يذهب إلى أنَّ هذا لجميع المؤمنين. قال النحاس(٤): وهذا قول بَيِّن؛ لأنَّ ((الذين)) لجماعة. وقال ابن عباس: نزلت في أبي بكر ﴾(٥). وقال في رواية أخرى: نزلت في علي ابن أبي طالب ﴾(٦). وقاله(٧) مجاهد والسُّدي(٨). وحملهم على ذلك قولُه تعالى: (١) في (م): قومنا. (٢) أسباب النزول للواحدي ص ١٩٢، وتفسير البغوي ٢/ ٤٧ . (٣) في (د) و(ز): محمد بن علي بن أبي طالب، وهو خطأ، وفي (ظ): محمد بن علي. (٤) إعراب القرآن ٢٨/٢ وما قبله منه، وأخرج قول أبي جعفر الطبريُّ في التفسير ٥٣١/٨. (٥) ذكر هذا القول الرازي في تفسيره ٢٦/١٢، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٨٣/٢ ونسباه لعكرمة. (٦) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ١٩٢ - ١٩٣، وفيه أن الآية التي نزلت في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَوَّلَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ ... ﴾، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢٩٣/٢ لعبد الرزاق والخطيب في المتفق، قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٩٤/١١: ولم ينزل في علي شيء من القرآن بخصوصه، وكل ما يوردونه من الآيات والأحاديث في أنها نزلت في علي لا يصح شيء منها، وإنما هذا من غلوِّ الرافضة. (٧) في النسخ: وقال، والمثبت من (م). (٨) أخرجه الطبري ٨/ ٥٣٠ - ٥٣١ . ٥٥ سورة المائدة: الآية ٥٥ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَّكِمُونَ﴾ وهي: المسألة الثانية: وذلك أنَّ سائلاً سأل في مسجد رسولِ الله ﴾، فلم يعطه أحدٌ شيئاً، وكان علي في الصلاة في الركوع، وفي يمينه خاتمٌ، فأشار إلى السائل به (١) حتى أخذه(٢). قال الكيا الطبريُّ: وهذا يدلُّ على أنَّ العملَ القليلَ لا يُبطل الصلاةَ، فإنَّ التصدُّقَ بالخاتم (٣) في الركوع عملٌ جاء به في الصلاة، ولم تبطل به الصلاة. وقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ لَكِعُونَ﴾ يدلُّ على أنَّ صدقةَ التطوع تُسمَّى زكاةً، فإنَّ عليًّا تصدَّق بخاتمه [تطوُّعاً] في الركوع، وهو نظيرُ قولِه تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَيْتُم مِّن زَّكَوْقٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الَهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]، وقد انتظم الفرضَ والنَّفْلَ، فصار اسمُ الزكاة شاملاً للفرض والنَّفل، كاسم الصَّدقةِ وكاسم الصَّلاةِ ينتظم الأمرين(٤). قلت: فالمراد على هذا بالزكاة التصدُّقُ بالخاتم. وحَمْلُ لفظ الزكاةِ على التصدُّق بالخاتم فيه بُعدٌ؛ لأنَّ الزكاةَ لا تأتي إلا بلفظها المختصِّ بها، وهو الزكاة المفروضةُ، على ما تقدَّم بيانه في أول سورة البقرة(٥). وأيضاً؛ فإنَّ قبلَه: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَةَ﴾، ومعنى يقيمون الصلاة: يأتون بها في أوقاتها بجميع حقوقِها(٦)، والمراد صلاةُ الفرض، ثم قال: ﴿وَهُمْ رَكِعُونَ﴾، أي: النفل. وقيل: أفرد الركوع بالذِّكر تشريفاً. وقيل: المؤمنون وقتَ نزولِ الآيةِ كانوا بين مُتِمٍّ للصلاة وبين راكع (٧). (١) في (م): بيده. وينظر تفسير أبي الليث ٤٤٥/١ . (٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٢٢٨) من حديث عمار بن ياسر بنحوه. قال الهيثمي في المجمع ١٧/٧: فيه من لم أعرفهم. وأخرجه الواحدي في أسباب النزول ص١٩٢ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مطولاً. (٣) في أحكام القرآن للكيا: فإن التصرف بالخاتم. (٤) أحكام القرآن للكيا ٨٤/٣، وما بين حاصرتين منه. (٥) ١/ ٢٧٢ - ٢٧٤ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٧ . (٧) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٤٤٦/٢ . ٥٦ سورة المائدة: الآيتان ٥٥ -٥٦ وقال ابن خُوَيزِ مَنداد: قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ لَكِعُونَ﴾ تضمَّنت جوازَ العملِ اليسيرِ في الصلاة، وذلك أنَّ هذا خرج مَخرجَ المدْحِ، وأقلُّ ما في باب المدحِ أنْ يكونَ مباحاً (١)، وقد رُوي أنَّ عليّ بن أبي طالب ﴾ أعطى السائل شيئاً وهو في الصلاة، وقد يجوزُ أنْ تكونَ هذه صلاةَ تطوّع؛ وذلك أنه مكروهٌ في الفرض(٢). ويحتملُ أنْ يكونَ المدحُ متوجُّهاً على اجتماع حالتين، كأنه وصَفَ مَنْ يعتقد وجوبَ الصلاة والزكاة، فعبَّر عن الصلاة بالركوع، وعن الاعتقاد للوجوب بالفعل؛ كما تقول: المسلمون هم المصلُّون، ولا تريد أنهم في تلك الحالِ مُصَلُّون، ولا توجِّه(٣) المدحَ حالَ الصَّلاة؛ فإنما تريد مَنْ يفعلُ هذا الفعلَ، ويعتقدُه. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِرْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ٥٦) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾، أي: مَنْ فوَّض أمره إلى الله، وامتثل أمرَ رسولِه، ووالَى المسلمين، فهو من حزب الله. وقيل: أي: ومَنْ يتولَّى القيامَ بطاعة الله ونُصرة رسولِه والمؤمنين ﴿فَإِنَّ حِرْبَ اللَِّ هُمُ الْفَلِبُونَ﴾. قال الحسن: حزبُ الله: جندُ الله. وقال غيره: أنصارُ الله (٤)، قال الشاعر : وكيف أَضْوَى وبلالٌ حِزْبي(٥) (١) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٤٤٦/٢. (٢) ينظر إكمال المعلم ٤٧٤/٢ - ٤٧٥، والمفهم ١٥٢/٢ - ١٥٣. (٣) في (د): يوجد، وفي (م): يوجه، والمثبت من (ظ). (٤) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٦٩/١، وتفسير البغوي ٢/ ٤٧، وقول الحسن أورده الواحدي في الوسيط ٢٠٢/٢. (٥) قائله رؤبة بن العجاج، وهو في ديوانه ص١٦ برواية: ولستُ أَضْوى. وذكره بمثل رواية المصنف أبو عبيدة في مجاز القرآن ١٦٩/١، وقال: قوله: أضوى، أي: أنتقص وأستضعف؛ من الضَّوى. وبلال المذكور في البيت هو ابنُ أبي بردة كما ذكر العلامة محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري ٤٢٨/١٠ ، وذكر أن رواية: و کیف أضوی، تصحيف. ٥٧ سورة المائدة: الآيتان ٥٦ - ٥٧ أي: ناصري. والمؤمنون حِزْبُ الله، فلا جَرَم غلبوا اليهودَ بالسَّبْي والقتلِ والإجلاء وضَرْبِ الجزية(١). والحِزْبُ: الصِّنفُ من الناس، وأصلُه من النائبة؛ من قولهم: حَزَبه كذا، أي: نَابَه، فكأنَّ المحتزبين مجتمِعون كاجتماع أهل النائبةِ عليها. وحِزْبُ الرجلِ : أصحابُه. والحِزب: الوِرْدُ؛ ومنه الحديث: ((فمَنْ فاته حِزْبُه من الليل))(٢). وقد حَزَّبْتُ القرآنَ. والحِزب: الطائفةُ. وتحزَّبوا: اجتمعوا. والأحزاب: الطوائفُ التي تجتمع على محاربة الأنبياء. وحَزَبه أمرٌ، أي: أصابه(٣). قوله تعالى: ﴿وَّا أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقَِّذُواْ أَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِيَتَكُمْ هُوًا وَلِيًّا مِّنَ أَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَّةٍ وَأَتَّقُواْ اللّهَ إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ ٥٧ فيه مسألتان: الأولى: رُويَ عن ابن عباس ﴾ أنَّ قوماً من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقتَ سجودهم، فأنزلَ الله تعالى: ﴿يَّا الَّنَ ءَامَنُواْ لَا تَقَِّذُواْ الَّذِينَ أَنَّخَذُواْ دِنَّكُ هُوَا وَلَيْبًا﴾ إلى آخر الآيات(٤). وتقدَّم معنى الهُزُؤْ في ((البقرة))(٥). ﴿مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن ◌َبِّكُمْ وَالْكُنَّارَ أَوِْيَةٌ﴾؛ قرأه أبو عمرو والكسائيُّ (١) ينظر الوسيط ٢/ ٢٠٢. (٢) هو بهذا اللفظ قطعة من حديث عمر بن الخطاب موقوفاً؛ أخرجه النسائي في الكبرى (١٤٦٩) وأخرجه مسلم (٧٤٧) وأبو داود (١٣١٣) والترمذي (٥٨١) والنسائي في الكبرى (١٤٦٦) وابن ماجه (١٣٤٣) من حديث عمر بن الخطاب ﴾ مرفوعاً بلفظ: ((من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، گُتب له كأنما قرأه من الليل. (٣) ينظر الصحاح (حزب)، وتهذيب اللغة ٤/ ٣٧٣ - ٣٧٥ . (٤) كذا نقل المصنف عن معاني القرآن للنحاس ٢٢٦/٢، والذي ذكره غيره في سبب نزولها أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما فأنزل الله هذه الآية؛ أخرجه الطبري ٨/ ٥٣٣ - ٥٣٤، وذكره أبو الليث في تفسيره ٤٤٥/١، والواحدي في أسباب النزول ص ١٩٣، والبغوي في تفسيره ٤٨/٢ ، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٨٥/٢ . (٥) ١٧٩/٢ . ٥٨ سورة المائدة: الآية ٥٧ بالخفض(١) بمعنى: ومن الكفار. قال الكسائيُّ: وفي حرف أُبيّ رحمه الله: ((ومِنّ الكفارِ)). و((مِن)) ههنا لبيان الجنسِ، والنصبُ أوضحُ وأبينُ. قاله النحاس(٢). وقيل: هو معطوفٌ على أقرب العاملَيْن منه، وهو قوله: ((مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ))؛ فنهاهم الله أنْ يَتَّخذوا اليهودَ والمشركين أولياءَ، وأعلَمَهم أنَّ الفريقين اتخذوا دينَ المؤمنين هُزواً ولَعِباً. ومَنْ نَصَب عَطَف على ((الذين)) الأوَّلِ في قوله: ((لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلِعِباً .. وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ))، أي: لا تتخذوا هؤلاءِ وهؤلاءٍ أولياءً؛ فالموصوف بالهزُؤ واللعب في هذه القراءة اليهودُ لا غير، والمَنهيُّ عن اتخاذهم (٣) أولياءَ اليهودُ والمشركون، وكلاهما في القراءة بالخفض موصوفٌ بالهُزُؤ واللعب. قال مكيّ(٤): ولولا اتفاقُ الجماعةِ على النصب لاخترتُ الخفضَ؛ لقوَّته في الإعراب وفي المعنى والتفسيرِ، والقرب من المعطوف عليه. وقيل: المعنى: لا تتخذوا المشركين والمنافقين أولياءً؛ بدليل قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، والمشركون كلُّهم كفارٌ، لكن يُطلق في الغالب لفظُ الكفار على المشركين؛ فلهذا فَصَل ذِكرَ أهلِ الكتاب من الكافرين(٥). الثانية: قال ابن خُوَيزِ مَنداد: هذه الآية مثلُ قوله تعالى: ﴿لَا تَّخِذُواْ الْيُهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةٌ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، و﴿لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] (١) السبعة ص ٢٤٥، والتيسير ص ١٠٠. (٢) في معاني القرآن ٢٢٦/٢، وإعراب القرآن ٢٩/٢، وقراءة أبي في القراءات الشاذة ص ٣٣، وتفسير الطبري ٥٣٥/٨. (٣) في النسخ: اتخاذه، والمثبت من (م)، وهو الموافق للكشف عن وجوه القراءات السبع ٤١٣/١-٤١٤،. والكلام منه. (٤) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤١٤/١ . (٥) ينظر الكشاف ٦٢٤/١ والمحرر الوجيز ٢٠٩/٢. ٥٩ سورة المائدة: الآيتان ٥٧ - ٥٨ تضمنت المنعَ من التأيد(١) والانتصار بالمشركين ونحوِ ذلك(٢). وروى جابر أنَّ النبي # لما أراد الخروجَ إلى أُحد؛ جاءه قومٌ من اليهود، فقالوا: نسيرُ معك، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّا لا نستعينُ على أمرِنا بالمشركين»(٣). وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي. وأبو حنيفةَ جوَّز الانتصارَ بهم على المشركين للمسلمين، وكتابُ الله تعالى يدلُّ على خلاف ما قالوه، مع ما جاء من السُّنة في ذلك، والله أعلم (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ النَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَّأْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ فيه اثنتا عشرة مسألة: الأولى: قال الكلبيّ: كان إذا أَذَّن المؤذِّن وقام المسلمون إلى الصلاة، قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا، وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا. وقالوا في حق الأذان: لقد ابتدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم، فمِن أين لك صِیاحٌ كصياح(٥) العير؟ فما أقبحه من صوت، وما أسْمجه من أمر (٦). (١) في (م): التأييد. (٢) ينظر أحكام القرآن للكيا ٨٤/٣ . (٣) لم نقف عليه من حديث جابر ، وأخرجه ابن سعد ٤٨/٢ والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٥٨٠) والحاكم ١٢٢/٢ من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه بلفظ: ((فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين)). وأخرج أحمد (٢٥١٥٨) ومسلم (١٨١٧) من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرج رسول الله ﴿ قِبَلَ بدر، فلما كان بِحرَّةِ الوَبَرَة أدركه رجلٌ ... قال لرسول الله ﴾: جئت لأنَّبعك ... قال له رسول الله#: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا. قال: ((فارجع فلن أستعين بمشرك)). (٤) أحكام القرآن للكيا الطبري ٨٥/٣ . (٥) في (م): مثل صياح، والمثبت من (د) و(ز) و(ظ) وهو الموافق لما في المصادر. (٦) أورده الواحدي في أسباب النزول ص١٩٣ - ١٩٤، والبغوي في تفسيره ٤٨/٢ بنحوه مغرقاً. ٦٠ سورة المائدة: الآية ٥٨ وقيل: إنهم كانوا إذا أذَّن المؤذن للصلاة، تضاحكوا فيما بينهم، وتغامزوا على طريق السُّخف والمجُون؛ تجهيلاً لأهلها، وتنفيراً للناس عنها وعن الداعي إليها (١). وقيل: إنهم كانوا يرَون المنادي إليها بمنزلة اللاعبِ الهازِئٍ بفعلها، جهلاً منهم بمنزلتها؛ فنزلت هذه الآية، ونزل قولُه سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَن دَمَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾(٢) [فصلت: ٣٣]. والنداء: الدُّعاء برفع الصوت(٣)، وقد يُضم مثل: الدُّعاء والرُّغاء. وناداه مناداةً ونِداءً، أي: صاح به. وتنادَوا، أي: نادى بعضهم بعضاً. وتَنَادَوا، أي: جلسوا في النادي، وناداه: جالسَه في النادي. وليس في كتاب الله تعالى ذكرُ الأذانِ إلا في هذه الآية، أمَا إنه ذُكر في الجمعة على الاختصاص(٤). الثانية: قال العلماء: ولم يكن الأذان بمكةً قبل الهجرة، وإنما كانوا ينادون: الصلاة جامِعة، فلما هاجر النبي ﴾، وصُرِفت القِبلة إلى الكعبة، أَمَر بالأذان، وبقي: الصلاة جامِعة؛ للأمْر يَعْرِض(٥). وكان النبيّ ﴾ قد أَهمَّه أمر الأذانِ حتى أُرِيَه عبدُ الله بنُ زيد، وعمرُ بنُ الخطاب، وأبو بكرٍ الصدِّيقُ ﴾. وقد كان النبيُّ # سمع الأذان ليلة الإسراء في السماء (٦). (١) الوسيط ٢/ ٢٠٣ . (٢) مجمع البيان ٦/ ١٣٣، وأسباب النزول للواحدي ص١٩٣ - ١٩٤ . (٣) في الصحاح (ندا): النداء الصوت. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٣٠، وفيه: ذكرت الجمعة بدل: ذكر في الجمعة. (٥) ينظر الأوسط ١١/٣ . (٦) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩٢٤٣) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال الحافظ في الفتح ٧٨/٢ : في إسناده طلحة بن زيد، وهو متروك. وأخرجه أيضاً البزار (٣٥٢ كشف الأستار) من حديث علي * مطولاً، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٢٩/١: فيه زياد بن المنذر، وهو مجمع على ضعفه. وقال الحافظ في الفتح ٧٨/٢ بعد أن ساق هذين الحديثين وضعَّفهما: والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث.