Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ وأصلُ هذا اللَّفظ إنما هو أَخْذُ الشيء في خُفْيةٍ من الأعين، ومنه: استرقَ السمع، وسارقَه النَّظر. قال ابن عَرَفة: السارقُ عند العرب هو من جاء مستتراً إلى حِرْز، فأخذَ منه ما ليس له، فإنْ أخذَ من ظاهر فهو مُختلِسٌ، ومُستلِبٌ، ومُنتهِبٌ، ومُحترِسٌ(١)، فإنْ مَنَعَ مما في يدِه(٢) فهو غاصب. قلت: وفي الخبر عن رسول اللـه ﴾: ((وأسوأ السَّرقةِ الذي يَسرِقُ صلاتَه))، قالوا: وكيف يَسرِقُ صلاتَه؟ قال: ((لا يُتِمُّ ركوعَها ولا سجودها)). خرجه ((الموطأ)) وغيره(٣)، فسمَّاه سارقاً وإنْ كان ليس سارقاً من حيث موضع (٤) الاشتقاق، فإنه ليس فيه مسارقةُ الأعين غالباً. الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿فَقْطَهُوَا﴾ القَطْع معناه الإبانةُ والإزالةُ، ولا يجب إلا بجمع أوصافٍ تُعتبر في السارق(٥) وفي الشيء المسروق، وفي الموضع المسروق منه، وفي صفته. فأما ما يُعتبر في السارق؛ فخمسةُ أوصاف؛ وهي البلوغُ والعقل، وأن يكون غيرَ مالك للمسروق منه، وألا يكون له عليه ولاية، فلا يُقطع العبدُ إن سَرَقَ من مال سيِّده، وكذلك السيِّد إنْ أخذَ مالَ عبده لا قَطْعَ بحال؛ لأن العبدَ ومالَه لسيده، ولم يُقطَع أحدٌ بأخذ مال عبده لأنه آخذٌ لماله، وسقطَ قَطْعُ العبد بإجماع الصحابة وبقول (١) المُحتّرس: هو الذي يسرق الشاة من المرعى أو من الجبل. ينظر اللسان (حرس)، ومنه حريسة الجبل، وسلف شرحها ص٤٥٤ . (٢) في (م): فإن تمنع بما في يده، والمثبت من النسخ الخطية، وهو موافق للمفهم ٥/ ٧٠ - ٧١ والكلام منه، وابن عرفة هو ابراهيم بن محمد المعروف بنفطويه. (٣) الموطأ ١٦٧/١ عن النعمان بن مرة، عن النبي ﴿، وهو مرسل. قال ابن عبد البر في التمهيد ٤٠٩/٢٣: هو حديث صحيح يستند من وجوه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد . اهـ. وحديث أبي هريرة ﴾ أخرجه ابن حبان (١٨٨٨)، وحديث أبي سعيد # أخرجه أحمد (١١٥٣٢). (٤) في (م): من حيث هو موضع. وينظر أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ٧٠ . (٥) في النسخ: السرقة، والمثبت من (م). ٤٦٢ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ الخليفة: غلامُكم سَرَقَ مَتَاعَكم(١). وذكر الدَّارَقُظْنيُّ عن ابن عباس قال: قال رسولُ اللـه﴾: ((ليس على العبدِ الآبقِ إذا سَرَقَ قَطْعٌ، ولا على الذِّميّ)). قال: لم يَرفَعْه غيرُ فهد بن سليمان، والصواب موقوف(٢). وذكر ابنُ ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللـه﴾: ((إذا سَرقَ العبد فبيعوه ولو بِنَشرِّ)»(٣). أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أبو أسامة، عن أبي عَوَانة، عن عمر بن أبي سَلَمة، عن أبيه، عن أبي هريرة (٤). قال ابن ماجه(٥): وحدّثنا جُبَارَةُ بن المُغَلِّس، حدّثنا حَجَّاج بن تميم، عن ميمون ابن مِهران، عن ابن عباس؛ أن عبداً من رقيق الخُمس سَرَقَ من الخُمس، فَرُفِعَ إلى النبيِّ ﴾ فلم يَقطّعْه، وقال: ((مالُ اللهِ سَرَق بعضُه بعضاً)). وجُبَارةُ بن المُغَلِّس متروك؛ قاله أبو زُرْعَة الرَّازِيّ(٦). ولا قَطْعَ على صبيّ ولا مجنون. ويجب على الذميّ والمُعاهد، والحربيّ إذا دخَل بأمان. وأما ما يُعتبر في الشيء المسروق؛ فأربعةُ أوصاف، وهي: النِّصابُ، وقد مضَى القولُ فيه(٧)، وأن يكون مما يُتموَّل ويُتملّك ويَحِلُّ بيعُه، وإن كان مما لا يُتموَّل ولا (١) أخرجه مالك ٨٣٩/٢ - ٨٤٠ وهو قول عمر ﴾. وينظر أحكام القرآن لابن العربي ٦٠٦/٢ . (٢) سنن الدار قطني (٣١٠٥). (٣) في (د) و(ظ) و(م): بفلس، والمثبت من (ز) وهو الموافق لمصادر الحديث. (٤) سنن ابن ماجه (٢٥٨٩). وأخرجه أحمد (٨٤٣٩)، وأبو داود (٤٤١٢)، والنسائي ٩١/٨ . وعمر بن أبي سلمة ضعيف كما في ميزان الاعتدال ٢٠١/٣ . والنشّ: قال ابن الأثير في النهاية (نشش): هو نصف الأوقية، وهو عشرون درهماً، وقيل: النشّ يطلق على النصف من كل شيء. (٥) في سننه (٢٥٩٠). وانظر التعليق التالي. (٦) أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ٥٥٠ ، وقال البخاري في جبارة أيضاً: حديثه مضطرب، وكذّبه ابن معين، كما في ميزان الاعتدال ٣٨٧/١. وأبو زرعة الرازي: هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، سيد الحُفَّاظ، توفي سنة (٢٦٤هـ). السير ٦٥/١٣. (٧) في المسألة الأولى. ٤٦٣ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ يَحِلُّ بيعه كالخمر والخنزير؛ فلا يُقطع فيه باتّفاق؛ حاشا الحُرّ الصغير عند مالك وابن القاسم، وقيل: لا قَطْعَ عليه؛ وبه قال الشافعي وأبو حنيفة؛ لأنه ليس بمال. وقال علماؤنا(١): هو من أعظم المالِ؛ ولم يُقْطَّع السارقُ في المال لعينه، وإنما قُطِعَ لِتعلُّقِ النُّفوس به، وتَعلَّقُها بالحُرِّ أكثر من تَعلُّقِها بالعبد. وإن كان مما يجوز تملُّكه ولا يجوز بيعُه ــ كالكلب المأذونِ في اتِّخاذه ولحوم الضحايا - ففي ذلك اختلافٌ بين ابن القاسم وأشهبَ؛ قال ابن القاسم: ولا يُقطع سارقُ الكلب؛ وقال أشهبُ: ذلك في المَنهيّ عن اتِّخاذه، فأما المأذون في اتّخاذه فيقطع سارقُه. قال: ومَن سرقَ لحم أُضْحِيَّة أو جِلْدَما قُطِعَ إذا كان قيمةُ ذلك ثلاثةَ دراهم. وقال ابن حبيب: قال أَضْبَغ: إنْ سرقَ الأُضْحِيَّة قبل الذَّبح قُطِعَ، وأما إن سرقَها بعد الذبح فلا يُقطع. وإن كان مما يجوزُ اتِّخاذُ أصله وبَيْعُه، فصُنِعَ منه ما لا يجوز استعمالُه كالُّنْبُور والملاهي من المزمار والعود وشِبهه من آلات اللَّهو؛ فينظر؛ فإنْ كان يبقى منها بعد فَسادٍ صُوَرها وإذهابِ المنفعةِ المقصودة بها ربع دينار فأكثر؛ قُطِعَ. وكذلك الحكمُ في أواني الذهب والفضة التي لا يجوزُ استعمالها ويُؤمَرُ بكسرها، فإنما يُقوَّم ما فيها من ذهب أو فضة دون صَنْعة. وكذلك الصليبُ من ذهب أو فضة، والزيتُ النجس إنْ كانت قيمتُه على نجاسته نصاباً قُطِعَ فيه(٢). الوصف الثالث: وألا یکون للسارق فیه مِلْكٌ، کمن سرقَ ما رَهنه أو استأجره، ولا شُبْهة مِلك؛ على اختلاف بين علمائنا وغيرهم في (٣) مراعاة شُبْهة ملك؛ كالذي يَسرِقُ من المَغْنَمِ أو مِن بيت المال؛ لأنَّ له فيه نصيباً. ورُوي عن عليّ ﴾ أنه أُتي برجل (١) هو ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٦٠٥ - ٦٠٦، وينظر الكلام الذي قبله فيه. (٢) ينظر عقد الجواهر الثمينة ٣٢٨/٣ - ٣٢٩. (٣) في النسخ: من، والمثبت من (م). ٤٦٤ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ سَرَقَ مِغْفَراً من الخُمْس، فلم يَرَ عليه قَطْعاً، وقال: له فيه نصيبٌ(١). وعلى هذا مذهبُ الجماعة في بيت المال. وقيل: يجب عليه القَطْع تعلُّقاً بعموم لفظ آية (٢) السرقة. وأن يكون مما تَصِحُّ سرقتُه كالعبد الصغير والأعجمي الكبير؛ لأن ما لا تصحُّ سرقتُه؛ كالعبد الفصيح؛ فإنه لا يُقطع فيه. وأما ما يُعتبر في الموضع المسروقِ منه؛ فوصفٌ واحد، وهو الحِرْزُ لمثل ذلك الشيء المسروق. وجُملة القول فيه أنَّ كلَّ شيء له مكانٌ معروف فمكانه(٣) حِرْزُه، وكل شيء معه حافظٌ فحافظُه حِرْزُه، فالدُّور والمنازلُ والحوانيت حِرْزٌ لما فيها، غابَ عنها أهلُها أو حضَروا(٤)، وكذلك بيتُ المال حِرْزٌ لجماعة المسلمين، والسارقُ لا يستحقُّ فيه شيئاً؛ وإنْ كان قبلَ السرقة ممن يجوز أن يُعطيَه الإمام، وإنما يتعيَّنُ حقُّ كلِّ مسلم بالعَطِيَّة؛ ألا ترى أن الإمامَ قد يجوز أن يصرفَ جميعَ المال إلى وجهٍ من وجوه المصالح ولا يُفرِّقه في الناس، أو يُفرِّقه في بلد دون بلد آخرَ، ويمنعُ منه قوماً دون قوم؟ ففي التقدير أن هذا السارقَ ممن لا حقَّ له فيه. وكذلك المغانم لا تخلو: أن تتعيَّن بالقِسمة؛ فهو ما ذكرناه في بيت المال؛ أو تتعيَّن بنفس التناول لمن شَهِدَ الوقعة؛ فيجبُ أن يُراعَى قدر ما سرق، فإنْ كان فوقَ حقِّ قُطِعَ وإلا لم يُقطع. الرابعة عشرة: وظُهور الدوابِّ حِرْزٌ لما حملتْ، وأفنيةُ الحوانيت حِرْزٌ لما وُضِعَ فيها في موقف البيع؛ وإنْ لم يكن هناك حانوتٌ، كان معه أهلُه أَمْ لا؛ سُرقت بليل أو نهار. وكذلك موقفُ الشاة في السوق مربوطةً أو غير مربوطة، والدوابُّ على مرابطها (١) أخرجه عبد الرزاق (١٨٨٧١)، والدارقطني في المؤتلف والمختلف ١٤٩٩/٣ عن ابن عَبِيد بن الأبرص. (٢) قوله: آية، من (م). وينظر أحكام القرآن للكيا الهراسي ٧٣/٣ . (٣) في النسخ: فكأنه، والمثبت من (م). (٤) عقد الجواهر الثمينة ٣٣١/٣ . ٤٦٥ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ مُخْرَزةٌ، كان معها أهلُها أَمْ لا؛ فإنْ كانت الدابةُ بباب المسجد أو في السوق؛ لم تكن مُخْرَزةً إلا أن يكون معها حافظٌ، ومن رَبَطها بفِنائه أو انَّخذ موضعاً مَرْبِطاً لدوابه؛ فإنه حِرْزٌ لها. والسفينةُ حِرْزٌ لما فيها، وسواء كانت سائبةً أو مربوطةً، فإنْ سُرقت السفينةُ نفسُها فهي كالدابَّة؛ إنْ كانت سائبةً فليست بمُخرَزة، وإنْ كان صاحبُها رَبطّها في موضع وأرساها فيه؛ فَرَبْطِها (١) حِرْزٌ. وهكذا إنْ كان معها أحدٌ حيثما كانت فهي مُخْرَزةٌ، كالدابة ببابِ المسجد معها حافظٌ؛ إلا أن يَنزِلوا بالسفينة في سفرهم منزلاً فيربطوها، فهو حِرْزٌ لها كان صاحبُها معها أَمْ لا(٢). الخامسة عشرة: ولا خلافَ أن الساكنين في دار واحدة - كالفنادق التي يسكنُ كلُّ رجلٍ بيته على حِدَة - يُقطع من سَرَق منهم من بيت صاحبه؛ إذا أخذَ وقد خرج بسرقته إلى قاعة الدار؛ وإنْ لم يدخُلْ بها بيته ولا خرجَ بها من الدار. ولا خلافَ في أنه لا يُقطع مَن سرقَ منهم من قاعة الدار شيئاً وإنْ أدخله بيتَه أو أخرجَه من الدار؛ لأنَّ قاعتَها مباحةٌ للجميع للبيع(٣) والشراء، إلا أن تكون دابَّةٌ في مَرْبِطها أو ما يُشبهها من المتاع. السادسة عشرة: ولا يُقطع الأبَوانِ بسرقة مال ابنهما؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أنتَ ومالُكَ لأبيك))(٤). ويُقطع في سرقة مالهما؛ لأنه لا شُبهةَ له فيه. وقيل: لا يُقطع، وهو قولُ ابن وهب وأشهبَ؛ لأنَّ الابنَ ينبسِطُ في مال أبيه في العادة؛ ألا ترى أن العبدَ لا يُقطع في مال سيده، فلأَنْ لا يُقطع ابنُه في ماله أولى. واختلفوا في الجَدِّ؛ فقال مالك وابن القاسم: لا يُقطع. وقال أشهب: يقطع. (١) في (د): فمربطها. (٢) المسألة بتمامها في عقد الجواهر الثمينة ٣٣١/٣ . (٣) في (د): في البيع. (٤) سلف ص ١٧٥ من هذا الجزء . ٤٦٦ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ وقولُ مالك أصحُّ؛ لأنه أبٌّ؛ قال مالك: أحبُّ إليَّ ألا يُقطع الأجدادُ من قِبَل الأبِ والأم وإنْ لم تجبْ لهم نفقةٌ. قال ابن القاسم وأشهبُ: ويُقطع من سواهما من القَرابات. قال ابن القاسم: ولا يُقطع من سرقَ من جُوعٍ أصابه (١). وقال أبو حنيفة: لا قَطْعَ على أحدٍ من ذوي المحارم؛ مِثْلِ العَمَّةِ والخالة والأُخت وغيرهم، وهو قولُ الثوريِّ. وقال مالك والشافعيُّ وأحمد وإسحاق: يُقطع من سرقَ من هؤلاء. وقال أبو ثور: يُقطع كلُّ سارق سرقَ ما تُقطع فيه اليدُ؛ إلا أن يُجمعوا(٢) على شيء، فيسلم للإجماع، والله أعلم. السابعة عشرة: واختلفوا في سارقِ المصحف؛ فقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور: يُقطع إذا كانت قيمتُه ما تُقطع فيه اليدُ، وبه قال ابنُ القاسم. وقال النعمان: لا يُقطع من سرقَ مصحفاً. قال ابن المنذر(٣): يُقطع سارقُ المصحف. واختلفوا في الطَّرَّار(٤) يَطُرُّ النفقةَ من الكُمِّ، فقالت طائفة: يُقطع؛ مِنْ داخل الكُمِّ ظَرَّ أو مِنْ خارج(٥)؛ وهو قولُ مالك والأوزاعيّ وأبي ثور ويعقوب. وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وإسحاق: إنْ كانت الدراهمُ مَصْرورةً في ظاهر كُمِّه فَطَرَّها فسرقَها؛ لم يُقطع، وإنْ كانت مَصْرورة إلى داخل الكُمِّ، فأدخل يدَه فسرقها؛ قُطِعَ. وقال الحسن: يُقطع. قال ابن المنذر(٦): يُقطَّع على أي جهةٍ طَرَّ. الثامنة عشرة: واختلفوا في قَطْع اليدِ في السفر، وإقامةِ الحدود في أرض الحرب؛ فقال مالكٌ والليثُ بن سعد: تُقام الحدود في أرض الحرب، ولا فرقَ بين (١) الكلام بنحوه في عقد الجواهر الثمينة ٣٢٩/٣ - ٣٣٠. (٢) في النسخ: يجتمعوا، والمثبت من (م) وهو موافق للإشراف ٥٠٦/١، والكلام فيه بنحوه. (٣) في الإشراف ٤٩٨/١ ، وما قبله منه. (٤) الطَّرَّار: هو الذي يشقُّ كُمَّ الرجل ويسلُّ ما فيه، من الطرّ: القطع والشق. النهاية (طرر). (٥) العبارة في (م): يقطع من طرَّ من داخل الكم أو من خارج. (٦) في الإشراف ٥٠٤/١ ، وما قبله وما بعده منه. ٤٦٧ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ دار الحرب والإسلام. وقال الأوزاعيُّ: يُقيم مَن غزا على جيش - وإن لم يكن أميرَ مِصْرٍ من الأمصار - الحدودَ في عَسْكره غيرَ القَطْع. وقال أبو حنيفة: إذا غزا الجندُ أرضَ الحرب وعليهم أميرٌ؛ فإنه لا يُقيم الحدودَ في عسكره، إلا أن يكون إمامَ مِصْرَ، أو الشام، أو العراق(١)، أو ما أشبهه، فَيُقيم الحدودَ في عسكره. استدلَّ الأوزاعيُّ ومن قال بقوله بحديث جُنادة بن أبي أمية قال: كثَّا مع بُسْر بن أَرْطَاة في البحر، فأُتي بسارق يقال له: مِصدَر قد سرق بُخْتِيَّة، فقال: سمعتُ رسولَ اللـه * يقول: ((لا تُقطَّعُ الأيدي في الغزو)). ولولا ذلك لَقطعتُه(٢). بُسْرٌ هذا؛ يقال: وُلِد في زمن النبيِّ ﴾، وكانت له أخبارُ سوء في جانب عليٍّ وأصحابه، وهو الذي ذبح طفلين لِعُبيد الله بن العباس(٣) ففقدتْ أمُّهما عَقْلَها فهامَتْ على وجهها، فدعا عليه عليٍّ ﴾ أن يُطيل الله عمره ويُذهب عَقْلَه، فكان كذلك. قال يحيى بن مَعِين: كان بُسْر بن أَرْطاة رجلَ سوء(٤). استدلَّ من قال بالقَطْع بعموم القرآن، وهو الصحيحُ إن شاء الله تعالى. وأولى ما يُحتجُّ به لمن منَع القطع في أرض الحرب والحدود: مخافة أن يلحقَ ذلك بالشّرك. والله أعلم. التاسعة عشرة: فإذا قُطعت اليدُ أو الرجل؛ فإلى أين تقطع؟ فقال الكافَّة: تقطع [اليد] من الرُّسغ، والرّجل من المَفْصِل، ويُحسم الساقُ إذا قُطِع. وقال بعضهم: يُقطع (١) يعني أن يكون الإمام واسع المملكة، كما ذكر الخطابي في معالم السنن ٣١٢/٣. (٢) أخرجه أبو داود (٤٤٠٨). وقوَّى ابن حجر في الإصابة ٢٤٣/١ إسناده. وأحمد (١٧٦٢٧) بنحوه، وأخرج المرفوع منه الترمذي (١٤٥٠) والنسائي ٩١/٨، وعند بعضهم: ((بالسفر)) بدل ((بالغزو)). قال الترمذي: هذا حديث غريب. وقوله: بُختَيَّة: هي الأنثى من الجمال البُخت، وهي جِمال طوال الأعناق. النهاية (بخت). (٣) في النسخ: عبد الله بن العباس، وهو خطأ، وعبيد الله بن عباس: ابنُ عمِّ رسول الله ﴾، وأخو عبد الله، وُلد في حياته ﴾، كان أميراً شريفاً جواداً. بقي إلى دولة يزيد. وطفلاه المذكوران: قُثَم وعبد الرحمن. السير ٣/ ٤١٠ و٥١٢ . (٤) ينظر الاستيعاب (بها مش الإصابة) ٢٩١/١، وقال الذهبي في السير ٣/ ٤١٠: في صحبته تردُّد. ٤٦٨ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ إلى المرفق. وقيل: إلى المَنْكِب؛ لأن اسمَ اليدِ يتناول ذلك. وقال عليٍّ﴾: تُقطع الرّجل من شَطْر القدم، ويُترك له العَقِب، وبه قال أحمد وأبو ثور(١). قال ابن المنذر(٢): وقد روينا عن النبيِّ﴾ أنه أمر بقطع يدِ رَجُل فقال: ((إِحْسِموها)). وفي إسناده مَقَال(٣)؛ واستحبَّ ذلك جماعةٌ؛ منهم الشافعيّ وأبو ثور وغيرهما، وهذا أحسنُ، وهو أقربُ إلى البُرْء، وأبعدُ من التَّلَف. الموفية عشرين: لا خِلافَ أنَّ اليمين(٤) هي التي تُقطع أولاً، ثم اختلفوا إنْ سرقَ ثانيةً؛ فقال مالك وأهلُ المدينة والشافعيّ وأبو ثور وغيرهم: تُقطع رِجْلُه اليُسرى، ثم في الثالثة يدُه اليُسرى، ثم في الرابعة رِجْلُه اليُمنى، ثم إنْ سرقَ خامسةً يُعزَّر ويُحبس. وقال أبو مُصْعَب من علمائنا: يُقتل بعدَ الرابعة. واحتجَّ بحديثٍ خرَّجه النسائيّ(٥) عن الحارث بن حاطب أن رسولَ الله # أُتيَ بلصّ، فقال: ((اقتلوه)). فقالوا: يا رسولَ الله، إنما سرقَ. قال: [((اقتلوه)). قالوا: يا رسولَ الله، إنما سرقَ، قال]: ((اقطَّعوا يدَه)). قال: ثم سرقَ، فقُطِعَتْ رِجْلُه، ثم سرقَ على عهد أبي بكر ﴾ حتى قُطِعتْ قوائمه كلُّها، ثم سرقَ أيضاً الخامسةَ، فقال أبو بكر﴾: كان رسولُ الله ﴾ أعلمَ بهذا حين قال: ((اقتلوه)). ثم دفَعه (٦) إلى فِتية من قريش ليقتلوه؛ منهم عبدُ الله بن (١) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٤٢٠/٢ - ٤٢١، والمفهم ٧٦/٥، وما بين حاصرتين منه، وفي قول بعضهم: تقطع اليد إلى المرفق، أو إلى المنكب، قال أبو العباس القرطبي: هما شاذَّانِ. (٢) في الإشراف ١/ ٥١١. وفيه أيضاً قول علي السالف. (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٨٩٢٣) وأبو عبيد في غريب الحديث ٢٥٨/٢، وأبو داود في مراسيله (٢٤٤)، والدارقطني في سننه (٣١٦٤) عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلاً. ووصله الدارقطني في سننه (٣١٦٣) والحاكم في المستدرك ٣٨١/٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٧١/٨ بذكر أبي هريرة ﴾ فيه. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٦٦/٤: ورجّح ابن خزيمة وابن المديني وغير واحد إرساله، وصحّح ابن القطان الموصول. وقوله: ((احسموها)) أي: اكووها لينقطع الدم. النهاية (حسم). (٤) في (ز) و(م): اليمنى، والكلام في المفهم ٥/ ٧٥. وينظر الإشراف ٥١٠/١ . (٥) في المجتبى ٨/ ٩٠، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٦) في النسخ: دفع، والمثبت من (م)، وهو موافق للمجتبى. ٤٦٩ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ الزبير - وكان يُحِبُّ الإمارة - فقال: أَمّروني عليكم، فأَمَّروه عليهم، فكان إذا ضربَ ضربوه حتى قتلوه. وبحديثٍ جابر أنَّ النبيَّ # أَمر بسارق في الخامسة فقال: ((اقتلوه)). قال جابرٌ: فانطلقنا به، فقتلناه، ثم اجتررناه، فرمَيْناه في بئر، ورمَيْنا عليه الحجارة. رواه أبو داود وخرَّجه النسائيّ وقال: هذا حديثٌ مُنكرٌ، وأحدُ رُواته ليس بالقويِّ، ولا أعلمُ في هذا الباب حديثاً صحيحاً (١). قال ابن المنذر: ثبتَ عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قَطعا اليدَ بعد اليدِ، والرِّجْلَ بعد الرِّجْل(٢). وقيل: تُقطع في الثانية رِجْلُه اليُسرى، ثم لا قَطْع في غيرها، فإنْ(٣) عاد عُزِّر وحُبِس، ورُوي عن عليٍّ بن أبي طالب، وبه قال الزُّهْرِيّ، وحمَّاد بن أبي سليمان، وأحمد بن حنبل(٤). قال الزهريّ: لم يَبْلُغنا في السُّنَّة إلا قَطْعُ اليَدِ والرّجل(٥). وقال عطاء: تُقطع يدُه اليُمنى خاصَّةً، ولا يعودُ عليه القَطْع. ذكره ابنُ العربي (٦)، وقال: أما قولُ عطاء فإنَّ الصحابةَ قالوا قبلَه خلافَه. الحادية والعشرون: واختلفوا في الحاكم يأمرُ بِقَطْعِ يدِ السارق اليُمنى فَتُقطَّع يسارُه، فقال قَتَادة: قد أُقيم عليه الحدُّ، ولا يُزاد عليه؛ وبه قال مالك: إذا أخطأ القاطعُ فقطع شِمالَه. وبه قال أصحابُ الرأي استحساناً. وقال أبو ثور: على الحَزَّازِ(٧) الدِّيَّةُ؛ لأنه أخطأ، وتُقطع يمينُه إلا أن يمنع بإجماع(٨). (١) سنن أبي داود (٤٤١٠)، والمجتبى ٨/ ٩٠ - ٩١، والراوي الضعيف هو مصعب بن ثابت. (٢) الإشراف ٥١٠/١، والمفهم ٥/ ٧٥ وعنه نقل المصنف، والذي في الإشراف أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قطعا في السرقة اليد بعد اليد والرجل. وهو ما جاء في الأخبار عنهما. ينظر الموطأ ٥٣٥/٢ وسنن البيهقي ٢٧٤/٨، والاستذكار ١٨٩/٢٤ . (٣) في (م): ثم إذا. (٤) المفهم ٥/ ٧٥ . وقول علي # أخرجه عبد الرزاق (١٨٧٦٧)، والبيهقي ٢٧٥/٨ . (٥) الإشراف ١/ ٥١٠، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٨٧٧٠). (٦) في أحكام القرآن ٢/ ٦١٣ . (٧) في (ز): الجزار، وفي (د): الجذَّاد، وفي (ظ): الجلاد، والمثبت من (م). (٨) في (ظ): إلا أن يمنع منه إجماعاً، وفي الإشراف ٥١٣/١ : إلا أن يمنع منه إجماع. ٤٧٠ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ قال ابن المنذر(١): ليس يخلو قَطْعُ يسارِ السارق من أحدٍ معنيين؛ إما أن يكونَ القاطعُ عَمَدَ ذلك، فعليه القَوَدُ، أو يكونَ أخطأ؛ فدِيَتُه على عاقلةِ القاطع؛ وقَطْعُ يمينٍ السارق يجب، ولا يجوزُ إزالةُ ما أوجب اللهُ سبحانه بتعدِّي مُعتدٍ أو خَطَأ مُخطئ. وقال الثوريّ في الذي يُقْتَصُّ منه في يمينه، فَيُقدِّم شمالَه فتُقطّع، قال: تُقطع يمينُه أيضاً. قال ابن المنذر: وهذا صحيحٌ. وقالت طائفةٌ: تُقطَع يمينُه إذا بَرِئ؛ وذلك أنه هو أتلفَ يسارَه، ولا شيء على القاطع في قول أصحابِ الرأي وقياسٍ قول الشافعي. وتُقطَّع يمينُه إذا بَرِئَتْ. وقال قَتَادة والشعبيّ: لا شيء على القاطع وحَسْبه ما قُطِعَ منه. الثانية والعشرون: وتُعلَّقُ يدُ السارق في عُنقه، قال عبد الرحمن(٢) بن مُحَيْرِيز: سألتُ فَضَالةً عن تعليقِ يدِ السارق في عُنقه: أَمِنَ السُّنة هو؟ فقال: جيء رسولُ الله ◌ِ﴾ بسارق فَقُطِعَتْ يدُه، ثم أَمَر بها فَعُلِّقتْ في عُنقه. أخرجه الترمذيّ - وقال: حديثٌ حسنٌ غريب - وأبو داود والنسائي(٣). الثالثة والعشرون: إذا وجبَ حدُّ السرقة فقتَلَ السارقُ رجلاً؛ فقال مالكٌ: يُقتَلُ، ويدخلُ القَطْعُ فيه. وقال الشافعي: يُقطَع ويُقتَل(٤)؛ لأنهما حقَّان لمستحقّين، فوجبَ أن يُوفى لكلِّ واحدٍ منهما حقُّه. وهذا هو الصحيحُ إن شاء الله تعالى، وهو اختيارُ (٥) ابن العربي(٥). الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ لمَّا قال: ((أَيْدِيَهُمَا))(٦) ولم يقل: (١) في الإشراف ٥١٣/١ - ٥١٤، وما قبله وبعده إلى آخر هذه المسألة منه. (٢) في النسخ: عبد الله، وهو خطأ، وعبد الرحمن هو أخو عبد الله. (٣) سنن الترمذي (١٤٤٧)، وسنن أبي داود (٤٤١١)، والمجتبى ٩٢/٨ . قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٦٩/٤ : لا يبلغ درجة الصحيح ولا يقاربها. (٤) قوله: ويقتل، من (م). (٥) في أحكام القرآن ٢/ ٦١٤ - ٦١٥ . (٦) قوله: لما قال: ((أيديهما))، من (م). ٤٧١ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ يَدَيْهما؛ تكلّم علماءُ اللِّسان في ذلك - قال ابن العربي(١): وتابعهم الفقهاءُ على ما ذكّروه حُسْنَ ظَنٌّ بهم - فقال الخليلُ بن أحمد والفرّاء: كلُّ شيءٍ موخَّد (٢) من خَلْق الإنسان إذا أُضيف إلى اثنين جُمِعَ؛ تقول: هشمتُ رؤوسَهما، وأشبعتُ بطونَهما، و﴿ إِن نَنُوبَآ إِلَى الَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ولهذا قال: ﴿فَقْطَهُوَاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ ولم يَقُلْ : يَدَيْهما. والمرادُ: فاقطعوا يميناً من هذا ويميناً من هذا. ويجوزُ في اللغة: فاقطعوا يَدَيْهما، وهو الأصلُ؛ وقد قال الشاعر فجمع بين اللغتين: ومَهْمَهَيْنٍ فَذَفَيْنِ مَرْتَيْنٍ ظَهراهما مِثلُ ظُهورِ التُّرْسَينِ(٣) وقيل: فعل هذا لأنه لا يشكل(٤). وقال سيبويه(٥): إذا كان مفرداً قد يُجمع إذا أردتَ به التثنيةَ، وحكى عن العرب: وضعا رِحالَهما. يُريد به (٦): رَحْلَيْ راحِلتيهما؛ قال ابن العربي (٧): وهذا بناءً على أن اليمينَ وحدَها هي التي تُقطَّع، وليس كذلك، بل تُقْطَع الأيدي والأرجلُ، فيعود قولُه: ((أيديَهما)) إلى أربعةٍ، وهي جمعٌ في الاثنين، وهما تثنيةٌ، فيأتي الكلامُ على فصاحته، ولو قال: فاقطعوا أيديَهم لكان وجهاً؛ لأنَّ السارقَ والسارقةَ لم يُرِد بهما شخصين خاصَّة، وإنما هما اسما جِنْس يَعُمَّان ما لا (١) في أحكام القرآن ٢/ ٦١٢ . (٢) في النسخ: يوجد، وهو تحريف، والمثبت من معاني القرآن للفراء ٣٠٦/١، وينظر معاني القرآن للزجاج ١٧٢/٢ - ١٧٣، وإعراب القرآن للنحاس ١٩/٢ - ٢٠ . (٣) أمالي ابن الشجري ١٦/١، وشرح المفصل ١٥٦/٤، وخزانة الأدب ٣١٤/٢، والكتاب ٤٨/٢، ومعاني القرآن للزجَّاج ١٧٣/٢ . نسبه ابن الشجري لهميان بن قحافة، ونسبه الباقون لخِطام المجاشعي. وقوله: مَهْمَهَيْن، قال الجوهري في الصحاح (مهه): المَهْمَهُ: المفازة البعيدة الأطراف. وقوله: قَذَفين مَرْتين، قال البغدادي في الخزانة ٣١٧/٢: القَذَف: البعيد من الأرض. والمَرْت: الأرض التي لا ماء بها ولا نبات. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٠/٢. (٥) ينظر الكتاب ٤٨/٢ - ٤٩ . (٦) لفظ: به، من (م). (٧) في أحكام القرآن ٢/ ٦١٢، ومنه نقل المصنف قول سيبويه السالف. ٤٧٢ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ يُحصَی. الخامسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿جَزّآءٌ بِمَا كَسَبَا﴾ مفعولٌ من أجله، وإنْ شئتَ كان مصدراً، وكذا ﴿نَكَلًا مِنَ اللهِ﴾ (١)، يقال: نكلتُ به: إذا فعلتَ به ما يُوجب أن يَنْكُل به عن ذلك الفعل. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ لا يُغالَب ﴿حَكِيمُ﴾ فيما يَفعله؛ وقد تقدَّم(٢). السادسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ﴾ شرطٌ، وجوابُه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهٍ﴾. ومعنى ((مِنْ بعدِ ظُلْمِهِ)): من بعدِ السَّرقة؛ فإنَّ الله يتجاوزُ عنه. والقَطْع لا يَسْقُط بالتوبة. وقال عطاء وجماعة: يسقط بالتوبة قبل القُدرة على السارق. وقاله بعضُ الشافعية وعزاه إلى الشافعي قولاً. وتعلّقوا بقول الله تعالى: لا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن [المائدة: ٣٤]، وذلك استثناءٌ من الوجوب، تَقْدِرُواْ عَلَّ فوجبَ حَمْلُ جمیع الحدود علیه. وقال علماؤنا: هذا بعينه دليلُنا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لمَّا ذكَر حذَّ المُحارب قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ﴾ وعطفَ عليه حدَّ السارق، وقال فيه: ﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدٍ ظُلِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيَّةٍ﴾ [المائدة: ٣٩]، فلو كان مثلَه في الحكم ما غايرَ الحُكْمَ بينهما. قال ابن العربي(٣): ويا معشرَ الشافعية، سبحان الله! أين الدقائقُ الفِقْهية والحِكَمُ الشرعية التي تَستنبطونها من (٤) غوامضٍ المسائل؟! ألم تَرَوْا إلى المُحارِب المُستبدِّ بنفسه، المُعتدي بسلاحه، الذي يفتقرُ الإمامُ معه إلى الإيجافِ بالخيل (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٠/٢. (٢) ٤٥٣/٣ و٤ /٥٤ . (٣) في أحكام القرآن ٢/ ٦١٠ - ٦١١، وما قبله منه. (٤) في النسخ الخطية وأحكام القرآن: في، والمثبت من (م). ٤٧٣ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ والرِّكاب؛ كيف أسقطَ جزاءَه بالتوبة استنزالاً عن تلك الحالة، كما فَعَلَ بالكافر في مغفرةٍ جميع ما سلفَ استئلافاً على الإسلام؛ فأما السارقُ والزاني وهما في قبضةِ المسلمين، وتحت حُكم الإمام، فما الذي يُسقط عنهم حُكْمَ ما وجبَ عليهم؟ أو كيف يجوز أن يقال: يقاسُ على المحارب، وقد فرَّقَتْ بينهما الحِكمة والحالة؟ هذا ما لا يليقُ بمثلكم يا معشر المُحقّقين. وإذا ثبتَ أن الحدَّ لا يَسقطُ بالتوبة، فالتوبةُ مقبولةٌ، والقَطْعُ كفارةٌ له. (وَأَصْلَحَ)) أي: كما تابَ عن السرقةِ تابَ عن كل ذَنْب. وقيل: ((وَأَصْلَحَ)): تركَ (١) المعصيةَ بالكُلِّية، فأما مَن تركَ السرقةَ بالزّنى، أو التهوُّدَ بالتنصُّر، فهذا ليس توبةٌ(٢)، وتوبةُ الله على العبد أن يُوفَّقَه للتوبة. وقيل: أن يقبل منه التوبةَ. السابعة والعشرون: يقال: بدأ اللهُ بالسارق في هذه الآية قبلَ السارقة، وفي الزِّنى بالزانية قبلَ الزَّاني، ما الحِكْمةُ في ذلك؟ فالجوابُ أن يقال: لمَّا كان حبُّ المال على الرجال أغلبَ، وشهوةُ الاستمتاع على النساء أغلبَ بدأ بهما في الموضعين؛ هذا أحدُ الوجوه في المرأة على ما يأتي بيانُه في سورة النور من البداية بها على الزاني إن شاء الله. ثم جعلَ اللهُ حدَّ السَّرقة قَظْعَ اليد لِتناول المال، ولم يجعلْ حدَّ الزِّنِى قَطْعَ الذَّكَر مع مُواقعة الفاحشة به لثلاثة معانٍ: أحدها: أن للسارقِ مِثْلَ يدِه التي قُطعت، فإن انزجرَ بها؛ اعتاضَ بالثانية، وليس للزاني مِثْلُ ذَكَرِه إذا قُطِعَ، فلم يعتض بغيره لو انزجَرَ بِقَطْعه. الثاني: أن الحدَّ زَجْرٌ للمحدود وغيره، وقَطْعُ اليد في السرقة ظاهرٌ، وقَظْعُ الذَّكَر في الزِّنى باطنٌّ. الثالث: أن قَطْعِ الذَّكَر فيه إيطالٌ للنسل، وليس في قَطع اليد إيطالُه(٣). والله أعلم. (١) في (م): أي: ترك. (٢) في (م): بتوبة. (٣) النكت والعيون ٣٥/٢ . ٤٧٤ سورة المائدة: الآيتان ٤٠ - ٤١ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُمْ مُلْكُ السَمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآيةَ. خطابٌ للنبيّ ﴾ وغيره، أي: لا قرابةَ بين الله تعالى وبين أحدٍ توجب المحاباةَ، حتى يقول قائل: نحن أبناءُ الله وأحباؤه، والحدودُ تُقام على كلِّ مَن يُقارف موجِبَ (١) الحدِّ. وقيل: أي: له أن يحكم بما يُريد؛ فلهذا فرَّق بين المحارِب وبين السارق غيرٍ (٢) المحارب. وقد تقدَّم نظائرُ هذه الآيةِ(٣) والكلامُ فيها، فلا معنى لإعادتها. واللهُ الموفّق. هذا ما يتعلق بآية السرقة من بعض أحكام السرقة. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ الْكُفْرِ مِنَ اُلَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوَكٌ يُحِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ. يَقُولُونَ إِنْ أُوتِلِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَّ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَمْ ٤١ فِي الدُّنْيَا خِزِىٌّ وَلَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٠ فيه ثمان مسائلَ : الأولى: قوله تعالى: ﴿يََّأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ﴾ الآية. في سبب نزولها ثلاثةُ أقوال : قيل: نزلت في بني قُرَيْظة والنَّضِير؛ قَتَل قُرَظيٌّ نَضِيريًّا، وكان بنو النَّضِير إذا قَتلوا من بني قُرَيظة لم يُقِيدُوهم، وإنما يُعطونهم الدِّيَةَ، على ما يأتي بيانُه (٤)، فتحاكموا إلى (١) قوله: موجب، ليس في (ظ). (٢) في النسخ الخطية: وغير، والمثبت من (م). (٣) ٣١١/٢. (٤) عند تفسير الآية (٤٥) من هذه السورة . ٤٧٥ سورة المائدة: الآية ٤١ النبيِّ #، فحكم بالتسوية (١) بين القُرَظيِّ والنَّضيريِّ، فساءَهم ذلك ولم يقبلوا(٢). وقيل: إنها نزلت في شأنٍ أبي لُبابةَ حين أرسلَه النبيُّ ﴾ إلى بني قُرَيظة، فخانَه حين أشارَ إليهم (٣) أنه الذبحُ(٤). وقيل: إنها نزلت في زنى اليهوديَّين وقصةِ الرجم. وهذا أصحُ الأقوال، رواه الأئمةُ: مالكٌ والبخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ وأبو داود (٥). قال أبو داود: عن جابر بنِ عبد الله، أنَّ النبيَّ :﴿ قال لهم: ((ائتوني بأعلمٍ رجلينٍ منكم)) فجاؤوا بابنَيْ صُورِيَا، فَنَشَدَهما اللهَ تعالى: ((كيف تجدانِ أمرَ هذينٍ في التوراة؟)) ؟ قالا: نجدُ في التوراةِ: إذا شهد أربعةٌ أنهم رأوا ذَكَرَه في فَرْجِها كالمِرودِ في المُكْحُلِةِ، رُجِما. قال: ((فما يمنعُكما أن ترجموهما؟)) قالا: ذهب سلطانُنا، فكرهنا القتل. فدعا النبيُّ # بالشهود(٦)، فجاؤوا، فشهدوا أنَّهم رأَوا ذَكَرَه في فرجها مثلَ المِيلِ في المُكْحُلة، فأمر النبيُّ # برجمهما(٧). (١) في (د) و(ز): بالسوية. (٢) أخرجه أبو داود (٤٤٩٤)، والنسائي ١٨/٨، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وينظر مسند أحمد (٢٢١٢) و(٣٤٣٤). (٣) في النسخ الخطية: عليهم، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المصادر على ما يأتي. (٤) أخرجه الطبري ٤١٣/٨، وابن أبي حاتم (٦٣٥٣) عن السُّدي. وضعف هذا القول ابن العربي في أحكام القرآن ٦١٧/٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٩١/٢. (٥) موطأ مالك ٨١٩/٢، وصحيح البخاري (٦٨١٩)، وصحيح مسلم (١٦٩٩)، وسنن الترمذي (١٤٣٦)، وسنن أبي داود (٤٤٤٦)، وهو من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بذكر قصة اليهوديين وقصة الرجم دون ذكر الآية، قال أبو العباس في المفهم ١٠٩/٥ بإثر الحديث: وعليه يدل مساق قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾ إلى آخر الآيات . اهـ. وسيذكره المصنف رحمه الله من حديث البراء - وهو عند مسلم - وفيه ذكر الآية. (٦) في النسخ الخطية: باليهود، وهو تصحيف ذكره الزيلعي في نصب الراية ٤/ ٨٥ . (٧) سنن أبي داود (٤٤٥٢)، وهو من طريق مجالد، عن الشعبي، عن جابر به. قال الزيلعي في نصب الراية ٤/ ٨٥: وقال في التنقيح: قوله في الحديث: فدعا بالشهود فشهدوا، زيادة في الحديث تفرد بها مجالد، ولا يحتج بما ينفرد به. وسلف الحديث ١٣٨/٦. ٤٧٦ سورة المائدة: الآية ٤١ وفي غير ((الصحيحينِ)): عن الشعبيٍّ، عن جابرِ بنِ عبد الله قال: زنى رجلٌ من أهل فَدَكَ، فكتب أهلُ فَدَكَ إلى ناسٍ من اليهود بالمدينة أنْ سَلُوا محمَّداً عن ذلك، فإنْ أمرَكم بالجَلْد، فخذوه، وإنْ أمركم بالرجم فلا تأخذوه، فسألوه، فدعا بابن صُورِيَا، وكان عالِمَهم وكان أعورَ، فقال له رسولُ الله﴾: ((أَنْشدُك الله، كيف تجدون حدَّ الزاني في كتابِكم؟» فقال ابن صُورِيًا: فأمَّا إذ ناشَدْتَني الله، فإنَّا نجدُ في التوراة أنَّ النظرَ زَنْيةٌ، والاعتناقَ زَنْيَةٌ، والقُبلةَ زَنْيَةٌ، فإن شهد أربعةٌ بأنهم رأوا ذكره في فرجِها(١) كالميل(٢) في المُكْحُلة؛ فقد وجبَ الرَّجمُ. فقال النبيُّ ﴾: ((هو ذاك))(٣). وفي (صحيح)) مسلم(٤) عن البراءِ بنِ عازِب قال: مُرَّ على النبيِّ # بيهوديّ مُحمَّماً (٥) مَجلوداً، فدعاهم فقال: ((هكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟)) قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: ((أَنْشُدك بالله الذي(٦) أَنزلَ التوراةَ على موسى أهكذا(٧) تجدونَ حدَّ الزاني في كتابكم؟)) قال: لا، ولولا أنَّك نَشدتَني بهذا لم أُخبرك، نَجِدُه الرجمَ، ولكنه كَثُر في أشرافنا، فكنَّا إذا أخَذْنا الشريفَ تَرَكْناه، وإذا أخَذْنا الضعيفَ أقمنا عليه الحدَّ، قُلنا: تَعالَوا فلنجتمع على شيءٍ نُقِيمُه على الشريف والوضيع، فجعلنا التَّحمِيمَ والجَلْدَ مكانَ الرجم، فقال رسول الله﴾: «اللهمَّ إني أوَّلُ مَنْ أحيا أمرَك إذْ أماتُوه». فَأَمَرَ به فرُجِمَ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِتُرْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾. يقول: ائتوا محمداً، فإنْ أمَرَكم بالتحميمِ والجَلْدِ، فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحْذَرُوا، (١) في (ظ): رأوه، بدل: رأوا ذكره في فرجها. (٢) في (م): مثل الميل. (٣) أخرجه الحميدي (١٢٩٤). (٤) برقم (١٧٠٠). (٥) محمماً: أي: مسود الوجه من الحُمَمَة: الفَحْمة. النهاية (حمم). (٦) في (ظ): أنشدك بالذي. (٧) في النسخ الخطية: هكذا، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في صحيح مسلم. ٤٧٧ سورة المائدة: الآية ٤١ فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَّْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اَلْفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٤ و٤٥ و٤٧] في الكفار كُلُّها(١). هكذا في هذه الرواية: مُرَّ على النبيّ ﴾. وفي حديث ابن عمر: أُتِي بيهوديٍّ ویهودیةٍ قد زنيا، فانطلقَ رسول الله ﴾ حتى جاء يهودَ، قال: ((ما تَجِدُون في التوراة على مَنْ زَنَى؟)) الحديثَ(٢). وفي رواية: أن اليهودَ جاؤوا إلى رسول الله # برجل وامرأةٍ قد زَنَيا(٣). وفي (كتاب)) أبي داود(٤) من حديث ابن عمر قال: أَتَّى نفرٌ من يهودَ، فدَعَوْا رسولَ الله ﴾ إلى القُفِّ(٥)، فأتاهم في بيت المِذْراس(٦)، فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلاً مِنَّا زَنَى بامرأة، فاحكم بينهم (٧). ولا تَعارُضَ في شيءٍ من هذا كلِّه، وهي كلُّها قصةٌ واحدة، وقد ساقَها أبو داود من حديث أبي هريرة سِياقةً حسنةً(٨)، فقال: زنى رجلٌ من اليهود وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبيِّ، فإنه نبيٌّ بُعث بالتخفيفات(٩)، فإنْ أفتى بالفُتيا دون الرجم؛ قبلناها واحتَجَجنا بها عند الله، وقلنا: فُتيا نبيٍّ من أنبيائك. قال: فَأَتَوُا النبيَّ # وهو جالسٌ في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى (١) قوله: كلها، من (م)، وليس في باقي النسخ. (٢) أخرجه البخاري (٦٨١٩) ومسلم (١٦٩٩): (٢٦) وسلف بداية المسألة. (٣) أخرج رواية ابن عمر هذه مالك في الموطأ (١٧٥٥) برواية أبي مصعب الزهري، والبخاري (١٣٢٩)، ومسلم (١٦٩٩): (٢٧). (٤) برقم (٤٤٤٩). (٥) بياض في (٥)، والقُّفُّ عَلَمْ لِوادٍ من أودية المدينة، عليه مالٌ لأهلها. معجم البلدان ٣٨٣/٤ . (٦) هي كنيسة اليهود، والجمع: مداريس، مثل: مفتاح ومفاتيح. المصباح المنير (درس). (٧) في (م): بيننا. (٨) سنن أبي داود (٤٤٥٠). وأخرجه أحمد مختصراً (٧٧٦١)، وهو من طريق رجل من مزينة عن أبي هريرة. قال المنذري في مختصر السنن ٦/ ٢٦٥: فيه رجل من مزينة، وهو مجهول. (٩) في سنن أبي داود: بالتخفيف. ٤٧٨ سورة المائدة: الآية ٤١ في رجل وامرأةٍ زَنَيا(١)؟ فلم يكلِّمهم النبيُّ ﴾ حتى أتى بيتَ مِذْرَاسهم، فقام على الباب، فقال: ((أَنْشُدُكُمْ بالله الذي أنزل التوراةَ على موسى، ما تجدون في التوراة على مَن زنى إذا أُحْصِن؟)) قالوا: يُحَمَّم ويُجَبَّهُ ويُجْلد(٢) - والتَّجْبِيهُ أن يُحمل الزانيان على حمارٍ، وتُقابَلَ أقفيتُهما، ويطافَ بهما - قال: وسكت شابٌّ منهم، فلما رآه النبيُّ # سكتَ، أَلَّ به النَّشْدَةَ(٣)؛ فقال: اللهمَّ إذْ نَشَدْتَنا، فإنا نجدُ في التوراة الرَّجْمَ. وساق الحديث إلى أن قال: قال النبيُّ ﴾: ((فإني أحكُمُ بما في التوراة)). فَأَمَرَ بهما فرُجِما(٤). الثانية: والحاصل من هذه الرواياتِ أن اليهودَ حَكَّمت النبيَّ ﴾، فَحكم عليهم بمقتضى ما في التوراة، واستند في ذلك إلى قول ابنَي صُورِيَا، وأنه سمع شهادةَ اليهود وعمل بها، وأن الإسلام ليس شرطاً في الإحصانِ. فهذه مسائلُ أربع. فإذا تَرافَعَ أهلُ الذِّمَّة إلى الإمام؛ فإن كان ما رفعوه ظلماً كالقتل والعدوانِ والغصبِ؛ حَكَم بينهم، ومَنعهم منه بلا خلاف، وأمَّا إذا لم يكن كذلك، فالإمامُ مخَيَّر في الحكم بينهم وتركِه عند مالك والشافعي، غيرَ أن مالكاً رأى الإعراضَ عنهم أَوْلى، فإن حَكُم؛ حَكَم بحكم الإسلام(٥). ·وقال الشافعيُّ: لا يحكم بينهم في الحدود. وقال أبو حنيفة: يحكم بينهم على كلِّ حال. وهو قول الزُّهْريِّ وعمرَ بنِ عبد العزيز والحكم، وروي عن ابن عباس، وهو أحدُ قولَي الشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ أَنزَلَ اَللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] على ما يأتي بيانه بعدُ(٦). احتجَّ مالك بقوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَأَعْكُمُ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ (١) في (م): منهم زنيا. (٢) في (ظ) و(د): يحمم وجهه ويجلد، وفي (م): يحمم وجهه ويجبه ويجلد، والمثبت من (ز) وسنن أبي داود، وقد سقط هذا القسم من (خ). (٣) ألظ به النشدة: معناه القسم، وألح عليه في ذلك. معالم السنن ٣٢٨/٣ . (٤) في (ظ) و(د): فرجمهما. (٥) المفهم ١١٠/٥. (٦) ص٤٨٨ من هذا الجزء . ٤٧٩ سورة المائدة: الآية ٤١ [المائدة: ٤٢]، وهي نصٌّ في التخيير(١). قال ابن القاسم: إذا جاء الأساقفةُ والزانيان؛ فالحاكم مخيَّر؛ لأنَّ إنفاذ الحُكم حقٌّ للأساقفة. والمخالفُ يقول: [إذا حكّم الزانيان الإمام جاز إنفاذُه الحكمَ، و] لا يلتفت إلى الأساقفة. قال ابن العربي(٢): وهو الأصحُ؛ لأنَّ مسلِمَينٍ لو حَكَّما بينهما رجلاً لنفذَ [حکمه]، ولم يُعتبر رضا الحاكم، فالکتابیُّون بذلك أولى. وقال عيسى عن ابن القاسم: لم يكونوا أهلَ ذمةٍ؛ إنما كانوا أهل حرب. قال ابن العربي: وهذا الذي قاله عيسى عنه إنما نَزَع به لِمَا رواه الطَّبَريُّ وغيره؛ أنَّ الزانيَين كانا من أهل خَيْبَر أو فَدَك. وكانوا حرباً لرسول الله ﴾. واسمُ المرأة الزانية بُسْرة(٣)، وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة يقولون لهم: اسألوا محمداً عن هذا، فإن أفتاكم بغير الرجم فخذوه منه واقبلوه، وإن أفتى(٤) به فاحذروه. الحديث(٥). قال ابن العربي: وهذا لو كان صحيحاً؛ لكان مجيئُهم بالزانيَين وسؤالُهم عهداً وأماناً، وإن لم يكن عهدَ ذمة ودارٍ (٦)؛ لكان له حُكمُ الكفّ عنهم والعدل(٧) فيهم، فلا حجةً لرواية عيسى في هذا، وعنهم أخبرَ الله تعالى بقوله: ﴿سَنَّعُونَ لِلْكَذِپ سَنَعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُولٌ﴾. ولمَّا حكَّموا النبيَّ ◌َ﴿ نَفَذَ الحکمُ علیھم، ولم یکن لهم الرجوعُ، فكلُّ مَن حگّم رجلاً في الدين وهي: الثالثةُ: فأصلُه هذه الآيةُ. قال مالكٌ: إذا حكّم رجلٌ رجلاً فحكمُه ماضٍ، وإن (١) المفهم ١١٠/٥. (٢) في أحكام القرآن ٦١٨/٢، وما قبله وبين حاصرتين منه، وكذلك ما سيأتي. (٣) تفسير الطبري ٤٢١/٨، وقد أخرج هذا الخبر مطولاً عن السدي. (٤) في (د) و(ز) و(م): أفتاكم، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في أحكام القرآن. (٥) سلف نحوه ١٧٧/٦ من حديث جابر ﴾. (٦) في (د) و(م): وإن لم يكن عهد وذمة ودار، وفي (ز) و(ظ): وإن لم يكن عهد وذمة ودان، والمثبت من أحكام القرآن. (٧) في (ظ): والعذاب. ٤٨٠ سورة المائدة: الآية ٤١ رُفع إلى قاضٍ أمضاهُ، إلَّا أن يكون جَوْراً بَيِّناً. وقال سُخنون: يُمضيه إن رآه(١). قال ابن العربي: وذلك في الأموال والحقوق التي تختصُّ بالطالب، فأما الحدودُ فلا يَحكم فيها إلا السلطانُ، والضابطُ أنَّ كلَّ حقِّ اختصَّ به الخصمان جاز التحكيم(٢) فيه، ونَفَذَ تحكيم المحكّم فيه. وتحقيقُه: أن التحكيم بين الناس إنما هو حقُّهم لا حقُّ الحاكم، بَيْدَ أنَّ ١ الاسترسال على التحكيم خَرْمٌ لقاعدة الولاية، ومُؤدِّ(٣) إلى تَهَارُج الناس تَهارُجَ الحُمُرِ، فلابدَّ من فاصِلٍ، فَأَمَر الشرع بنَصْب الوالي ليحسم قاعدة الهَرْج، وأَذِن في التحكيم تخفيفاً عنه وعنهم في مشقةِ التَّرافُع؛ لتتمَّ المصلحتان وتحصلَ الفائدة. وقال الشافعيُّ وغيره: التحكيم جائز، وإنما هو فتوى. وقال بعض العلماء: إنما كان حُكْمُ النبيِّ﴾ على اليهود بالرجم إقامةً لحُكم كتابهم؛ لمَّا حرَّفوه وأخفَوْه وتركوا العملَ به، ألا ترى أنه قال: ((اللهمَّ إنِّي أولُ مَن أحيا أمرَك إذ أماتوه))(٤) [وأيضاً فإن النبيَّ ﴾ لم يكن بعدُ نزل عليه حكمُ الزاني، ولذلك جاء في بعض طرق هذا الحديث] أنَّ(٥) ذلك كان حين قدم المدينة(٦)، ولذلك استَثْبَتَ ابنَيْ صُورِيًا عن حكم التوراة، واستحلفهما على ذلك. وأقوالُ الكفار في الحدود وفي شهادتهم عليها غيرُ مقبولة بالإجماع، لكنْ فَعَلَ ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به. (١) في (م): يمضيه إن رآه صواباً، وقوله: إن رآه، ليس في (ظ)، والمثبت من (د) و(ز) وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ٦١٩/٢ وقوله بعده فيه. (٢) في النسخ الخطية: التحكم، والمثبت من (م) وأحكام القرآن. (٣) في النسخ الخطية: ومورد، والمثبت من (م) وأحكام القرآن. (٤) سلف ص٤٧٦ من هذا الجزء . (٥) في النسخ: وأن، والمثبت من المفهم ١١١/٥ ، وما بين حاصرتين منه. (٦) أخرجه أبو داود (٤٤٥١) من حديث أبي هريرة، وقد سلف براوية أخرى ص ٤٧٧ من هذا الجزء.