Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
سورة المائدة: الآية ٦
وأهلُ العلمِ يكرهون للمتوضِّئ تركَ مسح أذنيه، ويجعلونه تاركَ سُنةٍ من سننٍ
النبيِّ #، ولا يُوجبون عليه إعادةً إلا إسحاق؛ فإنه قال: إنْ تركَ مَسْحَ أذنيه لم يجزه.
وقال أحمد: إنْ ترَكَهما عمداً أحببتُ أنْ يُعيدَ.
ورُوي عن عليّ بنِ زيادٍ من أصحاب مالكِ أنه قال: من تَرك سنةً من سنن
الوضوءِ أو الصلاةِ عامداً؛ أعاد؛ وهذا عند الفقهاءِ ضعيفٌ، وليس لقائله سلفٌ، ولا
له حظّ من النّظرَ، ولو كان كذلك لم يُعرف الفرضُ الواجبُ من غيره؛ والله أعلم (١).
احتجَّ من قال: هما من الوجه بما ثبت عن النبيِّ # أنه كان يقول في سجوده:
((سَجَدَ وجهي للذي خَلَقَه وصوَّرَه، وشَقَّ سَمْعَه وبَصَرَه))(٢)، فأضافَ السَّمعَ إلى
الوجه، فثبَتَ أنْ يكونَ لهما حكمُ الوجه.
وفي مصنَّف أبي داود من حديث عثمانَ(٣): فغسل بطونَهما وظهورَهما مرَّةً واحدةً،
ثم غسل رجليه، ثم قال: أين السائلونَ عن الوضوء؟ هكذا رأيتُ رسولَ اللهِل ◌َ# يتوضأ.
احتجَّ من قال: يُغسل(٤) ظاهرُهما مع الوجه، وباطنُهما يُمسحُ مع الرأسِ؛ بأنَّ(٥)
اللهَ عزَّ وجلَّ قد أمرَ بغسل الوجهِ، وأَمر بمسح الرأسِ، فما واجَهَكَ من الأذنين
وجَبَ غسلُه؛ لأنه من الوجه، وما لم يواجهْك وجبَ مسحُه؛ لأنه من الرأس، وهذا
تردُّه الآثارُ بأنَّ النبيَّ :﴿ كان يَمسحُ ظاهرَ أذنيه وباطنَهما من حديث عليٍّ وعثمانَ وابنٍ
عباس والرُّبِيِّع وغيرِهم(٦).
(١) التمهيد ٣٧/٤ - ٣٨.
(٢) أخرجه أحمد (٧٢٩)، ومسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ه مطولاً، وأخرجه أيضاً أحمد
(٢٤٠٢٢)، وأبو داود (١٤١٤)، والترمذي (٥٨٠)، والنسائي في المجتبى ٢٢٢/٢، وفي الكبرى
(٧١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٣) سنن أبي داود (١٠٨).
(٤) في (ظ): بغسلٍ، وسقطت هذه الكلمة من (ز)، والمثبت من (د) و(م).
(٥) في النسخ: أن، والمثبت من (م).
(٦) ينظر التمهيد ٣٩/٤ - ٤٠. وحديث علي # أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣٢/١، وحديث
عثمان ه سلف قريباً، وحديث ابن عباس أخرجه الترمذي (٣٦)، والنسائي ١/ ٧٤ ، وابن ماجه =

٣٤٢
سورة المائدة: الآية ٦
احتجَّ من قال: هما من الرأس، بقوله ﴾ من حديث الصُّنَابِحِيّ: ((فإذا مسح رأسَه
خرجت الخطايا من رأسه حتَّى تخرجَ من أذنيه)) الحديث. أخرجه مالك(١).
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قرأ نافع وابنُ عامر والكسائيُّ:
(وَأَرْجُلَكُمْ)) بالنصب، ورَوى الوليد بنُ مسلم عن نافعٍ أنه قرأ: ((وَأَرْجُلُكُمْ)) بالرّفع،
وهي قراءةُ الحسنِ والأعمشِ سليمانَ(٢)، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزةُ:
(وَأَرْجُلِكُمْ)) بالخفض(٣)، وبحسب هذه القراءاتِ اختلف الصحابةُ والتابعون؛ فمن
قرأ بالنصب جَعل العاملَ: ((اغْسِلُوا))، وبَنَى على أنَّ الفرضَ في الرِّجلَيْنِ الغَسلُ دون
المسحِ، وهذا مذهبُ الجمهورِ والكافَّةِ من العلماء، وهو الثابتُ من فِعل النَّبِيِّ ﴾،
واللازمُ من قوله في غير ما حديث، وقد رأى قوماً يتوضؤون وأعقابُهم تَلُوح، فنادى
بأعلى صوته: ((ويلٌ للأعقاب من النار، أَسبِغوا الوُضوءَ))(٤).
ثم إنَّ اللهَ حدَّهما، فقال: ((إلى الكَعْبَيْنِ))، كما قال في اليدين: ((إلى المَرَافِقِ)»،
= (٤٣٩)، وحديث الرُبَيِّع أخرجه أحمد (٢٧٠٢٢)، وسلف في المسألة العاشرة. وفي الباب عن البراء
ابن عازب ﴾ أخرجه أحمد (١٨٥٣٧).
(١) في الموطأ ٣١/١. وأخرجه أيضاً أحمد (١٩٠٦٨)، والنسائي في المجتبى ٧٤/١، وفي الكبرى
(١٠٧)، وابن ماجه (٢٨٢). ووقع اسمُ الصُّنابحي في الحديث: عبد الله، وسيذكر المصنف في
المسألة الحادية والثلاثين أن الصواب فيه هو أبو عبد الله الصُّنابحي واسمه عبد الرحمن بن عُسيلة،
وينظر بسط الكلام على ذلك في مسند أحمد قبل الحديث (١٩٠٦٣).
(٢) القراءات الشاذة ص٣١، والمحتسب ٢٠٨/١، وأحكام القرآن لابن العربي ٥٧٤/٢، وعنه نقل
المصنف. قال ابن جني: ورفعه بالابتداء، والخبر محذوف، أي: وأرجلُكم واجبٌ غسلها.
(٣) ووافقهم عاصم في رواية شعبة، وقرأ حفص بالنصب. السبعة ص٢٤٢ - ٢٤٣ . والتيسير ص٩٨ .
(٤) أخرجه أحمد (٦٨٠٩)، والبخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص
رضي الله عنهما. وأخرجه أحمد (٧١٢٢)، والبخاري (١٦٥)، ومسلم (٢٤٢) عن أبي هريرة ﴾ قال:
أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم # قال: ((ويل للأعقاب من النار)). وفي الباب عن عائشة رضي الله عنها
عند أحمد (٢٤١٢٣)، ومسلم (٢٤٠)، وعن علي ﴾ عند أحمد (٥٨٢) وأبي يعلى (٤٨٤)، وعن جابر
ابن عبد الله رضي الله عنهما عند أحمد (١٤٣٩٢) وابن أبي شيبة ٢٦/١، وعن خالد بن الوليد ﴾ عند
ابن ماجه (٤٥٥)، وعن أبي أمامة عند الطبراني في الكبير (٨١٠٩) وهو من الأحاديث المتواترة،
ينظر قطف الأزهار المتناثرة للسيوطي (١٦).

٣٤٣
سورة المائدة: الآية ٦
فدلَّ على وجوب غَسلِهما؛ والله أعلم.
ومن قرأ بالخفض جَعل العاملَ الباءَ(١).
قال ابن العربي (٢): اتفقت الأمة(٣) على وجوب غسلِهما، وما عَلمتُ من رَدَّ
ذلك سوى الطبَريّ(٤) من فقهاء المسلمين، والرَّافضةِ من غيرهم، وتعلَّق الطبريُّ
بقراءة الخفض.
قلت: قد رُوي عن ابن عباس أنه قال: الوضوءُ غسلتانِ ومسحتانِ.
ورُوي أنَّ الحَجَّاجِ خَطب بالأهْوَازِ، فذكر الوضوءَ، فقال: اغسِلُوا وجوهكم
وأيديَكم، وامسَحوا برؤوسكم وأرجلكم، فإنه ليس شيءٌ من ابن آدمَ أقرب من
خبثه(٥) من قدميه، فاغسلوا بطونَهما وظهورَهما وعَراقيبَهما. فسمع ذلك أنس بنُ
مالك، فقال: صدَق الله، وكذَبَ الحجّاجُ؛ قال الله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم
وأرجلِكم﴾. قال: وكان إذا مسح رجليه بلَّهما، ورُوي عن أنس أيضاً أنه قال: نزل
القرآنُ بالمسح والسُّنةُ بالغَسْلِ.
وكان عِكرمةُ يمسحُ رجليه، وقال: ليس في الرجلين غَسْلٌ، إنما نزل فيهما
المسح.
وقال عامر الشَّعبيُّ: نزل جبريلُ بالمسح؛ ألا(٦) ترى أنَّ التيممَ يُمسحُ فيه ما كان
غَسْلاً، ويُلغى ما كان مَسْحاً.
وقال قتادةُ: افترض الله غَسلتين ومَسحتين.
(١) ينظر المحرر الوجيز ١٦٣/٢.
(٢) في القبس ١٢٣/١، وينظر أحكام القرآن له ٢/ ٥٧٥ .
(٣) في (د) و(م): العلماء، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق للقبس.
(٤) في تفسيره ١٩٨/٨ - ٢٠٠ .
(٥) في (د) و(ز): جثته، وفي (ظ): جنبه، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمصادر.
(٦) في (د) و(ز): ألم، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٦٣/٢، والكلام منه،
وأخرج هذه الأقوال الطبري ٨/ ١٩٥ - ١٩٦ .

٣٤٤
سورة المائدة: الآية ٦
وذهب ابن جرير الطبريُّ(١) إلى أنَّ فرضَهما التخييرُ بين الغسلِ والمسحِ، وجَعلَ
القراءتین کالروايتين
قال النحاس(٢): ومن أحسنٍ ما قيل فيه: إنَّ المسحَ والغسلَ واجبان جميعاً،
فالمسح واجبٌ على قراءة مَن قرأ بالخفض، والغسلُ واجبٌ على قراءة من قرأ
بالنصب، والقراءتان بمنزلة آيتين.
قال ابن عطية(٣): وذهب قومٌ ممن يقرأ بالكسر إلى أنَّ المسحَ في الرّجلين هو
الغَسْلُ.
قلت: وهو الصحيحُ؛ فإنَّ لفظَ المسحِ مُشترٌ، يُطلَق بمعنى المسح، ويُطلَق
بمعنى الغَسْلِ.
قال الهرويُّ: أخبرنا الأزهريُّ: أخبرنا أبو بكر محمد بنُ عثمانَ بنِ سعيد
الدَّارِيُّ، عن أبي حاتمٍ، عن أبي زيد الأنصاريِّ قال: المسحُ في كلام العربِ يكون
غَسْلاً، ويكونُ مَسْحاً، ومنه يقال للرجل إذا توضَّأ، فغَسل أعضاءه: قد تَمَسَّح (٤)؛
ويقال: مَسَحَ اللهُ ما بك: إذا غسلَك وطهَّركَ من الذنوب.
فإذا ثبت بالنقل عن العرب أنَّ المسحَ يكونُ بمعنى الغسلِ، فترجَّحَ قولُ من قال:
إنَّ: المرادَ بقراءة الخفضِ الغَسلُ؛ بقراءة النصبِ التي لا احتمالَ فيها، وبكثرة
الأحاديثِ الثَّابتةِ بِالغَسل، والتوعُد على ترك غَسلِها في أخبارٍ صحاحٍ لا تُحصى كثرةً
أخرجها الأئمة(٥).
ثم إنَّ المسحَ في الرأس إنما دخل بين ما يُغْسَل لبيان التَّرتيبِ على أنه مفعولٌ قبلَ
(١) في تفسيره ١٩٨/٨ - ٢٠٠، وانظر أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٧٥ .
(٢) في إعراب القرآن ٩/٢.
(٣) في المحرر الوجيز ١٦٣/٢.
(٤) ينظر معاني القرآن للنحاس ٢٧٢/٢، وتهذيب اللغة ٣٥١/٤ - ٣٥٢، والإيضاح لمكي ص٢٦٦ ،
والمحرر الوجيز ١٦٣/٢ .
(٥) سلف تخريجها أول هذه المسألة.

٣٤٥
سورة المائدة: الآية ٦
الرّجْلين؛ التقدير: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين،
وامسحوا برؤوسكم؛ فلما كان الرأسُ مفعولاً قبلَ الرِّجلين قُدِّم عليهما(١) في التِّلاوة
- والله أعلم - لا(٢) أنهما مشتركانِ مع الرأسِ لتقدُّمه عليهما في صفة التطهيرِ(٣).
وقد رَوى عاصم بنُ كُلَيبٍ عن أبي عبد الرحمن السُّلَميِّ قال: قرأ الحسن
والحسينُ - رحمةُ اللهِ عليهما - عليَّ: ((وَأَرْجُلِكُمْ))، فسمِع عليٍّ ذلك، وكان يقضي بين
الناس، فقال: ((وَأَرْجُلَكُمْ)) هذا من المقدَّم والمؤخّرِ من الكلام.
ورَوى أبو إسحاقَ عن الحارث، عن عليٍّ ﴾ قال: اغسِلوا الأقدامَ إلى الكعبين.
وكذا رُوي عن ابن مسعودٍ وابنِ عباس أنهما قرآ: ((وَأَرْجُلَكُمْ)) بالنصب(٤).
وقد قيل: إنَّ الخفضَ في الرجلين إنما جاء مقيِّداً لمسحهما، لكن إذا كان عليهما
خُفَّان، وتلقّينا هذا القيدَ من رسولِ اللهِ ﴾، إذْ لم يصحَّ عنه أنه مسَح رجليه إلا
وعليهما خُفّان، فبَيَّن ◌َ﴿ بفعله الحالَ التي تُغسل(٥) فيه الرِّجلُ، والحالَ التي تُمسح
فيه(٦)، وهذا حسنٌ(٧).
فإن قيل: إنَّ المسحَ على الخفين منسوخٌ بسورة المائدةِ، وقد قاله ابنُ عباس،
وردَّ المسحَ أبو هريرة وعائشة (٨)، وأنكره مالكٌ(٩) في رواية عنه (١٠).
(١) في النسخ: عليها، والمثبت من (م).
(٢) في النسخ: إلا، والمثبت من (م).
(٣) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٧٥ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٢٧٣/٢ - ٢٧٤، وأخرج هذه الآثار الطبري ١٩١/٨ - ١٩٣، وانظر الأوسط
٤١٠/١ - ٤١١ .
(٥) في (د) و(ز): يغسل.
(٦) المفهم ١ / ٤٩٦ .
(٧) في (د) و(ز): أحسن.
(٨) أخرج هذه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ١٨٥ - ١٨٦ .
(٩) ينظر النوادر والزيادات ٩٣/١، والمفهم ٥٢٧/١.
(١٠) قوله: في رواية عنه، من (م).

٣٤٦
سورة المائدة: الآية ٦
فالجوابُ أنَّ من نَفَى شيئاً، وأثبتَه غيرُه، فلا حجةَ للنافي، وقد أَثبت المسحَ على
الخُفّين عددٌ كثيرٌ من الصحابة وغيرِهم(١)، وقد قال الحسن: حدَّثني سبعون رجلاً من
أصحاب النَّبيِّ ﴾ أنهم مسحوا على الخفين (٢).
وقد ثبت بالنقل الصَّحيح عن همَّام قال: بَالَ جَرِيرٌ، ثم توضَّأ ومسح على خُفَّيه؛
قال(٣): وإنَّ رسولَ اللهِ ﴾ بال، ثم توضأ ومسح على خُفَّيه. قال إبراهيم النَّخعيُّ:
كان يُعجِبهم هذا الحديثُ؛ لأنَّ إِسلامَ جريرٍ كان بعد نزولِ ((المائدة)) وهذا نصٌّ يردُّ ما
ذكروه وما احتجُّوا به من رواية الواقديِّ عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه أنَّ جريراً
أسلمَ في سنةٍ(٤) عشر من شهر رمضانَ، وأنَّ ((المائدة) نزلت في ذي الحجة يومَ
عرفات، وهذا حديثٌ لا يثبتُ لوهاه(٥)، وإنما نزل منها يومَ عرفةَ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ﴾ على ما تقدّم (٦).
قال أحمد بن حنبل: أنا أستحسِنُ حديثَ جَريرٍ في المسح على الخفين؛ لأنَّ
إسلامَه كان بعدَ نزولِ ((المائدة))، وأما ما رُوي عن أبي هريرةَ وعائشةَ رضي الله عنهما،
فلا يصحُ (٧)، أما عائشةُ فلم (٨) يكن عندَها بذلك عِلْمٌ؛ ولذلك رَدَّت السَّائلَ إلى
عليٍّ ﴾، وأحالته عليه، فقالت: سَلْه؛ فإنه كان يسافرُ مع رسولِ الله ◌ِ﴾؛ الحديث(٩).
(١) ينظر الناسخ والمنسوخ ٢٦٤/٢ - ٢٦٦.
(٢) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٤٣٠/١ .
(٣) أي: جرير، ووقع في (د) و(ظ) و(م): قال إبراهيم النخعي، وهو خطأ، والمثبت موافق لمصادر
الحديث كما عند أحمد (١٩١٦٨)، والبخاري (٣٨٧)، ومسلم (٢٧٢)، وسقط من هذا الموضع إلى
قوله: ومسح على خفيه من (ز) وسيرد قول إبراهيم النخعي.
(٤) في (ظ) و(م): ستة، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق الناسخ والمنسوخ ٢٧٠/٢ - ٢٧١ ،
والكلام منه.
(٥) في الناسخ والمنسوخ ٢٧١/٢ : لوهائه.
(٦) ص ٢٩٢ من هذا الجزء .
(٧) ينظر التمهيد ١٣٨/١١، ١٤١.
(٨) في النسخ: لم، والمثبت من (م).
(٩) أخرجه أحمد (٩٦٦)، ومسلم (٢٧٦) وسيذكره المصنف في المسألة العشرين.

٣٤٧
سورة المائدة: الآية ٦
وأمّا مالكٌ فما رُوي عنه من الإنكارِ، فهو مُنْكَرٌ لا يصِحُ، والصحيحُ ما قاله عندَ
موتِه لابن نافع؛ قال: [المسح على الخفين في الحضر والسفر صحيح يقين،] إلا أني
كنتُ آخذٌ في خاصَّة نفسي بالطهور، ولا أَرى مَن مَسح مُقَصِّراً فيما يجبُ عليه. وعلى
هذا حَمل أحمد بن حنبل ما رواه ابنُ وهب عنه أنه قال: لا أَمسحُ في حضرٍ ولا سفرٍ.
قال أحمد (١): كما رُوي عن عمر (٢) أنه أمرهم أنْ يمسحوا خِفافَهم، وخَلع هو،
وتوضأ وقال: حُبِّب إليَّ الوضوءُ؛ ونحوُه عن أبي أيوبَ(٣).
وقال أحمد : فمن ترك ذلك على نحو ما تركه ابنُ عمر وأبو أيوبَ ومالكٌ لم
أُنكره عليه، وصلَّينا خلفَه، ولم نَعِبْه، إلا أنْ يَتركَ ذلك ولا يراه، كما صَنع أهلُ
البدعِ، فلا يُصلَّى خلفَه (٤)، والله أعلم.
وقد قيل: إنَّ قوله: ((وَأَرْجُلِكُمْ)) معطوفٌ على اللفظ دونَ المعنى، وهذا أيضاً
يدلُّ على الغَسْلِ، فإنَّ المراعى المعنى لا اللفظُ، وإنما خُفضَ للجوار كما تفعلُه(٥)
العربُ؛ وقد جاء هذا في القرآن وغيرِهِ؛ قال الله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ
نَارٍ وَنُحَاسٍ﴾ [الرحمن: ٣٥] بالجرّ (٦)، لأنَّ النُّحاسَ الدُّخانُ. وقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ
مَجِيدٌ، فِي لَوْحِ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ١١-١٢] بالجرّ(٧). قال امرؤ القيس:
(١) هو ابنُ عمر، أبو العباس القرطبي، وكلامه في المفهم ١/ ٥٢٧، وما قبله وبين حاصرتين منه. وينظر
البيان والتحصيل ١/ ٨٢ - ٨٤ .
(٢) في النسخ: ابن عمر، والمثبت من المفهم ٥٢٨/١ ، وقد روي نحوه عن ابن عمر كما في التعليق التالي.
(٣) أخرج قول عمر وأبي أيوب رضي الله عنهما ابن المنذر في الأوسط ٤٣٩/١، وأخرج أيضاً ١/ ٤٤٠
عن ابن عمر قال: إني لمولعٌ بغسل قدميَّ، فلا تقتدوا بي.
(٤) ينظر النوادر والزيادات ٩٣/١ - ٩٤، والتمهيد ١٣٩/١١ - ١٤١، والمفهم ٥٢٧/١ - ٥٢٨ .
(٥) في (ظ): يفعله، وفي (م): تفعل.
(٦) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو من السبعة، وقرأ الباقون: ((ونحاسٌ)) بالرفع، ينظر السبعة ص٦٢١ ،
والتيسير ص٢٠٦ .
(٧) قرأ نافع: ((محفوظٌ)) بالرفع، وقرأ الباقون من السبعة: ((محفوظٍ)) بالجر، السبعة ص٦٧٨، والتيسير
ص٢٢١.

٣٤٨
سورة المائدة: الآية ٦
كبيرُ أُناسٍ فِي بِجَادٍ(١) مُزَمَّلٍ
فخفَضَ ((مُزمَّل)) بالجوار، وأنَّ المزمَّلَ الرجلُ، وإعرابه الرّفعُ؛ قال زهير:
لَعِب الزَّمانُ بها وغَيَّرها بَعدي سَوَافِي المُورِ والقَظْرِ(٢)
قال أبو حاتم(٣): كان الوجهُ: القطرُ؛ بالرَّفع، ولكنه جرَّه على جوارِ المُورِ؛ كما
قالت العرب: هذا ◌ُحرُ ضَبِّ خَرِبٍ؛ فجرّه(٤)، وإنما هو رفعٌ. وهذا مذهبُ الأخفشِ
وأبي عبيدة، وردّه النحاس، وقال: هذا القولُ غلطٌ عظيمٌ؛ لأنَّ الجوارَ لا يكونُ في
الكلام(٥) أنْ يقاسَ عليه، وإنما هو غلطٌ، ونظيرُه الإقواءُ(٦).
قلت: والقاطعُ في الباب من أنَّ فرضَ الرِّجلين الغَسْلُ ما قدَّمناه، وما ثبت من
قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: ((ويلٌ للأعقاب وبُطونِ الأقدام(٧) من النَّار))(٨)، فخوَّفَنَا
(١) في (د) و(ز): نجاد، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق للديوان ص ٢٥، وصدر البيت: كأنَّ أباناً
في أفانين وَدْقِهِ، ومعنى البيت أن الشاعر شبه الجبل حين غشيه المطر وعمَّه الخصبُ بشيخ ضعيف في
بجاد، وهو كساء مخطط، والودق: المطر، والأفانين: الأنواع. شرح الديوان ص٢٥ .
(٢) ديوان زهير ص٨٧ ، ومعنى البيت أن الرياح والأمطار تردَّدت على هذه الديار حتى عفت رسومها بما
سفت الرياح عليها من التراب، وقوله: السوافي، جمع سافية: الريح الشديدة التي تسفي التراب، أي:
تطيره. الديوان بشرح الشنتمري ص١١٤ - ١١٥ .
(٣) التمهيد ٢٥٤/٢٤ - ٢٥٥، والاستذكار ٤٨/٢ - ٤٩ .
(٤) في (م): فجرّوه.
(٥) في إعراب القرآن للنحاس ٩/٢ : لأن الجوار لا يجوز في الكلام، وينظر كلام أبي عبيد في مجاز
القرآن ١/ ١٥٥، وكلامَ الأخفشِ في معاني القرآن ٤٦٦/٢ .
(٦) قوله: الإقواء، أي: اختلاف حركة الرَّوِيّ في قصيدة واحدة، وهو أن يجيء بيت مرفوعاً وآخر
مجروراً، وهو من عيوب الشعر، ذكره التبريزي في الكافي في العروض ص ١٦٠ ، ومثّل له ببيت
للنابغة عجزه :
... عجلانَ ذا زادٍ وغير مزوَّدٍ
وبعده :
... وبذاك خبَّرنا الغرابُ الأسودُ
(٧) قوله: وبطون الأقدام، من (ظ) و(م).
(٨) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٧٧١٠)، وابن خزيمة في صحيحه ١٦٣ من حديث عبد الله بن الحارث بن
جزء﴾، وفي إسناده عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف، وقد تفرّد بقوله: ((وبطون الأقدام)) والحديث في
الصحيحين دون هذه الزيادة، وسلف أول هذه المسألة.

٣٤٩
سورة المائدة: الآية ٦
بذكر النارِ من (١) مخالفةِ مرادِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ومعلومٌ أنَّ النارَ لا يُعذّب بها إلا مَن تَركَ
الواجبَ، ومعلومٌ أنَّ المسحَ ليس شأنُه الاستيعابَ، ولا خلافَ بين القائلينَ بالمسح
على الرِّجَلَيْن أنَّ ذلك على ظهورهما لا على بطونهما، فتبيَّن بهذا الحديثِ بطلانُ قولٍ
من قال بالمسح؛ إذ لا مدخلَ لمسح بطونهما عندَهم، وإنما ذلك يُدرَك بالغَسْلِ لا
بالمسح.
ودليلٌ آخرُ من جهة الإجماع؛ وذلك أنهم اتفقوا على أنَّ من غسل قدميه، فقد
أدَّى الواجبَ عليه، واختلفوا فيمن مسح قدميه؛ فاليقينُ ما أجمعوا عليه دونَ ما
اختلفوا فيه.
ونقل الجمهورُ كافَّةً عن كافَّةٍ عن نبيِّهم ﴾ أنه كان يَغْسِل رجليه في وضوئه مرةً
وثنتين وثلاثاً حتى يُنقيَهما(٢)؛ وحسبُك بهذا حجةً في الغَسل مع ما بيَّناه، فقد وضَح
وظهر أنَّ قراءةَ الخفضِ المعنى فيها: الغَسلُ لا المسحُ كما ذكرنا، وأنَّ العاملَ في
قوله: ((وأرجلكم)) قولُه: ((فاغْسِلُوا)) والعربُ قد تعطِفُ الشَّيءَ على الشَّيء بفعلٍ يَنفردُ
به أحدُهما؛ تقول: أكلتُ الخبزَ واللَّبنَ؛ أي: وشربتُ اللَّبنَ؛ ومنه قولُ الشَّاعر:
عَلفتُها(٣) تبْناً ومَاءً باردا (٤)
وقال آخر:
ورأيتُ زوجَكِ في الوغى مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحا (٥)
وقال آخر:
(١) في (م): على.
(٢) التمهيد ٢٥٥/٢٤ - ٢٥٧، وينظر الاستذكار ٥١/٢ .
(٣) في النسخ: أعلفتُها، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمصادر.
(٤) خزانة الأدب ٣/ ١٤٠، وسلف ٢٩١/١ .
(٥) قائله عبد الله بن الزِّبَعْرى، وهو في ديوانه ص٣٢: ورواية الشطر الأول فيه: يا ليت زوجَك قد غدا،
وقد سلف ٢٩١/١، وأورده بلفظ المصنف ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٥٧٦ .

٣٥٠
سورة المائدة: الآية ٦
بِالجَلْهَتَيْنِ ظِباؤُها ونَعامُها (١)
وأَظْفَلَتْ
وقال آخر:
شَرَّابُ الْبانٍ وتَمْرٍ وأقِط (٢)
التقدير: علفتُها(٣) تِبناً وسَقيتُها ماءً، ومتقلِّداً سيفاً وحامِلاً رُمْحاً، وأطفَلَتْ
بالجَلْهَتَيْنِ ظباؤها، وفَرَّخَتْ نَعامُها؛ والنَّعامُ لا يُطفِلُ إنما يُفرِّغُ، وأَطفلتْ: كان لها
أطفالٌ، والجَلْهَتَانِ: جنبتا (٤) الوادي، وشَرَّابُ ألبانٍ وآكلُ تمرٍ (٥)؛ فيكونُ قولُه:
﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم﴾ عطف بالغَسل على المسح حَمْلاً على المعنى،
والمرادُ الغَسلُ؛ والله أعلم.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنَّ﴾. روى البخاريُّ: حدَّثني موسى قال:
حدثنا وُهَيْبٌ، عن عمرو - هو ابنُ يحيى - عن أبيه قال: شهدتُ عمرو بنَ أبي حَسَن
سأل عبدَ الله بنَ زيدٍ عن وُضوء النبيِّ :﴿، فدعا بِتَوْر من ماء، فتوضَّأ لهم وُضوءَ
النَّبِيِّ ﴾، فأكفأ على يده من الثَّوْر، فغسل يديه ثلاثاً، ثم أَدخل يدَه في الثَّوْر،
فمضمض واستنشق، واستنثر ثلاثَ غَرَفاتٍ، ثم أدخل يده، فغسل وجهه ثلاثاً، ثم
أَدخل يديه، فغسل يديه إلى المِرفَقين مرَّتين(٦)، ثم أَدخل يدَه، فمسح رأسَه، فأَقبلَ
بهما وأَدبر مرَّةً واحدةً، ثم غسل رجليه إلى الكعبين(٧).
(١) قائله لَبيد، وهو في ديوانه ص١٦٤، وتمام شطره الأول:
فعلا فروع الأيهُقَان وأُطْفَلَتْ ... ، وقوله: الأيهقان: الجرجير البرّي. النهاية (أيهق).
(٢) الرجز في الكامل ٤٣٢/١، والمقتضب ٥١/١، والإنصاف ٦١٣/٢ من غير نسبة والأقِط: لبن
محمّض، يجمّد حتى يستحجر، ويطبخ، أو يُطبخ به. المعجم الوسيط.
(٣) في النسخ الخطية: أعلفتها، والمثبت من (م).
(٤) في (ظ): جنبا.
(٥) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٥٧٦/٢ .
(٦) في (د) و(م): ثلاثاً، والمثبت من صحيح البخاري، ولم ترد هذه الكلمة في (ز) و(ظ).
(٧) صحيح البخاري (١٨٦) بنحوه، وأخرجه أيضاً أحمد (١٦٤٣١)، ومسلم (٢٣٥)، وقد سلف قطعة منه
ص٣٣٧ من هذا الجزء .

٣٥١
سورة المائدة: الآية ٦
ففي هذا (١) الحديثِ دليلٌ على أنَّ الباءَ في قوله: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ زائدةٌ
لقوله: فمسح رأسَه، ولم يقل: برأسه، وأنَّ مسحَ الرأسِ مرة، وقد جاء مبيّناً في
كتاب مسلم(٢) من حديث عبد اللهِ بنِ زيدٍ في تفسير قوله: فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ(٣)
بمقدَّم رأسِه، ثم ذَهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما حتى رجَع إلى المكان الذي بدأ منه.
واختلف العلماء في الكعبين؛ فالجمهورُ على أنهما العظمانِ الناتئانِ في جَنْبَي
الرِّجْل (٤).
وأنكر الأصمعيُّ قولَ الناس: إنَّ الكَعْبَ في ظَهْر القدم؛ قاله في الصحاح(٥)،
ورُوي عن ابن القاسم، وبه قال محمد بنُ الحسن(٦).
قال ابنُ عطيَّةَ: ولا أعلم أحداً جَعل حدَّ الوضوءِ إلى هذا، ولكنَّ عبدَ الوهّاب
في التلقين(٧) جاء في ذلك بلفظٍ فيه تخليطٌ وإبهام(٨).
وقال الشافعيُّ رحمه الله (٩): لم أعلمْ مخالِفاً في أنَّ الكعبينِ هما العظمانِ في
مَجْمع مَفْصِل السَّاق.
ورَوى الطبريُ (١٠) عن يونس، عن أشهبَ، عن مالك قال: الكعبانِ اللذانِ یجبُ
الوضوءُ إليهما هما العظمانِ الملتصقانِ بالسَّاق المحاذيانِ للعقب، وليس [الكعبُ]
(١) في (م): فهذا.
(٢) برقم (٢٣٥).
(٣) في (م): وبدأ.
(٤) المحرر الوجيز ١٦٤/٢ .
(٥) مادة (کعب).
(٦) ينظر الاستيعاب ٥١/٢، وأحكام القرآن للكيا ٣/ ٤٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٥٧٧/٢، والمفهم
٤٨٩/١ .
(٧) شرح التلقين للمازري ١٤٩/١ .
(٨) في (د) و(ظ) و(م): إيهام، والمثبت من (ز)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٦٤/٢.
(٩) في الأم ١/ ٢٣ .
(١٠) في تفسيره ٢١٢/٨ ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز ١٦٤/٢، وما بين حاصرتين منه.

٣٥٢
سورة المائدة: الآية ٦
بالظاهر في وجه القدم.
قلت: هذا هو الصحيحُ لغةً وسُنَّةً؛ فإنَّ الكَعْبَ في كلام العربِ مأخوذٌ من العُلُوّ،
ومنه(١) سُميت الكعبة؛ وكَعَبَتِ المرأة: إذا فَلك ثديُها، وكَعْبُ القناةِ أنْبُوبُها، وأُنبوبُ
ما بينَ كلِّ عُقدتينِ كَعْبٌ. وقد يُستعمل في الشَّرف والمجدِ تشبيهاً(٢)؛ ومنه الحديثُ:
واللهِ لا يزالُ كَعْبُكِ عالياً(٣). وأما السُّنةُ فقولُه ﴿ فيما رواه أبو داودَ عن النعمانِ بنِ
بشير: ((واللهِ لتُقيمُنَّ صفوفَكم أو ليخالِفَنَّ اللهُ بينَ قلوبِكم)). قال: فرأيتُ الرَجلَ
يُلصِقُ مَنْكِبَه بمَنْكِب صاحبِهِ، وركبتَه بركبة صاحبِهِ، وكعبَه بكعبِه (٤).
والعقبُ هو مؤخَّرُ الرِّجْلِ تحتَ العُرْقوبِ، والعُرْقوبُ هو مَجْمِعُ مَفْصِلِ السَّاقِ
والقدم(٥)؛ ومنه الحديثُ ((وَيْلٌ للعراقيب من النار))(٦)، يعني إذا لم تُغسَلْ؛ كما قال:
((وَيْلٌ للأعقاب وبطونِ الأقدام من النَّارِ))(٧).
الخامسة عشرة: قال ابن وهب عن مالك: ليس على أحدٍ تخليلُ أصابعٍ رجلَيه
في الوُضوء ولا في الغُسل، ولا خيرَ في الجفاء والغُلوّ. قال ابنُ وهب: تخليلُ أصابع
الرِّجلين مُرَغَّب فيه، ولا بدَّ من ذلك في أصابع اليدين.
وقال ابنُ القاسم عن مالك: من لم يُخلّلْ أصابعَ رجليه، فلا شيءَ عليه.
(١) في النسخ: وبه، والمثبت من (م).
(٢) انظر تهذيب اللغة ٣٢٤/١ - ٣٢٥ .
(٣) هو من كلام جُويريةٍ لقَيْلةَ بنت مَخْرَمة في حديث مطوَّل لقيلة أخرجه ابن سعد ٣١٧/١ - ٣٢٠،
والطبراني في الكبير ٧/٢٥-١٠ مطولاً، قال الهيثمي في المجمع ١٢/٦: رجاله ثقات، وينظر الإصابة
٩٨/١٣ - ١٠٠.
(٤) سنن أبي داود (٦٦٢)، وهو عن أحمد (١٨٤٣٠)، وأخرج المرفوعَ منه مسلم (٤٣٦)، وعلق البخاري
قول النعمان مختصراً قبل الحديث (٧٢٥).
(٥) التمهيد ٢٥٧/٢٤، والاستذكار ٥٢/٢.
(٦) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٠٠٩٢)، ومسلم (٢٤٢): (٢٩) من حديث أبي هريرة ﴾، وسلف بنحوه
٦ / ٩١.
(٧) سلف ص٣٤٨ من هذا الجزء .

٣٥٣
سورة المائدة: الآية ٦
وقال محمد بنُ خالد عن ابن القاسم، عن مالك فيمن توضأ على نهر، فحرَّك
رجليه: إنه لا يُجزئه حتى يَغسلَهما بيديه؛ قال ابن القاسم: وإنْ قدَر على غَسل
إحداهما بالأخرى أجزأه(١).
قلت: الصحيحُ أنه لا يجزئ(٢) فيهما إلا غَسلُ ما بينهما كسائر الرِّجْلِ؛ إذ ذلك
من الرِّجل، كما أنَّ ما بين أصابع اليدِ من اليد، ولا اعتبارَ بانفراج أصابع اليدين
وانضمامٍ أصابع الرِّجْلَين؛ فإنَّ الإنسانَ مأمورٌ بغَسل الرِّجلِ جميعِها كما هو مأمورٌ
بغسل يدِه(٣) جميعِها.
وقد رُويَ عن النبيِّ﴾ أنه كان إذا توضأ يَذْلُك أصابعَ رجَلَيه بخِنصره (٤)، مع ما
ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يَغسِلُ رجليه؛ وهذا يقتضي العمومَ.
وقد كان مالكٌ رحمه الله في آخر عمره يَذْلُك أصابعَ رِجلیه بخنصره أو ببعض
أصابعه؛ لحديثٍ حدَّثه به ابنُ وَهْب عن ابن لَهِيعَة واللَّيث بنِ سعد، عن يزيدَ بنِ عمرو
الغِفَاريِّ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِيّ، عن المُسْتَوْرِد بن شدَّاد القُرشيِّ قال: رأيتُ
رسولَ اللهِ ﴾ يتوضأ، فيُخلِّلُ بخِنصره ما بينَ أصابع رجليه. قال ابن وَهْب: فقال لي
مالك: إنَّ هذا لَحَسنٌ، وما سمعتُه قطُ إلا السَّاعةَ؛ قال ابن وَهْب: وسمعتُه يُسألُ(٥)
بعدَ ذلك عن تخليل الأصابعِ في الوضوء، فأمر به(٦).
وقد رَوَى حُذَيفةُ أنَّ النبيَّ:﴿ قال: ((خَلِّلُوا بين الأصابع لا تُخَلِّلُها النّارُ))(٧)
(١) التمهيد ٢٥٧/٢٤ - ٢٥٨ والاستذكار ٥٢/٢.
(٢) في (م): يجزئه.
(٣) في (م): اليد.
(٤) سيورده المصنف لاحقاً.
(٥) في (م): سئل.
(٦) أخرجه بتمامه ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل ٣١/١ - ٣٢، والبيهقي ٧٦/١ - ٧٧ .
وأخرجه أيضاً دون قول ابن وهب آخره: أحمد (١٨٠١٠) أبو داود (١٤٨)، والترمذي (٤٠).
(٧) أخرجه الدارقطني ١/ ٩٥ من حديث عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما، بنحوه، قال الحافظ في =

٣٥٤
سورة المائدة: الآية ٦
وهذا نصٌّ في الوعيد على ترك التَّخليلِ؛ فثبت ما قلناه. والله الموفق.
السادسة عشرة: ألفاظُ الآيةِ تقتضي الموالاةَ بين الأعضاء، وهي إتباعُ المتوضِّئِ
الفِعْلَ الفِعْلَ إلى آخره من غير تراخٍ بينَ أبعاضِه، ولا فصلٍ بفعلٍ ليس منه. واختلف
العلماء في ذلك؛ فقال ابنُ أبي سَلَمة وابنُ وهب: ذلك من فروض الوُضوءِ في الذّكر
والنِّسيانِ، فمن فرَّق بين أعضاءِ وضوئه متعمِّداً أو ناسياً؛ لم يَجزه.
وقال ابنُ عبدِ الحكم: يُجزتُّه ناسياً ومتعمِّداً.
وقال مالك في ((المدوَّنة)) وكتابٍ محمد: إنَّ الموالاةَ ساقطةٌ، وبه قال الشَّافعيُّ.
وقال مالك وابنُ القاسم: إنْ فرَّقه متعمِّداً لم يُجْزه، ويُجزئُه ناسياً؛ وقال مالكٌ
في رواية ابنِ حبيب: يُجزُّه في المغسول، ولا يُجزُه في الممسوح (١)؛ فهذه خمسةٌ
أقوالٍ أُثبتت(٢) على أصلين:
الأوّل: أنَّ اللهَ سبحانه تعالى أَمَرَ أَمْراً مطلقاً فوالٍ أو فرِّقْ(٣)، وإنما (٤) المقصودُ
وجودُ الغَسْلِ في جميع الأعضاءِ عندَ القيامِ إلى الصَّلاة.
الثاني: أنها عباداتٌ ذاتُ أركانٍ مختلفةٍ، فوجبَ فيها التوالي كالصَّلاة، وهذا
أُصحُ. والله أعلم.
= الدراية ٢٤/١: حديث عائشة إسناده ضعيف، وحديث أبي هريرة إسناده واه جدًّا.
وأخرجه الطبراني في الكبير (٣٤٠٠) من حديث واثلة ، قال الهيثمي في المجمع ١٣٦/١: فيه
العلاء بن كثير، وهو مجمع على ضعفه.
وورد الأمر بتخليل الأصابع من حديث لقيط ابن صبرة ﴾ أخرجه أحمد (١٦٣٨١)، وأبو داود (١٤٢)،
والترمذي (٣٨)، والنسائي في المجتبى ٧٩/١، والكبرى (١١٦)، وابن ماجه (٤٤٨)، وصححه
النووي في خلاصة الأحكام ٩٩/١ ، والمجموع ٤٦٤/١ .
(١) انظر المدونة ١٥/١ - ١٦، والنوادر والزيادات ٤٢/١ - ٤٣، والمحرر الوجيز ١٦٤/٢.
(٢) في (د): ثبتت، وفي (م): ابتنيت.
(٣) في (د): توال افرق، وفي (ز): فوال افرق، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن
العربي ٥٧٩/٢ .
(٤) في النسخ: إنما، والمثبت من (م).

٣٥٥
سورة المائدة: الآية ٦
السابعة عشرة: وتتضمَّنُ ألفاظُ الآية أيضاً الترتيبَ، وقد اختلف فيه:
فقال الأَبْهَريُّ: الترتيب سُنّةٌ، وظاهرُ المذهبِ أنَّ التَّنكيسَ للناسي يُجزئ،
واختُلف في العامد؛ فقيل: يُجزئُ، ويُرتِّبُ في المستقبل.
وقال أبو بكر القاضي وغيرُه: لا يجزئ؛ لأنه عابثٌ(١)، وإلى هذا ذهب الشافعيّ
وسائرُ أصحابِهِ، وبه يقول أحمد بن حنبل وأبو عُبيد القاسمُ بنُ سلَام وإسحاقُ وأبو
ثورٍ، وإليه ذهب أبو مُصْعَب صاحبُ مالك، وذكره في مختصَره، وحكاه عن أهل
المدينةِ ومالكِ معهم في أنَّ من قدَّمَ في الوضوء يديه على وجهه، ولم يتوضأُ على
ترتيب الآيةِ، فعليه الإعادةُ لما صلَّى بذلك الوُضوء(٢).
وذهب مالكٌ في أكثر الرواياتِ عنه وأشهرِها أنَّ ((الواو)) لا توجبُ الثَّعقيب، ولا
تُعطي رُتْبةً، وبذلك قال أصحابُه، وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِهِ والثَّوريِّ والأوزاعيِّ
والليث بن سعد والمُزَنِيِّ وداودَ بنِ عليّ(٣).
قال الكِيا الطَّبَريُّ: ظاهرُ قولِه تعالى: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ يقتضي
الإجزاءَ؛ فَرَّق أو جَمَع أو وَالَى (٤) على ما هو الصحيحُ من مذهب الشَّافعيِّ، وهو
مذهبُ الأكثرينَ من العلماء.
قال أبو عمر(٥): إلّا أنَّ مالكاً يَستحبُّ له استئنافَ الوُضوءِ على النَّسق لِمَا يستقبلُ
من الصَّلاة، ولا يَرى ذلك واجباً عليه؛ هذا تحصيلُ مذهبه.
وقد رَوى عليُّ بنُ زياد عن مالك قال: من غَسَلَ ذراعَيْه، ثم وجهَه، ثم ذكر
مكانَه؛ أعاد غَسْلَ ذراعيه، وإنْ لم يَذكرْ حتى صلَّى؛ أعادَ الوضوءَ والصَّلاةَ؛ قال
(١) المحرر الوجيز ١٦٤/٢.
(٢) التمهيد ٢/ ٨١ - ٨٢، وينظر الأوسط ٤٢٣/١.
(٣) التمهيد ٨٠/٢، وينظر الاستذكار ٥٦/٢ - ٥٧، والمفهم ٤٩٠/١.
(٤) كذا في النسخ، والذي في أحكام القرآن للكيا ٤٣/٣: ووالى.
(٥) في التمهيد ٢/ ٨٠ .

٣٥٦
سورة المائدة: الآية ٦
عليٌّ: ثم قال بعدَ ذلك: لا يعيدُ الصلاةَ، ويعيدُ الوضوءَ لِمَا يستأنف(١).
وسببُ الخلافِ ما قال بعضهم: إنَّ ((الفاء)» تُوجبُ التعقيبَ في قوله: ((فَاغْسِلُوا))،
فإنها لما كانت جواباً للشّرط؛ ربطت المشروطَ به، فاقتضت الترتيبَ في الجميع(٢).
وأُجيبَ بأنه إنما اقتضت البداءةَ(٣) في الوجه إذ هو جزاءُ الشَّرطِ وجوابُه، وإنما
كانت تقتضي الترتيبَ في الجميع لو كان جوابُ الشرطِ معنَى واحداً، فإذا كانت
جُملاً كلّها جواباً؛ لم تُبال بأيّها بدأت، إذ المطلوبُ تحصيلُها.
قيل: إنَّ الترتيبَ إنما جاء من قِبل الواو؛ وليس كذلك؛ لأنك تقول: تقاتلَ زيدٌ
وعمرو، وتخاصم بكر وخالدٌ، فدُخولُها في باب المفاعلةِ يُخرجُها عن الترتيب(٤).
والصحيحُ أنْ يقالَ: إنَّ الترتيبَ مُتَلَقَّى من وجوهٍ أربعة:
الأوّل: أنْ يبدأَ بما بدأ الله به، كما قال عليه الصَّلاة والسَّلامِ حينَ حجَّ: ((نَبدأُ
بما بدأ اللهُ به))(٥).
الثاني: من إجماع السَّلفِ، فإنهم كانوا يُرتِّبون.
الثالث: من تشبيه الوضوءِ بالصَّلاة.
الرابع: من مواظبة رسولِ الله # على ذلك(٦).
احتجّ من أجاز ذلك بالإجماع على أنْ لا ترتيبَ في غَسل أعضاءِ الجنابة،
فكذلك غَسلُ أعضاءِ الوضوء؛ لأنَّ المعنيَّ في ذلك الغَسلُ لا الثَّبدية(٧).
(١) عبارة ابن عبد البر في التمهيد: لما يستقبل.
(٢) ينظر التمهيد ٨٥/٢ .
(٣) في النسخ: البداية، والمثبت من (م).
(٤) ينظر المفهم ١/ ٤٩٠ .
(٥) قطعة من حديث جابر الطويل سلف ٢/ ٤٧٧ .
(٦) ينظر التمهيد ٨٥/٢ - ٨٦ .
(٧) ينظر التمهيد ٨٠/٢ .

٣٥٧
سورة المائدة: الآية ٦
ورُوي عن عليٍّ أنه قال: ما أُبالي إذا أتممتُ وضوئي بأيِّ أعضائي بدأتُ(١).
وعن عبد الله بن مسعود قال: لا بأسَ أنْ تبدأَ برجليك قبلَ يديك؛ قال
الدَّارَ قُظْنيُّ: هذا مُرسَلٌ ولا يَثْبُتُ(٢)، والأَوْلى وجوبُ التَّرتيب. والله أعلم.
الثامنة عشرة: إذا كان في الاشتغال بالوضوء فواتُ الوقتِ لم يَتَيمَّمْ عندَ أکثرِ
العلماء، ومالك يُجوِّزُ التَّهُمَ في مثل ذلك؛ لأنَّ التَّيممَ إنما جاز(٣) في الأصل لحفظٍ
وقتِ الصَّلاة، ولولا ذلك لوجب تأخيرُ الصَّلاةِ إلى حين وجودِ الماء. احتجَّ الجمهورُ
بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُوا﴾ وهذا واجدٌ، فقد عَدِمَ شرطَ صِحَّةِ التيمُم،
= و(٤)
فلا يَتِيمَّمُ(٤).
التاسعة عشرة: وقد استدل بعضُ العلماءِ بهذه الآيةِ على أنَّ إزالةَ النَّجاسةِ ليست
بواجبة؛ لأنه قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾، ولم يذكر الاستنجاءَ، وذكر الوضوءَ،
فلو كانت إزالتُها واجبةً لكانت أوَّلَ مبدُوءٍ به، وهو قولُ أصحابٍ أبي حنيفةً(٥)، وهي
روایةُ أشهب عن مالك.
وقال ابنُ وهب عن مالك: إزالتها واجبةٌ في الذِّكْر والنسيان؛ وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال ابن القاسم: تجبُ إزالتها مع الذِّكر، وتَسقُط مع النِّسيان.
وقال أبو حنيفةَ: تجبُ إزالةُ النجاسةِ إذا زادت على قَدْر الدِّرهم البَغْليِّ(٦) - يريدُ
الكبيرَ الذي هو على هيئة المثقال - قياساً على فم المخرَجِ المعتادِ الذي عُفي عنه.
والصحيح روايةُ ابنٍ وهب؛ لأنَّ النبيَّ :﴿ قال في صاحبَي القبْرين: ((إنهما
لَيُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبير؛ أمّا أحدُهما فكان يمشي بالنَّميمة، وأما الآخرُ فكان لا
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٩/١، وفي إسناده انقطاع، ينظر التمهيد ٨٩/٢.
(٢) سنن الدار قطني (٢٩٦)، وينظر سنن البيهقي ١ / ٨٧ .
(٣) في (م): جاء.
(٤) ينظر أحكام القرآن للكيا ٥٣/٣ .
(٥) ينظر أحكام القرآن للكيا ٤٤/٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٥٧٨/٢ .
(٦) قوله: الدرهم البغلي، نسبة لملك يقال له: رأس البغل، وزنته أربعة دوانيق، وقيل: ثمانية دوانيق،
ينظر الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان لابن الرِّفعة ص٢٩ - ٣٠ .

٣٥٨
سورة المائدة: الآية ٦
يَستَنْزِهُ(١) من بوله))(٢)؛ ولا يُعذِّبُ إلا على ترك الواجبِ؛ ولا حجةً في ظاهر القرآن؛
لأنَّ الله سبحانه وتعالى إنما بيَّنَ من آية الوضوءِ صفةَ الوضوءِ خاصَّةً، ولم يتعرَّضْ
لإزالة النجاسةِ ولا غيرِها(٣).
الموفية عشرين: ودلت الآية أيضاً على المسح على الخفين كما بينًا، ولمالكٍ في
ذلك ثلاثُ روایاتٍ :
الإنكارُ مطلقاً كما يقوله الخوارجُ، وهذه الروايةُ منكَرةٌ، وليست بصحيحة. وقد
تقدّم(٤).
الثانية: يَمسح في السفر دونَ الحَضَرِ؛ لأنَّ أكثرَ الأحاديثِ بالمسح إنما هي في
السفر(٥)؛ وحديثُ السُّبَاطةِ يدلُّ على جواز المسح في الحضر، أخرجه مسلم من
حديث حُذَيفةَ قال: فلقد رأيتُني أنا ورسولُ اللهِ ﴿ نتماشَى؛ فأتى سُبَاطةَ قومٍ خلْفَ
حائطِ، فقام كما يقومُ أحدُكُم، فبال، فانتَبذْتُ منه، فأشار إليَّ، فجئتُ، فقمتُ عندَ
عقبه حتى فَرَغَ(٦). زاد في رواية(٧): فتوضَّأ ومَسحَ على خفيه.
ومثله حديثُ شُرَيح بنِ هانئٍ قال: أتيتُ عائشةَ أسألُها عن المسح على الخفين،
فقالت: عليك بابن أبي طالبٍ فَسَلْه؛ فإنه كان يسافرُ مع رسولِ اللهِ ﴾؛ فسألناه
فقال: جَعلَ رسولُ اللهِ ﴾ للمسافر ثلاثةَ أيام ولياليَهنَّ، وللمقيم يوماً وليلةً(٨)؛
.(١) في (ظ): يستنثر، وفي (م): يستبرئ، والمثبت من (د) و(ز).
(٢) قطعة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه أحمد (١٩٨٠)، والبخاري (٢١٨)، ومسلم
(٢٩٢).
(٣) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٧٨ .
(٤) ص ٣٤٥ من هذا الجزء .
(٥) ينظر النوادر والزيادات ٩٣/١، والمعونة ١٣٥/١، والاستذكار ٢٤٧/٢.
(٦) صحيح مسلم (٢٧٣): (٧٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٣٢٤٨)، والبخاري (٢٢٥)، وقوله: سُباطة:
موضع يُرمى فيه التراب والأوساخ. النهاية (سبط).
(٧) برقم (٢٧٣): (٧٣)، وأخرج أيضاً هذه الرواية أحمد (٢٣٢٤١).
(٨) أخرجه أحمد (٩٦٦) ومسلم (٢٧٦)، وسلفت الإشارة إليه ص ٣٤٦ من هذا الجزء.

٣٥٩
سورة المائدة: الآية ٦
وهذه(١) الروايةُ الثالثةُ: يَمسَحُ حضراً وسفراً، وقد تقدَّم ذكرها(٢).
الحادية والعشرون: ويَمسح المسافر عند مالكٍ على الخفَّين بغير توقيتٍ(٣)، وهو
قولُ الليثِ بن سعد؛ قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: ليس عند أهلٍ بلدِنا في
ذلك وقتٌ.
ورَوى أبو داود من حديث أُبيّ بنِ عِمارةَ أنه قال: يا رسولَ الله، أمسَحُ على
الخفين؟ قال: ((نعم))، قال: يوماً؟ قال: ((يوماً))، قال: ويومين؟ قال: ((ویومین))،
قال: وثلاثةَ؟ قال: ((نعم وما شئتَ))، في رواية: ((نعم وما بدا لك)).
قال أبو داود: وقد اختُلفَ في إسناده، وليس بالقويّ(٤).
وقال الشافعيُّ وأحمد بن حنبل والنعمانُ والطبريُّ: يمسح المقيمُ يوماً وليلةً،
والمسافرُ ثلاثةَ أيام على حديث شُرَيح(٥) وما كان مثله؛ وروي عن مالك في رسالته
إلى هارونَ أو بعضٍ الخلفاء، وأَنكره(٦) أصحابُه(٧).
الثانية والعشرون: والمسحُ عندَ جميعِهم لمن لَبِس خفيه على وُضوء(٨)؛ لحديث
المغيرةِ بنِ شُعْبةَ أنه قال: كنتُ مع النَّبيِّ# ذاتَ ليلةٍ في مسير. الحديث. وفيه:
فأهويتُ لأَنْزِعَ خُفَّيه، فقال: ((دعهما؛ فإني أَدخلتُهما طاهرتين)). ومسح عليهما(٩).
(١) في (ظ) و(م): وهي.
(٢) ٦ / ٩٤ .
(٣) المدونة ٤١/١ .
(٤) سنن أبي داود (١٥٨). وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٥٥٧)، قال أحمد: حديث أبيّ بن عمارة ليس بمعروف
الإسناد، وقال الدارقطني: إسناده لا يثبت. نصب الراية ١٧٧/١ - ١٧٨، وقال ابن عبد البر في
الاستذكار ٢٤٨/٢: هذا حديث لا يثبت، وليس له إسناد قائم، وأبي بن عمارة بكسر العين وقيل:
بضمها، قال ابن حبان: صلَّى إلى القبلتين. ينظر الإصابة ٢٥/١.
(٥) سلف في المسألة قبلها.
(٦) في (م): وأنكرها.
(٧) ينظر التمهيد ١٥١/١١ - ١٥٢، والاستذكار ٢٤٧/٢ - ٢٤٩.
(٨) ينظر الاستذكار ٢٥٦/٢.
(٩) أخرجه أحمد (١٨١٩٦)، والبخاري (٥٧٩٩)، ومسلم (٢٧٤).

٣٦٠
سورة المائدة: الآية ٦
ورأى أَضْبَغُ أنَّ هذه طهارةُ التَّيمُّم، وهذا بناءٌ منه على أنَّ التيمُّم يَرفعُ الحَدَثَ. وشدَّ
داود، فقال: المرادُ بالطهارة هاهنا هي الطهارةُ من النجسِ فقط، فإذا كانت رجلاه
طاهرتين من النجاسة؛ جاز المسحُ على الخفَّين. وسببُ الخلافِ الاشتراكُ في اسم
الطهارة.
الثالثة والعشرون: ويجوز عندَ مالكِ المسحُ على الخُفِّ؛ وإنْ كان فيه خَرْقٌ يسير.
قال ابن خُوَيزِ مَنداد: معناه أنْ يكونَ الخَرْقُ لا يمنعُ من الانتفاع به ومن لُبْسِه،
ويكونَ مثلُهُ يُمشَى فيه. وبمثل قولِ مالكٍ هذا قال الليثُ والثوريُّ والشافعيُّ والطبريُّ؛
وقد رُوي عن الثوريِّ والطبريّ إجازةُ المسحِ على الخُفِّ المخرَّقِ جملةً.
وقال الأوزاعيُّ: يَمسح على الخفّ وعلى ما ظَهرَ من القدم؛ وهو قولُ الطبريِّ.
وقال أبو حنيفة: إذا كان ما ظهر من الرِّجْلِ أَقلَّ من ثلاثة (١) أصابع مَسَحَ، ولا
يَمسحُ إذا ظهر ثلاث(٢)؛ وهذا تحديدٌ يَحتاجُ إلى توقيف(٣). ومعلومٌ أنَّ أخفافَ
الصَّحابةِ ﴾ وغيرِهم من التابعين كانت لا تَسْلَمُ من الخَرْق اليسيرِ، وذلك متجاوزٌ عندَ
الجمهور منهم.
ورُويَ عن الشَّافعي: إذا كان الخَرْقُ في مقدَّم الرِّجلِ أنه لا يجوز المسحُ عليه.
وقال الحسن بنُ حيّ: يَمسح على الخُفِّ إذا كان ما ظهر منه يُغْطِّيه الجَوْربُ،
فإنْ ظهر شيءٌ من القدم لم يمسح؛ قال أبو عمر(٤): هذا على مذهبه في المسح على
الجَوْربين إذا كانا ثَخينين؛ وهو قولُ الثَّوريِّ وأبي يوسفَ ومحمد، وهي:
الرابعةُ والعشرون: ولا يجوزُ المسح على الجَوْربين عندَ أبي حنيفة والشافعيِّ إلا
أنْ يكونا مجلَّدَين؛ وهو أحدُ قولَي مالكِ. وله قولٌ آخرُ: أنه لا يجوزُ المسحُ على
(١) في (م): ثلاث.
(٢) ينظر التمهيد ١٥٥/١١ - ١٥٦، والاستذكار ٢٥١/٢.
(٣) في (ز) و(ظ): توقيت.
(٤) في التمهيد ١٥٦/١١، وما قبله منه بنحوه، وينظر الاستذكار ٢٥٢/٢ - ٢٥٣.