Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ سورة النساء: الآيتان ١٤٨ - ١٤٩ والذي يقتضيه ظاهرُ الآيةِ أنَّ للمظلوم أنْ ينتصرَ من ظالمه - ولكن مع اقتصادٍ - إنْ كان مؤمناً كما قال الحسن؛ فَأَمَّا أنْ يُقابلَ القَذْفَ بالقذف ونحوه، فلا؛ وقد تقدَّم في ((البقرة))(١). فإن كان كافراً فأرسِلْ لسانَك، وادْع بما شئتَ من الهَلَكة وبكلِّ دعاء؛ كما فعل النَّبِيُّ ◌َ﴿ حيثُ قال: ((اللهم اشدُدْ وطأتكَ على مُضَر، واجعلها عليهم سِنينَ كسِنِي يوسف (٢))، وقال: ((اللهم عليك بفلانٍ وفلانٍ(٣)) سمَّاهم. وإن كان مجاهراً بالظلم دعا عليه جهراً، ولم يكن له عِرضٌ مُحترمٌ، ولا بَدَنٌ مُحترمٌ ولا مالٌ محترمٌ(٤). وقد روى أبو داود عن عائشةَ قال: سُرِق لها شيءٌ، فجعلتْ تدعو عليه، فقال رسولُ اللهِ ﴾: ((لاتُسبِّخِي عنه(٥))، أي: لا تخفّفي عنه العقوبةَ بدعائِك عليه(٦). وروى أيضاً عن عمرو بن الشَّريد عن أبيه، عن رسول الله ﴾ قال: ((ليُّ الواجِدِ(٧) يُحِلُّ عِرضَه وعقوبتَه)). قال ابن المبارك: يُحِلُّ عِرضَه: يُغلِظُ له، وعقوبته: ◌ُحبَس له(٨). وفي صحيح مسلم: ((مَظْلُ الغنيّ ظلمٌ (٩)). فالمُوسِر المتمكِّنُ إذا طولب بالأداء (١) ٢٥٥/٣ - ٢٥٦ . (٢) سلف ٤/ ٣٠٤ . (٣) قطعة من حديث عبد الله بن مسعود أخرجه أحمد (٣٧٢٢)، والبخاري (٣٨٥٤)، ومسلم (١٧٩٤). (٤) أحكام القرآن ١/ ٥١٣ . (٥) سنن أبي داود (١٤٩٧)، وهو عند أحمد (٢٤١٨٣). وفي سنده حبيب بن أبي ثابت قال العقيلي في الضعفاء ٢٦٣/١: له أحاديث لا يتابع عليها، وذكر منها هذا الحديث. (٦) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٥١٣/١ . (٧) بعدها في (د) و (م): ظلم، والمثبت من (ز) و (ظ)، وسنن أبي داود. (٨) سنن أبي داود (٣٦٢٨)، وأخرجه أيضاً النسائي ٣١٦/٧، وابن ماجه (٢٤٢٧)، هو عند أحمد (١٧٩٤٥)، وقد سلف ٢٥٦/٣، وقوله: ليُّ الواجد، أي: مطل القادر على قضاء دينه. النهاية (لو١) (و جد). (٩) صحيح مسلم (١٥٦٤) من حديث أبي هريرة ﴾. وأخرجه أيضاً أحمد (٨٩٣٨)، والبخاري (٢٢٨٧). ٢٠٢ سورة النساء: الآيتان ١٤٨ - ١٤٩ ومَطَل، ظَلَم، وذلك يُبيحُ من عِرضه أنْ يقالَ فيه: فلانٌ يَمِطُل الناسَ، ويَحِسُ حقوقَهم، ويُبيحُ(١) للإمام أدبَه وتعزيرَه حتى يرتدعَ عن ذلك. حُكي معناه عن سفيان(٢)، وهو معنى قولِ ابنِ المبارك رضي الله عنهما. الثانية: وليس من هذا البابِ ما وقع في صحيح مسلم من قول العبَّاس في عليٍّ رضي الله عنهما بحضرة عمرَ وعثمانَ والزبيرِ وعبد الرحمن بنِ عوف: يا أميرَ المؤمنين، اقض بيني وبينَ هذا الكاذبِ الآثمِ الغادرِ الخائن(٣). الحديث. ولم يردَّ عليه واحدٌ منهم؛ لأنها كانت حكومةً، كلُّ واحدٍ منهما يعتقدُها لنفسه، حتى أنفذ فيها عليهم عمرُ الواجبَ. قاله ابن العربي. وقال علماؤنا: هذا إنما يكونُ فيما إذا استوت المنازلُ أو تقاربت، وأما إذا تفاوتت، فلا تُمكَّنُ الغوغاءُ من أنْ تستطيلَ على الفضلاء، وإنما تطلبُ حقّها بمجرَّد الدَّعوى؛ من غير تصريحٍ بظلم ولا غضبٍ (٤). وهذا صحيحٌ، وعليه تَدُلُّ الآثار. ووجه آخرُ: وهو أنَّ هذا القولَ أخرجه من العباس الغضبُ وصولةُ سُلطةٍ (٥) العمومة! فإنَّ العمَّ صِنْؤُ(٦) الأب، ولا شكَّ أنَّ الأبَ إذا أَطلقَ هذه الألفاظَ على ولده إنما يُحمَلُ ذلك منه على أنه قصَدَ الإغلاظَ والرَّدْعَ مبالغةً في تأديبه، لا أنه موصوفٌ بتلك الأمورِ؛ ثم انضاف إلى هذا أنهم في مُحاجَّة ولاية دينيّة؛ فكان العباس يعتقد أنَّ مخالفتَه فيها لا تجوز، وأنَّ مخالفته فيها تؤدِّي إلى أنْ يتَّصفَ المخالفُ بتلك الأمور؛ فأَطلقَها ببوادر الغضب على هذه الأوجه؛ ولما علِم الحاضرون ذلك لم يُنكروا عليه. (١) في (ظ): يُباح. (٢) أورده القاضي عياض في إكمال المعلم ٢٣٣/٥ . (٣) صحيح مسلم (١٧٥٧): (٤٩)، وأخرجه أيضاً أحمد (٣٤٩)، والبخاري (٥٣٥٨) (٧٣٠٥)، من حديث مالك بن أوس الحدثاني. (٤) في النسخ الخطية: ولا غصب، والمثبت من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي. (٥) في (ظ): سلطنة. (٦) أي: مثل. ٢٠٣ سورة النساء: الآيتان ١٤٨ - ١٤٩ أشار إلى هذا المازَرِيُّ والقاضي عياض وغيرُهما(١). الثالثة: فأمّا من قرأ: ((ظَلَّمَ))، بالفتح في الظاء واللام - وهي قراءةُ زيدِ بنِ أسلم، وكان من العلماء بالقرآن بالمدينة بعدَ محمد بنِ كعب القُرِيِّ، وقراءةُ ابنِ أبي إسحاقَ والضَّحاكِ وابنِ عباس وابنٍ جبير وعطاء بنِ السَّائب(٢) - فالمعنى: إلا من ظَلَمَ في فعل أو قولٍ، فاجهَروا له بالسُّوء من القول؛ في معنى النهي عن فعله والتَّوبيخِ له والردِّ عليه؛ المعنى: لا يحبُّ الله أن يقالَ لمن تاب من النفاق: ألستَ نافقتَ؟ إلا من ظَلَم، أي: أقام على النِّفاق، ودلَّ على هذا قولُه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾(٣). قال ابن زيد(٤): وذلك أنه سبحانه لما أخبر عن المنافقين أنهم في الدَّرْك الأسفلِ من النار؛ كان ذلك جهراً بسوءٍ من القول، ثم قال لهم بعد ذلك: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]؛ على معنى التأنيسِ والاستدعاءِ إلى الشُّكر والإيمان. ثم قال للمؤمنين: ((لَا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلَّا مَن ظَلَمَ)) في إقامته على النفاق؛ فإنه يقال له: ألستَ المنافقَ الكافرَ الذي لك في الآخرة الذَّرْكُ الأسفلُ من النار؟ ونحوُ هذا من القول. وقال قوم: معنى الكلام: لا يحبُّ الله أنْ يجهرَ أحدٌ بالسُّوء من القول، ثم استثنى استثناءً منقطعاً؛ أي: لكن من ظَلَمَ فإنه يَجهَرُ بالسُّوء ظلماً وعدواناً وهو ظالمٌ في ذلك(٥). قلت: وهذا شأنُ كثيرٍ من الظّلَمة ودأبُهم؛ فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم، وينالون من عِرض مظلومِهم ما حُرِّم عليهم. وقال أبو إسحاق الزجَّاج(٦): يجوز أنْ يكونَ المعنى: ((إِلا من ظَلَمَ)) فقال (١) المعلم ١٦/٣، وإكمال المعلم ٦ / ٧٧ - ٧٨ . (٢) القراءات الشاذة ص ٣٠، والمحتسب ٢٠٣/١. (٣) انظر المحرر الوجيز ١٣٠/٢. (٤) رواه الطبري ٧/ ٦٣١ . (٥) المحرر الوجيز ١٣٠/٢. (٦) في معاني القرآن ٢/ ١٢٥ . ٢٠٤ سورة النساء: الآيتان ١٤٨ - ١٤٩ سوءاً، فإنه ينبغي أنْ تأخذوا على يديه، ويكونُ استثناءً(١) من الأوّل. قلت: ويدلُّ على هذا أحاديثُ، منها قولُه عليه الصَّلاة والسَّلام: ((خُذوا على أيدي سفهائكم))(٢). وقولُه: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً))، قالوا: هذا ننصرُهُ مظلوماً، فكيف ننصُرُه ظالماً؟ قال: ((تَكُفّه عن الظلم))(٣). وقال الفرَّاء: ((إِلا مَن ظَلَمَ)) يعني: ولا مَن ظلم(٤). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ تحذيرٌ للظالم حتى لا يظلمَ، وللمظلوم حتَّى لا يتعدَّى الحدَّ في الانتصار، ثم أَتبع هذا بقوله: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَنْ سُوٍّ﴾ فندب إلى العفو، ورغَّب فيه. والعفوُ من صفة اللهِ تعالى مع القدرة على الانتقام(٥)؛ وقد تقدّم في ((آل عمران)) فضلُ العافِين عن الناس(٦). ففي هذه الألفاظِ اليسيرةِ معانٍ كثيرةٌ لمن تأمَّلها. وقيل: إنْ عفوتَ فإنَّ الله يعفو عنك؛ روى ابنُ المبارك قال: حدَّثني مَن سمع الحسن يقول: إذا جَثَت الأممُ بين يدي ربِّ العالمين يومَ القيامة نُودي: لِيَقُم من أجرُه على الله، فلا يقومُ إلا من عفا في الدنيا (٧)؛ يُصَدِّق هذا الحديثَ قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. (١) في (د) و(م): الاستثناء، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لمعاني القرآن للنحاس ٢٢٦/٢، والكلام منه. (٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٤٩)، والبيهقي في الشعب (٧٥٧٧) من حديث النعمان بن بشير ﴾. (٣) سلف ٢٤٩/٣ . (٤) لم نقف على قول الفراء، وينظر الأُزهيَّة ص ١٨٧، والإنصاف ٢٦٦/١ - ٢٧٧ . (٥) ينظر المحرر الوجيز ١٣٠/٢. (٦) ٣١٩/٥ - ٣٢١. (٧) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٠٤. وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ١٩٩/١١ من حديث ابن عباس بنحوه. وأخرجه العقيلي في الضعفاء ٣/ ٤٤٧، والطبراني في الأوسط (٢٠١٩) عن الحسن عن أنس مرفوعاً مطولاً. قال المنذري في الترغيب ٢٧٥/١١: إسناده حسن. وقال الهيثمي في المجمع ٢٧٥/٥ : في إسناده الفضل بن يسار، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وبقية رجاله ثقات. ٢٠٥ سورة النساء: الآيتان ١٥٠ - ١٥١ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (6﴾. فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ لمّا ذَكر المشركين والمنافقين؛ ذَكَر الكفَّارَ من أهل الكتابِ؛ اليهود والنَّصارى؛ إذْ كفروا بمحمدٍ ﴾، وبيَّن أنَّ الكفرَ به كفرٌ بالكلِّ؛ لأنه ما من نبيِّ إلا وقد أَمر قومَه بالإيمان بمحمدٍ ﴾ وبجميع الأنبياءِ عليهم الصَّلاة والسَّلام. ومعنى ﴿وَيُِّدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، أي: بين الإيمانِ بالله ورسله(١) فنصَّ سبحانه على أنَّ التَّفريق بين اللهِ ورسلهِ كفرٌ؛ وإنما كان كفراً؛ لأنَّ اللهَ سبحانه فَرض على الناس أنْ يعبدوه بما شَرع لهم على ألسنة الرُّسل، فإذا جحدوا الرُّسلَ؛ ردُّوا عليهم شرائعَهم، ولمَ يَقْبَلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أُمروا بالتزامها؛ فكان كجَحد الصانعِ سبحانه، وجَحْدُ الصانعِ كفرٌ؛ لما فيه من ترك التزام الطّاعةِ والعبوديَّة. وكذلك التفريقُ(٢) بين رسلِه في الإيمان بهم كفرٌ، وهي: المسألة الثانية؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُّؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾، وهم اليهودُ؛ آمنوا بموسى، وكفروا بعيسى ومحمد؛ وقد تقدَّم هذا من قولهم في ((البقرة))(٣). ويقولون لعوامّهم: لم نجدْ ذِکرَ محمدٍ في كُبنا. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، أي: يشَّخذوا بين الإيمانِ والجَحْدِ طريقاً، أي: ديناً مُبتدَعاً بين الإسلام واليهودية. وقال: ((ذلِك))، ولم يقل: ذَيْنِك؛ لأنَّ (١) ينظر الوسيط ١٣٥/٢، والمحرر الوجيز ١٣٠/٢. (٢) في النسخ الخطية: الفرق، والمثبت من (م). (٣) ٢٤٦/٢ . ٢٠٦ سورة النساء: الآيات ١٥٠ - ١٥٣ ذلك تقع للاثنين، ولو كان ذَينِك لجاز(١). الثالثة: قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّاْ﴾ تأكيدٌ يزيلُ التوهُمَ في إيمانهم حينَ وصفَهم بأنهم يقولون: نؤمن ببعض، وأنَّ ذلك لا ينفعُهم إذا كفروا برسوله(٢)؛ وإذا كفروا برسوله، فقد كفروا به عزَّ وجلَّ، وكفروا بكلِّ رسولٍ مبشِّرٍ بذلك الرسول، فلذلك صاروا الكافرین حقًّا. و﴿ لِلْكَفِرِينَ﴾ يقوم مقامَ المفعولِ الثاني لأعتذْنا(٣)؛ أي: أعتدنا لجميع أصنافِهم ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾، أي: مُذِلًّا. قوله تعالى: ﴿وَذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَكَ ١٥ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اَللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا يعني به النبيَّ ﴿ وأُمَّته. قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىَ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا ◌َللَّهَ جَهْرَةٌ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّحِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ أَتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَِّنَتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا ثُبِينًا @) سألت اليهودُ محمداً ﴿ أنْ يصعدَ إلى السَّماء وهم يرَونه، فيُنزِلَ عليهم كتاباً مكتوباً فيما يذَّعيه على صِدقه دفعةً واحدةً، كما أتى موسى بالتوراة؛ تَعنَّاً لِه ◌ِ﴾؛ فَأَعلم الله عزَّ وجلَّ أنَّ آباءهم قد عَنَّتوا موسى عليه السَّلام بأكبرَ من هذا، ﴿فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، أي: عِياناً، وقد تقدّم في ((البقرة))(٤). (١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ١/ ٥٠٠، وتفسير البغوي ٤٩٤/١ . (٢) ينظر الوسيط ١٣٥/٢، وزاد المسير ٢٤٠/٢ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٥٠٠/١ . (٤) ٢/ ١١٤ - ١١٥ . ٢٠٧ سورة النساء: الآيتان ١٥٣ - ١٥٤ و((جهرةً)) نعتٌ لمصدر محذوفٍ، أي: رؤيةً جَهرةً (١)؛ فعوقبوا بالصَّاعقة؛ لِعظَم ما جاؤوا به من السُّؤال والظلم بعدَ (٢) ما رأوا من المعجزات. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَّخَذُواْ الْعِجْلَ﴾ في الكلام حذفٌ تقديره(٣): فأحييناهم، فلم يَبرَحُوا فانَّخِذُوا العجل؛ وقد تقدَّم في ((البقرة))(٤)، ويأتي ذكره في ((طه)(٥) إِنْ شاء الله. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيْنَتُ﴾، أي: البراهينُ والدَّلالاتُ والمعجزاتُ الظاهراتُ من اليد والعصا وفَلْقِ البحرِ وغيرِها بأنه لا معبودَ إلا الله عزَّ وجلَّ (٦). ﴿فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكٌ﴾، أي: عمَّا كان منهم من التَعنُّت. ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَنًا مُبِينًا﴾، أي: حُجَّةُ بيِّنةٌ، وهي الآياتُ التي جاء بها؛ وسُمِّيت سلطاناً؛ لأنَّ من جاء بها قاهرٌ بالحجة، وهي قاهرةٌ للقلوب، بأنْ يَعلَمَ (٧) أنه ليس في قُوى البشرِ أنْ يأتوا بمثلها (٨). قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الْعُوَرَ بِمِيْثَقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُ أَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَمْ لَا تَعْدُواْ فِ السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِِّتَقًّا غَلِفًا (g®)﴾ قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوَقَّهُمُ اُلْتُلُوَرَ بِمِيثَِهِمْ﴾، أي: بسبب نقضِهم الميثاقَ الذي أُخِذ منهم، وهو العملُ بما في التوراة (٩)؛ وقد تقدَّم رفعُ الجبلِ ودخولُهم البابَ في (١) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٥٠١، وينظر تفسير الطبري ٦٣٩/٧. (٢) في (م): من بعد. (٣) لفظة: تقديره، من (م). (٤) ٢ / ١٠٣. (٥) عند تفسير الآية (٨٨) منها. (٦) انظر إعراب القرآن للنحاس ١/ ٥٠١ . (٧) في (م): تعلم. (٨) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٥٠١ . (٩) ينظر مجمع البيان ٦/ ٢٧٩ . ٢٠٨ سورة النساء: الآيات ١٥٤ - ١٥٦ ((البقرة))(١). و﴿سُتَّدًا﴾ نصب على الحال. وقرأ ورش وحدَه: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعَدُّوا فِي السَّبْت﴾ بفتح العينِ (٢) من عَدَا يَعْدو عَدْواً وعُدْواناً وعُدُوًّا وعَدَاءً (٣)، أي: باقتناص الحِيتانِ. كما تقدّم في ((البقرة)) (٤). والأصل فيه: تعتدوا، أُدغمت التاءُ في الدال. قال النحاس(٥): ولا يجوزُ إسكانُ العينِ، ولا يُوصَلُ إلى الجمع بينَ ساكنين في هذا، والذي يقرأُ بها إنما يَرُوم الخطأ(٦). ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ فِتَقًّا غَلِفًا﴾ يعني العهدَ الذي أُخذ عليهم في التوراة. وقيل: عهدٌ مؤكّدٌ باليمينِ، فسُمِّي غليظاً لذلك. قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بَِايَتِ الَّهِ وَقَبْلِهِمُ الْأَنِيَّةَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَّا عَظِيمًا ١٥٦ قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ﴾ ((فِما نقضِهِم)) خفض بالباء، و((ما)) زائدةٌ(٧) مؤكدةٌ، كقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقد تقدّم(٨)؛ والباء متعلقةٌ بمحذوف، التقدير: فبنقضهم ميثاقَهم لعنَّاهم؛ عن قتادةَ(٩) وغيرِه. وحذف هذا لعِلْم (١) ٢ /١٢٣، ١٦٤ - ١٦٥ . (٢) السبعة ص ٢٤٠، والتيسير ص٩٨ . (٣) تفسير الطبري ٧/ ٦٤٤، والوسيط ١٣٦/٢ . (٤) ١٦٨/٢ - ١٦٩ . (٥) في إعراب القرآن ١/ ٥٠١ ، وما قبله منه. (٦) قد تواترت الرواية بإسكان العين وإخفائها مع تشديد الدال، وهما وجهان لقالون عن نافع، وينظر الحجة ١٩١/٣ - ١٩٣، والتيسير ص٩٨ . (٧) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٥٠٢ . (٨) ٣٧٧/٥ - ٣٧٨، وانظر تفسير البغوي ١/ ٤٩٥. (٩) أخرجه الطبري ٧/ ٦٤٧ . ٢٠٩ سورة النساء: الآيتان ١٥٥ - ١٥٦ السَّامع(١). وقال أبو الحسن عليّ بنُ حمزةَ الكسائيُّ: هو متعلُّقٌ بما قبلَه؛ والمعنى: ((فأخذَتهم الصَّاعقةُ بظلمهم)) إلى قوله: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثاقَهُم))، قال: ففسَّر ظلمَهم الذي أخذتهم الصَّاعقةُ من أجله بما بعدَه من نقضهم الميثاقَ، وقتلِهم الأنبياءَ، وسائرٍ ما بيَّن من الأشياءِ التي ظَلَموا فيها أنفسَهم (٢). وأنكر ذلك الطبريُّ(٣) وغيره؛ لأنَّ الذين أخذتهم الصَّاعقةُ كانوا على عهد موسى، والذين قَتلوا الأنبياءَ، ورَموا مريمَ بالبهتان كانوا بعدَ موسى بزمان، فلم تأخذ الصَّاعقةُ الذين أَخذَتهم برميهم مریمَ بالبهتان(٤). قال المهدويُّ وغيره: وهذا لا يلزم؛ لأنه يجوزُ أنْ يُخبِرَ عنهم والمرادُ آباؤهم؛ على ما تقدَّم في ((البقرة))(٥). قال الزجاج: المعنى: فبنقضهم ميثاقَهم حرَّمنا عليهم طيباتٍ أُحلَّت لهم؛ لأنَّ هذه القصةَ ممتدةٌ إلى قوله: ﴿فَيُظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا﴾. ونقضُهم الميثاقَ أنه أَخَذَ عليهم أنْ يبِيِّنُوا صفةَ النَّبِيِّ ﴾(٦). وقيل: المعنى: فبنقضهم ميثاقَهم وفعلِهم كذا وفعلِهم كذا طبع الله على (٧) قلوبهم (٧). وقيل: المعنى: فبنقضهم (٨) لا يؤمنون إلا قليلاً؛ والفاء مقحَمةٌ(٩). ﴿ وَكُفْرِهِم﴾ عطف، وكذا ﴿وَقَتْلِهِمُ﴾. (١) ينظر المحرر الوجيز ١٣٢/٢. (٢) معاني القرآن للنحاس ٢٣٢/٢، وينظر مجمع البيان ٢٨١/٦ . (٣) في تفسيره ٧/ ٦٤٨ - ٦٤٩ . (٤) ينظر معاني القرآن للنحاس ٢٣٢/٢. (٥) ٢٣٥/٢. (٦) معاني القرآن للزجاج ١٢٧/٢، ومعاني القرآن للنحاس ٢٣٢/٢، وعنه نقل المصنف. (٧) ينظر تفسير الطبري ٧/ ٦٤٨، والوسيط ١٣٦/٢، وزاد المسير ٢٤٣/٢ . (٨) في النسخ: بنقضهم، والمثبت من (م). (٩) يعني في قوله تعالى: ﴿فلا يؤمنون .. ﴾، ينظر البحر المحيط ٣٨٩/٣، وفتح القدير ٥٣٤/١. ٢١٠ سورة النساء: الآيات ١٥٥ - ١٥٨ والمراد ﴿يَايَتِ اللَّهِ﴾ كتبهم التي حرَّفوها. و﴿غُلْفٌُ﴾ جمع غلاف؛ أي: قلوبُنا أوعيةٌ للعلم، فلا حاجةً بنا إلى علم سوى ما عندنا. وقيل: هو جمع أَغَف، وهو المغّى بالغِلاف؛ أي: قلوبُنا في أغطية، فلا نفْقَهُ ما تقول(١)؛ وهو كقوله: ﴿قُلُوبُنَا فِىَّ أَكِنَّةِ﴾ [فصلت: ٥]، وقد تقدَّم هذا في ((البقرة))(٢)، وغرَضُهم بهذا دَرْءُ حُجَّةِ الرُّسل. والطبعُ: الختم؛ وقد تقدَّم في ((البقرة))(٣). ﴿يِكُفْرِهِمْ﴾، أي: جزاء لهم على كفرهم؛ كما قال: ﴿بل ◌َعَنَهُمُ اللّهُ يَكُفْرِهِمٍ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]، أي: إلا إيماناً قليلاً، أي: ببعض الأنبياء، وذلك غيرُ نافعٍ لهم. ثم كرر ﴿وَيَكُفْرِهِمْ﴾ ليُخبرَ أنهم كفروا كفراً بعدَ كفر. وقيل: المعنى: ((وبِكُفْرِهم)) بالمسيح (٤)؛ فحذف لدلالة ما بعدَه عليه، والعاملُ في: ((بِكُفْرِهِم)) هو العاملُ في: ((بِنَقْضِهِم))؛ لأنه معطوفٌ عليه، ولا يجوز أنْ يكونَ العاملُ فيه: ((طَبَعَ)). والبهتانُ العظيمُ: رميُها بيوسفَ النَّجَّار، وكان من الصَّالحين منهم(٥). والبهتان: الكذبُ المفرِطُ الذي يُتعجَّبُ منه، وقد تقدّم (٦). والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْتَ رَسُولَ الَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا ج صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمَّ وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكِ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِلَّا انِبَاعَ الَِّنَّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيَنًا (َ بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (10) قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَفَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ﴾ كُسرت ((إِنّ))؛ لأنها مبتدأةٌ (١) ينظر تفسير أبي الليث ١/ ٤٠٢، والنكت والعيون ٥٤٢/١ . (٢) ٢٤٦/٢. (٣) ٢٨٤/١ . (٤) ينظر النكت والعيون ٥٤٣/١، وزاد المسير ٢٤٤/٢. (٥) ينظر تفسير أبي الليث ٤٠٢/١، والوسيط ١٣٧/٢. (٦) ٥/ ٢٤٣ . ٢١١ سورة النساء: الآيتان ١٥٧ - ١٥٨ بعدَ القول، وفتحُها لغة. وقد تقدَّم في ((آل عمران)) اشتقاقُ لفظِ المسيحِ(١). ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ بدل، وإنْ شئتَ على معنى: أعني (٢). ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ ردٌّ لقولهم. ﴿وَلَكِنْ شُّهَ لَمْ﴾، أي: أُلقي شَبَهُه على غيره، كما تقدَّم في ((آل عمران))(٣). وقيل: لم يكونوا يعرِفون شخصَه، وقَتلوا الذي قتلوه وهم شاُون فيه (٤)؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَِّ مِنْهُ﴾. والإخبار قيل: إنه عن جميعهم. وقيل: إنه لم يختلف فيه إلا عوامُهم؛ ومعنى اختلافِهم قولُ بعضِهم: إنه إله، وبعضهم: هو ابنُ الله. قاله الحسن(٥). وقيل: اختلافهم أنَّ عوامَّهم قالوا: قَتَلْنا عيسى، وقال من عاين رَفْعَه إلى السَّماء: ما قَتَلْناه. وقيل: اختلافهم أنَّ النُّسْطُورِيَّةَ من النَّصارى قالوا: صُلِب عيسى من جهة ناسُوتِه، لا من جهة لاهُوته، وقالت المَلْكانيَّة: وقع الصَّلبُ والقتلُ على المسيح بكماله ناسوتهِ ولا هوتِهِ(٦). وقيل: اختلافُهم هو أنهم قالوا: إنْ كان هذا صاحبَنا، فأين عيسى؟! وإنْ كان هذا عيسى، فأين صاحبُنا؟! وقيل: اختلافهم هو أنَّ اليهودَ قالوا: نحن قتلناه؛ لأنَّ يهوذا رأسُ اليهودِ، وهو الذي سعى في قتله. وقالت طائفةٌ من النَّصارى: بل قتلناه نحن. (١) ١٣٥/٥ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٥٠٢/١ . (٣) ١٥٣/٥ - ١٥٤. (٤) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٢٨/٢ . (٥) في النسخ: قال الحسن، والمثبت من (م)، وأورد قوله الطبرسي في مجمع البيان ٦/ ٢٨٣ - ٢٨٤. (٦) ينظر تفسير الرازي ١٠١/١١ . ٢١٢ سورة النساء: الآيتان ١٥٧ - ١٥٨ وقالت طائفةٌ منهم: بل رفعه الله إلى السَّماء ونحن ننظرُ إليه(١). ﴿مَا لَهُم بِهِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ من زائدة؛ وتمَّ الكلام. ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿إِلَّا لِبَعَ الَِّنِّ﴾ استثناء ليس من الأوّل في موضع نصب، ويجوزُ أنْ يكونَ في موضع رفعٍ على البدل، أي: ما لهم به علمٌ(٢) إلا اتباعُ الظن. وأنشد سيبويه(٣): وبلدةٍ ليس بها أنِيسُ إلَّا اليعافيرُ وإلا العِيسُ(٤) قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾، قال ابن عباس والسُّدِّيّ: المعنى: ما قتلوا ظنَّهم يقيناً؛ كقولك: قتلتُه عِلماً: إذا علِمتَه عِلماً تامًّا؛ فالهاء عائدةٌ على الظنّ(٥). قال أبو عبيد: ولو كان المعنى: وما قتلوا عيسى يقيناً، لقال: وما قتلوه فقط(٦). وقيل: المعنى: وما قتلوا الذي شُبِّه لهم أنه عيسى يقيناً؛ فالوقف على هذا على: (يَقِیناً)). وقيل: المعنى: وما قتلوا عيسى، والوقفُ على: ((وَمَا قَتَلُوهُ)). و((يَقِيناً)) نعتٌ المصدر محذوفٍ، وفيه تقديران: أحدهما: أي: قالوا هذا قولاً يقيناً، أو قال(٧) الله هذا قولاً يقيناً. والقول الآخر: أنْ يكونَ المعنى: وما علموه علماً يقيناً، النحاس(٨). إنْ قدَّرتَ المعنى: بل رفعه الله إليه يقيناً، فهو خطأ؛ لأنه لا يَعملُ ما بعد (بَلْ)) (١) ينظر تفسير البغوي ٤٩٦/١، ومجمع البيان ٦/ ٢٨٢ . وزاد المسير ٢٤٥/٢. (٢) في النسخ: من علم، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٥٠٢/١، والكلام منه. وينظر مشكل إعراب القرآن لمكي ٢١٢/١ . (٣) في الكتاب ٣٢٢/٢. (٤) البيت لجِران العَوْد، وسلف ٣١٢/٥. (٥) ينظر المحرر الوجيز ١٣٤/٢، وأخرج قول ابن عباس والسديِّ الطبريُّ ٧/ ٦٦٢. (٦) معاني القرآن للنحاس ٢٣٤/٢. (٧) في النسخ: وقال، والمثبت من (م). (٨) في إعراب القرآن ١/ ٥٠٣ بنحوه. ٢١٣ سورة النساء: الآيات ١٥٧ - ١٥٩ فيما قبلَها؛ لضعفها، وأجاز ابنُ الأنباريِّ(١) الوقفَ على: ((وَمَا قَتَلُوهُ))؛ على أنْ ينصبَ (يقِيناً)) بفعل مضمرٍ هو جوابُ القسمِ، تقديرُه: ولقد صدّقتم يقيناً، أي: صدقاً يقيناً. ﴿بَلِ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ابتداءُ كلام مستأنف، أي: إلى السماء، والله تعالى متعالٍ عن المكان؛ وقد تقدَّم كيفيةُ رفعِه في ((آل عمران))(٢). ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيْزًا﴾، أي: قويًّا بالنقمة من اليهود، فسلَّط عليهم بطرس بن أستيسانوس الرُّومي، فقتل منهم مَقْتلةٌ عظيمةٌ(٣). ﴿حَكِيمًا﴾ حَكم عليهم باللعنة والغضب. قوله تعالى: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنِهِ، وَيَوْمَ الْقِيَّمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا قوله تعالى: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِ قَبْلَ مَوْتِهٍ﴾. قال ابن عباس والحسنُ ومجاهدٌ وعِكرِمة: المعنى: لَيؤمِننَّ بالمسيح ((قبلَ موته))، أي: الكتابيُّ؛ فالهاء الأولى عائدةٌ على عيسى، والثّانيةُ على الكتابيِّ، وذلك أنه ليس أحدٌ من أهل الكتابِ اليهودِ والنصارى إلا ويؤمنُ بعيسى عليه السلام إذا عاينَ المَلَك، ولكنه إيمانٌ لا ينفعُ(٤)؛ لأنه إيمانٌ عندَ اليأسِ وحينَ التلبُّسِ بحالة الموت، فاليهوديُّ يُقِرُّ في ذلك الوقت بأنه رسولُ الله، والنصرانيُّ يقرُّ بأنه كان رسولَ الله. ورُوي أنَّ الحَجَّاجَ سأل شَهْرَ بنَ حَوْشَبٍ عن هذه الآيةِ، فقال: إني لَأُوتَى بالأسير من اليهود والنَّصارى، فآمرُ بضرب عُنُقِه، وأنظرُ إليه في ذلك الوقتِ، فلا أرى منه الإيمانَ، فقال له شَهْرُ بنُ حوشَب: إنه حينَ عاينَ أمرَ الآخرةِ يُقرُّ بأنَّ عیسی (١) ينظر إيضاح الوقف والابتداء ٢ /٦٠٩ . (٢) ٥/ ١٥٢. (٣) ينظر تفسير البغوي ٢/ ٤٩٦، وفيه: ينطيونس بن اسبسيانوس. (٤) ينظر المحرر الوجيز ١٣٤/٢، والأقوال رواها الطبري في تفسيره ٦٦٧/٧ - ٦٧٠. ٢١٤ سورة النساء: الآية ١٥٩ عبدُ اللهِ ورسولُه، فيؤمنُ به ولا ينفعُه، فقال له الحَجَّاج: من أينَ أخذْتَ هذا؟ قال: أخذتُه من محمد ابنِ الحنفيَّة؛ فقال له الحَجَّاج: أَخذتَ من عينٍ صافية (١). ورُوي عن مجاهدٍ أنه قال: ما من أحدٍ من أهل الكتابِ إلا يؤمنُ بعيسى قبلَ موتِهِ؛ فقيل له: وإن (٢) غرِق أو احترَقَ أو أكله السَّبُع يؤمنُ بعيسى؟! فقال: نعم. وقيل: إنَّ الهاءين جميعاً لعيسى عليه السَّلام؛ والمعنى: ليؤمِنَنَّ به من كان حيًّا حينَ نزوله يومَ القيامة(٣). قاله قتادةُ وابنُ زيدٍ وغيرُهما، واختاره الطبريُّ(٤). ورَوى يزيد بنُ زُرَيْع، عن رجل، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ اَلْكِنَبٍ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ إِ قَبْلَ مَوْنٍِ﴾، قال: قبلَ موتٍ عيسى؛ واللهِ إنه لَحَيٍّ عندَ اللهِ الآنَ؛ ولكنْ إذا نزل آمَنوا به أجمعون(٥)؛ ونحوُه عن الضَّحاك وسعيد بنِ جُبير (٦). وقيل: (لَيُؤْمِنَنَّ به))، أي: بمحمدٍ عليه الصلاة والسَّلام وإنْ لم يجرِ ذِكْرٌ (٧)؛ لأنَّ هذه الأقاصيصَ أُنزلت عليه، والمقصودُ الإيمانُ به، والإيمانُ بعيسى يتَضمَّنُ الإيمانَ بمحمدٍ عليه الصَّلاة والسَّلام أيضاً؛ إذْ لا يجوزُ أنْ يُفرّقَ بينهم. وقيل: ((لَيؤمنَنَّ بِهِ))، أي: بالله تعالى قبلَ أنْ يموتَ، ولا ينفعه الإيمانُ عند المعاينة (٨)، والتأويلان الأوّلان أظهر. ورَوى الزُّهريُّ عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ # أنه قال: (١) تفسير أبي الليث ٤٠٣/١ . (٢) في (خ) و (د) و(م): إن، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لتفسير أبي الليث ٤٠٣/١، والأثر منه، وأخرجه الطبري ٧/ ٦٦٧ بنحوه. (٣) أي: قُربَ يومِ القيامة. (٤) في تفسيره ٧/ ٦٧٢، وقول قتادة وابن زيد فيه ٧/ ٦٦٥ - ٦٦٦ . (٥) أخرجه أبو الليث في تفسيره ١/ ٤٠٣، وأخرجه الطبري ٧/ ٦٦٥ من طريق أبي رجاء عن الحسن به. (٦) أورده أبو الليث في تفسيره ١/ ٤٠٣، وينظر النكت والعيون. (٧) ينظر معاني القرآن للنحاس ٢٣٦/٢-٢٣٧. (٨) ينظر تفسير البغوي ١/ ٥٩٧ . ٢١٥ سورة النساء: الآيات ١٥٩ - ١٦٠ (لَيَنْزِلَنَّ ابنُ مريمَ حَكَماً عَدْلاً، فَلَيقتُلَنَّ الدَّجَّالَ، ولَيَقْتُلَنَّ الخِنزِيرَ، وليَكسِرنَّ الصَّليبَ، وتكونُ السَّجدة واحدةً لله ربِّ العالمين)). ثم قال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنِ﴾. قال أبو هريرة: قبلَ موتِ عيسى؛ يعيدُها ثلاثَ مرَّات(١). وتقديرُ الآيةِ عندَ سيبويه(٢)؛ وإنْ من أهل الكتابِ أحدٌ إلا لَيؤمِنَنَّ به. وتقديرُ الكوفيين: وإنْ من أهل الكتابِ إلا مَنْ لَيؤمنَنَّ به، وفيه قُبْحٌ؛ لأنَّ فيه حذفَ الموصول، والصِّلةُ بعضُ الموصولِ، فكأنه حذَفَ بعضَ الاسم(٣). قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ اُلْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، أي: بتكذيب من كذَّبه وتصديقٍ من صَدَّقَه(٤). قوله تعالى: ﴿فَيُظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ وَأَخَذِهِمُ الْرِّبَؤْ وَقَدْ نُهُواْ عَنَّهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَلَ النَّسِ بِلْبَطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣)﴾. فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿فَيُظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾، قال الزجاج: هذا بدلٌ من: ((فيما نقضهم))(٥). والطيبات مانصّه في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى خُفْرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]. (١) معاني القرآن للنحاس ٢٣٥/٢، والحديث أخرجه البخاري (٣٤٤٨)، ومسلم (١٥٥) بنحوه دون قوله: قال أبو هريرة: قبل موت عيسى ... ، وهو من طريق أخرى عند أحمد (٧٩٠٣). (٢) في الكتاب ٣٤٥/٢ . (٣) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٥٠٣/١ -٥٠٤ . (٤) تفسير الطبري ٧/ ٦٧٥ - ٦٧٦، ومجمع البيان ٦/ ٢٨٧ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٥٠٤ . ٢١٦ سورة النساء: الآيتان ١٦٠ - ١٦١ وقدّم الظلم على التحریم؛ إذ هو الغرضُ الذي قُصد إلى الإخبار عنہ بأنه سببُ التحريم. ﴿وَبِصَدِهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: وبصدِّهم أنفسَهم وغيرهم عن اتباع محمدٍ ﴾. ﴿﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَقْوَلَ اَّاسِ يَلْبَطِلِ﴾ كلُّه تفسيرٌ للظلم الذي تعاطُوه، وكذلك ما قبلَه من نقضهم الميثاقَ وما بعده؛ وقد مضى في ((آل عمران))(١) اختلافُ(٢) العلماءِ في سبب التحريم على ثلاثة أقوالٍ، هذا أحدُها. الثانية: قال ابن العربي(٣): لا خلافَ في مذهب مالكِ أنَّ الكفارَ مخاطبون، وقد بَيَّن الله في هذه الآيةِ أنهم قد نُهوا عن الرِّبا وأكلِ المال(٤) بالباطل، فإنْ كان ذلك خبراً عما نزل على محمدٍ في القرآن، وأنهم دخلوا في الخطاب، فبها ونِعْمت، وإنْ كان خبراً عما أنزل الله على موسى في التوراة، وأنهم بدَّلوا وحَرَّفوا وعَصَوا وخالفوا، فهل يجوزُ لنا معاملتُهم والقومُ قد أفسَدوا أموالَهم في دينهم، أم لا؟ فظنت طائفةٌ أنَّ معاملتَهم لا تجوز؛ وذلك لِما في أموالهم من هذا الفساد. والصَّحیحُ جوازٌ معاملتهم مع رباهم واقتحام ما حرَّم الله سبحانه عليهم؛ فقد قام الدليلُ القاطعُ على ذلك قرآناً وسُنَّةً؛ قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُ﴾ [المائدة: ٥] وهذا نَصِّ؛ وقد عاملَ النبيُّ :﴿ اليهودَ، ومات ودِرعُه مرهونةٌ عندَ يهوديٍّ في شعير أخَذَه لعياله(٥). والحاسمُ لداء الشَّكِّ والخلافِ اتفاقُ الأمّةِ على جواز التجارةِ مع أهلٍ الحرب، وقد سافر النَّبِيُّ ﴾ إليهم تاجراً (٦)، وذلك من سفره أمرٌ قاطعٌ على جواز السفرِ إليهم، والتجارةِ معهم. (١) ٢٠٣/٥. (٢) في (م): أن اختلاف. (٣) في أحكام القرآن ١/ ٥١٤ - ٥١٥ . (٤) في (م): الأموال. (٥) سلف ٤٥٩/٤ . (٦) ينظر السيرة النبوية ١٨٧/١ - ١٨٨، وطبقات ابن سعد ١٦/٨. ٢١٧ سورة النساء: الآيات ١٦٠ - ١٦٢ فإن قيل: كان ذلك قبلَ النبوّة، قلنا: إنه لم يتدتَّسْ قبلَ النبوّةِ بحرام - ثَبت ذلك تواتراً - ولا اعتَذر عنه إذْ بُعِث، ولا مَنعَ منه إذْ نُبِّئ، ولا قطعه أحدٌ من الصحابة في حياته، ولا أحدٌ من المسلمين بعدَ وفاتِه؛ فقد كانوا يسافرون في فكِّ الأسرى، وذلك واجبٌ(١)، وفي الصُّلح كما أرسلَ عثمانَ وغيرَهُ(٢)؛ وقد يجبُ، وقد يكون ندباً؛ فأمَّا السَّفرُ إليهم لمجرَّد(٣) التجارةِ، فمباحٌ. قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَاَلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَّاً أُنزِلَ مِن قَبْلِكٌ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَّةَ وَالْمُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَالْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ أُوْلَْكَ سَنُؤْتِهِمْ أَبْرًّاً عَظَ ﴾ ﴾ قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُِونَ فِ الْعِلْرِ مِنْهُمْ﴾ استثنى مؤمني أهلِ الكتاب؛ وذلك أنَّ اليهودَ أنكروا، وقالوا: إنَّ هذه الأشياءَ كانت حراماً في الأصل، وأنت تُحلُّها، ولم تكن حُرِّمتْ بظلمنا(٤)؛ فنزل: ﴿لَكِنِ الَّسِخُونَ فِىِ الْعِلِّ﴾، والراسخُ هو المبالغُ في علم الكتابِ الثابتُ فيه(٥)، والرُّسوُ: الثُّبوتُ؛ وقد تقدَّم في ((آل عمران))(٦)، والمراد: عبدُ اللهِ بنُ سلَام وكعبُ الأحبار ونظراؤهما(٧) . ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، أي: من المهاجرين والأنصارِ وأصحاب(٨) محمدٍ عليه الصلاة والسلام(٩). ﴿ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ﴾ وقرأ الحسن ومالك بن دينار وجماعة: ((والمقيمون))، على (١) ينظر ما سلف ٢/ ٢٤٢. (٢) ينظر السيرة النبوية ٣١٥/٢، وطبقات ابن سعد ٤٦١/١. (٣) في (ز) و (ظ): بمجرد، وفي (د): فبمجرد، والمثبت من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي ٥١٥/١ . (٤) في النسخ: بظنها، والمثبت من (م). (٥) ينظر تفسير أبي الليث ٤٠٣/١ - ٤٠٤، وتفسير الطبري ٧/ ٦٧٨ - ٦٧٩ . (٦) ٥/ ٢٥ . (٧) ينظر الوسيط ١٣٩/٢، والمحرر الوجيز ١٣٥/٢. (٨) في (م): والأنصار أصحاب. (٩) ينظر الكشاف ١/ ٥٨٢ . ٢١٨ سورة النساء: الآية ١٦٢ العطف(١)، وكذا هو في حرف عبدِ الله(٢)، فأما حرفُ أُبيِّ فهو فيه: ((والمقيمين)) كما في المصاحف(٣). واختلف في نصبه على أقوال ستّة؛ أصحُها قولُ سيبويه (٤) بأنه نصب على المدح، أي: وأعني المقيمين؛ قال سيبويه: هذا بابُ ما ينتصبُ على التَّعظيم؛ ومن ذلك: ﴿ وَاَلْقِيِمِينَ الصَّلَوْءُ﴾، وأنشد: وكلُّ قومٍ أطاعوا أمرَ سيِّدِهم إِلا نُميراً أطاعتْ أمرَ غاويها ويُروى: أمرَ مُرشدِهم. الظَّاعِنين ولمَّا يُظْعِنُوا أحداً والقائِلون لِمَنْ دارٌ نُخَلِّيها(٥) وأنشد: سُمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ لا يَبْعدَنْ قومي الذَّین هُمُ والطّيّبُونَ مَعَاقِدَ الأُزْرِ (٦) الثَّازِلِين بكُلِّ مُعْتَرَكٍ قال النحاس(٧): وهذا أصحُّ ما قيل في: ((المقيمين)). وقال الكِسائيّ: (والمقِيمِين)) معطوفٌ على ((ما))(٨). قال النحاس: قال الأخفش(٩): وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ المعنى يكونُ: ويؤمنون (١) نسبها ابن جني في المحتسب ٢٠٣/١، والزمخشري في الكشاف ١/ ٥٨٢ لمالك بن دينار، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٣٠ للجحدري ولم نقف على من نسبها للحسن. (٢) معاني القرآن للفراء ١٠٦/١، وتفسير الطبري ٧/ ٦٨١. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٥٠٥/١- ٥٠٦، وينظر تفسير الطبري ٧/ ٦٨٤ . (٤) في الكتاب ٦٢/٢ - ٦٤ . (٥) في النسخ: يخليها، والمثبت من (م)، ومصادر التخريج، والبيتان لابن خيَّاط العُكْلي، وقد سلفا ٥٦/٣ . (٦) قائل البيتين الخرنق بنت هفان، وقد سلفا ٥٦/٣ . (٧) في إعراب القرآن ١/ ٥٠٥ ، وما قبله منه. (٨) ينظر مشكل إعراب القرآن ٢١٢/١، ومجمع البيان ٦/ ٢٩٠ . (٧) قوله: قال الأخفش، ليست في المطبوع من إعراب القرآن للنحاس ٥٠٥/١، وهو في نسخة منه، كما أشار إليه محققه في الحاشية. ولم نقف على كلام الأخفش في معاني القرآن له. ٢١٩ سورة النساء: الآية ١٦٢ بالمقيمين. وحكى محمد بنُ جرير(١) أنه قيلَ(٢): إنَّ المقيمين ههنا الملائكةُ عليهم السَّلام؛ لدوامهم على الصَّلاة والتَّسبيح والاستغفار، واختارَ هذا القولَ، وحَكى أنَّ النَّصبَ على المدح بعيدٌ؛ لأنَّ المدحَ إنما يأتي بعدَ تمامِ الخبر، وخبر الراسخين في: ((أُولَئِكَ سَنُؤْتِهِمْ أَجْراً عَظِيماً))، فلا ينتصبُ ((المقيمين)) على المدح. قال النحاس(٣): ومذهبُ سيبويه في قوله: ((والْمُؤْتُونَ)) رفعٌ بالابتداءِ(٤). وقال غيره: هو مرفوعٌ على إضمار مبتدأ؛ أي: هم المؤتون الزكاةَ. وقيل: ((والمقِيمِين)) عطفٌ على الكافِ التي في ((قَبْلِكَ))، أي: من قبلك ومن قبل المقيمين. وقيل: ((المقِيمِين)) عطفٌ على الكاف التي في ((إِلَيْكَ))(٥). وقيل: هو عطفٌ على الهاء والميم، أي: منهم ومن المقيمين؛ وهذه الأجوبةُ الثلاثةُ لا تجوز؛ لأنَّ فيها عطفَ مُظْهر على مُضْمر مخفوض. والجواب السَّادس: ما رُوي أنَّ عائشةَ رضي الله عنها سُئلت عن هذه الآيةِ وعن قوله: ﴿إِنَّ هذانِ لساحران﴾ [طه: ٦٣]، وقوله: ﴿وَالصَِّئُونَ﴾ في ((المائدة)) [الآية: ٦٢]، فقالت للسائل: يا ابن أختي(٦) الكُتّاب أخطؤوا(٧). (١) في النسخ: محمد بن يزيد، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٥٠٥/١ ، وكلام ابن جرير في تفسيره ٦٨٣/٧ ٠ (٢) في النسخ: قيل له، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس. (٣) في إعراب القرآن ١/ ٥٠٥ - ٥٠٦ . (٤) الكتاب ٢/ ٦٢ . (٥) في (د): أولئك، ومثله في إعراب القرآن للنحاس ٥٠٥/١، وهو خطأ، والمثبت من (خ) و (ظ) و (م). (٦) في النسخ: يا ابن أخي ومثله في معاني القرآن للفراء ١٠٦/١، والمثبت من مصادر التخريج. (٧) أخرجه الفراء في معاني القرآن ١٠٦/١، وأبو عبيد في فضائل القرآن ص١٦١، وابن أبي داود في المصاحف (١١٣)، والطبري ٧/ ٦٨٠ . ٢٢٠ سورة النساء: الآيتان ١٦٢ - ١٦٣ وقال أبان بنُ عثمان: كان الكاتب يُملَى عليه، فيكتبُ، فكتب: ﴿لَكِنِ الرَّسِخُونَ فِيِ الْعِ مِنْهُمْ وَاَلْمِنُونَ﴾، ثم قال(١): ما أكتبُ؟ فقيل له: اكتبْ: ﴿وَالْقِيمِينَ (٢) الضَّلَوَةٌ﴾، فمن ثمَّ وقع هذا(٣). قال القُشيريُّ: وهذا المسلكُ باطلٌ؛ لأنَّ الذين جمعوا الكتابَ كانوا قُدوةً في اللغة، فلا يُظنُّ بهم أنهم يُدرِجون في القرآن ما لم يَنزِل. وأصُّ هذه الأقوالِ قولُ سيبيويهِ، وهو قولُ الخليلِ(٤)، وقولُ الكسائيِّ هو اختيارُ القَقَّالِ والطبريّ(٥)، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحِ وَالنَّبِيْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَاً إِلَ إِنْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوُبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ١١٢٢٠ ء. قوله تعالى: ﴿إِنََّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾. هذا متَّصل بقوله: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَنْ تُنَزِلَ عَنِهِمْ كِنَبًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، فأعلم تعالى أنَّ أمرَ محمدٍ ﴿ كأمر مَن تقدَّمه من الأنْبياء(٦). (١) في (م): قال له. (٢) في النسخ: المقيمين. (٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص٢٣٠، وابن أبي داود في المصاحف (١١٢)، والطبري في تفسيره ٧/ ٦٧٠ . قال الباقلاني (كما في نكت الانتصار لنقل القرآن ص١٢٩): وأما قول عائشة رضي الله عنها في تلك الحروف إنها غلط من الكاتب فقد بيَّنا أنه من أخبار الآحاد ولا حجة فيه، ولا يجوز لذي دين أن يعتقد أن عائشة رضي الله عنها كانت تُلحِّن الصحابة، وتُخطِّى كَتَبَةَ المصاحف، وقال الزمخشري في الكشاف ٥٨٢/١: لا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف، وربما التفت إليه من لم يعرف مذاهب العرب، وغبي عليه أن السابقين الأولين كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذب المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم. وانظر استيفاءً للموضوع معاني الزجاج ١٣١/٢، وتفسير الطبري ٦٨٤/٧، والمقنع للداني ص١١٨ وشرح الشذور لابن هشام ص ٥٠-٥١، ومجموع الفتاوى ٢٤٨/١٥ . (٤) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٣١/٢، وزاد المسير ٢٥٤/٢. (٥) في تفسيره ٧/ ٦٨٣ . (٦) معاني القرآن للنحاس ٢٣٩/٢.