Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣
قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ قال الزَّجَّاج: إن جُعلت ((مِن)) متعلِّقةً بما قبلُ؛ فلا
يوقفُ على قوله: (نَصِيراً))، وإن جُعلت منقطعةً؛ فيجوز الوقفُ على ((نَصِيراً))،
والتقدير: مِن الذين هادوا قومٌ يحرِّفون الكلم؛ ثم حذف(١). وهذا مذهبُ سيبويه(٢)،
وأنشد النَّخويون:
لو قلتَ ما في قومِها لم تِيثَمِ يَفْضُلها في حسَبٍ ومِيْسَمِ (٣)
قالوا: المعنى: لو قلت ما في قومها أحدٌ يفضُلها، ثم حَذَف.
وقال الفرَّاء(٤): المحذوفُ ((مَن))، المعنى: مِن الذين هادوا مَن يحرِّفون. وهذا
كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أي: مَن له. وقال ذو الرُّمَّة:
وآخرُ يُذْرِي عَبْرَةَ العَيْنِ بِالهَمْلِ (٥)
فظَلُّوا ومِنهم دَمْعُه سابقٌ له
يريد: ومنهم مَن دمعُه، فحذَفَ الموصول. وأنكره المبرِّدُ والزجَّاج؛ لأن حذف
الموصولِ كحذف بعضٍ الكلمة (٦).
(١) ينظر معاني القرآن للزجاج ٥٧/٢، وإذا تعلقت ((من)) بما قبلها، فإما أن تكون متعلقة بـ ((تر)) والمعنى:
ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب من الذين هادوا. وإما أن تكون متعلقة بـ ((نصيراً»، والمعنى:
ينصركم من الذين هادوا، قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٦١/٢: وعلى هذين التأويلين لا يوقف
على نصيراً .
(٢) ينظر الكتاب ٣٤٦/٢ .
(٣) في (ظ) و(م): ومبسم، وفي (د) و(ز): ويبسم، والمثبت من المصادر، والبيت لحكيم بن مُعَيَّة
الرَّبَعي، وهو في الكتاب ٣٤٥/٢، وأمالي القالي ٢١٠/٢، والخصائص ٣٧١/٢، والخزانة ٦٢/٥،
ونسبه ابن يعيش ٥٩/١ لأبي الأسود الحِمَّاني. وذكره الفراء في معاني القرآن ٢٧١/١ برواية: لم تأثمٍ،
بدل: لم تيثم. وقوله: تثيم؛ قال البغدادي: أصله: تأثم، فكسرَ التاء على لغة من يكسر حروف
المضارعة، إلا الياء للكراهة، وهم بنو أسد. ا.هـ. وقوله: وميسم، أي: الحسن والجمال، قاله القالي.
(٤) معاني القرآن ١/ ٢٧١.
(٥) ديوان ذي الرمة ١/ ١٤١، وعجزه فيه: وآخر يثني عبرة العين بالمهل. قال أبو نصر الباهلي شارح
الديوان: يثني: يرد ويصرف. بالمهل: يقولون له: مهلاً، أي: لا تفعل وتجلَّدْ وتعزَّ. ا.هـ. وقوله:
يُذْري: يسيل، وهَمْل العين: سيلانُها بالدمع.
(٦) ينظر المقتضب ١٣٧/٢ - ١٣٨، ومعاني القرآن للزجاج ٥٨/٢ .

٤٠٢
سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣
وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ وإبراهيم النَّخَعيُّ: ((الكَلَامَ))(١). قال النحاس(٢):
و﴿اَلْكَلِمَ﴾ في هذا أوْلى؛ لأنهم إنما يحرِّفون كَلِمَ النبيِّ /﴾، أو ما عندهم في
التوراة، وليس يحرِّفون جميعَ الكلام، ومعنى ﴿يُحَرَفُونَ﴾ يتأوَّلونه على غير تأويله.
وذَمَّهم اللهُ تعالى بذلك؛ لأنهم يفعلونه متعمِّدين.
وقيل: ﴿عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ يعني صفةَ النبيِّ ﴾(٣).
﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أي: سمعنا قولك وعَصَينا أمرك (٤).
﴿وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قال ابن عباس: كانوا يقولون للنبيِّ ◌َ﴾: اسمعْ لا سمعتَ.
هذا مرادهم - لعنهم الله - وهم يُظهرون أنهم يريدون: اسمعْ غيرَ مُسمَعِ مكروهاً ولا
أذّی(٥).
وقال الحسنُ ومجاهد: معناه: غيرَ مُسمَعِ منك، أي: مقبولٍ، ولا مُجابٍ إلى ما
تقول(٦). قال النحاس(٧): ولو كان كذا، لكان: غير مسموع منك. وتقدَّم القول في
﴿رَعِنَا﴾(٨).
ومعنى ﴿لَيَّا بِأَلْسِنَنِهِمْ﴾ أي: يلوُون ألسنتَهم عن الحقّ، أي: يُميلونها إلى ما في
قلوبهم. وأصلُ اللَّيِّ: الفَتْل، وهو نصبٌ على المصدر، وإن شئتَ كان مفعولاً من
أجله. وأصله: لَوْياً، ثم أُدغمت الواو في الياء. ﴿وَطَعْنَا﴾ معطوفٌ عليه، أي: يطعنون
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٦٠/١، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٦ لعلي * والسلمي.
(٢) إعراب القرآن ٤٦٠/١ .
(٣) تفسير أبي الليث ٣٥٨/١، وتفسير البغوي ١/ ٤٣٨ .
(٤) أخرج هذا القول الطبري ٧/ ١٠٤ عن مجاهد و ابن زيد.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٦٠، وأثر ابن عباس أخرجه الطبري ٧/ ١٠٥، وابن أبي حاتم (٥٣٩٤)،
والطبراني في المعجم الكبير (١٢٦٩٥).
(٦) أخرج أثرهما الطبري ٧/ ١٠٥ - ١٠٦، وابن أبي حاتم (٥٣٩٥) و(٥٣٩٦).
(٧) في إعراب القرآن ٤٦٠/١.
(٨) ٢/ ٢٩٧ .

٤٠٣
سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣
في الدِّين، أي: يقولون لأصحابهم: لو كان نبِيًّا لدَرَى أننا نَسُبُّه، فَأَظهرَ اللهُ تعالى
نبيَّه على ذلك، وكان من علامات نبوَّته، ونهاهم عن هذا القول(١). ومعنى ﴿أَقْوَمُ﴾
أَضْوَبُ لهم في الرأي.
﴿فَلَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: إلَّا إيماناً قليلاً لا يستحِقُون به اسمَ الإيمان. وقيل:
معناه: لا يؤمنون إلَّا قليلاً منهم(٢). وهذا بعيد؛ لأنه عزَّ وجلَّ قد أخبر عنهم أنه لعَنَهم
بكفرهم.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَّنَ﴾ قال ابن إسحاق: كلَّمَ
رسولُ الله﴿ رؤساءَ من أحبار يهود - منهم عبدُ الله بن صُورِيا الأعور، وكعب بنُ
أسد - فقال لهم: ((يا معشرَ يهود، اتقوا الله وأَسلِموا، فواللهِ إنكم لَتعلمون أَنَّ الذي
جئتُكم به الحقُّ)). قال: ما نعرفُ ذلك يا محمد. وجحدوا ما عرفوا، وأصرُّوا على
الكفر، فأنزل الله عزَّ وجلَّ فيهم: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا
مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾ إلى آخر الآية(٣).
قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَّكُمْ﴾ نصب على الحال. ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾.
الطَّمْسُ: استئصال أثرِ الشيءٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ ◌ُطِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨].
ونطمِس ونطمُس بكسر الميم وضمِّها في المستقبل لغتان. ويقال في الكلام: طَسَم
يَظْسِم ويَظْسُم، بمعنى طَمَس (٤)؛ يقال: طَمَس الأثرُ وطَسَم، أي: امَّحى، كلُّه
لغات، ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَّ أَمْوَلِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] أي: أَهْلِكُها، عن ابن
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٦١/١. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٦٢/٢: وهذا اللَّيُّ باللسان إلى
خلاف ما في القلب موجود حتى الآن في بني إسرائيل، ويحفظ منه في عصرنا أمثلة، إلا أنه لا يليق
ذكرها بهذا الكتاب.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٥٩/٢ .
(٣) نقله عن ابن إسحاق ابن هشام في السيرة، ١/ ٥٦٠ - ٥٦١، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه ابن أبي
حاتم (٥٤١١) عن عكرمة، ووقع فيه: كعب بن الأشرف، بدل: كعب بن أسد.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٦١/١ .

٤٠٤
سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣
عرفة. ويقال: طَمَسته فطَمَس، لازمٌ ومتعدٍّ. وطمس اللهُ بصرَه، وهو مطموس البصر:
إذا ذهب أثرُ العين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىَ أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦]
يقول: أعميناهم(١).
واختلف العلماء في المعنى المرادِ بهذه الآية؛ هل هو حقيقةٌ، فيجعل الوجهَ
كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين. أو ذلك عبارةٌ عن الضلالة في
قلوبهم وسَلْبِهِم التوفيقَ؟ قولان. رُوي عن أُبيِّ بنِ كعب أنه قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ
نَّطَيِسَ﴾: من قبل أن نُضِلَّكم إضلالاً لا تهتدون بعده. يذهب إلى أنه تمثيل ، وأنهم
إن لم يؤمنوا؛ فَعَلَ هذا بهم عقوبةً(٢).
وقال قتادة: معناه من قبل أن نجعل الوجوه أَقْفاءً، أي: نذهب بالأنف والشِّفاه
والأعيُن والحواجب؛ هذا معناه عند أهل اللغة(٣).
ورُوي عن ابن عباسٍ وعطيةً العَوْفيّ: أن الطّمس أن تُزالَ العينان خاصةً وتردَّ في
القفا، فيكون ذلك ردًّا على الدُّبر، ويمشي القَهْقَرَى (٤).
وقال مالك رحمه الله: كان أوَّلُ إسلام كعب الأحبار أنه مَرَّ برجل من الليل وهو
يقرأ هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ ءَامِنُوا﴾ فوضع كفّيه على وجهه، ورجع
القَهْقَرَى إلى بيته، فأسلمَ مكانَه وقال: والله لقد خِفتُ ألَّا أبلُغَ بيتي حتى يُطمَسَ
(٥)
و جھي
(١) ينظر تهذيب اللغة ٣٥٢/١٢ .
(٢) معاني القرآن للنحاس ١٠٥/٢.
(٣) معاني القرآن للنحاس ١٠٥/٢ - ١٠٦، وأثر قتادة أخرجه بنحوه عبد الرزاق ١٦٣/١، والطبري
٠١١٢/٧
(٤) المحرر الوجيز ٢/ ٦٣، وأخرج قوليهما الطبري ٧/ ١١٢.
(٥) المحرر الوجيز ٦٣/٢، وأخرج قصة إسلام كعب الطبري ١١٩/٧ عن إبراهيم، وابن أبي حاتم
(٥٤١٣) عن أبي إدريس الخولاني.

٤٠٥
سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣
وكذلك فَعَل عبد الله بنُ سَلَام، لمَّا نزلت هذه الآيةُ وسمعها؛ أتى رسولَ الله ﴾.
قبل أن يأتيَ أهلَه، وأسلم، وقال: يا رسول الله، ما كنت أُرى(١) أنْ أَصِلَ إليك حتى
يُحوَّلَ وجهي في قفاي.
فإن قيل: كيف جاز أن يهدِّدَهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا، ثم لم يؤمنوا ولم
يَفْعَل ذلك بهم؟
فقيل: إنه لمَّا آمن هؤلاء ومَن اتَّبعهم، رفع الوعيد عن الباقين. وقال المُبَرِّد:
الوعيد باقٍ منتظَر. وقال: لا بدَّ من طمسٍ في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة (٢).
قوله تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَهُمْ﴾ أي: أصحاب الوجوه ﴿ كَمَا لَعَنَّ أَضْحَبَ السَّبْتِ﴾ أي:
نمسخهم (٣) قِرَدةً وخنازير، عن الحسن وقتادة(٤). وقيل: هو خروجٌ من الخطاب إلى
الغَيبة.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اَللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: كائناً موجوداً. ويراد بالأمر: المأمورُ، فهو مصدرٌ
وقع موقعَ المفعول(٥)، فالمعنى: أنه متى أراده أوجدَه. وقيل: معناه أن كلَّ أمرٍ أَخبر
بکونه؛ فهو کائنٌ على ما أخبر به.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ.) رُوي أن النبيَّ﴾ تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، فقال له رجل: يا رسولَ الله، والشِّرك! فنزل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾(٦).
(١) في النسخ: أدري، والمثبت من تفسير أبي الليث ٣٥٩/١، وتفسير البغوي ٤٣٩/١، وفيهما قصة
إسلام عبد الله بن سلام، ونسبها ابن حجر في العجاب ٨٨٣/٢ الثعلبي.
(٢) تفسير البغوي ٣٥٩/١ .
(٣) في (ز): يمسخهم، وفي (ظ): بمسخهم.
(٤) قوله: قتادة، ليس في (د)، وأخرج قوليهما الطبري ٧/ ١٢٠ .
(٥) ينظر تفسير الطبري ٧/ ١٢٠ - ١٢١.
(٦) معاني القرآن للنحاس ١٠٧/٢ - ١٠٨، وأخرجه الطبري ١٢٢/٧، وابن أبي حاتم (٥٤٢٢) من
حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

٤٠٦
سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣
وهذا من المحكّمِ المتَفَق عليه الذي لا اختلافَ فيه بين الأُمة.
﴿وَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَةٌ﴾ من المتشابه الذي قد تكلَّمَ العلماء فيه. فقال محمد
ابنُ جرير الطبري(١): قد أبانت هذه الآية أنَّ كلَّ صاحبٍ كبيرةٍ في (٢) مشيئة الله
تعالى، إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرتُه شِرْكاً بالله تعالى.
وقال بعضهم: قد بيَّن الله تعالى ذلك بقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ
تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] فأَعلَمَ أنه يشاء أن يغفرَ الصغائرَ لمن اجتنب
الكبائر، ولا يغفرها لمن أتى الكبائر.
وذهب بعض أهلِ التأويلِ إلى أنَّ هذه الآيةَ ناسخةٌ لِلَّتي في آخر ((الفرقان)). قال
زيد بن ثابت: نزلت سورةُ النساء بعد ((الفرقان)) بستة أشهر(٣). والصحيحُ أَنْ لا نسخ؛
لأن النسخ في الأخبار يستحيل(٤). وسيأتي بيان الجمع بين الآي في هذه السورة وفي
((الفرقان)) إن شاء الله تعالى(٥).
وفي الترمذيِّ(٦) عن علي بن أبي طالبٍ قال: ما في القرآن آيةٌ أحبُّ إليَّ من هذه
(١) في تفسيره ١٢٣/٧، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١/ ٤٦٣، والكلام الذي
قبله منه.
(٢) في (د) و(ز) و(م): ففي.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٢٧٢)، والنسائي في المجتبى ٨٧/٧ ، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٤٨٩)،
والطبري ٣٤٩/٧، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٨٧/٢، وابن أبي حاتم (٥٨١٤)، وفي كلام
المصنف في هذا الموضع نظر، فإن آية النساء التي ورد في خبر زيد وغيره أنها نسخت آية الفرقان هي
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية [٩٣]؛ نسخت قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَبَ وَءَامَنَ
وَعَيِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية [الفرقان: ٧١]، وهو ما سيذكره المصنف في موضعه من سورة النساء عند
الآية: ٩٣ ، وينظر الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (٤٩٠).
(٤) في (ظ): مستحيل، وينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٠٤/١ - ٤٠٥ ٢٢٤/٢، والإيضاح لناسخ
القرآن ومنسوخه لمكيّ ص٦٦. وانظر أيضاً ما تقدم ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥ .
(٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً﴾ [النساء: ٩٣].
(٦) برقم (٣٠٣٧).

٤٠٧
سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣
الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ قال: هذا حديثٌ
حسن غريب.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمْ
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَّكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ هذا اللفظ عامٌّ في ظاهره،
ولم يختلف أحدٌ من المتأوِّلين في أنَّ المرادَ اليهودُ.
واختلفوا في المعنى الذي زَكَّوْا به أنفسهم؛ فقال قتادة والحسن: ذلك قولهم:
﴿نَحْنُ أَبْنَوْ اللَّهِ وَأَحِبَّتُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وقولُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ
نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١]. وقال الضَّحاك والسُّدِّيّ: [ذلك] قولُهم: لا ذنوبَ لنا، وما
فعلناه نهاراً غُفر لنا ليلاً، وما فعلناه ليلاً غُفر لنا نهاراً، ونحن كالأطفال في عدم
الذنوب.
وقال مجاهدٌ وأبو مالكٍ وعِكْرمة: تقديمُهم [أولادهم] الصغارَ للصلاة؛ لأنهم لا
ذنوبَ عليهم. وهذا يَبْعُدُ من مقصد الآية.
وقال ابن عباس: ذلك قولُهم: أبناؤنا(١) الذين ماتوا يشفعون لنا ويزَكُوننا.
وقال عبد الله بنُ مسعود: ذلك ثناءُ بعضِهم على بعض(٢). وهذا أحسنُ ما قيل؛
فإنه الظاهرُ من معنى الآية، والتزكيةُ: التطهيرُ والتبرئة(٣) من الذنوب.
الثانية: هذه الآيةُ وقولُه تعالى: ﴿فَلَ تُزَكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] يقتضي الغَضَّ(٤)
من المُزَكِّي لنفسه بلسانه، والإعلامَ بأنَّ الزَّاكيَ المُزَكَّى مَنْ حسُنَتْ أفعالُه وزَّاه اللهُ
(١) في النسخ: آباؤنا، والمثبت من المحرر الوجيز ٦٥/٢، والكلام منه، ومن تفسير الطبري
٧/ ١٢٤ - ١٢٧، وفيه تخريج الآثار السابقة.
(٢) المحرر الوجيز ٦٥/٢، وأخرجه الطبري ١٢٧/٢ - ١٢٨.
(٣) في (د) و(ز): التنزيه.
(٤) في (ز): النص، وفي (ظ): النقص.

٤٠٨
سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣
عزَّ وجلَّ(١). فلا عِبرةً بتزكية الإنسانِ نفسَه، وإنما العبرةُ بتزكية اللهِ له.
وفي صحيح مسلم(٢) عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سَمَّيتُ ابنتي بَرَّةً، فقالت
لي زينب بنتُ أبي سلمة: إنَّ رسول اللـه ﴿ نهى عن هذا الاسم، وسُمِّيْتُ بَرَّة، فقال
رسول الله ﴾: ((لا تُزَكُوا(٣) أنفسَكم، اللهُ أعلمُ بأهلِ البِرِّ منكم)». فقالوا: بِمَ
نُسَمِّيها؟ فقال: ((سمُّوها زينب)).
فقد دلَّ الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسانِ نفسَه. ويجري هذا المجرى
ما قد كَثُرَ في هذه الديارِ المصرية من نعتهم أنفسَهم بالنعوت التي تقتضي التزكية؛
كزكيٍّ الدينٍ، ومُحيي الدين، وما أشبه ذلك، لكنْ لمَّا كثرت قبائحُ المسَمَّيْنَ بهذه
الأسماء؛ ظهر تخلُّفُ هذه النعوتِ عن أصلها، فصارت لا تفيد شيئاً (٤).
الثالثة: فأما تزكيةُ الغيرِ ومدحُه له، ففي البخاريِّ(٥) من حديث أبي بَكْرةَ: أنَّ
رجلاً ذُكر عند النبيِّ :﴿، فأثنى عليه رجلٌ خيراً، فقال النبيُّ لَ﴾: ((وَيْحَك! قطعتَ عُنُقَ
صاحبِك - يقولُه مِراراً - إنْ كان أحدُكم مادحاً لا محالةَ، فليقل: أحسِبُ كذا وكذا،
إن كان يُرى أنه كذلك، وحَسِيبُه اللـهُ، ولا يزكِّي على اللهِ أحداً)).
فنهى # عن(٦) أن يُفرِطَ في مدحِ الرجلِ بما ليس فيه، فيَدْخُلُه في ذلك
الإعجاب (٧) والكِبْر، ويَظنُّ أنه في الحقيقة بتلك المنزلة، فيحمِلُه ذلك على تضييع
العملِ، وتركِ الازدياد من الفضل؛ ولذلك قال ﴾: ((وَيْحَك! قطعتَ عنقَ صاحِبِك)).
وفي الحديث الآخر: ((قطعتُم ظَهْرَ الرجل)» (٨) حين وصفوه بما ليس فيه.
(١) المحرر الوجيز ٦٥/٢ - ٦٦ .
(٢) برقم (٢١٤٢).
(٣) في (ز) و(ظ): أتزكوا.
(٤) المفهم ٥/ ٤٦٥ .
(٥) برقم (٦٠٦١)، وهو عند أحمد (٢٠٤٢٢)، ومسلم (٣٠٠٠).
(٦) لفظة: عن، من (ظ).
(٧) في (ظ): في الإعجاب.
(٨) أخرجه أحمد (١٩٦٩٢)، والبخاري (٢٦٦٣)، ومسلم (٣٠٠١) من حديث أبي موسى الأشعري ﴾.

٤٠٩
سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣
وعلى هذا تأوَّل العلماءُ قولَهِ ﴿: ((اخْتُوا الترابَ في وجوه المدَّاحين))(١) أنَّ
المراد به: المدَّاحون في وجوههم (٢) بالباطل وبما ليس فيهم، حتى يجعلوا ذلك
بضاعةً يستأكلون به الممدوحَ ويَفتنونه، فأما مدحُ الرجلِ بما فيه من الفعل الحَسَن
والأمرِ المحمود؛ ليكونَ منه ترغيباً له في أمثاله، وتحريضاً للناس على الاقتداء به في
أشباهه، فليس بمدَّاح، وإن كان قد صار مادحاً بما تكلم به من جميل القولِ فيه.
وهذا راجعٌ إلى النّيَّات ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِّحَّ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
وقد مُدح﴿ في الشِّعر والخُطَب والمخاطبة، ولم يَحْثُ في وجوه المدَّاحين
التراب، ولا أَمَرَ بذلك. كقول أبي طالب:
ثِمَالُ اليتامى عِضْمةٌ للأراملِ (٣)
وأبیضَ يُستسقَی الغمامُ بوجهه
وكمدح العباسِ وحسَّان له في شعرهما(٤)، ومدَحّه كعب بنُ زُهير(٥)، ومَدحَ هو
أيضاً أصحابَه، فقال: ((إنكم لَتَقِلُّون عند الطمع، وتَكْثُرُون عند الفزّع))(٦).
وأما قولُه ◌َ # في صحيح الحديث: ((لا تُظْرُوني كما أطرت النصارى عيسى بنَ
مريمَ، وقولوا: عبدُ الله ورسولُه))(٧) فمعناه: لا تَصِفُوني بما ليس فيَّ من الصفات؛
تلتمسون بذلك مَدْحي، كما وَصَفَتِ النصارى عيسى بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنه
ابنُ الله، فكَفَروا بذلك وضلُّوا. وهذا يقتضي أنَّ مَن رَفَعَ امْرَأَ فوق حدِّه، وتَجاوَزَ
(١) سلف ٢٠٨/١.
(٢) قوله: في وجوههم، ليس في (ظ).
(٣) أخرجه البخاري (١٠٠٨) من طريق عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب:
وأبيض يستسقى ... ، قال الحافظ في الفتح ٤٩٦/٢: قوله: ثُمّال، هو العماد والملجأ.
(٤) ينظر مسند أحمد (١٢٤٠٩)، وسيرة ابن هشام ٦٦٦/٢ .
(٥) في قصيدته الشهيرة: بانت سعاد ... ، وهي في ديوانه ص٨٣، والسيرة ٥٠٣/٢ .
(٦) ذكره الخطابي في غريب الحديث ١/ ٦٨٢، وفي إسناده الواقدي، قال الحافظ في التقريب ص ٤٣٣ :
متروك.
(٧) أخرجه أحمد (١٥٤)، والبخاري (٣٤٤٥) من حديث عمر ﴾.

٤١٠
سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣
مقدارَه(١) بما ليس فيه؛ فمتعدٍّ (٢) آثمٌ؛ لأن ذلك لو جاز في أحدٍ؛ لكان أولى الخلقِ
بذلك رسولُ الله ټ﴾ ..
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ الضمير في ((يُظْلَمُونَ)) عائدٌ على المذكورين
ممن زَّى نفسَه، وممن يزكيه اللهُ عزَّ وجلَّ. وغيرُ هذين الصِّنفين عُلِم أنَّ الله تعالى
لا يظلمه(٣) من غير هذه الآية.
والفَتِيلُ: الخيطُ الذي في شَقِّ نَواة التمرة؛ قاله ابنُ عباس وعطاءٌ ومجاهد (٤).
وقيل: القِشْرةُ التي حول النواةٍ؛ بينها وبين البُشْرة(٥).
وقال ابن عباس أيضاً وأبو مالكٍ والسُّدِّيُّ: هو ما يخرج بين أُصبعيك أو كفَّيك
من الوسخ إذا فَتَلْتَهما؛ فهو فعِيلٌ بمعنى مفعول. وهذا كلُّه يرجع إلى كنايةٍ عن تحقير
الشيءٍ وتصغيره، وأنَّ الله لا يظلمه شيئاً(٦).
ومثلُ هذا في التحقير قولُه تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]،.
النكتة(٧) التي في ظهر النُّواة، ومنه تَنْبت النخلة، وسيأتي. قال الشاعر يذمُّ بعضَ
الملوك :
ثم لا يَرْزُ العدوَّ فَتِيلا(٨)
يَجمعُ الجيْشَ ذا الألوفِ ویغْزُو
(١) في (ظ): بمقداره.
(٢) في (م): فمعتد.
(٣) في (ز) و(ظ): لا يظلمهم.
(٤) المحرر الوجيز ٦٦/٢، وأخرج أقوالهم الطبري ٧/ ١٣١ - ١٣٢.
(٥) الوسيط للواحدي ٦٥/٢. والبُسْر والبُسُر: من ثمر النخل، ما لَوَّن ولم ينضج، ويكون بين البلح
والرطب، الواحدة: بُشْرة. معجم متن اللغة (بسر).
(٦) المحرر الوجيز ٦٦/٢، والآثار أخرجها الطبري ١٢٩/٧ - ١٣١.
(٧) في (ظ): النُّقرة.
(٨) قائله النابغة، كما في الشعر والشعراء ١٦٥/١، والأغاني ١٣/١١، والصناعتين للعسكري ص ٢٧٥ ،
قاله في هجاء النعمان بن المنذر.

٤١١
سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣
ثم عجَّبَ النبيَّ ﴾ من ذلك فقال: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِّبِّ﴾ في قولهم:
نحن أبناء الله وأحباؤه. وقيل: تزكيتهم لأنفسهم؛ عن ابن جُريج. وروي أنهم قالوا :
ليس لنا ذنوبٌ إلا كذنوب أبنائنا يوم تُولَد.
والافتراءُ: الاختلاق، ومنه: افترى فلانٌ على فلان، أي: رماه بما ليس فيه.
وفَرَيْتُ الشيءَ: قطعته.
﴿وَكَفَى بِهَ إِثْمًا مُبِينًا﴾ نصب على البيان(١). والمعنى تعظيمُ الذنبِ وذمُّه. والعرب
تستعمل مثلَ ذلك في المدح والذم (٢).
قوله تعالى: ﴿أَثَرَ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ﴾ يعني اليهود ﴿يُؤْمِنُونَ
بِالْجِبْتِ وَالطّغُوتِ﴾ اختلف أهلُ التأويل في تأويل الجِبْت والطاغوت، فقال ابن
عباس وابن جُبير وأبو العالية: الجِبتُ: الساحرُ بلسان الحبشة، والطاغوتُ:
الكاهن(٣).
وقال الفاروق عمرُ ﴾: الجِبْت: السِّحرُ، والطاغوت: الشيطان (٤).
ابنُ مسعود: الجِبْت والطاغوت هاهنا كعب بنُ الأشرف وحُيَيُّ بن أَخْطَب.
عِكرمةُ: الجِبْت: حُيَيُّ بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف(٥)، دليلُه قوله
(١) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٦٢ .
(٢) قال الفخر الرازي في التفسير ١٢٧/١٠: يقال: كفى به، في التعظيم على جهة المدح أو على جهة
الذم، أما في المدح فكقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِلَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] وأما في الذم فكما في هذا
الموضع.
(٣) أخرجه الطبري ٧/ ١٣٧ عن ابن جبير وأبي العالية، وذكره الواحدي ٦٦/٢، والفخر الرازي ١٢٨/١٠
عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) علقه البخاري كما في الفتح ٢٥١/٨، ووصله الطبري ٧/ ١٣٥.
(٥) لم نقف عليه عن ابن مسعود وعكرمة، وأخرجه الطبري ٧/ ١٣٩ - ١٤٠ عن ابن عباس والضحاك.
وذكر البخاري كما في الفتح ٢٥١/٨ عن عكرمة تعليقاً: الجبت بلسان الحبشة شيطان، والطاغوت
الکاهن، قال الحافظ: وصله عبد بن حميد بإسناد صحيح عنه.

٤١٢
سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣
تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠].
قتادة: الجِبْت: الشيطان، والطاغوت: الكاهن(١).
وروى ابنُ وهبٍ عن مالك بن أنس: الطاغوتُ: ما عُبد من دون الله. قال:
وسمعتُ مَنْ يقول: إنَّ الجِبت الشيطان؛ ذكره النحاس(٢).
وقيل: هما كلٌّ معبودٍ من دون الله، أو مُطاعٍ في معصية الله(٣)، وهذا حسن.
وأصل الجِبْت: الجِبْس، وهو [الثقيل] الذي لا خيرَ فيه، فأُبدلت التاءُ من
السين؛ قاله قُطُرُب (٤).
وقيل: الجِبت: إبليسُ، والطاغوتُ: أولياؤه.
وقول مالكٍ في هذا الباب حَسَن؛ يدُلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿أَنِ أَعْبُدُوا اللَّهُ
وَأَجْتَنِبُواْ الَّفُونَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَجْتَبُوا الطَّغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾
[الزمر: ١٧]. وروى قَطَن(٥) [بن قَبِيْصَةَ] بن المُخارِق عن أبيه قال: قال رسول الله ﴾.
((الطَّرْق والطَّرة والعِيافة من الجبْت)) الطَّرْق: الزَّجْر، والعِيافة: الخَطّ؛ خرَّجه أبو
داود في سنته(٦).
وقيل: الجِبْت: كلُّ ما حرَّم الله، والطاغوت: كلُّ ما يُطغي الإنسان. والله أعلم.
(١) أخرجه عبد الرزاق ١٦٤/١، والطبري ١٣٨/٧.
(٢) معاني القرآن ١١١/٢ - ١١٢.
(٣) معاني القرآن للنحاس ١١١/٢، وينظر مجاز القرآن ١٢٩/١، وتفسير الطبري ١٤٠/٧-١٤١.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٢٧١/١، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٥) لفظة: قطن، من (م).
(٦) برقم (٣٩٠٧)، وما سلف بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٢٠٦٠٤)، وقال عوف بن أبي جميلة
(راوي الحديث) في آخره: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض، والجِبْت؛ قال
الحسن: إنه الشيطان. وقال ابن الأثير: الطرق: الضرب بالحصا الذي تفعله النساء، وقيل: هو الخط
في الرمل، وهو ضرب من الكهانة. والعيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرِّها. النهاية
(خط) و(طرق) و(عيف).

٤١٣
سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: يقول اليهودُ لكفار قريشٍ: أنتم أهدى
سبيلاً من الذين آمنوا بمحمد. وذلك أنَّ كعب بنَ الأشرف خرج في سبعين راكباً من
اليهود إلى مكةَ بعد وقعة أُحُدٍ؛ ليحالفوا قريشاً على قتال رسولِ اللـه لَ﴾، فنزل كعبٌ
على أبي سفيان، فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دُور قريش، فتعاقدوا وتعاهدوا
لَيَجْتمعُنَّ على قتال محمد، فقال أبو سفيان: إنك امرؤٌ تقرأ الكتاب وتَعلَم، ونحن
أُمِّيُّون لا نعلَم، فأيُّنا أهدى سبيلاً وأقربُ إلى الحق، نحن أم محمد؟ فقال كعب:
أنتم واللهِ أهدى سبيلاً مما عليه محمد(١)!
قوله تعالى: ﴿أَمَّ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ أي: أَلَهم؟ والميم صِلَة. ﴿نَصِيبٌ﴾: حظّ
﴿مِنَ الْمُّكِ﴾. وهذا على وجه الإنكار، يعني ليس لهم من المُلك شيء، ولو كان لهم
منه شيءٌ لم يعطُوا أحداً منه شيئاً، لبخلهم وحسدهم(٢).
وقيل: المعنى: بل ألهم نصيب، فتكون ((أم)) منقطعةً، ومعناها الإضرابُ عن
الأوَّل، والاستئنافُ للثاني(٣).
وقيل: هي عاطفةٌ على محذوف؛ لأنهم أَنِفُوا من اتِّباع محمدٍ 18. والتقدير: أهم
أوْلى بالنبوَّة ممن أرسلتُه، أم لهم نصيبٌ من الملك؟. ﴿فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ أي:
يمنعون الحقوق. خبّر اللهُ عزَّ وجلَّ عنهم بما يعلمه منهم (٤).
والنقير: النكتة(٥) في ظهر النَّواة، عن ابن عباسٍ وقَتادةً وغيرِهما (٦). وعن ابن
عباس أيضاً: النقير: ما نَقَر الرَّجلُ بأصبعه كما يَنقر الأرض. وقال أبو العالية: سألتُ
(١) تفسير البغوي ١/ ٤٤١، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٦٤٣)، والطبري ١٤٢/٧، وابن حبان
(٦٥٧٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) تفسير البغوي ١/ ٤٤٢.
(٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ٦٢/٢، والوسيط ٦٧/٢، والمحرر الوجيز ٦٧/٢ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٦٣/١ .
(٥) في (ظ): النُّقْرة.
(٦) أخرج أقوالهم الطبري ١٤٩/٧ - ١٥٠ .

٤١٤
سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣
ابن عباس عن النقير، فوضَعَ طرفَ الإبهام على باطن السبَّابة، ثم رفعهما وقال: هذا
النقير(١).
والنقير: أصل خشبةٍ يُنقَر ويُنْبَذ فيه، وفيه جاء النهي ثم نُسخ. وفلانٌ كريم النَّقِير،
أي: الأصل(٢).
و ((إذاً)) هنا ملغاةٌ غيرُ عاملة؛ لدخول فاء العطف عليها، ولو نُصبَ لجاز(٣). قال
سيبويه: ((إذاً)) في عوامل الأفعال بمنزلة ((أَظُنُّ) في عوامل الأسماء، أي: تُلْغَى إذا لم
يكن الكلام معتمِداً عليها، فإن كانت في أوَّل الكلام، وكان الذي بعدها مستقبلاً،
نَصبت(٤)؛ كقولك: أنا أَزورك، فيقول مجيباً لك: إذاً أُكرمَك. قال عبد الله بن عنَمَة
الضَّبِّيّ(٥) :
أَرْدُدْ حِمَارك لا يَرْتغْ برَوْضَتِنا إذَنْ يُرَدَّ وَقَيْدُ العَيْرِ مكروبُ
نَصبَ؛ لأن الذي قبل ((إذن)) تامّ، فوقعت ابتداءَ كلام. فإن وقعت متوسطةً بين
شيئين كقولك: زيدٌ إذاً يزورُك، أُلغيت. فإن دخل عليها فاءُ العطف أو واو العطف،
فيجوز فيها الإعمالُ والإلغاءُ؛ أما الإعمال فلأنَّ ما بعد الواو يُستأنفُ على طريق
(١) أخرجه الطبري ٧/ ١٥٢.
(٢) الصحاح (نقر). وقوله: وفيه جاء النهي ثم نسخ، يعني نسخ بقوله﴾: ( ... فاشربوا في الأسقية
كلها، ولا تشربوا مُسْكِراً)) أخرجه مسلم (٩٧٧). ينظر المفهم ١٧٥/١ - ١٧٧ و٢٦٣/٥ - ٢٦٧.
وقال ابن الأثير في النهاية (نقر): النقير أصل النخلة ينقر وسطه ثم ينبذ في التمر، ويلقى عليه الماء
ليصير نبيذاً مسكراً.
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٦٨/٢، وقال ابن عطية: والإلغاء أفصح وهي لغة القرآن، وتكتب ((إذا)) بالنون
وبالألف، فالنون هو الأصل، كعن ومن، وجاز كتبها بالألف لصحة الوقوف عليها، فأشبهت نون
التنوین، ولا يصح الوقوف على ((من)) و (عن)).
(٤) الكتاب ١٢/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٦٣/١.
(٥) شاعر إسلامي مخضرم، وهو صحابي، قال ابن ماكولا: شهد القادسية. ينظر الإصابة ٦/ ١٨٥،
و ٢٤٨/٧، والخزانة ٨/ ٤٧٢. والبيت في الكتاب ١٤/٣، والمفضليات ص ٣٨٣، والمقتضب
١٠/٢، وشرح المفصل ١٦/٧، والخزانة ٤٦٢/٨ و٤٦٤، وروي صدره عند بعضهم: اردد
حمارك لا تُنْزَعْ سَوِيَّتُه ...

٤١٥
سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٥
عطف الجملة على الجملة، فيجوز في غير القرآن: فإذاً لا يُؤتوا. وفي التنزيل: ﴿وَإِذَا
لَا يَلْبَثُونَ﴾ [الإسراء: ٧٦]، وفي مصحف أُبَيّ: ((وإذاً لا يلبثوا))(١). وأما الإلغاء فلأنَّ
ما بعد الواو لا يكونُ إلا بعد كلام يُعطف عليه. والناصب للفعل عند سيبويه ((إذا)»
لمضارَعتها ((أَنْ))، وعند الخليل ((أن)) مضمرةٌ بعد ((إذاً)).
وزعم الفرَّاء أنَّ ((إذاً)) تكتب بالألف، وأَنَّها منوَّنة. قال النحاس(٢): وسمعت عليَّ
ابن سليمان يقول: سمعت أبا العباس محمد بنَ يزيد يقول: أَشتهي أن أكويَ يدَ مَن
يكتب إذاً بالألف؛ لأنها مِثلُ لَنْ وأَنْ، ولا يدخل التنوين في الحروف.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَدُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ
إِنْرَهِيَمَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُمْ مُلْكً عَظِيمًا (٥٠َ فَمِنْهُمْ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَمِنْهُم مَّن
صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا
٥٥
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ﴾ يعني اليهود. ﴿النَّاسَ﴾ يعني النبيَّ ﴾
خاصَّةً، عن ابن عباس ومجاهدٍ وغيرهما(٣). حسدوه على النبوّة، وأصحابَه على
الإیمان به.
وقال قتادة: ((النَّاس)): العرب، حسدَتْهم اليهودُ على النبوّة(٤).
الضَّاك: حَسدتِ اليهودُ قريشاً؛ لأنَّ النبوّة فيهم(٥).
والحسدُ مذموم، وصاحبُه مغموم، وهو يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ؛
(١) القراءات الشاذة ص٧٧، وص٢٧ دون نسبة ونسبها الفراء في معاني القرآن ٢٧٣/١ لعبد الله بن
مسعود ﴾.
(٢) في إعراب القرآن ٤٦٣/١، والكلام الذي قبله منه.
(٣) أخرج أقوالهم الطبري ٧/ ١٥٤ .
(٤) أخرجه الطبري ٧/ ١٥٥ و ١٥٦ .
(٥) ذكره أبو الليث ١/ ٣٦١ .

٤١٦
سورة النساء: الآيتان ٥٤ - ٥٥
رواه أنس عن النبيِّ ﴾(١).
وقال الحسن: ما رأيتُ ظالماً أشبهَ بمظلوم من حاسد، نفَسٌ دائم، وحُزنٌ لازِم،
وعَبرةٌ لا تَنفدُ (٢).
وقال عبد الله بن مسعود: لا تُعادُوا نِعَم الله، قيل له: ومَن يعادي نِعمَ الله؟
قال: الذين يحسدون الناسَ على ما آتاهم اللهُ من فَضْله(٣). يقولُ الله تعالى في بعض
الكتب: الحسودُ عدوُّ نعمتي، مُتَسَخِّظٌ لقضائي، غيرُ راضٍ بقسمتي (٤). ولمنصورٍ
الفقيه(٥) :
ألَّا قُلْ لمن ظَلَّ لِي حاسداً أتدري على مَن أسأتَ الأدَبْ
إذا أنْتَ لم ترضَ لي ما وَهَبْ
أسأتَ على الله في حُكْمِه
ويقالُ: الحسدُ أوَّلُ ذنبٍ عُصيَ الله به في السماء، وأوَّلُ ذَنْبٍ عُصي به في
الأرض، فأمَّا في السماء، فحسَدُ إبليسَ لآدم، وأمَّا في الأرض؛ فحسدُ قابيلَ لهابيل(٦).
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٢١٠) وفي إسناده عيسى بن أبي عيسى الحناط، قال الحافظ في التقريب ص٣٧٦ :
متروك. وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٦ / ١٢٣ - ١٢٤ من طريق يزيد الرقاشي عن أنس، قال
الحافظ في التقريب: يزيد بن أبان ضعيف. وأخرجه أبو داود (٤٩٠٣) من طريق إبراهيم بن أَسيد، عن
جده، عن أبي هريرة ، عن النبي #، وذكر البخاري في التاريخ الكبير ٢٧٢/١ إبراهيم هذا، وذكر
له هذا الحديث، وقال: لا يصح. وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١٠٤٨) من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما، وفي إسناده عمر بن محمد بن حفصة، ذكره الذهبي في الميزان ٢٢٢/٣، وذكر له
هذا الحديث، ثم قال: فهذا بهذا الإسناد باطل.
(٢) أورده ابن عبد ربه في العقد الفريد ٣١٩/٢ .
(٣) العقد الفريد ٣٢٠/٢، وبهجة المجالس ٤٠٧/١ .
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٦٦) عن سفيان بن عيينة، والبيهقي في الشعب عن الأصمعي.
(٥) هو منصور بن إسماعيل، أبو الحسن التميمي الشافعي الضرير الشاعر، فقيه مصر، توفي سنة (٣٠٦ هـ).
السير ٢٣٨/١٤. وهذه الأبيات ذكرها عنه البيهقي في الشعب (٦٦٤٨)، ونسبها الخطيب في تاريخ
بغداد ٢٣٠/١٣، وابن خلكان في وفيات الأعيان ٢٢٢/٥، والوطواط في غرر الخصائص الواضحة
ص٤٧٧ لأبي الفرج المعافى بن زكريا النهرواني.
(٦) العقد الفريد ٢/ ٢٣٠، وأدب الدنيا والدين ص ٢٤٤، وبهجة المجالس ٤٠٩/١.

٤١٧
سورة النساء: الآيتان ٥٤ - ٥٥
ولأبي العَتاهية في الناس(١):
فكيف ولو أنصفْتُهم ظلموني
فيا ربِّ إنَّ الناسَ لا يُنصفونَني
وإِنْ شئتُ أَبغي شيئَهم (٢) مَنعوني
وإنْ كان لي شيءٌ تَصَدَّوْا لأخذِهِ
وإنْ أنا لم أبذُنْ لهم شتمُوني
وإنْ نالهم بَذْلي فلا شُكرَ عندهم
وإِنْ صَحِبتني نِعْمةُ حسدوني
وإِنْ طَرَقَتْني نكبةٌ فَكِهُوا بها
وأحجُبُ عنهم ناظري وجُفوني
سأمنعُ قلبي أنْ يَحِنَّ إلیھمُ
وقيل: إذا سرَّك أنْ تسلمَ من الحاسد فعَمِّ (٣) عليه أمرَك. ولرجل من قريش:
فرَمَوْها بأباطيلِ الكَلِمْ
حسدوا النَّعمةَ لمَّا ظَهَرتْ
لم يَضِرْها قَوْلُ أعداءِ النِّعَمْ(٤)
وإذا ما اللهُ أَسدَى نِعْمةً
ولقد أحسنَ مَن قال(٥) :
دٍ فإنَّ صَبْرَك قاتِلُه
اصبرْ على حَسَدِ الحسو
إنْ لم تَجِدْ ما تأكله
فالنارُ تأكل بعضَها
وقال بعضُ أهل التفسير في قول الله تعالى: ﴿رَبَّآ أَرِنَا الَّذَّيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنِ
نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩]. إنه إنّما أرادَ بالذي من الجن
إبليسَ، والذي من الإنس قابيل؛ وذلك أنَّ إبليسَ كان أوَّلَ مَن سنَّ الكفر، وقابيل
كان أوَّلَ مَن سنَّ القتل، وإنّما كان أصلَ ذلك كلِّه الحسدُ(٦). وقال الشاعر:
إنَّ الغُرابَ وكان يمشي مِشْيَةً
فيما مضى من سالف الأحوال
(١) ديوانه ص٣٦٥ .
(٢) كذا في النسخ والديوان، وفي حاشية الديوان: شيَّهم، على التسهيل، وفي العقد الفريد ٣٢٠/٢:
سيبهم، وفي سائر أصول العقد (كما في حواشيه): منهم.
(٣) في (د) و (ز) و(م): فغم، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في العقد الفريد ٣٢٢/٢ .
(٤) العقد الفريد ٢/ ٣٢٢، ونسبها ابن حبان في روضة العقلاء ص ١٣٥ لمحمد بن الحسين العَمِّي.
(٥) هو ابن المعتز، أبو العباس عبد الله بن الخليفة المعتز بن المتوكل، والبيتان في ديوانه ص ٣٤٤.
(٦) العقد الفريد ٣٢٠/٢ .

٤١٨
سورة النساء: الآيتان ٥٤ - ٥٥
فأصابه ضربٌ من العُمَّالِ(١)
حسدَ القَطاةَ فَرَامَ يمشي مشیَهَا
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ءَاتَيْنَا﴾ ثم أخبر تعالى أنه آتى ألَ إبراهيمَ الكتابَ
والحكمة، وآتاهم ملكاً عظيماً. قال همَّام بن الحارث(٢). أُيِّدوا بالملائكة.
وقيل: يعني مُلكَ سليمان؛ عن ابن عباس(٣).
وعنه أيضاً: المعنى: أم يحسدون محمداً على ما أَحَلَّ الله له من النِّساء(٤).
فيكون المُلْكُ العظيم على هذا أنه أحلَّ لداودَ تسعاً وتسعين امرأةً، ولسليمانَ أكثرَ من
ذلك.
واختار الطبريُّ أنْ يكون المرادُ ما أوتيَه سليمانُ من الملك وتَحليلِ النساءِ(٥).
والمرادُ تكذيبُ اليهود والردُّ عليهم في قولهم: لو كان نبيًّا ما رغب في كثرة النساء،
ولشَغلتْه النبوةُ عن ذلك. فأخبر الله تعالى بما كان لداودَ وسليمانَ يوبِّخهم، فأقرَّت
اليهودُ أنه اجتمعَ عند سليمان ألفُ امرأةٍ، فقال لهم النبيُّ ﴾: «ألفُ امرأة؟! قالوا :
نعم، ثلاث مئةٍ مَهْرية، وسبع مئة سُرِّية، وعند داودَ مئةُ امرأةٍ. فقال لهم النبيُّ ◌َ﴾: ألفٌ
عند رجل، ومئة عند رجل أكثرُ أو تسعُ نسوةٍ؟ فسكتوا)). وكان له يومئذٍ تسعُ نسوةٍ (٦).
(١) في النسخ: المعقال، وفي (م): التعقال، والمثبت من العقد الفريد ٣٢٥/٢، والعقَّال: داء في رجل
الدابة. اللسان (عقل). وجاء بعده في العقد الفريد:
فلذاك كنَّوه أبا مرقال
فأَضَلَّ مشيته وأخطأ مشْيَها
(٢) الثَّخَعيُّ الكوفي الفقيه، حدث عن عمر ﴾ وجماعة من الصحابة، توفي زمن الحجاج. السير ٢٨٣/٤.
وأخرج قوله المذكور الطبري ٧/ ١٦٠ .
(٣) أخرجه الطبري ٧ / ١٦٠.
(٤) أخرجه الطبري ٧/ ١٥٦ .
(٥) كذا ذكر المصنف، واختيار الطبري في تفسيره ٧/ ١٦١ هو أن المراد ما أوتيه سليمان من الملك، وردّ
القول بأنه تحليل النساء أو النبوة؛ قال: لأن كلام الله جل ثناؤه الذي خوطبت به العرب، غيرُ جائز
توجيهه إلَّ إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه، إلا أن تأتي دلالة، أو تقوم حجة على أن ذلك
بخلاف ذلك، يجب التسليم لها.
(٦) قال الحافظ في العجاب ٨٨٩/٢: أخرجه الثعلبي بسند ضعيف إلى أبي حمزة الثمالي. وقال في
التقريب ص٧١ : أبو حمزة رافضي ضعيف.

٤١٩
سورة النساء: الآيات ٥٤ - ٥٧
الثالثة: يقال: إنَّ سليمانَ عليه السلام كان أكثرَ الأنبياء نساءً. والفائدةُ في كَثْرة
تزوُّجه أنه كان له قوةُ أربعين نبيًّ، وكلُّ مَن كان أقوى فهو أكثرُ نكاحاً. ويقال: إنه أراد
بالنِّكاح كثرةَ العشيرة؛ لأنَّ لكلِ امرأةٍ قبيلتين، قبيلة من جهة الأبٍ، وقبيلة من جهةٍ
الأم، فكلَّما تزوَّج امرأةً صَرَفَ وجوهَ القبيلتين إلى نفسه، فتكونُ عَوناً له على أعدائه.
ويقال: إنَّ كلَّ مَن كان أتقى فشهوتُه أشدُّ؛ لأنَّ الذي لا يكون تقيًّا فإنَّما ينفرج
بالنظر والمسِّ، ألا ترى ما رُوي في الخبر: ((العينان تزنيان، واليدان تزنيان))(١). فإذا
كان في النظر والمسِّ نوعٌ من قضاء الشهوة، قلَّ الجماع، والمُتَّقي لا ينظرُ ولا يَمسُّ؛
فتكونُ الشهوةُ مجتمعةً في نفسه، فيكونُ أكثرَ جماعاً. وقال أبو بكر الورَّاق: كلُّ شهوةٍ
تقسِّي القلبَ إلا الجماعَ؛ فإنه يُصفِّي القلب؛ ولهذا كان الأنبياءُ يفعلون ذلك(٢).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِ﴾ يعني بالنبيِّ ﴾؛ لأنه تقدَّم ذكرُه، وهو
المحسود. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ أَعْرَضَ فلم يؤمن به. وقيل: الضمير في ((به)) راجع
إلى إبراهيم. والمعنى: فمِن آل إبراهيمَ مَن آمن به، ومنهم مَن صدَّ عنه. وقيل : يرجعُ
إلى الكتاب(٣). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَايَتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًّاً كُلَا نَصِحَتْ جُلُودُهُم
بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابِّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَرِزًا حَكِيمًا (﴾ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِهَا أَبَدَاً لَهُمْ فِيهَا
﴾.
أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلََّ ظَلِيلًا
قد تقدَّم معنى الإصلاء أوَّلَ السورة(٤). وقرأ حُميد بن قيس: ((نَصليهِم))، بفتح
(١) تفسير أبي الليث ١/ ٣٦١، والحديث أخرجه مطولاً أحمد (٨٥٢٦)، ومسلم (٢٦٥٧) من حديث أبي
هريرة ﴾.
(٢) تفسير أبي الليث ١/ ٣٦١ .
(٣) ينظر تفسير أبي الليث ٣٦١/١، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ١٨/٢: قال الجمهور: هو عائد
على القرآن الذي في قوله تعالى: ﴿مَامِنُواْ بِمَا نَزَّْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٨].
(٤) ص ٩١ - ٩٢ من هذا الجزء .

٤٢٠
سورة النساء: الآيتان ٥٦ - ٥٧
النون (١)، أي: نشويهم. يقال: شاة مَصْلِيَّة. ونُصب ((نَاراً)) على هذه القراءة بنزع
الخافض؛ تقديره: بنار.
﴿كَّا نَضِمَتْ جُلُودُهُمْ﴾ يقال: نَضِجَ الشيءُ نُضْجاً ونَضْجاً، وفلان نَضِيجُ(٢)
الرأي: مُحْكَمُهُ. والمعنى في الآية: تُبدَّل الجلودُ جلوداً أُخَر.
فإنْ قال مَن يطعنُ في القرآن من الزنادقة: كيف جاز أن يعذِّبَ جِلداً لم يَعصِه؟
قيل له: ليس الجِلدُ بمعذَّبٍ ولا معاقَبٍ، وإنما الألمُ واقعٌ على النفوس؛ لأنَّها هي
التي تُحِسُّ وتعرف، فتبديلُ الجلود زيادةٌ في عذاب النفوس. يدلُّ عليه قوله تعالى:
﴿لِيَذُوقُواْ الْعَذَابٌّ﴾ وقولُه تعالى: ﴿كُلََّا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾(٣) [الإسراء: ٩٧]
فالمقصودُ تعذيبُ الأبدان، وإيلامُ الأرواح، ولو أراد الجلودَ لقال: لِيذُقْنَ العذابَ.
مقاتل: تأكلهُ النارُ كلَّ يومٍ سبعَ مراتٍ. الحسن: سبعين ألفَ مرة (٤)، كلَّما أكلَتْهم
قيل لهم: عودوا، فعادوا كما كانوا. ابن عمر: إذا احترقوا بُدِّلت لهم جلودٌ بيضٌ
كالقراطيس(٥). وقيل: عنى بالجلود السرابيل، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ
يَوْمَيِذٍ مُقَرَّنِينَ فِ الْأَصْفَادِ سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٤٩-٥٠] سمِّيت جلوداً للزومها
جلودَهم على المجاورة، كما يقال للشيء الخاص بالإنسان: هو جِلْدةُ ما بين
عينيه(٦).
وأنشد ابنُ عمر ﴾:
(١) المحتسب ١٩١/١.
(٢) في النسخ: ونضاجاً وفلان نضج والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في تهذيب اللغة ١٠/ ٥٥٧ ،
ومجمل اللغة ٨٧١/٤، والصحاح (نضج).
(٣) ينظر تفسير أبي الليث ١/ ٣٦١، وإعراب القرآن للنحاس ٤٦٤/١ .
(٤) تفسير أبي الليث ١/ ٣٦١، وقول الحسن أخرجه ابن أبي شيبة ١٦٣/١٣، والطبري ٧/ ١٦٤ .
(٥) أخرجه الطبري ٧/ ١٦٣ . ومن قوله: مقاتل: تأكله النار ... إلى هذا الموضع من (م)، وليس في
النسخ الخطية .
(٦) تفسير الطبري ١٦٦/٧ .