Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة النساء: الآية ٤٣ الثانية والثلاثون: وأجمعوا على أنَّ الوضوء والاغتسال لا يجوزُ بشيءٍ من الأشربة سوى النَّبيذ [فإنهم اختلفوا في الطهارة به] عند عُدْم الماء (١)؛ وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَنَّمُوا﴾ يردُّه. والحديث الذي فيه ذكرُ الوضوء بالنبيذ؛ رواه ابنُ مسعود، وليس بثابتٍ؛ لأنَّ الذي رواه أبو زيد، وهو مجهول لا يُعرفُ بصحبة عبد الله؛ قاله ابنُ المنذر وغيرُهُ(٢). وسيأتي في ((الفرقان)) بيانُه إن شاء الله تعالى(٣). الثالثة والثلاثون: الماء الذي يبيحُ عُدْمُه التيمُمَ هو الطاهرُ المطهّر الباقي على أصل(٤) خِلْقتِه. وقال بعضُ مَن ألَّف في أحكام القرآن: لمَّا قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ﴾ فإنما أباح التيمُّمَ عند عُدْم كلِّ جزءٍ من ماء؛ لأنَّه لفظُ منكَّر يتناولُ كلَّ جزءٍ منه، سواءٌ كان مخالطاً لغيره أو منفرداً بنفسه. ولا يمتنعُ أحدٌ أن يقول في نبيذ التمر: ماء، فلمَّا كان كذلك، لم يجز(٥) التيمُّمُ مع وجوده(٦). وهذا مذهبُ الكوفيين أبي حنيفةً وأصحابِهِ(٧)، واستدلُّوا على ذلك بأخبارٍ ضعيفةٍ يأتي ذكرُها في سورة الفرقان، وهناك يأتي القولُ في الماء إن شاء الله تعالى. الرابعة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ التيمُّمُ ممَّا خُصَّت به هذه الأمةُ توسِعةً عليها؛ قال :﴿: ((فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعلَتْ لنا الأرضُ كلُّها مسجداً، (١) الأوسط ٢٥٣/١، وما بين حاصرتين منه. (٢) الأوسط ٢٥٦/١، وأخرج حديث ابن مسعود أبو داود (٨٤)، وابن ماجه (٣٨٤)، والترمذي (٨٨) وقال: وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا يعرف له رواية غير هذا الحديث. (٣) عند تفسير الآية ٤٨، المسألة الحادية عشرة. (٤) في (م): أوصاف. (٥) في (د) و(ز): يجب. (٦) أحكام القرآن للكيا الطبري ٥٧/٣، وينظر أحكام القرآن للجصاص ٣٣٨/٣، قال الكيا الطبري: وهذه جهالة مفرِطة، فإن إطلاق اسم الماء لا ينصرف إلى النبيذ، وتقدير اشتمال اسم الماء عليه كتقدير اشتماله على كل مرقة ونبيذ في الدنيا. (٧) الأوسط ٢٥٥/١ . ٣٨٢ سورة النساء: الآية ٤٣ وجُعلَت تُربتُها لنا طَهوراً)) وذكر الحديث(١). وقد تقدَّم ذكرُ نزوله، وذلك بسبب القِلادَة حسبما بيَّناه(٢). وقد تقدَّم ذكرُ الأسباب التي تُبيحُه، والكلامُ هاهنا في معناه لغةً وشرعاً، وفي صفته وكيفيته، وما يُتَيمَّمُ به وله، ومَن يجوزُ له التيمُّم، وشروط التيمُّم، إلى غير ذلك من أحكامه. فالتيمم لغةً: هو القَصْدُ؛ يقال(٣): تيمَّمْتُ الشيءَ: قصدتُه، وتيمَّمْتُ الصعيدَ: تعمَّدْتُه، وتيمَّمْتُه برُمْحي وسَهمي، أي: قصدْتُه دون مَن سِواه(٤). وأنشد الخليل: يَمَّمتُه الرُّمحَ شَزْراً ثم قلتُ له هذِي البَسَالةُ لا لِعْبُ الزَّحاليقِ(٥) قال الخليل: مَن قال في هذا البيت: أمَّمته، فقد أخطأ؛ لأنه قال: شَزْراً، ولا يكونُ الشَّزرُ إلَّا من ناحية، ولم يقصد به أَمامَه(٦). وقال امرؤ القيس: بِيَثْرِبَ أذْنَى دارِها نظرٌ عالٍ(٨) تيمَّمتُها(٧) من أذرِعاتٍ وأهلُها وقال أيضاً: يَفيُ عليها الظلُّ عَرْمَضُها طامي(٩) تيمَّمَتِ العينَ التي عند ضارِجٍ (١) أخرجه مسلم (٥٢٢) من حديث حذيفة ، وأخرجه بنحوه أحمد (٢٣٢٥١). (٢) ص٣٥٤ من هذا الجزء. (٣) لفظة: يقال، من (ظ). (٤) مجمل اللغة ٣/ ٩٤٠ . (٥) قائله ملاعب الأسنة عامر بن مالك كما في الصحاح (زحلق)، واللسان (أمم)، وفيهما: المروءة، بدل: البسالة، وهو في المجمل ٣/ ٩٤٠ بلا نسبة. والزحاليق، واحدتها زُخْلوقة: وهي آثار تزلج الصبيان من فوق إلى أسفل. اللسان (زحلق). (٦) مجمل اللغة ٣/ ٩٤٠. (٧) في (ظ): فيممتها. (٨) ديوان امرئ القيس ص٣١، وقد سلف ٣٣٢/٣. (٩) ملحق ديوان امرئ القيس ص ٤٧٥، وأدب الكاتب ص٢٨، وجمهرة أشعار العرب ١٦٤/١، وشرح أدب الكاتب للبطلْيَوْسي ص٢٩٥ . قال البطليوسي: ضارج: موضع في بلاد عبس فيه ماء، والعرمض والطحلب والغلفق سواء: وهي الخضرة تكون على الماء، وطام: مرتفع. يصف أنه ماء لا يرده أحد، فقد علاه الطحلب، وفي معنى هذا البيت قولان؛ قيل: يصف حمراً وحشية ... وقيل: إنما يصف ناقته. ٣٨٣ سورة النساء: الآية ٤٣ آخر: إنِّي كذاك إذا ما ساءَني بلدٌ يَمَّمتْ [صدر] بعيري غيرَه بلداً(١) وقال أعشى باهلة: تيمَّمْتُ قَيْساً وكم دونَه من الأرض من مَهْمَهٍ ذي شَزَنْ(٢) وقال حُمید بن ثَوْر: سلِ الرَّبْعَ أنَّى يَّمَتْ أمُّ طارقٍ وهل عادةٌ للرَّبْعِ أنْ يتكلَّما(٣) وللشافعيّ ۶﴾: عِلْمي معي حيثُما يمَّمْتُ أحمِلُه بطني وِعاءٌ له لا بَظْنُ صُنْدوقٍ(٤) قال ابنُ السِّكِّيت(٥): قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيًِّا﴾ أي: اقصِدوا، ثم كَثُر استعمالُهم لهذه الكلمة حتى صار التيمُّم مسحَ الوجه واليدين بالتراب. وقال ابن الأنباريّ(٦) في قولهم: قد تيمَّمَ الرَّجُلُ، معناه: قد مسح الترابَ على و جهه ویدیه. قلت: وهذا هو التيمُّم الشرعيُّ، إذا كان المقصودُ به القُرْبةَ. ويمَّمتُ المريضَ فتيمَّم للصلاة. ورجلٌ مُيَمَّم: يظفر بكلِّ ما يطلب؛ عن الشيباني(٧). وأنشد: (١) الزاهر للأنباري ١/ ٤٢، وما بين حاصرتين منه. (٢) ديوان الأعشى ص٦٩، والصحاح (شزن) وفيه: الشَّزَن: الغَلِظُ من الأرض. والمهمه: المفازة البعيدة الأطراف، والجمع المَهامِه. الصحاح (مهه). (٣) ديوانه ص٧ ، وفيه: أم سالم، بدل: أم طارق. (٤) ديوانه ص ١٠٠ (طبعة دار ابن زيدون). (٥) إصلاح المنطق ص٣٤٨ . (٦) الزاهر ٤١/١. (٧) مجمل اللغة ٤٩٠/٣، والشيباني هو إسحاق بن مٍرار، صاحب العربية، كوفي نزيل بغداد، من كتبه: كتاب الجيم، والنوادر الكبير، توفي سنة (٢١٣). إنباه الرواة ٢٢١/١. ٣٨٤ سورة النساء: الآية ٤٣ مُيَمَّمَ البيتِ رفيعَ المجدِ(١) إنا وجدنا أعْصُرَ بن سعدٍ وقال آخر: مُيَمَّمُ البيت كريمُ السِّنْحِ(٢) أَزْهَرُ لم يولّد بنَجْمِ الشُّحِّ الخامسة(٣) والثلاثون: لفظُ التيمُّم ذكرَه الله تعالى في كتابه في ((البقرة)»(٤)، وفي هذه السورة، و((المائدة))(٥). والتي في هذه السورة هي آية التيمُّم. والله أعلم. وقال القاضي أبو بكر ابنُ العربي(٦): هذه مُعْضِلةٌ ما وجدتُ لدائها من دواءٍ عند أحد؛ هما آيتان فيهما ذكرُ التيمُّم، [إحداهما] في ((النساء))، والأخرى في ((المائدة)). فلا نعلم أيَّةَ آيَةٍ عَنَتْ عائشةُ بقولها: فأنزل الله آيةَ التيمم(٧). ثم قال: وحديثُها يدلُّ على أنْ التيمُّمَ قبل ذلك لم يكن معلوماً ولا مفعولاً لهم. قلت: أما قولُه: فلا نعلم أيَّةَ آيَةٍ عَنَت عائشة؛ فهي هذه الآية على ما ذكرنا. والله أعلم. وقوله: وحديثُها يدلُّ على أنَّ التيمُّم قبل ذلك لم يكن معلوماً ولا مفعولاً لهم؛ (١) مجمل اللغة ٣/ ٤٩٠ برواية: رفيع الجَدِّ. (٢) نسبهما الجوهري في الصحاح (يمم) لرؤبة بن العجاج، وذكرهما البطليّوْسي في شرح أدب الكاتب ص٤١٦ وقال: هذا الرجز يروى لرؤبة، ولم أجده في ديوان شعره. ووردا بلا نسبة في أدب الكاتب ص٤٩١ والخزانة ٣٢٤/١١، وهو في هذه المصادر برواية: السنخ بالخاء. قال البطليوسي: السنخ والسنج بالخاء والجيم: الأصل، وقد روي: السنح بالحاء. ونسبهما ابن جني في سر صناعة الإعراب ١٧٩/١ لرؤية برواية غَمْرُ الأُجَاريِّ كريم السُنْح أَبْلَجُ لم يولد بنجم الشخُ وهما بهذه الرواية ضمن أبيات تنسب لرؤبة في ديوانه ص١٧١ . (٣) في (ز) و(ظ): الرابعة. (٤) ينظر ٣٤٩/٤، والآية هي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [٢٦٧]. (٥) الآية: ٦ . (٦) أحكام القرآن ١/ ٤٤١ - ٤٤٢. وما سيرد بين حاصرتين منه. (٧) يشير إلى حديث عائشة الذي سلف في بداية المسألة العشرين. ٣٨٥ سورة النساء: الآية ٤٣ فصحيحٌ ولا خلافَ فيه بين أهل السِّيَر؛ لأنَّه معلومٌ أنَّ غُسْلَ الجنابة لم يُفترض قبل الوضوء، كما أنه معلوم عند جميع أهل السِّير أنَّ النبيَّ ◌َ # منذ افتُرِضت عليه الصلاةُ بمكة، لم يُصَلِّ إلا بوضوء مثلٍ وضوئنا اليوم. فدلَّ على أنَّ آيَةً الوضوء إنما نزلت ليكون فرضُها المتقدِّمُ مثْلُوًّا في التنزيل. وفي قوله [في حديث مالك]: فنزلت آية التيمم، ولم يقُلْ: آية الوضوء، ما يبيِّن أنَّ الذي طرأ لهم من العلم في ذلك الوقت حكمُ التيمم لا حكمُ الوضوء(١)؛ وهذا بيِّن لا إشكالَ فيه. السادسة(٢) والثلاثون: التيمُّم يلزمُ كلَّ مكلَّف لزمتْه الصلاةُ، إذا عَدِم الماءَ، ودخل وقت الصلاة. وقال أبو حنيفة وصاحباه، والمُزَنيُّ صاحبُ الشافعيِّ: يجوزُ قبله. لأنَّ طلب الماء عندهم ليس بشرطٍ قياساً على النافلة، فلما جاز التيمُّم للنافلة دون طلب الماء، جاز أيضاً للفريضة. واستدلُّوا من السنة بقوله عليه الصلاة والسلام لأبي ذَرُّ: «الصَّعيدُ الطَّيبُ وَضوءُ المسلم ولو لم يجد الماءَ عَشْر حِجج(٣))). فسمَّى عليه الصلاة والسلام الصعيدَ وضوءاً كما يسمَّى الماء، فحكمُه إذاً حكمُ الماء. والله أعلم. ودليلنا: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ﴾ ولا يقال: لم يجد الماء، إلا لمن طَلَبَ ولم يجد، وقد تقدَّم هذا المعنى (٤). ولأنَّها طهارةُ ضرورةٍ(٥) كالمستحاضة. ولأن النبيَّ # قال: ((فأينما أدركتْكَ الصلاةُ؛ تيمَّمْتَ وصلَّيت))(٦). وهو قول الشافعيِّ وأحمد، وهو مروِيٌّ عن عليٍّ وابن عمر وابن عباس(٧). (١) التمهيد ٢٧٩/١٩، وما سلف بين حاصرتين منه. ويعني بحديث مالك حديث عائشة الذي رواه مالك، وانظر التعليق السابق. (٢) في (ز) و(ظ): الخامسة. (٣) تقدم ص ٣٧٠ من هذا الجزء. (٤) في المسألة الثامنة والعشرين. (٥) في (د): ضرورية. (٦) أخرجه أبو عوانة ١/ ٣٩٢ من حديث أبي ذر ، وأخرجه أحمد (٧٠٦٨) من حديث عبد الله بن عمرو مطولاً، وفيه: ((أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت)). وأخرجه أحمد (١٤٢٦٤)، والبخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر﴾، وفيه: (( ... فأيما رجلٍ أدركته الصلاة صلى حيث كان)). (٧) ينظر تفسير البغوي ١/ ٤٣٧ . ٣٨٦ سورة النساء: الآية ٤٣ السابعة(١) والثلاثون: وأجمع العلماء على أنَّ التيمم لا يرفعُ الجنابةً ولا الحدَثَ، وأنَّ المتيمم لهما إذا وَجد الماء، عاد جُنُباً كما كان أو مُحْدِثاً(٢)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي ذَرِّ: ((إذا وجدتَ الماءَ فَأَمِسَّه جِلْدَك))(٣) إلا شيءٌ رُوي عن أبي سلمةَ بن عبد الرحمن، رواه ابنُ جريج وعبد الحميد بن جُبير بن شيبة عنه(٤)، ورواه ابنُ أبي ذئبٍ عن عبد الرحمن بن حَرْملة عنه(٥)، قال في الجنب المتيمم يجدُ الماءَ: هو على طهارته، لا يحتاجُ إلى غُسل ولا وُضوءٍ حتى يُحدِث. وقد رُوي عنه فيمَن تيمَّم وصلَّى، ثم وجدَ الماءَ في الوقت: أنه يتوضأُ ويعيدُ تلك الصلاةَ(٦). قال ابن عبد البَرّ(٧): وهذا تناقُضٌ وقلَّة رَوِيَّةٍ، ولم يكن أبو سلمة عندهم يفْقَه كفِقْهِ أصحابه التابعين بالمدينة. الثامنة(٨) والثلاثون: وأجمعوا على أنَّ مَن تيمم؛ ثم وَجد الماء قبل الدخول في الصلاة؛ بَطَل تيمُّمُه، وعليه استعمال الماء(٩). والجمهور على أنَّ مَن تيمم وصلَّى وفرغ من صلاته، وقد كان اجتهدَ في طلبه الماءَ، ولم يكنْ في رَحْلِه، أنَّ صلاته تامَّة؛ لأنه أدَّى فرضَه كما أُمِر. فغيرُ جائز أن توجَبَ (١٠) عليه الإعادةُ بغير حُجَّة. ومنهم مَن استَحبَّ له أن يعيد في الوقت إذا توضأ (١) في (ز) و(ظ): السادسة. (٢) التمهيد ٢٩١/١٩ . (٣) تقدم ص ٣٧٠ من هذا الجزء. (٤) أخرجه عبد الرزاق (٨٨٥). (٥) أخرجه عبد الرزاق (٨٩١). (٦) أخرجه عبد الرزاق (٨٨٨). (٧) الاستذكار ١٦٧/٣ - ١٦٨، والكلام الذي قبله منه. (٨) في (ز) و(ظ): السابعة. (٩) الإشراف ٢/ ٦٥، والاستذكار ١٦٨/٣ . (١٠) في النسخ الخطية: يوجب، والمثبت من (م). ٣٨٧ سورة النساء: الآية ٤٣ واغتسل(١). ورُوِي عن طاوس وعطاء والقاسم بن محمد ومكحولٍ وابن سيرين والزهريِّ وربيعة، كلَّهم يقول: يعيدُ الصلاة. واستحبَّ الأوزاعيُّ ذلك، وقال: ليس بواجب(٢)؛ لِما رواه أبو سعيد الخُذريُّ قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاةُ وليس معهما ماءٌ، فتيمَّما صعيداً طيباً، فصلَّيا، ثم وجدا الماءَ في الوقت، فأعاد أحدُهما الصلاةَ بالوضوء(٣)، ولم يُعِدِ الآخَرُ، ثم أتيا رسول اللـه ﴾ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يُعِد: ((أَصَبْتَ السُّنة؛ وأَجْزِأَتْكَ صلاتُك))، وقال للَّذي توضأ وأعاد: ((لكَ الأجرُ مرَّتَيْن)). أخرجه أبو داود، وقال: وغير [ابن] نافع يرويه عن اللَّيث، عن عَميرةَ بنِ أبي ناجيةَ، عن بكر بن سَوَادةَ، عن عطاء، عن النبيِّ ﴾، وذِكْر أبي سعيد في هذا الإسناد ليس بمحفوظ [وهو مرسل](٤). وأخرجه الدارَقُظْنِيُّ وقال فيه: ثم وجدا الماءَ بعد [في] الوقت(٥). التاسعة(٦) والثلاثون: واختلف العلماءُ إذا وَجد الماءَ بعد دخوله في الصلاة؛ (١) الاستذكار ١٦٨/٣ . (٢) الإشراف ٢/ ٦٣، وينظر معالم السنن ١٠٥/١. (٣) في النسخ الخطية: والوضوء، والمثبت من (م). (٤) سنن أبي داود (٣٣٨) وما بين حاصرتين منه، وأخرجه النسائي في المجتبى ٢١٣/١، أخرجاه من طريق عبد الله بن نافع، عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان ... قال الزيلعي في نصب الراية ١/ ١٦٠: قال ابن القطان: فالذي أسنده أسقط من الإسناد رجلاً، وهو عميرة، فيصير منقطعاً والذي يرسله فيه مع الإرسال عميرة، وهو مجهول الحال، قال (يعني ابن القطان): لكن رواه أبو علي بن السكن: حدثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد الواسطي، حدثنا عباس بن محمد، ثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا الليث بن سعد، عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء، عن أبي سعيد: أن رجلين خرجا في سفر، فوصله ما بين الليث وبكر بعمرو بن الحارث وهو ثقة، وقرنه بعميرة، وأسنده بذكر أبي سعيد. ينظر بيان الوهم والإيهام ٢/ ٤٣٢ - ٤٣٤. (٥) سنن الدارقطني (٧٢٧)، وما بين حاصرتين منه. وأخرجه الدارمي (٧٤٤) والطبراني في الأوسط (٧٩١٨) . (٦) في (ز) و(ظ): الثامنة. ٣٨٨ سورة النساء: الآية ٤٣ فقال مالك: ليس عليه قطعُ الصلاة واستعمالُ الماء، ولْيُتِمَّ صلاتَه، وليتوضَّأُ لِمَا يُستقبل. وبهذا قال الشافعيُّ، واختاره ابنُ المُنْذر(١). وقال أبو حنيفة وجماعةٌ، منهم أحمدُ بن حنبل والمُزَنيُّ [وابن عُلَيَّة]: يقطع ويتوضأ ويستأنف الصلاة لوجود الماء. وحجتُهم أن التيمم لمَّا بطلَ بوجود الماء قبل الصلاة، فكذلك يبطلُ ما بقي منها، وإذا بطلَ بعضُها بطل كلُّها؛ لإجماع العلماء على أنَّ المعتدَّة بالشهور لا يبقى عليها إلا أقلُّها ثم تحيض، أنها تستقبل عدَّتها بالحيض. قالوا: والذي يطرأ عليه الماء وهو في الصلاة كذلك، قياساً ونظراً. ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلَا نُطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٢٣]. وقد اتفق الجميعُ على جواز الدخول في الصلاة بالتيمم عند عُذْم الماء، واختلفوا في قطعها إذا رأى (٢) الماء، ولم تثبت سُنَّة بقطعها، ولا إجماع(٣). ومن حجتهم أيضاً: أنَّ مَن وجبَ عليه الصوم في ظِهارٍ أو قَتْلٍ، فصام منه أكثرَه ثم وجد رقبةً، لا يُلغي صومَه، ولا يعودُ إلى الرقبة. وكذلك مَن دخل في الصلاة بالتيمم، لا يقطعُها، ولا يعود إلى الوضوء بالماء(٤). الموفية أربعين(٥): واختلفوا هل يُصلِّي به صلواتٍ، أم يلزمُ(٦) التيمُّمُ لكلِّ صلاةٍ فرضٍ ونفلٍ؟ فقال شَريك بن عبد الله القاضي: يتيمم لكلِّ صلاةٍ نافلةٍ وفريضة(٧). وقال مالك: لكلِّ فريضة؛ لأنَّ عليه أنْ يبتغيَ الماءَ لكلِّ صلاة، فمن ابتغَى الماءَ (١) الأوسط ٢/ ٦٦ . (٢) في (د) و(م): رؤي. (٣) التمهيد ٢٩٠/١٩، والاستذكار ١٦٩/٣ - ١٧٠، وما بين حاصرتين منهما. (٤) الاستذكار ٣/ ١٧٠ . (٥) في (ز) و(ظ): التاسعة والثلاثون. (٦) في (ظ): يلزمه. (٧) التمهيد ٢٩٤/١٩ . ٣٨٩ سورة النساء: الآية ٤٣ فلم يجده، فإنه يتيمَّمُ(١). وقال أبو حنيفة والثوريُّ واللَّيثُ والحسنُ بنُ حيٍّ وداود: يصلي ما شاء بتيمُّمٍ واحدٍ ما لم يُحْدِث؛ لأنه طاهرٌ ما لم يجد الماءَ، وليس عليه طلبُ الماءِ إذا يئس منه. وما قلناه أصحُ؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ أوجبَ على كلِّ قائم إلى الصلاة طلبَ الماء، وأوجبَ عند عدمهِ التيمُّمَ لاستباحة الصلاة قبل خروج الوقت، فهي طهارةٌ ضرورةٍ ناقصةٌ بدليل إجماع المسلمين على بُطْلانها بوجود الماءِ وإنْ لم يُحْدِث، وليس كذلك الطهارةُ بالماء(٢). وقد ينبني هذا الخلافُ أيضاً في جواز التيمم قبل دخول الوقت؛ فالشافعيُّ وأهلُ المقالة الأولى لا يجوِّزونه؛ لأنه لمَّا قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُوا﴾ ظهر منه تعلُّقُ إجزاءِ التيمم بالحاجة، ولا حاجةً قبل الوقت. وعلى هذا لا يصلِّي فرضين بتيمُّمٍ واحد (٣)، وهذا بيِّن. واختلف علماؤنا فیمَن صلَّی صلاتي فرضٍ بتیمم واحد، فروی یحیی بنُ یحیی عن ابن القاسم: يعيدُ الثانية ما دام في الوقت. وروى أبو زيد بن أبي الغمر (٤) عنه: يُعيد أبداً. وكذلك رَوَى عن مُطَرِّف وابن الماجشون: يعيد الثانية أبداً. وهذا الذي يناظر عليه أصحابنا؛ لأنَّ طلبَ الماء شرط(٥). وذكر ابنُ عَبْدُوس أنَّ ابنَ نافع روى عن مالك في الذي يجمعُ بين الصلاتين أنه يتيمَّمُ لكلِّ صلاة. وقال أبو الفرج فيمَن ذَكَر صلواتٍ: إنْ قضاهن بتيمم واحد فلا شيء عليه، وذلك جائز له (٦). وهذا على أنَّ (١) ينظر المنتقى ١١٠/١. (٢) التمهيد ٢٩٥/١٩. (٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٥٥/٣ . (٤) عبد الرحمن بن عمر بن أبي الغمر، روى عن ابن القاسم وابن وهب وغيرهم، ورأى مالكاً ولم يأخذ عنه، توفي سنة (٢٣٤ هـ). ترتيب المدارك ٥٦٥/٢ . (٥) المنتقى ١١٠/١، وينظر التمهيد ٢٩٤/١٩ . مطرِّف: هو ابن عبد الله بن مطرف بن يسار، وابن الماجشون : هو عبد الملك. (٦) التمهيد ٢٩٥/١٩ . أبو الفرج: هو عمر بن محمد القاضي. ٣٩٠ سورة النساء: الآية ٤٣ طلبَ الماءِ ليس بشرط. والأول أصحُ. والله أعلم. الحادية والأربعون(١): قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الصعيدُ: وجه الأرض، كان عليه ترابٌ أو لم يكن؛ قاله الخليل وابنُ الأعرابيّ(٢) والزجَّاجُ. قال الزجاج(٣): لا أعلم فيه خلافاً بين أهل اللغة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزَّا﴾ [الكهف: ٨] أي: أرضاً غليظة لا تُنبتُ شيئاً(٤). وقال تعالى: ﴿فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]. ومنه قولُ ذي الرُّمة: كأنه بالفُّحَى تَرْمي الصعِيدَ به دَبَّابةٌ في عظام الرأسِ خُرْطُومُ(٥) وإنما سمِّي صعيداً لأنَّه نهايةُ ما يُضْعَد إليه من [باطن] الأرض(٦). وجمعُ الصعيد: صُعُدات(٧)، ومنه الحديث: ((إياكم والجلوسَ في الصُّعُدات))(٨). (١) في (ز) و(ظ): الموفية أربعين. (٢) ينظر العين ٢٩٠/١، وتهذيب اللغة ٨/٢، والمنتقى ١١٦/١. (٣) معاني القرآن له ٥٦/٢ . (٤) الاستذكار ١٥٨/٣. (٥) ديوان ذي الرمة ٣٨٩/١، قال أبو نصر أحمد بن حاتم الباهلي شارح الديوان: الدبَّابة: خمر تدبُّ في العظام. خرطوم: أوَّل ما ينزل ويؤخذ من الدّنِّ، ويصف الشاعر ولد ظبي، والمعنى: كأنه بالضحى تبطحه خمر من النعاس. (٦) معاني القرآن للزجاج ٥٦/٢، وما بين حاصرتين منه. (٧) قال أبو عبيد في غريب الحديث ٢/ ١٢٥: جمع الصعيد صُعُد، ثم صُعُدات جمعُ الجمع، كما تقول: طريق وطُرُق ثم طُرُقات. (٨) قطعة من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه أحمد (١١٥٨٦) بلفظ: ((إياكم والجلوس في الطريق)). قال: وربما قال معمر (أحد رواته) على الصُّعُدات. وأخرجه أيضاً أحمد (١١٣٠٩)، والبخاري (٦٢٢٩)، ومسلم (٢١٢١) بلفظ: ((إياكم والجلوسَ في الطرقات)) ... وأخرجه أيضاً أحمد (٢٧١٦٣) من حديث أبي شُريح بن عمرو الخُزاعي، بلفظ: ((إياكم والجلوس على الصُّعُدات)) ... وفي إسناده متروك. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١١٤٩) عن أبي هريرة: أن النبي # نهى عن المجالس بالصعدات ... ٣٩١ سورة النساء: الآية ٤٣ واختلف العلماء فيه من أجل تقييده بالطيِّب؛ فقالت طائفة: يتيمم بوجه الأرض كلِّه، تراباً كان أو رملاً، أو حجارة أو معدناً، أو سَبّخة (١). هذا مذهبُ مالك وأبي حنيفة والثَّورِيِّ والطبريِّ، و((طيّباً)): معناه طاهراً. وقالت فرقة: ((طيِّباً)): حلالاً، وهذا قَلِقٍ(٢). وقال الشافعيُّ وأبو يوسف: الصعيدُ: التراب المنبِتُ، وهو الطيب؛ قال الله تعالى: ﴿وَاَلْبَلَدُ الَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّدٍ﴾ [الأعراف: ٥٨]، فلا يجوز التيمم عندهم على غيره. وقال الشافعيُّ: لا يقعُ الصعيدُ إلَّا على ترابٍ ذي غُبار. وذكر عبد الرزاق(٣) عن ابن عباس أنه سئل: أيُّ الصعيد أطيبُ؟ فقال: الحَرْث. قال أبو عمر(٤): وفي قول ابن عباس هذا ما يدلُّ على أنَّ الصعيد يكونُ غيرَ أرض الحرث. وقال عليٍّ ﴾: هو التراب خاصة(٥). وفي كتاب الخليل: تيمَّمْ بالصعيد، أي: خُذْ من غُباره؛ حكاه ابن فارس(٦). وهو يقتضي التيمُّمَ بالتراب، فإنَّ الحجرَ الصَّلْد لا غبارَ عليه. وقال الْكِيَا الطبرِيُّ(٧): واشترط الشافعيُّ أن يَعْلَق الترابُ باليد، ویتیمم به نقلاً إلى أعضاء التيمّم، كالماء يُنقلُ إلى أعضاء الوضوء. قال الكيا: ولا شكَّ أنَّ لفظ الصعيد ليس نصّاً فيما قاله الشافعيُّ، إلَّا أنَّ قولَ (١) في المصباح المنير: أرض سَبَخَّة، بإسكان الباء، وفتحها، وكسرها: أي: مِلْحَة. (٢) المحرر الوجيز ٥٩/٢، وينظر تفسير الطبري ٨٢/٧ . (٣) في مصنفه (٨١٤). (٤) الاستذكار ١٦١/٣، والكلام الذي قبله منه. (٥) لم نقف عليه بهذا السياق، ولعل المصنف رحمه الله يشير إلى ما أخرجه أحمد (٧٦٣) من حديث علي ﴾ عن النبي ﴾ قال: ((أعطيت ما لم يُعطَ أحد من الأنبياء)) وفيه: (( ... وجعل التراب لي طهوراً ... )). (٦) مجمل اللغة ٥٣٤/٢، وقول الخليل في العين ٢٩٠/١. (٧) أحكام القرآن ٥٨/٣ . ٣٩٢ سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣ رسول الله﴾: ((جُعلَتْ ليَ الأرضُ مسجداً، وترابُها طَهوراً(١)) بَيَّن ذلك. قلت: فاستدل أصحابُ هذه المقالة بقوله عليه الصلاة والسلام: ((وجُعلت تربتُها لنا طَهوراً))، وقالوا: هذا من باب المُطْلَق والمُقَيَّد. وليس كذلك، وإنما هو من باب النَّص على بعض أشخاص العموم، كما قال تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَغَخْلٌ وَرَُّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وقد ذكرناه في ((البقرة)) عند قوله: ﴿وَمَلَبِكَيْهِ وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَنْلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقد حكى أهلُ اللغة أنَّ الصعيد اسمٌ لوجه الأرض كما ذكرنا، وهو نصُّ القرآن كما بيَّنَا، وليس بعد بيان الله بيانٌ. وقال رسول الله﴾ للجُنُب: ((عليك بالصَّعيد، فإنَّه يَكفيك)) وسيأتي(٢). فـ ((صَعِيداً)) على هذا ظرفُ مكان. ومَن جَعَلَه للتراب فهو مفعولٌ به بتقدير حذف الباء، أي: بصعيد، و((طَيِّباً)) نعتٌ له. ومَن جعل ((طيباً)) بمعنى: حلالاً ، نصبه على الحال أو المصدر(٣). الثانية(٤) والأربعون: وإذا تقرَّر هذا فاعلم أنَّ مكانَ الإجماع مما ذكرناه أنْ يتيمَّم الرجل على ترابٍ مُنبِت طاهرٍ غيرِ منقولٍ ولا مغصوبٍ. ومكان الإجماع في المنع: أنْ يتمَّم الرجل على الذهب الصِّرْفِ والفِضَّة والياقوت والزُّمُرُّد، والأطعمةِ، كالخبز واللحم وغيرهما، أو على النجاسات. واختلف في غير هذا كالمعادن، فأُجيزَ، وهو مذهبُ مالك وغيرِهِ. ومُنع وهو مذهبُ الشافعي وغيره(٥). وقال ابن خُوَيْزِ مَنْداد: ويجوز عند مالك التيمُّمُ على الحشيش إذا كان دون (١) تقدم ص ٣٨٢ من هذا الجزء. (٢) عند قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، وقد تقدم تخريجه ٢٢٣/٥ من حديث عمران بن حصين (٣) مشكل إعراب القرآن ٢٢٠/١. (٤) في (ز) و(ظ): الحادية. (٥) المحرر الوجيز ٦٠/٢ . ٣٩٣ سورة النساء: الآية ٤٣ الأرض، واختُلف عنه في التيمُم على الثلج(١)؛ ففي ((المدوَّنة)) و((المبسوط))(٢) جوازُه، وفي غيرهما منعُه. واختلف المذهب في التيمم على العُود؛ فالجمهورُ على المنع. وفي ((مختصر)) الوَقَار أنه جائز(٣). وقيل بالفرق بين أن يكون منفصلاً أو متصلاً، فأُجيز على المتصل، ومُنع في المنفصل. وذكر الثعلبيُّ أن مالكاً قال: لو ضربَ بيده على شجرة، ثم مسحَ بها أجزأه . قال: وقال الأوزاعيُّ والثَّوريُّ: يجوزُ بالأرض وكلِّ ما عليها من الشجر والحجر والمَدَر وغيرها، حتى قالا: لو ضربَ بيده على الجَمَد والثَّلج أجزأه(٤). قال ابن عطية(٥): وأما التراب المنقول من طين أو غيره؛ فجمهورُ المذهب على جواز التيمم به، وفي المذهب المنعُ، وهو في غير المذهب أكثر، وأما ما طُبخ كالجِصِّ والآجُرِّ؛ ففيه في المذهب قولان: الإجازةُ والمنعُ؛ وفي التيمم على الجدار خلاف. قلت: والصحيحُ الجوازُ؛ لحديث أبي جُهَيْم بن الحارث بن الصِّمَّة الأنصاريِّ قال: أقبل رسول الله ﴿ من نحو بئرِ جَمَلٍ، فلقِيه رجلٌ، فسلّم عليه، فلم يردّ عليه النبيُّ ﴾، حتى أقبلَ على الجدار، فمسحَ بوجهه ويديه، ثم ردَّ عليه السلامَ. أخرجه البخاريُّ(٦). وهو دليل على صِحَّة التيمُم بغير التراب كما يقولُه مالك ومَن وافقَه. ويردُّ (١) التمهيد ٢٨٨/١٩. (٢) المدونة ٤٦/١، ونقله عن المبسوط الباجي في المنتقى ١١٦/١. (والمبسوط لمحمد بن مسلمة). (٣) المحرر الوجيز ٦٠/٢، والوَقَار هو محمد أبو بكر بن أبي يحيى زكريا الوَقَار، كان حافظاً للمذهب، وألف كتاب السنة، وله مختصران في الفقه، وأهل القيروان يفضلون مختصره على مختصر ابن عبد الحكم، توفي سنة (٢٦٩هـ). ترتيب المدارك ٣/ ٩١ . (٤) ينظر المجموع ٢٣٢/٢، وحكى ابن المنذر في الأوسط ٤٢/٢ عن الثوري خلافه، أنه كان لا يرى التيمم على الثلج. (٥) المحرر الوجيز ٢ / ٦٠. (٦) في صحيحه (٣٣٧)، وقد سلف ص ٣٦٣- ٣٦٤ من هذا الجزء. ٣٩٤ سورة النساء: الآية ٤٣ على الشافعيِّ ومَن تابعه في أنَّ الممسوح به ترابٌ طاهر ذو غبار يَعْلَق باليد. وذكر النَّقَّاش عن ابن عُلَيَّةَ وابن كَيْسان: أنَّهما أجازا التيمُّم بالمِسْك والزَّعْفَران. قال ابنُ عطية (١): وهذا خطأ بَحْتٌ من جهات. قال أبو عمر: وجماعةُ العلماء على إجازة التيمُّم بالسِّباخ (٢) إلا إسحاقَ بن رَاهْوَيْه. ورُويَ عن ابن عباس فيمَن أدركَه التيمُّم وهو في طين؛ قال: يأخذُ من الطين فيَطلي به بعضَ جسده، فإذا جفَّ تيمم به. وقال الثَّوريُّ وأحمد: يجوزُ التيمُّم بغبار اللِّبْد(٣) . قال الثَّعلبي: وأجاز أبو حنيفة التيمُّمَ بالكُخْل، والزِّرنيخ، والنُّوْرة، والجصِّ، والجوهر المسحوق. قال: فإذا تيمم بسُحالة(٤) الذهب والفضة، والصُّفْر والنحاس والرصاص، لم يَجْزِه(٥)؛ لأنه ليس من جنس الأرض(٦). الثالثة(٧) والأربعون: قوله تعالى: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ المَسْحُ لفظٌ مشترك يكون بمعنى الجماع، يقال: مسحَ الرجلُ المرأةَ: إذا جامعها. والمَسْحُ: مَسْحُ الشيء بالسيف وقَطْعه به. ومَسَحَت الإبلُ يومَها: إذا سارت. والمَسْحاءُ: المرأةُ الرَّسْحاء(٨) التي لا أُسْتَ لها. وبفلان مَسْحةٌ من جمالٍ (٩). والمرادُ هنا بالمَسْح عبارةٌ عن جرِّ اليد على الممسوح خاصةً، فإنْ كان بآلةٍ؛ فهو (١) في المحرر الوجيز ٦٠/٢ . (٢) جمع سَبْخة، أي: أرض مِلْحة، وسلف قريباً. (٣) الاستذكار ١٥٨/٣ و١٦١، وخبر ابن عباس أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٤٢/٢. (٤) السُّحالة، بالضم: ما سقط من الذهب والفضة إذا بُرد. القاموس (سحل). ووقع في (ظ): بسحاقة. (٥) في (ظ): لم يجرّ. (٦) ينظر الأوسط ٣٩/٢، والاستذكار ١٥٧/٣ - ١٥٨. (٧) في (ز) و(ظ): الثانية. (٨) في (ظ): الرستاء. (٩) مجمل اللغة ٨٣١/٣. ٣٩٥ سورة النساء: الآية ٤٣ عبارةٌ عن نقل الآلة إلى اليد، وجرِّها على الممسوح(١)، وهو مقتضَى قوله تعالى في آية ((المائدة)): ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [٦]. فقوله: ((مِنه)) يدلُّ على أنه لا بدَّ من نقل التراب إلى محل التيمُّم. وهو مذهب الشافعيّ(٢)، ولا نشترطُه نحن؛ لأن النبيَّ﴾ لمَّا وضعَ يديه على الأرض ورفَعَهما، نفخ فيهما(٣). وفي رواية: نَفَض (٤). وذلك يدلُّ على عدم اشتراط(٥) الآلة؛ يوضّحه تيمُّمُه على الجدار. قال الشافعيُّ: لمَّا لم يكن بُدٌّ في مسح الرأس بالماء من بَلَلٍ يُنقلُ إلى الرأس، فكذلك المسحُ بالتراب؛ لابُدَّ من النقل. ولا خلافَ في أنَّ حكمَ الوجه في التيمُّم والوضوء: الاستيعابُ وتتبُّعُ مواضعِهِ، وأجاز بعضُهم ألا يُتَبَّع كالغضون (٦) في الخفَّين، وما بين الأصابع في الرأس، وهو في المذهب قول محمد بن مسلمة؛ حكاه ابن عطية(٧). وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيكُمْ﴾ فبدأ بالوجه قبل اليدين، وبه قال الجمهور. ووقع في البُخارِيِّ من حديث عمّار في: باب التيمم ضربة، ذِكْرُ اليدين قبل الوجه(٨). وقاله بعضُ أهل العلم قياساً على تنكيس الوضوء. الرابعة(٩) والأربعون: واختلف العلماءُ: أين يبلغُ بالتيمم في اليدين؟ فقال ابن (١) أحكام القرآن لابن العربي ٤٤٨/١ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٨١ . (٣) أخرجه أحمد (١٨٣٣٢)، والبخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨): (١١٢) من حديث عمار بن ياسر، ضُ. (٤) أخرجه البخاري (٣٤٧)، ومسلم (٣٦٨): (١١١). (٥) في (ظ): اشتراطه. (٦) في المصباح المنير: الغُضون: مكاسر الجلد، ومكاسر كل شيء غضون أيضاً، الواحد: غَضْن، وغَضَن. (٧) المحرر الوجيز ٦٠/٢، والكلام الذي سيأتي منه. (٨) صحيح البخاري (٣٤٧)، وهو عند أحمد (١٨٣٢٨). (٩) في (ز) و(ظ): الثالثة. ٣٩٦ سورة النساء: الآية ٤٣ شهاب: إلى المناكب(١). ورُوي عن أبي بكر الصديق(٢). وفي مصنَّف أبي داود عن الأعمش: أنَّ رسول اللـه * مسحَ إلى أنصاف ذراعيه(٣). قال ابنُ عطية(٤): ولم يقل أحدٌ بهذا الحديث فيما حفِظت. وقيل: يبلغ به إلى المرفقين؛ قياساً على الوضوء. وهو قول أبي حنيفة والشافعيِّ وأصحابهما، والثوريِّ وابن أبي سلمة واللَّيث، كلَّهم يرَون بلوغَ المرفقين بالتيمم فرضاً واجباً. وبه قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وابن نافع، وإليه ذهب إسماعيلُ القاضي(٥). قال ابن نافع: مَن تيمَّمَ إلى الكوعين أعادَ الصلاةَ أبداً. وقال مالك في ((المدوَّنة)): يُعيد في الوقت(٦). ورَوى التيمُّم إلى المرفقين عن النبيِّ ﴾ جابر بنُ عبد الله(٧) وابن عمر، وبه كان يقول(٨). (١) أخرجه الطبري ٩٠/٧، وينظر التمهيد ٢٨٣/١٩. (٢) أخرجه أحمد (١٨٨٨٨)، والطبري ٧/ ٩٠ من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عمار﴾، وعبيد الله لم يسمع من عمار كما ذكر المزي في تحفة الأشراف ٧/ ٤٨١ . (٣) سنن أبي داود (٣٢٣) ولفظه فيه: ثم مسح وجهه، والذراعين إلى نصف الساعدين، ولم يبلغ المرفقين. (٤) المحرر الوجيز ٦١/٢، وما قبله منه. (٥) ينظر الأوسط ٤٨/٢، والاستذكار ١٦٢/٣ و١٦٤، والتمهيد ٢٨٢/١٩ - ٢٨٣. (٦) المحرر الوجيز ٢/ ٦٠، وقول مالك في المدونة ٤٣/١. (٧) أخرجه الدارقطني (٦٩١)، والحاكم ١/ ١٨٠ وصححه، وقال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، والصواب موقوف. وقد أخرجه عن جابر موقوفاً ابن أبي شيبة ١٥٩/١، وابن المنذر ٤٩/٢ ، والدار قطني (٦٩٢). (٨) أخرج حديث ابن عمر رضي الله عنهما الدارقطني (٦٨٥)، والحاكم ١٧٩/١ من طريق علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﴾ مرفوعاً. قال الدارقطني: كذا رواه علي بن ظبيان مرفوعاً، ووقفه يحيى القطان وهشيم وغيرهما، وهو الصواب. ثم أخرج حديثهما. وعلي بن ظبيان، قال عنه النسائي وأبو حاتم: متروك، وقال يحيى بن سعيد وأبو داود: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: واهي الحديث. ينظر نصب الراية ١/ ١٥٠، والدراية ٦٧/١ . وأخرج الموقوف أيضاً مالك في الموطأ ٥٦/١، وعبد الرزاق (٨١٧) و(٨١٩). ٣٩٧ سورة النساء: الآية ٤٣ قال الدارَقُظْنِيُّ (١): سُئل قتادةُ عن التيمم في السفر، فقال: كان ابن عمر يقول: إلى المرفقين. وكان الحسنُ وإبراهيم النَّخَعِيُّ يقولان: إلى المرفقين. قال: وحدَّثني محدِّث عن الشَّعْبِيِّ، عن عبد الرحمن بن أَبْزَى، عن عَمار بنٍ ياسر: أنَّ رسول الله ◌ِ﴾. قال: ((إلى المرفقين)). قال أبو إسحاق: فذكرتُه لأحمدَ بنِ حنبل فعَجِب منه، وقال: ما أحسَنَه !. وقالت طائفة: يبلغُ به إلى الكوعين، وهما الرُّسُغان. رُوي عن علي بن أبي طالب(٢) والأوزاعيٍّ وعطاء، والشعبيِّ في رواية، وبه قال أحمدُ بن حنبل وإسحاقُ بن رَاهَوَيْه وداود بن عليٍّ والطبريّ(٣)، ورُوي عن مالك، وهو قولُ الشافعيِّ في القديم. وقال مَكْحُول: اجتمعتُ أنا والزُّهْريُّ، فتذاكرنا التيمُّم، فقال الزُّهْرِيُّ: المسح إلى الآباط. فقلت: عمن أخذتَ هذا؟ فقال: عن كتاب الله عزَّ وجلَّ؛ إنَّ الله تعالى يقول: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيكُمْ﴾ فهي يدٌّ كلُّها. قلت له: فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاُلْشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فمِن أين تُقْطَعُ اليد؟ قال: فخصَمْته(٤). وحُكيَ عن الدَّاوديِّ(٥) أنَّ الكوعين فرض، [والمرافقَ سُنَّة]، والآباطَ فضيلة. قال ابن عطية (٦): هذا قولٌ لا يَعْضُدُه قياسٌ ولا دليل، وإنما عمَّمَ قومٌ لفظَ اليد، فأوجبوه من المَنْكب، وقاس قوم على الوضوء، فأوجبوه من المرافق، وههنا جمهورُ الأمة. ووقف قومٌ مع الحديث في الكوعين، وقِيْسَ أيضاً على القطع؛ إذْ هو حُكُمٌ (١) في سننه (٦٩٣). (٢) أخرجه عبد الرزاق (٨٢٤) وابن المنذر في الأوسط ٥٠/٢. (٣) الاستذكار ١٦٣/٣، والتمهيد ٢٨٢/١٩، وينظر الأوسط ٢/ ٥٠ وقول الطبري في تفسيره ٧/ ٩٠. (٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٧٩/٥ . (٥) في (د) و(ز) و(م): الدراوردي، وفي (ظ): الداوردي، والمثبت من المحرر الوجيز ٢/ ٦٠، والكلام منه، والداودي هو أحمد بن نصر الأسدي من أئمة المالكية، وقد تقدمت ترجمته. (٦) المحرر الوجيز ٦١/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. ٣٩٨ سورة النساء: الآية ٤٣ شرعيٍّ وتطهيرٌ كما هذا تطهير، ووقف قومٌ مع حديث عمَّارٍ في الكفَّين(١). وهو قول الشَّعبي(٢). الخامسة(٣) والأربعون: واختلف العلماء أيضاً؛ هل يكفي في التيمُّم ضربةٌ واحدة أم لا؟ فذهب مالك في ((المدوَّنة)) (٤) أنَّ التيمم بضربتين: ضربةٍ للوجه، وضربةٍ لليدين. وهو قول الأوزاعيِّ والشافعيِّ، وأبي حنيفة وأصحابهم(٥)، والثّوْريِّ والليثِ(٦)، وابن أبي سلمة. ورواه جابر بنُ عبد الله وابن عمر عن النبيِّ ﴾(٧). وقال ابنُ الجهم (٨): التيمُّمُ بضربة واحدة. ورُوي عن الأوزاعيِّ في الأَشْهَر عنه، وهو قولُ عطاء، والشعبيِّ في رواية. وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وداود، والطبريُّ. وهو أثبتُ ما رُوي في ذلك من حديث عمار(٩). قال مالك في كتاب محمد: إنْ تيمَّم بضربة واحدة أجزأه. وقال ابنُ نافع: يعيدُ أبداً (١٠). قال أبو عمر (١١): وقال ابن أبي لَيْلَى والحسن بن حَيٍّ: ضربتان؛ يمسح بكلِ ضربةٍ منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه. ولم يقل بذلك أحدٌ من أهل العلم غيرُهما. (١) ولفظه عند البخاري (٣٤٧): فضرب (يعني النبي #) بكفُّه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفِّه بشماله، أو ظهر شماله بكفُّه، ثم مسح بهما وجهه. وسلفت الإشارة إليه آخر المسألة الثالثة والأربعين. (٢) الأوسط ٢/ ٥٠ . (٣) في (ز) و(ظ): الرابعة. (٤) ١ / ٤٢ . (٥) في (د): وأصحابه. (٦) الاستذكار ٣/ ١٦٤، والتمهيد ٢٨٣/١٩، وينظر الأوسط ٤٨/٢ . (٧) تقدم تخريجهما قريباً والكلام عليهما، وهما في التيمم إلى المرفقين. (٨) في النسخ: ابن أبي الجهم، والمثبت من المحرر الوجيز ٢/ ٦٠، والكلام منه، وهو محمد بن الجهم المالكي، وقد تقدمت ترجمته ٣٠٣/١ . (٩) تقدم في المسألتين السالفتين. (١٠) النوادر والزيادات ١٠٤/١. (١١) في التمهيد ٢٨٣/١٩. ٣٩٩ سورة النساء: الآيات ٤٣ - ٥٣ قال أبو عمر(١): لمّا اختلفت الآثار في كيفية التيمم وتعارضت، كان الواجب في ذلك الرجوعُ إلى ظاهر الكتاب، وهو يدلُّ على ضربتين؛ ضربة للوجه، ولليدين أخرى إلى المرفقين، قياساً على الوضوء واتِّباعاً لفعل ابن عمر؛ فإنه مَن لا يُدْفَع علمُه بكتاب الله. ولو ثبت عن النبيِّ # في ذلك شيءٌ؛ وجَبَ الوقوف عنده. وبالله التوفيق. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ أي: لم يزل كائناً يقبل العفوَ، وهو السهل، ويغفر الذنب، أي: يستر عقوبته فلم (٢) يعاقب. أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يَشْتَرُونَ الضَّلَلَةَ وَيُرِيدُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيًا (٣٥) مِنَ ٤٤ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن ◌َّوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيّرَ مُسْمَعٍ وَرَبِنَا لَيَّأَ بِأَلْسِنَئِمْ وَطَعْنَا فِ الدِّينَّ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ وَأَنْظُرْهَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٨) يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِتَبَ ءَامِنُواْ بِمَا فَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَفَرُدَّهَا عَلَ أَذْبَارِهَا أَوْ تَلْعَنَّهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِّ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَةُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ أَفْتَرَى إِثْمًا أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَّكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اَللَّهُ يُزَّكِى مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ ٤٨ عَظِيمًا فَتِيلًا ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبِّ وَكَفَى بِ: إِثْمَا تُمِنَّا (٥ أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَاَلَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ﴾ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اَللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣ قوله تعالى: ﴿أَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ (١) التمهيد ٢٨٧/١٩. (٢) في (م): فلا. ٤٠٠ سورة النساء: الآيات ٤٤ - ٥٣ بِهِ، وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهٌ﴾ (٥٥) الآية. نزلت في يهود المدينةِ وما والاها. قال ابن إسحاق: وكان رِفاعة بنُ زيد بنِ التابوت من عظماء يهودَ، إذا كلَّم رسولَ الله ﴿ لَوَى لسانَه وقال: أرْعِنا سَمْعَك(١) يا محمدُ حتى نُفْهمك، ثم طعنَ في الإسلام وعابه، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿أَزْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ﴾ إلى قوله: ﴿قَلِيلًا﴾(٢). ومعنى «يَشْتَرُونَ)): يستبدلون، وهو في موضع نصبٍ على الحال(٣)، وفي الكلام حذفٌ، تقديرُه: يشترون الضَّلالةَ بالهدى، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوُاْ الضَّلَلَّةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] قاله القُتبيُّ (٤) وغيره. ﴿وَيُرِدُونَ أَنْ تَضِلُواْ السَّبِيلَ﴾ عطفٌ عليه، والمعنى: تَضِلُّوا طريقَ الحق. وقرأ الحسن: ((تَضَلُّوا)) بفتح الضاد، أي: عن السبيل(٥). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ﴾ يريد: منكم؛ فلا تَسْتَصْحبوهم، فإنَّهم أعداؤكم(٦). ويجوز أن يكون: ((أعلم)) بمعنى: عليم، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أي: هيِّن. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ الباءُ زائدة؛ زيدت لأنَّ المعنى: اكتفُوا بالله، فهو يكفيكم أعداءَكم. و((وَلِيًّ)) و((نَصِيراً)) نصبٌ على البيان، وإن شئتَ على الحال(٧). (١) في (ز): سمعنا، وفي (ظ): سمعاً. (٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٠ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٩/١ . (٤) تأويل مشكل القرآن ص١٧٨ . (٥) ذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٦ عن الحسن أنه قرأها: ((يَضَلُّوا)) بالياء وفتح الضاد، وعن يحيى بن وثاب: «تَضَلُّوا)) بالتاء والفتح. وقال الزمخشري في الكشاف ٥٣٠/١ : وقرئ: ((أن يَضُّوا)) بالياء، بفتح الضاد و کسرها. (٦) تفسير البغوي ٤٣٨/١، ووقع فيه: فلا تستنصحوهم ... (٧) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٦٠ .