Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ سورة النساء: الآية ٣٦ أحدُها: أنْ يعقدَ في أصل فعلِه لغير الله، ويريدُ به أنْ يُعرفَ أنه لله، فهذا صنفٌ من النفاق، وتَشَكُّكٌّ في الإيمان. والآخَرُ: يدخلُ في الشيء لله، فإذا اطّلع عليه غيرُ الله نَشِط، فهذا إذا تاب، يُريدُ(١) أنْ يعيدَ جميعَ ما عمِل. والثالث: دخلَ في العمل بالإخلاص، وخرج به لله، فعُرِف بذلك ومُدِحَ عليه، وسکنَ إلی مدحهم، فهذا الرياء الذي نَھی الله عنه. قال سهل: قال لقمان لابنه: الرياءُ أن تطلب ثوابَ عملك في دار الدنيا، وإنَّما عملُ القوم للآخرة. قيل له: فما دواءُ الرياء؟ قال: كِتمانُ العمل، قيل له: فكيف يُكتمُ العملُ؟ قال: ما كُلِّفتَ إظهارَه من العمل، فلا تَدخُلْ فيه إلا بالإخلاص، وما لم تُكلَّف إظهارَه، أَحِبَّ ألا يطَّلعَ علیه إلا الله. قال: وكلُّ عملٍ اطّلعَ عليه الخلقُ فلا تَعُدَّه من العمل. وقال أيوبُ السخْتِيَانِيُّ: ما هو بعاقلٍ مَن أحَبَّ أنْ يُعرَفَ مكانُه من عمله. قلت: قول سهل: والثالثُ دَخل في العمل بالإخلاص، إلى آخره. إن كان سكونُه وسرورُه إليهم لتحصل منزلتُه في قلوبهم، فيحمَدُوه ويُجِلُّوه ويَبَرُّوه، وينال ما يريدُه منهم من مالٍ أو غيره، فهذا مذموم؛ لأن قلبَه معمورٌ (٢) فرحاً باطّلاعهم عليه، وإنْ كانوا قد اطّلعوا عليه بعد الفراغ. فأمَّا مَن أطلعَ اللهُ عليه خلقَه وهو لا يحبُّ اطّلاعَهم عليه، فيُسَرُّ بصنع الله وتفضله(٣) عليه، فسرورُه بفضل الله طاعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اَلَّهِ وَبِرَحَتِهِ، فِذَلِكَ فَيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. وبَسْطُ هذا وتتميمُه في كتاب ((الرعاية)) للمُحَاسِبِيّ، فَمَن أراده فليقف عليه هناك. (١) في (م): یزید. (٢) في (م): مغمور. (٣) في (م): وبفضله. ٣٠٢ سورة النساء: الآية ٣٦ وقد سُئل سهل عن حديث النبيِّ﴾: إني أُسِرُ العملَ، فَيُطَلَعُ عليه فيُعجبني(١). قال: يعجبُه من جهة الشكر لله الذي أظهرَه الله عليه، أو نحو هذا. فهذه جملةٌ كافية في الرياء وخُلوصِ الأعمال. وقد مضى في ((البقرة))(٢) حقيقةٌ الإخلاص . والحمد لله. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ قد تقدَّم في صدر هذه السورةِ أنَّ مِن الإحسان إليهما عتقَهما(٣)، ويأتي في ((سُبْحَان(٤)) حكمُ برِّهما مُسْتَوْفِىٌ. وقرأ ابن أبي عبلةَ: ((إحسانٌ)) بالرفع، أي: واجبٌ الإحسانُ إليهما(٥). الباقون بالنصب، على معنى: أحسِنوا إليهم (٦) إحساناً. قال العلماء: فأحقُّ الناس بعد الخالقِ المنانِ بالشكر والإحسان، والتزامِ البِرِ والطاعةِ له والإذعانِ، مَن قَرنَ اللهُ الإحسانَ إليه بعبادته وطاعته، وشُكرَه بشكره، وهما الوالدان، فقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ﴾ [لقمان: ٤]. وروى شُعبةُ وهُشَيمٌ الواسِطِيَّان، عن يَعْلَى بن عطاء، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسولُ اللهِ﴾: ((رِضَى الرَّبِّ في رضى الوالدَيْن، وسُخْطُه في سُخْط (١) أخرجه الترمذي (٢٣٨٤)، وابن ماجه (٤٢٢٦) من طريق أبي سنان الشيباني، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رجل: يا رسول الله، إني أعمل العمل، فيُطَّلَعُ عليه، فيعجبني. قال: ((لك أجران: أجر السِّرّ، وأجر العلانية)). قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقد روى الأعمش وغيره عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن النبي # مرسلاً، لم يذكروا فيه: عن أبي هريرة. ا.هـ. وقد أخرج المرسل هناد في الزهد (٨٨٠)، وصحح إرساله أبو حاتم كما في علل ابن أبي حاتم ١/ ١٠٢، والدار قطنيُّ في العلل ١٨٤/٨ . (٢) ٢ / ٤٢٣ . (٣) ص١٦ من هذا الجزء . (٤) الآية: (٢٣) و(٢٤). (٥) وهي قراءة شاذة. ينظر المحرر الوجيز ٤٩/٢ - ٥٠، والبحر ٢٤٤/٣، والدر المصون ٦٧٤/٣، قال صاحب الدر: وقراءة الرفع على أنه مبتدأ وخبره الجار قبله، والمراد بهذه الجملة الأمر بالإحسان وإن کانت خبرية، کقوله: فصبرٌ جميلٌ. (٦) في (م): إليهما. ٣٠٣ سورة النساء: الآية ٣٦ الوالدين))(١). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَبِذِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ﴾ وقد مضى الكلامُ فيه في ((البقرة))(٢). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ أمَّا الجارُ فقد أمر اللهُ تعالى بحفظه والقيام بحقِّه، والوَصاة برعي ذمَّته في كتابه وعلى لسان نبيه. ألا تراه سبحانه أكَّدَ ذكرَه بعد الوالدين والأقربين، فقال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ﴾ أي: القريب، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ أي: الغريب؛ قاله ابن عباس(٣)، وكذلك هو في اللغة. ومنه: فلان أجنبيٌّ، وكذلك الجنابةُ: البعدُ(٤). وأنشد أهل اللغة: فإني امرُؤُ وسْطَ القِبابِ غَرِيبُ (٥) فلا تَحرِمَنِّي نائلاً عن جَنابةٍ وقال الأعشى(٦): أتيتُ حُرَيْئاً زائراً عن جَنَابةٍ فكان حُرَيثٌ عن عطائيَ جامِدَا وقرأ الأعمشُ والمُفَضَّلُ: ((والجارِ الجَنْبِ)) بفتح الجيم وسكون النون(٧)، وهما لغتان؛ يقال: جَنْبٌ وجُنُبٌ، وأجْنَبُ وأجْنَبي إذا لم يكن بينَهما قرابة، وجمعُه: أجانِبُ. وقيل: على تقدير حذفِ المضاف، أي: والجار ذي الجَنب، أي: ذي (١) أخرجه الترمذي (١٨٩٩) من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - مرفوعاً وموقوفاً، وقال الموقوف: أصح. (٢) ٢٢٩/٢. (٣) أخرجه الطبري ٧/ ٦ ,٩ . (٤) معاني القرآن للنحاس ٨٤/٢ . (٥) قائله علقمة الفحل، وهو في ديوانه ص٤٨، قال شارحه: ((عن)) بمعنى: بَعْد، أي: لا تحرمِّي بعد غربةٍ وبُعْدٍ عن دیاري. (٦) ديوانه ص١١٥ . (٧) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٦ ، وأبو حبان في البحر ٣/ ٢٤٥ عن المفضل عن عاصم. قال ابن مجاهد في السبعة ص٢٣٣ : لم يأت بها غيره. اهـ. ولم نقف عليها عن الأعمش. ٣٠٤ سورة النساء: الآية ٣٦ الناحية(١). وقال نَوْفٌ الشاميُّ: ﴿الجارِ ذِى اُلْقُرْبَ﴾: المسلمُ ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: اليهوديُّ (٢) والنصراني(٢). قلت: وعلى هذا؛ فالوصاةُ بالجار مأمورٌ بها مندوبٌ إليها، مسلماً كان أو كافراً، وهو الصحيح. والإحسانُ قد يكونُ بمعنى المواساةِ، وقد يكونُ بمعنى حُسنِ العِشرَةِ، وكفّ الأذى، والمحاماةِ دونَه(٣). روى البخاريُّ عن عائشة، عن النبيِّ﴾ قال: ((ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورِّثه))(٤). ورَوَى عن أبي شُريح أنَّ النبيَّ :﴿ قال: ((واللهِ لا يؤمنُ، والله لا يؤمنُ، والله لا يؤمنُ)) قيل: يا رسولَ الله، ومَنْ؟ قال: ((الذي لا يأَمنُ جارُه بَوَائِقَه(٥)). وهذا عامٌّ في كلِّ جارٍ، وقد أَّد عليه الصلاة والسَّلام تركَ إذايته بقَسَمِه ثلاثَ مراتٍ، وأنه لا يؤمنُ الإيمانَ الكاملَ مَن آذى جارَه. فينبغي للمؤمن أنْ يحذَرَ أَذَى جارِهِ، وينتهيَ عمَّ نهى الله ورسولُه عنه، ويرغبَ فيما رضياه وحضًّا العبادَ عليه. ورُوي عن النبيِّ :﴿ أنه قال: ((الجيرانُ ثلاثةٌ، فجارٌ له ثلاثةُ حقوق، وجارٌ له حَقَّان، وجارٌ له حقٌّ واحد، فأما الجارُ الذي له ثلاثةُ حقوق، فالجارُ المسلمُ القريبُ؛ له حقُّ الجوار، وحقُّ القَرابةِ، وحقُّ الإسلام، والجارُ الذي له حقَّان؛ فهو الجار المسلم، فله حقُّ الإسلام، وحق الجوار، والجار الذي له حقٌّ واحد؛ هو (١) ينظر الحجة للفارسي ١٥٨/٣ . (٢) أخرجه الطبري ٨/٧ و١٠، ونوف الشامي هو نوف بن فضالة الحميري البكالي. (٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢/ ٤٥٥ . (٤) صحيح البخاري (٦٠١٤)، وهو عند أحمد (٢٤٢٦٠)، ومسلم (٢٦٢٤). وأخرجه أحمد (٥٥٧٧)، والبخاري (٦٠١٥)، ومسلم (٢٦٢٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (٥) صحيح البخاري (٦٠١٦)، وهو عند أحمد (١٦٣٧٢)، وأخرجه أحمد أيضاً (٧٨٧٨) من حديث أبي هريرة ﴾. ٣٠٥ سورة النساء: الآية ٣٦ الكافرُ؛ له حقُّ الجوار(١)). الخامسة: روى البخاريُّ(٢) عن عائشة قالت: قلتُ: يا رسول الله، إنَّ لي جارَين؛ فإلى أيِّهما أُهْدِي؟ قال: ((إلى أقربهما منكِ باباً). فذهبَ جماعةٌ من العلماء إلى أنَّ هذا الحديثَ يفسِّر المرادَ من قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ زِى الْقُرْبَ﴾، وأنَّه القريبُ المسكَنِ منك. ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: هو البعيدُ المسكنِ منك(٣). واحتجُّوا بهذا على إيجاب الشُّفْعَة للجار، وعَضَدُوه بقوله عليه الصلاة والسلام: ((الجارُ أَحَقُّ بصَقَبه))(٤). ولا حجَّةَ في ذلك، فإنَّ عائشةَ رضي الله عنها إنَّما سألت النبيَّ ◌َ﴿ عَمَّن تبدأ به من جيرانها في الهديَّة، فأخبرَها أنَّ مَن قَرُب بابُه، فإنه أَوْلى بها من غيره. قال ابنُ المُنْذِر: فدلَّ هذا الحديثُ، على أن الجارَ يقعُ على غير اللَّصِيق. وقد خرجَ أبو حنيفةً عن ظاهر هذا الحديثِ فقال: إن الجارَ اللَّصيق إذا ترك الشُّفعةَ، وطلبها الذي يَليه، وليس له جدارٌ إلى الدار ولا طريقٌ، لا شفعةً فيه له(٥). وعَوَام (١) أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق ص ٤٠ - ٤١، والبيهقي في الشعب (٩٥٦٠) من حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما، وفي إسناده سويد بن عبد العزيز، وعثمان بن عطاء الخراساني وأبوه، قال البيهقي: ضعفاء غيرَ أنهم غيرُ مُتَّهمين بالوضع. وأخرجه هناد في الزهد (١٠٣٦) من طريق سويد بن عبد العزيز عن زيد بن يثيع عن النبي # مرسلاً. وأخرجه البزار (كشف الأستار) (١٨٩٦) من حديث جابر، وفي إسناده عبد الله بن محمد الحارثي، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٣٠٠ : وهو وضاع. قال المناوي في فيض القدير ٣٦٧/٣: وقال بعضهم: له طرق متصلة ومرسلة، وكلها لا تخلو عن مقال. (٢) في صحيحه (٢٢٥٩)، وهو عند أحمد (٢٥٤٢٣). (٣) المحرر الوجيز ٢/ ٥٠ . (٤) أخرجه أحمد (٢٣٨٧١)، والبخاري (٢٢٥٨) و(٦٩٧٧)، وجاء في رواية البخاري الأولى: ((بسَقَّبه)). قال ابن الأثير في النهاية (سقب): السَّقَب بالسين والصاد في الأصل: القُرْب، يقال: سَقِبَتِ الدارُ، وَأَسْقَبَتْ، أي: قَرُبَتْ. (٥) لفظة: فيه، ليست في (ظ)، ولفظة له، ليست في (د) و(ز) وينظر الإشراف ٣٨/١. ٣٠٦ سورة النساء: الآية ٣٦ العلماء يقولون: إذا أوصى الرجلُ لجيرانه، أُعطي اللَّصِيقُ وغيرُه؛ إلا أبا حنيفة؛ فإنه فارقَ عوامَّ العلماء، وقال: لا يُعطَى إلا اللَّصيقُ وحده. السادسة: واختلف الناس في حدِّ الجِيرة؛ فكان الأوزاعيُّ يقول: أربعون داراً من كلِّ ناحية (١). وقاله ابنُ شهاب، ورَوَى أن رجلاً جاء إلى النبيِّ ل# فقال: إني نزلت مَحَلَّةَ قَومٍ، وإنَّ أقربَهم إليَّ جِوَاراً أشدُّهم لي أذّى؛ فبعث النبيُّ﴾ أبا بكر وعمر وعليّاً يصيحون على أبواب المساجد: ألا إنَّ أربعين داراً جارٌ، ولا يدخلُ الجنةَ مَنْ لا يأمنُ جارُه بوائقه(٢). وقال علي بنُ أبي طالب: مَن سَمِعَ النداءَ، فهو جارٌ(٣). وقالت فِرقةٌ: مَن سمع إقامةَ الصلاة؛ فهو جَارُ ذلك المسجد [وبقَدْر ذلك في الدُّور]. وقالت فرقةٌ: مَن ساكَنَ رجلاً في مَحَّةٍ أو مدينة؛ فهو جارٌ(٤). قال الله تعالى: ﴿لَّيِن لَّرْ يَهِ الْمُنَفِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠]. فجعل تعالى اجتماعَهم في المدينة جواراً (٥). والجِيرَة مراتبُ؛ بعضُها ألصَقُ من بعض، أدناها الزوجةُ(٦)، كما قال: أَيا جَارَتَا بِيني فإنكِ طَالِقَهُ (٧) (١) المحرر الوجيز ٥٠/٢ . (٢) أخرجه الطبراني ١٩/ (١٤٣) من طريق الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٦٩/٨: فيه يوسف بن السفر وهو متروك. وأخرجه مختصراً أبو داود في المراسيل (٣٥٠) من طريق الزهري عن النبي 8. وهو المعروف كما ذكر البيهقي في السنن الكبرى ٢٧٦/٦ . وينظر خلاصة البدر المنير ١٤٤/٢، والتلخيص الحبير ٩٣/٣ . وسلف في المسألة الرابعة الحديث الصحيح: والله لا يؤمن ... الذي لا يأمن جارُه بوائقه. (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٩١٥). (٤) المحرر الوجيز ٢/ ٥٠ ، وما سلف بين حاصرتين منه. (٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢/ ٤٥٥ . (٦) المحرر الوجيز ٥٠/٢ . (٧) قائله الأعشى، وهو في ديوانه ص٣١٣ ، وعجزه: كذاكِ أمورُ الناس غادٍ وطارِقَهْ. ٣٠٧ سورة النساء: الآية ٣٦ السابعة: ومِن إكرام الجار ما رواه مسلم (١) عن أبي ذَرّ قال: قال رسول الله ﴾. ((يا أبا ذَرّ إذا طَبَختَ مَرَقةً فَأَكْثِرْ ماءِهَا، وتَعاهَدْ جيرانَك)). فحضَّ عليه الصلاة والسلام على مكارم الأخلاق؛ لِمَا يترتَّب عليها من المحبَّة وحُسن العِشرة، ودفع الحاجة والمَفْسدة؛ فإنَّ الجارَ قد يتأذَّى بِقُتَارٍ (٢) قِدْرِ جارِهِ، وربَّما تكونُ له ذُرِّية، فتَهِيجُ من ضعفائهم الشَّهوةُ، ويعظُم على القائم عليهم الأَلَمُ والكُلْفة، لا سيما إنْ كان القائمُ ضعيفاً أو أرْمَلَةً، فتعظُم المشقَّةُ، ويشتدُّ منهم الألم والحسرةُ . وهذه كانت عقوبةَ يعقوبَ في فِراق يوسفَ عليهما السلام فيما قيل. وكلُّ هذا يندفعُ بتَشْريكهم في شيءٍ من الطَّبيخ يُدفعُ إليهم(٣)، ولهذا المعنى خصَّ(٤) عليه الصلاة والسلام الجارَ القريبَ بالهَدية؛ لأنه ينظرُ إلى ما يدخلُ دارَ جارِه وما يخرجُ منها، فإذا رأى ذلك أَحبَّ أن يشارِك فيه، وأيضاً فإنه أسرعُ إجابةً لجاره عندما يَنُوبُه مِن حاجةٍ في أوقات الغَفْلةِ والغِرَّة؛ فلذلك بدأ به على مَن بعُد بابُه؛ وإنْ كانت دارُه أقرب. والله أعلم. الثامنة: قال العلماء: لمَّا قال عليه الصلاة والسلام: ((فأكْثِرْ ماءَها))؛ نبَّه بذلك على تيسير الأمر على البخيل تنبيهاً لطيفاً، وجعلَ الزِّيادةَ فيما ليس له ثمنٌ؛ وهو الماء؛ ولذلك لم يقل: إذا طَبخْتَ مَرَقةً فأكثِرْ لحمها؛ إذ لا يسهُلُ ذلك على كلِّ أحد(٥). ولقد أحسنَ القائلُ: قِدْرِي وقِذْرُ الجارِ واحدةٌ وإليه قَبْلِي تُرفعُ القِدْرُ(٦) (١) في صحيحه (٢٦٢٥): (١٤٢)، وهو عند أحمد (٢١٣٢٦). (٢) في المصباح المنير: القُتار: الدُّخان من المطبوخ، وزناً ومعنّى. (٣) المفهم ٦/ ٦١١. دون قوله: وهذه كانت عقوبة يعقوب في فراق يوسف فيما قيل، فلم نقف عليه، والله أعلم بصحته . (٤) في (د) و(م): حض، وهو خطأ. (٥) المفهم ٦ / ٦١١ - ٦١٢ . (٦) قائله مسكين الدارمي وهو ربيعة بن عامر، وهو في الشعر والشعراء ٥٤٥/١، وأمالي المرتضى ٤٧٤/١، ومعجم الأدباء ١٣١/١١، وبهجة المجالس لابن عبد البر ٢٩٠/١ براوية: وإليه قبلي تنزل القدر ناري ونار الجار واحدة ٣٠٨ سورة النساء: الآية ٣٦ ولا يُهدى النَّزر (١) اليسيرُ المحتقَر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: («ثم انظر أهلَ بيتٍ من جيرانك، فأَصِبْهم منها بمعروف))(٢) أي: بشيءٍ يُهدَى [مثلُه] عُرفاً؛ فإنَّ القليل وإن كان مما يُهدَى، فقد لا يقعُ ذلك الموقعَ، فلو لم يتيسَّر إلا القليلُ؛ فَلْيُهْدِه ولا يحتقِرْه، وعلى المُهْدَى إليه قَبولُهُ(٣)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((يا نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ، لا تَحقِّرَنَّ(٤) إحداكُنَّ لجارتها ولو كُرَاعَ شاةٍ مُحْرَقاً(٥)). أخرجه مالك في موظّتِه(٦). وكذا قيَّدناه: ((يَا نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ)) بالرفع على غير الإضافة، والتقديرُ: يا أيُّها النساءُ المؤمنات، كما تقول: يا رجالُ الكرامُ، فالمنادى محذوف، وهو أيُّها، والنساءُ في التقدير: النعتُ لأيها، والمؤمنات: نعتٌ للنساء. وقد قيل فيه: يا نساءَ المؤمناتِ بالإضافة، والأولُ أكثر(٧). التاسعة: مِن إكرام الجار ألَّا يُمنعَ من غَرْز خشبةٍ(٨) إرفاقاً به؛ قال رسولُ اللهِ﴾. ((لا يَمْنعْ أحدُكم جارَه أنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في جدارٍه)». ثم يقولُ أبو هريرةَ: مالي أراكم عنها (١) في (ظ): القدر . (٢) رواية أخرى لحديث أبي ذر السالف، وهي عند مسلم (١٦٢٥): (١٤٣). (٣) المفهم ٦/ ٦١٢ . (٤) في (م): لا تحتقرن . (٥) في النسخ: محرق، والمثبت من (م). (٦) ٩٣١/٢ و٩٩٦. وأخرجه أحمد (١٦٦١١)، وهو من طريق عمرو بن معاذ بن سعد بن معاذ عن جدته، عن النبي #، وأخرجه أحمد (٢٥٦٦)، والبخاري (٦٠١٧)، ومسلم (١٠٣٠) من حديث أبي هريرة﴾ بلفظ: ((يا نساءَ المسلماتِ، لا تحْقِرَنَّ جارة لجارتها ولو فِرْسِنَ شاة» والفرسن: عظم قليل اللحم. النهاية (فرسن). (٧) قال السندي - كما في حاشية الحديث (٢٧٤٤٩) من مسند أحمد -: والإضافة مبنية على أن المراد بالمنادى النساء الحاضرات، وبالمؤمنات جميع المؤمنات، فأضيف إليهن إضافة الجزء إلى الكل. وينظر الاستذكار ٣١٧/٢٦ و٤٠٥/٢٧، والمفهم ٧٤/٣، والفتح ١٩٨/٥. (٨) في (م): خشبة له. ٣٠٩ سورة النساء: الآية ٣٦ معرضين، واللهِ لأَرمينَّ بها بين أكنافكم (١). رُوِيَ: ((خَشَبَه)) و((خَشَبَةً)) على الجمع والإفراد. ورُوي ((أكتافكم)) بالتاء، و((أكنافكم)) بالنون(٢). ومعنى ((لأرمينَّ بها)) أي: بالكلمة والقصة. وهل يُقضَى بهذا على الوجوب أو الندب؟ فيه خلافٌ بين العلماء. فذهب مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما إلى أنَّ معناه: النَّدبُ إلى بِرِّ الجار والتجاوزِ له والإحسانِ إليه، وليس ذلك على الوجوب، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يَحِلُّ مالٌ امرئٍ مسلمٍ إلا عن طِيبٍ نفسٍ منه»(٣). قالوا: ومعنى قوله: ((لا يمنع أحدُكم جارَه)» هو مثلُ معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا استأذنَتْ أحدكم امرأتُه إلى المسجد فلا يمنعها)) (٤). وهذا معناه عند الجميع: الندبُ، على ما يراه الرجلُ من الصلاح والخير في ذلك. وقال الشافعيُّ وأصحابُه وأحمدُ بن حنبل وإسحاقُ وأبو ثور وداود بن علي وجماعة أهل الحديث إلى أنَّ ذلك على الوجوب. قالوا: ولولا أنَّ أبا هريرة فهِم فيما سمعَ من النبيِّ ﴿ معنى الوجوبِ، ما كان ليُوجِبَ عليهم غيرَ واجب. وهو مذهبُ عمرَ بنِ الخطاب ؛ فإنه قَضَى على محمد بن مسلمةَ للضخَّاك بن خليفة في الخليج أنْ يمرَّ به في أرض محمد بن مسلمة، فقال محمد بن مسلمة: لا والله. فقال عمر: واللهِ لَيمرَّنَّ به ولو على بطنك. فأمره عمرُ أنْ يمرَّ به، ففعل الضحّاكُ؛ رواه مالك في ((الموطأ))(٥). (١) أخرجه أحمد (٧١٥٤)، والبخاري (٢٤٦٣)، ومسلم (١٦٠٩). (٢) ينظر المفهم ٥٣١/٤ - ٥٣٣. (٣) أخرجه أحمد (١٥٤٨٨) من حديث عمر بن يَثْرِبي ﴾. وأخرجه بنحوه (٢٣٦٠٥) من حديث أبي حميد الساعدي ﴾. (٤) أخرجه أحمد (٤٥٢٢)، والبخاري (٨٧٣)، ومسلم (٤٤٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (٥) ٧٤٦/٢، وقد رواه مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، أن الضحاك ... ، قال البيهقي في السنن الكبرى ١٥٧/٦: هذا مرسل، وبمعناه رواه أيضاً يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو أيضاً مرسل. قوله: الخليج: هو نهرٌ يقتطع من النهر الأعظم إلى موضع ينتفع به فيه. النهاية (خلج). ٣١٠ سورة النساء: الآية ٣٦ وزعم الشافعي في كتاب ((الردّ)) أنَّ مالكاً لم يروٍ عن أحدٍ من الصحابة خلافَ عمر في هذا الباب، وأنكرَ على مالك أنَّه رواه وأدخلَه في كتابه، ولم يأخذ به وردّه برأيه. قال أبو عمر(١): ليس كما زعمَ الشافعي؛ لأنَّ محمدَ بنَ مسلمة كان رأيه في ذلك خلافَ رأي عمر، ورأيُ الأنصاريِّ(٢) أيضاً كان خلافاً لرأي عمرَ وعبدِ الرحمن بن عوف في قصة الربيع وتحويلِه - والربِيعُ: الساقية - وإذا اختلفت الصحابةُ وجبَ الرجوعُ إلى النَّظر، والنَّظرُ يدلُّ على أنَّ دماءَ المسلمين وأموالَهم وأعراضَهم بعضهم على بعض حرامٌ، إلا ما تَطِيبُ به النفسُ خاصَّةً، فهذا هو الثابتُ عن النبيِّ ◌َ﴾. ويدُلُّ على الخلاف في ذلك قولُ أبي هريرةً: مالي أراكم عنها مُعرِضين! واللهِ لأرمينَّكم بها؛ هذا أو نحوه. أجاب الأولون فقالوا: القضاءُ بالمِرْفق خارجٌ بالسنة عن معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يحلُّ مالُ امرئٍ مُسلمٍ إلَّا عن طيب نفسٍ منه)) لأنَّ هذا معناه التمليكُ والاستهلاكُ، وليس المِرْفَق من ذلك؛ لأنَّ النبيَّ :﴿ قد فَرَّقَ بينهما في الحكم. فغيرُ واجب أنْ يُجمع بين ما فرَّقَ رسولُ اللـه﴾. وحكى مالكٌ أنه كان بالمدينة قاضٍ يقضي به يُسمَّى المطّلب(٣). واحتجُّوا من الأثر بحديث الأعمش عن أنس قال: استُشْهَدَ منا غلامٌ يومَ أُحد، فجعلت أمُّه تمسحُ التُّراب عن وجهه وتقول: أَبشِرْ، هنيئاً لك الجنة. فقال(٤) النبيُّ ◌َ﴾: ((وما يُدْرِيكِ؟ لعلَّه كان يتكلَّم فيما(٥) لا يَعنيه، ويمنعُ ما لا يضرُّه). والأعمش لا يصِحُ (١) الاستذكار ٢٣٠/٢٢، والكلام الذي قبله منه، وهو أيضاً في التمهيد ٢٢٢/١٠ وما بعدها. (٢) في النسخ: الأنصار، والمثبت من الاستذكار، والأنصاري المذكور هنا هو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري، كما في التمهيد ٢٢٦/١٠ . وأخرج قصته مع عبد الرحمن بن عوف مالك في الموطأ ٧٤٦/٢. (٣) الاستذكار ٢٢٧/٢٢. (٤) في (م): فقال لها. (٥) في (د) و(ز): بما. ٣١١ سورة النساء: الآية ٣٦ له سَماعٌ من أنس، والله أعلم. قاله أبو عمر (١). العاشرة: وَرَدَ حديثٌ جَمَعَ النبيُّ:﴿ فيه مرافِقَ الجار، وهو حديث معاذ بن جبل؛ قال: قلنا يا رسول الله، ما حقُّ الجار(٢)؟ قال: ((إنِ استقرَضَك أَقرضْتَه، وإن استعانَك أَعَنْتَه، وإن احتاج أعطيتَه، وإنْ مرِضَ عُدْتَه، وإن مات تَبعتَ جنازته، وإنْ أصابه خيرٌ سرَّك وهنَّيته، وإنْ أصابته مصيبةٌ ساءَتك وعَزَّيتَه، ولا تؤذِهِ بِقُتَارِ (٣) قِذْرِك إلا أنْ تَغْرِفَ له منها، ولا تَسْتَطِلْ عليه بالبناء لتشرف عليه وتسدّ علیه الريحَ إلا بإذنه، وإن اشتريتَ فاكهةً فَأَهْدٍ له منها، وإلا فأَدْخِلْها سرّاً؛ لا يَخرجْ وَلَدُك بشيءٍ منه يَغِيظُون به وَلَدَه، وهل تفقهون ما أقولُ لكم؟ لن يُؤدِّي حقَّ الجار إلا القليلُ ممن رَحِمَ الله)) أو كلمة نحوها (٤). هذا حديثٌ جامِعٌ، وهو حديث حَسَن(٥)، في إسناده أبو (١) التمهيد ٢٢٨/١٠ . والحديث أخرجه أبو يعلى (٤٠١٧)، وابن أبي الدنيا في الصمت (١٠٩) من طريق يحيى بن يعلى الأسلمي، عن الأعمش، عن أنس. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٠٣/١٠ : فيه يحيى ابن يعلى وهو ضعيف. وأخرجه بنحوه الترمذي (٢٣١٦)، والبيهقي في الشعب (١٠٨٣٥) من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أنس ، وفيه: (( ... أو بخل بما لا ينقصه)) بدل: ((ويمنع مالا يضره)) قال الترمذي: هذا حديث غريب. وقال البيهقي: هذا هو المحفوظ. وأخرجه البيهقي في الشعب (١٠٨٣٦)، والضياء في المختارة (٢٢٣٢) من طريق سعد بن الصلت، عن الأعمش، عن أبي سفيان (وهو طلحة بن نافع) عن أنس بلفظ: (( ... ويبخل بما لا يُغْنِيْه)). قال الدار قطني فيما نقله عنه الضياء: وقول سعد بن الصلت أشبه. قلنا: سعد بن الصلت ذكره ابن حبان في الثقات ٦/ ٣٧٨ وقال: ربما أغرب. كما أن الأعمش لم يسمع من أبي سفيان شيئاً، وقد روى عنه نحو مئة حديث، وإنما هي صحيفة عرفت. تهذيب التهذيب ٢/ ١١٠ . (٢) في النسخ الخطية: الجوار، والمثبت من (م). (٣) في النسخ الخطية لا تؤذيه، والمثبت من (م). والقُتار: الدخان من المطبوخ، وزناً ومعنّى، وقد سلف قريباً. (٤) أخرجه أبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٢٥). وأخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق ص ٤٠ - ٤١ مطولاً من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وقد سلفت قطعة منه ص ٣٠٥ من هذا الجزء. وأخرجه بنحوه الطبراني في المعجم الكبير (١٠١٤) من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده. قال الحافظ في الفتح ٤٤٦/١٠: وأسانيدهم واهية، ولكن اختلاف مخارجها يشعر بأن للحديث أصلاً. وانظر التعليق التالي. (٥) المراد بقوله هنا: حديث حسن، أنه حسنٌ في اللغة واللفظ، وليس في الاصطلاح، فالحديث ضعيف = ٣١٢ سورة النساء: الآية ٣٦ الفضل عثمان بن مطر الشَّيبانيُّ غيرُ مَرْضِي(١). الحادية عشرة: قال العلماء: الأحاديث في إكرام الجار جاءت مُظْلَقَة غيرَ مقيَّدة، حتى الكافر كما بيَّنا. وفي الخبر قالوا: يا رسولَ الله، أنطعمُهم من لحوم النُّسُك؟ قال: ((لا تُطعِموا(٢) المشركين من نُسُك المسلمين))(٣). ونهيُهُ ﴾ عن إطعام المشركين من نسك المسلمين يحتملُ النُّسكَ الواجبَ في الذمة، الذي لا يجوزُ للَّاسك أنْ يأكل منه، ولا أنْ يُطعِمَه الأغنياءَ، فأمَّا غيرُ الواجب الذي يُجزيه إطعامُ الأغنياء فجائزٌ أنْ يُطعمَه أهلَ الذمَّة. قال النبيُّ :﴿ لعائشة عند تفريق لحم الأُضْحِيَّة: ((ابدئي بجارنا اليهودي»(٤). ورُوِيَ أن شاءً ذُبحت في أهل عبدالله بن عمرو(٥)، فلما جاء قال: أهديتُم لجارنا اليهودي، أَهْدِيتُم لجارنا اليهودي(٦)؟ - ثلاث مرّاتٍ - سمعتُ رسولَ اللهِ ﴾ يقولُ: ((ما زالَ جبريلُ يوصيني بالجار حتَّى ظننتُ أنَّه سيورثه)»(٧). = لضعف راويه (كما سيذكر المصنف). وقد ورد هذا الاستعمال في كتب بعض الأئمة، كما ذكر السيوطي في تدريب الراوي ١٧٦/١ عن ابن عبد البر أنه قال في حديث: حسن جداً، وفي إسناده متروك. قال السيوطي: أراد بالحسن حسن اللفظ. وانظر التعليق التالي. (١) ضعفه أبو داود ويحيى والنسائي، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات. الميزان ٥٣/٣ . وقد رواه عثمان بن مطر، عن يزيد بن بزيع، عن عطاء الخراساني، عن معاذ. ويزيد ضعفه الدارقطني وابن معين. الميزان ٤٢٠/٤. وعطاء؛ قال فيه الحافظ في التقريب ص٣٣٢: صدوق يهم كثيراً ويرسل ويدلس. قلنا: ورواية عطاء عن معاذ مرسلة. ينظر مراسيل ابن أبي حاتم ص ١٣٠، وتهذيب التهذيب ١٠٨/٣ . (٢) في (ظ): يُطعم. (٣) قطعة من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقد سلف ص ٣٠٥ من هذا الجزء . (٤) لم نقف على تخريجه، وأشار إليه الترمذي إثر الحديث (١٩٤٣)، وانظر التعليق الذي بعده. (٥) في (د) و(ز): بن عمر، وحديثه عند أحمد (٥٥٧٧)، والبخاري (٦٠١٥)، ومسلم (٢٦٢٥) دون ذكر قصة ذبح الشاة. (٦) كذا كررت العبارة في (ز) و(ظ)، وسنن الترمذي. (٧) أخرجه أحمد (٦٤٩٦) وأبو داود (٥١٥٢)، والترمذي (١٩٤٣) من طريق مجاهد، عن عبد الله بن عمرو. قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث عن مجاهد عن عائشة وأبي هريرة عن النبي # أيضاً. ٣١٣ سورة النساء: الآية ٣٦ الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَالضََّاحِبٍ بِالْجَنِ﴾ أي: الرفيق في السفر. وأسندَ الطبريُّ(١) أنَّ رسولَ الله ◌ِ﴾ كان معه رجلٌ من أصحابه وهما على راحلتين، فدخلَ رسولُ اللـهِ﴾ غَيْضةً، فقطع قضيبين؛ أحدُهما معوجٌ، وخرجَ فأعطى صاحبه(٢) القَوِيمَ، فقال: كنتَ يا رسولَ الله أحقَّ بهذا! فقال: (( يا فلان(٣)، إنَّ كلَّ صاحبٍ يصحَبُ آخَرَ، فإنه مسؤولٌ عن صحابته ولو ساعةً من نهارٍ)). وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: للسَّفر مُرُوءةٌ، وللحضَر مُروءةٌ؛ فأما المروءة في السفر، فبذلُ الزاد، وقلَّةُ الخلاف على الأصحاب، وكثرةُ المِزاح في غير مَساخط الله. وأمَّا المروءةُ في الحضَر، فالإدمانُ إلى المساجد، وتلاوة القرآن، وكثرةٌ الإخوان في الله عزَّ وجلَّ(٤) . ولبعض بني أسد - وقيل إنها لحاتم الطائي(٥) - : له مركبٌ فَضْلاً فلا حُمِلَت رِجلي إذا ما رفيقي لم يكنْ خَلف ناقتي فلا كنتُ ذا زادٍ ولا كنتُ ذا فَضْلٍ ولم يكُ مِن زادي له شَظُرُ مِزْوَدي عليَّ له فَضْلاً بما نال مِن فَضْلي شریکان فيما نحن فيه وقد أری وقال عليٍّ وابنُ مسعود وابنُ أبي لَيْلَى: ((الصاحب بالجَنْبِ)): الزوجة. ابن جُريج: هو الذي يصحبُك ويلزُمك رجاءَ نفعِك. والأولُ أصحُ؛ وهو قولُ ابنِ عباس وابنِ جُبير وعِكرمةَ ومجاهدٍ والضحَّاكِ(٦). (١) في تفسيره ١٦/٧، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٥١/٢ . وفي إسناده إبهام وانقطاع. (٢) في (م): فخرج وأعطى لصاحبه. (٣) في تفسير الطبري: كلا يا فلان. (٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٧٨/٢٣، وأخرجه البيهقي في الشعب (٩٥٧٥) من قول جعفر بن محمد. (٥) التمهيد ١٧٩/٢٣، ونسبها البصري في الحماسة البصرية ٣٨/٢ للمغيرة بن حبناء. (٦) أخرج أقوالهم الطبري ٧/ ١١ - ١٦ . ٣١٤ سورة النساء: الآية ٣٦ وقد تتناولُ الآية الجميع بالعموم. والله أعلم. الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ قال مجاهد: هو الذي يجتازُ بك مارّاً(١). والسبيلُ: الطريقُ، فنُسِبَ المسافرُ إليه لمروره عليه ولزومه إياه. ومن الإحسان إليه إعطاؤه وإرفاقُه، وهدايتُه ورشدُه. الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ أمرَ الله تعالى بالإحسان إلى المماليك، وبيَّن ذلك النبيَُّ﴾، فَروى مسلم وغيرُهُ(٢) عن المَعْرُور بن سُوَيْد قال: مررنا بأبي ذَرِّ بالرَّبَذَة، وعليه بُرْدٌ، وعلى غُلامِه مثلُه، فقلنا: يا أبا ذرٍّ، لو جمعتَ بينهما كانت حُلَّةً، فقال: إنه كان بيني وبين رجلٍ من إخواني كلامٌ، وكانت أمُّه أعجميةً، فعيَّرْتُه بأمِّه، فشَكَاني إلى النبيِّ #، فلقيتُ النبيَّ ◌َ﴾، فقال: ((يا أبا ذَرٍّ، إنك امْرُؤٌ فيك جاهليةٌ)). قلتُ: يا رسول الله، مَن سَبَّ الرجالَ سَبُّوا أباه وأمَّه. قال: ((يا أبا ذَرِّ، إنَّكَ امرؤٌ فيك جاهليةٌ، هم إخوانُكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فأَطْعِموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلّفوهم من العمل (٣) ما يَغْلِبُهم، فإنْ كلَّفتموهم فأعينوهم». وروي عن أبي هريرةً أنَّه ركبَ بغلةً ذاتَ يوم، فأردفَ غلامَه خلْفَه، فقال له قائل: لو أنزلتَه يَسعى خلفَ دابَّتِك، فقال أبو هريرةَ: لَأنْ يسعى معي ضِغْثان من نارٍ يُحرقان منِّي ما أحرقا؛ أَحَبُّ إليَّ من أن يسعى غلامي خلفي (٤). وخرَّج أبو داود عن أبي ذَرِّ قال: قال رسول اللـه ﴾: ((مَن لا يَمَكُمْ من مملوكيكُم؛ فأطعموه ممَّا تأكلون، واكسُوه مما تَكتَسون، ومَن لا يُلائِمُكم منهم (١) أخرجه الطبري ٧/ ١٧ . (٢) أخرجه أحمد (٢١٤٣٢)، والبخاري (٣٠)، ومسلم (١٦٦١). (٣) قوله: من العمل، من (ظ). (٤) ذكره ابن الأثير في النهاية (ضغث). قوله ضغئان، قال ابن الأثير: أي: حزمتان من حطب، فاستعملهما للنار، يعني أنهما قد اشتعلتا وصارتا ناراً. ٣١٥ سورة النساء: الآية ٣٦ فبيعوه ولا تعذِّبوا خلقَ الله))(١). لا يَمَكُم: وافقَكم. والمُلايَمةُ: الموافقةُ. وروى مسلم (٢) عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّلَ﴾ قال: ((للمملوكِ طعامُه وكِسوتُه، ولا يُكلَّف من العمل إلا ما يُطيقُ)). وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يَقُلْ أحدُكم عبدي وأَمَتي، بل لِيَقُل: فتَايَ وفتاتي))(٣) وسيأتي بيانُه في سورة يوسُفَ عليه السلام(٤). فندب ﴿ السادةَ إلى مكارم الأخلاق، وحضّهم عليها، وأرشدَهم إلى الإحسان، وإلى سلوك طريق التواضُع حتى لا يرَوا لأنفسهم مزيَّةً على عبيدهم، إذ الكلُّ عبيدُ الله، والمالُ مالُ الله، لكنْ سخّر بعضهم لبعض، ومَّكَ بعضهم بعضاً، إتماماً للنّعمة وتنفيذاً للحكمة، فإنْ أطعموهم أقلَّ مما يأكلون، وألبَسوهم أقلَّ مما يلبسون صفةً ومقداراً، جاز، إذ(٥) قامَ بواجبه عليه. ولا خلافَ في ذلك والله أعلم. وروى مسلم عن عبدالله بن عمرو إذ جاءَه قَهْرَمانٌ له، فقال(٦): أعطيتَ الرقيقَ قُوْتَهم؟ قال: لا. قال: فانطلِقْ فأعْطِهم، قال رسول اللـه ل ﴾: (كَفَى بالمرء إثْماً أنْ يَخْبِس عمَّن يَملكُ قُوتَهم)» (٧). الخامسة عشرة: ثبت عن النبيِّ﴾ أنه قال: ((مَن ضرب عبده حدّاً لم يأته، أو لطمه، فكفَّارتُه أنْ يُعتقَه)»(٨). ومعناه: أنْ يضربَه قدرَ الحدِّ ولم يكن عليه حدٌّ. وجاء (١) سنن أبي داود (٥١٦١)، وهو عند أحمد (٢١٤٨٣)، وهو من طريق مورق العجلي، عن أبي ذر، عن النبي #، ومورق لم يسمع من أبي ذر. المراسيل لابن أبي حاتم ص١٦٩ . (٢) في صحيحه (١٦٦٢)، وهو عند أحمد (٧٣٦٥). (٣) أخرجه أحمد (١٠٣٦٨)، والبخاري (٢٥٥٢) من حديث أبي هريرة ضه. (٤) عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ [٤٢]. (٥) في النسخ: إذا، والمثبت من المفهم ٣٥٢/٤ ، والكلام منه. (٦) في (م): فدخل فقال. (٧) صحيح مسلم (٩٩٦)، والقهر مان: هو كالخازن والوكيل، والحافظ لما تحت يده، والقائم بأمور الرجل، بلغة الفُرْس. النهاية (قهرم). (٨) أخرجه أحمد (٥٠٥١)، ومسلم (١٦٥٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ٣١٦ سورة النساء: الآية ٣٦ عن نَفَرٍ من الصحابة أنَّهم اقتصُّوا للخادم من الولد في الضَّرب، وأعتقوا الخادمَ لمَّا لم يُرِدِ القِصاص. وقال عليه الصلاة والسلام: ((مَن قذفَ مملوكَه بالزِّنى، أقامَ عليه الحدَّ يومَ القيامة ثمانين))(١). وقال عليه الصلاة والسَّلام: ((لا يدخلُ الجنةَ سَيِّئُ المَلَكَة))(٢). وقال عليه الصلاة والسلام: ((سُوءُ الخُلقُ شُؤْمٌ، وحسنُ المَلكَّة نَمَاءٌ، وصِلةُ الرَّحِم تزيد في العمر، والصدقةُ تدفع ميتة السوء)»(٣). السادسةَ عشْرةَ: واختلفَ العلماءُ من هذا الباب أيُّهما أفضلُ، الحرُّ أو العبدُ؟ فروى مسلم(٤) عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللـه :﴾: «للعبد المملوكِ المُضْلحِ أجران)). والذي نفسُ أبي هريرةَ بيده، لولا الجهادُ في سبيل الله والحجُّ وبِرُّ أمِّي، لأحببتُ أنْ أموت وأنا مملوك. ورُوي عن ابن عمرَ أنَّ رسولَ الله :﴿ قال: ((إنَّ العبدَ إذا نصحَ لسيده، وأحسنَ عبادةَ اللهِ، فله أجرُه مرتين))(٥). (١) أخرجه أحمد (٩٥٦٧)، والبخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (١٦٦٠) من حديث أبي هريرة بزيادة: ((إلا أن يكون كما قال))، ودون قوله: ((ثمانين))، وورد ذكر الثمانين في أثرين عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وابن المسيب، أخرجهما عبد الرزاق (١٧٩٧٠) و(١٧٩٧١). (٢) أخرجه أحمد (١٣) و(٣١)، والترمذي (١٩٤٦) من طريق فرقد السَّبَخي، عن مرة الطيب، عن أبي بكر ﴾، عن النبي ﴾. قال الترمذي: حديث غريب، وقد تكلم أيوب السختياني وغير واحد في فرقد السبخي من قِبَل حفظه. قوله: ستئ الملكة: أي الذي يسيء صحبة المماليك. النهاية (ملك). (٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٠١١٨) وأحمد (١٦٠٧٩) من حديث رافع بن مَكِيث، وفيهما: ((البر)) بدل: (صلة الرحم))، وجاء عند أحمد أيضاً: ((حسن الخلق)) بدل: ((حسن المَلّكة))، وأخرجه أبو داود (٥١٦٢) مختصراً بلفظ: ((حسن الملكة يُمن، وسوء الخلق شؤم)) وهو عندهم من طريق بعض بني رافع بن مَكِيْثٍ، عن رافع بن مكيث، عن النبي #. قال المنذري في مختصر السنن ٤٩/٨: فيه مجهول. وقوله: ((وصلة الرحم تزيد في العمر)) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٨٠١٤) من حديث أبي أمامة ﴾، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٥/٣، ويشهد له حديث أنس # عند البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧) عن النبي ﴾: ((من سره أن يُبسط له في رزقه، ويُنْسَأ له في أثره فليصل رحمه)). وقوله: ((والصدقة تدفع ميتة السوء)) أخرجه الترمذي (٦٦٤) من حديث أنس ، وحسنه. (٤) في صحيحه (١٦٦٥)، وهو عند أحمد (٨٣٧٢)، والبخاري (٢٥٤٨). (٥) أخرجه أحمد (٤٦٧٣)، والبخاري (٢٥٤٦)، ومسلم (١٦٦٤). ٣١٧ سورة النساء: الآية ٣٦ فاستدلَّ بهذا وما كان مثلَه مَن فضَّلَ العبدَ؛ لأنه مخاطَبٌ من جهتين: مطالبٌ بعبادة الله، ومطالبٌ بخدمة سيِّده. وإلى هذا ذهبَ أبو عمرَ يوسفُ بن عبد البَرِّ النَّمَرِي(١)، وأبو بكر محمد بنُ عبد الله بن أحمد العامريُّ البغداديُّ الحافظ. استدلَّ مَن فضَّلَ الحرَّ بأن قال: الاستقلالُ بأمور الدِّين والدنيا إنَّما يحصلُ بالأحرار، والعبدُ كالمفقود لعدم استقلالِه، وكالآلة المصرَّفة بالقهر، وكالبهيمة المسخّرةِ بالجَبْر؛ ولذلك سُلبَ مناصبَ الشهادات، ومُعظمَ الولايات، ونقصَتْ حدودُه عن حدود الأحرار إشعاراً بخسَّةِ المقدار، والحرُّ وإنْ طُولبَ من جهة واحدةٍ، فوظائفُه فيها أكثرُ، وعناؤه أعظمُ، فثوابُه أكثر. وقد أشارَ إلى هذا أبو هريرةَ بقوله: لولا الجهادُ والحجُّ؛ أي: لولا النقصُ الذي يلحقُ العبدَ لفَوتِ هذه الأمور(٢). والله أعلم. السابعة عشرة: روى أنس بن مالك عن النبي ﴿ أنه قال: ((ما زالَ جبريلُ يُوصِيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورِّثه، وما زال يوصيني بالنساءِ حتى ظننتُ أنه سيحرِّم طلاقهنَّ، وما زال يوصيني بالمماليك حتى ظننتُ أنه سيجعلُ لهم مدَّة إذا انتهَوْا إليها عَتَقُوا، ومازال يُوصِيني بالسواك حتی خشيتُ أن يخفي فمي - وروي حتی کاد - وما زال يوصيني بقيام اللَّيل حتى ظننتُ أنَّ خِيار أمتي لا ينامون ليلاً)). ذكره أبو الليث السَّمَرْ قَنْدِيُّ في تفسيره (٣). الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾ أي: لا يرضَى ﴿مَن كَانَ تُخْتَالًا فَخُورًا﴾ فنفَى سبحانه محبَّتَه ورضاه عمَّن هذه صفتُه، أي: لا يُظهر عليه آثارَ (١) التمهيد ٢٣٧/٤ . (٢) المفهم ٤ / ٣٥٥ . (٣) ١/ ٣٥٤، وأخرجه أبو حنيفة في مسنده (٥٥٧) بشرح الملا علي القاري دون ذكر النساء والسواك. وأخرج حديث النساء ابن أبي الدنيا في العيال (٤٨٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفي إسناده مجهول. والصحيح منه قوله: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه)). وسلف في المسألة الحادية عشرة. ٣١٨ سورة النساء: الآيتان ٣٦ - ٣٧ نِعَمه في الآخرة. وفي هذا ضربٌ من التَّوَعُد. والمختالُ: ذو الخُيَلاء، أي: الكِبْر. والفَخور: الذي يعدِّد مناقبَه كِبْراً. والفخرُ: البَذَخُ والتَّطاول. وخصَّ هاتين الصِّفتين بالذِّكر هنا لأنَّهما تَحملان صاحبيهما(١) على الأَنفَة من القريب الفقير والجارِ الفقير، وغيرهم ممن ذُكر في الآية، فيضيع أمر الله بالإحسان إليهم. وقرأ عاصم فيما ذكر المُفَضَّل عنه: ((والجارِ الجَنْبِ)) بفتح الجيم وسكون النون. قال المَهْدَويُّ: هو على تقدير حذفِ المضاف، أي: والجارِ ذي الجَنْب، أي: ذي الناحية(٢). وأنشد الأخفش(٣): الناسُ جَنْبٌ والأميرُ جَنْب والجَنْبُ: الناحية، أي: المتنخِّي عن القرابة. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿اُلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُونَ مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلٍِ، وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا قوله تعالى: ﴿اُلَِّينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ((الَّذِين)»: في موضع نَصْبٍ على البدل مِن (مَنْ)) في قوله: ((مَنْ كَانَ))، ولا يكونُ صفةً؛ لأنَّ ((مَنْ)) و((ما)) لا يُوصفان ولا يُوصفُ بهما (٤). ويجوز أن يكون في موضع رفعٍ بدلاً من المضْمرِ الذي في ((فخور)). ويجوزُ أنْ يكون في موضع رفعٍ فيُعطف عليه [﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِشَآءَ النَّاسِ﴾](٥). ويجوزُ أنْ يكونَ ابتداءً، والخبرُ محذوف، أي: الذين يبخلون لهم كذا، أو يكون الخبرُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾(٦). ويجوزُ أنْ يكونَ منصوباً بإضمار أعني، (١) في (ز) و(ظ): صاحباها، وفي (د): صاحباهما. (٢) ينظر الحجة للفارسي ١٥٨/٣، وسلفت القراءة ١٨٣/٥. (٣) معاني القرآن ٤٤٦/١، والصحاح (جنب)، والحجة للفارسي ١٥٨/٣. (٤) وأجاز الطبري ٧/ ٢١ أن يكون ((الذين)) نصباً على النعت لـ ((مَن)). (٥) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٥٥، وما بين حاصرتين منه. (٦) نسبه ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٥٢ للزجاج، وقال: وفي هذا تكلّف ما. والآية على هذا في الكفار. ٣١٩ سورة النساء: الآيتان ٣٧ - ٣٨ فتكون الآيةُ في المؤمنين؛ فتجيء الآيةُ على هذا التأويل، أنَّ الباخِلين منفيةٌ عنهم محبةُ الله، فأحسِنوا أيُّها المؤمنون إلى مَن سَمَّى، فإنَّ الله لا يحبُّ مَن فيه الخِلالُ المانعةُ من الإحسان(١). الثانية: قوله تعالى: ﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ البُخلُ المذمومُ في الشَّرع هو الامتناعُ من أداء ما أوجبَ اللهُ تعالى عليه. وهو مثلُ قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآية. وقد مضى في ((آل عمران(٢)» القولُ في البُخل وحقيقتِهِ، والفرق بينه وبين الشُّحِّ مستوفىّ. والمرادُ بهذه الآية في قول ابن عباسٍ وغيرِه: اليهودُ؛ فإنهم جمعوا بين الاختيال، والفَخْر، والبخل بالمال، وكتمانٍ ما أنزل الله من التَّوراة من نعت محمد﴾(٣). وقيل: المرادُ المنافقون الذين كان إنفاقُهم وإيمانُهم تَقِيَّةً، والمعنى: إنَّ الله لا يحبُّ كلَّ مختالٍ فخور، ولا الذين يَبخلون، على ما ذكرنا من إعرابه. قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ فَصَل تعالى توَعُدَ المؤمنين الباخِلين مِن توعُّد الكافرين، بأن جعل الأوّل عدمَ المحبة، والثاني عذاباً مهيناً. قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا ◌ِلْيَوْمِ الْآَخِرُّ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِنَا فَسَآءَ قَرِينًا فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِشَآءَ النَّاسِ﴾ الآية. عطفَ تعالى على ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾: ﴿الذين يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِشَآءَ النَّاسِ﴾. وقيل: هو عطف على الكافرين، فيكونُ في موضع خفضٍ (٤). ومَن رأى زيادةَ الواو، أجاز أنْ يكونَ الثاني (١) المحرر الوجيز ٢/ ٥٢. (٢) ٤٤٠/٥ . (٣) أخرجه عن ابن عباس وغيره الطبري ٧/ ٢٢ - ٢٤ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٥٥ . ٣٢٠ سورة النساء: الآية ٣٨ عنده خبراً للأول. قال الجمهور: نزلَتْ في المنافقين(١)؛ لقوله تعالى: ﴿رِقَآءَ النَّاسِ﴾، والرئاءُ من النفاق. مجاهد: في اليهود. وضعَّفه الطبري(٢)؛ لأنه تعالى نفى عن هذه الصِّنْفَة(٣) الإيمانَ بالله واليوم الآخِرِ، واليهودُ ليس كذلك. قال ابن عطية(٤): وقولُ مجاهدٍ متَّجِهٌ على المبالغة والإِلزام؛ إذ إيمانُهم باليوم الآخرِ كُلَا إيمان، من حيث لا ينفعُهم. وقيل: نزلت في مُطْعِمِي يوم بَدْر، وهم رُؤساء مكةً؛ أنفقوا على الناس ليخرجوا إلى بدر (٥). قال ابن العربي(٦): ونفقةُ الرياء تدخل في الأحكام من حيث إنها لا تجزي. قلت: ويدلُّ على ذلك من الكتاب قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنِفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣] وسيأتي. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِنَا فَسَآءَ قَّرِينًا﴾ في الكلام إضمارٌ تقديره: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَلَا بِاَلْيَّوْمِ الْآَخِرُ﴾ فقرينُهم الشيطان ﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُر قَرِا فَسَآءَ قَرِينًا﴾. والقرينُ: المقارِن، أي: الصاحبُ والخليلُ، وهو فعِيلٌ من الإقران؛ قال عديُّ بن زيد : عن المرءِ لا تسأل وسَلْ عن قَرِينه فكلُّ قَرِينٍ بالمقارِنِ يَقْتَدي(٧) (١) المحرر الوجيز ٥٢/٢، قال ابن عطية: وهذا هو الصحيح. (٢) في تفسيره ٢٦/٧، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٥٢ . (٣) الصنفة: الطائفة من كل شيء. (٤) المحرر الوجيز ٥٢/٢. (٥) تفسير أبي الليث ٣٥٤/١ . (٦) أحكام القرآن ١/ ٤٣٢. (٧) تقدم ٥/ ٢٧٣ .