Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
سورة النساء: الآية ٢٥
وجب عليها الحدُّ، وهذا على مذهب أبي ثور. قال ابن المنذر: وبه نقول(١).
التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَعَلَئِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي:
الجَلد، ويعني بالمحصّنات ها هنا: الأبكار الحرائر؛ لأن الثيِّب عليها الرجمُ،
والرجمُ لا يتبعَّض. وإنما قيل للبكر محصنة وإن لم تكن متزوجة؛ لأن الإحصان يكون
بها، كما يقال: أُضحِيَّة، قبل أن يُضَحَّى بها، وكما يقال للبقرة: مثيرة، قبل أن تُثير.
وقيل: ((المُحْصَنَاتُ)): المتزوِّجات؛ لأن عليها الضربَ والرجم في الحديث،
والرجمُ لا يتبعَّض، فصار عليهن نصفُ الضرب(٢).
والفائدة في نقصان حدِّهنَّ أنهن أضعفُ من الحرائر. ويقال: إنهنَّ لا يَصِلْن إلى
مُرادِهنَّ كما تصل الحرائر. ويقال: لأن العقوبة تجب على قَدْر النعمة، ألا ترى أن
الله تعالى قال لأزواج النبيِّ ﴾: ﴿يَنِسَلَّ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ يِفَحِشَةٍ تُبِنَةٍ يُضَعَفْ
لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٠] فلما كانت نِعمتُهنَّ أكثر، جَعَل عقوبتهنَّ أشدّ،
وكذلك الأمة؛ لمَّا كانت نعمتها أقلَّ، فعقوبتُها أقل(٣).
وذُكر في الآية حدُّ الإماء خاصَّة، ولم يُذكر حدُّ العبيد، ولكن حدَّ العبيد والإماء
سواء: خمسون جلدةً في الزنى، وفي القذف وشرب الخمر أربعون؛ لأن حدَّ الأَمَة
إنما نقص لنقصان الرقّ(٤). فدخل الذكور من العبيد في ذلك بعلَّة المملوكية، كما
دخل الإماء تحت قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن أَعتق شِرْكاً له في عبد ... ))(٥).
وهذا الذي يسمِّيه العلماء القياس في معنى الأصل؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَِّينَ يَمُونَ
الْمُحْصَنَتِ﴾ [النور: ٤] الآية. فدخل في ذلك المحصَنين قطعاً (٦)؛ على ما يأتي بيانُه في
(١) الإشراف ٢/ ٥١ .
(٢) معاني القرآن للنحاس ٦٦/٢ - ٦٧ .
(٣) تفسير أبي الليث ٣٤٧/١. ووقع في (م): وكذلك الإماء؛ لما كانت نعمتهنَّ أقل فعقوبتهنَّ أقل.
(٤) المصدر السابق.
(٥) أخرجه أحمد (٣٩٧)، والبخاري (٢٥٢٢)، ومسلم (١٥٠١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٦) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٤٠٦/١ - ٤٠٧ .
٢٤٢
سورة النساء: الآية ٢٥
سورة النُّور إن شاء الله تعالى.
الموفية عشرين: وأجمع العلماء على أن بيع الأَمَة الزانية ليس بيعُها بواجبٍ لازم
على ربِّها، وإن اختاروا له ذلك؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا زَنت أَمَةُ أَحَدِكم
فتبيَّن زناها، فلْيَجْلِدْها الحدَّ، ولا يُثَرِّبْ عليها، ثم إن زَنت، فلْيجلدها الحدَّ، ولا
يُثَرِّبْ عليها، ثم إن زنت الثالثةً فتبيَّن زِناها، فلْيبِعْها ولو بحبلٍ من شَعَر)). أخرجه
مسلم عن أبي هريرة(١).
وقال أهلُ الظاهر بوجوب بيعها في الرابعة. منهم داودُ وغيره؛ لقوله: ((فليبعها))
وقوله: ((ثم بيعوها ولو بضفِير)). قال ابن شهاب: فلا أدري بعد الثالثة أو الرابعة،
والضفير الحبل(٢).
فإذا باعها عرَّف بزناها؛ لأنه عيبٌ، فلا يَحِلُّ أن يُكتم.
فإن قيل: إذا كان مقصودُ الحديث إبعادَ الزانية، ووجب على بائعها التعريفُ
بزناها، فلا ينبغي لأحد أن يشتريَها؛ لأنها ممَّا قد أُمر (٣) بإبعادها.
فالجواب: أنها مال، ولا يُضاع؛ للنهي عن إضاعة المال، ولا تُسيَّب؛ لأن ذلك
إغراءٌ لها بالزنى وتمكينٌ منه، ولا تحبس دائماً؛ فإن فيه تعطيلَ منفعتها على سيدها،
فلم يبقَ إلا بيعُها. ولعل السيِّد الثاني يُعِفُّها بالوطء، أو يبالغُ في التحرُّز [بها] فيمنعُها
من ذلك. وعلى الجملة فعند تبدُّل المُلَّاك تختلف عليها الأحوال(٤). والله أعلم.
الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: الصبرُ على العُزْبة
(١) صحيح مسلم (١٧٠٣): (٣٠) وقد تقدم ص١٤٥ و٢٣٩ من هذا الجزء. قوله: ((ولا يشرِّب عليها)) أي:
لا يعيِّر ولا يوبِّخ، ولا يكثر من اللوم. المفهم ١٢٠/٥ .
(٢) قوله: ((ثم بيعوها ولو بضفير)) رواية ثانية في حديث أبي هريرة المتقدم وهي عند مسلم (١٧٠٣): (٣٢)
وذكر بعدها قول ابن شهاب.
(٣) في (م): أُمرنا.
(٤) المفهم ١٢١/٥، وما سلف بين حاصرتين منه.
٢٤٣
سورة النساء: الآيتان ٢٥ - ٢٦
خيرٌ من نكاح الأمة؛ لأنه يُفضي إلى إرقاق الولد. والغضُّ من النفس والصبرُ على
مكارم الأخلاق أوْلى من النذالة(١). ورُوي عن عمر أنه قال: أيُّما حُرِّ تزوَّج بأمَةٍ،
فقد أَرَقَّ نصفَه(٢). يعني يصير ولده رقيقاً؛ فالصبر عن ذلك أفضلُ لكيلا يرقَّ الولد.
وقال سعيد بن جُبير: ما نكاح الأمَة من الزنى إلَّا قريب؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ
تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: عن نكاح الإماء(٣).
وفي سنن ابن ماجه عن الضَّّاك بن مُزاحِم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول:
سمعتُ رسول اللـه ﴾ يقول: ((مَن أراد أن يَلْقَى الله طاهراً مطَهَّراً، فلْيتزوَّج
الحرائر))(٤).
ورواه أبو إسحاق الثعلبيُّ من حديث يونسَ بن مِرْداس، وكان خادماً لأنس،
وزاد: فقال: أبو هريرة: سمعتُ رسول الله ﴾ يقول: ((الحرائرُ صلاحُ البيت،
والإماءُ هلاكُ البيت ، أو قال: فساد البيت))(٥).
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ
عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾﴾
أي: ليبيِّن لكم أمرَ دينِكم ومصالحَ أمرٍكم، وما يَحِلُّ لكم وما يحرمُ عليكم.
(١) المثبت من (خ)، وفي غيرها: البذالة، والنذالة: الخِسَّة.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٣١٠٣)، وسعيد بن منصور (٧٣٩)، وابن أبي شيبة ١٤٧/٤، والدارمي (٣١٧٧)
من طريق سعيد بن المسيب عن عمر، وسعيد لم يسمع من عمر. المراسيل لابن أبي حاتم ص ٦٤ .
(٣) أخرجه بنحوه الطبري ٦١٤/٦، وعبد الرزاق (١٣١٠٠)، وسعيد بن منصور (٧٣٢)، وابن أبي شيبة
١٤٦/٤.
(٤) سنن ابن ماجه (١٨٦٢)، وأخرجه أيضاً ابن عدي ٣/ ١١٥٧، وابن الجوزي في الموضوعات (١٠٩٦)
وقال: فيه كثير بن سليم، قال النسائي متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن أنس ما ليس من
حديثه ويضع عليه، وقال ابن عدي: منكر الحديث.
(٥) ذكره السَّخَاوي في المقاصد الحسنة ص١٨٧ عن الثعلبي، وذكر أن في إسناده أحمد بن محمد بن عمر
اليمامي، وقال فيه: متروك، كذبه أبو حاتم، ويونس مجهول.
٢٤٤
سورة النساء: الآية ٢٦
وذلك يدلُّ على امتناع خُلوِّ واقعةٍ عن حكم الله تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى
اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] على ما يأتي.
وقال بعد هذا: ﴿يُرِدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ فجاء هذا بـ ((أن))، والأولُ باللام. فقال
الفرَّاء (١): العرب تُعاقِب بين لامٍ كي و((أن))، فتأتي باللام التي على معنى ((كي)) في
موضع ((أن)) في : أردتُ وأُمرتُ؛ فيقولون: أردتُ أن تفعل، وأردتُ لتفعل؛ لأنهما
يطلبان المستقبل. ولا يجوز: ظننتُ لتفعل؛ لأنك تقول: ظننتُ أَنْ قد قمتَ(٢). وفي
التنزيل: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾، ﴿وَأُمِنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، ﴿يُرِدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللهِ
يَفْوَهِمْ﴾، ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ الَهِ﴾ قال الشاعر(٣):
أريد لِأنْسَى ذِكرَها فكأنَّما(٤) تَمَّثَّلُ لي لَيْلَى بكلِّ سبيلٍ
يريد: أن أنسى. قال النحاس(٥): وخطَّأ الزجَّاج(٦) هذا القولَ وقال: لو كانت
اللام بمعنى ((أن)) لدخلت عليها لام أخرى، كما تقول: جئتُ كي تكرمني، ثم تقول:
جئتُ لكي تكرمني. وأنشدنا :
أردتُ لكيما يعلمَ الناسُ أنها
سراويلُ قَيْسٍ والوُفُودُ شُهود (٧)
(١) في معاني القرآن ٢٦١/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١/ ٤٤٧.
(٢) ولتوضيح هذا الكلام ننقل ما قاله الفراء في معاني القرآن ١/ ٢٦٣ حيث قال: ((أن)) التي تدخل مع الظن
تكون مع الماضي من الفعل؛ فتقول: أظن أن قد قام زيد. ومع المستقبل؛ فتقول: أظن أن سيقوم زيد.
ومع الأسماء؛ فتقول: أظن أنك قائم. فلم تُجعلِ اللام في موضعها، ولا ((كي)) في موضعها؛ إذ لم
تطلب المستقبل وحده. وكلما رأيت ((أن)) تصلح مع المستقبل والماضي فلا تُدْخِلنَّ عليها كي واللام.
(٣) هو كثير عزة، والبيت في ديوانه ص٢٧٦ .
(٤) في النسخ الخطية: وكأنما، والمثبت من (م)، والديوان.
(٥) في إعراب القرآن ١/ ٤٤٨ .
(٦) معاني القرآن له ٢/ ٤٢ .
(٧) قائله قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وهو في الكامل للمبرد ٢/ ٦٤٠، ومعاني القرآن للزجاج
٢/ ٤٣، وإعراب القرآن للنحاس ٤٤٨/١، والمخصص ١٥/١٧، والخزانة ٥١٤/٨ .
٢٤٥
سورة النساء: الآيات ٢٦ - ٢٨
قال: والتقدير: إرادتُه(١) ليبين لكم.
قال النحاس: وزاد الأمرُ على هذا حتى سمَّاها بعض القُرَّاء لام ((أنْ)). وقيل:
المعنى: يريد الله هذا من أجل أن يبيِّن لكم.
﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ اَلَِّينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: من أهل الحقّ. وقيل: معنى
((يهدِيَكم)): يبيِّن لكم طرق الذين من قبلكم من أهل الحقّ وأهل الباطل(٢).
وقال بعضُ أهل النظر: في هذا دليلٌ على أن كلَّ(٣) ما حُرِّمَ (٤) قبل هذه الآية
علينا؛ فقد حُرِّم على مَن كان قبلَنا . قال النحاس(٥): وهذا غلط؛ لأنه [قد] يكون
المعنى: ويبيِّن لكم أمرَ مَن كان قبلكم ممن كان يجتنب ما نُهِيَ عنه، وقد يكون:
ويُبيِّن لكم كما بيَّن لمن كان قبلكم من الأنبياء، ولا يُومَى به إلى هذا بعينه.
ويقال: إن قوله: (يُرِيدُ اللهُ)) ابتداءُ القصة، أي: يريد الله أن يبيِّن لكم كيفيةَ
طاعته. ((وَيَهْدِيَكُمْ)): يعرِّفَكم ((سُنَنَ الذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) أنهم لمَّا تركوا أمري كيف
عاقبتُهم، وأنتم إذا فعلتُم ذلك لا أعاقبكم، ولكني أتوبُ عليكم. ﴿وَاَللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمن
تاب. ﴿حَكِيمٌ﴾ بقبول التوبة(٦).
قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيَّكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ
تَميلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا (٣٧) يُرِيدُ اَللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَنُ ضَعِيفًا
قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ابتداءٌ وخبر. و((أنْ)) في موضع نصبٍ
(١) في (خ): أراد به، وكذلك هو في المطبوع من إعراب القرآن، ووقع في معاني القرآن للزجاج: أراده
الله عز وجل للتبيين لكم.
(٢) ينظر معاني القرآن للزجاج ٤٣/٢ .
(٣) لفظة ((كل)) ليست في (خ).
(٤) في (ظ) و(م): ما حَرَّم الله.
(٥) في إعراب القرآن ٤٤٨/١، وما سيرد بين حاصرتين منه، وينظر المحرر الوجيز ٤٠/٢.
(٦) تفسير أبي الليث ٣٤٨/١ .
٢٤٦
سورة النساء: الآيتان ٢٧ - ٢٨
بـ ((يُرِيدُ))، وكذلك ((يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ))(١)، فـ((أن يخفف)) في موضع نصب بـ
(یرید)).
والمعنى: يريد توبتكم، أي: يقبلُها، فيتجاوز عن ذنوبكم. ويريد التخفيف
عنكم؛ قيل: هذا في جميع أحكام الشرع، وهو الصحيح. وقيل: المرادُ بالتخفيف
نكاحُ الأَمَة، أي: لمَّا عَلمنا ضعفَكم عن الصبر عن النساء، خفَّفْنا عنكم بإباحة
الإماء؛ قاله مجاهد وابن زيد وطاوس. قال طاوس: ليس يكون الإنسان في شيءٍ
أضعفَ منه في أمر النساء(٢).
واختُلِف في تعيين المتَّبِعِين للشهوات، فقال مجاهد: هم الزناة . السُّدِّي: هم
اليهود والنصارى. وقالت فرقة: هم اليهود خاصّةً؛ لأنهم أرادوا أن يتَبعهم المسلمون
في نكاح الأخوات من الأب. وقال ابن زيد: ذلك على العموم (٣). وهو الأصح.
والمَيل: العدولُ عن طريق الاستواء، فمن كان عليها أَحَبَّ أن يكون أمثالُه عليها حتى
لا تَلْحِقَه معَرَّة .
قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ نصب على الحال، والمعنى: أن هواه
يستميلُه، وشهوته وغضبه يستخفَّانِهِ، وهذا أشدُّ الضعف، فاحتاج إلى التخفيف (٤).
وقال طاوس: ذلك في أمر النساء خاصة . ورُوي عن ابن عباس أنه قرأ: ((وخلَقَ
الإنسانَ ضعِيفاً))(٥) أي: وخَلَقَ الله الإنسان ضعيفاً، أي: لا يصبر عن النساء.
قال ابن المسيِّب: لقد أتى عليَّ ثمانون سنةً، وذهبت إحدى عينيَّ، وأنا أَعشُو
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٩/١ .
(٢) المحرر الوجيز ٢/ ٤٠، وأخرج أقوالهم الطبريُّ ٦/ ٦٢٥.
(٣) المحرر الوجيز ٢/ ٤٠، وأخرج الأقوال المذكورة الطبري ٦/ ٦٢٢ - ٦٢٣ ، ورجح قول ابن زيد.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٩/١ .
(٥) الكشاف ٥٢١/١، والمحرر الوجيز ٤١/٢، والبحر ٢٢٨/٣، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص٢٥ لمجاهد. وسلف قول طاوس قريباً.
٢٤٧
سورة النساء: الآيات ٢٧ - ٢٩
بِالأخرى، وصاحبي أعمى أصَمُّ - يعني ذَكَره - وإني أخاف من فتنة النساء(١).
ونحوه عن عُبادة بن الصامت ﴾، قال عُبادة: ألا تَرَوْني لا أقوم إلا رِفْداً، ولا
آكُلُ إلَّا ما لُوِّقَ لي - قال يحيى: يعني لُيِّن وسُخِّن - وقد مات صاحبي منذ زمان - قال
يحيى: يعني ذَكّره - وما يَسرُّني أني خَلَوْتُ بامرأة لا تحلُّ لي، وأنَّ لي ما تطلع عليه
الشمس؛ مخافة أن يأتيَني الشيطان فيحرِّكه عليَّ، إنه لا سَمْعَ له ولا بصر!(٢).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِّ إِلَّ
أَنْ تَكُونَ نِحَكَرَةٌ عَن تَرَضِ مِّنَكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ
رَحِيمًا (2)
فيه تسع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿بَلْبَطِلِ﴾ أي: بغير حقّ. ووجوه ذلك تكثُر على ما بيَّنَّاه.
وقد قدَّمنا معناه في البقرة(٣).
ومِن أَكْلِ المال بالباطل بيعُ العُزْبان، وهو أنْ يأخذ منك السلعة، أو يَكْتَريَ منك
الدابة، ويعطيَك درهماً فما فوقه، على أنه إن اشتراها، أو ركب الدابة، فهو من ثمن
السلعة، أو كِراء الدابة؛ وإنْ تَرَك ابتياعَ السلعة أو كِرَاءَ الدابة، فما أعطاك فهو لك.
فهذا لا يصلح ولا يجوز عند جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين والعراقيين؛
لأنه من باب بيع القِمار والغَرَر والمخاطرة، وأكْلِ المال بالباطل بغير عِوَضٍ ولا هبة،
وذلك باطلٌ بإجماع. وبيع العُزْبان مفسوحٌ (٤) إذا وقع على هذا الوجه، قبل القبض
(١) ذكره بنحوه الزمخشري في الفائق ٤٣٦/٢ .
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٥٤٤٨)، والمزي في تهذيب الكمال ١٨٧/١٤، ويحيى هو ابن سعيد
القطان أحد رجال الإسناد. وذكره أبو عبيد في غريب الحديث ١٤٣/٤ وقال: قوله: لا أقوم إلا رِفْدا،
أي: لا أقدر على القيام إلا أن أرفد فأعان عليه.
(٣) ٢٢٢/٣ وما بعدها.
(٤) في (د) و(ز): منسوخ، وكذلك وقع في المطبوع من التمهيد ١٧٩/٢٤، والكلام منه، وكذلك
الاستذكار ١٠/١٩ .
٢٤٨
سورة النساء: الآية ٢٩
وبعده، وتُردُّ السلعة إنْ كانت قائمةً، فإنْ فاتت، رَدَّ قيمتها يومَ قبضَها. وقد رُوي عن
قوم؛ منهم ابن سيرين ومجاهدٌ، ونافع بن عبد الحارث(١)، وزيد بن أسلم، أنهم
أجازوا بيع العُزْبان على ما وصفنا.
وکان زيد بن أسلم يقول: أجازه رسول الله آ﴾.
قال أبو عمر (٢): هذا لا يُعرَّف عن النبيِّ﴾ من وجهٍ يَصِحُ، وإنما ذكَرَه عبد
الرزاق عن الأسلميّ، عن زيد بن أسلم، مرسلاً(٣). وهذا ومثله ليس حجَّةً.
ويُحتمل أن يكون بيعُ العُرْبان الجائزُ على ما تأوَّله مالكٌ والفقهاءُ معه، وذلك أن
يُعَرْبِنَه، ثم يحسب عُرْبانَه من الثمن إذا اختار تمامَ البيع، وهذا لا خلافَ في جوازه
عن مالك وغيره.
وفي موظّأ مالك(٤) عن الثقة عنده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنَّ
رسول الله ﴾﴾ نَھی عن بيع العُرْبان.
قال أبو عمر(٥): قد تكلم الناس في الثقة عنده في هذا الموضع، وأشبهُ ما قيل
فيه: أنه أخذه عن ابن لهيعةً، أو عن ابن وَهْب، عن ابن لهيعة؛ لأن ابن لَهيعة سمعه
من عمرو بن شعيب ورواه عنه، حدَّث به عن ابن لهيعة ابنُ وَهْب وغيرُهُ(٦)، وابن
لهيعة أحدُ العلماء، إلا أنه يقال: إنه احترقت کتبه، فكان إذا حدَّث بعد ذلك مِن
حِفْظِه غَلِطِ. وما رواه عنه ابن المبارك وابن وَهْب فهو عند بعضهم صحيح. ومنهم مَن
يضعِّف حديثَه كلَّه، وكان عنده علمٌ واسع، وكان كثيرَ الحديث، إلا أنَّ حاله عندهم
(١) هو نافع بن عبد الحارث الخُزاعي، له صحبة. قيل: إنه أسلم يوم الفتح وأقام بمكة ولم يهاجر، وكان
عامل عمر بن الخطاب على مكة. تهذيب الكمال ٢٧٩/٢٩ - ٢٨٠.
(٢) التمهيد ١٧٩/٢٤ .
(٣) لم نقف عليه في المصنف، وعزاه ابن حجر في التلخيص ٣/ ١٧ أيضاً لعبد الرزاق في مصنفه، وقال
هذا ضعيف مع إرساله، والأسلمي هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى.
(٤) ٦٠٩/٢، وهو عند أحمد (٦٧٢٣).
(٥) التمهيد ١٧٦/٢٤ .
(٦) وروي الحديث عن عمرو بن شعيب من طرق أخرى متصلاً كما في سنن البيهقي ٣٤٢/٥ - ٣٤٣، قال
البيهقي: والأصل في هذا الحديث مرسل مالك.
٢٤٩
سورة النساء: الآية ٢٩
ما (١) وصفنا.
الثانية: قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِحَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾ هذا استثناءٌ منقطع،
أي: لكنْ تجارةً عن تراضٍٍ(٢).
والتجارة: هي البيع والشراء، وهذا مثلُ قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ
اٌلِيَواْ ﴾ [البقرة: ٢٧٥] على ما تقدَّم.
وقرئ: ((تجارةٌ)) بالرفع(٣)، أي: إلا أن تقع تجارةٌ، وعليه أنشد سيبويه:
فِدَى لِبَني ذُهْلِ بنِ شَيبانَ ناقتي إذا كان يومٌ ذو كواكبَ أشهبُ (٤)
وتُسمَّى هذه كان التامة؛ لأنها تمَّت بفاعلها، ولم تحتَجْ إلى مفعول.
وقرئ: (تجارةً)) بالنصب، فتكون كان ناقصةً؛ لأنها لا تتمُّ بالاسم دون الخبر،
فاسمُها مضمَرٌ فيها. وإنْ شئتَ قدَّرته، أي: إلا أنْ تكون الأموالُ أموالَ تجارة،
فحُذف المضاف وأُقيم المضافُ إليه مقامَه(٥). وقد تقدَّم هذا(٦)، ومنه قوله تعالى:
﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
الثالثة: قوله تعالى: ﴿ِجَرَةٌ﴾ التجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة، ومنه
الأجر الذي يعطيه البارئ سبحانه العبدَ عوضاً عن الأعمال الصالحة التي هي بعضٌ
من فضله(٧). قال الله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَثْلُكُمْ عَلَى نِزَ نُجِكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[الصف: ١٠]. وقال تعالى: ﴿يَرْجُونَ نِحَرَةً لَّنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]، وقال تعالى:
-
(١) في (م): كما.
(٢) ينظر المحرر الوجيز ٤١/٢، قال ابن عطية: والمعنى: لكن إن كانت تجارةٌ.
(٣) السبعة ص٢٣١، والتيسير ص ٩٥، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. وقرأ عاصم
وحمزة والكسائي: ﴿تِجَرَةَ﴾ بالنصب، وستأتي.
(٤) تقدم ٤ /٤١٨ .
(٥) مشكل إعراب القرآن ١/ ١٩٦ .
(٦) ١/ ٢٩٠ و٤ /٣٦٤.
(٧) في النسخ: فعله، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٤٠٨/١، والكلام منه.
٢٥٠
سورة النساء: الآية ٢٩
﴿إِنَّ اللَّ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَقْوَلَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الآية، فسمَّى ذلك كلّه
بيعاً وشراءً على وجه المجاز، تشبيهاً بعقود الأشرية والبِيّاعات التي تحصل بها
الأعواض(١).
وهي نوعان: تقلُّبٌ في الحضَر من غير نُقْلَة ولا سفر، وهذا تربُّصٌ واحتكار قد
رَغِب عنه أُولو الأقدار، وزَهِد فيه ذَوو الأخطار.
والثاني: تقلُّب المال بالأسفار، ونقلُه إلى الأمصار، فهذا أَلْيَقُ بأهل المروءة،
وأعمُّ جدوى ومنفعةً، غير أنه أكثر خطراً وأعظمُ غَرَراً. وقد رُويَ عن النبي ﴿ أنه
قال: ((إنَّ المسافر ومالَه لَعَلَى قَلَتٍ، إلا ما وَقَى الله))(٢). يعني: على خطر. وقيل: في
التوراة: با ابنَ آدمَ، أحدِثْ سفراً، أُحدِثْ لك رزقاً (٣).
الطبريُّ: وهذه الآية أدلُّ دليلٍ على فسادٍ قولِ [الجَهَلةِ من المتصوِّفة المنكرين
طَلَبَ الأَقْوات بالتجارات والصناعات](٤).
الرابعة: اعلم أنَّ كلَّ مُعاوضة تجارةٌ على أيٍّ وجه كان العِوَض، إلا أنَّ قوله:
((بالباطل)) أخرج منها كلَّ عِوَضٍ لا يجوز شرعاً، من رباً أو جهالة، أو تقدیر عِوَضٍ
فاسدٍ، کالخمر والخنزير وغير ذلك. وخرج منها أيضاً كلُّ عقد جائزٍ لا عِوَضَ فیه،
كالقَرْض والصدقة والهبة لا للثواب(٥). وجازت عقود التبرعات(٦) بأدلة أُخر مذكورةٍ
(١) في (د) و (ز) و(ظ) و(م): الأغراض، والمثبت من (خ)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن للكيا
الطبري ٤٣٩/٢ والكلام منه، وكذلك أحكام القرآن للجصاص ١٧٣/٢ .
(٢) أخرجه السلفي في أخبار أبي العلاء كما في التلخيص الحبير ٩٨/٣ ، وذكره الديلمي في مسند
الفردوس (٥٠٦٥) من حديث أبي هريرة ، وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١٠٠ : ليس
هذا خبراً عن رسول الله #، وإنما هو من كلام بعض السلف، وقيل: إنه عن علي. وأورده ابن الأثير
في النهاية (قلت)، وقال: القَلّت: الهلاك.
(٣) ذكره ابن عبد البر في بهجة المجالس ٢٢٢/١ .
(٤) بنحوه في تفسير الطبري ٦٢٩/٦، وما بين حاصرتين منه، وقد وقع مكانه بياض في (د). وسيذكر
المصنف هذا الكلام في المسألة التاسعة.
(٥) قوله: لا للثواب، ليس في (ظ).
(٦) في أحكام القرآن لابن العربي ٤٠٨/١. (والكلام منه): البيوعات.
٢٥١
سورة النساء: الآية ٢٩
في مواضعها. فهذان طرفان متفقٌ عليهما.
وخرج منها أيضاً دُعاء أخيك إيّاك إلى طعامه؛ روى أبو داود(١) عن ابن عباس
في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِحَرَةً عَن ◌َاضِ
مِّنْكُمْ﴾: فكان الرجل يَحْرَج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية،
فنُسِخ ذلك بالآية الأخرى التي في ((النور))، فقال: ليس عليكم جُنَاحٌ أن تأكلوا من
بيوتكم، إلى قوله: ﴿أَشْتَانًا﴾ [٢١](٢). فكان الرجل الغنيُّ يدعو الرجلَ من أهله إلى
طعامه فيقول: إني لَأَجْنَحُ أنْ آكُلَ منه - والتجنُّح: الحَرَج - ويقول: المسكين أحقُّ به
مني، فأُحِلَّ في ذلك أن يأكلوا مما ذُكر اسمُ الله عليه، وأُحلَّ طعامُ أهل الكتاب(٣).
الخامسة: لو اشتريتَ من السوق شيئاً، فقال لك صاحبه قبل الشراء: ذُقْه وأنت
في حِلِّ. فلا تأكلْ منه؛ لأنَّ إذنه بالأكل لأجل الشراء، فربما لا يقع بينكما شراءٌ،
فيكونُ ذلك الأكلُ شُبهةً، ولكنْ لو وصَف لك صفة، فاشتريتَه، فلم تجده على تلك
الصفة، فأنت بالخيار.
السادسة: والجمهور على جواز الغَبْن في التجارة، مثل أنْ يبيع رجل ياقوتةً
بدرهم وهي تساوي مئةً، فذلك جائز(٤)، وأنَّ المالك الصحيحَ المِلْكِ جائزٌ له أن يبيع
مالَه الكثيرَ بالتَّافِه اليسير، وهذا ما لا اختلافَ(٥) فيه بين العلماء إذا عرَف قدْرَ ذلك،
كما تجوز الهبة لو وهب.
واختلفوا فيه إذا لم يعرف قدْرَ ذلك، فقال قوم: عرَف قذْرَ ذلك أو لم يعرف،
(١) في سننه (٣٧٥٣)، وأخرجه أيضاً البيهقي ٢٧٤/٧ - ٢٧٥ .
(٢) قال البيهقي في هذا الموضع: كذا قال، يريد قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى قوله: ﴿أَشْتَاً﴾.
(٣) قال المنذري في مختصر السنن ٢٩٤/٥: في إسناده علي بن حسين بن واقد، وفيه مقال. اهـ. وأخرجه
الطبري ٦٢٧/٦ عن عكرمة والحسن قولهما.
(٤) المحرر الوجيز ٤١/٢ .
(٥) في (خ) و(ظ): خلاف.
٢٥٢
سورة النساء: الآية ٢٩
فهو جائزٌ إذا كان رشيداً حُرّاً بالغاً (١).
وقالت فرقة: الغَبْن إذا تجاوز الثلثَ مردود، وإنما أُبيح منه المتقارِبُ
المتعارَف(٢) في التجارات، وأما المتفاحِش الفادح فلا. وقاله ابن وَهْب من
أصحاب مالك رحمه الله(٣).
والأول أصحُّ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الأَمَة الزانية: ((فلْيَيِعْها ولو
بضَفِير))(٤) وقوله عليه الصلاة والسلام لعمرَ: ((لا تَبْتعهُ - يعني الفرسَ - وإن(٥) أعطاكَهُ
بدرهم واحد)»(٦) وقولِه عليه الصلاة والسلام: ((دَعُوا الناسَ يرزقِ اللهُ بعضَهم من
بعض)»(٧) وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يَيَغْ حاضرٌ لِيادٍ)) (٨)، وليس فيها تفصيلٌ بين
القليل والكثير من ثُلثٍ ولا غيرِه.
السابعة: قوله تعالى: ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ أي: عن رضَى، إلا أنها جاءت من
المفاعلة؛ إذ التجارة من اثنين.
واختلف العلماء في التراضي، فقالت طائفة: تمامُه وجَزْمُه بافتراق الأبدان بعد
عُقدة البيع، أو بأنْ يقول أحدهما لصاحبه: اختَرْ، فيقول: قد اخترتُ، وذلك بعد
العُقدة أيضاً، فينجزم أيضاً وإن لم يتفرَّقا. قاله جماعةٌ من الصحابة والتابعين، وبه قال
(١) التمهيد ١٠٦/٩.
(٢) قوله: المتعارف، ليس في (ظ).
(٣) المحرر الوجيز ٤١/٢ .
(٤) تقدم ص٢٤٢ من هذا الجزء .
(٥) في (د) و(م): ولو، والمثبت من باقي النسخ، هو الموافق لما في مصادر التخريج كما سيأتي.
(٦) أخرجه أحمد (٢٨١)، والبخاري (٢٦٢٣)، ومسلم (١٦٢٠) من حديث عمر ﴾.
(٧) أخرجه أحمد (١٤٢٩١)، ومسلم (١٥٢٢) من حديث جابر ، وأخرجه أحمد (١٠٦٤٩) من حديث
أبي هريرة ﴾.
(٨) أخرجه أحمد (٨٩٣٧)، والبخاري (٢١٦١)، ومسلم (١٥٢٠) من حديث أبي هريرة ﴾. وهو قطعة من
الحديث السالف في بعض رواياته.
٢٥٣
سورة النساء: الآية ٢٩
الشافعيُّ (١) والثوريُّ والأوزاعيُّ والليث وابن عُيينةَ وإسحاقُ وغيرهم(٢).
قال الأوزاعي: هما بالخِيار ما لم يتفرَّقا، إلا بيوعاً ثلاثة: بيعُ السلطان المغانمَ،
والشركةُ في الميراث، والشركةُ في التجارة، فإذا صافَقَه في هذه الثلاثة، فقد وجب
البيع، وليسا فيه بالخِيار. قال: وحدُّ(٣) التفرقة أنْ يتوارى كلُّ واحد منهما عن
صاحبه، وهو قول أهل الشام. وقال الليث: التفرُّق أنْ يقوم أحدهما (٤).
وكان أحمد بن حنبل يقول: هما بالخِيار أبداً ما لم(٥) يتفرَّقا بأبدانهما، وسواء
قالا: اختر(٦)، أَوْ لم يقولاه، حتى يفترقا بأبدانهما من مكانهما(٧)، وقاله الشافعيُّ
أيضاً. وهو الصحيح في هذا الباب؛ الأحاديث الواردة في ذلك. وهو مَرْويٌّ عن ابن
عمرَ وأبي بَرْزةً(٨) وجماعةٍ من العلماء.
وقال مالك وأبو حنيفةً: تمام البيع هو أنْ يُعقَّدَ البيعُ بالألسنة، فينجزم العقد
بذلك، ويرتفع الخيار(٩). قال محمد بن الحسن: معنى قوله في الحديث: ((البَيِّعان
بالخِيار ما لم يتفرَّقا)) أنَّ البائع إذا قال: قد بعتُك، فله أنْ يرجعَ ما لم يقُل المشتري :
قد قبلتُ. وهو قول أبي حنيفة، ونصُّ مذهب مالكِ أيضاً، حكاه ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد(١٠).
(١) المحرر الوجيز ٤١/٢.
(٢) التمهيد ٢٣/١٤ - ٢٤.
(٣) في (خ) و(ظ): وجه.
(٤) التمهيد ١٤/ ١٥ .
(٥) في (ظ): ما دام لا .
(٦) في (د) و(م): اخترنا.
(٧) التمهيد ٢٤/١٤ . وقوله: من مكانهما، ليس في (ظ).
(٨) سيذكره المصنف عنهما قريباً.
(٩) المحرر الوجيز ٢/ ٤٢ .
(١٠) التمهيد ١٣/١٤ - ١٤.
٢٥٤
سورة النساء: الآية ٢٩
وقيل: ليس له أن يرجع. وقد مضى في ((البقرة))(١).
احتجَّ الأوَّلون بما ثبت من حديث سَمُرةَ بن جُنْدب وأبي بَرْزةً وابن عمر وعبد الله
ابن عمرو بن العاص وأبي هريرةً وحكيم بن حِزام وغيرهم عن النبيِّ {# «البَيِّعانِ
بالخِيار ما لم يتفرَّقا، أو يقولَ أحدُهما لصاحبه: اخْتَرْ)). رواه أيوبُ، عن نافع، عن
ابن عمرَ(٢).
فقولُه عليه الصلاة والسلام في هذه الرواية: ((أو يقول أحدُهما لصاحبه: اختَرْ))
هو معنى الرواية الأخرى: ((إلا بيعَ الخِيار))(٣) وقولِه: ((إلا أن يكون بيعُهما عن
خيار))(٤) ونحوه. أي: يقول أحدهما بعد تمام البيع لصاحبه: اختَرْ إنفاذَ البيع أو
فَسْخَه، فإن اختار إمضاءَ البيع، تمَّ البيع بينهما وإنْ لم يتفرَّقا(٥).
وكان ابن عمر - وهو راوي الحديث - إذا بايعَ أحداً وأَحَبَّ أن يُنفِذ البيع، مشی
قليلاً ثم رجع(٦). وفي الأصول: إنَّ مَنْ روى حديثاً فهو أعلم بتأويله، لاسيما
(١) ٤ / ٣٩٥ .
(٢) أخرج حديث سمرة ﴾ أحمد (٢٠١٨٢)، والنسائي ٧/ ٢٥١، وابن ماجه (٢١٨٣).
وأخرج حديث أبي برزة # أحمد (١٩٨١٣)، وأبو داود (٣٤٥٧)، وابن ماجه (٢١٨٢).
وأخرج حديث ابن عمر رضي الله عنهما أحمد (٥٤١٨)، والبخاري (٢١٠٩)، ومسلم (١٥٣١): (٤٣).
وأخرج حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أحمد (٦٧٢١)، وأبو داود (٣٤٥٦)، والنسائي
٧/ ٢٥١ - ٢٥٢.
وأخرج حديث أبي هريرة # أحمد (٨٠٩٩).
وأخرج حديث حكيم بن حزام ه أحمد (١٥٣٢٤)، والبخاري (٢١١٤)، ومسلم (١٥٣٢). واللفظ
المذكور أعلاه هو لفظ حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وينظر التمهيد ٨/١٤ .
(٣) أخرج هذه الرواية أحمد (٥١٣٠)، والبخاري (٢١١١)، ومسلم (١٥٣١) من طريق عبدالله بن دينار،
عن ابن عمر رضي الله عنهما. ولفظه: ((كل بيِّعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار)).
(٤) أخرج هذه الرواية مسلم (١٥٣١): (٤٥) من طريق ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله
عنهما، وينظر الاستذكار ٢٢٤/٢٠ - ٢٢٥.
(٥) التمهيد ٢٣/١٤.
(٦) التمهيد ١٦/١٤، وأخرج الخبر مسلم عقب الحديث (١٥٣١): (٤٥).
٢٥٥
سورة النساء: الآية ٢٩
الصحابة؛ إذ هم أَعْلَمُ بالمقال، وأقعَدُ بالحال(١).
وروى أبو داود والدارقطنيُّ عن أبي الوَضِيء(٢) قال: كنّا في سفر في عسكر،
فأتى رجلٌ معه فرسٌ، فقال له رجلٌ منا : أتبيعُ هذا الفرسَ بهذا الغلام؟ قال: نعم،
فباعه، ثم بات معنا، فلما أصبح قام إلى فرسه، فقال له صاحبنا(٣): مالَكَ
وللفرس(٤)! أليس قد بِعْتَنِيها؟ فقال: ما لي في هذا البيع من حاجة. قال: مالَكَ
ذلك، لقد بِعْتَني. فقال لهما القوم: هذا أبو بَرْزةً صاحبُ رسول الله ﴾، فأَتَياه، فقال
لهما: أترضيانٍ بقضاء رسول الله ﴾؟ فقالا: نعم. فقال: قال رسول اللـه ﴾: ((البيِّعانِ
بالخِيار ما لم يتفرَّقا)) وإني لا أراكما افترقتما.
فهذانِ صحابيان قد علما مَخرِجَ الحديث، وعمِلا بمقتضاه، بل هذا كان عمَلَ
الصحابة؛ قال سالم: قال ابن عمر: كنا إذا تبايعنا، كان كلُّ واحد منا بالخِيار ما لم
يتفرَّق المتبايعان . قال: فتبایعتُ أنا وعثمانُ، فبعتُه مالي بالوادي بمالٍ له بخیبر،
قال: فلما بعتُه طَفِقْتُ أنكُصُ القَهْقَرى، خشيةَ أن يُرادَّني عثمانُ البيعَ قبل أنْ أفارقه.
أخرجه الدار قطني(٥).
ثم إنَّ أهل اللغة(٦) فرقوا بين فَرَقْتُ؛ مخفَّفاً، وفرَّقت؛ مثقَّلاً، فجعلوه بالتخفيف
في الكلام، وبالتثقيل في الأبدان؛ قال أحمد بن يحيى ثعلب: أخبرني ابن الأعرابيِّ،
عن المفضَّل(٧) قال: يقال: فَرِقَت بين الكلامين - مخفَّفاً - فافترقا، وفرَّقت بين اثنين
(١) ينظر التمهيد ٣١٣/٥، ومختصر اختلاف العلماء ٣١٢/٤.
(٢) سنن أبي داود (٣٤٥٧)، وسنن الدارقطني (٢٨٠٩)، واللفظ له. وأبو الوضيء هو عبَّاد بن نُسَيب
القيسي، وقيل: اسمه عبدالله، والأول أشهر، وهو مشهور بكنيته، وكان على شرطة علي ﴾.
(٣) في النسخ الخطية: صاحبه، والمثبت من (م) وسنن الدار قطني.
(٤) في (د) و(ز) و(م): والفرس، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في سنن الدار قطني.
(٥) في سننه (٢٨١١)، وهو عند البخاري (٢١١٦)، ومسلم (١٥٣١).
(٦) في (٥) و(ز) و(م): ثم قال إن أهل اللغة، والمثبت من (خ) و(ظ).
(٧) هو المفضل بن محمد بن يعلى الضبيُّ الكوفي، إمام مقرئ نحوي إخباري، توفي سنة (١٦٨هـ). طبقات
القراء ٣٠٧/٢ .
٢٥٦
سورة النساء: الآية ٢٩
- مشدّداً - فتفرَّقا. فجعَل الافتراقَ في القول، والتفرُّقَ في الأبدان(١).
احتجَّت المالكية بما تقدَّم بيانه في آية الدَّين، وبقوله تعالى: ﴿أَوَّقُواْ بِلْمُقُودٍ﴾
[المائدة: ١]، وهذان قد تعاقدا، وفي هذا الحديث إيطالُ الوفاء بالعقود(٢).
قالوا: وقد يكون التفرُّق بالقول، كعقد النكاح، ووقوع الطلاق الذي قد سمَّاه
الله فِراقاً؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِن يَتَغَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّا مِنِ سَعَتِّهِ﴾ [النساء: ١٣٠]،
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال عليه الصلاة
والسلام: (تَفترقُ أمَّتي))، ولم يُرِدْ بأبدانها(٣).
وقد روى الدارقطنيُّ وغيره عن عمرو بن شعيب قال: سمعتُ شعيباً يقول:
سمعتُ عبدالله بن عمرو يقول: سمعتُ النبيِّ # يقول: ((أيُّما رجلٍ ابتاع من رجل
بَيْعةً، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما بالخِيار حتى يتفرَّقا من مكانهما، إلا أنْ تكونَ صَفْقً خِیار،
ولا يَحِلُّ لأحدهما أنْ يُفارقَ صاحبه مخافةَ أن يُقِيْلَه))(٤).
قالوا: فهذا يدلُّ على أنه قد تمَّ البيع بينهما قبل الافتراق؛ لأنَّ الإقالة لا تصحّ إلا
فيما قد تمَّ من البيوع.
قالوا: ومعنى قوله: ((المتبايعان بالخيار)) أي: المتساومان بالخيار(٥) ما لم
يعقِدا، فإذا عقَدا، بطل الخيار فيه.
(١) الزاهر في غريب ألفاظ الإمام الشافعي للأزهري ص٢٨٩ - ٢٩٠ .
(٢) التمهيد ١١/١٤، وردّ ابن عبد البر على استدلالهم بهذه الآية وقال: هذا عموم تعترضه ضروب من
التخصيص. وينظر التمهيد ١٥/١٤، والاستذكار ٢٣٤/٢٠ .
(٣) في النسخ: ولم يقل، وفي (خ) و(ظ): بأبدانهما، والمثبت من التمهيد ١٢/١٤، والكلام منه،
وقوله ﴿ ((تفترق أمتي)) هو قطعة من حديث أبي سعيد الخدري ، أخرجه أحمد (١١١٩٦)، والنسائي
في الكبرى (٨٥٠٣). وهو أيضاً قطعة من حديث أبي هريرة # الذي سلف ٢٤١/٥ .
(٤) سنن الدارقطني (٢٩٩٨)، وهو عند أحمد (٦٧٢١)، وأبي داود (٣٤٥٦)، والترمذي (١٢٤٧)،
والنسائي ٤٤٨٠، ووقع عند غير الدار قطني: يستقيله، بدل: يقيله. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
(٥) ينظر التمهيد ١٤/ ١٢.
٢٥٧
سورة النساء: الآية ٢٩
والجواب: أمَّا ما اعتلُّوا(١) به من الافتراق بالكلام، فإنما المراد بذلك الأديانُ
كما بيَّناه في ((آل عمران))(٢)، وإنْ كان صحيحاً في بعض المواضع، فهو في هذا
الموضع غير صحيح. وبيانُه أنْ يقال: خَيِّرونا عن الكلام الذي وقع به الاجتماعُ وتمَّ
به البيع، أهو الكلامُ الذي أُريد به الافتراقُ، أَمْ غيرُه؟ فإنْ قالوا: هو غيرُه، فقد
أحالوا وجاؤوا بما لا يُعقَل؛ لأنه ليس ثَمَّ كلامٌ غيرُ ذلك. وإنْ قالوا: هو ذلك الكلام
بعينه، قيل لهم: كيف يجوز أنْ يكون الكلام الذي به اجتمعا وتمَّ به بيعُهما، به
افترقا؟ هذا عينُ المُحال والفاسدُ من القول(٣)!
وأما قوله: ((ولا يحِلُّ له أن يُفارقَ صاحبه مخَافةَ أنْ يُقِيْلَه)) فمعناه - إن صحَّ - على
الندب، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن أقَال مسلماً أقالَه الله عَثْرتَه))(٤)
وبإجماع المسلمين على أنَّ ذلك يَحِلُّ لفاعله، على خلاف ظاهر الحديث(٥)؛
ولإجماعهم أنه جائزٌ له أن يُفارقه ليُنْفِذ بيعه، ولا يُقِيْله إلا أن يشاء. وفيما أجمعوا
عليه من ذلك ردِّ لرواية مَن رَوى: ((لا يحِلُّ))، فإنْ لم يكن وجهُ هذا الخبر الندبَ،
وإلا فهو باطلٌ بالإجماع(٦).
وأما تأويلُ: ((المتبايعان)) بالمتساومين؛ فعُدولٌ عن ظاهر اللفظ، وإنما معناه:
المتبايعان بعد عقدهما مخيَّرانِ ما داما في مجلسهما، إلا بيعاً يقول أحدهما لصاحبه
فيه: اخْتَرْ، فيختار، فإنَّ الخِيارِ ينقطع بينهما وإنْ لم يتفرَّقا، فإنْ فُرِض [بيعُ] خيارٍ ؛
فالمعنى: إلا بيع الخِيار، فإنه يُبقي الخِيارَ بعد التفرُّق بالأبدان(٧). وتتميمُ هذا الباب
(١) في (ظ): اغترا.
(٢) ٤ / ١٥٩ .
(٣) التمهيد ١٨/١٤.
(٤) في (د) و(ظ): أقال الله عثرته. والحديث أخرجه أحمد (٧٤٣١)، وأبو داود (٣٤٦٠)، وابن ماجه
(٢١٩٩)، وابن حبان (٥٠٣٠) من حديث أبي هريرة ، وزاد ابن ماجه وابن حبان: يوم القيامة.
(٥) التمهيد ١٦/١٤.
(٦) التمهيد ١٨/١٤.
(٧) المحرر الوجيز ٤٢/٢، وما سلف بين حاصرتين منه.
٢٥٨
سورة النساء: الآية ٢٩
في كتب الخلاف.
وفي قول عمرو بن شعيب: سمعتُ أبي يقول(١). دليلٌ على صحة حديثه؛ فإنَّ
الدار قطني قال(٢): حدثنا أبو بكر النيسابوريُّ، حدثنا محمد بن علي الورَّاق، قال:
قلت لأحمد بن حنبل: [عمرو بن] شعيب سمع من أبيه شيئاً؟ قال: يقول: حدثني
أبي. قال: فقلت: فأبوه سمع من عبدالله بن عمرو؟ قال: نعم، أراه قد سمع منه.
قال الدارقطنيُّ: سمعت أبا بكر النيسابوريَّ يقول: هو عمرو بن شعيب بن محمد
ابن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد صحَّ سماع عمرو بن شعيب من أبيه شعیب،
وسماعُ شعیب من جدِّه عبد الله بن عمرو.
الثامنة: روى الدار قطني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﴾: ((التاجرُ الصَّدوقُ
الأمين المسلمُ مع النبيين والصِّدِّيقين والشهداء يومَ القيامة))(٣).
ويكره للتاجر أنْ يحلِفَ لأجل ترويج السلعة وتزيينها، أو يصلّيَ على النبي # في
عَرْض سلعته، وهو أن يقول: صلى الله على محمد، ما أجودَ هذا! ويُستحَبُّ للتاجر
ألَّ تشغلَه تجارتُه عن أداء الفرائض، فإذا جاء وقت الصلاة ينبغي أنْ يتركَ تجارته
حتى يكون من أهل هذه الآية: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تِحَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]
وسيأتي.
التاسعة: وفي هذه الآية مع الأحاديث التي ذكرناها ما يردُّ قولَ مَن ينكر طلبَ
الأقوات بالتجارات والصناعات من المتصوِّفة الجَهَلة؛ لأنَّ الله تعالى حرَّم أكْلَها
(١) تقدم قريباً بلفظ: سمعت شعيباً يقول ...
(٢) في سننه (٢٩٩٩)، وما سیرد بین حاصرتين منه.
(٣) سنن الدار قطني (٢٨١٢)، وأخرجه ابن ماجه (٢١٣٩) دون ذكر النبيين والصديقين. قال الذهبي في
الميزان ٤١٢/٣: هو حديث جيد الإسناد صحيح المعنى، ولا يلزم من المعية أن يكون في درجتهم.
وأخرجه الترمذي (١٢٠٩)، والحاكم ٦/٢ من طريق الحسن، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﴾.
قال الترمذي: حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الحاكم: من مراسيل الحسن.
٢٥٩
سورة النساء: الآيتان ٢٩ - ٣٠
بالباطل، وأحلَّها بالتجارة، وهذا بيِّن(١).
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ فيه مسألة واحدة:
قرأ الحسن: ((تُقَتِّلوا))(٢) على التكثير. وأجمع أهل التأويل على أنَّ المراد بهذه
الآية النهيُ أنْ يقتل بعضُ الناس بعضاً. ثم لفظُها يتناول أنْ يقتل الرجل نفسَه بقصدٍ
منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلبِ المال، بأنْ يحمل نفسَه على الغَرَر المؤدِّي
إلى التَّلَف. ويُحتمل أن يقال: ﴿وَلَا نَقْتُلُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾ في حال ضجرٍ أو غضب، فهذا
كلُّه يتناوله النهيُ. وقد احتجَّ عمرو بن العاص بهذه الآية، حين امتنع من الاغتسال
بالماء البارد - حين أجنَبَ في غَزَاة ذات السَّلاسِل - خوفاً على نفسه منه، فقرَّر النبيُّ
* احتجاجَه، وضحك عنده ولم يقُلْ شيئاً (٣). أخرجه أبو داود وغيرُه، وسيأتي(٤).
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
٣٠
(«ذلك)) إشارةٌ إلى القتل؛ لأنه أقرب مذكور؛ قاله عطاء(٥).
وقيل: هو عائدٌ إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس؛ لأنَّ النهي عنهما جاء متَّسِقاً
مَسْروداً، ثم ورد الوعيدُ حسب النهي.
وقيل: هو عامٌّ على كلِّ ما نَهى عنه من القضايا، من أول السورة إلى قوله تعالى:
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾.
(١) ينظر تفسير الطبري ٦ / ٦٢٩ - ٦٣٠ .
(٢) المحرر الوجيز ٤٢/٢، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٥ لعلي بن أبي طالب ﴾
والسُّلمي، ونسبها الزمخشريّ في الكشاف ٥٢٢/١ لعلي ﴾.
(٣) ينظر أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٤٢/٢، والمحرر الوجيز ٢/ ٤٢ .
(٤) سنن أبي داود (٣٣٤)، وهو عند أحمد (١٧٨١٢)، وعلقه البخاري مختصراً كما في الفتح ١/ ٤٥٤ ،
وينظر تغليق التعليق ١٨٨/٢ - ١٩١. وسيرد ص ٣٦٠ من هذا الجزء.
(٥) أخرجه الطبري ٦٣٨/٦ .
٢٦٠
سورة النساء: الآية ٣٠
وقال الطبريُّ(١): ((ذلك)) عائدٌ على ما نَهى عنه من آخر وعيد، وذلك قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]؛ لأنَّ كلَّ ما نهى
عنه من أول السورة قُرِن به وعيدٌ، إلا من قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾،
فإنه لا وعيدَ بعده إلا قولُه: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا﴾.
والعدوانُ: تجاوزُ الحد . والظلم وضعُ الشيء في غير موضعه(٢)، وقد تقدم(٣).
وقيَّد الوعيدَ بذكر العدوان والظلم؛ ليخرج منه فعلُ السهو والغلط، وذكّر
العدوانَ والظلم مع تقارب معانيهما؛ لاختلاف ألفاظهما، وحَسُن ذلك في الكلام(٤)
كما قال :
وأَلْفَى قولَها كذِباً ومَيْنا (٥)
وحُسن العطف لاختلاف اللفظين؛ يقال: بُعْداً وسُحْقاً، ومنه قول يعقوبَ:
﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَقِّى وَحُزْنِ إِلَى الَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]. فحُسن ذلك لاختلاف اللفظ.
و﴿نُصْلِيهِ﴾ معناه: نُمِسُّه حرَّها. وقد بيّنا معنى الجمع بين هذه الآي وحديث أبي
سعيد الخُدريِّ في العُصاة وأهلِ الكبائر لمَن أنفذ عليه الوعيد، فلا معنَى لإعادة
ذلك (٦).
وقرأ الأعمش والنَّخَعيُّ: (نَصْلِيه))(٧) بفتح النون، على أنه منقولٌ من: صَلِيَ ناراً،
(١) في تفسيره ٦٣٩/٦، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢/٢ - ٤٣، والكلام
الذي قبله منه.
(٢) تفسير البغوي ٤١٨/١ .
(٣) ١/ ٤٧٥ .
(٤) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢/ ٤٤٢ .
(٥) عجز بيت لعدي بن زيد، وهو في ديوانه ص١٨٣: وصدره: وقدَّمَتِ الأَديم لِراهِشَيْه، وقد تقدم
١٠٧/٢.
(٦) سلف ص ٩٢ من هذا الجزء .
(٧) القراءات الشاذة ص ٢٥، والمحتسب ١٨٦/١.