Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة النساء: الآية ٢٤
في بَضَّةٍ رَخْصِ الأطرافِ ناعمةٍ تكونُ مَثْواك حتى مَرْجِعِ النَّاسِ(١)
وسائرُ العلماءِ والفقهاء من الصحابة والتابعين والسَّلَف الصالحين على أنَّ هذه
الآيةَ منسوخةٌ، وأنَّ المتعة حرام(٢).
وقال أبو عمر (٣): أصحابُ ابنِ عباسٍ من أهل مكةَ واليمنِ كلُّهم يرون المتعةً
حلالاً على مذهب ابن عباس، وحرَّمها سائرُ الناس. وقال مَعْمر: قال الزُّهْرِيُّ: ازدادَ
الناسُ لها مَقْتاً حتى قال الشاعر:
قال المحدِّثُ لمَّا طالَ مجلسُه يا صاحِ هل لك في فُتْيَا ابنِ عباسٍ(٤)
كما تقدَّم.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ يعمُّ المالَ وغيرَه، فيجوز أن يكون
الصَّداق منافعَ أعيانٍ. وقد اختلف في هذا العلماءُ، فمنعه مالكٌ والمُزَنِيُّ واللَّيتُ
وأحمدُ وأبو حنيفةَ وأصحابُه، إلا أنَّ أبا حنيفةَ قال: إذا تزوَّجَ على ذلك؛ فالنِّكاحُ
جائزٌ، وهو في حكم مَن لم يُسَمِّ لها، ولها مهرُ مِثْلِها إن دَخل بها، وإنْ لم يدخل
بها(٥) فلها المتعةُّ.
وكرهه ابنُ القاسم في كتاب محمد، وأجازه أَصْبَغ. قال ابن شاس(٦): فإنْ وقع،
مضَى في قول أكثر الأصحاب. وهي رواية أَصْبَغ عن ابن القاسم.
(١) هذان البيتان وردا في أثر أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (١٧١٢)، والخطابي في معالم السنن ١٩١/٣ ،
والطبراني في المعجم الكبير (١٠٦٠١) عن سعيد بن جبير أنه ذكرهما لابن عباس فقال: إنا لله وإنا إليه
راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة والدم
ولحم الخنزير.
(٢) الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ص ٨٢ .
(٣) الاستذكار ٢٩٥/٦ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٤٠٣٩)، وذكره ابن عبد البر في الاستذكار ٢٩٦/١٦.
(٥) يعني إن طلقها قبل أن يدخل بها، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي ٣/ ١٧.
(٦) عقد الجواهر الثمينة ١٠٠/٢، وما قبله منه. محمد المذكور: هو ابنُ المؤَّاز، وكتابه: المؤَّازيّة، ولما
يظهر .

٢٢٢
سورة النساء: الآية ٢٤
وقال الشافعيُّ: النِّكاحُ ثابتٌ، وعليه أنْ يُعَلِّمَها ما شَرَطَ لها(١). فإنْ طلَّقها قبل
الدخولِ؛ ففيها للشافعيّ قولان: أحدُهما أنَّ لها نصفَ أجرٍ تعليم تلك السورة،
والآخرُ أنَّ لها نصفَ مهرٍ مِثْلِها(٢). وقال إسحاقُ: النكاحُ جائزٌ.
قال أبو الحسن اللَّخْميُّ: والقولُ بجواز جميع ذلك أحسن. والإجارةُ والحجُّ
كغيرِهما من الأموال التي تُتَمَّلَّك وتُباع وتُشترى. وإنَّما كره ذلك مالكٌ لأنَّه يستحبُّ أنْ
يكون الصَّداقُ مُعجَّلاً، والإجارةُ والحجُّ في معنى المؤجّل(٣).
احتجَّ أهل القول الأول بأنَّ الله تعالى قال: ﴿ بِأَمْوَلِكُمْ﴾. وتحقيقُ المال ما تتعلَّقُ
به الأطماع، ويُعَدُّ للانتفاع، ومنفعةُ الرَّقَبة في الإجارةِ، ومنفعةُ التّعليم للعلم، كلُّه
لیس بمال.
قال الطَّحَاويُّ(٤): والأصلُ المجتَمَعُ عليه أنَّ رجلاً لو استأجر رجلاً على أن
يعلّمه سورةً من القرآن - سمَّاها - بدرهم، لم يَجز؛ لأنَّ الإجاراتِ لا تجوزُ إلَّا
الأحد(٥) معنيين، إمَّا على عملٍ بعينه، كخياطة ثوبٍ وما أَشْبَهه، وإمَّا على وقتٍ
معلوم، وكان إذا استأجرَه على تعليم سورة؛ فتلك إجارةٌ لا على وقت معلومٍ ولا
على عمل معلوم، وإنَّما استأجرَه على أنْ يُعَلِّم، وقد يَفْهَمُ بقليل التَّعليم وكثيرهٍ، في
قليل الأوقات وكثيرها. وكذلك لو باعه دارَه على أنْ يعلِّمَه سورةً من القرآن؛ لم يَجُز؛
للمعاني التي ذكرناها في الإجارات. وإذا كان التَّعليمُ لا تُملَّك به المنافعُ ولا أعيانُ
الأموال، ثَبت بالنظر أنَّه لا تُمَلَّكُ به الأبضاحُ. والله الموفق.
احتجَّ مَن أجاز ذلك بحديث سهل بن سعد في حديث الموهوبة، وفيه: فقال:
(١) أي: من القرآن، وهو مثال على كون الصداق منافع، كما ذكر المصنف أول هذه المسألة. والكلام في
الإشراف ٤/ ٥٧ وقد ترجم له ابن المنذر: باب ذكر النكاح على تعليم القرآن.
(٢) في (خ) و(ظ): مهرها.
(٣) عقد الجواهر الثمينة ١٠١/٢ -١٠٢.
(٤) شرح معاني الآثار ١٩/٣ .
(٥) في (ظ): بأحد.

٢٢٣
سورة النساء: الآية ٢٤
((اذهبْ فقد ملَّكْتُكَها بما معك من القرآن)»(١). في رواية: قال: «انْطَلِقْ فقد زوَّجتُكها،
فعلِّمْها من القرآن))(٢). قالوا: ففي هذا دليلٌ على انعقاد النكاح وتأخّر المهر الذي هو
التعليم، وهذا على الظاهر من قوله: ((بما معك من القرآن)» فإنَّ الباء للعِوَض؛ كما
تقول: خذ هذا بهذا، أي: عوضاً منه.
وقولُه في الرواية الأخرى: ((فعلِّمْها)) نصِّ في الأمر بالتعليم، والمَسَاقُ يَشْهَدُ بأنَّ
ذلك لأجْلِ النكاح، ولا يُلتفت لقول مَن قال: إنَّ ذلك كان إكراماً للرجل بما حَفظه
من القرآن، أي: لِمَا حفظه، فتكونَ الباء بمعنى اللَّام؛ فإنَّ الحديث الثاني يصرِّحُ
بخلافه في قوله: ((فعلِّمْها من القرآن)»(٣).
ولا حجةً فيما رُوي عن أبي طلحةَ، أنَّه خطب أمَّ سُليم، فقالت: إن أَسْلَمَ
تزوَّجتُه، فأسلمَ فتزوَّجها. فلا يُعلمُ مهرٌ كان أكرمَ من مهرها، كان مهرها الإسلام(٤).
فإنَّ ذلك خاصٌّ به. وأيضاً؛ فإنه لا يَصِلُ إليها منه شيءٌ، بخلاف التَّعليم وغيره من
المنافع.
وقد زوَّجَ شعيبٌ عليه السلام ابنته من موسى عليه السَّلام على أنْ يَرْعَى له غنماً
في صَدَاقها، على ما يأتي بيانُه في سورة القصص(٥).
وقد رُويَ من حديث ابن عباس(٦) أن رسولَ اللهِ ﴾ قال لرجل من أصحابه: ((يا
فلانُ، هل تزوّجتَ؟)) قال: لا، وليس معي ما أتزوَّجُ به. قال: «أليس معكَ ﴿قُلْ هُوَ
(١) أخرجه أحمد (٢٢٨٥٠)، والبخاري (٥٠٣٠)، ومسلم (١٤٢٥): (٧٦).
(٢) صحيح مسلم (١٤٢٥): (٧٧).
(٣) المفهم ١٣١/٤ . وذكر فيه أبو العباس أن الباء بمعنى اللام ليس بصحيح لغة ولا مساقاً.
(٤) أخرجه النسائي في المجتبى ١١٤/٦ من حديث أنس ، وقوله: فلا يعلم مهر ... هو قول ثابت
البُناني، راوي الحديث عن أنس عه.
(٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنّ ◌ُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَنَّ هَتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَِّ ثَمَِىَ حِجَجْ﴾ [الآية: ٢٧].
(٦) كذا في النسخ، وهو خطأ، وقد أخرجه أحمد (١٣٣٠٩)، والترمذي (٢٨٩٥)، وابن حبان في
المجروحين ٣٣٦/١، وابن عدي في الكامل ٣/ ١١٨٠ من حديث أنس ﴾.

٢٢٤
سورة النساء: الآية ٢٤
اللَّهُ أَحَدُّ﴾؟)) قال: بلى! قال: ((ثُلُثُ القرآن، أليس معك آيةُ الكرسيّ))؟ قال: بلى!
قال: ((ربعُ القرآن، أليس مَعَك ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ﴾؟)) قال: بلى! قال:
(رُبُعُ القرآن، أليس معك ﴿إِذَا زُْزِلَتِ﴾؟)) قال: بلى! قال: ((ربع القرآن. تزوَّجْ
تزوَّجْ))(١).
قلت: وقد أخرج الدَّارَقُطْنِيُّ(٢) حديثَ سهلٍ من حديث ابن مسعود، وفيه زيادةٌ
تُبيِّن ما احتجَّ به مالك وغيرُه، وفيه: فقال رسولُ اللـه﴾: ((مَن يَنْكِحُ هذه؟)) فقام
ذلك الرجل، فقال: أنا يا رسول الله. فقال: ((ألكَ مالٌ؟)) قال: لا يا رسول الله.
قال: ((فهل تقرأُ من القرآنِ شيئاً؟» قال: نعم، سورةَ البقرة، وسورة المُفَصَّل. فقال
رسول الله ﴾: ((قد أَنكحْتُكَها على أنْ تُقْرِئها، وتعلِّمَها، وإذا رزقك اللهُ عوَّضْتَها)).
فتزوَّجها الرجلُ على ذلك. وهذا نصٍّ - لو صحَّ - في أنَّ الثَّعليمَ لا يكونُ صَداقاً. قال
الدَّارَقُطْنِيُّ: تفرَّد به عتبةُ بن السَّكَن، وهو متروكُ الحديث.
و﴿فَرِيضَةٌ﴾ نصب على المصدر في موضع الحالِ، أي: مفروضة.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَضَيْتُم بِهِ، مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾
أي: من زيادةٍ ونقصانٍ في المهر؛ فإنَّ ذلك سائغٌ عند التَّراضي بعد استقرار الفريضة.
والمرادُ إبراءُ المرأة عن المهر، أو تَوْفِيةُ الرجل كلَّ المهر إنْ طلَّق قبل الدخول.
وقال القائلون بأنَّ الآية في المتعة: هذا إشارةٌ إلى ما تَراضَيا عليه من زيادةٍ في
مدَّة المُتعة في أوَّل الإسلام؛ فإنَّه كانَ يتزوَّجُ الرجلُ المرأةَ شهراً على دينارٍ مثلاً، فإذا
انقضَى الشهر؛ فربَّما كان يقول: زِيديني في الأجل، أزِدْكٍ في المهر. فبيَّن أنَّ ذلك
كان جائزاً عند التَّراضي(٣).
(١) في إسناده سلمة بن وردان، وهو ضعيف. قال الذهبي في الميزان ٢/ ١٩٣: قال أبو حاتم: ليس
بقوي، عامة ما يرويه عن أنس منكر. وقال أبو داود: ضعيف. وقال يحيى: ليس بشيء. وقال أحمد:
منكر الحديث. وقال الحاكم: رواياته عن أنس أكثرها مناكير. قال الذهبي: وصدق الحاكم.
(٢) في سننه (٣٦١٣).
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٣٧/٢.

٢٢٥
سورة النساء: الآية ٢٥
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن
مَّا مَلَكَتْ أَيْمَشْكُم مِّن فَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُم مِّنُ بَعْضَِّ
فَأَنْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَ أُجُورَهُنَّ بِلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا
مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ
مِنَ الْعَذَابْ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ أَلْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ ﴾﴾
فيه إحدى وعشرون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية. نبّه تعالى على تخفيفٍ
في النكاح(١)، وهو نكاحُ الأَمَة لمن لم يجد الطَّوْل.
واختلف العلماء في معنى الطَّوْلِ على ثلاثة أقوال:
الأول: السَّعة والغِنَى؛ قاله ابن عباس، ومجاهدٌ وسعيد بن جُبير، والسُّدِّيُّ وابن
زيد، ومالكٌ في المدوَّنة (٢).
يقال: طال يطول طَوْلاً، في الإفضال والقدرة. وفلان ذو طَوْل، أي: ذو قدرة
في ماله، بفتح الطاء. وطُولاً - بضم الطاء - في ضدِّ القِصَر.
والمراد ههنا: القدرةُ على المهر في قول أكثرِ أهلِ العلم، وبه يقول الشافعيُّ
وأحمد، وإسحاق وأبو ثَوْر. قال أحمد بن المُعَدِّل(٣): قال عبد الملك: الطَّوْل كلُّ ما
يُقْدَر به على النكاح من نقدٍ أو عَرَضٍ، أو دَين على مَلِيءٍ(٤). قال: وكلُّ ما يمكن بيعه
(١) في (خ) و(ظ): المناكح.
(٢) المحرر الوجيز ٣٧/٢، وقول مالك في المدونة ٢٠٥/٢، وأخرج باقي الأقوال الطبري ٦/ ٥٩٢-٥٩٣ .
(٣) أبو العباس العبدي البصري الأصولي المالكي، شيخ إسماعيل القاضي، تفقه بعبد الملك بن
الماجشون، ومحمد بن مسلمة. السير ١١/ ٥١٩ .
(٤) في الاستذكار ٢٣٢/١٦ (والكلام منه): أو دين على ما قال، وهو خطأ. وينظر المنتقى ٣٢٣/٣. عبد
الملك: هو ابن الماجشون.

٢٢٦
سورة النساء: الآية ٢٥
وإجارتُه فهو طَوْل. قال: وليست الزوجة ولا الزوجتان ولا الثلاثةُ طَوْلاً. قال: وقد
سمعتُ ذلك من مالكٍ ﴾. قال عبد الملك: لأن الزوجة لا يَنكح بها، ولا يَصِلُ بها
إلى غيرها؛ إذ ليست بمال.
وقد سُئل مالك عن رجلٍ يتزوَّج أَمَةً وهو ممن يجد الظَّوْلَ؟ فقال: أرى أن يفرَّق
بينهما. قيل له: إنه يَخاف العنَتَ. قال: السَّوْط يُضرب به. ثم خفَّفه بعد ذلك(١).
القول الثاني: الطَّوْلُ: الحُرَّةُ. وقد اختلف قول مالك في الحرَّة: هل هي طَوْلٌ أم
لا؟ فقال في ((المدوَّنة))(٢): ليست الحرَّة بطَوْلٍ يَمنع من نكاح الأمة، إذا لم يجد سَعةً
الأخرى وخاف العَنَت. وقال في كتاب محمد ما يقتضي أن الحُرَّة بمثابة الطَّوْل(٣)؛
قال اللَّخْمِيُّ: وهو ظاهر القرآن. ورُوي نحوُ هذا عن ابن حبيب، وقاله أبو حنيفة.
فيقتضي هذا أنَّ مَن عنده حُرةٌ؛ فلا يجوز له نكاحُ أَمَة، وإن عَدِمَ السَّعَة وخاف العَنَت
؛ لأنه طالبُ شهوةٍ وعنده امرأة، وقال به الطَّبَريُّ واحتجَّ له (٤).
قال أبو يوسف(٥): الطول هو وجود الحرة تحته، فإذا كانت تحته حرة فهو ذو
طَوْلٍ، فلا يجوز له نكاحُ الأمَّة.
القول الثالث: الطَّوْل: الجَلَدُ، والصَّبر لمن أَحَبَّ أَمَةً وهَوِيَها حتى صار لذلك لا
يستطيع أن يتزوَّج غيرها، فإن له أن يتزوَّجِ الأَمَة إذا لم يملك هواها، وخاف أن يَبْغِيَ
بها، وإن كان يجد سَعَةً في المال النكاح حُرة؛ هذا قول قَتادةَ والنَّخَعيِّ وعطاءٍ وسفيان
الثَّوري. فيكون قوله تعالى: ﴿لِمَنْ خَشِىَ أَلْعَنَتَ﴾ على هذا التأويلِ [بياناً] في صفة
(١) الاستذكار ٢٢٩/١٦، وينظر مختصر اختلاف العلماء ٣٠٥/٢، والمنتقى ٣٢٣/٣.
(٢) ٢٠٥/٢.
(٣) ينظر النوادر والزيادات ٥١٩/٤ . محمد: هو ابن المؤَّاز.
(٤) المحرر الوجيز ٣٧/٢، وقول الطبري في التفسير ٥٩٤/٦-٥٩٥ . اللخمي: هو أبو الحسن علي بن
محمد، وابن حبيب: هو عبد الملك.
(٥) قوله في أحكام القرآن لابن العربي ٣٩٣/١.

٢٢٧
سورة النساء: الآية ٢٥
عدم الجَلَد(١).
وعلى التأويل الأول يكون تزويج الأَمَة معلَّقاً بشرطين: عَدمِ السَّعَة في المال،
وخَوفِ العَنت؛ فلا يصحُّ إلَّا باجتماعهما. وهذا هو نصُّ مذهبٍ مالكِ في ((المدونة))
من رواية ابن نافعٍ وابن القاسم وابن وهب وابن زياد (٢). قال مُطَرِّفٌ وابن الماجِشُون:
لا يَحِلُّ للرجل أن ينكح أَمَة، ولا يُقَرُّ إن وقع إلا أن يجتمع الشرطان(٣) كما قال الله
تعالى. وقاله أَصْبَغ. ورُوي هذا القول عن جابر بن عبد الله وابن عباس وعطاء
وطاوسٍ والزُّهْرِيِّ ومكحول، وبه قال الشافعيُّ وأبو ثَوْر، وأحمدُ وإسحاق، واختاره
ابن المنذر وغيره(٤).
فإن وَجد المهرَ وعَدِمَ النفقة؛ فقال مالك في كتاب محمد: لا يجوز له أن يتزوَّج
أَمَة. وقال أَصْبَغ: ذلك جائز؛ إذ نفقةُ الأَمَة على أهلها إذا لم يضمّها إليه(٥).
وفي الآية قول رابع: قال مجاهد: مما وسَّع الله على هذه الأمَّةِ نكاحُ الأَمَة
والنصرانية، وإن كان مُوسِراً (٦).
وقال بذلك أبو حنيفةً أيضاً، ولم يشترط خوفَ العنت، إذا لم تكن تحته حُرَّةً (٧).
قالوا: لأن كلَّ مال يمكن أن يتزوَّج به الأَمَةَ يمكن أن يتزوَّج به الحرة. فالآيةُ على
هذا أصلٌ في جواز نكاح الأَمَة مطلقاً. قال عبد الرزاق(٨): وبه يأخذ سفيان، وذلك
(١) المحرر الوجيز ٣٧/٢ وما بين حاصرتين منه، وينظر الإشراف ١١٩/٤، وأخرجه الطبري ٦ /٥٩٣-٥٩٤
عن جابر بن عبدالله وربيعة وابن زيد والشعبي والنخعي وعطاء.
(٢) المدونة ٢٠٥/٢، والكلام في المحرر الوجيز ٣٧/٢ .
(٣) في النسخ: ولا يقران إلا أن يجتمع الشرطان، والمثبت من المحرر الوجيز.
(٤) الإشراف ١١٩/٤، وينظر تخريج الآثار المذكورة في مصنف عبد الرزاق ٢٦٣/٧ -٢٦٤.
(٥) المحرر الوجيز ٣٧/٢، وقول مالك في النوادر والزيادات ٤ /٥١٩ .
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٣٠٨٧). عن سفيان الثوري، عن ليث، عن مجاهد، به.
(٧) الاستذكار ٢٣٥/١٦ .
(٨) في النسخ: قال مجاهد، وهو سبق قلم من المصنف رحمه الله، والصواب ما أثبتناه، فمجاهد شيخٌ =

٢٢٨
سورة النساء: الآية ٢٥
أني سألتُه عن نكاح الأمة، فحدَّثني عن ابن أبي ليلى، عن المنِهْال، عن عبَّاد بن
عبدالله، عن عليٍّ ﴾ قال: إذا نُكحت الحُرة على الأَمَة؛ كان للحرة يومان، وللأَمَة
يوم. قال: ولم يَرَ عليٍّ به بأساً (١).
وحجَّة هذا القول عمومُ قولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنْتَ
مِنْكُمْ﴾ كقوله(٢) عزَّ وجلَّ: ﴿فَنكِحُوْ مَا طَابَ لَّكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَ وَثُلَثَ وَرَُّعٌّ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ
نَعْدِلُواْ فَوَِدَةٌ﴾. وقد اتفق الجميع على أن للحُرِّ أن يتزوَّج أربعاً وإن خاف أَلَّا يَعدل؛
قالوا: فكذلك له تزوُّجُ الأَمَة وإن كان واجداً للطّوْل غيرَ خائفٍ للعَنَت.
وقد رُوي عن مالكِ في الذي يجد طَوْلاً لحرةٍ، أنه يتزوَّج أَمَةً مع قدرته على طَوْل
الحُرة؛ وذلك ضعيفٌ من قوله(٣). وقد قال مرَّةً أخرى: ما هو بالحرام البَيِّن،
وأُجوّزهُ.
والصحيحُ أنه لا يجوز للحرِّ المسلم أن يَنكِحَ أَمَةً غيرَ مسلمةٍ بحال(٤)، ولا له أن
يتزوَّجَ الأَمَة(٥) المسلمة إلَّا بالشرطين المنصوصِ عليهما كما بيَّنا. والعَنَتُ الزِّنى، فإن
عَدِمَ الطَّوْلَ ولم يَخْشَ العَنَتَ؛ لم يجُز له نكاحُ الأمة، وكذلك إن وَجد الطّوْلَ وخشي
العنت.
فإن قَدَر على طَوْل حرَّةٍ كتابيّة، وهي المسألة:
= شيخ عبد الرزاق، وقد قال عبد الرزاق هذا الكلام إثر إخراجه قول مجاهد - السالف ذكره - عن
سفيان الثوري، عن ليث، عنه. وينظر الاستذكار ٢٣٥/١٦ .
(١) كذا نقل المصنف عن ابن عبد البر في الاستذكار ٢٣٥/١٦، والذي في مصنف عبد الرزاق: قال
(يعني سفيان الثوري): لم أرَ به بأساً.
(٢) في (ظ) و(م): لقوله، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في الاستذكار ٢٣٧/٦ والكلام منه.
(٣) هذه رواية ابن القاسم عن مالك في العتبية، ينظر النوادر والزيادات ٥٢١/٤، والبيان والتحصيل
٣٩٠/٤.
(٤) ينظر المحرر الوجيز ٣٨/٢، وسيأتي تفصيل هذه المسألة في المسألة الثامنة.
(٥) في (م): بالأمة.

٢٢٩
سورة النساء: الآية ٢٥
الثانية: فهل يتزوَّج الأَمَةَ؟ اختلف علماؤنا في ذلك، فقيل: يتزوج الأَمَة؛ فإنَّ
الأَمَة المسلمة لا تلحق بالكافرة، فأَمَةٌ مؤمنةٌ خيرٌ من حُرَّة مشركة . واختاره ابن
العربيّ(١).
وقيل: يتزوَّج الكتابية؛ لأن الأَمَة وإن كانت تَفْضُلها بالإيمان؛ فالكافرةُ تفضلها
بالحرية، وهي زوجة. وأيضاً؛ فإن ولدها يكون حرّاً لا يُستَرقُّ، وولد الأمة يكون
رقيقاً؛ وهذا هو الذي يتمشى على أصل المذهب.
الثالثة: واختلف العلماء في الرجل يتزوَّج الحُرَّة على الأَمَة ولم تَعلمْ بها(٢)،
فقالت طائفة: النكاح ثابتٌ . كذلك قال سعيد بن المُسَيب وعطاء بنُ أبي رَباح،
والشافعيُّ وأبو ثَوْرٍ وأصحابُ الرأي، ورُوي عن عليٍّ.
وقيل: للحرَّة الخِيارُ إذا عَلمت(٣). ثم في أيِّ شيءٍ يكون لها الخِيارُ؟ فقال
الزُّهْرِيُّ وسعيد بن المُسَيِّب ومالك وأحمدُ وإسحاق: في أن تُقِيمَ معه أو تفارقَه. وقال
عبد الملك: في أن تُقِرَّ نكاحَ الأَمَةِ أو تفسخَه(٤).
وقال النَّخَعيُّ: إذا تزوج الحرَّةَ على الأَمَة؛ فارقَ الأَمَة، إلا أن يكون له منها
ولدٌ، فإن كان؛ لم يُفرَّقْ بينهما.
وقال مسروق: يُفسخ نكاحُ الأمة؛ لأنه أمرٌ أبيح للضرورة؛ كالميتة، فإذا
ارتفعت(٥) الضرورةُ ارتفعت الإباحة(٦).
الرابعة: فإن كانت تحته أَمَتانٍ؛ عَلِمت الحرَّةُ بواحدة منهما، ولم تَعلمْ
(١) أحكام القرآن ٣٩٣/١ .
(٢) في النسخ الخطية: ولم تعلم الأمة بها، والمثبت من (م).
(٣) الإشراف ١٢٠/٤، وأثر علي تقدم في المسألة الأولى.
(٤) ينظر المعونة ٧٩٨/٢.
(٥) في (د): انتفت.
(٦) الإشراف ١١٩/٤ و١٢٠، والاستذكار ٢٣١/١٦ . وأخرج الخبرين عن إبراهيم ومسروق ابن أبي شيبة
١٤٩/٤ .

٢٣٠
سورة النساء: الآية ٢٥
بالأخرى، فإنه يكون لها الخيار(١). ألا ترى لو أنَّ حُرَّة تزوَّج عليها أَمةً فرضيت، ثم
تزوَّج عليها أمةً فرضيت(٢)، ثم تزوج عليها أخرى فأنكرت، كان ذلك لها، فكذلك
هذه إذا لم تعلم بالأَمَتينِ وعَلمتْ بواحدة.
قال ابن القاسم: قال مالك: وإنما جعلنا الخِيارَ للحرَّة في هذه المسائل لِمَا
قالت العلماء قبلي . يريد سعيدَ بنَ المُسَيِّب وابنَ شهابٍ وغيرَهما. قال مالك: ولولا
ما قالوه لرأيتُه حلالاً؛ لأنه في كتاب الله حلال(٣).
فإن لم تَكْفِه الحرةُ، واحتاج إلى أخرى، ولم يقدر على صَدَاقها، جاز له أن
يتزوَّج الأَمَة، حتى ينتهيَ إلى أربعٍ بالتزويج بظاهر القرآن؛ رواه ابن وهب عن مالك.
وروى ابن القاسم عنه: يُرَدُّ نكاحُه. قال ابن العربيّ(٤): والأولُ أصحُ في الدليل،
وكذلك هو في القرآن؛ فإن من رضيَ بالسبب المحقّق، رضي بالمسبَّب المرتَّب عليه،
وألَّ (٥) يكون لها خِيار؛ لأنها قد علِمت أن له نكاحَ الأربع؛ وعلِمت أنه إن لم يَقْدر
على نكاح حُرة تَزوَّج أَمَة، وما شَرَطَ الله سبحانه عليها كما شرطت على نفسها، ولا
يُعتبر في شروط الله سبحانه وتعالى عِلمُها. وهذا غايةُ التحقيق في الباب والإنصافِ
فيه.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿اَلْمُحْصَنَتِ﴾ يريد الحرائرَ؛ يدلُّ عليه التقسيمُ بينهن وبين
الإماء في قوله: ﴿مِّن فَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾. وقالت فِرقة: معناه العفائفُ. وهو ضعيف؛
لأن الإماء يقعْنَ تحته(٦). فأجازوا نكاح إماءِ أهلِ الكتاب، وحرَّموا البغايا من
(١) النوادر والزيادات ٤/ ٥٢١ .
(٢) قوله: ثم تزوج عليها أمة فرضيت، ليس في (د) و(ظ).
(٣) النوادر والزيادات ٥١٩/٤، وذكر بعده قول ابن المواز: أراه يعني قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوْ اَلْأَيَعَى مِنْكُمْ
وَاُلْضَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمُ وَإِمَّبِكُمْ﴾ وأخرج خبري الزهري وابن المسيب عبدُ الرزاق ٢٦٦/٧ - ٢٦٧ .
(٤) أحكام القرآن ٣٩٤/١ .
(٥) في (د) و(خ): ألا.
(٦) المحرر الوجيز ٣٧/٢ .

٢٣١
سورة النساء: الآية ٢٥
المؤمنات والكتابيَّات. وهو قول ابنِ مَيْسرةَ والسُّدِّي.
وقد اختلف العلماء فيما يجوز للحُرِّ الذي لا يجد الطَّوْل، ويخشى العَنَتَ من
نكاح الإماء؛ فقال مالك وأبو حنيفةً، وابن شهاب الزُّهْرِيُّ، والحارث العُكْلِيُّ(١): له
أن يتزوجَ أربعاً. وقال حمادُ بن أبي سليمانَ: ليس له أن يَنكحَ من الإماء أكثرَ من
اثنتين. وقال الشافعيُّ وأبو ثَوْر، وأحمدُ وإسحاق: ليس له أن ينكح من الإماء إلَّا
واحدةً. وهو قول ابنِ عباس ومسروقٍ وجماعة، واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ
خَيْشِىَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾. وهذا المعنى يزولُ بنكاح واحدة(٢).
السادسة: قوله تعالى: ﴿فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ﴾ أي: فلْيَتَزوَّجْ بِأَمَة الغيرِ. ولا
خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له أن يتزوَّج أَمَةَ نفسه؛ لتَعارُض الحقوق
واختلافها(٣).
السابعة: قوله تعالى: ﴿مِّن فَيَتِكُمُ﴾ أي: المملوكات، وهي جمع فتاة.
والعرب تقول للمملوك: فَتىّ، وللمملوكة: فتاة (٤). وفي الحديث الصحيح: ((لا
يقولَنَّ أحدكم: عَبْدِي وأَمَتي، ولكنْ ليقُلْ: فَتَايَ وفتاتي))(٥) وسيأتي(٦).
ولفظُ الفتى والفتاةِ يُطلق أيضاً في(٧) الأحرار في ابتداء الشباب، فأما في
المماليك؛ فيُطلق في الشباب وفي الكبر.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿اَلْمُؤْمِنَتِ﴾ بَيَّن بهذا أنه لا يجوز التزوُّجُ بِالأَمَة الكتابية،
(١) هو الحارث بن يزيد العكلي التيمي، كان فقيهاً من أصحاب إبراهيم من عِلْيتهم، وكان ثقة في
الحديث، قديمَ الموت. تهذيب التهذيب ٣٤٠/١ .
(٢) الاستذكار ٢٣٨/١٦ - ٢٣٩، وأثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٤٧ .
(٣) ينظر المعونة ٨٠١/٢ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٦٣/٢ .
(٥) أخرجه أحمد (١٠٣٦٨)، والبخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٦) ص ٣١٥ من هذا الجزء .
(٧) في (م): على.

٢٣٢
سورة النساء: الآية ٢٥
فهذه الصفة مشتَرطَةٌ عند مالكٍ وأصحابه، والشافعيِّ وأصحابه، والثوريِّ والأوْزاعِيِّ
والحسن البَصْريِّ، والزُّهْريِّ ومَكْحولٍ ومجاهد. وقالت طائفةٌ من أهل العلمِ منهم
أصحابُ الرأي: نكاحُ الأَمَة الكتابية جائز(١).
قال أبو عمر(٢): ولا أَعلمُ لهم سَلَفاً في قولهم، إلَّا أبا مَيْسرةَ عمرو بنَ
شُرَحْبيل (٣) فإنه قال: إماءُ أهلِ الكتاب بمنزلة الحرائر منهنّ.
قالوا: وقولُه: ((المؤمناتِ)) على جهة الوصفِ الفاضل، وليس بشرطِ ألَّ يجوز
غيرُها، وهذا بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَجِدَةٌ﴾ [النساء: ٣]. فإن خاف ألَّا
يعدِلَ؛ فتزوَّج أكثرَ من واحدة؛ جاز، ولكن الأفضل ألَّا يتزوَّج، فكذلك هنا الأفضلُ
ألَّ يتزوَّجَ [الأَمَة] إلَّ مؤمنةٌ، ولو تزوَّج غيرَ المؤمنة جاز(٤).
واحتجُّوا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لمَّا لم يَمنع قولُه: ((المؤمناتِ)) في
الحرائر من نكاح الكتابيَّتِ [الحرائر]، فكذلك لا يمنعُ قولُه: ((المؤمناتِ)) في الإماء
من نكاح إماءِ الكتابيات.
وقال أَشهبُ في ((المدوَّنة)): جائزٌ للعبد المسلم أن يتزوَّجَ أَمَةً كتابية. فالمنع عنده
أن يَفْضُل الزوج في الحرِّية والدِّينِ معاً(٥).
ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز لمسلم نكاحُ مجوسيَّةٍ ولا وَثَنَّة، وإذا كان
حراماً بإجماعِ نكاحُهما؛ فكذلك وَظْؤُهما بِمِلْك اليمينِ قياساً ونظراً. وقد رُوي عن
طاوسٍ ومجاهدِ وعطاءٍ وعمرو بنِ دينار أنهم قالوا: لا بأس بوَظْءٍ (٦) الأَمَة المجوسيّة
(١) الإشراف ١٢١/٤، والاستذكار ٢٦٤/١٦.
(٢) في الاستذكار ٢٦٤/١٦.
(٣) الهمداني الكوفي، حدث عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم، وكان من العبَّاد الأولياء، توفي في
ولاية عبيدالله بن زياد. السير ١٣٥/٤. والأثر أخرجه الطبري ٦/ ٦٠٠ .
(٤) تفسير أبي الليث ٣٤٦/١ ، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٥) المحرر الوجيز ٣٨/٢، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٦) في (خ) و(د) و(ز) و(م): بنكاح، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في الاستذكار ٢٦٨/١٦،
والكلام منه.

٢٣٣
سورة النساء: الآية ٢٥
بملك اليمين. وهو قول شاذٍّ مهجور؛ لم يلتفت إليه أحدٌ من الفقهاء بالأمصار،
وقالوا: لا يحِلُّ له(١) أن يطأَها حتى تُسْلِمَ. وقد تقدَّمَ القولُ في هذه المسألةِ في
((البقرة))(٢) مستوفىّ. والحمد لله.
التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ﴾ المعنى: أن الله عليم ببواطن
الأمور، ولكم ظواهرُها، وكلَّكم بنو آدم، وأكرمُكم عند الله أتقاكم، فلا تستنكفُوا
من التزوُّج بالإماء عند الضرورة، وإن كانت حديثةَ عهدٍ بِسِباء، أو كانت خرساءَ وما
أشبهَ ذلك. ففي اللفظ تنبيهٌ على أنه ربَّما كان إيمانُ أَمَةٍ أفضلَ من إيمان بعضٍ من (٣)
الحرائر.
العاشرة: قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِّنْ بَعْضٍٍ﴾ ابتداءٌ وخبر، كقولك: زيدٌ في الدار.
والمعنى: أنتم بنو آدم. وقيل: أنتم مؤمنون. وقيل: في الكلام تقديمٌ وتأخير؛
المعنى: ومَن لم يستطع منكم طَوْلاً أن ينكح المحصناتِ المؤمناتِ؛ فلينكِخْ بعضُكم
من بعض: هذا فتاةَ هذا، وهذا فتاةَ هذا. فـ ((بعضُكم)) على هذا التقدير مرفوعٌ بفعله
وهو: فلينكح(٤).
والمقصودُ بهذا الكلام تَوْطِئُ نفوس العرب التي كانت تَستهجِنُ ولدَ الأَمَة،
وتُعيِّرِه، وتُسمِّيه الهَجِين، فلما جاء الشرع بجوازٍ نكاحها، علموا أن ذلك التهجينَ لا
معنى له (٥). وإنما انحطّت الأَمَة، فلم يجز للحرِّ التزوُّج بها إلَّا عند الضرورة؛ لأنه
تسبَّبٌ إلى إرْقاقِ الولد، وأن الأَمَة لا تَفرُغ للزَّوج على الدوام؛ لأنها مشغولةٌ بخدمة
(١) قوله: له، ليس في (م).
(٢) ٣/ ٤٦٠ .
(٣) قوله: (من) من (خ) و(ظ)، وليس في باقي النسخ، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٣٨/٢
والكلام منه.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٦/١، وهذا القول اختاره الطبري ٦٠١/٦، وضعفه ابن عطية في المحرر
٣٨/٢.
(٥) المحرر الوجيز ٣٨/٢.

٢٣٤
سورة النساء: الآية ٢٥
المَوْلَی.
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿فَأَنْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي: بولاية أربابهن
المالِكِين وإِذنهم . وكذلك العبدُ لا ينكح إلَّا بإذن سيِّده؛ لأن العبد مملوكٌ لا أمرَ له،
وبدنُه كلُّه مستغرَق، لكن الفرق بينهما: أنَّ العبد إذا تزوَّج بغير إذن سيده، فإن أجازه
السيد جاز، هذا مذهب مالكٍ وأصحاب الرأي، وهو قولُ الحسن البَصْرِيِّ وعطاء بن
أبي رَباح وسعيد بن المسيِّب وشُريح والشَّعْبِي. والأَمَةُ إذا تزوَّجت بغير إذن أهلها
فُسِخ، ولم يَجز بإجازة السيد؛ لأن نقصانَ الأنوثة في الأَمَة يَمنع من انعقاد النكاحِ
البَّةَ(١).
وقالت طائفةٌ: إذا نَكَح العبدُ بغير إذن سيده فُسخ نكاحه؛ هذا قول الشافعيِّ
والأوزاعي وداودَ بنِ عليٍّ؛ قالوا: لا يجوز؛ أجازهُ المَوْلَى أو لم يُجِزْهُ(٢)؛ لأن العقدَ
الفاسد لا تصحُّ إجازته، فإن أراد النكاحَ استقبله على سُنَّته.
وقد أَجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز نكاحُ العبدِ بغير إذن سيده. وقد كان
ابنُ عمر يَعُدُّ العبدَ بذلك زانياً ويَحدُّه؛ وهو قولُ أبي ثَوْر(٣). وذكر عبدُ الرزاق، عن
عبد الله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر، وعن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ، عن نافع، عن
ابن عمر: أنه أخذ عبداً له نَكَحَ بغير إذنِه، فضربه الحدَّ، وفرَّق بينهما، وأبطل
صَدَاقها.
قال: وأخبرنا ابنُ جُريجٍ، عن موسى بن عقبة أنه أخبره عن نافع، عن ابن عمر: أنه
كان يرى نكاحَ العبد بغير إذن وَلِيُّه زِنِىّ، ويرى عليه الحدَّ، ويعاقبُ الذين أَنكحوهما(٤).
(١) ينظر الإشراف ١٢٩/٤، وأحكام القرآن لابن العربي ٤٠٠/١ .
(٢) في (د) و(م): لا تجوز إجازة المولى إن لم يحضره، وفي (ز): لا تجوز إجازة المولى ولم يجز، وفي
الاستذكار ٣١٢/١٦ (والكلام منه): لا تجوز إجازة المولى ولم يجزه، والمثبت من (خ) و(ظ).
(٣) الإشراف ١٢٩/٤، والاستذكار ٣١٣/١٦.
(٤) مصنف عبد الرزاق (١٢٩٨٠) و(١٢٩٨١) و(١٢٩٨٢)، وأخرجه أبو داود (٢٠٧٩) من حديث ابن عمر
مر فوعاً، وضعفه وصوَّب وقفه.

٢٣٥
سورة النساء: الآية ٢٥
قال: وأخبرنا ابنُ جريج، عن عبدالله بن محمد بن عقيل قال: سمعتُ جابر بن
عبد الله يقول: قال رسول الله ﴾: ((أيُّما عبدٍ نكح بغير إذنِ سيِّده، فهو عاهِر))(١).
وعن عمر بنِ الخطاب ﴾: هو نكاحٌ حرام، فإن نكح بإذن سيده فالطلاقُ بيدِ مَن
يَستحِلُّ الفَرْج(٢).
قال أبو عمر(٣): على هذا مذهبُ جماعةٍ فقهاءِ الأمصار بالحجاز والعراق، ولم
يُختَلَف عن ابن عباسٍ أنَّ الطلاق بيد السيِّد، وتابعه على ذلك جابر بنُ زيدٍ وفرقة (٤).
وهو عند العلماء شذوذٌ لا يُعرَّجُ عليه، وأظنُّ ابنَ عباسٍ تأوَّل في ذلك قولَ الله
تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوَكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾.
وأجمع أهلُ العلم على أن نكاح العبدِ جائزٌ بإذن مولاه، فإن نكح نكاحاً فاسداً
فقال الشافعيُّ: إن لم يكن دخل [بها] فلا شيءَ لها، وإن كان دَخَلَ فعليه المهرُ إذا
عَتَق. هذا هو الصحيحُ من مذهبه، وهو قولُ أبي يوسف ومحمدٍ: لا مهرَ عليه حتى
يعتِقِ. وقال أبو حنيفة: إن دخلَ عليها فلها المهر. وقال مالكٌ والشافعيُّ: إذا كان عبدٌ
بين رجلين، فأذن له أحدُهما في النكاح فنكح، فالنكاحُ باطل(٥). فأما الأَمَةُ إذا آذنت
أهلَها في النكاح، فأذِنوا؛ جاز، وإن لم تباشر العقدَ، لكن تُولِّي مَن يَعقدُه عليها.
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ دليلٌ على وجوب المهر في
النكاح، وأنه للأَمَة. ﴿يَلْمَعْرُوفِ﴾ معناه: بالشرع والسُّنَّة، وهذا يقتضي أنهنَّ أحقُّ
بمهورهنَّ من السادة، وهو مذهب مالك. قال في كتاب الرهون: ليس للسيِّد أن يأخذ
مهر أَمَته ويَدَعها بلا جَهَاز(٦).
(١) مصنف عبد الرزاق (١٢٩٧٩)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٢١٢)، والترمذي (١١١١) وحسنه.
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٢٩٧٦).
(٣) الاستذكار ٣١٤/١٦، والكلام الذي قبله منه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٢٩٦٠) و(١٢٩٦٢) عن ابن عباس، و(١٢٩٦٦) عن جابر بن زيد.
(٥) الإشراف ١٢٩/٤ - ١٣٠، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٦) المحرر الوجيز ٣٨/٢، وقول مالك في المدونة ٣١٦/٥.

٢٣٦
سورة النساء: الآية ٢٥
وقال الشافعيُّ: الصَّدَاق للسيد؛ لأنه عِوضُ [منفعة]، فلا يكون للأمة. أصلُه
إجازةُ المنفعة في الرقبة (١)، وإنما ذُكرت لأن المهر وجب بسببها.
وذكر القاضي إسماعيل في أحكامه: زعم بعض العراقيين: إذا زوَّج أَمته من عبده
فلا مهر. وهذا خلافُ الكتاب والسنة. وأَطنب فيه(٢).
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ أي: عفائف. وقرأ الكسائي: ((محصِناتٍ))
بكسر الصاد في جميع القرآن، إلَّا في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٢٤].
وقرأ الباقون بالنصب في جميع القرآن(٣).
ثم قال: ﴿غَيِّرَ مُسَفِحَتٍ﴾ أي: غير زَوَانٍ، أي: مُعْلِناتٍ بالزِّنَى؛ لأن أهل
الجاهلية كان فيهم الزَّواني في العلانية، ولهنَّ راياتٌ منصوبات كراية البيطار.
﴿وَلَا مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانٍ﴾ أصدقاء على الفاحشة، واحدُهم: خِدْن وخَدِين، وهو
الذي يُخادنُك، ورجل خُدَنَةٌ: إذا اتخذ أخداناً، أي: أصحاباً؛ عن أبي زيد(٤).
وقيل: المسافِحة: المجاهِرة بالزنى، أي: التي تُكري نفسها لذلك. وذات الخِذْن:
هي التي تزني سرّاً. وقيل: المسافِحة: المبذولة، وذات الخِذْن: التي تزني بواحد.
وكانت العرب تَعيبُ الإعلان بالزِّنَى، ولا تَعيبُ اتخاذَ الأخدان، ثم رفع الإسلام
جميع ذلك، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَرَبٌ﴾ [الأنعام: ١٥١]؛ عن ابن عباس وغيره(٥).
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قراءة عاصم وحمزة والكسائيِّ بفتح
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٤٠١/١، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ١/ ٤٣١، ولابن العربي ٣٩٧/١.
(٣) السبعة ص ٢٣٠، والتيسير ص ٩٥ .
(٤) ذكره عنه ابن فارس في مجمل اللغة ٢/ ٢٨٠ .
(٥) أخرج الطبري ٦/ ٦٠٣ .

٢٣٧
سورة النساء: الآية ٢٥
الهمزة. الباقون بضمها (١). فبالفتح معناه: أَسْلَمن، وبالضم: زُوّجن(٢).
فإذا زنت الأَمَة المسلمة؛ جُلدت نصفَ جَلْدِ الحرَّة، وإسلامُها هو إحصانُها في
قول الجمهور: ابنِ مسعود والشعبيِّ والزُّهْريِّ وغيرهم(٣). وعليه فلا تُحدُّ كافرةٌ إذا
زنت، وهو قول الشافعيِّ فيما ذكر ابن المُنْذِر (٤).
وقال آخرون: إحصائُها التزوُّج بحرّ. فإذا زنت الأَمَة المسلمة التي لم تتزوَّج فلا
حدَّ عليها؛ قاله سعيد بن جُبير والحسن وقتادة، ورُوي عن ابن عباس وأبي
الدَّرْدَاء(٥)، وبه قال أبو عبيد(٦)؛ قال: وفي حديث عمر بن الخطاب ، أنه سُئل
عن حَدِّ الأمة فقال: إن الأَمَة أَلْقَتْ فَرْوَة رأسها من وراء الدار(٧). قال الأصمعيُّ:
الفَروةُ جلدة الرأس.
قال أبو عبيد: وهو لم يُرد الفروة بعينها، وكيف تُلقي جلدةَ رأسها من وراء
الدار، ولكنَّ هذا مَثَل، إنما أراد بالفَرْوة القِناع، يقول: ليس عليها قناعٌ ولا حجاب،
وإنها تخرج إلى كلِّ موضعٍ يرسلها أهلُها إليه، لا تقدر على الامتناع من ذلك، فتصيرُ
حيث لا تقدِرُ على الامتناع من الفجور، مثل رعاية الغنم، وأداءِ الضريبة، ونحو
ذلك، فكأنه رأى أنْ لا حدَّ عليها إذا فجرت؛ لهذا المعنى.
وقالت فرقة: إحصائُها التزوَّج، إلّا أن الحدَّ واجبٌ على الأَمَة المسلمة غيرِ
(١) السبعة ص٢٣١، والتيسير ص٩٥، وهي عن عاصم من رواية شعبة، ورواية حفص عنه: ((أُحصِن))
بضم الهمزة مثل الباقين.
(٢) تفسير الطبري ٦/ ٦٠٥ .
(٣) المحرر الوجيز ٣٩/٢، وأخرج أقوالهم الطبري ٦٠٩/٦ - ٦١١ .
(٤) الإشراف ٢/ ٤٧ .
(٥) ينظر الإشراف ٤٧/٢، والتمهيد ٩٩/٩، والاستذكار ١٠٢/٢٤ - ١٠٤، والمحرر الوجيز ٣٩/٢،
وأخرج أقوالهم الطبري ٦/ ٦١١ - ٦١٢ غير قول أبي الدرداء.
(٦) غريب الحديث ٣٠٥/٣ .
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١٣٦١٢).

٢٣٨
سورة النساء: الآية ٢٥
المتزوِّجة بالسُّنَّة، كما في صحيح البخارِيِّ ومُسْلم(١) أنه قيل: يا رسول الله، الأَمَة
إذا زنت ولم تُحصن؟ فأوجب عليها الحدَّ. قال الزُّهْرِيُّ: فالمتزوِّجة محدودةٌ بالقرآن،
والمسلمةُ غيرُ المتزوِّجة محدودةٌ بالحديث(٢).
قال القاضي إسماعيل: في قول من قال: ((إِذَا أُحْصِنّ)) أسْلَمْنَ، بُعْدٌ؛ لأن ذِكْر
الإيمان قد تقدَّم لهن في قوله تعالى: ﴿مِّن فَيَئِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾، وأما مَن قال: ((إذا
أُخْصِنَّ»: تزوَّجن، وأنه لا حدَّ على الأمة حتى تتزوَّج، فإنهم ذهبوا إلى ظاهر القرآن،
وأحسَبهم لم يعلموا هذا الحديث. والأمرُ عندنا أن الأَمَة إذا زنت وقد أحصنت
مجلودةٌ بكتاب الله، وإذا زنت ولم تحصَن مجلودةٌ بحديث النبيِّ ﴾، ولا رَجْمَ
عليها؛ لأن الرجم لا يتنصَّف.
قال أبو عمر (٣): ظاهرُ قولِ الله عزَّ وجلَّ يقتضي(٤) ألَّا حدَّ على أَمَة وإن كانت
مسلمةً إلَّا بعد التزويج، ثم جاءت السنَّة بجلدها وإن لم تحصن، فكان ذلك زيادةً
بیان.
قلت: ظَهْرُ المؤمن حِمى لا يُستباح إلَّا بيقين، ولا يقينَ مع الاختلاف، لولا ما
جاء في صحيح السُّنَّة من الجلد في ذلك. والله أعلم . .
وقال أبو ثَوْر فيما ذكر ابنُ المنذِر (٥): إن كانوا اختلفوا في رجمهما، فإنهما
يُرجمان إذا كانا محصَنّين، وإن كان إجماعٌ فالإجماع أَوْلی.
الخامسة عشرة: واختلف العلماء فيمن يُقيم الحدَّ عليهما؛ فقال ابن شهاب:
(١) صحيح البخاري (٢١٥٣، ٢١٥٤)، وصحيح مسلم (١٧٠٤). وهو عند أحمد (١٧٠٥٧)، وهو من
حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما.
(٢) المحرر الوجيز ٣٩/٢ .
(٣) في التمهيد ٩/ ١٠٤ .
(٤) في (خ) و(ظ): يقضي.
(٥) في الإشراف ٤٩/٢ .

٢٣٩
سورة النساء: الآية ٢٥
مضت السُّنَّة أن يَحُدَّ العبدَ والأَمَة أَهْلُوهم في الزنى، إلا أن يُرفع أمرهم إلى
السلطان، فليس لأحدٍ أن يَفْتاتَ عليه(١). وهو مقتضَى قوله عليه الصلاة والسلام:
((إذا زَنَتْ أَمَةُ أحدِكم فَلْيَجْلِدْها(٢) الحَدَّ)).
وقال عليٍّ ﴾ في خطبته: يا أيها الناس، أقيموا على أرِقَّائكم الحدَّ، مَن أُحصِنَ
منهم ومَن لم يُحصن، فإن أَمَةً لرسول اللـه ﴾ زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي
حديثةُ (٣) عهدٍ بنفاس، فخشِيتُ إن أنا جَلَدْتُها أن أقتلها، فذكرتُ ذلك للنبيِّ #
فقال: ((أحسنت)). أخرجه مسلم موقوفاً عن عليٍّ(٤). وأسنده النسائي وقال فيه: قال
رسول الله﴾: ((أَقيموا الحدودَ على ما مَلَكَتْ أيمانكم، مَن أُحصن منهم ومَن لم
يُحصنْ))(٥).
وهذا نصٌّ في إقامة السادة الحدودَ على المماليك مَن أُحصِنَ منهم ومَن لم
يُخْصَن. قال مالك ﴾: يَحُدُّ المولى عبدَه في الزنى وشُربِ الخمر والقذف إذا شهد
عنده الشهودُ بذلك، ولا يقطعه في السرقة، وإنَّما يقطعه الإمام. وهو قول الليث.
ورُوي عن جماعة من الصحابة أنهم أقاموا الحدود على عبيدهم، منهم ابنُ عمر
وأنسٌ، ولا مخالف لهم من الصحابة(٦). ورُوي عن ابن أبي لَيْلَى أنه قال: أدركتُ
بقايا الأنصارِ يضربون الوليدة من ولائدهم إذا زنت، في مجالسهم (٧).
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٦٠٦).
(٢) في (م): فليحدَّها، والحديث أخرجه أحمد (٩٤٧٠)، والبخاري (٢٢٣٤)، ومسلم (١٧٠٣) من حديث
أبي هريرة ، وقد تقدم ص١٤٥ من هذا الجزء، وسيذكره المصنف بتمامه ص ٢٤٢ من هذا الجزء .
(٣) في (م): حديث.
(٤) برقم (١٧٠٥)، وهو عند أحمد (١٣٤١).
(٥) السنن الكبرى للنسائي (٧٢٠١) و(٧٢٢٩) دون قوله: ((من أحصن منهم ومن لم يحصن)) ولم نقف عليه
بهذه الزيادة، وإنما هي في الموقوف عن علي كما تقدم.
(٦) الاستذكار ١٠٧/٢٤ - ١٠٨، وأثر ابن عمر أخرجه عبد الرزاق (١٣٣١٦) و (١٣٦١٠)، وأثر أنس
أخرجه البيهقي ٨/ ٢٤٣، ٢٤٥ .
(٧) الاستذكار ١٠٨/٢٤، وأخرجه البيهقي ٢٤٥/٨ .

٢٤٠
سورة النساء: الآية ٢٥
وقال أبو حنيفة: يقيم الحدودَ على العبيد والإماء السلطانُ دون المَوْلَى في الزنى
وسائرِ الحدود. وهو قولُ الحسن بن حيٍّ. وقال الشافعيُّ: يَحدُّه المولى في كلِّ حدٍّ
ويقطّعُه، واحتجَّ بالأحاديث التي ذكرنا. وقال الثوريُّ والأَوْزاعيُّ: يحدُّه في الزنى(١).
وهو مقتضَى الأحاديث، والله أعلم. وقد مضى القول في تغريب العبيد في هذه
السورة(٢).
السادسة عشرة: فإن زَنَت الأمَة ثم عَتَقَت قبل أن يحدَّها سيِّدها، لم يكن له سبيلٌ
إلى حدِّها، والسلطان يجلدها إذا ثبت ذلك عنده. فإن زنت ثم تزوَّجت، لم يكن
لسيدها أن يجلدها أيضاً لحقِّ الزوج؛ إذْ قد يَضُرُّه ذلك . وهذا مذهبُ مالكٍ إذا لم
يكن الزوج مِلْكاً للسيد، فلو كان، جاز للسيد ذلك؛ لأن حقَّهما حقُّه(٣).
السابعة عشرة: فإن أَقرَّ العبد بالزنى وأَنكره المولى، فإنَّ الحدَّ يجب على العبد
لإقراره، ولا التفاتَ لمَا أنكره المولى، وهذا مجمعٌ عليه بين العلماء. وكذلك
المديَّرة(٤) وأمُّ الولد والمكاتَبُ والمُعْتَق بعضُه. وأجمعوا أيضاً على أن الأَمَة إذا زنت
ثم أُعتقت، حُدَّت حدَّ الإماء، وإذا زنت وهي لا تعلم بالعتق، ثم علمت وقد حُدَّت،
أقيم عليها تمامُ حدِّ الحرة؛ ذكره ابن المنذر.
الثامنة عشرة: واختلفوا في عفو السيد عن عبده وأَمَته إذا زَنَيا، فكان الحسن
البصريُّ يقول: له أن يعفُوَ. وقال غيرُ الحسن: لا يَسَعُه(٥) إلا إقامةُ الحدِّ، كما لا
يسعُ السلطانَ أن يعفُوَ عن حدٍّ إذا علمه، لم يَسَع السيِّدَ كذلك أن يعفُوَ عن أمَته إذا
(١) التمهيد ١٠٥/٩، والاستذكار ١٠٨/٢٤، وينظر الإشراف ٤٩/٢ - ٥٠ .
(٢) ص ١٤٥ - ١٤٦ من هذا الجزء.
(٣) المفهم ١٢٢/٥ .
(٤) في (د) و(م): المدبر، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في الإشراف ٢/ ٥٠ ، والكلام منه.
والمدبَّرة، أي: المعتقة عن دُبُر، يقال: دبّر الرجلُ عبده تدبيراً: إذا أعتقه بعد موته. المصباح المنير
(دبر).
(٥) في (خ) و(ظ): ينفعه.