Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ سورة النساء: الآية ٢٣ ممَّا يُقرأ من القرآن (١). موضعُ الدليلِ منه أنَّها أثبتت أنَّ العشرَ نُسخنَ بخمس، فلو تعلَّقَ التحريمُ بما دون الخمس، لكان ذلك نسخاً للخمس. ولا يُقبلُ على هذا خبرُ واحدٍ ولا قياس؛ لأنه لا ينسخ بهما. وفي حديث سَهْلَةَ (٢) ((أَرْضِعيهِ خمسَ رضعاتٍ، يحرُمُ بهنَّ»(٣). الشرط الثاني: أن يكون في الحولين، فإن كان خارجاً عنهما لم يحرِّم؛ لقوله تعالى: ﴿عَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وليس بعد التمام والكمال شيء. واعتبر أبو حنيفة بعد الحولين ستةَ أشهر. ومالكٌ الشهرَ ونحوَه. وقال زُفَر: ما دام يجتزي باللبَن ولم يُفطم فهو رضاع، وإنْ أتى عليه ثلاثُ سنين. وقال الأوزاعيُّ: إذا فُطم لسنة واستمرَّ فطامُه فليس بعدَه رضاع. وانفردَ الليث بنُ سعدٍ من بين العلماء إلى أنَّ رضاع الكبير يوجبُ التَّحريمَ، وهو قول عائشةَ رضي الله عنها، ورُويَ عن أبي موسى الأشعريِّ، ورُويَ عنه ما يدلُّ على رجوعه عن ذلك (٤)، وهو ما رواه أبو حُصَيْن عن أبي عطيّة قال: قَدِم رجلٌ بامرأته من (١) أخرجه مسلم (١٤٥٢). قال الباجي في المنتقى ١٥٦/٤: هذا الذي ذكرت عائشة رضي الله عنها أنه نزل من القرآن مما أخبرت عنه بأنه ناسخ أو منسوخ لا يثبت قرآناً؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالخبر المتواتر، وأما خبر الآحاد فلا يثبت به قرآن، وهذا من أخبار الآحاد الداخلة في جملة الغرائب. وينظر مختصر اختلاف العلماء ٣١٧/٢، والمفهم ٤ / ١٨٥. (٢) بنت سهيل بن عمرو، القرشية العامرية، أسلمت قديماً، وهاجرت مع زوجها أبي حذيفة بن عتبة إلى الحبشة. الإصابة ٣١٩/١٢ . والحديث المذكور هو في قصة إرضاعها لسالم مولى أبي حذيفة. (٣) أخرجه مالك في الموطأ ٦٠٥/٢، وابن حبان (٤٢١٥) مطولاً من حديث عروة بن الزبير أن أبا حذيفة ... وذكر الحديث. قال ابن عبد البر في الاستذكار ١٨/ ٢٧٠ : هذا حديث يدخل في المسند؛ للقاء عروة عائشة وسائرَ أزواج النبي #، وللقائه سهلة بنت سهيل. اهـ. وأخرجه مسلم (١٤٥٣) من حديث عائشة رضي الله عنها دون ذكر عدد الرضعات. وأخرج مسلم (١٤٥٤) عن أم سلمة أم المؤمنين أنها قالت: أبى سائر أزواج النبي # أن يُدخلن عليهن أحداً بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله 8 لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا. (٤) التمهيد ٢٥٦/٨ و٢٦٢ - ٢٦٣، والاستذكار ٢٥٨/١٨ - ٢٥٩ و٢٧٢ - ٢٧٣ . ١٨٢ سورة النساء: الآية ٢٣ المدينة، فوضعت وتورَّم ثديُها، فجعل يمصُّه ويمجُّه، فدخل في بطنه جرعةٌ منه، فسأل أبا موسى، فقال: بانَت منك، وأُتِ ابنَ مسعود فأخبره، ففعل، فأقبلَ بالأعرابيِّ إلى أبي موسى الأشعريِّ وقال: أَرَضِيعاً تَرى هذا الأشْمَطَ (١)! إنما يحرِّم من الرَّضاعِ ما يُنْبتُ اللحمَ والعظمَ. فقال الأشعريُّ: لا تسألوني عن شيء وهذا الحبرُ بينَ أظهُرِكم (٢). فقولُه: لا تسألوني، يدلُّ على أنه رجع عن ذلك. واحتجَّت عائشة بقصَّة سالم مولى أبي حُذيفةَ، وأنه كان رجلاً. فقال النبيُّ ◌َ السهلةَ بنتِ سُهيل: ((أرضعيه)) خرَّجه الموطأ وغيرُه(٣). وشذَّت طائفة، فاعتبرت عشرَ رضعاتٍ، تمسُّكاً بأنَّه كان فيما أُنزل: عشرُ رضعات. وكأنهم لم يبلغْهم الناسخُ. وقال داود: لا يحرُمُ إلَّ بثلاث رضعات(٤)؛ واحتجَّ بقول رسولِ الله ◌ِ﴾: ((لا تحرِّم الإمْلاجَةُ والإملاجتان)). خرَّجه مسلم(٥). وهو مرويٌّ عن عائشةَ وابن الزبير(٦)، وبه قال أحمدُ وإسحاقُ، وأبو ثور وأبو عبيد (٧)، وهو تمسُّكٌ بدليل الخطاب(٨)، وهو مختلف فيه. (١) الأشمط: المختلط سوادُ شعره ببياض. القاموس (شمط). (٢) أخرجه عبد الرزاق (١٣٨٩٥)، والدار قطني (٤٣٦٢). (٣) الموطأ ٢/ ٦٠٥ وسلف قريباً. (٤) المفهم ٤/ ١٨٤ . (٥) برقم (١٤٥١): (١٨)، وهو عند أحمد (٢٦٨٧٣) من حديث أم الفضل رضي الله عنها، وهي لبابة بنت الحارث الهلالية امرأة العباس ﴾. قوله: الإملاجة؛ من المَلْج، وهو المصّ، والإملاجة: المرَّة، من أُمْلَجَتْه أمُّه، أي: أرْضَعَتْه. النهاية (ملج). (٦) أحمد (٢٤٠٢٦)، ومسلم (١٤٥٠) عن عبدالله بن الزبير عن عائشة. بلفظ: ((لا تحرّم المصَّةُ والمصَّتان)). وأخرجه أحمد (١٦١١٠). عن عبد الله بن الزبير، بنحوه. (٧) الإشراف ١١١/٤، والاستذكار ٢٦٢/١٨ . (٨) هو مفهوم المخالفة، وسلف التعريف به ص ٧٠ من هذا الجزء. ١٨٣ سورة النساء: الآية ٢٣ وذهبَ مَن عدا هؤلاء من أئمة الفتوى إلى أنَّ الرَّضعةَ الواحدة تحرِّمُ إذا تحققت كما ذكرنا؛ متمسِّكين بأقلِّ ما ينطلقُ عليه اسمُ الرَّضاع. وعُضِد هذا بما وُجدَ من العمل عليه بالمدينة، وبالقياس على الصِّهر؛ بعلَّةِ أنَّه معنىّ طارئٌ يَقتضي تأبيدَ التحريم، فلا يُشترطُ فيه العددُ كالصِّهر(١). وقال اللَّيثُ بن سعد: وأجمعَ المسلمون على أنَّ قليلَ الرَّضاع وكثيرَه يحرِّم في المَهْد ما يُفطِّ الصائمَ. قال أبو عمرَ(٢): لم يقفِ اللَّيثُ على الخلاف في ذلك. قلت: وأَنَصُّ ما في هذا الباب قولُه ◌َ﴾: ((لا تحرِّم المَصَّةُ ولا المَصَّتان)). أخرجه مسلم في صحيحه(٣). وهو يفسِّر معنى قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَنُكُمُ الَّتِىَّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ أي: أرضعنكم ثلاثَ رضَعاتٍ فأكثرَ، غيرَ أنه يمكنُ أن يُحمل على ما إذا لم يتحقَّق وصولُه إلى جوف الرضيع؛ لقوله: ((عشرُ رَضعاتٍ مَعلوماتٍ)) و ((خمسُ رَضعاتٍ مَعلوماتٍ))(٤). فوصفُها بالمعلومات إنما هو تحرُّزٌ مما يتوهّمُ أو يُشَكُّ في وصوله إلى الجوف. ويفيدُ دليلُ خطابه أنَّ الرضعات إذا كانت غيرَ معلومات لم تحرِّم(٥). والله أعلم. وذكر الطَّحَاوي(٦) أنَّ حديثَ الإملاجة والإملاجتين لا يثبتُ؛ لأنَّه مرةً يرَويه ابنُ الزبير عن النبيِّ ﴾، ومرةً يرويه عن عائشةَ، ومرةً يَرويه عن أبيه؛ ومثلُ هذا الاضطرابِ يُسقِطُه(٧). (١) المفهم ٤/ ١٨٤ . (٢) في الاستذكار ٢٦٠/١٨. (٣) برقم (١٤٥١): (٢٠) عن أم الفضل، و(١٤٥٠) عن عائشة وقد تقدما. (٤) تقدم في بداية هذه المسألة من حديث عائشة رضي الله عنها. (٥) المفهم ٤ / ١٨٥ . (٦) مختصر اختلاف العلماء ٢/ ٣١٧، وينظر شرح مشكل الآثار ١١/ ٤٨٠ وما بعدها. (٧) التمهيد ٢٦٩/٨، والاستذكار ٢٨٧/١٨، وقد تقدم حديث ابن الزبير عن النبي8#، وحديثه عن عائشة، أما حديث ابن الزبير عن أبيه فأخرجه الترمذي في العلل ٤٥٣/١، والنسائي في الكبرى (٥٤٣٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٥٦١) من طريق محمد بن دينار، عن هشام، عن أبيه، = ١٨٤ سورة النساء: الآية ٢٣ ورُويَ عن عائشةَ أنه لا يحرِّمُ إلَّا سبعُ رَضعات (١). ورُويَ عنها أنَّها أمرَت أختَها أمَّ كُلثومٍ أنْ تُرِضع سالم بنَ عبد الله عَشْرَ رَضعاتٍ(٢). ورُوي عن حفصةَ مثلُه(٣)، ورُوي عنها ثلاثٌ، ورُويَ عنها خمسٌ، كما قال الشافعيُّ ﴾، وحُكيَ عن إسحاق. السابعة: قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ استدلَّ به مَن نفى لبنَ الفحل، وهو سعيدُ بن المسيِّب وإبراهيمُ النَّخعِي وأبو سلمةَ بن عبد الرحمن، وقالوا: لبنُ الفَحل لا يحرِّم شيئاً مِن قِبَل الرجل(٤). وقال الجمهور: قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهَنُكُمُ الَّتِىَّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ يدلُّ على أنَّ الفحلَ أبٌّ؛ لأنَّ اللبنَ منسوبٌ إليه، فإنَّه درَّ بسبب ولدِهِ. وهذا ضعيف، فإنَّ الولد خُلق من ماء الرجل والمرأة جميعاً، واللبنُ من المرأة (٥)، ولم يخرج من الرجل، ولا (٦) كان من الرجل إلا وَظْءٌ، هو سببٌ لنزول الماء منه، وإذا فُصلَ الولدُ خلقَ الله اللبنَ من غير أنْ يكونَ مضافاً إلى الرجل بوجهٍ ما؛ ولذلك لم يكن للرجل حقٌّ في اللبن، وإنما اللبنُ لها، فلا يمكنُ أخذُ ذلك من القياس على الماء. وقولُ رسول الله ﴾: ((يَحْرُم من الرضاع ما يَحرمُ من النسب)»(٧) يقتضي التحريمَ من الرَّضاعِ، ولا يَظهرُ وجهُ نِسبةٍ = عن عبدالله بن الزبير، عن أبيه. قال الترمذي: سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: الصحيح عن ابن الزبير عن عائشة، وحديث محمد بن دينار أخطأ فيه، وزاد فيه: عن الزبير، إنما هو عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، عن النبي # قال الحافظ في الفتح ٩/ ١٤٧: وحديث ((المصتان)) جاء أيضاً من طرق صحيحة، لكن قال بعضهم: إنه مضطرب؛ لأنه اختلف فيه؛ هل هو عن عائشة، أو عن الزبير، أو عن ابن الزبير، أو عن أم الفضل لكن لم يقدح الاضطراب عند مسلم فأخرجه من حديث أم الفضل ... (١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٩١١) و(١٣٩٢١). (٢) أخرجه مالك ٦٠٣/٢، وعبد الرزاق (١٣٩٢٧) و (١٣٩٢٨)، وينظر الإشراف ٤/ ١١١. (٣) أخرجه مالك ٦٠٣/٢، وعبد الرزاق (١٣٩٢٩). (٤) التمهيد ٢٤٣/٨ . والإشراف ٤/ ١١٣ . (٥) في (خ) و(ظ): للمرأة. (٦) في (م): وما. (٧) سلف ص١٧٩ من هذا الجزء . ١٨٥ سورة النساء: الآية ٢٣ الرَّضاع إلى الرجل مثلَ ظهورٍ نسبة الماء إليه والرَّضاع منها. نعم، الأصلُ فيه حديثُ الزُّهريِّ وهشام بن عروةَ، عن عُروةَ، عن عائشةَ رضيَ الله عنها: أنَّ أفْلَحَ أخا أبي القُعَيس(١) جاء يستأذنُ عليها - وهو عمُّها من الرَّضاعة - بعد أنْ نزل الحجاب. قالت: فأبَيْتُ أن آذنَ له، فلما جاء النبيُّ ﴾ أخبرتُه، فقال: (ليلجْ عليكِ، فإنه عمُّكِ، تَرِبَتْ يَمينُكِ)). وكان أبو القعيس زوجَ المرأة التي أرضعت عائشةَ رضي الله عنها(٢) - وهذا أيضاً خبرُ واحدٍ - ويُحتملُ أنْ يكونَ ((أفلحُ)) مع أبي بكر رضيعي لِبانٍ، فلذلك قال: ((ليلجْ عليكِ فإنه عمُّك)). وبالجملة فالقولُ فيه مشكِلٌ والعلم عند الله، ولكنَّ العملَ عليه، والاحتياطُ في التحريم أولى، مع أنَّ قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ يقوِّي قولَ المخالِفِ(٣). الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وهي الأختُ لأبٍ وأمّ، وهي التي أرضعتها أمُّكَ بلِبانٍ أبيك؛ سواءٌ أرضعتْها معَك أو وُلِدَت قبلَك أو بعدَك. والأختُ من الأب دون الأم، وهي التي أرضعتها زوجةُ أبيك. والأختُ من الأم دون الأب، وهي التي أرضعتها أمُّك بلبان رجل آخر. ثم ذكر التحريمَ بالمصاهرة، فقال تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ﴾ والصِّهِرُ أربع: أمُّ المرأة، وابنتُها، وزوجةُ الأب، وزوجةُ الابن. فأمُّ المرأة تَحرُم بمجرَّد العقد الصحيح على ابنتها على ما تقدَّم(٤). التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَرَبُِّكُمُ الَّتِى فِى حُورِكُمْ مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَ﴾ هذا مستقلٌّ بنفسه. ولا يرجع قوله: ﴿مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ إلى الفريق الأوَّل، بل هو راجعٌ إلى الربائب؛ إذْ هو أقربُ مذكورٍ، كما تقدَّم(٥). (١) في (خ): أبا القعيس، وفي (ظ): أبي القعيس، وفي (م): أخا القعيس والمثبت من (د)، وهو الصواب. (٢) أخرجه أحمد (٢٤٠٥٤)، والبخاري (٤٧٩٦)، ومسلم (١٤٤٥). (٣) المسألة السابعة من أحكام القرآن للكيا الطبري ٣٩٤/١ - ٣٩٥. (٤) ص١٧٥ من هذا الجزء . (٥) ص ١٧٥ -١٧٦ من هذا الجزء . ١٨٦ سورة النساء: الآية ٢٣ والربيبةُ: بنت امرأةٍ الرجل من غيره، سُمِّيت بذلك لأنَّه يُربِّيها في حجره، فهي مربوبة، فَعيلة بمعنى مفعولة (١). واتفق الفقهاءُ على أنَّ الربيبة تحرُم على زوج أمِّها إذا دخل بالأم، وإنْ لم تكن الربيبةُ في حِجره. وشدَّ بعضُ المتقدِّمين وأهل الظاهر فقالوا: لا تحرُم عليه الربيبةُ إلَّا أنْ تكونَ في حجر المتزوِّج بأمها، فلو كانت في بلد آخر وفارقَ الأمَّ بعد الدخول، فِلَه أنْ يتزوَّج بها. واحتجُوا بالآية فقالوا: حرَّم الله تعالى الربيبةَ بشرطين: أحدُهما: أنْ تكونَ في حِجر المتزوِّج بأمِّها. والثاني: الدُّخول بالأمِّ. فإذا عُدم أحدُ الشرطين لم يوجدِ النَّحریمُ. واحتجُوا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لو لم تکن ربيبتي في حِجْري ما حلَّت لي، إنَّها ابنةُ أخي من الرَّضاعة))(٢) فشَرَطَ الحِجْر. وروَوْا عن علي بن أبي طالب إجازةَ ذلك(٣)؛ قال ابنُ المنذر والطحاوي: أمَّا الحديثُ عن عليٍّ فلا يثبتُ؛ لأنَّ راوِيَهُ إبراهيمُ بن عبيد، عن مالك بن أوس، عن عليّ(٤)، وإبراهيمُ هذا لا يعرفُ، وأكثرُ أهل العلم قد تلقَّوْه بالدَّفع والخلاف(٥). قال أبو عبيد: ويدفعهُ قوله: ((فلا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بناتِكُنَّ ولا أَخَواتِكُن)»(٦) فعمَّ. ولم (١) المحرر الوجيز ٣٢/٢. (٢) ينظر المفهم ١٨١/٤. والحديث أخرجه أحمد (٢٦٦٣٢)، والبخاري (٥١٠٦)، ومسلم (١٤٤٩) عن أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها، والربيبة المذكورة: درة بنت أبي سلمة. (٣) الإشراف ٤/ ٩٤، قال ابن المنذر: وقد أجمع كل من ذكرناه ومن لم نذكره من علماء الأمصار على خلاف هذا القول. (٤) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٣٤)، وابن أبي حاتم (٥٠٨٧). (٥) ذكر الحافظ في الفتح ١٥٨/٩ أن إبراهيم بن عبيد (وهو ابنُ رفاعة) ثقة تابعي معروف، وقال: أبوه وجده صحابيان، والأثر صحيح عن علي. وقال أيضاً: لولا الإجماع الحادث في المسألة ونُدرة المخالف، لكان الأخذُ به أولی. (٦) قطعة من حديث أم حبيبة السالف. ١٨٧ سورة النساء: الآية ٢٣ يقل: اللائي في حجري، ولكنَّه سوَّى بينهنَّ في التحريم (١). قال الطحاويُّ: وإضافتُهنَّ إلى الحجور إنَّما ذلك على الأغلب مما يكونُ عليه الرَّبائب، لا أنهنَّ لا يحرُمْنَ إذا لم يكنَّ كذلك. العاشرة: قوله تعالى: ﴿فَإِنِ لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِرَ﴾ يعني بالأمهات. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني في نكاح بناتِهِنَّ إذا طلقتموهنَّ، أو مُثْنَ عنكم. وأجمعَ العلماءُ على أنَّ الرجلَ إذا تزوَّج المرأة ثم طلَّقها أو ماتت قبلَ أنْ يدخلَ بها، حلَّ له نكاحُ ابنتها. واختلفوا في معنى الدخول بالأمَّهات الذي يقعُ به تحريمُ الربائب، فروِيَ عن ابن عباس أنَّه قال: الدُّخول: الجماعُ. وهو قولُ طاوسٍ وعمرو بنِ دينار وغيرهما (٢). واتَّفقَ مالك والثَّوريُّ وأبو حنيفةَ والأوزاعيُّ والليثُ على أنه إذا مسَّها بشهوة؛ حَرُمت عليه أمُّها وابنتُها، وحَرُمت على الأب والابن، وهو أحدُ قولَي الشافعيِّ. واختلفوا في النَّظر، فقال مالك: إذا نظرَ إلى شعرها، أو صدرها، أو شيءٍ من محاسِنها لِلذَّةِ؛ حرُمت عليه أمُّها وابنتُها. وقال الكوفيون: إذا نظرَ إلى فرجها للشَّهوة؛ كان بمنزلة اللَّمس للشهوة. وقال الثَّوريُّ: إذا نظرَ إلى فرجَها متعمداً أو لمسَها، ولم يذكر الشَّهوة. وقال ابنُ أبي لَيْلَى: لا تحرُم بالنظر حتى يلمَسَ؛ وهو قول الشافعيّ(٣). والدليلُ على أنَّ بالنظر يقعُ التحريم أنَّ فيه نوعَ استمتاعٍ، فجرى مَجرى النِّكاح؛ إذ الأحكامُ تتعلَّق بالمعاني لا بالألفاظ. وقد يُحتمل أنْ يقالَ: إنه نوعٌ من الاجتماع بالاستمتاع، فإنَّ النظرَ اجتماعٌ ولقاء، وفيه بين المحِبِّين استمتاع، وقد بالغ في ذلك الشعراءُ فقالوا : (١) ينظر الإشراف ٩٤/٤، والفتح ١٥٨/٩. (٢) الإشراف ٩٤/٤، وأثر ابن عباس علقه البخاري كما في الفتح ٢٧١/٨، و١٥٧/٩، ووصله الطبري ٥٥٩/٦، وابن أبي حاتم (٥٠٩١). (٣) الاستذكار ٢٦٠/١٦ - ٢٦١. ١٨٨ سورة النساء: الآية ٢٣ وإيانا فذاكَ بنا تَدَانِ أليس اللَّيلُ يجمعُ أمَّ عمروٍ ويعلُوها النَّهارُ(١) كما عَلانِي(٢) نعمْ، وتَرى الهِلالَ كما أَراهُ فكيفَ بالنظر والمجالسةِ واللَّذة (٣). الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَحَلَبِلُ أَبْنَبِّكُمُ﴾، الحلائِل جمع حَلِيلة، وهي الزوجة. سُمِّيت حليلةً(٤) لأنها تَحُلُ مع الزوج حيثُ حلَّ، فهي فعيلٌ بمعنى فاعلة. وذهبَ الزَجَّاجُ(٥) وقومٌ إلى أنها من لفظة الحلال، فهي حليلة بمعنى مُحلَّلة. وقيل: لأنَّ كلَّ واحد منهما يَحُلُّ إزارَ صاحبه(٦). الثانية عشرة: أجمعَ العلماءُ على تحريم ما عقدَ عليه الآباءُ على الأبناء، وما عقدَ عليه الأبناءُ على الآباء، كان مع العقد وطءٌ أو لم يكن(٧)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَآؤُكُمْ مِنَ الِسَآءِ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَحَبِلُ أَبْنَبِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾. فإنْ نكحَ أحدُهما نكاحاً فاسداً، حَرُم على الآخر العقدُ عليها كما يحرُمُ بالصحيح؛ لأنَّ النكاحَ الفاسد لا يخلو: إما أنْ (٨) يكونَ مُتَّفَقاً على فساده، أو مختلَفاً فيه. فإنْ كان متَّفقاً على فساده؛ لم يوجِب حُكماً [ولا تحريماً]، وكان وجودُه كعدمه. وإنْ كان مختلفا فيه. فيتعلَّقُ به من الحرمة ما يتعلَّق بالصحيح؛ لاحتمال(٩) أنْ يكونَ (١) في (د): البهاء. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣٧١/١، وهذان البيتان لجحدر بن معاوية العكلي اللص، كما في أمالي القالي ١/ ٢٨٢، والحماسة البصرية ٩٨/٢، ومنتهى الطلب ٢٧١/٣ . (٣) في (م): والمحادثة واللذة. (٤) في (خ) و(ظ): سميت بذلك. (٥) معاني القرآن ٣٥/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز٣٣/٢. (٦) تفسير البغوي ١/ ٤١٢ . (٧) الإجماع ص٧٨ . (٨) في (خ) و(ظ): لا يخلو أن. (٩) في (خ) و(ظ): لاحتماله. ١٨٩ سورة النساء: الآية ٢٣ نكاحاً، فيدخل تحت مطلق اللفظ. والفروج إذا تعارض فيها التحريم والتحليل؛ غُلِّب التحريم(١). والله أعلم. قال ابنُ المنذِر(٢): أجمعَ كلُّ مَن يُحفظ عنه من علماء الأمصار على أنَّ الرجلَ إذا وَطِئ امرأةً بنكاح فاسد، أنَّها تحرُم على أبيه وابنه، وعلى أجداده ووَلِدٍ وَلدِه. وأجمع العلماء وهي المسألة: الثالثة عشرة: على أنَّ عقدَ الشراء على الجارية لا يحرِّمها على أبيه وابنه، فإذا اشترى الرجلُ جاريةً، فلمَسَ أو قبَّل؛ حَرُمت على أبيه وابنه، لا أعلمهم يختلفون فيه، فوجبَ تحريمُ ذلك تسليماً لهم. ولمَّا اختلفوا في تَحريمها بالنَّظر دونَ اللَّمس، لم يَحرم(٣) ذلك لاختلافهم. قال ابنُ المنذِر: ولا يصِحُ عن أحدٍ من أصحاب رسول اللـه* خلافُ ما قلناه. وقال يعقوبُ ومحمدٌ: إذا نظرَ رجلٌ في فرج امرأةٍ من شهوة؛ حَرُمت على أبيه وابنه، وتحرُم عليه أمُّها وابنتُها. وقال مالك: إذا وَطِئْ الأَمةَ، أو قَعدَ منها مقعداً لذلك وإن لم يُفْضِ إليها، أو قبَّلها، أو باشرها، أو غمزَها تلذُّذاً، فلا تحِلُّ لابنه [ولا لأبيه]. وقال الشافعيُّ: إنَّما تحرُم باللَّمس، ولا تحرُمُ بالنظر دون اللَّمس، وهو قول الأوزاعيّ(٤). الرابعة عشرة: واختلفوا في الوَظْءِ بالزنى؛ هل يحرِّم أم لا؟ فقال أكثرُ أهلِ العلم: لو أصابَ رجلٌ امرأةً بزنىَ؛ لم يحرم عليه نكاحُها بذلك، وكذلك لا تحرُم عليه امرأتُه إذا زنى بأمِّها أو بابنتها، وحَسْبُه أنْ يقامَ عليه الحدّ، ثم يدخل بامرأته. ومَن زَنَى بامرأةٍ، ثمَّ أرادَ نكاحَ أمِّها أو ابنتِها، لم تحرُما عليه بذلك. (١) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٣٧٠، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) الإشراف ٩٦/٤، والإجماع ص٧٩ . (٣) في النسخ: لم يجز، والمثبت من الإشراف. (٤) الإشراف ٩٦/٤ ، وما سلف بين حاصرتين منه. ١٩٠ سورة النساء: الآية ٢٣ وقالت طائفة: تحرُم عليه؛ رُوي هذا القول عن عمران بن حُصين، وبه قال الشَّعبيُّ وعطاءٌ والحسن وسفيان الثَّوْرِيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأصحاب الرأي، ورُويَ عن مالك؛ وأنَّ الزنى يحرِّم الأمَّ والابنةَ، وأنه بمنزلة الحلال، وهو قول أهل العراق. والصحيحُ من قول مالكِ وأهلِ الحجاز: أنَّ الزنى لا حكمَ له؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَآئِكُمْ﴾، وليست التي زَنَى بها من أمَّهاتِ نسائه، ولا ابنتُها من ربائبه. وهو قولُ الشافعيِّ وأبي ثَوْرٍ (١)؛ لأنَّه لمَّا ارتفع الصَّداقُ في الزنى، ووجوبُ العِدَّة، والميراثُ، ولُحوقُ الولد، ووجوبُ الحدِّ، ارتفع أنْ يُحكم له بحكم النكاحِ الجائز. ورَوى الدارَقُظنِيُّ من حديث الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ قالت: سُئل رسول اللـه # عن رجلٍ زنى بامرأة، فأرادَ أنْ يتزوجَها أو ابنتَها، فقال: ((لا يُحَرِّمُ الحرامُ الحلالَ، إنَّما يحرِّمُ ما كان بنكاح))(٢). ومن الحجَّة للقول الآخَر إخبارُ النبيِّ # عن جُرَيْج وقوله: ((يا غلامُ مَن أبوك؟ قال: فلانٌ الراعي))(٣) فهذا يدلُّ على أنَّ الزنى يحرِّم كما يحرِّم الوطءُ الحلالُ؛ فلا تحِلُّ أُمُّ المزنِيِّ بها، ولا بناتُها، لآباء الزاني ولا لأولاده؛ وهي روايةُ ابن القاسم في ((المدوَّنة)) (٤). ويُستدلُّ به أيضاً على أنَّ المخلوقةَ من ماء الزاني لا تَحِلُّ للزاني بأمِّها، وهو (١) ينظر الإشراف ١٠١/٤، والاستذكار ١٩٧/١٦ - ١٩٩. (٢) سنن الدار قطني (٣٦٨٠)، وأخرجه أيضاً ابن حبان في المجروحين ٩٨/٢، وابن عدي ١٨٠٨/٥، وابن الجوزي في العلل ٩٩/٢ . وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، قال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات الأشياء الموضوعات، لا يجوز الاحتجاج به. وقال الحافظ في التقريب ص٣٢٥ : متروك، و کذبه ابن معين. وأخرجه ابن ماجه (٢٠١٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وضعَّف إسنادّه البوصيري في مصباح الزجاجة ٣٥٠/١. (٣) أخرجه أحمد (٨٠٧١)، والبخاري (٣٤٣٦)، ومسلم (٢٥٥٠) من حديث أبي هريرة ﴾. (٤) المفهم ٦/ ٥١٤، ورواية ابن القاسم في المدونة ٢/ ٢٧٧ . ١٩١ سورة النساء: الآية ٢٣ المشهور (١). قال عليه الصلاة والسلام: ((لا ينظرُ اللهُ إلى رجلٍ نظرَ إلى فرج امرأةٍ وابنتها)»(٢) ولم يفصِل بين الحلال والحرام. وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا ينظر الله إلى مَن كَشَفَ قِناعَ امرأةٍ وابنتِها)»(٣). قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: ولهذا قُلنا: إنَّ القُبْلَةَ وسائرَ وجوه الاستمتاع ينشرُ الحُرمَة. وقال عبد الملك بن الماحِشُون: إنها تَحِلُّ(٤). وهو الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَمُ نَسَبًا وَصِهْرً﴾ [الفرقان: ٥٤] يعني بالنكاح الصحيح (٥)، على ما يأتي في ((الفرقان)) بيانُه. ووجهُ التمسُّكِ من الحديث على تَيْنِكَ المسألتين(٦) أنَّ النبيَّ لَ﴾ قد حكى عن جُريج أنَّه نَسَبَ ابنَ الزنى للزاني، وصدَّق الله نسبَته بما خَرقَ له من العادةِ في نُطْقِ الصَّبي بالشهادة له بذلك، وأخبرَ بها النبيُّ :﴿ عن جُريج في مَعرِض المدحِ وإظهارِ كرامته، فكانت تلك النّسبةُ صحيحةً بتصديق الله تعالى، وبإخبارِ النبيِّ ﴾ عن ذلك، فثبتَتِ البُنْوَّةُ وأحكامُها. فإن قيل: فيلزمُ على هذا أنْ تَجريَ [بسببهما] أحكامُ البنوَّةِ والأبوَّةِ من التوارُث والولايات وغيرِ ذلك، وقد اتَّقَ المسلمون على أنَّه لا توارُثَ بينهما، فلم تَصِحَّ تلك النِّسبة. (١) المفهم ٦ / ٥١٤ . (٢) كذا ذكره مرفوعاً ابن الجوزي في التحقيق ٦/٢، وقال: لا نعرف هذا الحديث وأخرجه ابن أبي شيبة ١٦٥/٤، والدار قطني (٣٦٨٢) من طريق ليث بن أبي سليم، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود موقوفاً. قال الدارقطني: ليث وحماد ضعيفان. (٣) لم نقف عليه مرفوعاً، وأخرج عبد الرزاق (١٢٧٤٥) عن وهب بن منبه أن في التوراة مكتوباً: من كشف عن فرج امرأة وابنتها فهو ملعون. (٤) المفهم ٦/ ٥١٤، وقوله: إنها تحل، يعني المخلوقة من ماء الزنا. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٤١٤/٣، وينظر المنتقى ٣٠٨/٣ . (٦) في النسخ: على تلك المسألتين، والمثبت من المفهم ٥١٤/٦ ، والكلام منه. ويعني بالمسألتين: الأولى أن الزنا يحرِّم كما يحرِّم الوطءُ الحلال، والثانية: أن المخلوقة من ماء الزاني لا تحل للزاني بأمها. ١٩٢ سورة النساء: الآية ٢٣ فالجوابُ: أنَّ ذلك مُوجِبٌ ما ذكرناه. وما انعقدَ عليه الإجماع من الأحكام [أنه لا يجري بينهما] استثنيناه، وبقي الباقي على أصل ذلك الدليل(١)، والله أعلم. الخامسة عشرة: واختلفَ العلماءُ أيضاً من هذا الباب في مسألة اللائط؛ فقال مالك والشافعيُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُهم: لا يحرُم النكاحُ باللِّواط. وقال الثَّوْرِيُّ: إذا لَعِبَ بالصبيِّ حرُمت عليه أمُّه؛ وهو قولُ أحمدَ بن حنبل. قال: إذا تلوَّط بابن امرأتِه أو أبيها أو أخيها، حرُمت عليه امرأتُه. وقال الأوزاعيُّ: إذا لاطَ بغلام، ووُلِد للمفجور به بِنتٌ، لم يجزُ للفاجر أنْ يتزوَّجها؛ لأنَّها بنتُ مَن قد دخلَ به. وهو قولُ أحمد بن حنبل(٢). السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾ تخصيصٌ ليَخرِجَ عنه كلُّ مَن كانت العربُ تتبنّاه ممن ليس للصُّلب. ولمَّا تزوَّج النبيُّ # امرأةً زيد بن حارثةَ قال المشركون: تزوَّج امرأةً ابنه! وكان عليه الصلاة والسلام تبنّاه(٣)؛ على ما يأتي بيانُه في ((الأحزاب))(٤). وحرِّمت حليلةُ الابن من الرَّضاع - وإنْ لم يكن للصُّلب - بالإجماع المستند إلى قوله عليه الصلاة والسلام: ((يحرم من الرَّضاع ما يحرم من النَّسب))(٥). السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ اُلْأُخْتَيْنِ﴾ موضعُ ((أنْ)) رفْعٌ على العطف على ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُكَّهَتُكُمْ﴾(٦). والأُختانِ لفظٌ يعمُّ الجمعَ(٧) بنكاح وبِمِلْك يَمِين. وأجمعت الأمَّة على منع (١) المفهم ٥١٤/٥، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) ينظر المغني ٥٢٩/٩ . (٣) المحرر الوجيز ٣٣/٢، وسيرد تخريج الخبر في موضعه من الأحزاب. (٤) الآية : ٣٧ . (٥) المحرر الوجيز ٣٣/٢، والحديث سلف ص١٧٩ من هذا الجزء، وينظر الإجماع ص٧٩، والإشراف ٤ /٩٥. (٦) مشكل إعراب القرآن ١٩٤/١. (٧) في النسخ: الجميع، والمثبت من المحرر الوجيز ٣٣/٢ . ١٩٣ سورة النساء: الآية ٢٣ جمعهما في عقدٍ واحد من النكاح لهذه الآية (١)، وقولِه عليه الصلاة والسلام: ((لا تَعْرِضْنَ عليَّ بناتِكُنَّ ولا أَخَواتِكُنَّ))(٢). واختلفوا في الأختين بِمِلْك اليمين؛ فذهبَ كانَّةُ العلماء إلى أنَّه لا يجوزُ الجمعُ بينهما بالمِلْك في الوَظْء، وإنْ كان يجوزُ الجمعُ بينَهما في المِلك بإجماع؛ وكذلك المرأةُ وابنتُها صفقةً واحدة(٣). واختلفوا في عقد النكاح على أخت الجارية التي وطِئها، فقال الأوزاعيُّ: إذا وَطِئَ جاريةً له بِمِلْك اليمين، لم يجُز له أنْ يتزوَّجَ أختَها. وقال الشافعيُّ: ملكُ اليمين لا يمنعُ نكاحَ الأخت. قال أبو عمر(٤): مَن جَعلَ عقدَ النكاح كالشِّراء أجازَه، ومَن جعلَه كالوَطءِ لم يُجِزْه. وقد أجمعوا على أنَّه لا يجوزُ العقدُ على أخت الزوجة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يعني الزوجتين بعقد النكاح. فقِف على ما اجتمعوا عليه وما اختلفوا فيه، يتبين لك الصواب إن شاء الله. والله أعلم. الثامنة عشرة: شذَّ أهلُ الظاهر فقالوا: يجوزُ الجمعُ بين الأختين بمِلك اليمين في الوطء كما يجوزُ الجمعُ بينَهما في المِلْك. واحتجُوا بما رُوي عن عثمان في الأختين من مِلْك اليمين: حرَّمتهما آيةٌ وأحلَّتهما آية؛ ذكره عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن الزُّهْري، عن قَبِيصة بن ذُؤيب، أنَّ عثمانَ بنَ عفان سُئِل عن الأختين مما مَلَكت اليمين، فقال: لا آمرُكَ ولا أنهاك، أحلَّتهما آيةٌ وحرَّمتهما آية. فخرجَ السائلُ، فلقيَ رجلاً من أصحاب رسول اللـه ﴿ ـ قال مَعْمَر: أحسَبُه قال: علي - قال: وما سألتَ عنه عثمان؟ فأخبرَه بما سألَه وبما أفتاه، فقال له: لكنِّ أنهاك، ولو كان لي عليك (١) الإشراف ٤ / ٩٦ . (٢) تقدم ص١٨٦ من هذا الجزء . (٣) الإشراف ٤/ ٩٧. (٤) الاستذكار ٢٥٦/١٦، والكلام الذي قبله منه. ١٩٤ سورة النساء: الآية ٢٣ سبيلٌ، ثم فعلتَ، لجعلتُك نَكالاً(١). وذكر الطَّحاويُّ والدارَقُطْنِيُّ عن عليٍّ وابنِ عباس مثلَ قول عثمان(٢). والآية التي أحلَّتهما قولُه تعالى: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾(٣). ولم يلتفت أحدٌ من أئمة الفتوى إلى هذا القول؛ لأنَّهم فهموا من تأويل كتاب الله خلافَه، ولا يجوزُ عليهم تحريفُ التأويل. وممن قال ذلك من الصحابة: عمر وعليّ وابنُ مسعود وعثمان(٤) وابن عباس وعمار وابنُ عمرَ وعائشةُ وابنُ الزبير، وهؤلاء أهل العلم بكتاب الله، فمن خالفهم فهو متعسِّف في التأويل(٥). وذكر ابنُ المنذر(٦) أنَّ إسحاقَ بنَ راهويه حرَّم الجمعَ بينهما بالوطء، وأنَّ جمهورَ أهل العلم كرِهوا ذلك، وجعَلَ مالكاً فيمن كرِهَه. ولا خلافَ في جواز جمعهما في المِلك، وكذلك الأمُّ وابنتُها. قال ابنُ عطيةً(٧): ويجيءُ من قول إسحاق أنْ يُرجَم الجامع بينَهما بالوطء، وتُستقرأُ الكراهية من قول مالك: إنه إذا وطِئ واحدةً ثم وطِئ الأخرى، وقفَ عنهما حتى يُحرِّمَ إحداهما، فلم يُلزِمْه حدّاً. (١) مصنف عبد الرزاق (١٢٧٢٨)، وأخرجه من طريقه الدارقطني (٣٧٢٥)، وهو عند مالك في الموطأ ٥٣٨/٢ - ٥٣٩، وقول معمر: أحسبه قال علي، يعني الزُّهري كما هو مصرح به في الموطأ والمصنف. (٢) سنن الدارقطني (٣٧٢٧)، (٣٧٢٨). وينظر مصنف عبد الرزاق (١٢٧٣٦) و (١٢٧٣٧)، والمحلى ٩/ ٥٢٢ . (٣) كذا وقع في النسخ: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ ومحل الشاهد في الآية هو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ قال الباجي في المنتقى ٣٢٦/٣: ومعنى ذلك أنه عمَّ ولم يخص أختين من غيرهما. وانظر المحلى ٩/ ٥٢٣، والاستذكار ٢٥٠/١٦. (٤) قوله: وعثمان، ليس في (د) و(ظ). (٥) ينظر الإشراف ٩٧/٤ و٣٢٦، والاستذكار ٢٥٠/١٦ - ٢٥١. (٦) الإشراف ٤/ ٩٧، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٣/٢ . (٧) المحرر الوجيز ٣٣/٢. ١٩٥ سورة النساء: الآية ٢٣ قال أبو عمر(١): أما قولُ عليٍّ: لجعلتُه نكالاً (٢)، ولم يقل: لحدَدْتُه حدَّ الزاني. فِلِأَنَّ مَن تأوَّل آيةً أو سُنَّةً، ولم يَطَأ عند نفسه حراماً، فليسَ [بزانٍ] بإجماع، وإنْ كانَ مخطئاً، إلَّا أنْ يدَّعيَ مِن ذلك مالا يُعذَرُ بجهله. وقولُ بعض السَّلَف في الجمع بين الأختين بمِلك اليمين: أحلَّتهما آيةٌ وحرّمتهما آية، معلومٌ محفوظ، فكيف يُحدُّ حدَّ الزاني مَن فعلَ ما فيه مثلُ هذا مِن الشُّبهة القويَّة؟ وبالله التوفيق. التاسعة عشرة: واختلفَ العلماءُ إذا كان يَطَأُ واحدةً، ثمَّ أراد أنْ يَطأَ الأخرى؛ فقال عليٍّ وابن عمر والحسن البَضْرِيُّ والأوزاعيُّ والشافعيُّ وأحمد وإسحاق: لا يجوزُ له وطءُ الثانية حتى يُحرِّم فرجَ الأخرى بإخراجها من ملكه ببيع أو عِتقٍ، أو بأنْ يُزوِّجَها. قال ابنُ المنذر(٣): وفيه قول ثانٍ لقَتادة، وهو أنَّه إذا كان يطأُ واحدةً وأراد وَظْءَ الأخرى، فإنه ينوي تحريمَ الأولى على نفسه، وألَّا يَقْرَبها، ثم يُمسك عنهما حتى يستبرِئ الأولى المحرَّمة، ثم يَغْشَى الثانية. وفيه قول ثالث: وهو إذا كان عنده أختان فلا يَقْرَب واحدةً منهما. هكذا قال الحَكم وحماد، ورُوي معنى ذلك عن النَّخعي. ومذهب مالك: إذا كان أختان عندَ رجل بِمِلْك، فله أنْ يطأ أيَّتَهما شاء، والكَفُّ عن الأخرى موكولٌ إلى أمانته. فإن أراد وطءَ الأخرى؛ فيلزمُه أنْ يحرِّم على نفسه فَرْج الأولى بفعلٍ يفعلُه، من إخراجٍ عن الملك؛ إما بتزويجٍ، أو بيعٍ، أو عتقٍ إلى أجل، أو كتابة، أو إخدام طويل. فإنْ كانَ يَطأُ إحداهما، ثم وثب على الأخرى دونَ أنْ يحرِّم الأولى، وقفَ عنهما، ولم يَجُزْ له قُربُ إحداهما حتى يُحرِّمَ الأخرى، ولم (١) في الاستذكار ١٦/ ٢٥١، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٢) تقدم قول علي: لجعلتك نكالاً، وهذا اللفظ الذي ذكره ابن عبد البر هو عند مالك في الموطأ، وعبد الرزاق في المصنف كما تقدم. (٣) الإشراف ٩٧/٤، ونقله المصنف عنه مع ما قبله بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٣/٢. ١٩٦ سورة النساء: الآية ٢٣ يُوكَل ذلك إلى أمانته؛ لأنه مُتَّهم فيمَن قد وطِئ، ولم يكن قبلُ متَّهماً إذ كان لم يطأ إلا الواحدة(١). ومذهبُ الكوفيين في هذا الباب - الثَّورِيِّ وأبي حنيفةَ وأصحابِه - أنَّه إن وطِئ إحدى أَمَتَيْه لم يَطأ الأخرى، فإنْ باعَ الأولى أو زوَّجها ثم رجعت إليه، أمسك عن الأخرى، وله أنْ يَطأها ما دامت أختُها في العِدَّة من طلاق أو وفاة. فأما بعد انقضاءِ العِدَّة فلا، حتى يُمَلِّك فرجَ التي يطأُ غيرَه؛ ورُوي معنى ذلك عن عليٍّ ﴾. قالوا: لأنَّ المِلْك الذي مَنَعَ وَظْءَ الجارية في الابتداء موجود، فلا فرق بين عودتها إليه وبين بقائها في مِلْكه(٢). وقول مالكٍ حسَنٌ؛ لأنَّه تحريمٌ صحيح في الحال، ولا تلزمُ مراعاةُ المآل، وحَسْبُهُ إذا حرَّم فرجَها عليه ببيع أو بتزويج؛ أنها حَرُمت عليه في الحال. ولم يختلفوا في العتق؛ لأنَّه لا يتصرَّف فيه بحال، وأما المكاتبة؛ فقد تَعجِزُ فترجعُ إلى ملكه(٣). فإن كان عند رجُل أَمَةٌ يَطؤها، ثم تزوَّج أختَها، ففيها في المذهب ثلاثةُ أقوال في النكاح. الثالث: في ((المدوَّنة))(٤) أنه يوقف عنهما إذا وقعَ عقدُ النكاح حتى يحرِّم إحداهما مع كراهيةٍ لهذا النكاح؛ إذ هو عقدٌ في موضعٍ لا يجوزُ فيه الوطءُ(٥). وفي هذا ما يدلُّ على أنَّ مِلْك اليمين لا يمنعُ النكاحَ، كما تقدَّم عن الشافعي(٦). وفي الباب بعينه قول آخَرُ: أنَّ النكاحَ لا ينعقد. وهو معنى قول الأوزاعيِّ. وقال أشهبُ في كتاب الاستبراء: عقدُ النكاح في الواحدة تحريمٌ لفرج المملوكة(٧). (١) المحرر الوجيز ٣٣/٢. (٢) ينظر الاستذكار ٢٥٤/١٦ - ٢٥٥. (٣) الاستذكار ١٦/ ٢٥٤ . (٤) ٢/ ٢٨٠. (٥) المحرر الوجيز ٣٣/٢، وعنه نقل المصنف كلام المدونة. (٦) ص ١٩٣ من هذا الجزء . (٧) المحرر الوجيز ٣٣/٢، وسلف قول الأوزاعي ص١٩٣ من هذا الجزء. ١٩٧ سورة النساء: الآية ٢٤ الموفية عشرين: وأجمعَ العلماءُ على أنَّ الرجلَ إذا طلَّق زوجته طلاقاً يملكُ رجعتَها؛ أنه ليس له أنْ ينكِحَ أختَها، أو أربعاً سواها، حتى تنقضِيَ عِدَّةُ المطلقَة. واختلفوا إذا طلَّقها طلاقاً لا يملكُ رجعتَها؛ فقالت طائفة: ليس له أنْ ينكِحَ أختَها ولا رابعةً حتى تنقضِيَ عِدَّهُ التي طلَّق، ورُويَ عن عليٍّ وزيد بن ثابت [وابن عباس] وهو مذهبُ مجاهدٍ وعطاء بن أبي رَباح والنَّخَعيِّ، وسفيان الثَّوْريِّ وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: له أنْ ينكحَ أختَها وأربعاً (١) سواها، ورُويَ عن عطاء، وهي أثبت الروايتين عنه، ورُوي عن زيد بن ثابت أيضاً، وبه قال سعيد بن المسيِّب والحسنُ، والقاسم وعُروة بن الزبير، وابنُ أبي لَيْلَى والشافعيُّ، وأبو ثَوْر وأبو عبيد. قال ابن المنذر (٢): ولا أحسَبُه إلا قول مالك، وبه نقول. الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يحتمل أن يكون معناه معنى قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. ويَحتمِلُ معنىّ زائداً، وهو جوازُ ما سلفَ، وأنه إذا جرى الجمعُ في الجاهلية؛ كان النكاحُ صحيحاً، وإذا جرى في الإسلام؛ خُيِّر بين الأختين، على ما قالَه مالك والشافعيُّ، من غير إجراء عقود الكفار على مُوجَب الإسلام ومُقتضَى الشَّرِعِ، وسواءٌ عقدَ عليهما عقداً واحداً جَمَع به بينهما، أو جمع بينهما في عقدين. وأبو حنيفة يُبطِل نكاحَهما إنْ جُمِع في عقد واحد(٣). وروى هشامُ بن عبدالله عن محمد بن الحسن أنه قال: كان أهلُ الجاهلية يعرفون هذه المحرَّماتِ كلَّها التي ذكرت في هذه الآية إلَّ اثنتين؛ إحداهما نكاحُ امرأةِ الأب، والثانيةُ الجمعُ بين الأختين؛ ألا ترى أنه قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ مَابَآؤُكُمْ مِنَ (١) يعني: أو أربعاً، كما ذكر أول المسألة، والكلام في الإشراف ٤/ ١٠٠. (٢) الإشراف ٤/ ١٠٠، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ١/ ٤٠٢ . ١٩٨ سورة النساء: الآيتان ٢٣ - ٢٤ اٌلِسَاءِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾. ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ولم يذكر في سائر المحرَّمات ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفََ﴾(١). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ كِنَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحَِ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينٌ فَمَا أَسْتَمْتَعْثُم بِهِ مِنْهُنَّ فَاتُوُهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَضَيْتُم بِهِ مِنْ بَعْدِ ٢٤ اَلْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا فيه أربع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالْمُعْصَنَتُ﴾ عطفٌ على المحرَّمات المذكورات قبلُ. والتَّحَصُّن: التمنُّع، ومنه الحِصْن؛ لأنه يُمتنع فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلََّهُ صَنْعَةً لَبُوسٍ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] أي: لتمنعَكم، ومنه الحِصانُ للفرس - بكسر الحاء - لأنَّه يمنعُ صاحبه من الهلاك. والحَصَانُ، بفتح الحاء : المرأةُ العفيفةُ؛ لمنعها نفسَها من الهلاك(٢). وحَصُنت المرأةُ تَحْصُن، فهي حَصَانٌ، مثل جبنت، فهي جبان(٣). وقال حسان في عائشةَ رضي الله عنها : حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِريبةٍ وتُصبِحُ غَرْثَى من لُحومِ الغَوَافِل(٤) والمصدر: الحَصَانةُ، بفتح الحاء، والحِضْن كالعِلْم. (١) تفسير أبي الليث ١/ ٣٤٤، وأخرجه بنحوه الطبري ٦/ ٥٤٩ عن ابن عباس وقتادة. (٢) تفسير الرازي ٣٩/١٠. (٣) الحجة للفارسي ١٤٧/٣. (٤) ديوانه ص ٣٨٠، قوله: رزان، أي: كاملة الوقار والعقل. وغرثى: من الغرث، وهو الجوع. والغوافل جمع تكسير غافلة. المعنى: أنها في غاية العفة والنزاهة عن أن تُزَنَّ بريبة، أي: تتهم بها، ثم وصفها بكمال العقل والوقار والورع المانع لها من أن تتكلم بعرض غافلة. المفهم ٤٢١/٦ ، والبيت ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري (٤٧٥٦) ومسلم (٢٤٨٨) عن مسروق قال: دخلتُ على عائشة وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعراً ... ١٩٩ سورة النساء: الآية ٢٤ فالمرادُ بالمُحْصَنَات هنا: ذواتُ الأزواج؛ يقالُ: امرأةٌ مُحْصَنةٌ، أي: متزوِّجة. ومحصَنة، أي: حُرَّة؛ ومنه: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ [المائدة: ٥]. ومحصَنة، أي: عفيفة؛ قال الله تعالى: ﴿مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]، وقال: ﴿قُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينٌ﴾. ومُحصَنَة ومُخْصِنة وحَصان، أي: عفيفة، أي: ممتنعةٌ من الفسق(١). والحرّية تمنعُ الحُرَّة مما يتعاطاه العبيد؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ [النور: ٤] أي: الحرائر، وكان عُرْفُ الإماءِ في الجاهلية الزِّنى، ألا ترى إلى قول هِند بنتِ عُتبةً للنبيِّ لَ﴾ حين بايعته: وَهَلْ تَزْني الحُرَّةِ (٢)؟! والزوجُ أيضاً يمنعُ زوجَه من أن تَزوَّج غيره، فبِناء (ح ص ن) معناه المنع(٣) كما بيَّنَا. ويُستعملُ الإحصانُ في الإسلام؛ لأنَّه حافظٌ ومانعٌ، ولم يرد في الكتاب، وورد في السنة، ومنه قول النبيِّ نَ﴾: ((الإيمانُ قَيَّد الفَتْكَ))(٤). ومنه قول الهُذَليّ: ولكنْ أحاطَتْ بالرِّقَابِ السَّلَاسِلُ( فليسَ كعَهْدِ الدَّارِ يا أمَّ مالكٍ وقال الشاعر: (١) ينظر الصحاح (حصن)، وإعراب القرآن للنحاس ٤٤٥/١، قال الجوهري: قال ثعلب: كل عفيفة محصَنة ومُحْصِنَة، وكل متزوِّجة مُحْصَنَة لا غير. (٢) المحرر الوجيز ٣٤/٢، والحديث أخرجه أبو يعلى (٤٧٥٤) من طريق أم عمرو المجاشعية قالت: حدثتني عمتي، عن جدتي، عن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة ... ، قال الحافظ في التلخيص الحبير ٥٢/٤: في إسناده مجهولات. وقال في الإصابة ١٦٥/١٣: ومن طرقه ما أخرجه ابن سعد بسند صحيح مرسل عن الشعبي وعن ميمون بن مهران. وهما في طبقات ابن سعد ٩/٨، ٢٣٧ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣٨١/١. (٤) المحرر الوجيز ٣٤/٢، وأخرج الحديث أحمد (١٤٢٦) من حديث الزبير ﴾، و(١٦٨٣٢) من حديث معاوية . والفتك: أن يأتي الرجل صاحبه وهو غارِّ غافل فيشدَّ عليه فيقتله. النهاية ٣/ ٤٠٩ . (٥) قائله أبو خراش خويلد بن مرة، وهو في الأغاني ٢١١/٢١، وشرح أشعار الهذليين ١٢٢٣/٣. قال السُّكّري أراد: الإسلام أحاط برقّابنا، فلا نستطيع أن نعمل شيئاً. ٢٠٠ سورة النساء: الآية ٢٤ قالت هَلُمَّ إلى الحديثِ فقلتُ لا يأبى عليكِ اللهُ والإسلامُ(١) ومنه قول سُخیم : كفى الشَّيبُ والإسلامُ للمَرِهِ ناهِیا (٢) الثانية: إذا ثبتَ هذا فقد اختلفَ العلماءُ في تأويل هذه الآية، فقال ابنُ عباس وأبو قِلابة وابن زيد ومَكْحُولٌ والزُّهريُّ وأبو سعيدِ الخُدْري: المرادُ بالمحصَناتِ هنا: ذواتُ الأزواج(٣) خاصَّةً، أي: هنَّ محرَّماتٌ إلَّا ما مَلَكت اليمينُ بالسَّبْي من أرض الحرب، فإنَّ تلك حلالٌ للَّذي تقعُ في سهمه وإنْ كان لها زوجٌ (٤). وهو قول الشافعيِّ في أنَّ السِّباءَ يقطعُ العِصْمةَ، وقاله ابنُ وهبٍ وابنُ عبدِ الحكمِ، وَرَوَیاهُ عن مالك، وقال به أَشْهبُ(٥). يدلُّ عليه ما رواه مسلم في صحيحه(٦) عن أبي سعيد الخدري، أنَّ رسولَ الله ﴾ يومَ حُنَينٍ بعثَ جيشاً إلى أوْطاس، فلقُوا العدوَّ، فقاتلوهم، وظهروا عليهم، وأصابوا لهم سَبَايَا، فكأنَّ ناساً(٧) من أصحاب النبيِّ ﴾ تحرَّجوا من غِشْيانهنَّ من أجل (١) نسبه ابن الكلبي في كتاب الأصنام ص٣١، والبغدادي في الخزانة ٢٢٨/٧ لراشد بن عبدالله السُّلمي ﴾، ونسبه ابن هشام في السيرة ٤١٧/٢ لفضالة بن عمير بن المُلَّوّح الليثي (٢) ديوان سحيم ص١٦، وهو من شواهد الكتاب ٢٢٥/٤، وصدره: عميرةً ودّع إن تجهَّزتَ غازياً وسحيم هو عبد لبني الحسحاس أدرك الجاهلية والإسلام، ولا يعرف له صحبة، وقد قيل إنه قتل في : خلافة عثمان بسبب امرأة من بني الحسحاس. الإصابة ٦/٥، والخزانة ٢/ ١٠٢ . (٣) وقع في النسخ: المسبيَّات ذوات الأزواج، وهو خطأ، والمثبت من المحرر الوجيز ٣٤/٢ - ٣٥، والكلام منه. (٤) أخرجه عن ابن عباس وأبي قلابة ومكحول الطبريُّ ٦/ ٥٦٢، وسيرد حديث أبي سعيد الخدري ﴾. وينظر الإشراف ٣٢٤/٤. (٥) التمهيد ١٤٤/٣. (٦) برقم (١٤٥٦)، وهو عند أحمد (١١٧٩٧). (٧) في (د) و(م): فكان ناس، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في صحيح مسلم.