Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
سورة النساء: الآية ١٦
قوله تعالى: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَّا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ
عَنْهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا
فيه سبع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالَّذَانِ﴾ ((الَّذَانِ)) تشنيةُ الذي، وكان القياسُ أنْ يقال:
اللَّذَيَان، كرَحَيَان ومُصْطَفَيَان وَشَجَيَان. قالَ سيبويهِ: حُذِفت الياء ليُفرقَ بين الأسماءِ
المتمكِّنة والأسماءِ المبْهَمات. وقال أبو علي: حُذفت الياء تخفيفاً، إذ قد أُمِنِ اللَّبْسُ
في اللَّذان؛ لأنَّ النون لا تَنْحَذِف، ونونُ التَّثنية في الأسماء المتمكِّنة قد تنحذف مع
الإضافةِ في رَحَياكَ ومُصْطَفَيا القوم، فلو حُذفت الياء لا شتبه المفرَدُ بالاثنين(١).
وقرأ ابن كثير: ((اللّذَانٌ)) بتشديد النون (٢)، وهي لغةُ قريشٍ، وعلَّته أنَّه جعل
التشديدَ عِوّضاً من ألف ((ذا)) على ما يأتي بيانُه في سورة (القَصَص)) (٣) عند قوله
تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُّرْهَنَانٍ﴾ [٣٢].
وفيها لغة أخرى ((اللَّذا)) بحذف النون. هذا قولُ الكوفيين. وقال البَصْريون: إنَّما
حُذفتِ النون لطول الاسم بالصِّلَةَ (٤).
وكذلك قرأ: ((هذانٌ)) و((فَذَانِكَ بُرْهَانانٍ)) بالتشديدِ فيهما. والباقون بالتخفيف.
(١) المحرر الوجيز ٢١/٢. وقول سيبويه في الكتاب ٤١١/٣، وقول أبي علي في الحجة ١٤١/٣.
(٢) السبعة ص٢٢٩ ، والتيسير ص ٩٤ .
(٣) كذا ذكر المصنف - رحمه الله - وهو وهم منه، فالكلام على ((الذي)) وليس على ((ذا)) حيث أحال فيها
على سورة القصص.
قال السمين الحلبي في الدر المصون ٦٢١/٣ : وجهها جعل إحدى النونين عوضاً من الياء المحذوفة
التي كان ينبغي أن تبقى. وذلك أن ((الذي)) مثل ((القاضي)). و((القاضي)) تثبت ياؤه في التثنية، فكان حقُّ
ياء ((الذي)) و((التي)) أن تثبت في التثنية، ولكنهم حذفوها؛ إما لأن هذه تثنيةٌ على غير القياس؛ لأن
المبهمات لا تثنى حقيقة، إذ لا يُثنّى إلا ما ينَكَّر، والمبهمات لا تُنكَّر، فجعلوا الحذف منبهة على هذا،
وإما لطول الكلام بالصلة.
(٤) أمالي ابن الشجري ٣/ ٥٥ .

١٤٢
سورة النساء: الآية ١٦
وشدَّد أبو عمرو: ((فَذَانِّكَ بُرْهانان)) وحدها(١).
و ((اللَّذَانِ)) رفع بالابتداء. قال سيبويه(٢): المعنى: وفيما يُتلى عليكم اللَّذانِ
يأتيانها - أي: الفاحشةَ - منكم.
ودخلت الفاء في ((فَأَذُوهُمَا)) لأن في الكلام معنى الأمر، لأنَّه لمَّا وُصِل ((الذي))
بالفعل تمكَّن فيه معنى الشرطِ، إذ لا يقعُ عليه شيء بعينه، فلمَّا تمكَّن الشرطُ والإبهام
فيه، جرى مَجرى الشَّرط، فدخلت الفاءُ، ولم يَعمل فيه ما قبلَه من الإضمار كما لا
يعمل في الشرط ما قبله [من مُضمر أو مُظهر، فلما بعُد أن يعمل في اللذين ما قبلها
من الإضمار، لم يحسن الإضمار] فلمَّا لم يَحسن إضمارُ الفعلِ قبلَهما ليُنصَبا، رُفعا
بالابتداء، وهذا اختيار سيبويه. ويجوز النصبُ على تقدير إضمارٍ فعلٍ، وهو الاختيارُ
إذا كان في الكلام معنَى الأمرِ والنَّهي، نحو قولك: اللَّذيْن عندك فأكرِمْهما(٣).
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَاذُوهُمَّ﴾ قال قتادةُ والسدِّي: معناه التَّوبيخُ والتَّعيير.
وقالت فرقة: هو السَّبُّ والجفاءُ دون تغيير. ابن عباس: النَّيلُ باللسان والضَّربُ
بالنِّعال (٤). قال النحاس(٥): وزعم قوم أنَّه منسوخٌ.
قلت: رواه ابن أبي نَجيحِ عن مجاهد قال: ﴿وَالَّتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ ﴿وَالَّذَانِ
يَأْتِيَنِهَا﴾ كان في أوَّل الأمر، فنسخَتْهما الآيةُ التي في ((النور))(٦).
قال النحاس: وقيل وهو أولى: إنَّه ليس بمنسوخٍ، وأنه واجب أن يؤذّيا(٧)
(١) السبعة ص٢٢٩ والتيسير ص ٩٤- ٩٥ وص١٧١ .
(٢) الكتاب ١/ ١٤٣، وينظر المحرر الوجيز ٢١/٢ - ٢٢.
(٣) مشكل إعراب القرآن ١٩٣/١، وما سلف بين حاصرتين منه. وينظر الكتاب ١/ ١٣٧ - ١٤٠.
(٤) المحرر الوجيز ٢٢/٢. والآثار المذكورة أخرجها الطبري ٦/ ٥٠٢ - ٥٠٣، وخبر ابن عباس أخرجه
أيضاً أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٢٣٩)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٣٣٦).
(٥) إعراب القرآن ١/ ٤٤٢ .
(٦) أخرجه الطبري.
(٧) في النسخ: يؤذَّبا، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٤٢ .

١٤٣
سورة النساء: الآية ١٦
بالتوبيخ، فيقال لهما: فَجَرْتُما وفَسَقْتُما وخالَفْتُما أمر الله عزَّ وجلَّ.
الثالثة: واختلفَ العلماءُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَلَّتِ﴾ وقوله: ﴿وَأَلَّذَانِ﴾،
فقال مجاهد وغيره: الآية الأولى في النساء عامَّة، مُحصناتٍ وغيرَ مُحصناتٍ، والآية
الثانية في الرجال خاصةً. وبيَّن بلَفْظ (١) الثَّثنيةِ صِنْفي الرجال: مَن أُحصن ومن لم
يُحصن، فعقوبةُ النساءِ الحبسُ، وعقوبةُ الرجال الأذى. وهذا قولٌ يقتضيه اللفظُ،
ويَستوفي نصُّ الكلام أصنافَ الزُّناة [عليه]. ويؤيدُه من جهة اللَّفظ قولُه في الأولى:
﴿مِن نِسَائِكُمْ﴾، وفي الثانية ﴿مِّنكُمْ﴾(٢). واختاره النحاس، ورواه عن ابن
(٣)
عباس(٣).
وقال السُّدِّي وقتادةُ وغيرهما: الأولى في النساء المحصَنات. يريد: ودخل
معهنَّ مَن أُحصِنَ من الرجال بالمعنى. والثانيةُ في الرجل والمرأة البِكرين(٤). قال ابن
عطيةَ: ومعنى هذا القول تام إلّا أنَّ لفظَ الآية يقلق(٥) عنه. وقد رجَّحه الطبريُّ(٦)،
وأباه النحاسُ(٧) وقال: تغليبُ المؤنَّثِ على المذكَّر بعيدٌ؛ لأنَّه لا يَخرجُ الشيءُ إلى
المجَاز ومعناه صحيحٌ في الحقيقة.
وقيل: كان الإمساك للمرأة الزانية دون الرجل، فخُصَّت المرأةُ بالذِّكْر في
(١) في (م): لفظ.
(٢) المحرر الوجيز ٢٢/٢، وما بين حاصرتين منه، وقول مجاهد ذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ
١٦٤/٢، وأخرجه الطبري ٦/ ٥٠٠ مختصراً.
(٣) الناسخ والمنسوخ (٣٣٦).
(٤) كذا نسب المصنف القول لقتادة وابن عطية في المحرر ٢٢/٢، والنحاس في الناسخ والمنسوخ
١٦٣/٢، وقد أخرج الطبري ٤٩٩/٦ هذا القول عن السدي وابن زيد ورجحه، أما قول قتادة فهو ما
سيذكره المصنف قريباً.
(٥) في (د) و (ز) و (ظ): تعلق، وفي (خ) و (ف): يغلق، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في المحرر
الوجيز ٢٠/٢ .
(٦) في تفسيره ٤٩٩/٦ .
(٧) في إعراب القرآن ١/ ٤٤٢ .

١٤٤
سورة النساء: الآية ١٦
الإمساك، ثم جُمعا في الإيذاء.
قال قتادةُ: كانت المرأة تُحبَسُ، ويؤذيان جميعاً(١). وهذا لأنَّ الرجل يحتاج إلى
السعي والاكتساب.
الرابعة: واختلف العلماء أيضاً في القول بمقتضى حديثِ عُبادةَ الذي هو بيانٌ
لأحكام الزُّناةِ على ما بينًّاه، فقال بمقتضاه علي بنُ أبي طالبٍ، لا اختلافَ عنه في
ذلك، وأنه جَلَدِ شُرَاحَةَ الهِمْدانية مِئَةً، وَرَجَمها بعد ذلك، وقال: جلَدْتُها بكتاب
الله، وَرَجمتُها بسنَّة رسول اللـهِ﴾(٢). وقال بهذا القولِ الحسنُ البصريُّ، والحسن بن
صالح بن حيٍّ، وإسحاقُ.
وقال جماعةٌ من العلماء: بل على الثَّيِّبِ الرجمُ بلا جَلْدٍ. وهذا يُروى عن عمرَ،
وهو قولُ الزُّهريِّ والنَّخَعيِّ ومالكِ، والثوريِّ والأوزاعيِّ، والشافعيِّ وأصحابٍ
الرأي، وأحمدَ وأبي ثور(٣)؛ مُتمسكين بأنَّ النبيَّ ﴾ رَجم ماعِزاً (٤) والغامِديَّة(٥)، ولم
يجلدهما، وبقوله عليه الصلاة والسلام لأُنَيْس: ((اغدُ على امرأةٍ هذا، فإن اعترفت
فارجمها))(٦)، ولم يذكر الجَلْد، فلو كان مشروعاً لمَا سَكَت عنه. قيل لهم: إنما
(١) أخرجه الطبري ٦/ ٤٩٤ .
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٦٩/٢، وأخرجه أحمد (٧١٦)، والحاكم ٣٦٥/٤ وصححه، والحازمي
في الاعتبار ص ٢٠١ من طريق الشعبي عن علي، قال الحازمي: لم تثبت أئمة الحديث سماع الشعبي
من علي. وقال الدَّارَقُطْنِي في العلل ٩٧/٤ : سمع الشعبي من علي حرفاً ما سمع غير هذا.
(٣) الناسخ والمنسوخ ٢/ ١٧٠-١٧١، والأخبار عن عمر والزهري والحسن البصري أخرجها عبد الرزاق
(١٣٣٥٧) و (١٣٣٥٨) و (١٣٣٠٨)، وينظر الإشراف ٧/٢ - ٨، ومعالم السنن ٣١٦/٣، والمحلى
٢٣٤/١١، والاستذكار ٤٩/٢٤-٥٠، والاعتبار ص٢٠١-٢٠٢ .
(٤) أخرجه مسلم (١٦٩٢) و (١٦٩٣) و (١٦٩٤) و (١٦٩٥) من حديث جابر بن سمرة، وابن عباس، وأبي
سعيد، وبريدة، وأخرجه البخاري (٦٨١٥)، ومسلم (١٦٩١) من حديث أبي هريرة ﴾، ولم يذكر فيه
اسم ماعز.
(٥) أخرجه أحمد (٢٢٩٤٩)، ومسلم (١٦٩٥) من حديث بريدة ﴾.
(٦) أخرجه أحمد (١٧٠٣٨)، والبخاري (٢٣١٤ - ٢٣١٥)، ومسلم (١٦٩٧) (١٦٩٨) من حديث أبي
هريرة وزيد بن خالد الجهني وأنيس: هو ابن الضحاك الأسلمي، كما نقل الحافظ ابن حجر في الفتح
١٢/ ١٤٠ عن ابن عبد البر، ونقل أيضاً عن ابن السكن قوله: لا أدري من هو، ولا وجدت له ذكراً إلا
في هذا الحديث، وقال الحافظ: وغلط من زعم أنه أنس بن مالك.

١٤٥
سورة النساء: الآية ١٦
سَكَت عنه؛ لأنَّه ثابتٌ بكتاب الله تعالى، فليس يَمتنعُ أن يَسكُتَ عنه لشُهْرته(١)
والشَّنصيصِ عليه في القرآن؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿الَّيَّةُ وَلَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِأْتَةً
◌َّدَةٍ﴾ [النور: ٢] يعمُّ جميع الزُّناة. والله أعلم. ويبينُ هذا فعلُ عليٍّ بأخذه عن الخلفاء
رضي الله عنهم، ولم يُنكَر عليه فقيل له: عَمِلْت بالمنسوخ وتركتَ النَّاسخ. وهذا
واضحٌ.
الخامسة: واختلفوا في نفي البِكر مع الجَلْد؛ فالذي عليه الجمهورُ أنَّه يُنفى مع
الجَلْد؛ قاله الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمانُ وعلي، وهو قولُ ابن عمرَ
رضوان الله عليهم أجمعين، وبه قال عطاءٌ وطاوسٌ، وسفيانُ، ومالكٌ، وابن أبي
ليلى والشافعيُّ، وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور. وقال بتَركه حماد بنُ أبي سليمان وأبو
حنيفةً ومحمد بن الحسن(٢).
والحجَّةُ للجمهور حديثُ عُبادةَ المذكور(٣)، وحديثُ أبي هريرةَ وزيد بنِ خالدٍ،
حديثُ العَسِيف، وفيه: فقال النبيُّ :﴿: ((والذي نفسي بيده، لأقضيَنَّ بينكما بكتاب
الله: أمَّا غَنَمُكَ وجاريتُك؛ فَرَدٌّ عليك)) وجَلَدَ ابنَهُ مئةً، وغرَّبَه عاماً. أخرجه الأئمةُ(٤).
احتجَّ مَن لم يرَ نفيَه بحديث أبي هريرةً في الأمَة، ذَكَر فيه الجلدَ دون النَّفي(٥).
وذكر عبد الرزاق، عن معمرٍ، عن الزُّهري، عن سعيد بن المسيِّب قال: غرَّبَ عمرُ
ربيعةَ بنَ أبي أميةَ بنِ خلف في الخمر إلى خبيرَ، فَلَحِقَ بهِرَقْلَ فتنصَّر، فقال عمرُ: لا
أغرِّبُ مسلماً بعد هذا. قالوا: ولو كان التَّغريبُ حدّاً لله تعالى ما تركه عمرُ بعدُ(٦). ثم
(١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٧٣/٢ .
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٧٣/٢-١٧٥، وأخرج الآثار عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عمر
وغيرهم عبد الرزاق ٣٠٩/٧-٣١٥، وابن أبي شيبة ٨١/١٠-٨٥، وينظر الاستذكار ٥٤/٢٤ -٥٧،
والمفهم ٥/ ٨١ - ٨٣ .
(٣) تقدم ص ١٤٠ من هذا الجزء.
(٤) سلف قطعة منه في المسألة الرابعة، وهو قوله ﴾: ((اغد يا أنيس .. )). والعسيف: الأجير. المفهم ١٠٤/٤.
(٥) أخرجه أحمد (٩٤٧٠)، والبخاري (٢١٥٢)، ومسلم (١٧٠٣)، وسيذكره المصنف بتمامه ص٢٤٢.
(٦) التمهيد ٨٩/٩، وخبر عمر في مصنف عبد الرزاق (١٣٣٢٠).

١٤٦
سورة النساء: الآية ١٦
إنَّ النصَّ الذي في الكتاب إنما هو الجَلدُ، [والتغريب زيادة عليه]، والزيادةُ على
النصِّ نسخٌ، فيلزمُ عليه نسخُ [القرآن] القاطع بخبر الواحد(١).
والجوابُ: أمَّا حديث أبي هريرةً؛ فإنَّما هو في الإماء لا في الأحرار. وقد صحَّ
عن عبداللهِ بن عمر أنَّه ضَرب أَمته في الزنا ونفاها(٢). وأمَّا حديثُ عمرَ وقولُه:
لا أغرِّبُ بعده مسلماً، فيعني في الخمر(٣) - والله أعلم - لمَا رواه نافعٌ عن ابن عمر:
أنَّ النَّبِي ◌َ﴾ ضربَ وغرَّبَ، وأنَّ أبا بكرٍ ضربَ وغرَّبَ، وأنَّ عمرَ ضربَ وغرَّبَ.
أخرجه التِّرمذي في جامعه، والنَّسائيُّ في سننه عن أبي كُرَيْبٍ محمد بن العلاء
الهمْدانيِّ، عن عبدالله بن إدريس، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع(٤). قال
الدار قطنِيُّ: تفرَّد به عبدالله بنُ إدريس ولم يُسنده عنه أحدٌ من الثقات غيرُ أبي
كريب(٥)، وقد صحَّ عن النبيِّ ﴿ النفيُ، فلا كلامَ لأحدٍ معه، ومَن خالفته السنةُ
خاصمته. وبالله التوفيق.
وأمَّا قولُهم: الزيادةُ على النصِّ نَسخٌ، فليس بمسلَّم، بل زيادةُ حكمٍ آخرَ مع
الأصل. ثم هو (٦) قد زاد الوضوءَ بالنَّبيذ بخبر لم يَصِحَّ على الماء، واشترطَ الفقرَ في
القُرْبَى، إلى غير ذلك مما ليس منصوصاً عليه في القرآن. وقد مضى هذا المعنى في
البقرة ويأتي(٧).
(١) المفهم ٨١/٥ ، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٧٨/٢، وأخرج أثر ابن عمر عبد الرزاق (١٣٣١٦).
(٣) الاستذكار ٥٦/٢٤ .
(٤) سنن الترمذي (١٤٣٨)، والسنن الكبرى للنسائي (٧٣٠٢)، وصححه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام
٤٤٤/٥.
(٥) لم نقف على قول الدَّارَقُطْنِيَّ هذا، وذكر في العلل ٥/ ورقة ١١٢ : أن محمد بن عبدالله بن نمير وأبا
سعيد الأشج روياه عن ابن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن أبا بكر ضرب وغرب ... ،
قال: وهو الصواب. قلنا: يعني ليس فيه ذكر النبي ﴾.
(٦) يعني أبا حنيفة، والكلام في المفهم ٥/ ٨٢ .
(٧) تقدم ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦ و٤٤٣/٤، وسيأتي عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾
[التوبة: ٦٠].

١٤٧
سورة النساء: الآية ١٦
السادسة: القائلون بالتَّغريب لم يختلفوا في تغريب الذَّكَر الحرِّ، واختلفوا في
تغريب العبدِ والأمَة، فممن رأى التَّغريبَ فيهما ابنُ عمر؛ جلَدَ مملوكَةً له في الزِّنا،
ونفاها إلى فَدَكُ(١)، وبه قال الشافعيُّ وأبو ثور، والثوريُّ والطبريُّ وداود(٢).
واختلفَ قول الشافعيِّ في نفي العبد، فمرةً قال: أستخيرُ الله في نفي العبد،
ومرةً قال: يُنفى نصفَ سنة، ومرةً قال: يُنفى سنةً إلى غير بلده، وبه قال الطبريُّ.
واختلفَ أيضاً قولُه في نَفْي الأمَّة على قولين. وقال مالكٌ: يُنفى الرجل، ولا تُنفى
المرأةُ ولا العبد، ومن نُفيَ حُبس في الموضع الذي ينفى إليه (٣). وينفى من مصرَ إلى
الحجاز وشَغْب(٤) وأسوان ونحوها، ومن المدينة إلى خيبر وفَدَك، وكذلك فعل عمر
ابن عبد العزيز. ونَفى عليٍّ من الكوفة إلى البصرة. وقال الشافعيُّ: أقل ذلك يوم
وليلة(٥).
قال ابن العربي (٦): كان أصل النَّفي أنَّ بني إسماعيل(٧) أجمعَ رأيهم على أنَّ مَن
أَحدثَ حَدَثاً في الحرَمِ، غُرِّبَ منه، فصارت سُنَّةً فيهم يَدينون بها؛ فلأجل ذلك استنَّ
الناس إذا أحدث أحدٌ حَدَثاً؛ غُرِّبَ عن بلده، وتمادى ذلك في الجاهلية إلى أن جاءَ
الإسلام، فأقرَّه في الزنا خاصةً.
احتجَّ مَن لم يرَ النَّفيَ على العبد بحديث أبي هريرة في الأمَة (٨)؛ ولأنَّ تغريبه
(١) تقدم في المسألة قبلها، وفدك: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة. معجم البلدان
٢٣٨/٤.
(٢) المفهم ٨٢/٥ .
(٣) التمهيد ٨٧/٩، والاستذكار ٥٤/٢٤ .
(٤) شَغْب: منهل بين مصر والشام. القاموس (شغب).
(٥) المفهم ٨٢/٥، وخبر علي أخرجه عبد الرزاق (١٣٣٢٣).
(٦) أحكام القرآن ٣٥٩/١ .
(٧) في النسخ: إسرائيل، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في أحكام القرآن.
(٨) تقدم في المسألة السابقة.

١٤٨
سورة النساء: الآية ١٦
عقوبةٌ لمالكه تمنعُه من منافعه في مدَّة تَغريبِهِ، ولا يناسبُ ذلك تصرُّفَ الشَّرع، فلا
يُعاقبُ غير الجاني. وأيضاً فقد سقط عنه الجمعةُ والحجُّ والجهادُ الذي هو حقٌّ لله
تعالى لأجْلِ السيد؛ فكذلك التَّغريب(١). والله أعلم.
والمرأةُ إذا غُرِّبت ربما يكونُ ذلك سبباً لوقوعها فيما أُخرِجت من سببه، وهو
الفاحشةُ، وفي التَّغريب سببٌ لكشف عورتها وتضييعٌ لحالها؛ ولأنَّ الأصلَ منعُها من
الخروج من بيتها، وأن صلاتها فيه أفضل. وقال :﴿: ((أَعْروا النِّساء يلزمْنَ
الحِجال)»(٢). فحصلَ من هذا تخصيصُ عموم حديثِ التَّغريب بالمصلحة المشهود لها
بالاعتبار. وهو مختلَفٌ فيه عندَ الأصوليين والتُّظَارِ (٣).
وشذَّت طائفةٌ فقالت: يُجمع الجَلدُ والرجمُ على الشيخ، ويُجلدُ الشابُّ؛ تمسُّكاً
بلفظ ((الشيخ)) في حديث زيد بن ثابت أنه سمع رسول اللـه * يقول: ((الشيخُ والشيخةُ
إذا زنيا، فارجموهما البنَّةَ)) خرَّجه النَّسائي(٤). وهذا فاسد؛ لأنَّه قد سمَّاه في الحديث
الآخَر: ((الثَّيِّبَ))(٥).
السابعة: قوله تعالى: ﴿فَإِن تَابًا﴾ أي: من الفاحشة. ﴿وَأَصْلَحَا﴾ يعني العمل
فيما بعد ذلك. ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاً﴾ أي: اتركوا أَذاهما وتعييرَهما. وإنَّما كان هذا قبلَ
نزول الحدود.
فلمّا نزلت الحدودُ نُسخَت هذه الآية. وليس المرادُ بالإعراض الهِجْرة(٦)، ولكنَّها
(١) المفهم ٥/ ٨٣ .
(٢) حديث ضعيف جداً، وسلف الكلام عليه ٥/ ٤٥ .
(٣) المفهم ٨٣/٥ .
(٤) السنن الكبرى للنسائي (٧١٠٧)، وهو عند أحمد (٢١٥٩٦). وينظر الفتح ١٢/ ١٤٣.
(٥) المفهم ٨٤/٥، وروى ابن عبد البر في التمهيد ٩/ ٨٣ هذا القول عن مسروق، وقال في الاستذكار
٥٢/٢٤: وهو قول ضعيف لا أصل له. وسلف حديث عبادة ص١٤٠ من هذا الجزء، وفيه: ((الثيِّب
بالثيِّب، جلد منة والرجم».
(٦) في (د): وليس المراد بالإعراض الهجر، وفي المحرر الوجيز ٢٣/٢ (والكلام منه): وليس المراد
بالإعراض أمراً بهجرة.

١٤٩
سورة النساء: الآيتان ١٧ - ١٨
مُتَارَكة مُعْرِض، وفي ذلك احتقارٌ لهم بسبب المعصية المتقدِّمة، وبحسَب الجَهالةِ في
الآية الأخرى. والله تَوَّابٌ، أي: راجعٌ بعباده عن المعاصي.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اَللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ
مِن قَرِيبٍ فَأُؤْلَئِكَ يَتُوبُ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿﴿ وَلَيْسَتِ
التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ
اُلْتَلْنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا
١٨)
فيهما أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الثَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ قيل: هذه الآيةُ عامة لكلِّ مَن عَمِلَ
ذنباً. وقيل: لمن جهل فقط، والتوبةُ لكلِّ من عمِلَ ذنباً في موضع آخرَ(١).
واتفقت الأمة على أنَّ التوبةَ فرضٌ على المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ
جَمِيعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١]. وتصحُّ من ذنب مع الإقامة على غيره من غيرِ نوعِه،
خلافاً للمعتزلة في قولهم: لا يكونُ تائباً مَن أقام على ذنب(٢). ولا فرقَ بين معصيةٍ
ومعصية . هذا مذهبُ أهلِ السُّنة.
وإذا تاب العبد فالله سبحانه بالخيار إن شاء قَبِلَها، وإن شاء لم يقبلها، وليس
قَبولُ التوبة واجباً على الله من طريق العقل كما قال المخالِفُ(٣)؛ لأنَّ من شرطٍ
الواجبِ أن يكون أعلى رتبةً من الموجَب عليه، والحقُّ سبحانه خالقُ الخلق
ومالكُهم، والمكلِّف لهم، فلا يصحُّ أن يُوصَف بوجوبِ شيءٍ عليه، تعالى عن ذلك،
غير أنَّه قد أخبر سبحانه - وهو الصادقُ في وعده - بأنَّه يقبلُ التوبة عن العاصين من
عباده بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَّةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥].
وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ النََّبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤]. وقوله: ﴿وَإِّ لَغَفَّارٌ
(١) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٤٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٢٣/٢.
(٣) قوله: المخالف، يعني به المعتزلة. ينظر الإرشاد ص٣٣٨، والكشاف ٥١٣/١ .

١٥٠
سورة النساء: الآيتان ١٧ - ١٨
لِّمَن تَابَ﴾ [طه: ٨٢].
فإخبارُه سبحانه وتعالى عن أشياءَ أوجَبَها على نفسه يقتضي وجوبَ تلك الأشياءِ
[سمعاً]. والعقيدةُ أنه لا يَجبُ عليه شيءٌ عقلاً؛ فأمَّا السمعُ؛ فظاهرُهُ قَبولُ توبةٍ
التائب. قال أبو المعالي وغيره: وهذه الظواهرُ إنما تعطي غَلَبَةَ ظنٌّ؛ لا قطعاً على الله
تعالى بقَبول التوبة. قال ابن عطية(١): وقد خُولفَ أبو المعالي وغيره في هذا المعنى.
فإذا فرضنا رجلاً قد تابَ توبةً نصوحاً تامةَ الشُّروطِ، فقال أبو المعالي: يَغلبُ على
الظنِّ قَبولُ توبته. وقال غيره: يُقطعُ على الله تعالى بقبول توبته كما أخبرَ عن نفسه جلَّ
وعزَّ. قال ابنُ عطيةً: وكان أبي رحمه الله يميل إلى هذا القول ويرجِّحُه، وبه أقول،
والله تعالى أرحمُ بعباده من أن يَنْخَرِم في هذا التائبِ المفروضٍ معنى قوله [تعالى]:
﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] وقوله: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ﴾ [طه: ٨٢].
وإذا تقرَّر هذا؛ فاعلم أنَّ في قوله: ((على الله)) حذفاً، وليس على ظاهره، وإنَّما
المعنى: على فَضْلِ الله ورحمته بعباده. وهذا نحوُ قوله:﴿ لمعاذ: «أتدري ما حُّ
العباد على الله))؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: ((أنْ يدخلَهم الجنَّةَ))(٢). فهذا كلُّه
معناه: على فضله ورحمته بوعده الحقِّ وقوله الصِّدق(٣). دليلُه قولُه تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى
نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٢] أي: وَعَدَ بها.
وقيل: ((على)) ها هنا معناها ((عندَ))، والمعنى واحد، التقدير: عند الله، أي: إنَّه
وَعَدَ، ولا خُلْفَ في وعده أنه يقبلُ التوبة إذا كانت بشروطها المصحِّحة لها، وهي
أربعةٌ: الندمُ بالقلب، وتركُ المعصيةِ في الحال، والعزمُ على ألَّ يعود إلى مثلها، وأن
(١) المحرر الوجيز ٢٤/٢، وما سلف بين حاصرتين منه، وقول أبي المعالي في الإرشاد ص٣٣٩.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٢٢٠٣٩). وأخرج أيضاً أحمد (٢١٩٩١)، والبخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠)
عن معاذ قال: كنت رِدف النبي # فقال: ((يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟)) قال قلت: الله
ورسوله أعلم. قال: ((أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً)) قال: «فهل تدري ما حق العباد على الله إذا هم
فعلوا ذلك؟)) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ((لا يعذبهم)).
(٣) المحرر الوجيز ٢٤/٢ .

١٥١
سورة النساء: الآيتان ١٧ - ١٨
يكون ذلك حياءً من الله تعالى لا من غيره، فإذا اختلَّ شرطٌ من هذه الشُّروط، لم
تَصِحَّ التوبة(١).
وقد قيل: من شروطها الاعترافُ بالذَّنب، وكَثرةُ الاستغفار، وقد تقدَّم في ((آل
عمران)) كثيرٌ من معاني التوبة وأحكامِها(٢).
ولا خلافَ - فيما أعلمه - أنَّ التوبة لا تُسقِطُ حدّاً؛ ولهذا قال علماؤنا: إنَّ
السارق والسارقة والقاذف متى تابوا وقامت الشهادةُ عليهم، أُقيمت عليهم الحدود(٣).
وقيل: ((على)) بمعن ((مِن)) أي: إنَّما التوبةُ من الله للذين، قاله أبو بكر بن
عبدوس، والله أعلم. وسيأتي في ((التحريم)) (٤) الكلامُ في التوبة النَّصوح والأشياءِ
التي يتابُ منها.
الثانية: قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ﴾ السوء في هذه الآيةِ،
و((الأنعام)): ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ﴾ [الآية: ٥٤] يعمُّ الكفرَ والمعاصي؛
فكلُّ مَن عصى ربَّه فهو جاهل حتى يَنزِعَ عن معصيته. قال قتادةُ: أجمع أصحاب النبيِّ ◌َ﴾
على أنَّ كلَّ معصيةٍ فهي بجهالة، عمداً كانت أو جهلاً، وقاله ابن عباسٍ، وقتادةٌ
والضحاكُ، ومجاهدٌ والسدِّي.
ورُوي عن الضحاك ومجاهدٍ أنهما قالا : الجهالةُ هنا العمد.
وقال عكرمةُ: أمورُ الدنيا كلُّها جهالةٌ. يريد: الخاصةَ بها الخارجةَ عن طاعة الله.
وهذا القولُ جارٍ مع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا لَلَوَّةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦](٥) .
(١) ينظر الإرشاد ص ٣٣٧، والمفهم ٩٦/٧ - ٧٠ .
(٢) ١٩٦/٥ و٣٢٥/٥ - ٣٣٠.
(٣) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٦٠٠/٢، وسيذكر المصنف هذه المسألة بأوسع مما هنا عند تفسير
قوله تعالى: ﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩].
(٤) عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةٌ نَّصُوحًا﴾ [٨].
(٥) المحرر الوجيز ٢٤/٢، وأخرج الأخبار المذكورة الطبري ٥٠٧/٦- ٥١٠ . وخبر قتادة أخرجه أيضاً
عبدالرزاق في التفسير ١/ ١٥١ ولفظه عنده وعند الطبري: اجتمع أصحاب رسول الله # فرأوا أن كل
شيء عُصي به تعالى فهو جهالة، عمداً كان أو غيره.

١٥٢
سورة النساء: الآيتان ١٧ - ١٨
وقال الزجَّاج(١): يعني قولُه: ﴿يَجَهَلَةٍ﴾ اختيارَهم اللذةَ الفانية على اللذة الباقية.
وقيل: ((بجهالةٍ)) أي: لا يعلمون كُنْهَ العقوبةِ، ذكره ابن فُورَك. قال ابنُ عطيةَ(٢):
وضُعِّف قولُه هذا ورُدَّ عليه.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ قال ابن عباس والسدِّيُّ: معناه:
قبل المرض والموت(٣).
ورُوي عن الضخَّاك أنه قال: كلُّ ما كان قبل الموت فهو قريب (٤).
وقال أبو مِجلَز والضحاك أيضاً وعكرمةُ وابن زيد وغيرهم: قبل المعاينة للملائكة
والسَّوْق، وأن يُغلَبَ المرء على نفسه(٥). ولقد أحسنَ محمود الورَّاقُ حيثُ قال:
قَدِّمْ لنفسك توبةً مَرْجُوَّةً
قبل المماتِ وقبل حَبْسِ الألْسُنِ
ذُخْرٌ وغُنْمٌ للمنيبِ المحسِنِ(٦)
بادِرْ بها غَلَقَ النُّفوسِ فإنَّها
قالَ علماؤنا رحمهم الله: وإنَّما صحَّت التوبةُ منه في هذا الوقت؛ لأنَّ الرجاء
باقٍ، ويصِحُّ منه الندمُ والعزمُ على تَركِ الفعلِ(٧).
وقد روى الترمذيُّ عن ابن عمر عن النبيّ ﴾ قال: ((إنَّ الله يَقبلُ توبةَ العبد ما لم
يُغَرْغِرْ)). قال: هذا حديث حسن غريب(٨). ومعنى ما لم يُغرغر: ما لم تبلغ روحُه
(١) معاني القرآن ٢٩/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٢٤/٢.
(٣) المحرر الوجيز ٢٤/٢. وخبر ابن عباس والسدي أخرجه الطبري ٦/ ٥١٢.
(٤) أخرجه عبد الرزاق ١/ ١٥١، والطبري ٦/ ٥١٣ .
(٥) المحرر الوجيز ٢٤/٢. وأخرجه الطبري ٦/ ٥١٢ عن ابن عباس والضحاك وأبي مجلز ومحمد بن قيس.
(٦) تقدم البيت الأول ٣١٧/٢، وذكر المصنف البيتين في التذكرة ص ٤٦، ومحمود بن الحسن الوراق
بغدادي خيِّر، شاعر مجوّد، سائر النظم في المواعظ، توفي في عهد المعتصم. السير ١١/ ٤٦١ .
(٧) المحرر الوجيز ٢٥/٢ .
(٨) سنن الترمذي (٣٥٣٧) وقد تقدم ١٩٧/٥.

١٥٣
سورة النساء: الآيتان ١٧ - ١٨
خُلقُومَه؛ فيكون بمنزلة الشيء الذي يُتَغَرغر به. قاله الهروي(١).
وقيل: المعنى يتوبون على قُربِ عهدٍ من الذنب من غير إصرارٍ. والمبادِرُ في
الصِّحة أفضلُ، وألْحَقُ لأمله من العمل الصالح. والبعد كلُّ البعدِ الموت(٢)، كما
قال :
وأين مكانُ البُعْدِ إلَّا مكانيا (٣)
وروى صالح المُرِّي عن الحسن قال: مَن عيَّرَ أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه،
ابتلاهُ الله به(٤).
وقال الحسن أيضاً: إنَّ إبليسَ لمَّا أُهبِطَ قال: بعزَّتِكَ لا أفارقُ ابنَ آدمَ ما دام
الرُّوحُ في جسده. قال الله تعالى: ((فِعِزَّتي لا أحجُبُ التوبةَ عن ابنِ آدمَ ما لم تُغرغِر
نفسُه))(٥).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ﴾ نفَى سبحانه أن يدخل في حكم التائبين
مَن حضره الموت وصار في حين(٦) اليأس، كما كان فرعونُ حين صار في غمرة
الماء والغرق فلم يَنفعه ما أظهرَ من الإيمان؛ لأنَّ التوبة في ذلك الوقت لا تنفعُ،
(١) ينظر النهاية في غريب الحديث ٣٦٠/٣.
(٢) في (ظ): من الموت، والكلام في المحرر الوجيز ٢٥/٢.
(٣) عجز بيت لمالك بن الريب من قصيدة يرثي بها نفسه، وهو في ذيل الأمالي ص١٣٧، وجمهرة أشعار
العرب ٧٦٣/٢، والعقد الفريد ٢٤٧/٣، والمحرر الوجيز ٢٥/٢، والخزانة ٢٠٥/٢ وصدره:
يقولون لا تَبْعَد وهم يدفنونني ...
(٤) أخرجه أبو الليث ٣٤٠/١. وأخرجه الترمذي (٢٥٠٥)، وابن عدي في الكامل ٢١٨١/٦ ، وابن
الجوزي في الموضوعات (١٣٧١) من طريق خالد بن معدان عن معاذ بن جبل عن النبي 8 *. قال
الترمذي: حديث غريب، وليس إسناده بمتصل، وخالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل. وقال ابن
الجوزي: هذا حديث لا يصح، والمتهم به محمد بن الحسن؛ قال أحمد: ما أراه يساوي شيئاً، وقال
يحيى: كان كذاباً، وقال النسائي: متروك الحديث.
(٥) تفسير أبي الليث ٣٤١/١، وذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِسُ ظَنَّهُ
فَاتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ: ٢٠] وعزاه لابن أبي حاتم، وأخرجه بنحوه الطبري عن الحسن عن النبي ﴾ مرسلاً.
(٦) في (د): حيز.

١٥٤
سورة النساء: الآيات ١٧ - ١٩
لأنَّها حال زوال التكليف. وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجمهورُ المفسرين(١).
وأمّا الكفارُ يموتون على كفرهم؛ فلا توبةَ لهم في الآخرة، وإليهم الإشارةُ بقوله
تعالى: ﴿أُوْلَبِّكَ أَعْتَدْنَا لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وهو الخلود.
وإن كانت الإشارة بقوله إلى الجميع؛ فهو في جهة العُصاةِ عذابٌ لا خلودَ معه،
وهذا على أنَّ السيئاتِ ما دون الكفر، أي: ليست التوبةُ لمن عَمِلَ دون الكفر من
السيئات، ثم تاب عند الموت، ولا لمن مات كافراً فتاب يوم القيامة.
وقد قيل: إنَّ السيئات هنا الكفرُ، فيكون المعنى: وليست التوبةُ للكفار الذين
يتوبون عند الموت، ولا للذين يموتون وهم كفار(٢).
وقال أبو العالية: نزل أول الآية في المؤمنين: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾، والثانيةُ
في المنافقين: ﴿وَلَيْسَتِ الثَّوَّبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ يعني [ليس] قَبولُ التوبة
للذين أصرُّوا على فعلهم. ﴿حََّ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ﴾ يعني الشَّرَقُ والنَّزْعُ
ومعاينةُ ملكِ الموت. ﴿قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْتَنَ﴾. فليس لهذا توبةٌ. ثم ذكر توبةَ الكفار، فقال
تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَكَ أَعْتَدْنَا لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: وجيعاً
دائماً(٣). وقد تقدَّم(٤).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا وَلَ
تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَؤْمِ
وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِن كَرِهِتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اَللَّهُ فِيهِ
خَيْرًا كَثِيرًا
(١٩)
فيه ثمان مسائل :
(١) المحرر الوجيز ٢٥/٢، وأخرج الآثار عن ابن عباس وابن زيد وغيرهم الطبري ٥١٦/٦ - ٥١٨.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٣/١ .
(٣) تفسير أبي الليث ٣٤١/١، وما سلف بين حاصرتين منه، وأثر أبي العاليه أخرجه ابن أبي حاتم مفرقاً
في الآثار (٥٠١٥) و (٥٠٢١) و (٥٠٢٤)، وأخرجه الطبري ٥١٨/٦ عن الربيع.
(٤) ١ / ٣٠١ .

١٥٥
سورة النساء: الآية ١٩
الأولى: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾ هذا متَصلٌ بما تقدَّم
ذكرهُ من الزوجات. والمقصودُ نفي الظلم عنهنَّ وإضرارِهنَّ؛ والخطابُ للأولياء.
و((أن)) في موضع رفعٍ بـ ((يَحِلُّ))، أي: لا يحلُّ لكم وراثةُ النساء. و(كَرْهاً)) مصدر
في موضع الحال(١).
واختلفت الرواياتُ وأقوالُ المفسرين في سبب نزولها؛ فروى البخاريُّ(٢) عن
ابن عباس ((يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهاً وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُن)) قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقَّ بامرأته، إن
شاء بعضُهم تزوَّجها، وإن شاؤوا زوَّجوها، وإن شاؤوا لم يزوِّجوها، فهم أحقُّ بها
من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك. وأخرجه أبو داود(٣) بمعناه.
وقال الزُّهريُّ وأبو مِجْلَز: كان من عادتهم إذا مات الرجل يُلقي ابنُه من غيرها أو
أقربُ عَصَبته ثوبَه على المرأة، فيصير أحقَّ بها من نفسها ومن أوليائها، فإنْ شاء
تزوَّجها بغير صَدَاقٍ إلَّ الصَّداقَ الذي أصدَقَها الميِّتُ، وإن شاء زوَّجها من غيره
وأخذ صَداقَها ولم يُعطِها شيئاً؛ وإن شاء عَضَلَها لتَفْتَدِيَ منه بما ورثته من الميِّت، أو
تموت فيرئها(٤)، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ
كَرْهًا﴾. فيكون المعنى: لا يَحِلُّ لكم أن ترثوهنَّ من أزواجهنَّ فتكونوا أزواجاً لهنَّ.
وقيل: كان الوارث إن سَبَقَ فألقى عليها ثوباً، فهو أحقُّ بها، وإن سبقَتْه فذهبت
إلى أهلها، كانت أحقَّ بنفسها؛ قاله السديُّ(٥).
وقيل: كان يكون عند الرجل عجوزٌ ونفسُه تتوقُ إلى الشابة، فيكره فراقَ العجوز
(١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٤٣/١، ومشكل إعراب القرآن ١٩٤/١.
(٢) في صحيحه (٤٥٧٩).
(٣) في سننه (٢٠٨٩).
(٤) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ١٤٠ دون عزو، وأخرجه مختصراً عبد الرزاق ١/ ١٥١، والطبري
٥٢٦/٦ عن الزهري، وأخرجه مختصراً أيضاً الطبري ٦/ ٥٢٢ عن أبي مجلز.
(٥) أخرجه الطبري ٦/ ٥٢٤ .

١٥٦
سورة النساء: الآية ١٩
المالِها، فيمسكها ولا يَقْرَبُها حتى تَفْتدِيَ منه بمالها، أو تموتَ فيرث مالها. فنزلت
هذه الآية. وأُمرَ الزوج أن يطلقها إن كرِه صحبتها ولا يمسكها كرهاً؛ فذلك قوله
تعالى: ﴿لَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ اَلِسَآءَ كَرْهًا﴾(١).
والمقصودُ من الآية إذهابُ ما كانوا عليه في جاهليتهم، وألَّا تُجعلَ النساءُ
كالمال يُورَثْنَ عن الرجال كما يُورِثُ المال(٢).
و(كُرهاً)) بضم الكاف قراءةُ حمزةَ والكِسائيِّ، الباقون بالفتح(٣)، وهما لغتان.
وقال القُتَبِيُّ: الكَره - بالفتح - بمعنى الإكراه - والكُره - بالضم - المشقة. يقال: لِتفعلْ
ذلك طوعاً أو كرهاً، يعني: طائعاً أو مكرهاً (٤).
والخطابُ للأولياء. وقيل: لأزواج النساء إذا حبسوهنَّ مع سوء العِشرة طماعِيَةً
إرْثِها، أو يَقتدينَ ببعض مهورهن، وهذا أصحُ. واختاره ابن عطية(٥) قال: ودليل ذلك
قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَن يَأْتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ وإذا أتت بفاحشة؛ فليس للوليّ حبسُها حتى
يذهبَ بمالها إجماعاً من الأمة، وإنما ذلك للزوج، على ما يأتي بيانُه في المسألة بعد
هذا.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ قد تقدَّم معنى العَضْل وأنَّه المنعُ في
((البقرة))(٦).
﴿إِلَّ أَنْ يَأْتِيَنَ بِفَحِشَةٍ مُّبَيْنَفْ﴾ اختلف الناس في معنى الفاحشة، فقال الحسن:
هو الزنا، وإذا زنت البكرُ فإنها تُجلدُ مئة وتُنفى سَنَةً، وتَردُّ إلى زوجها ما أخذت منه.
(١) تفسير أبي الليث ١/ ٣٤١ .
(٢) المحرر الوجيز ٢٦/٢.
(٣) السبعة ص٢٢٩، والتيسير ص ٩٥ .
(٤) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ١٢٢ .
(٥) في المحرر الوجيز ٢/ ٢٧ .
(٦) ٤ / ١٠٥.

١٥٧
سورة النساء: الآية ١٩
وقال أبو قِلابة: إذا زنت امرأةُ الرجل فلا بأس أن يضارَّها ويشقَّ عليها حتى تَفتديَ
منه. وقال السديُّ: إذا فعلن ذلك فخذوا مهورَهن(١).
وقال ابن سيرينَ وأبو قِلابةَ: لا يحلُّ له أن يأخذ منها فديةً إلَّا أنْ يجد على بطنها
رجلاً، قال الله تعالى: ((إِلَّا أَنْ يَأْتِين بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)(٢).
وقال ابن مسعود وابن عباس والضحاك وقتادة: الفاحشةُ المبيِّنةُ في هذه الآية
البُغْض والنُّشُوز، قالوا: فإذا نشزت حَلَّ له أن يأخذ مالَها، وهذا هو مذهب مالك.
قال ابن عطية (٣): إلّا أني لا أحفظُ له نَصّاً في الفاحشة في الآية. وقال قوم: الفاحشةُ
البَذَاءُ باللسان وسوءُ العِشْرةِ قولاً وفعلاً، وهذا في معنى النُّشوز. ومن أهل العلم من
يُجيزُ أخذ المال من الناشز على جهة الخُلْع، إلَّا أنَّه يرى ألَّ يتجاوزَ ما أعطاها،
رُكُوناً إلى قوله تعالى: ﴿لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾. وقال مالكٌ وجماعةٌ من أهل
العلم: للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك. قال ابن عطيةً: والزنا أصعبُ على
الزوج من النشوز والأذى، وكلُّ ذلك فاحشةٌ تُحِلُّ أخذَ المال.
قال أبو عمر(٤): قول ابن سيرين وأبي قلابة عندي ليس بشيء؛ لأنَّ الفاحشة قد
تكون البذاءَ والأذى(٥)، ومنه قيل للبذيء: فاحِش ومتفحِّش، وعلى أنَّه لو اطلَّع منها
على الفاحشة كان له لِعَانُها، وإن شاء طلَّقها؛ وأمَّا أن يضارَّها حتى تفتدِيَ منه
بمالِها؛ فليس له ذلك، ولا أعلمُ أحداً قال: له أن يضارَّها ويسيءَ إليها حتى تختلع
منه إذا وجدَها تزني غيرَ أبي قلابةَ. والله أعلم. وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيَا
حُدُودَ اللَّهِ﴾ يعني في حُسنِ العِشْرة والقيامِ بحقٌّ الزوج وقيامِه بحقِّها ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا
(١) المحرر الوجيز ٢٨/٢، وأخرج هذه الأخبار الطبري ٥٣٢/٦-٥٣٣.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٤/١، والمحلى ٢٤٢/١٠، والاستذكار ١٧ /١٨١.
(٣) في المحرر الوجيز ٢٨/٢، وأخرج الآثار المذكورة الطبري ٥٣٣/٦-٥٣٤، وأخرجه عن ابن مسعود
أيضاً ابن أبي شيبة ١٠٨/٥ .
(٤) في الاستذكار ١٧ / ١٨١ .
(٥) في الاستذكار: لأن الفاحشة قد تكون في البذاء والجفاء.

١٥٨
سورة النساء: الآية ١٩
أَفْتَدَتْ بِهِعْ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَقْسًا تَكُلُوهُ هَنِيْئًا
فَّنًا﴾ [النساء: ٤]. فهذه الآياتُ أصلُ هذا البابِ.
وقال عطاء الخراسانيُّ: كان الرجل إذا أصابت امرأتُه فاحشةً؛ أخذ منها ما ساق
إليها وأخرجها، فُنُسخَ ذلك بالحدود .
وقولٌ رابع: ﴿إِلَّ أَنْ يَأْتِيَنَ بِفَحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ إلَّا أن يَزنين، فيُحبسنَ في البيوت،
فيكونُ هذا قبل النسخ، وهذا في معنى قولِ عطاء، وهو ضعيف (١).
الثالثة: وإذا تنزَّلنا على القول بأنَّ المراد بالخطاب في العَضْل الأولياءُ، ففِقْهُه أنَّه
متى صحَّ في وليٍّ أنه عاضلٌ؛ نظرَ القاضي في أمر المرأةِ وزوجِها، إلَّا الأبَ في
بناتِه، فإنَّه إن كان في عَضْله صلاحٌ؛ فلا يُعْتَرض، قولاً واحداً، وذلك بالخاطب
والخاطبين. وإنْ صحَّ عضلُه؛ ففيه قولان في مذهب مالك: أنه كسائر الأولياءِ، يزوِّجُ
القاضي مَنْ شاءَ التَّزويجَ من بناته وطَلَبَه، والقول الآخر: لا يعرض له(٢).
الرابعة: يجوز أن يكون ((تَعْضُلُوهُنَّ)) جزماً على النَّهي، فتكونُ الواو عاطفةً جملةً
كلام مقطوعةً من الأولى، ويجوزُ أن يكون نصباً عطفاً على ((أَنْ تَرِثُوا)) فتكونُ الواو
مُشْرِكة(٣)، عطفت فِعلاً على فعل. وقرأ ابن مسعود: ((ولا أن تَعضلوهُنَّ))، فهذه
القراءةُ تقوِّي احتمالَ النصب، وأنَّ العضْلَ مما لا يجوزُ بالنَّص(٤).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿مُبَيِّنَؤْ﴾ بكسر الياءِ قراءةُ نافع وأبي عمروٍ، و: ﴿مُبَيِّنْت﴾
(١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٤٤/١، والمحرر الوجيز ٢٨/٢، وقول عطاء الخراساني أخرجه عبد
الرزاق (١١٠٢٠) والطبري ٥٣٢/٦.
(٢) المحرر الوجيز ٢٧/٢ .
(٣) في (د) و (ز) و (ظ) و (م): مشتركة، والمثبت من (خ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٢٧/٢ ،
والكلام منه.
(٤) المحرر الوجيز ٢٧/٢، وقراءة ابن مسعود ذكرها الفراء في معاني القرآن ٢٥٩/١، والنحاس في
إعراب القرآن ٤٤٣/١، وأبو حيان في البحر ٢٠٤/٣ .

١٥٩
سورة النساء: الآية ١٩
[النور: ٣٤ و٤٦] بفتح الياء (١). وقرأ ابنُ عباس: ((مُبِينَةٍ)) بكسر الباء وسكون الياء، من
أبانَ الشَّيء، يقالُ: أبانَ الأمرُ بنفسه وأَبَنْتُه، وبَيَّن وبَيَّنْتُه، وهذه القراءاتُ كلُّها لغاتٌ
فصيحة(٢).
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ ◌ِلْمَعْرُوفِ﴾ أي: على ما أمرَ الله به من حُسنٍ
المعاشرة. والخطابُ للجميع، إذ لكلِّ أحدٍ عِشْرَةٌ، زوجاً كان أو وليّاً، ولكنَّ المرادَ
بهذا الأمر في الأغلب الأزواج(٣)، وهو مثلُ قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِعْرُوفٍ﴾
[البقرة: ٢٢٩]. وذلك تَوْفِيةُ حقِّها من المهر والنفقة، وأَلَّا يَعِبِس في وجهها بغير ذَنْبٍ،
وأن يكون مُنْطِلِقاً في القول، لا فَظّاً ولا غليظاً، ولا مُظْهِراً ميلاً إلى غيرها(٤).
والعِشْرَةُ: المخالَطَةُ والممازَجَة. ومنه قولُ طَرَفةً:
فَلَئِنْ شَطَّتْ نَوَاها مَرَّةٌ لَعَلَى عَهْدٍ حَبِيبٍ مُعْتَشِرْ(٥)
جعلَ الحبيبَ جمعاً كالخليط والفريق(٦). وعاشَره معاشرةً، وتعاشرَ القومُ
واعْتَشروا.
فأمرَ اللهُ سبحانه بحُسنٍ صُحبةِ النساء إذا عقدوا عليهنَّ لتكون أُدْمَةُ ما بينَهم
وصحبتُهم على الكمال، فإنَّه أَهْدأُ للنفسِ، وأهْنَأ للعيش. وهذا واجبٌ على الزوج،
(١) عبارة المصنف: والباقون، بدل: مبينات وهو وهم منه رحمه الله، والمثبت من المحرر الوجيز ٢٧/٢
والكلام منه. يعني أن أبا عمرو ونافعاً قد اتفقا في هاتين اللفظتين كما ذكر، في جميع القرآن. وقد قرأ
هذه اللفظة: ((مبيّنة)) أيضاً بكسر الياء: ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم، وقرؤوا:
((مبيِّنات)) بكسر الياء. وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر: ((بفاحشةٍ مبيَّنة)) و ((آيات مبيَّنات)) بفتح
الياء. السبعة ص ٢٣٠ والتيسير ص ٩٥ وص ١٦٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٢٧/٢، وقراءة ابن عباس ذكرها ابن جني في المحتسب ١٨٣/١.
(٣) المحرر الوجيز ٢٨/٢.
(٤) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣٨٢/١.
(٥) المحرر الوجيز ٢٨/٢، واللسان (عشر). والبيت في ديوان طرفة ص٥٢ برواية: معتكر، وعلى هذا
فرواية الديوان لا شاهد فيها.
(٦) في (م): الغريق، والمثبت من النسخ، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٢٨/٢ .

١٦٠
سورة النساء: الآية ١٩
ولا يلزمُه في القضاء(١).
وقال بعضهم: هو أن يتصنَّعَ لها كما تتصنَّعُ له. قال يحيى بن عبد الرحمن
الحنظليُّ: أتيتُ محمد ابنَّ الحنفية، فخرج إليَّ في مِلْحَفَة حمراءَ ولِحِيتُه تَقطُرُ من
الغَالِيَةِ(٢)، فقلتُ: ما هذا؟ قال: إنَّ هذه المِلْحَفةَ ألقَتْها عليَّ امرأتي، ودَهَنَتْني
بالطِّيب، وإنَّهنَّ يشتهِينَ مَّا ما نَشتهيه منهنَّ(٣). وقال ابن عباس ﴾: إني أحبُّ أن
أتزيَّنَ لامرأتي كما أحبُّ أن تتزيَّنَ المرأةُ لي(٤). وهذا داخل فيما ذكرناه. قال ابن
عطيةً(٥): وإلى معنى الآية يُنظَرُ قولُ النبيِّ :﴿: ((فاستمتع بها وفيها ◌ِوَجٌ))(٦) أي: لا
يكنْ منكَ سوءُ عِشْرةٍ مع اعوجاجها، فعنها تنشأُ المخالفة، وبها يقعُ الشقاقُ، وهو
سببُ الخُلْعِ.
السابعة: استدلَّ علماؤنا بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنَّ (٧) المرأة إذا
كانت لا يكفيها خادمٌ واحد أنَّ عليه أن يُخْدِمَها قَدْرَ كفايتها، كابْنَة الخليفة والمَلِكِ
وشبههِما ممن لا يكفيها خادمٌ واحدٌ، وأنَّ ذلك هو المعاشرة بالمعروف .
وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة: لا يلزمُه إلَّا خادمٌ واحد، وذلك يكفيها خدمةً نفسِها،
وليس في العالَم امرأةٌ إلَّا وخادمٌ واحدٌ يكفيها، وهذا كالمقاتل تكونُ له أفراسٌ عِدَّةٌ،
فلا يُسْهَمُ له إلَّا لفرسٍ واحدٍ؛ لأنَّه لا يُمكِنُه القتالُ إلَّا على فرسٍ واحد.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٣٦٣/١. قوله: أُذمة، أي: خُلطة وموافقة. اللسان (أدم).
(٢) الغالية: نوع من الطيب مركب من مسك وعنبر وعود ودهن. النهاية (غلا).
(٣) لم نقف عليه، وأخرج ابن سعد في الطبقات ٥/ ١١٤ عن أبي إدريس قال: رأيت ابن الحنفية يخضب
بالحناء والكتم، فقلت له: أكان عليٍّ يخضب؟ قال: لا، قلت: فما لك؟ قال: أتشبب به للنساء.
(٤) تقدم ٤ / ٥٢ .
(٥) المحرر الوجيز ٢٨/٢ .
(٦) كذا نقله المصنف عن ابن عطية، وهو بنحوه قطعة من حديث أبي هريرة أخرجه ابن حبان (١٤٨٠)،
وبنحوه أيضاً أخرجه أحمد (٩٥٢٤)، والبخاري (٥١٨٤)، ومسلم (١٤٦٨)
(٧) في (م): على أن.