Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة النساء: الآية ٣
سبقا الشافعيَّ إليه(١).
وأما ما ذكره ابنُ العربيٍّ من الحصر وعدمِ الصحة فلا يصحُّ، وقد ذكرنا: عال
الأمر: اشتدَّ وتفاقم؛ حكاه الجوهريُّ(٢). وقال الهَرويُّ في غريبَيْهِ: وقال أبو بكر(٣):
يقال: عال الرجل في الأرض يعيل فيها، أي: ضرب فيها. وقال الأحمر(٤): يقال:
عالني الشيء يَعِيلني عَيْلاً ومَعِيلاً: إذا أعجزك.
وأما عال كَثُر عيالُه؛ فذكره الكسائيُّ وأبو عمرَ(٥) الدُّورِيُّ وابن الأعرابيِّ. قال
الكِسائيُّ أبو الحسن عليٍّ بن حمزة: العرب تقول: عال يعول، وأعال يُعِيل، أي:
كثُرَ عيالُهُ(٦). وقال أبو حاتم: كان الشافعيُّ أعلمَ بلغة العرب منا، ولعلَّه لغة(٧). قال
الثَّعلبي المفسِّر: قال أستاذنا أبو القاسم بنُ حبيب(٨): سألت أبا عمرَ (٩) الدُّورِيَّ عن
هذا - وكان إماماً في اللغة غيرَ مدافَعٍ - فقال: هي لغةُ حِمْير؛ وأنشد:
بلا شكِّ وإن أمْشَى وَعَالا(١٠)
وإنَّ الموت يأخذُ كلَّ حَيٍّ
يعني: وإن كَثُرتْ ماشيتُه وعيالُه.
وقال أبو عمرو بنُ العلاء: لقد كَثُرَتْ وجوهُ العرب حتى خشيتُ أن آخذَ عن
لا حنٍ لَحْناً.
(١) ينظر أحكام القرآن للكيا الطبري ٣٢٣/٢، والمحرر الوجيز ٨/٢.
(٢) الصحاح (عول).
(٣) هو محمد بن القاسم الأنباري، وكلامه في الزاهر ١٤١/١ .
(٤) هو علي بن المبارك تلميذ الكسائي، وذكر قوله الأزهري في تهذيب اللغة ١٩٨/٣ .
(٥) في (د) و (ظ): أبو عمرو.
(٦) تهذيب اللغة ١/ ١٩٤ - ١٩٥ .
(٧) تفسير البغوي ٣٩٢/١، وتحرف فيه قوله: ولعله لغة، إلى: وله بلغة.
(٨) الحسن بن محمد بن الحسن بن حبيب النيسابوري الواعظ المفسر، صنف في القراءات والتفسير
والآداب وعقلاء المجانين، توفي سنة (٤٠٢هـ). طبقات المفسرين ١٤٠/١.
(٩) في (د) و(خ) و (ظ): أبا عمرو.
(١٠) لم نقف على قائله، وهو في البحر ٣/ ١٦٥.

٤٢
سورة النساء: الآية ٣
وقرأ طلحةُ بنُ مُصَرِّف: ((ألَّا تَعيلوا))، وهي حجةٌ [لقول] الشافعيِّ ﴾(١).
قال ابنُ عطية(٢): وقدح الزجَّاجُ (٣) وغيرُه في تأويل عال من العيال، بأنَّ الله(٤)
تعالى قد أباح كثرةَ السَّراري، وفي ذلك تكثيرُ العيال، فكيف يكون أقرب إلى ألَّا
يكثُرَ العيالُ؟! وهذا القَدْحُ غيرُ صحيح؛ لأن السَّراريَ إنما هي مالٌ يُتصرَّفُ فيه
بالبيع، وإنما العيالُ القادحُ: الحرائرُ ذواتُ الحقوق الواجبة. وحكى ابنُ الأعرابيّ أنَّ
العربَ تقولُ: عال الرجل: إذا كثُر عياله(٥).
الرابعة عشرة: تعلَّقَ بهذه الآيةِ مَن أجاز للمملوك أن يتزوَّجَ أربعاً؛ لأنَّ الله تعالى
قال: ﴿فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَّكُم مِّنَ النِّسَآءِ﴾ يعني ما حلَّ: ((مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ))، ولم يخصَّ
عبداً من حُرّ. وهو قولُ داودَ والطبريِّ، وهو المشهورُ عن مالكِ، وتحصيلُ مذهبهِ على
ما في موظّئه، وكذلك روى عنه ابن القاسم وأشهب. وذكر ابنُ المؤَّاز أنَّ ابن وهبٍ
روى عن مالك أن العبدَ لا يتزوَّجُ إلَّا اثنتين. قال: وهو قولُ الليث.
قال أبو عمرَ (٦): قال الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما والثوريُّ واللّيثُ بنُ سعد:
لا يتزوَّجُ العبدُ أكثرَ من اثنتين؛ وبه قال أحمدُ وإسحاقُ. ورُوي عن عمرَ بنِ الخطاب
وعليٍّ بنِ أبي طالب وعبد الرحمن بنِ عوفٍ في العبد لا ينكِحُ أكثرَ من اثنتين؛ ولا
أعلم لهم مخالفاً من الصحابة. وهو قولُ الشعبيِّ وعطاءٍ وابنِ سيرين، والحَكْمِ
(١) تفسير البغوي ٣٩٢/١، وما بين حاصرتين منه، وقيَّدها أبو حيان في البحر ١٦٥/٣، والسمين في
الدر المصون ٥٧٠/٣ بفتح التاء، من عال يَعِيل: إذا افتقر، كقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
وذكر الزمخشري في الكشاف ٤٩٨/١، وأبو حيان في البحر ١٦٦/٣، والسمين في الدر ٣/ ٥٧٠ :
تُعيلوا، بضم التاء، من أعال الرجل: إذا كثر عياله، ونسبوها لطاوس، وقالوا: هذه القراءة تعضد تفسير
الشافعي من حيث المعنى الذي قَصَدَه.
(٢) المحرر الوجيز ٨/٢.
(٣) معاني القرآن له ٢/ ١١ .
(٤) في (خ) و(ز) و(م): بأن قال إن الله .. ، والمثبت من (د) و (ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز.
(٥) سلف قول ابن الأعرابي قريباً.
(٦) الاستذكار ٣٠٩/١٦ .

٤٣
سورة النساء: الآيتان ٣ - ٤
وإبراهيمَ وحماد. والحجةُ لهذا القولِ القياسُ الصحيحُ على طلاقِهِ وحدِّه. وكلُّ مَن
قال: حدُّه نصفُ حدِّ الحر، وطلاقُه تطليقتان، وإيلاؤه شهران، ونحوَ ذلك من
أحكامه، فغيرُ بعيد أن يقال: تَناقَضَ في قوله: ينكِح أربعاً(١)، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اَلْنِسَآءَ صَدُقَئِنَّ غِلَةٌ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُوهُ
هَنِيْئًا نَِّئًا
فيه عشر مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اَلِسَآءَ صَدُقَئِنَّ﴾ الصَّدُقات جمعٌ، الواحدة صَدُقة.
قال الأخفش(٢): وبنو تميم يقولون: صُدْقة، والجمع صُدْقات، وإن شئتَ فتحْتَ،
وإن شئتَ أسكنْتَ. قال المازنيُّ: يقال: صِداق المرأةِ بالكسر، ولا يقالُ بالفتح.
وحكى يعقوبُ أحمدُ بن يحيى بالفتح (٣)؛ عن النحاس(٤).
والخِطابُ في هذه الآية للأزواج؛ قاله ابنُ عباس وقتادة وابنُ زيدٍ وابن جريج.
أمرَهم الله تعالى بأن يتبرَّعوا بإعطاء المهور نِحلةً منهم لأزواجهم.
وقيل: الخِطابُ للأولياء؛ قاله أبو صالح(٥). وكان الوليُّ يأخذ مَهْرَ المرأة ولا
يعطيها شيئاً، فنُهُوا عن ذلك، وأُمِروا أن يدفَعوا ذلك إليهن. قال في راويةِ الكلبيّ: إنَّ
أهلَ الجاهلية كان الوليُّ إذا زوَّجها، فإنْ كانتْ معه في العشيرة (٦) لم يعطِها من مهرها
كثيراً ولا قليلاً، وإن كانت غريبةً حملها على بعير إلى زوجها، ولم يعطِها شيئاً غيرَ
(١) الاستذكار ٣٠٨/١٦ - ٣١٠، وينظر مصنف عبد الرزاق ٢٧٤/٧، ومصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٤٤ - ١٤٥.
(٢) معاني القرآن له ٤٣٣/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٣٥/١.
(٣) في (د): الفتح.
(٤) إعراب القرآن ١/ ٤٣٥ .
(٥) المحرر الوجيز ٨/٢، وينظر تخريج الآثار المذكورة في تفسير الطبري ٣٨٠/٦ - ٣٨١. قال النحاس
في إعراب القرآن ٤٣٥/١: القول الأول أولى؛ لأنه لم يجرِ للأولياء ذكر.
(٦) في (د) و (م): العشرة، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في تفسير أبي الليث ٣٣٢/١،
والكلام منه.

٤٤
سورة النساء: الآية ٤
ذلك البعير؛ فنزل: ﴿وَءَاتُوْ اَلْنِسَآءَ صَدُقَئِنَّ ◌ِلَةٌ﴾.
وقال المُعْتَمِر بنُ سليمانَ عن أبيه: زعم حضرميٌّ أن المرادَ بالآية: المتَشَاغِرون
الذين كانوا يتزوَّجون امرأةً بأخرى، فأُمِروا أن يضربوا المهور(١).
والأول أَظْهَرُ؛ فإن الضمائرَ واحدةٌ، وهي بجملتها للأزواج، فَهُمُ المراد؛ لأنه
قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اَلْيَ﴾ إلى قوله: ﴿وَءَاتُواْ أَلْنِسَآءَ صَدُقَئِنَّ ◌ِلَةٌ﴾. وذلك
يُوجب تناسقَ الضمائر، وأن يكون الأولُ فيها هو الآخِرِ (٢).
الثانية: هذه الآيةُ تدلُّ على وجوب الصَّداق للمرأة، وهو مُجْمَعٌ عليه، ولا
خلافَ فيه إلَّا ما رُوي عن بعض أهل العلم من أهل العراق، أنَّ السَّيِّد إذا زوَّج عبده
من أَمَته أنه لا يجب فيه صَدَاق. وليس بشيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اُلِّسَآءَ صَدُقَئِنَّ
◌ِلَةٌ﴾ فعمَّ. وقال: ﴿فَأَنْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُّوهُنَ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٥].
وأجمعَ العلماءُ أيضاً أنَّه لا حَدَّ لكثيرهِ، واختلفوا في قليله(٣) على ما يأتي بيانُه
في قوله: ﴿وَءَاتَّيْتُمْ إِحْدَمَهُنَّ قِنَطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]
وقرأ الجمهور: ((صَدُقَاتِهِنَّ)) بفتح الصاد وضم الدال. وقرأ قتادة: ((صُدْقاتِهِنَّ))
بضمِّ الصاد وسكونِ الدال. وقرأ النَّخَعيُّ وابنُ وَثَّابٍ بضمِّهما والتوحيد:
((صُدُقَتَهُنّ)) (٤).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فِلَةٌ﴾ النِّحلة والنُّحلة، بكسر النون وضمِّها، لغتان.
وأصلُها من العطاء؛ نحلْتُ فلاناً شيئاً: أعطيته. فالصَّدَاق عطيّةٌ من الله تعالى للمرأة.
وقيل: ((نِخْلة)) أي: عن طيب نفسٍ من الأزواج من غير تنازُع(٥).
(١) المحرر الوجيز ٨/٢.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣١٦/١.
(٣) ينظر الإشراف ٤٨/٤، والتمهيد ١١٧/٢١.
(٤) القراءات الشاذة ص٢٤، والمحرر الوجيز ٨/٢.
(٥) ينظر تهذيب اللغة ٦٤/٥، وأحكام القرآن لابن العربي ٣١٦/١ .

٤٥
سورة النساء: الآية ٤
وقال قتادةُ: معنى ((نحلة)): فريضةٌ واجبةٌ. ابن جُريح وابن زيد: فريضة مُسَمَّاة (١).
قال أبو عبيد: ولا تكون النِّحلةُ إلَّا مسمَّاةً معلومةٌ(٢).
وقال الزجَّاج(٣): ((نحلة)): تَديُّناً. والنِّحلةُ: الديانةُ والمِلَّة. يقال: هذا نِحلَتُه،
أي: دِينُه. وهذا يَحْسُنُ مع كونِ الخطابِ للأولياء الذين كانوا يأخذونه في الجاهلية،
حتى قال بعضُ النساء في زوجها :
لا يأخذُ الحُلْوانَ من بناتنا(٤)
تقول: لا يفعلُ ما يفعله غيرُه. فانتزعَه اللهُ منهم وأَمَرَ به للنساء.
و(نِخْلَةٌ)) منصوبة على أنها حالٌ من الأزواج بإضمار فعلٍ من لفظها، تقديرُه:
انحلوهنَّ نِحلة(٥). وقيل: هي نصبٌ على التفسير(٦). وقيل: هي مصدرٌ على غير
الصدر في موضع الحال(٧).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ﴾ مخاطبةٌ للأزواج، ويدلُّ بعمومه
على أنَّ هِبَ المرأةِ صَدَاقَها لزوجها - بِكُراً كانت أو ثيِّباً - جائزةٌ؛ وبه قال جمهورُ
الفقهاءِ. ومنَعَ مالكٌ من هِبة البِكر الصَّدَاقَ لزوجها، وجَعَل ذلك للوَليِّ مع أن المِلْكَ
لها(٨).
(١) تفسير الطبري ٦/ ٣٨٠ - ٣٨١.
(٢) تفسير البغوي ١/ ٣٩٢.
(٣) معاني القرآن ١٢/٢.
(٤) تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٣/ ٧٠ وفيه: عن بناتنا.
(٥) المحرر الوجيز ٩/٢.
(٦) أي: على التمييز .
(٧) البحر المحيط ١٦٦/٣، قال أبو حيان: وانتصب ((نحلة)) على أنه مصدر على غير الصدر لأن معنى
((وآتوا)»: انْحَلُوا، فالنصب فيها بآتوا.
(٨) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣٢٤/٢ - ٣٢٥.

٤٦
سورة النساء: الآية ٤
وزعم الفَرَّاءُ(١) أنه مخاطبةٌ للأولياء؛ لأنهم كانوا يأخذونَ الصَّدَاقَ ولا يُعطون
المرأةَ منه شيئاً، فلم يُبَحْ لهم منه إلَّا ما طابتْ به نفسُ المرأةِ. والقولُ الأوَّلُ أصحُّ؛
لأنه لم يتقدّمْ للأولیاء ذِكْر.
والضميرُ في ((مِنْهُ)) عائدٌ على الصَّداق. وكذلك قال عكرمةُ وغيرُه. وسببُ الآيةِ
فيما ذُكِر أن قوماً تحرَّجوا أنْ يَرجعَ إليهم شيءٌ ممَّا دفعوه إلى الزوجات، فنزلت:
فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ﴾(٢).
الخامسة: واتفقَ العلماءُ على أنَّ المرأةَ المالكةَ لأمر نفسها إذا وَهبتْ صداقَها
لزوجهَا نَفَذَ ذلك عليها، ولا رجوعَ لها فيه. إلا أنَّ شُرَيْحاً(٣) رأى الرجوعَ لها فيه،
واحتجَّ بقوله: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾ وإذا قامت(٤) طالبةً له لم تَطِبْ به
نفساً؛ قال ابن العربيّ(٥): وهذا باطلٌ؛ لأنها قد طابتْ وقد أكلَ، فلا كلامَ لها؛ إذ
ليس المرادُ صورةَ الأكل، وإنما هو كنايةٌ عن الإحلال والاستحلال، وهذا بیِّن.
السادسة: فإن شَرَطتْ عليه عند عَقْدِ النكاح ألَّا يتزوَّجَ عليها، وحظَّتْ عنه لذلك
شيئاً من صَدَاقها، ثم تزوَّجَ عليها، فلاشيءَ لها عليه في رواية ابنِ القاسم؛ لأنها
شَرَطَتْ عليه ما لا يجوزُ شَرْطُه. كما اشترط أهلُ بَرِيرَةً أن تُعتِقَها عائشةُ والولاء
البائعها، فصحَّحَ النبيُّ :﴿ العقدَ، وأبطلَ الشرطَ(٦). كذلك ههنا يصحُّ إسقاط بعضٍ
الصداق عنه، ويَبْطُلُ ما التزمه(٧). وقال ابنُ عبد الحكم: إن كان بقي من صداقها مثلُ
(١) معاني القرآن ٢٥٦/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٣٥/١.
(٢) المحرر الوجيز ٩/٢، وخبر عكرمة أخرجه الطبري ٣٨٣/٦.
(٣) هو شُريح بن الحارث، أبو أمية، الكندي، الفقيه، ولّاء عمر قضاء الكوفة، وأقام على قضائها ستين
سنة. مات سنة (٧٨هـ) وله مئة وعشر سنين. السير ٤/ ١٠٠.
(٤) في (م): وإذا كانت.
(٥) أحكام القرآن ٣١٨/١ ، وما قبله منه.
(٦) أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤)، وأخرجه أحمد مختصراً (٤٨٥٥)، وتقدمت قطعة منه ٣١٨/٣ .
وينظر الاستذكار ١٦/ ١٤٧ - ١٤٩.
(٧) في (خ) و (ز) و (ظ) و(م): وتبطل الزيجة، والمثبت من (د).

٤٧
سورة النساء: الآية ٤
صداق مثلِها أو أكثرُ؛ لم ترجعْ عليه بشيء، وإن كانت وضَعتْ عنه شيئاً من صَداقها
فتزوَّجَ عليها، رجَعت عليه بتمام صَدَاقٍ مِثْلِها (١)؛ لأنه شَرَطَ على نفسه شرطاً وأخذ
عنه عِوَضاً كان لها واجباً أَخْذُه منه، فوجب عليه الوفاءُ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:
((المؤمنون عند شروطهم)) (٢).
السابعة: وفي الآية دليلٌ على أنَّ العتقَ لا يكونُ صَدَاقاً؛ لأنه ليس بمال؛ إذْ لا
يُمكِنُ المرأةَ هبتُه ولا الزوجَ أكلُه. وبه قال مالكٌ وأبو حنيفةَ وزُفَرُ ومحمدٌ والشافعيُّ.
وقال أحمدُ بن حنبل وإسحاقُ ويعقوب: يكون صَداقاً، ولا مهرَ لها غيرُ العتق، على
حديثٍ صفيةً؛ رواه الأئمةُ: أن النبيَّ :﴿ أعتقَها، وجعل عتقَها صَداقَها(٣). ورُويَ عن
أَنَسٍ أنه فَعَله، وهو راوي حديثٍ صَفِيَّةً (٤).
وأجَابَ الأوَّلونَ بأنْ قالوا: لا حجَّةَ في حديث صَفِيَّةَ؛ لأنَّ النبيَّ# كان
مخصوصاً في النكاح بأن يتزوَّجَ بغير صَداق(٥)، وقد أرادَ زينبَ، فَحرُمتْ على
زيدٍ (٦)، فدخلَ عليها بغير وليٍّ ولا صَدَاق(٧). فلا ينبغي الاستدلالُ بمثل هذا، والله
أعلم.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿نَفْسًا﴾ قيل: هو منصوبٌ على البَيَان. ولا يُجيز سيبويه(٨)
ولا الكُوفِيّونَ أن يتقدَّمَ ما كان منصوباً على البَيّان، وأجاز ذلك المَازِنيُّ وأبو العباس
(١) ينظر النوادر والزيادات ٥/ ١٨٤.
(٢) تقدم ٤/ ٤٧٠ .
(٣) أخرجه أحمد (١٢٦٨٧)، والبخاري (٥٠٨٦)، ومسلم (١٣٦٥) من حديث أنس .
(٤) الإشراف ٤/ ١٢٤ .
(٥) ينظر المفهم ١٤١/٤، وردَّ ابن المنذر في الإشراف ١٢٤/٤ هذا القول وقال: وبالثابت عن رسول الله #
أقول. يعني حديث صفية.
(٦) هذا كلام ردَّه الأئمة والمحققون كما سيرد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَيْهِ وَأَنْعَمْتَ
عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وينظر إكمال المعلم ١ / ٥٣١، والمفهم ١ / ٤٠٦.
(٧) ينظر المفهم ١٤٧/٤، وأخرج الحديث أحمد (١٣٠٢٥)، ومسلم (١٤٢٨) من حديث أنس .
(٨) الكتاب ٢٠٥/١ .

٤٨
سورة النساء: الآية ٤
المُبرِّدُ إذا كان العاملُ فِعْلاً(١). وأنشد:
وما كان نفْساً بالفِراقِ تَطِيبُ(٢)
وفي التنزيل: ﴿خُشَّعًا أَبْصَرُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ [القمر: ٧]. فعلى هذا يجوز: شَخْماً
تفَقَّأْتْ. ووجهاً حَسُنتْ(٣). وقال أصحابُ سيبويه: إنَّ((نفساً)) منصوبةٌ بإضمار فعلِ
تقديره: أعني نفساً، وليست منصوبةٌ على التمييز؛ وإذا كان هذا فلا حجةً فيه (٤).
وقال الزجَّاج: الرواية:
وما كان نفسي(٥) ...
واتفق الجميعُ على أنه لا يجوزُ تقديمُ المميَّزِ إذا كان العاملُ غيرَ متصرِّف،
کعشرين درهماً.
التاسعة: قولُه تعالى: ﴿فَكُوهُ﴾ ليس المقصودُ صورةَ الأكل، وإنما المرادُ به
الاستباحةُ بأيِّ طريقٍ كان، وهو المعنيُّ بقوله في الآية التي بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَى كُلْمًا﴾، وليس المرادُ نفسَ الأكل، إلَّا أنَّ الأكلَ لمَّا كان أَوْفَى
أنواعِ التمتُّع بالمال، عُبِّر عن التصرفات بالأكل. ونظيرُه قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ
لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]؛ يُعلِمُ أنَّ صورةَ البيعِ
غيرُ مقصودة، وإنَّما المقصودُ ما يشغلُه عن ذكر الله تعالى؛ مثلُ النكاح وغيره، ولكنْ
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٥/١، وقول المبرد في المقتضب ٣٦/٣.
(٢) نسبه ابن جني في الخصائص ٣٨٤/٢ للمخبل السعدي، وهو بلا نسبة في المقتضب ٣٧/٣، وإعراب
القرآن ٤٣٥/١، والإنصاف ٨٢٨/٢، وشرح المفصل ٧٤/٢، وذكره الشنقيطي في الدرر ٤/ ٣٧
وقال: قيل إنه لأعشى همدان، وقيل: للمخبَّل السعدي، وقيل: لقيس بن الملوح. وصدره:
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها
(٣) المقتضب ٣٦/٣، والإنصاف ٨٢٨/٢، وشَرْطُ الجواز - كما ذكر أبو البركات الأنباري - أن يكون
الفعل متصرفاً.
(٤) ينظر الإنصاف ٨٣٠/٢.
(٥) نقله عن الزجاج بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٤٣٥/١، وينظر الإنصاف ٨٣١/٢، وقد صحح
الأنباري فيه هذه الرواية للبيت.

٤٩
سورة النساء: الآية ٤
ذُكِرَ البيعُ؛ لأنه أهُّ ما يُشْتَغْلُ به عن ذكر الله تعالى(١).
العاشرة: قوله تعالى: ﴿مَنِيْئًا فَرًِّا﴾ منصوبٌ على الحال من الهاء في ((كُلُوهُ)»،
وقيل: نعتٌ لمصدر محذوف، أي: أكلاً هنيئاً بطيبِ الأنفس(٢). هَنَأَه الطعام
والشَّراب يَهْنَؤه، وما كان هنيئاً؛ ولقد هَنُؤَ، والمصدرُ: الهَنْءُ. وكلُّ ما لم يأتِ بمشقَّةٍ
ولا عناءٍ فهو هنِيءٌ. وهَنيءٌ اسم الفاعل من هَنُؤَ، كظريف من ظَرُف. وهَنِئَ يَهْناً، فهو
هَنِئٌّ، على فَعِل كزَمِن. وهَنَأني الطعامُ ومَرأني، على الإتباع، فإذا لم يُذكر ((هَنأني))
قلت: أَمْرَأَني الطعامُ بالألف، أي: انهضم(٣)؛ قال أبو عليّ(٤): وهذا كما جاء في
الحديث: ((ارْجِعْنَ مأزُوراتٍ غيرَ مَأْجُورات))(٥).
وقال أبو العباس عن ابن الأعرابيّ: يقال: هَنِئَني ومَرِئني، بالكسر، يَهْنَأُني
ويَمْرَأُني، وهو قليل(٦).
وقيل: ((هَنِيئاً)): لا إثمَ فيه، و ((مَرِيئاً)): لا داءَ فيه. قال كُثِيِّر (٧):
هَنِيئاً مَرِيئاً غيرَ داءٍ مُخامرٍ لِعَزَّةَ من أعراضِنا ما استَحَلَّتِ(٨)
ودخل رجلٌ على علقمةً وهو يأكل شيئاً [مما] وهبته امرأته من مهرها، فقال له:
(١) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣٢٥/٢ .
(٢) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٣٥/١، والكشاف ٤٩٩/١ .
(٣) ينظر معاني القرآن ١٢/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٤٣٥/١، ومجمل اللغة ٩١٠/٣.
(٤) نقله المصنف عن ابن عطية في المحرر الوجيز ٩/٢.
(٥) قطعة من حديث عليّ ﴾ أخرجه ابن ماجه (١٥٧٨)، وفي إسناده إسماعيل بن سلمان الأزرق، قال فيه
الحافظ في التقريب: ضعيف. لكن للحديث أصل - كما ذكر البوصيري في مصباح الزجاجة ٢٨٠/١ -
في صحيح البخاري (١٢٧٨)، وصحيح مسلم (٩٣٨) من حديث أم عطية رضي الله عنها قالت: نهينا
عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا.
وأخرجه أبو يعلى (٤٠٥٦) من حديث أنس ، وفي إسناده الحارث بن زياد، قال عنه الذهبي في
الميزان ٤٣٣/١ : ضعيف مجهول.
(٦) ينظر تفسير الطبري ٣٨٧/٦.
(٧) ديوانه ص٧٨ .
(٨) ديوان كُثيرٌ ص٧٨، قوله: مخامر، أي: مخالط. اللسان (خمر).

٥٠
سورة النساء: الآيتان ٤ - ٥
كلْ من الهنيءِ المَريء(١).
وقيل: الهَنيُ: الطيِّبُ المَسَاغِ الذي لا يُنَغِّصه شيءٌ، والمريءُ: المحمودُ
العاقبة، التامُّ الهضم، الذي لا يَضُرُّ ولا يؤذي(٢). يقول: لا تخافون في الدنيا به
مطالبةً، ولا في الآخرة تَبِعَةً. يدلُّ عليه ما رَوى ابن عباسٍ عن النبيِّل﴿، أنه سُئل عن
هذه الآية: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُ﴾ فقال: ((إذا جادتْ لزوجها بالعطيَّةِ
طائعةً غيرَ مُكرهةٍ، لا يقضي به عليكم سلطانٌ، ولا يُؤاخِذُكم الله تعالى به في
الآخرة»(٣).
ورُوي عن عليّ بن أبي طالب ﴾ قال: إذا اشتكى أحدُكُم شيئاً، فليسألِ امرأته
درهماً من صَداقها، ثم لْيشترِ به عسلاً، فليشرَبْهُ بماء السماء؛ فيجمعُ الله عزَّ وجلَّ له
الهنيءَ والمَرِيءَ، والماءَ المبارك (٤). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ الَّتِى جَعَلَ اللَّهُ لَكُنْ قِيَمَا وَأَزْزُقُوهُمْ فِهَا
وَأَكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَّرْ قَوْلًا مَّتُونًا
٥
فيه عشر مسائل :
الأولى: لمَّا أمر الله تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم في قوله: ﴿وَءَاتُوْ اَلْنَ
أََّهُمْ﴾ وإيصالِ الصَّدُقات إلى الزوجات، بَيَّن أن السفيهَ وغيرَ البالغِ لا يجوزُ دفعُ مالِه
إليه. فدلَّت الآية على ثبوتِ الوصيِّ والوليِّ والكفيلِ للأيتام.
وأجمعَ أهل العلم على أنَّ الوصيةَ إلى المسلم الحرِّ الثقةِ العدل جائزةٌ(٥).
واختلفوا في الوصية إلى المرأة الحرة؛ فقال عَوَامُ أهل العلم: الوصيَّةُ لها جائزةٌ.
(١) المحرر الوجيز ٩/٢، وما بين حاصرتين منه، وأخرجه الطبري ٦/ ٣٨٣ .
(٢) تفسير البغوي ٣٩٣/١ .
(٣) لم نقف عليه، وأخرج نحوه عن ابن عباس موقوفاً الطبري ٦/ ٣٨٤، وابن أبي حاتم (٤٧٨٠).
(٤) تفسير أبي الليث ٣٣٣/١، وأخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٧٩)، وحسَّن إسناده الحافظ في الفتح ١٠/ ١٧٠.
(٥) الإجماع لابن المنذر ص ٧٥ .

٥١
سورة النساء: الآية ٥
واحتجَّ أحمد بأنَّ عمر ع أوصى إلى حفصة (١). ورُوي عن عطاء بن أبي رباح، أنه
قال في رجلٍ أوْصى إلى امرأته قال: لا تكون المرأة وصيّاً؛ فإن فَعَل حُوِّلت إلى
رجل من قومه(٢).
واختلفوا في الوصية إلى العبد؛ فمنعه الشافعيُّ، وأبو ثور، ومحمد، ويعقوب.
وأجازه مالكٌ(٣)، والأوزاعيُّ، وابن عبد الحَكَم. وهو قولُ النخَعيِّ إذا أوصى إلى
عبده. وقد مضى القولُ في هذا في ((البقرة)) مستوفى (٤).
الثانية: قوله تعالى: ﴿الشُّفَهَاءُ﴾ قد مضى في ((البقرة)»(٥) معنى السَّفهِ لغةً. واختلف
العلماء في هؤلاءِ السفهاء، مَن هم؛ فروى سالمٌ الأفطسُ عن سعيد بن جبير قال: هم
اليتامى؛ لا تُؤتوهم أموالكم. قال النحاس(٦): وهذا من أحسن ما قيل في الآية.
وروى إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن أبي مالك قال: هم الأولادُ الصغار؛ لا
تعطوهم أموالَكم، فيفسدوها وتبقَوْا بلا شيءٍ(٧).
وروى سفيان، عن حُميدٍ الأعرج، عن مجاهد قال: هم النساء. (٨) قال النحاس
وغيره: وهذا القول لا يصحُّ؛ إنما تقول العرب في النساء: سَفَائِه أو سفِيهات؛ لأنه
الأكثرُ في جمع فعِيلة (٩).
(١) أخرجه الدارمي (٣٢٩٧). وأخرج البخاري (٤٩٨٦) في باب جمع القرآن من حديث زيد بن ثابت،
وفيه: ((فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاء الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر، ﴾)).
قال الحافظ ابن حجر في الفتح ١٦/٩ إنما كان ذلك عند حفصة؛ لأنها كانت وصية عمر.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ١٦٣.
(٣) ينظر مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٥/ ٧٢ .
(٤) ٣/ ٩٨ .
(٥) ٣١١/١.
(٦) إعراب القرآن ٤٣٦/١، وأثر سعيد بن جبير أخرجه الطبري ٦/ ٣٩١.
(٧) أخرجه الطبري ٦/ ٣٩٢ .
(٨) تفسير مجاهد ١٤٤ .
(٩) إعراب القرآن ٤٣٦/١، ورده أيضاً الطبري ٦/ ٣٩٥، وابن عطية في المحرر الوجيز ٩/٢.

٥٢
سورة النساء: الآية ٥
ويقال: لا تَدفع مالَك مُضَاربةً، ولا إلى وكيلٍ لا يحسنُ التجارة. ورُوي عن عمر
أنه قال: مَن لم يتفقَّه فلا يتَّجر في سوقنا؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآَ
أَمْوَلَكُ﴾ يعني الجُهَّالَ بالأحكام(١).
ويقال: لا تدفع إلى الكفار؛ ولهذا كره العلماء أن يُوكِّل المسلمُ ذِمِّياً بالشراء
والبيع، أو يدفعَ إليه مضاربةً(٢).
وقال أبو موسى الأشعريُّ ﴾: السفهاءُ هنا كلُّ مَن يستحقُّ الحَجْرَ(٣). وهذا
جامع.
وقال ابن خويز منداد: وأما الحَجْرُ على السفيه، فالسفيه له أحوال: حالٌ يُحجر
عليه لصغره، وحالةٌ لعدم عقلهِ، بجنونٍ أو غيرهِ، وحالةٌ لسوء نظرهٍ لنفسه في ماله.
فأمَّا المُغمَى عليه، فاستحسنَ مالكٌ ألّا يُحجرَ عليه؛ لسرعة زوال ما به.
والحَجر يكون مرةً في حقِّ الإنسان، ومرةً في حقِّ غيره، فالمحجور (٤) عليه في
حقِّ نفسه مَن ذكرنا. والمحجورُ عليه في حقِّ غيرهٍ: العبدُ، والمِذْيان(٥)، والمريض
في الثلثين، والمفلسُ، وذاتُ الزوجِ لحقِّ الزوج، والبكر في حقِّ نفسها.
فأمَّا الصغيرُ والمجنون، فلا خلافَ في الحجر عليهما. وأمَّا الكبيرُ، فَلِأَنَّه لا
يُحسِنُ النظرَ لنفسه في ماله، ولا يُؤمَنُ منه إتلافُ ماله في غير وجهٍ، فأشبهَ الصبيَّ،
وفيه خلافٌ يأتي(٦). ولا فرقَ بين أن يُتلفَ مالَه في المعاصي، أو في القُرَبِ
(١) تفسير أبي الليث ٣٣٣/١، وأثر عمر تقدم ٣٨٧/٤ .
(٢) تفسير أبي الليث ٣٣٣/١ .
(٣) النكت والعيون ١/ ٤٥٢. وأخرج ابن أبي شيبة ٣٠٩/٤، والطبري ٦/ ٣٩٢ عن أبي موسى قال: ثلاثة
يدعون الله، فلا يستجيب لهم ... وفيه: ورجل أعطى ماله سفيهاً، وقد قال الله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا الشُّفَهَآءَ
أَمْوَلَكُمُ﴾. وينظر فيض القدير ٣٣٦/٣ .
(٤) في (د) و(م): فأما المحجور، وفي (خ): فالحجر، والمثبت من (ظ).
(٥) في (ظ): المديون.
(٦) في المسألة الخامسة.

٥٣
سورة النساء: الآية ٥
والمباحات. واختلف أصحابنا إذا أتلف مالَه في القُرَب؛ فمنهم مَن حَجر عليه،
ومنهم مَن لم يحجر عليه. والعبد لا خلافَ فيه.
والمِديانُ(١) يُنزَع ما بيده لغرمائه، لإجماع الصحابة(٢)، وفعلَ عمرُ ذلك بأُسَيْفِع
جُهَيْنَةَ؛ ذكره مالك في الموطأ(٣).
والبِكر ما دامت في الخِدْر محجورٌ عليها؛ لأنها لا تحسن النظرَ لنفسها. حتى إذا
تزوَّجت ودخلَ إليها الناس، وخرجت وبَرز وجهُها، عَرَفت المضارَّ من المنافع(٤).
وأما ذات الزوج؛ فلأنَّ رسول اللـه :﴿ قال: ((لا يجوز لا مرأة مَلكَ زوجُها عصمتَها
قضاءٌ في مالها)»(٥) إلا في ثلثها (٦).
قلت: وأما الجاهل بالأحكام - وإن كان غيرَ محجورٍ عليه لتنميته لماله وعدم
تبذيره(٧) - فلا يُدفعُ إليه المالُ؛ لجهله بفاسد البياعات وصحيحِها، وما يَحِلُّ وما يَحرم
منها. وكذلك الذمِّيُّ مِثْلُه في الجهل بالبياعات، ولِمَا يُخاف من معاملته بالرِّبا وغيرهٍ.
والله أعلم.
واختلفوا في وجه إضافة المال إلى المخاطَبِين على هذا، وهي للسفهاء؛ فقيل:
أضافها إليهم؛ لأنها بأيديهم وهم الناظرون فيها، فنسبت إليهم اتساعاً، كقوله تعالى:
(١) في (ظ): والمديون.
(٢) ينظر المفهم ٤ /٤٣١ - ٤٣٢.
(٣) ٢/ ٧٧٠ . والأسيفع تصغير أسفع، والأسفع الشديد السمرة، وقيل: الأسفع: الذي تعلو وجهه حمرة
تنحو إلى السواد. الاستذكار ١٠٠/٢٣. وقد ذكره الحافظ في الإصابة ١٧٢/١ في القسم الثالث من
حرف الألف وقال: أدرك النبي *.
(٤) ينظر الكافي ٨٣٣/٢، وعقد الجواهر الثمينة ٦٢٥/٢، ٦٣١.
(٥) أخرجه أحمد (٧٠٥٨)، وأبو داود (٣٥٤٦)، والحاكم ٢/ ٤٧ وصححه وهو من حديث عبدالله بن
عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
(٦) قوله: إلا في ثلثها، ليس من الحديث، وتحديد الثلث في هذه المسألة هو قول مالك رحمه الله
وإحدى الروايتين عن أحمد. انظر المغني ٦/ ٦٠٢، والمحلى ٣١١/٨ - ٣١٥، والكافي ٧٣١/٢ .
(٧) في (خ) و(د) و(ز) و(م): تدبيره، والمثبت من (ظ).

٥٤
سورة النساء: الآية ٥
﴿فَسَلِّمُوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وقوله ﴿فَقُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤](١).
وقيل: أضافها إليهم لأنها من جنس أموالهم؛ فإن الأموالَ جُعِلَت مشتركةً بين
الخلق، تنتقل من يد إلى يد، ومن مِلك إلى مِلك(٢)، أي: هي لهم إذا احتاجوها،
كأموالكم التي تقي أعراضَكم، وتصونُكم وتُعِظِمُ أقدارَكم، وبها قِوامُ أمرٍكم.
وقولٌ ثانٍ قاله أبو موسى الأشعريُّ وابن عباسٍ والحسن وقتادة: أن المراد أموالُ
المخاطبين حقيقةً (٣)؛ قال ابن عباس: لا تدفع مالَك الذي هو سببُ معيشتِك إلى
امرأتك وابنك، وتبقى فقيراً تنظرُ إليهم وإلى ما في أيديهم، بل كن أنت الذي تنفقُ
عليهم(٤). فالسفهاءُ على هذا هم النساء والصبيان؛ صغارُ ولدِ الرجل وامرأتُه. وهذا
يُخرَّجُ مع قول مجاهد وأبي مالك في السفهاء(٥).
الثالثة: ودلَّت الآيةُ على جواز الحَجر على السفيه؛ لأمر الله عزَّ وجلَّ بذلك في
قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ اُلُّفَهَاءَ أَمْوَلَكُمْ﴾، وقال: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾
[البقرة: ٢٨١]، فأثبتَ الولايةَ على السفيه كما أثبتها على الضعيف، فكان معنى
الضعيفِ راجعاً إلى الصغير، ومعنى السفيه إلى الكبير البالغ؛ لأن السَّفَهَ اسمُ ذِّ،
ولا يُذَمُ الإنسانُ على ما لم يكتسب، والقلم مرفوعٌ عن غير البالغ، فالذُّ والجَرْحُ
منفِيَّن عنه؛ قاله الخطابي(٦).
الرابعة: واختلف العلماء في أفعال السفيه قبلَ الحَجرِ عليه؛ فقال مالكٌ وجميع
أصحابه غيرَ ابنِ القاسم: إنَّ فِعْلَ السفيه وأمرَه كلَّه جائزٌ حتى يضربَ الإمام على يده.
(١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٣٦/١.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣١٩/١، أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٤٢/١ و٣٢٦.
(٣) المحرر الوجيز ٩/٢، وتفسير الطبري ٣٩٥/٦.
(٤) أخرجه الطبري ٣٩٨/٦ .
(٥) سلف قولاهما أول هذه المسألة.
(٦) معالم السنن ٤/ ٨٧ .

٥٥
سورة النساء: الآية ٥
وهو قولُ الشافعيِّ وأبي يوسف(١). وقال ابن القاسم: أفعالُه غيرُ جائزةٍ وإن لم يَضرِب
عليه الإمام. وقال أصْبَغُ: إن كان ظاهرَ السَّفَه فأفعالُه مردودةٌ، وإن كان غيرَ ظاهرِ
السَّفَه فلا تُردُّ أفعالُه، حتى يَحجرَ عليه الإمام. واحتجَّ سُحنون لقول مالك بأنْ قال: لو
كانت أفعالُ السفيهِ مردودةً قبل الحجر، ما احتاج السلطان أن يحجر على أحد.
وحُجةُ ابن القاسم ما رواه البخاريُّ من حديث جابر، أنَّ رجلاً أعتق عبداً ليس له مالٌ
غيره، فردَّه النبيُّ ﴾(٢)، ولم يكن حَجر عليه قبلَ ذلك.
الخامسة: واختلفوا في الحَجر على الكبير؛ فقال مالكٌ وجمهورُ الفقهاء: يُحجرُ
عليه. وقال أبو حنيفة: لا يُحجر على مَن بلغ عاقلاً إلَّا أن يكون مفسداً لمالِه؛ فإذا
كان كذلك؛ مُنع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فإذا بلغها سُلِّم
إليه بكلِّ حال، سواءٌ كان مفسداً أو غيرَ مفسد؛ لأنه يُحْبَلُ منه لاثنتي عَشْرَةَ سنةً، ثم
يُولَدُ له لستة أشهرٍ، فيصيرُ جَدّاً وأباً (٣)، وأنا أستحي أن أحجرَ على مَن يَصلُح أن
يكون جَدّاً. وقيل عنه: إن في مدَّة المنعِ من المال إذا بلغ مفسداً، ينفذُ تصرُّفه على
الإطلاق (٤)، وإنما يُمنع من تسليم المالِ احتياطاً. وهذا كلُّه ضعيفٌ في النظر والأثر؛
وقد روى الدَّارَقُظْنِيُّ(٥): حدَّثنا محمد بن أحمد بنِ الحسن الصوَّاف، أخبرنا حامدُ بن
شعيب، أخبرنا سُريج (٦) بن يونس، أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيم - هو أبو يوسف
القاضي - أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، أن عبدَ الله بنَ جعفرٍ أتى الزبيرَ، فقال:
إني اشتريت بيعَ كذا وكذا، وإنَّ علياً يريد أن يأتيَ أميرَ المؤمنين، فيسألَه أن يحجر
عليَّ فيه. فقال الزبير: أنا شريكُك في البيع. فأتى عليٍّ عثمانَ، فقال: إنَّ ابن جعفر
(١) ينظر الاستذكار ٩٩/٢٣، ومختصر اختلاف العلماء ٢١٦/٥.
(٢) صحيح البخاري (٢١٤١)، وأخرجه مسلم مطولاً (٩٩٧).
(٣) قوله: وأباً، من (م).
(٤) ينظر الإشراف ١٢٨/١ - ١٢٩، ومختصر اختلاف العلماء ٢١٦/٥، والمغني ٦ / ٥٩٥ - ٥٩٦.
(٥) في سننه ٢٣١/٤، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٦) في النسخ: شريح، وهو خطأ.

٥٦
سورة النساء: الآية ٥
اشترى بيعَ كذا وكذا، فاحجرْ عليه. فقال الزبير: فأنا شريكه في البيع. فقال عثمان:
كيف أحجرُ على رجلٍ في بيعٍ شريكُه فيه الزبير؟. قال يعقوب: أنا آخذ بالحجر
وأراه، وأحجرُ وأُبطِل بيعَ المحجورِ عليه وشراءَه، وإذا اشترى أو باع قبل الحَجرِ
[فإن كان صلاحاً أَجَزْتُه، وإن كان ممن يستحق الحَجر حجرتُ عليه، وردَدْتُ عليه
بيعه، وإن كان ممن لا يستحق الحجر] أَجزتُ بيعَه. قال يعقوب بن إبراهيم: وإنَّ أبا
حنيفة لا يحجُر، ولا يأخذُ بالحجر.
فقول عثمانَ: كيف أحجرُ على رجلٍ؛ دليلٌ على جواز الحَجرِ على الكبيرِ؛ فإن
عبدَ الله بنَ جعفرٍ ولدَته أمُّه بأرض الحبشة، وهو أوَّل مولودٍ وُلد في الإسلام بها،
وقدِمِ مع أبيه على النبيِّ# عامَ خَيبر فسمع منه وحفِظ عنه (١). وكانت خَيبرُ سنةً خمسٍ
من الهجرة. وهذا يردُّ على أبي حنيفةً قولَه. وستأتي حجَّتُه إن شاء الله تعالى(٢).
السادسة: قوله تعالى: ﴿أَلَِّ جَعَلَ اللَّهُ لَكُنْ قِيَمًا﴾ أي: لمعاشكم وصلاحِ دينكم.
وفي ((التي)) ثلاثُ لغاتٍ: التي، واللَّتِ، بكسر التاء، واللَّتْ، بإسكانها. وفي
تثنيتها أيضاً ثلاثُ لغات: اللَّتانِ، واللَّا، بحذف النون، واللَّتانٌّ، بشدِّ النون(٣). وأمَّا
الجمعُ فتأتي لغاته في موضعه من هذه السورة إن شاء الله تعالى (٤).
والقِيامُ والقِوام: ما يُقيمك، بمعنّى. يقال: فلانٌ قِيامُ أهلِه وقِوام بيتِهِ، وهو الذي
يُقيم شأنه، أي: يصلحه. ولمَّا انكسرت القاف من قِوام، أبدلوا الواوَ ياءً(٥). وقراءةُ
أهلِ المدينةِ: ((قِيَماً)) بغير ألف(٦). قال الكِسائيُّ والفرَّاء(٧): قِيماً وقِواماً؛ بمعنى
(١) الاستيعاب على هامش الإصابة ١٣٣/٦. وتوفي عبدالله بن جعفر سنة (٨٠ هـ). الإصابة ٤٠/٦.
(٢) ص٦٦ من هذا الجزء .
(٣) أمالي ابن الشجري ٥٩/٣ .
(٤) ص١٣٧ من هذا الجزء .
(٥) ينظر الصحاح (قوم)، وتفسير الطبري ٦/ ٣٩٧ .
(٦) السبعة ص٢٢٦، والتيسير ص٩٤، وهي قراءة نافع وابن عامر، وقرأ الباقون بالألف.
(٧) معاني القرآن له ٢٥٦/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٣٧/١.

٥٧
سورة النساء: الآية ٥
قياماً. وانتصب عندهما على المصدر. أي: ولا تؤتوا السفهاءَ أموالَكم التي تَصلُحُ
بها أمورُكم فتقومون(١) بها قياماً.
وقال الأخفش: المعنى: قائمة بأموركم. يذهب إلى أنَّها جمع. وقال البصريون:
قِيَماً جمع قِيمة؛ كدِيمَة ودِيَم، أي: جعلها الله قيمةً للأشياء(٢). وخطَّأ أبو عليّ (٣)
هذا القولَ وقال: هي مصدرٌ، كقِيام وقِوام، وأصلُها قِوَم، ولكن شدَّت في الردِّ إلى
الياء كما شذَّ قولهم: جياد في جمع جواد، ونحوه. وقِوَماً وقِواماً وقياماً معناها: ثباتاً
في صلاح الحال، ودواماً في ذلك.
وقرأ الحسن والنخعِيُّ: ((اللاتي)) على جمع التي (٤)، وقراءة العامَّة: ((التي)) على
لفظ الجماعة. قال الفرَّاء: الأكثرُ في كلام العرب: النساء اللَّواتي، والأموالُ التي،
وكذلك غير الأموال؛ ذكره النحاس(٥).
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَزْزُقُوهُمْ فِيهَا وَأَكْسُوهُمْ﴾ قيل: معناه: اجعلوا لهم فيها،
أو: افرِضُوا لهم فيها. وهذا فيمن يَلزمُ الرجلَ نفقتُه وكسوته من زوجته وبنيه
الأَصاغر(٦). فكان هذا دليلاً على وجوب نفقةِ الولدِ على الوالد، والزوجةِ على
زوجها؛ وفي البخاريِّ(٧) عن أبي هريرةَ﴾ قال: قال النبيُّ ﴾: «أفضلُ الصدقةِ ما
تَرَكَ غنّى، واليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى، وابدأ بمن تَعُول)). تقول المرأة: إمَّا أن
(١) في (م): فيقوموا.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٣٧.
(٣) في الحجة ٣/ ١٣٠، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠/٢ . وقيَّد ابن خالويه
في القراءات الشاذة ص٢٤- ٢٥ قراءة الحسن بالتوحيد.
(٤) في (خ) و (ز) و (ظ) و(م): جعل على جمع التي، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في إعراب
القرآن للنحاس ٤٣٦/١، وذكر قراءة الحسن والنخعي أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ١٠ . وقيّد
ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٤- ٢٥ قراءة الحسن بالتوحيد .
(٥) في إعراب القرآن ٤٣٦/١، وكلام الفراء في معاني القرآن له ١/ ٢٥٧ .
(٦) المحرر الوجيز ١٠/٢ .
(٧) صحيح البخاري (٥٣٥٥).

٥٨
سورة النساء: الآية ٥
تُطعمَني وإِمَّا أن تطلِّقني، ويقولُ العبد: أطعمني واسْتَعمِلْني، ويقول الابن: أطعمني،
إلى مَن تَدَعُني؟ فقالوا: يا أبا هريرة، سمعتَ هذا من رسول الله ﴾؟ قال: لا، هذا
من كِيسٍ أبي هريرة !. قال المهلَّب: النفقةُ على الأهل والعيالِ واجبةٌ بإجماع(١)؛
وهذا الحديث حجةٌ في ذلك.
الثامنة: قال ابن المنذر(٢): واختلفوا في نفقة مَن بلغ من الأبناء ولا مال له ولا
كَسْب؛ فقالت طائفةٌ: على الأب أن ينفقَ على ولدِه الذكورِ حتى يحتلموا، وعلى
النساء حتَّى يتزوَّجن ويدخلَ بهنَّ [أزواجهن] فإن طلَّقها بعد البِناء أو مات عنها، فلا
نفقةً لها على أبيها. وإن طلَّقها قبل البناء فهي على نفقتها.
التاسعة: ولا نفقةً لولدِ الولد على الجدِّ؛ هذا قول مالك.
وقالت طائفة: يُنفِقُ على ولدِه(٣) حتى يبلغوا الحُلم والمحِيض. ثم لا نفقةً عليه
إلَّا أن يكونوا زَمْنَى، وسواءٌ في ذلك الذكورُ والإناثُ؛ ما لم يكن لهم أموال، وسواءٌ
في ذلك ولدُه أو ولدُ ولده، وإن سَفِلوا، ما لم يكن لهم أبٌ دونه يقدر على النفقة
عليهم. [وإذا زَمِنَ الأبُ والأمُّ أَنفق عليهما الولد، وكذلك الأجداد] هذا قول
الشافعيِّ.
وأوجبت طائفةٌ النفقةَ لجميع الأطفال والبالغين من الرجال والنساء، إذا لم يكن
لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد؛ على ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام لهند:
(خُذِي ما يكفيكِ وولدَك بالمعروف)»(٤).
وفي حديث أبي هريرة: يقول الابنُ: أطْعِمْنِي، إلى مَن تَدَعُني؟ يدلُّ على أنه إنما
(١) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ٩/ ٤٩٨ .
(٢) الإشراف ١٤٨/٤، وما سیأتي بین حاصرتین منه.
(٣) في (د) و (ز) و(م): ينفق على ولد ولده، والمثبت من (خ) و (ظ) وهو الموافق لما في الإشراف
١٤٨/٤، والكلام منه، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٤) تقدم ٢٤٩/٣ .

٥٩
سورة النساء: الآية ٥
يقول ذلك مَن لا طاقة له على الكسب والتَّحَرُّف. ومَن بلغ سِنَّ الحُلم فلا يقول ذلك؛
لأنه قد بلغ حدَّ السَّعْي على نفسه والكسبِ لها، بدليل قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا بَلَغُوا
النِّكَاحَ﴾ الآية. فجعل بلوغ النكاح حدّاً في ذلك.
وفي قوله: تقول المرأة: إمَّا أن تُطعِمَني وإمَّا أن تُطلِّقني. يردُّ على مَن قال: لا
يُفرَّق بالإعسار، ويلزم المرأةَ الصبرُ؛ وتتعلَّقُ النفقةُ بذمَّته بحكم الحاكم. هذا قول
عطاء والزُّهريِّ. وإليه ذهب الكوفيون(١) مُتمسِّكين بقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةِ
فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةَّ﴾ [البقرة: ٢٨] قالوا: فوجب أن يُنْظَرَ إلى أن يُوسِر، وقولِه تعالى:
﴿وَنكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾ الآية [النور: ٣٢]. قالوا: فندَبَ تعالى إلى إنكاح الفقير، فلا
يجوزُ أن يكونَ الفقرُ سبباً للفُرْقة وهو مندوبٌ معه إلى النكاح. ولا حجةً لهم في هذه
الآيةِ على ما يأتي بيانه في موضعِها. والحديثُ نصٌّ في موضع الخلاف.
وقيل: الخطابُ لولِيٍّ اليتيم لينفقَ عليه من ماله الذي له تحت نظره؛ على ما تقدَّم
من الخلاف في إضافةِ المال(٢). فالوصيُّ ينفقُ على اليتيم على قدْرٍ ماله وحاله، فإن
كان صغيراً ومالُه كثيرٌ اتَّخذ له ◌ِئْراً وحواضنَ، ووَسَّع عليه في النفقة. وإن كان كبيراً
قدَّر له ناعمَ اللباسِ، وشهيَّ الطعام والخدم. وإن كان ذلك فبحسبه. وإن كان دون
ذلك فَخْشِنُ(٣) الطعام واللباس قدْرَ الحاجة. فإن كان اليتيم فقيراً لا مالَ له، وجب
على الإمام القيامُ به من بيت المال، فإنْ لم يفعل الإمامُ، وجب ذلك على المسلمين
الأخصِّ به فالأخصِّ. وأمُّه أخصُّ به، فيجب عليها إرضاعهُ والقيامُ به. ولا ترجعُ عليه
ولا على أحد. وقد مضى في البقرة عند قوله: ﴿وَالْوَزِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ [٢٣١].
العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لَرْ قَوْلًا مَعُوفًا﴾ أراد تليينَ الخطابِ والوعدَ
الجميلَ(٤). واختلف في القول المعروف، فقيل: معناه: ادعوا لهم: بارك الله فيكم،
(١) ينظر الإشراف ١٤٣/٤، والاستذكار ١٦٦/١٨ - ١٧٠.
(٢) ٢٩/٥.
(٣) في (ظ): فحسن.
(٤) في (د): بلين. الخطاب الوعد الجميل، وفي (ظ): تعيين بدل: تليين.

٦٠
سورة النساء: الآيتان ٥ - ٦
وحَاطَكُم وصنع لكم، وأنا ناظرٌ لك. وهذا الاحتياطُ يرجعُ نفعُه إليك(١).
وقيل: معناه: عِدُوهم وَعْداً حسناً، أي: إنْ رَشَدْتُم دفعنا إليكم أموالَكم (٢).
ويقول الأب لابنه: مالي إليك مَصِيرُهُ، وأنت إن شاءَ الله صاحبُه، إذا ملكتَ رشدَك
وعرفت تَصَرُّفَك(٣).
قوله تعالى: ﴿وَبْلُواْ الْيَ حََّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ
إِلَيْهِمْ أَمْوَّ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَيِدَارًا أَنْ يَكْبُرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌ وَمَن كَانَ
فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِلْمَعْرُوفِّ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَتَهِمْ أَمْوَمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بَِِّ حَسِبًا.
فيه سبعَ عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَبْلُواْ أَلْيَنَ﴾ الابتلاءُ: الاختبار؛ وقد تقدَّم(٤). وهذه
الآية خطابٌ للجميع في بيان كيفية دفع أموالهم(٥). وقيل: إنها نزلت في ثابت بن
رِفَاعَةَ وفي عمه. وذلك أن رِفاعةَ تُوفِّيَ وترك ابنَه وهو صغيرٌ، فأتى عمُّ ثابتٍ إلى
النبيِّ #، فقال: إنَّ ابن أخي يتيمٌ في حِجْري، فما يَحِلُّ لي من ماله، ومتى أدفع إليه
ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية(٦).
الثانية: واختلف العلماء في معنى الاختبار؛ فقيل: هو أن يتأمّل الوصيّ أخلاق
يتيمه، ويستمعَ إلى أغراضه، فيحصُلَ له العلمُ بنجابته، والمعرفةُ بالسَّعي في مصالحه
وضبطٍ ماله، أو الإهمالِ لذلك(٧). فإذا توسَّم الخيرَ؛ قال علماؤنا وغيرهم: لا بأس
(١) في (د): إليه.
(٢) المحرر الوجيز ٢/ ١٠.
(٣) في النسخ: إذا ملكتم رشدكم وعرفتم تصرفكم، والمثبت من (م).
(٤) ٢ / ٨٨ - ٨٩ .
(٥) بعدها في (د): إليهم.
(٦) أسباب النزول للواحدي ص١٠٧ ، وأخرجه الطبري ٦/ ٤٢٢ عن قتادة مرسلاً، وعزاه الحافظ في
الإصابة ٩/٢ لابن منده وقال: هذا مرسل، ورجاله ثقات.
(٧) في النسخ: والإهمال لذلك، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٣٢٠/١، والكلام منه.