Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سورة آل عمران: الآية ١٨٨
كلُّ امرئٍ منَّا .. إلخ، دليلٌ على أنَّ للعمومِ صِيَغاً مَخصوصةً، وأنَّ ((الذين)) منها. وهذا
مقطوعٌ به من تَفْهُمِ ذلك من القرآن والسُّنَّة.
وقولُه تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ قيل: (١) كانت الآيةُ في أهلِ
الكتاب، لا في المنافقين المتخلِّفين؛ لأنَّهم كانوا يقولون: نحن على دين إبراهيمَ،
ولم يكونوا على دينه، وكانوا يقولون: نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب، يريدون
أن يُحمَدوا بذلك.(٢)
و ((الذین)) فاعل لـ ((یحسین))(٣) بالياء، وهي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي
عمرو(٤)، أي: لا يَحسبَنَّ الفارحون فرحَهم مُنجياً لهم من العذاب. وقيل: المفعول
الأوَّلُ محذوفٌ، وهو أنفسهم. والثَّاني (بمفازة))(٥). وقرأ الكوفيون: (تَحسبَنَّ) بالتاء
على الخطاب للتَّبيِّ ◌َ﴾(٦)؛ أي: لا تحسبَنَّ يا محمدُ الفارحين بمفازةٍ من العذاب.
وقولُه: ﴿فَلَا تَّحْسَبَّهُ﴾ بالثَّاء وفتح الباء، إعادةُ تأكيدٍ، ومفعولُه الأوَّل الهاء
والميم، والمفعول الثاني محذوفٌ، أي: كذلك، والغاء عاطفةٌ، أو زائدة على بدل
الفعل الثَّاني من الأول.
وقرأ الضحاك وعيسى بن عمر بالتاء وضمِّ الباء: ((فلا تَحْسبُنَّهم))(٧)، أراد محمداً ﴾
وأصحابه. وقرأ مجاهد وابن كثيرٍ وأبو عمرو ويحيى بن يعمر بالياء وضمِّ الباءِ خبراً عن
الفارحين(٨)، أي: فلا يَحسبُنَّ أنفسهم، ((بِمَفَازَةٍ)) المفعول الثاني. ويكون ((فلا
يحسبُنَّهم)) تأكيداً.
(١) في (خ) و(د) و(ز) و(ف) و(م): إذا، والمثبت من (ظ).
(٢) أخرجه الطبري ٣٠٢/٦ عن السدي.
(٣) في (خ) و(د) و(ز) و(ف) و(م): بيحسبن، والمثبت من (ظ).
(٤) مع كسر السين لنافع وابن كثير وأبي عمرو، وفتحها لابن عامر السبعة ص٢١٩ -٢٢٠، والتيسير ص٨٤
و ٩٢ .
(٥) ينظر مشكل إعراب القرآن ١/ ١٨٢ - ١٨٣.
(٦) مع فتح السين لعاصم وحمزة، وكسرها للكسائي، وهؤلاء هم الكوفيون. السبعة ص٢١٩- ٢٢٠ ،
والتيسير ص٨٤ و٩٢ .
(٧) ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٥٣/١ قراءة الضحاك.
(٨) السبعة ص٢١٩-٢٢٠، والتيسير ص٩٣، وابن كثير وأبو عمرو من السبعة.

٤٦٢
سورة آل عمران: الآية ١٨٨
وقيل: ((الذين)) فاعل لايحسبنَّ)) ومفعولاها محذوفان لدلالة ((يَحسبُنَّهم)) علیه،
كما قال الشاعر:
بأيِّ كتابٍ أمْ بأيَّةٍ آيةٍ تَرى حبَّهم عاراً عليَّ وتَحسَبُ(١)
استغنى بذكر مفعولي الواحد عن ذكر مفعولي (٢) الثاني، و ((بمفازة)) الثاني، وهو
بدل من الفعل الأول، فأغنى لإبدالِه منه عن ذكر مفعولَيْه، والفاء زائدةٌ(٣).
وقيل: قد تجيء هذه الأفعال مُلْغاةً لا في حكم الجمل المفيدة، نحو قولٍ
الشاعر :
وما خِلْت أبقى بيننا من مَودَّةٍ عِراض المَذَاكِي المُسْنِفاتِ القلائِصَا(٤)
المَذَاكي: الخيلُ التي قد أتى عليها بعد قُروحها سَنةٌ أو سَنتان، الواحد مُذٍَّ،
مثل المُخْلِف من الإبل، وفي المَثَل: جَرْيُ المُذَكِّيات غِلاء(٥)، والمُسْنَفاتُ اسم
مفعول، يقال: سَنَفْتُ البعيرَ أسنُفُهُ سَنْفاً: إذا كَفَفْتَه بزمامه وأنت راكبُه، وأسنف البعيرَ
لغةٌ في سنَفَه، وأَسْنَفَ البعيرُ بنفسه: إذا رفع رأسَه؛ يَتعدَّى ولا يَتعدَّى. وكانت العربُ
تركبُ الإبلَ وتَجْنُب الخيلَ، تقول: الحربُ لا تُبقي مودَّةً (٦). وقال كعبُ بنُ أبي
سُلْمی : .
أرجو وآملُ أن تَدْنُو مَوَدَّتُها وما إخالُ لَدَيْنا منكِ تَنوِيلُ(٧)
(١) البيت للكميت، وهو في ديوانه ص٥١٦، والحجة للفارسي ١٠٥/٣، والمحرر الوجيز ٥٥٣/١،
وعندهم: أم بأية سنة.
(٢) في (م): مفعول، في الموضعين.
(٣) ينظر بسط الكلام في هذه المسألة في الدر المصون ٥٢٥/٣ - ٥٣١.
(٤) المحرر الوجيز ٥٥٣/١، ولم يجود البيت في النسخ، وهو للأعشى في ديوانه ص٢٠١ .
(٥) في (د) و(م): غلاب، وهي رواية في المثل، والمثبت موافق للصحاح (ذكا) وعنه نقل المصنف،
والمثل برواية غلاب في الأمثال لأبي عبيد ص ٩١ و ١٠٧ ، والكامل للمبرد ص٥٠١ ، وجمهرة الأمثال
للعسكري ٢٩٩/١، وفصل المقال للبكري ص١٢٧، ومجمع الأمثال للميداني ١٥٨/١. قال
الميداني: والغِلاب: المغالبة، ويروى: غلاء جمع غلوة، يعني أن جريها يكون غَلْوات، يضرب لمن
يوصف بالتَّبريز على أقرانه في حَلْبة الفضل.
(٦) الصحاح (سنف).
(٧) البيت في ديوانه ص ٨٥ برواية:
أرجو وآمل أن يعجلن في أبد
وما لهنَّ طوال الدهر تعجيل
وهو في شرح قصيدة بانت سعاد لابن هشام ص٤١ برواية المصنف.
:

٤٦٣
سورة آل عمران: الآيتان ١٨٨ - ١٨٩
وقرأ جمهورُ القرَّاء السبعة وغيرُهم: ((أتوا)) بقصر الألف، أي: بما جاؤوا به من
الكذب والكتمان.
وقرأ مروانُ بنُ الحَكَم والأعمشُ وإبراهيم النَّخَعِيّ: ((آتوا))، بالمدِّ، بمعنى:
أعْطَوا. وقرأ سعيد بن جبير: ((أُوتُوا)) على ما لم يُسمَّ فاعلُه، أي: أُعْطُوا.(١)
والمَفازة: المَنْجَاةُ، مَفَعَلَة، من فاز يفوز إذا نجا، أي: ليسوا بفائزين. وسُمِّي
موضعُ المخاف(٢) مَفازةً على جهة التَّفاؤل، قاله الأصمعي. وقيل: لأنَّها موضعُ تَفويز
ومَظِنَّة هلاكٍ، تقول العرب: فَوَّز الرَّجلُ إذا مات. قال ثعلب(٣): حكيتُ لابن
الأعرابي قولَ الأصمعي، فقال: أخطأ، قال لي أبو المكارم: إنما سُمِّيت مَفازةً،
لأنَّ مَن قطعها فاز.
وقال الأصمعيُّ: سُمِّ اللَّدِيغُ سليماً تفاؤلاً. قال ابن الأعرابي: لأنه مُسْتَسْلِم لما
أصابه.(٤)
وقيل: لا تحسبنهم بمكان بعيد من العذاب؛ لأن الفوز التباعدُ عن المكروه.
والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِِّ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ
هذا احتجاجٌ على الذين قالوا إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء، وتكذيب لهم(٥). وقيل:
المعنى: لا تَظُنَّنَّ الفرحين يَنجُون من العذاب؛ فإن لله كلَّ شيءٍ، وهم في قبضة
(١) المحرر الوجيز ٥٥٣/١، وذكر قراءة الأعمش النحاس في إعراب القرآن ٤٢٥/١، وابن خالويه في
القراءات الشاذة ص٢٣ - ٢٤ . وأما قراءة سعيد بن جبير فقد نسبها ابن خالويه ص٢٣ للسلمي عن علي
ابن أبي طالب ﴾.
(٢) في (م): المخاوف .
(٣) ينظر مجالسه ص ١٧٠.
(٤) المحرر الوجيز ٥٥٣/١ وعنه نقل المصنف قول الأصمعي وثعلب، وينظر الصحاح (فوز)، وتهذيب
اللغة ٢٦٤/١٣. وأبو المكارم: أحد الأعراب الذين أخذ عنهم ابن الأعرابي. ينظر مراتب النحويين لأبي
الطيب اللغوي ص ٩٢ .
(٥) معاني القرآن للنحاس ٥٢٣/١، والوسيط للواحدي ٥٣٢/١.

٤٦٤
سورة آل عمران: الآيات ١٨٩ - ٢٠٠
القدير(١)؛ فيكون معطوفاً على الكلام الأوَّل، أي: إنهم لا يَنجُون من عذابه،
يأخذهم متى شاء.
﴿وَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: مُمْكن ﴿قَدِيرٌ﴾ وقد مضى في ((البقرة)).(٢)
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَفَكَّرُونَ فِى
١٩٠
لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ (
خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿ رَبَّنَآ
رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا
١٩٢
إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبَّكُمْ فَامَتَّا رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِرْ عَنَّا
رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ
١٩٣
سَيِّجَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ
اٌلْقِيَمَةٌ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ لَلِيَعَادَ ﴿ فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِ لَّ أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ
◌ِنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىُّ بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضَِّ قَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ
فِي سَبِيلٍ وَقَّتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُنْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاَللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقُلُّبُ
اُلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَدِ ١٨ مَتَعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الِهَادُ ( لَكِنِ
الَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَدُ خَلِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِندِ
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ
١٩٨
اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْزَارِ
أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِكَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً
يَأَيُّهَا
(١٩٩)
أُوْلَبِّكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
فیه خمس وعشرون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدَّم معنى هذه الآية في
(١) في النسخ: التقدير، والمثبت من (م).
(٢) ٣٣٨/١ - ٣٣٩.

٤٦٥
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
((البقرة)) في غير موضع(١). فختم تعالى هذه السورة بالأمر بالنَّظر والاستدلال في
آياته؛ إذ لا تصدر إلا عن حيٍّ قيوم، قدير، قُدُّوس، سلام، غنيٍّ عن العالمين؛ حتى
يكونَ إيمانُهم مُستنداً إلى اليقين، لا إلى التقليد.
﴿لَيَتٍ لِّأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾: الذين يستعملون عقولهم في تأمُّلِ الدلائل.
ورُوي عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت: لمَّا نزلت هذه الآيةُ على النبيِّ ﴾.
قام يُصلِّي، فأتاه بلالٌ يُؤْذِنُه بالصلاة، فرآه يبكي، فقال: يا رسول الله، أتبكي وقد
غَفَر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر؟! فقال: ((يا بلالُ، أفلا أكون عبداً شكوراً!
ولقد أنزلَ اللهُ عليَّ الليلةَ آيَةٌ: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اَلَيْلِ وَالنََّارِ
لَيَتٍ لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾)) ثم قال: ((ويلٌ لمَنْ قرأها ولم يَتفكّر فيها)).(٢)
الثانية: قال العلماء: يُستحبُّ لمَنِ انتبه من نومه أن يمسحَ على وجهه، ويستفتحَ
قِيامَه بقراءة هذه العشر الآياتِ(٣) اقتداءً بالنبيِّ ﴾، ثبت ذلك في ((الصحيحين))
وغيرهما وسيأتي(٤)، ثم يُصلِّي ما كُتب له، فيجمع بين التفكّر والعمل، وهو أفضلُ
العمل على ما يأتي بيانُه في هذه الآية بعد هذا.
ورُوي عن أبي هريرةَ أنَّ رسول الله :﴿ كان يقرأُ عشرَ آياتٍ من آخر سورة آل
عمران كلَّ ليلة. خرَّجه أبو نصر الوائلي السِّجِسْتاني الحافظ(٥) في كتاب ((الإبانة)) من
(١) ٢ / ٤٩٠ .
(٢) أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي # ص/ ١٨٦، وابن حبان (٦٢٠). وأخرج أحمد (٢٤٨٤٤)،
والبخاري (٤٨٣٧)، ومسلم (٢٨٢٠). عن عائشة رضي الله عنهاُ أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان
يقوم من الليل حتى تتفطّر قدماه، فقالت عائشة: لِمّ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم
من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أحبُّ أن أكون عبداً شكوراً)).
(٣) في (د) و(ظ): العشر آيات.
(٤) مسند أحمد (٢١٦٤)، وصحيح البخاري (٤٥٧٠)، وصحيح مسلم (٧٦٣): (١٨٢). من حديث ابن
عباس رضي الله عنهما، وسيذكره المصنف في المسألة الثامنة.
(٥) هو عُبيد الله بن سعيد بن حاتم بن أحمد، شيخ الحرم، وهو راوي الحديث المسلسل بالأولية:
((الراحمون يرحمهم الرحمن ... ))، وكتابه المذكور هو ((الإبانة الكبرى)) في أن القرآن غير مخلوق،
وتوفي سنة (٤٤٤هـ). السير ١٧ / ٦٥٤ .

٤٦٦
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
حديث سليمانَ بن موسى، عن مظاهر بن أسلم المخزومي، عن المَقْبُري، عن أبي
هريرة (١). وقد تقدَّم أولَ السورة عن عثمان قال: مَنْ قرأ آخرَ آل عمران في ليلة كُتب
له قیامُ لیلة.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ ذكّر تعالى
ثلاثَ هيئات لا يخلو ابنُ آدَمَ منها في غالب أمره، فكأنها تَحصر زمانه، ومن هذا
المعنى قولُ عائشةَ رضي الله عنها: كان رسولُ الله ﴾ يذكر الله علی کلِّ أحیانه.
أخرجه مسلم(٢). فدخل في ذلك كونُه على الخلاء وغيرُ ذلك.(٣)
وقد اختلف العلماءُ في هذا، فأجاز ذلك عبدُ الله بن عمرو (٤) وابن سيرين
والنَّخَعي، وكره ذلك ابنُ عباس وعطاء والشعبي. والأول أصحُ لعموم الآية والحديث.
قال النَّخَعي: لا بأس بذكر الله في الخلاء، فإنه يَصْعَد(٥). المعنى: تصعد به الملائكةُ
مكتوباً في صُحُفهم، فحذف المُضاف. دليلُه قوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ
عَبِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ كِرَامًا كَئِينَ﴾ [الانفطار: ١٠-١١]. ولأن
الله عزَّ وجلَّ أمرَ عبادَه بالذِّكر على كلِّ حال ولم يستثنِ فقال: ﴿ أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾
[الأحزاب: ٤١]، وقال: ﴿فَذَكُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ
مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، فعمَّ. فذاكرُ الله تعالى على كلِّ حالاته مُئابٌ مأجورٌ
إن شاء الله تعالى.
وذكر أبو نُعیم قال: حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل،
قال: حدثني أبي قال: حدثنا وكيعٌ قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن أبي مروان، عن
(١) وأخرجه أيضاً العقيلي في الضعفاء ٢/ ١٤١، والطبراني في الأوسط (٦٧٧٣). قال العقيلي: مظاهر
منكر الحديث، قاله البخاري.
(٢) رقم (٣٧٣)، وعلقه البخاري بصيغة الجزم في كتاب الحيض (فتح الباري ٤٠٧/١) وهو في مسند أحمد
(٢٤٤١٠) .
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٥٥٤/١ .
(٤) في النسخ الخطية: عبدالله بن عمر، والمثبت من (م) وإكمال المعلم ٢/ ٢٣٠ حيث ذكر القاضي
عیاض هذه الأقوال وصرَّح ثمة أنه عبدالله بن عمرو بن العاص.
(٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٣٠ .

٤٦٧
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
أبيه، عن كعب الأحبار قال: قال موسى عليه السلام: يا ربِّ، أقريبٌ أنت
فأُناجيَك، أم بعيد فأُناديَك؟ قال: يا موسى، أنا جليسُ مَن ذكرني. قال: يا ربِّ،
فإنَّا نكون من الحال على حال نُجِلُّك ونُعظّمك أن نَذْكُرَك. قال: وما هي؟ قال:
الجنابة والغائط. قال: يا موسى، أُذْكُرني على كلِّ حال.(١)
وكراهيةٌ من كَرِه ذلك إمَّا لِتنزيه ذِكْر الله تعالى في المواضع المَرْغوبِ عن ذِكْره
فيها، ككراهيةِ قراءة القرآن في الحمّام، وإما إبقاء على الكرام الكاتبين على أنْ
يُحِلَّهم موضعَ الأقذار والأنجاس لِكتابة ما يَلِفِظُ به. والله أعلم.
و﴿قِيَمًا وَقُعُودًا﴾ نصب على الحال. ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ في موضع الحال، أي:
ومضطجعين، ومثله قولُه تعالى: ﴿رَعَنَا لِجَنْبِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَابِمًا﴾ [يونس: ١٢] على
العكس، أي: دعانا مضطجعاً على جنبه.
وذهب جماعةٌ من المفسرين - منهم الحسنُ وغيره - إلى أن قوله: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾
إلى آخره، إنما هو عبارةٌ عن الصلاة، أي: لا يُضيِّعونها، ففي حال العذر يُصلُّونها
قعوداً أو على جُنوبهم. وهي مثلُ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا
وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] (٢) في قول ابن مسعود(٣) على ما يأتي بيانُه.
وإذا كانت الآيةُ في الصلاة فَفِقْهُها أنَّ الإنسان يُصلِّي قائماً، فإن لم يستطِعْ
فقاعداً، فإنْ لم يستطِعْ فعلى جَنْبه، كما ثبتَ عن عمرانَ بن حُصين قال: كان بي
(٣) حلية الأولياء ٦/ ٤٢. وهو من الإسرائيليات. وفي معنى قوله: ((أقريب أنت فأناجيّك ... )) عن معاوية
ابن حيدة أن سائلاً قال للنبي#: يا محمد، أقريب ربُّنا فنناجيه، أم بعيدٌ فنناديه، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. أخرجه الطبري في التفسير ٢٢٢/٣ - ٢٢٣ ، وفي إسناده الصُّلب بن
حكيم، ذكره الحافظ ابن حجر في لسان الميزان ١٩٥/٣ وسمَّاه الصلت، وقال: مجهول، وذكر
الحديث. وقوله: أنا جليس من ذكرني،. ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة ص ٩٥ ، وقال: رواه
الديلمي بلا سند عن عائشة مرفوعاً. وقال ص٩٦: وعند البيهقي [في شعب الإيمان (٥١٠)] معناه في
المرفوع من حديث أبي هريرة: ((أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)). وانتهى كلام السخاوي.
وفي حديث أبي هريرة أيضاً يرفعه: ((يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بيُّ وأنا معه إذا ذكرني ... ))
أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).
(١) المحرر الوجيز ٥٥٤/١ .
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨٤١/٣ .

٤٦٨
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
البَواسِيرُ، فسألتُ النبيَّ :﴿ عن الصلاة، فقال: ((صَلِّ قائماً، فإنْ لم تستطِعْ فقاعداً،
فإنْ لم تَستطِعْ فعلى جَنب)) رواه الأئمة.(١)
وقد كان * يُصلِّي قاعداً قبل موته بعام في النافلة، على ما في ((صحيح)"
مسلم (٢). وروى النسائيُّ عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: رأيتُ رسولَ الله ﴾ يُصلِّي
متربِّعاً. قال أبو عبد الرحمن: لا أَعلمُ أحداً روى هذا الحديثَ غيرَ أبي داود
الحَفَرِيّ، وهو ثقةٌ، ولا أحسَب هذا الحديثَ إلا خطأ. والله أعلم.(٣)
الرابعة: واختلف العلماءُ في كيفية صلاة المريض والقاعد وهيئتها، فذكر ابنُ
عبد الحكم عن مالك أنه يتربَّع في قيامه(٤) - وقاله البُوَيْطيُّ عن الشافعيّ - فإذا أراد
السجودَ تهَّأ للسجود على قدر ما يُطيق، قال: وكذلك المُتنفِّل. ونحوه قولُ الثوري،
وكذلك قال اللَّيث وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد. وقال الشافعيّ - في رواية
المُزَنِيّ -: يَجلِسُ في صلاته كلِّها كجلوس التشهد. ورُوي هذا عن مالك وأصحابه،
والأوَّلُ المشهور، وهو ظاهر ((المدوّنة))(٥). وقال أبو حنيفة وزُفَر: يجلسُ كجلوس
التشهد، وكذلك يركع ويَسْجد.(٦)
الخامسة (٧): فإنْ لم يستطع القعودَ، صلَّى على جَنْبه أو ظَهْره على التخيير، هذا
مذهب ((المدوَّنة))(٨). وحكى ابنُ حبيب عن ابن القاسم: يُصلِّي على ظهره، فإنْ لم
(١) مسند أحمد (١٩٨١٩)، وصحيح البخاري (١١١٧)، وسنن أبي داود (٩٥٢)، وسنن الترمذي (٣٧٢)،
وسنن ابن ماجه (١٢٢٣).
(٢) رقم (٧٣٣) من حديث حفصة رضي الله عنها، وهو في مسند أحمد (٢٦٤٤٢).
(٣) المجتبى ٢٢٤/٣ . أبو عبد الرحمن: هو النسائي، وأبو داود الحَفَري هو عمر بن سعد بن عبيد، مات
سنة (٢٠٣ هـ). تقريب التهذيب.
(٤) رواية ابن عبد الحكم عن مالك - كما في التمهيد ١٣٧/١، والاستذكار ٤١٣/٥ - أنه يتربَّع في قيامه
ور کوعه .
(٥) ٧٦/١ - ٧٧ .
(٦) التمهيد ١٣٧/١، والاستذكار ٤١٤/٥ .
(٧) بعدها في (م): قال.
(٨) ١ / ٧٧ .

٤٦٩
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
يستطِعْ فعلى جَنْبه الأيمن، ثم على جَنْبه الأَيْسر. وفي كتاب ابن المؤَّاز عَكْسُه؛ يُصلِّي
على جَنْبه الأيمن، وإلا فعلى الأيسر، وإلا فعلى الظّهر. وقال سحنون: يُصلِّي على
الأيمن كما يُجعل في لَخْده، وإلا فعلى ظَهْره، وإلا فعلى الأيسر(١). وقال مالك وأبو
حنيفة[وأصحابُهما] إذا صلَّى مضطجعاً تكون رجلاه مما يلي القِبلة [مستقبل القبلة].
[وقال:] الشافعيّ والثوريّ: يُصلِّي على جَنْبه، ووجهُه إلى القِبلة.(٢)
السادسة: فإنْ قَوِيَّ لخِفَّة المرض وهو في الصلاة، قال ابن القاسم: إنه يقومُ
فيما بَقِيَ من صلاته ويَبني على ما مضَى، وهو قول الشافعيّ وزُفَر والطبري. وقال أبو
حنيفة وصاحباه يعقوبُ ومحمد فيمن صلَّى مضطجعاً ركعةٌ ثم صحَّ: إنه يستقبلُ
الصلاةَ من أوَّلها، ولو كان قاعداً يركع ويسجد، ثم صحَّ، بنَى في قول أبي حنيفة،
ولم يَيْنِ في قول محمد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا افتتحَ الصلاةَ قائماً، ثم صار
إلى حَدّ(٣) الإيماء فَلْيَبْنٍ، ورُوي عن أبي يوسف [أنه يستقبل]. وقال مالك في
المريض الذي لا يستطيعُ الركوعَ ولا السجودَ وهو يستطيعُ القيامَ والجُلوس: إنه
يُصلِّي قائماً ويُومئ إلى الركوع، فإذا أراد السجودَ جلَس وأَوْماً إلى السجود؛ وهو
قولُ أبي يوسف، وقياسُ قول الشافعيّ. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يُصلِّي قاعداً.(٤)
السابعة: وأما صلاةُ الراقد الصحيح، فرُوِيَ من حديث عمران بن حُصین زيادٌ
ليست موجودةً في غيره، وهي: ((صلاةُ الراقدِ مِثْلُ نصف صلاةِ القاعد)). قال أبو
عمر(٥): وجمهور أهل العلم لا يُجيزُون النافلةَ مضطجعاً، وهو حديثٌ لم يَرْوهِ إلا
حسينٌ المعلِّم - وهو حسين بن ذَكْوان - عن عبدالله بن بُرَيْدة، عن عمران بن حُصين.
(١) المحرر الوجيز ٥٥٤/١، وينظر النوادر والزيادات ٢٥٦/١ - ٢٥٧.
(٢) التمهيد ١٢٣/٢٢ . وما بين حاصرتين منه.
(٣) في التمهيد والاستذكار: حال.
(٤) التمهيد ١٢٢/٢٢، والاستذكار ٤١٢/٥ - ٤١٣، وما بين حاصرتين منهما.
(٥) في التمهيد ١٣٤/١، والكلام الذي قبله منه، وحديث عمران بن حصين ﴾ أخرجه بنحوه أحمد
(١٩٨٨٧)، والبخاري (١١١٥)، والترمذي (٣٧١)، والنسائي ٢٢٣/٣ - ٢٢٤. ولفظه ((إنْ صلى قائماً
فهو أفضل، ومن صلّى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد)). لفظ
البخاري.

٤٧٠
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
وقد اختُلف على حسين في إسناده ومَتْنه اختلافاً يُوجب التوقّف عنه، وإن صحَّ فلا
أدري ما وجهه؛ فإنْ كان أحدٌ من أهل العلم قد أجاز النافلةَ مضطجعاً لمن قدر على
القُعود أو على القيام فوجهه هذه الزيادة في هذا الخبر، وهي حُجّةٌ لمن ذهب إلى
ذلك. وإنْ أجمعوا على كراهة النافلة راقداً لمن قدر على القعود أو القيام، فحديثُ
حسين هذا إمّا غلطٌ، وإما منسوخ.
وقيل: المرادُ بالآية الذين يستدلُّون بخلق السماوات والأرض على أن المتغيِّر
لابدَّ له من مُغيِّر، وذلك المُغيِّر يجب أن يكون قادراً على الكمال، وله أن يبعثَ
الرُّسل، فإذا(١) بعث رسولاً ودلَّ على صِدْقه بمعجزة واحدةٍ لم يَبْقَ لأحد عذرٌ،
فهؤلاء هم الذين يذكرون الله على كلِّ حال. والله أعلم.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَيَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ قد بيَّنًا معنى(٢)
(يذكرون))، وهو إِما الذِّكر (٣) باللسان، وإما الصلاةُ فَرْضُها ونَفْلُها؛ فعطفَ تعالى
عبادةً أُخرى على إحداهما بعبادة(٤) أخرى، وهي التفكّر في قدرة الله تعالى
ومخلوقاته والعِبَرِ التي بثَ(٥)؛ ليكون ذلك أَزْيدَ في بصائرهم:
وفي كلِّ شيء له آيَةٌ تَدُلُّ على أنه واحِدُ(٦)
وقيل: (يتفكرون)) عطفٌ على الحال. وقيل: يكون منقطعاً (٧)؛ والأوّل أشبهُ.
والفكرةُ: تردُّد القلب في الشيء، يقال: تفكّر، ورجل فِكِّير: كثيرُ الفِكْر(٨).
(١) في (م): فإن.
(٢) في النسخ: أن معنى، والمثبت من (م).
(٣) في (د) و(م): ذكر.
(٤) في (خ): لعبادة.
(٥) في (خ) و(م): الذي بث، وفي (د): الذي نبه به، وفي (ظ): التي أتت، والمثبت من المحرر الوجيز
٥٥٥/١ والكلام منه.
(٦) البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه ص١٠٤ .
(٧) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٢٦/١ .
(٨) مجمل اللغة ٣/ ٧٠٤ .

٤٧١
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
ومرَّ النبيُّ # على قوم يتفكّرون في الله، فقال: ((تفكّروا في الخَلْق، ولا تتفكَّروا
في الخالق، فإنَّكم لا تقدرون قدره))(١).
وإنما التفكّر والاعتبار وانبساطُ الذِّهن في المخلوقات كما قال: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى
خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾(٢).
ويُحكى(٣) أن سفيان الثوريّ ﴾ صلَّى خلف المقام ركعتين، ثم رفع رأسه إلى
السماء، فلما رأى الكواكب غُشِيَ عليه (٤)، وكان يبولُ الدَّم من طول حُزنه وفِكرته.(٥)
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ﴾: ((بينما رجلٌ مُستلقٍ على فراشِه
إذْ رَفَع رأسَه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهدُ أن لكِ ربّاً وخالقاً، اللهم
اغفِرْ لي، فنظر اللهُ إليه، فَغَفَرَ له))(٦) وقالِ﴿: ((لا عبادةَ كتفكّر)).(٧)
(١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وسنده ضعيف لجهالة الراوي
عن ابن عباس. وبرقم (٤) من حديث أبي ذر بالمرفوع منه، وفي إسناده سيف بن محمد الكوفي قال
عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: كذّبوه.
وأخرج المرفوع أيضاً الطبراني في الأوسط (٦٣١٥) وأبو الشيخ (١)، والبيهقي في الشعب (١٢٠) ،
من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ٣٢٧/٤، ولفظه: ((تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله)).
وفي إسناده الوازع بن نافع العُقيلي. قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣٢٧/٤: قال البخاري: منكر
الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أحمد وابن معين: ليس بثقة.
وأخرجه بنحوه أبو نعيم في الحلية ٦٦/٦ - ٦٧ من حديث عبدالله بن سلام ﴾. وفي إسناده عبد الجليل
ابن عطية، وهو صدوق يهم، وشهر بن حوشب، وهو صدوق كثير الإرسال والأوهام.
وذكر صاحب كشف الخفاء ١/ ٣٧٢ طرقاً أخرى ضعيفة للحديث، وقال: لكن اجتماعها يكسبه قوة،
ومعناه صحيح، وفي صحيح مسلم (١٣٤) عن أبي هريرة عن النبي# قال: ((لا يزال الناس يتساءلون
حتى يقال: هذا، خلقَ اللهُ الخلقَ، فمن خلقّ الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً، فليقل: آمنتُ بالله)).
(٢) ينظر المحرر الوجيز ٥٥٥/١ .
(٣) في (م): وحكي.
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٧/ ١٧، وفي إسناده أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي قال عنه الحافظ
ابن حجر في التقريب: كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يَضّع.
(٥) أخرجه أبو نعيم ٧/ ٢٣، والبيهقي في الشعب ٥٣٥/١.
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله (١٠٦)، وفي إسناده عبدالله بن جعفر بن نّجيح السَّعدي أبو
علي بن المديني. قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ٣١٥/٢: قال ابن معين: ليس بشيء،
وقال أبو حاتم: منكر الحديث جداً، وقال النسائي: متروك الحديث. قال علي بن المديني: أبي
صدوق، وهو أحب إلي من الدراوردي.
(٧) أورده الزمخشري في كشافه ١ / ٤٨٨ - مع الأخبار السابقة - وابن عطية في المحرر الوجيز ٥٥٥/١ =

٤٧٢
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
ورُوي عنه عليه الصلاة والسلام(١): ((تفكّرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادةٍ سنة))(٢). وروى
ابنُ القاسم عن مالك قال: قيل لأمّ الدرداء: ما كان أكثرُ شأن أبي الدرداء؟ قالت:
كان أكثرُ شأنه التفكّر. قيل له: أفترى التفكّرَ عملاً(٣) من الأعمال؟ قال: نعم، هو
اليقين(٤). وقيل لابن المسيّب في الصلاة بين الظهر والعصر، قال: ليست هذه عبادةً،
إنما العبادةُ الوَرَع عمّا حرَّم الله، والتفكّر في أمر الله(٥).
وقال الحسن: تفكّر ساعةٍ خيرٌ من قيام ليلة، وقاله ابنُ عباس وأبو الدرداء(٦).
وقال الحسن: الفِكْرةُ مرآةُ المؤمن ينظرُ فيها إلى حسناته وسيئاته.(٧)
ومما يُتفكّر (٨) فيه مخاوفُ الآخرة من الحَشْرِ والنَّشْر، والجنة ونعيمِها، والنار
وعذابها.
يُروى أن أبا سليمان الدارانيّ ﴾ أخذَ قَدَحَ الماء ليتوضأ لصلاة الليل وعنده
ضيفٌ، فرآه لمّا أدخل أصبعه في أُذن القَدَح أقام لذلك متفكّراً حتى طلع الفجر، فقال
له: ما هذا يا أبا سليمان؟! قال: إني لمّا طرحتُ أصبعي في أُذن القدح تفكّرتُ في
قول الله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغَْلُ فِىّ أَعْتَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١]، ففكرت(٩) في
حالي، وكيف أتلقَّى الغُلَّ إنْ طُرح في عُنقي يوم القيامة، فما زِلتُ في ذلك حتى
= ولم نقف عليه بهذا اللفظ، ولا على إسناده. وانظر ما بعده.
(١) بعدها في (م): قال.
(٢) أورده أبو الليث في تفسيره ١/ ٣٢٤، ونسبه ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٥٥/١ لِسَرِيّ السَّقَطي،
وقالَ مُلَّا علي القاري في المصنوع (٩٤): ليس بحديث، إنما هو من كلام السَّري السقطي رحمه الله
تعالی.
(٣) في (م): عمل، وهو خطأ.
(٤) أورده ابن رشد في البيان والتحصيل ١٧/ ٥٨٠، وقوله: قيل له: افترى التفكر .. يعني لمالك. وأخرجه
من غير طريق مالك أبو نعيم في الحلية ٢٠٨/١، والبيهقي في الشعب (١١٩).
(٥) أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٨٣٠).
(٦) أخرج قول الحسن أبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٧١، وأخرج قول ابن عباس رضي الله عنهما أبو الشيخ في
العظمة (٤٣)، وأخرج قول أبي الدرداء أبو نعيم ٢٠٨/١-٢٠٩، والبيهقي في الشعب (١١٨).
(٧) المحرر الوجيز ٥٥٥/١، وإتحاف السادة المتقين ١٦٣/١٠.
(٨) في النسخ: ومن التفكر، والمثبت من (م).
(٩) في (د) و(م): تفكرت.

٤٧٣
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
أصبحتُ. قال ابن عطية(١): وهذا نهايةُ الخوف، وخيرُ الأمور أوساطها، وليس
علماءُ الأمة - الذين هم الحُجّة - على هذا المِنْهاج، وقراءةُ علم كتاب الله تعالى
ومعاني سنة رسوله(٢) ﴿ لمن يَفْهم ويُرجَى نفعُه أفضلُ من هذا.
قال ابن العربيّ: اختلف الناس أيُّ العملين أفضل: التفكّر أم الصلاة؛ فذهب
الصوفية إلى أن التفكّر أفضلُ؛ فإنه يُثَمِّر المعرفةَ، وهو أفضلُ المقامات الشرعية.
وذهب الفقهاءُ إلى أن الصلاة أفضلُ؛ لما ورد في الحديث من الحَثِّ عليها، والدُّعاء
إليها، والترغيب فيها.
وفي ((الصحيحين)): عن ابن عباس أنه باتَ عند خالته ميمونةً، وفيه: فقام
رسولُ اللـه﴿، فمسحَ النومَ عن وَجْهه، ثم قرأَ العَشْرَ الآياتِ(٣) الخواتِمَ من سورة
آل عمران، وقام إلى شَنَّ معلَّق، فتوضأ وضوءاً خفيفاً، ثم صلَّى ثلاثَ عشرة
ركعةً، الحديث. (٤)
فانظروا رحمكم الله إلى جَمْعه بين التفكّر في المخلوقات ثم إقباله على صلاته
بعدَه؛ وهذه السُّنة هي التي يُعتَمدُ عليها. فأما طريقةُ الصوفية أن يكون الشيخُ منهم
يوماً وليلة وشهراً مُفكِّراً (٥) لا يَفْتُر؛ فطريقةٌ بعيدةٌ عن الصواب، غيرُ لائقة بالبشر، ولا
مُستمرَّة على السنن.
قال ابن عطية (٦): وحدثني أبي عن بعض علماء الشرق(٧) قال: كنتُ بائتاً في
مسجد الأقدام بمصر، فصلَّيت العَتَمةَ، فرأيتُ رجلاً قد اضطجع في کِساءٍ له مسجّی
بكسائه حتى أصبح، وصلَّينا نحن تلك الليلةَ؛ فلما أُقيمت صلاةُ الصبح، قام ذلك
(١) في المحرر الوجيز ٥٥٥/١، وما قبله منه.
(٢) في (م) والمحرر الوجيز: رسول الله.
(٣) في (د) و(م): الآيات العشر، وفي (ظ): العشر آيات، والمثبت من (خ).
(٤) صحيح البخاري (١٨٣)، وصحيح مسلم (٧٦٣). وهو في مسند أحمد (٢١٦٤). وقوله: شن، أي
قربة. النهاية ٢/ ٥٠٧ .
(٥) في (د): يومه وليله وشهره متفكراً.
(٦) في المحرر الوجيز ١/ ٥٥٥ .
(٧) في (م) والمحرر الوجيز: المشرق.

٤٧٤
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
الرجل، فاستقبل القبلة، وصلَّى مع الناس، فاستعظمتُ جُرأته في الصلاة بغير
وضوء، فلما فَرغتِ الصلاةُ، خرج فتبِعتُه لأَعِظَه، فلما دنوتُ منه سمعتُه يُنشد شعراً:
مُنْتَبِه القلبِ صامتٌ ذاكِر
مُنسجن(١) الجسمِ غائبٌ حاضر
كذاك من كان عارفاً ذاكِر(٢)
مُنقبِضٌ في الغُيوب مُنبسِط
فهو مَدَى الليلِ نائمٌ ساهر
يَبِيتُ في ليلهِ أخا فِكّرٍ
قال: فعلمتُ أنه ممن يعبدُ بالفكرة، فانصرفتُ عنه.
التاسعة: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ أي: يقولون: ما خلقتَه عَبَثاً
وهَزْلاً ، بل خلقتَه دليلاً على قُدرتك وحِكمتك. والباطلُ: الزائِل الذاهب؛ ومنه قول
کبید:
ألا كلُّ شيءٍ ما خَلاَ اللهَ باطِلٌ (٣)
أي: زائل.
و ((باطِلاً)) نُصِب لأنه نعتُ مصدرٍ محذوف؛ أي: خلقاً باطلاً. وقيل: انتصَب على
نَزْع الخافض، أي: ما خلقتَها للباطل. وقيل: على المفعول الثاني، ويكون خَلَق
(٤)
بمعنى جعل.
﴿سُبْحَتَكَ﴾ أسند النحاسُ عن موسى بن طلحة قال: سُئل رسول اللـه :8﴿ عن معنى
((سبحان الله)) فقال: ((تنزِيهُ الله عن السُّوء))(٥) وقد تقدَّم في ((البقرة)) معناه مستوفّى.
(١) كذا في (خ) و(ظ): منسجن وتفسير الثعالبي ١/ ٣٤١، وفي (م): مسجّى، وفي (د): سجي، وفي
المحرر الوجيز: منسحق.
(٢) في المحرر الوجيز: ذاكرا .
(٣) سلف ٢/ ٢١.
(٤) ينظر البحر المحيط ١٤٠/٣.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٦/١، وهو مرسل؛ موسى بن طلحة ليس له رواية عن النبي 8*، وله رؤية
مات سنة ست ومئة. الإصابة ٣٢٧/٩. وذكر الخبر الدارقطني في العلل ٢٠٨/٤ وأورد له طريقاً آخر
موصولاً، ثم قال: والمرسل أصح.
وسلف ٤١٢/١ من حديث طلحة بن عبيد الله ه والد موسى، وسلف الكلام عليه ثمة.

٤٧٥
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
﴿َوَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: أَجِرْنا من عذابها، وقد تقدَّم.(١)
العاشرة: قوله تعالى: ﴿رَبَّاً إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ أي: أَذْللتَه وأهنته.
وقال المُفضَّل: أَهْلكتَه(٢)، وأنشد:
أَخْزَى الإلهُ من الصّلِيب عَبِيدَه واللَّبسين قَلانِسَ الرُّهبانِ(٣)
وقيل: فضحتَه وأبعدتَه؛ يقال: أخزاه الله: أبعده ومَقّتَه. والاسم الخِزْيُ. قال ابن
السِّكِّيت: خَزِيَ يَخْزَى خِزْياً: إذا وقع في بَلِيّة. (٤)
وقد تمسَّك بهذه الآيةِ أصحابُ الوعيد وقالوا: مَن أُدخِل النار ينبغي ألا يكون
مؤمناً، لقوله تعالى: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْنَهُ﴾، فإن الله يقول: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىِّ وَالَِّينَ
ءَامَنُواْ مَعَةٌ﴾ [التحريم: ٨]. وما قالوه مردودٌ؛ لِقيام الأدلة على أن من ارتكبَ كبيرةً لا
يزولُ عنه اسمُ الإيمان(٥)، كما تقدّم ويأتي.
والمراد من قوله: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ مَن تُخلِّد في النار، قاله أنس بن مالك. وقال
قتادة: تُدخِل مقلوبُ تُخلد، ولا نقول كما قال أهل حروراء.
وقال سعيد بن المسيّب: الآية خاصةٌ في قوم لا يخرجُون من النار، ولهذا قال:
﴿َوَمَا لِلَّلِنَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ أي: الكفار.(٦)
وقال أهل المعاني: الخِزْي يَحتمل أن يكون بمعنى الحَيَاء؛ يقال: خَزِيَ يَخْزَى
خَزَايةٌ، إذا استحيا، فهو خَزْيان. قال ذو الرُّمة :
خَزَايةٌ أدركَتْه عند جَوْلَتِه من جانب الحَبْلِ مخلوطاً بها الغضبُ (٧)
(١) ٣/ ٣٥٧ .
(٢) في (م): أي: أهلكته.
(٣) أورده الطبرسي في مجمع البيان ٢/ ٣٠٢. وفيه: إلهه، بدل: عبيده. وملابس، بدل: قلانس.
(٤) ينظر تهذيب اللغة ٧/ ٤٩٢ .
(٥) ينظر تفسير الرازي ٩/ ١٤١ - ١٤٢.
(٦) ينظر تفسير البغوي ٣٨٦/١ وأخرج قولي أنس وسعيد بن المسيب الطبري ٣١٢/٦. وقول قتادة أخرجه
الطبري ٥٨٠/١٢، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٤/ ٣٤٧ دون قوله: تدخل مقلوب تخلد.
(٧) ديوان ذي الرمة ١٠٣/١ . قال شارحه: الحبل: الكثيب. وينظر مجمع البيان للطبرسي ٣٠٢/٢ .

٤٧٦
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
فخِزْيُ المؤمِنين يومئذ استحياؤهم في دخول النار من سائر أهل الأديان إلى أن
يخرجوا منها. والخِزْيُ للكافرين هو إهلاكُهم فيها من غيرٍ موت، والمؤمنون يموتون،
فافترقوا. كذا ثبتَ في ((صحيح)) السنة من حديث أبي سعيد الخُدريّ، أخرجه مسلم،
وقد تقدَّم ويأتي.(١)
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَّا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًّا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ﴾ أي: محمداً ◌ّل؛
قاله ابنُ مسعود وابن عباس وأكثرُ المفسرين.
وقال قتادة ومحمد بن كعب القُرَظيّ: هو القرآن، وليس كلُّهم سمع رسولَ الله ◌ِ﴾.
دليلُ هذا القول ما أخبر الله تعالى عن مؤمني الجِنّ إذ قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرَُّنَا عَجْبًا يَهْدِىّ
إِلَى الْرُّشْدِ﴾ [الجن: ١ و٢].(٢)
وأجاب الأوّلون فقالوا: مَن سمع القرآنَ فكأنما لقي النبيَّ ﴿، وهذا صحيح
معنّی.
و((أَنْ)) مِنْ ﴿أَنْ ءَامِنُواْ﴾ في موضع نصب على حَذْف حرف الخَفْض، أي: بأنّ
آمنوا(٣). وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: سمعنا منادياً للإيمان يُنادي. عن أبي
عُبیدة.(٤)
وقيل: اللام بمعنى إلى، أي: إلى الإيمان؛ كقوله: ﴿ثُمَّ يَعُوُدُونَ لِمَا نُهُواْ عَنَّهُ﴾
[المجادلة: ٨]، وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]، وقوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى
هَدَثْنَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. أي: إلى هذا، ومِثْلُه كثير(٥). وقيل: هي لام أجل، أي:
لأجل الإيمان.
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ تأكيدٌ
ومبالغة في الدعاء. ومعنى اللفظين واحدٌ، فإنّ الغَفْر والكَفْر: السّتر.
(١) تقدم ٣٧٥/١، وسيأتي في تفسير الآية (١٠) من سورة النساء. المسألة الثالثة.
(٢) ينظر تفسير الطبري ٦/ ٣١٤ - ٣١٥، وتفسير البغوي ٣٨٦/١ .
(٣) مشكل إعراب القرآن ١٨٤/١.
(٤) مجاز القرآن ١/ ١١١.
(٥) ينظر معاني القرآن للفراء ٢٥٠/١.

٤٧٧
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
﴿وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ أي: أبراراً مع الأنبياء، أي: في جُملتهم. واحدُهم بَرِّ
وبَارٌّ، وأصلُه من الاتّساع، فكأن البَرَّ مُتَّسِعٌ في طاعة الله، ومُتَّسِعةٌ له رحمةُ الله.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتِّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي: على أَلسِنة
رُسُلك؛ مثل: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾(١) [يوسف: ٨٢].
وقرأ الأعمش والزهريّ: ((رُسْلِكَ)) بالتخفيف(٢). و[يقال:] هو ما ذكر من استغفار
الأنبياء والملائكة للمؤمنين، والملائكة يستغفِرون لمن في الأرض. وما ذكر من دعاء
نوح للمؤمنين ودعاءِ إبراهيم، واستِغفارِ النبيِّ ◌َ# لأُمّته. (٣)
﴿وَلَا تُخْرِنَا﴾ أي: لا تُعذِّبنا، ولا تُهلِكنا، ولا تَفْضحنا، ولا تُهِنَّا، ولا تُبعِدنا،
ولا تَمِقُتنا يومَ القيامة ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ اَلِيَمَادَ﴾. (٤)
إن قيل: ما وجهُ قولهم: ﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ وقد علموا أنه لا
يُخلف الميعاد؛ فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أنّ الله سبحانه وَعَدَ مَن آمن بالجنة، فسألوا أن يكونوا ممن وُعِد بذلك
دون الخِزْي والعِقاب.
الثاني: أنهم دَعَوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخُضوع؛ والدُّعاءُ مُخُّ العبادة.
وهذا كقوله: ﴿قُلْ رَبِّ احْكُ بِالْحِّ﴾(٥) [الأنبياء: ١١٢]. وإنْ كان (٦) لا يقضي إلّا بالحقِّ.
الثالث: سألوا أن يُعْطَوا ما وُعِدوا به من النَّصر على عدوّهم مُعَجَّلاً؛ لأنها
حكايةٌ عن أصحاب النبيِّ #، فسألوه ذلك إعزازاً للدِّين. والله أعلم. (٧)
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٧/١، وينظر المحرر الوجيز ٥٥٦/١.
(٢) ذكر قراءة الأعمش ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٥٦/١، وأبو حيان في البحر ١٤٣/٣، ولم نقف عن
من نسب القراءة للزهري.
(٣) ينظر تفسير أبي الليث ٣٢٤/١. وما بين حاصرتين منه.
(٤) تفسير البغوي ٣٨٦/١ .
(٥) قرأ عاصم: ((قال ربّ احكم بالحق))، وقرأ الباقون: ((قُلْ ربّ ... )). السبعة ص٤٣١.
(٦) بعدها في (م): هو .
(٧) ينظر تفسير الطبري ٣١٧/٦ - ٣١٨، وتفسير البغوي ٣٨٦/١، وزاد المسير ٥٢٩/١.

٤٧٨
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
وروى أنس بن مالك أنَّ رسولَ الله :﴿ قال: ((مَنْ وَعَدَه الله عزَّ وجلَّ على عملٍ
ثواباً، فهو مُنْجِزٌ له رحمة، ومَن وَعَدَه على عمل عقاباً فهو فيه بالخِيار))(١). والعرب
تذُّ بالمخالفة في الوَعْد، وتمدحُ بذلك في الوعيد؛ حتى قال قائلهم:
ولا أَخْتَفِي من خَشْيةِ المُتَهَدِّدِ
ولا يرهَبُ ابنُ العمِّ ما عِشتُ صَوْلَتي
لَمُخْلِفُ إِنْعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي(٢)
وإِنِّي متى أَوْعَدتُه أو وَعَدتُه
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: أجابهم. قال الحسن:
مازالوا يقولون: ربَّنا ربَّنا، حتى استجابَ لهم(٣). وقال جعفرٌ الصادق: مَن حَزَبَه أمرٌ
فقال خمسَ مرات: ربَّنا، أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد. قيل: وكيف ذلك؟
قال: اقرؤوا إنْ شئتم: ﴿اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمَا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ
لَا تُخْلِفُ اَلِيعَادَ﴾.(٤)
الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿أَنِ﴾ أي: بأنِّي. وقرأ عيسى بن عمر: ((إني)) بكسر
الهمزة(٥)، أي: فقال: إني.
وروى الحاكم أبو عبدالله في ((صحيحه))(٦) عن أُمّ سلمة أنها قالت: يا رسول
(١) أخرجه البزار (٣٣١٦) (زوائد)، وأبو يعلى (٣٣١٦)، ومن طريقه ابن عدي في الكامل ١٢٨٨/٣،
وليس فيه لفظة: ((رحمة))، وفي إسناده سهيل بن أبي حزم القطعي البصري، قال ابن حجر في تهذيب
التهذيب ١٢٨/٢: قال البخاري: لا يتابع في حديثه، يتكلّمون فيه، قال أحمد: له أحاديث منكرة، قال
ابن معين: صالح، ووثّقه العجلي.
(٢) القائل هو عامر بن الطُّفيل، والبيتان في ديوانه ص٥٨ ، وروايتهما فيه:
ولا أختتي من صولة المتهدِّد
ولا يُرهِبُ ابنَ العمّ منيَ صَوْلةٌ
وإنيَّ إن أوعدته أو وعدته
لَأخلف إيعادي وأُنجز موعدي
ویروی : لمخلف میعادي ومنجز موعدي.
وقوله: ولا أختتي من: اخْتَتَّأَ، يختتئُ، أي: لا أستتر خوفاً أو حياءً، إنما ترك هَمْزَه ضرورة. اللسان
(ختا).
(٣) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٥٥٦ ونسبه لأبي الدرداء ﴾.
(٤) أورده الرازي في تفسيره ٩/ ١٥١ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٧/١، والقراءات الشاذة ص٢٤ .
(٦) الصواب أن اسمه: ((المستدرك على الصحيحين)) كما ذكر الأئمة، وفي تسميته بالصحيح تساهل كبير،
فإن فيه الضعيف والموضوع. انظر سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٧٥.

٤٧٩
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
الله، لا أسمع(١) الله ذكرَ النساءَ في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ
رَبُّهُمْ أَنِى لَ أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنَكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىُّ﴾ الآية. وأخرجه الترمذي.(٢)
ودخلت ((مِن)) للتأكيد؛ لأنّ قبلَها حرفَ نفي. وقال الكوفيون: هي للتفسير ولا
يجوز حذفُها؛ لأنها دخلت لمعنّى لا يصلح الكلامُ إلا به. وإنما تُحذَفُ إذا كانت
تأكيداً للجَحْد.(٣)
﴿بَعضُكُم مِّن بَعْضِ﴾ ابتداءٌ وخبر، أي: دینکم واحد.
وقيل: بعضُكم من بعض في الثواب والأحكام والنُّصرة وشِبْهِ ذلك. وقال
الضخَّاك: رجالكم شَكْل نسائكم في الطاعة، ونساؤكم شَكْل رجالكم في الطاعة،
نظيرُها قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾(٤). ويقال: فلان مِنِّي،
أي: على مذهبي وخُلقي.
السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَلَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ ابتداءٌ وخبر(٥)، أي: هَجروا
أوطانهم، وساروا إلى المدينة. ﴿وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ﴾ في طاعة الله عزَّ وجلَّ.
﴿وَقَتِلُوا﴾ أي: وقاتلوا أعدائي . ﴿وَقُتِلُوا﴾ أي: في سبيلي.
وقرأ ابنُ كثير وابنُ عامر: ((وقاتلوا وقُتلوا)) على التكثير(٦). وقرأ الأعمش: ((وقُتِلوا
وقاتلوا)) لأن الواو لا تدلُّ على أن الثاني بعد الأوّل(٧).
(١) في (٥) و(م): ألا أسمع.
(٢) المستدرك ٢/ ٣٠٠، وسنن الترمذي (٣٠٢٣). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري،
ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٣) ينظر تفسير الطبري ٦/ ٣٢١ .
(٤) تفسير البغوي ١/ ٣٨٧ .
(٥) كذا قال المصنف رحمه الله، وهو سبق قلم، فـ ((الذين هاجروا)) مبتدأ، وقوله: ((لأكفَّرنّ)» جواب قسم
محذوف، تقديره: والله لأكفرنَّ، وهذا القسم وجوابه خبر لهذا المبتدأ. الدر المصون ٥٤١/٣ - ٥٤٢ ،
وانظر البحر المحيط ١٤٥/٣ .
(٦) السبعة ص٢٢١، والتيسير ص ٩٣ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٧/١ . وقراءة الأعمش هي قراءة حمزة والكسائي من السبعة . وقال أبو حيان
في البحر ١٤٥/٣: لأن الواو لا تدل على الترتيب؛ فيكون الثاني وقع أوّلاً. ويجوز أن يكون ذلك على
التوزيع؛ فالمعنى: قُتل بعضهمُ، وقاتل باقيهم.

٤٨٠
سورة آل عمران: الآيات ١٩٠ - ٢٠٠
وقيل: في الكلام إضمارُ ((قد)) أي: قُتِلوا وقد قاتلوا؛ ومنه قول الشاعر:
تَصَابَى وأَمْسَى عَلَاهُ الكِبَرْ (١)
أي: وقد علاه الكبر.
وقيل: أي: وقد قاتلَ من بَقِيَ منهم، تقول العرب: قتلنا بني تميم، وإنما قُتل
بعضهم. وقال امرؤ القيس :
فإنْ تَقْتُلُونَا نُقَتِّلْكُمُ(٢)
وقرأ عمرُ بن عبد العزيز: ((وقَتَلُوا وقُتِلُوا)) خفيفةً بغير ألف(٣).
﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: لأَسْتُرنَّها عليهم في الآخرة، فلا أُوَبِّخُهم بها، ولا
أُعاقبهم عليها.
﴿ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكّد عند البصريين؛ لأن معنى ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾: لأُثيينَهم ثواباً. الكسائي: انتصبَ على القَطْع. الفرّاء: على
(٤)
التفسير .
﴿وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ أي: حُسْن الجَزاء، وهو ما يَرْجِعُ على العامِل من
جزاء(٥) عمله، مِن ثاب ثوبُ.
السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَدِ﴾ قيل:
الخِطاب للنبيِّ ﴾، والمرادُ الأُمّة. وقيل: للجميع. وذلك أن المسلمين قالوا: هؤلاء
الكفارُ لهم تجائرُ وأموالٌ واضطرابٌ في البلاد، وقد هَلَكْنا نحن من الجُوعِ، فنزلتْ
هذه الآية. أي: لا يَغرَّنَّكم سلامتُهم بتقلُّبهم في أسفارهم(٦).
(١) القائل هو النمر بن تولب، والبيت في ديوانه ص٥٥، وشطره الثاني: وأمسى لجمرة حبل غرر .
(٢) ديوان امرئ القيس ص١٨٦، والشطر الثاني هو: وإن تقعدوا لدم نقعد.
(٣) القراءات الشاذة ص٢٤ . قال أبو حيان في البحر ٣/ ١٤٥: ببناء الأول للفاعل، وبناء الثاني للمفعول،
وهي قراءة حسنة في المعنى، مستوفية للحالين على الترتيب المتعارف.
(٤) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٢٨/١، وقول الفراء في معاني القرآن له ٢٥١/١.
(٥) في (د) و(م): جراء.
(٦) ينظر أسباب النزول للواحدي ص١٣٤، وتفسير الرازي ٩/ ١٥٢.