Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ سورة آل عمران: الآيتان ٣٥ - ٣٦ وإنما معناه - والله أعلم - أن المرء إنما يريد ولدَه للأُنس به والاستنصار(١) والتسلِّي، فطلبت هذه المرأةُ الولدَ أُنْساً به وسُكوناً إليه؛ فلما منَّ اللّه تعالى عليها به، نذرت أنَّ حَّها من الأنْس به متروكٌ فيه، وهو على خدمة اللّه تعالى موقوف، وهذا نذرُ الأحرار من الأبرار. وأرادت به: مُحَرَّراً من جهتي، محرَّراً من رِقِّ الدنيا وأشغالها. وقد قال رجلٌ من الصُّوفيَّة لأمِّه: يا أُمَّة، ذَرِيني لله أتعبَّد له وأتعلَّم العلم، فقالت: نعم. فسار حتى تبصَّرَ، ثمَّ عاد إليها فدَّق الباب، فقالت: مَنْ ؟ فقال لها : ابنُكِ فلان، قالت: قد تركناك لله ولا نعود فيك. الرابعة: قوله تعالى: ﴿مُحَرًَّا﴾ مأخوذٌ من الحُرية التي هي ضدُّ العُبوديَّة؛ من هذا تحريرُ الكتاب، وهو تخليصُه من الاضطراب والفساد. وروى خُصَيفٌ عن عِكرمة ومجاهد: أن المحرَّر الخالصُ لله عزَّ وجلَّ، لا يشوبه شيءٌ من أمر الدنيا(٢). وهذا معروف في اللغة أنْ يقال لكل ما خَلَص: حُرٍّ، ومحرَّر بمعناه؛ قال ذو الرُّمَّة: والقُرْط في حُرَّة الذِّفْرَى مُعَلَّقُهُ تَباعَدَ الحبلُ منه فهو يَضْطَرِب (٣) وطِينٌ حُرٍّ: لا رَمْلَ فيه، وباتت فلانة بليلةٍ حُرَّةٍ: إذا لم يَصِلْ إليها زوجها أوَّلَ ليلة، فإن تمكّن منها فهي بَلَيْلةٍ شَيْباء(٤). الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبٍّ إِ وَضَعْتُهَا أُنْقَ﴾ قال ابنُ عباس: إنما قالت هذا لأنه لم يكن يُقبل في النَّذْر إلَّا الذكورُ(٥)، فقبِل اللّه مريم. ((وأنثى)) حال، وإن شئتَ بدلٌ(٦). فقيل: إنها ربَّتها حتى ترعرعت، وحينئذٍ أرسلتها؛ رواه أشهب عن مالك. وقيل: لفَّتها في خِرقتها وأرسلت بها إلى المسجد، فوقَّت بنذرها (١) في (ظ): الاستبصار. (٢) أخرجه الطبري ٣٣٣/٥، وابن أبي حاتم (٣٤٢٢). (٣) ديوان ذي الرمة ٣٥/١، وحُرةُ الذَّفرى: موضع مجال القرط منها. اللسان (حرر). والذِّفريان: ما عن يمين النقرة وشمالها، واستعار الذِّفرى ها هنا، وإنما هي للإبل. قاله شارحه ١/ ٣٧ . (٤) مجمل اللغة ١/ ٢١١ . (٥) أورده الواحدي في الوسيط ١/ ٤٣٠، وأخرجه الطبري ٣٣٤/٥ - ٣٣٥ عن قتادة والربيع. (٦) مشكل إعراب القرآن ١٥٦/١. ١٠٢ سورة آل عمران: الآيتان ٣٥ - ٣٦ وتبرَّأت منها. ولعلَّ الحجابَ لم يكن عندهم كما كان في صدر الإسلام(١)؛ ففي البخاريِّ ومسلم أن امرأةٌ سوداءَ كانت تَقُمُّ المسجد على عهد رسول اللّه ◌ُ﴾ فماتت. الحديث(٢). السادسة: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ هو على قراءة مَن قرأ: (وَضَعْتُ)) - بضمِّ التاء - من جملة كلامها، فالكلام متَّصلٌ. وهي قراءة أبي بكر وابن عامر(٣)، وفيها معنى التسليمٍ لله والخضوعِ والتنزيه له أن يخفى عليه شيء، ولم تَقُلْه على طريق الإخبار؛ لأن علم اللّه في كلِّ شيءٍ قد تقرَّر في نفس المؤمن، وإنما قالته على طريق التعظيم والتنزيه لله تعالى. وعلى قراءة الجمهور هو من كلام اللّه عزَّ وجلَّ؛ قُدِّم، وتقديرُه أن يكون مؤخّراً بعدَ: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قاله المَهْدويُّ. وقال مكِّي: هو إعلامٌ من اللّه تعالى لنا على طريق التثبيت، فقال: والله أعلم بما وضعتْ أمُّ مريم، قالته أو لم تقله. ويقوِّي ذلك أنه لو كان من كلام أمِّ مريم لكان وجهُ الكلام: وأنتَ أعلم بما وضعتُ؛ لأنها نادته في أوَّل الكلام في قولها: ﴿رَبٍّ إِنِّ وَضَعْتُهَا أُتَ﴾ (٤). وروي عن ابن عباس: ((بما وَضَعْتِ)) بكسر التاء(٥)، أي: قيل لها هذا. السابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَالْأُنثِى﴾ استدلَّ به بعض الشافعية على أن المطاوعة في نهار رمضان لزوجها على الوطء لا تساويه في وجوب الكفارة عليها . قال ابنُ العربيّ(٦): وهذه منه غفلة، فإنَّ هذا خبرٌ عن شرعٍ مَن قَبلنا، وهم لا يقولون (١) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٢٧٠. (٢) صحيح البخاري (٤٥٨)، وصحيح مسلم (٩٥٦)، وهو عند أحمد (٨٦٣٤) من حديث أبي هريرة ﴾. وقوله: تقم المسجد، أي: تكنسه. المفهم ٢/ ٦١٧ . (٣) السبعة ص ٢٠٤ ، والتيسير ص٨٧ . (٤) الكشف عن وجوه القراءات ٣٤٠/١ - ٣٤١. (٥) القراءات الشاذة لابن خالويه ص ٢٠ . (٦) لفظة ((قال)) من (ظ)، وكلام ابن العربي في أحكام القرآن ٢٧١/١. ١٠٣ سورة آل عمران: الآيتان ٣٥ - ٣٦ به(١)، وهذه الصالحةُ إنما قصدتْ بكلامها ما تشهد له به بيِّنَةُ حالِها، ومَقْطعُ كلامها، فإنها نذرت خدمةً المسجد في ولدها، فلمَّا رأته أنثى لا تصلح، وأنها عورةٌ، اعتذرت إلى ربِّها من وجودها لها على خلاف ما قصدته فيها . ولم ينصرف ((مريم))؛ لأنه مؤنثٌ معرفة، وهو أيضاً أعجمي؛ قاله النحاس(٢). والله تعالى أعلم. الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَإِنِ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ يعني خادم الربِّ في لغتهم(٣). ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ﴾ يعني مريم. ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾ يعني عيسى. وهذا يدلُّ على أن الذرَّية قد تقع على الولد خاصة (٤). وفي صحيح مسلم(٥) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﴾: ((ما من مولودٍ يُولد إلَّا نَخَسه الشيطانُ، فيستهلُّ صارخاً من نخسة [الشيطان] إلَّ ابنَ مريم وأمَّه)) ثم قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال علماؤُنا(٦): فأفاد هذا الحديثُ أن اللّه تعالى استجاب دعاءَ أمِّ مريم، فإن الشيطان ينخَس جميعَ ولد آدم حتى الأنبياءِ والأولياءِ إلَّا مريمَ وابنها . قال قتادة: كلُّ مولودٍ يَطْعُن الشيطانُ في جنبه حين يُولد غيرَ عيسى وأمِّه، جُعل بينهما حجابٌ، فأصابت الطعنة الحجابَ، ولم ينفذ لهما منه شيءٌ(٧). (١) يعني الشافعية، وعبارته في أحكام القرآن هي: ولا خلاف بين الشافعية عن بكرة أبيهم أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا. (٢) إعراب القرآن ١/ ٣٧١ . (٣) تفسير أبي الليث ١/ ٢٦٣. (٤) أحكام القرآن ١/ ٢٧١ - ٢٧٢. (٥) رقم (٢٣٦٦) وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٧١٨٢)، والبخاري (٣٤٣١). (٦) المفهم ٦/ ١٧٨ . (٧) أخرجه الطبري ٥/ ٣٤٢، وأخرجه بنحوه أحمد (١٠٧٧٣)، والبخاري (٣٢٨٦) من حديث أبي هريرة ﴾ مرفوعاً. ١٠٤ سورة آل عمران: الآيات ٣٥ - ٣٨ قال علماؤنا(١): وإن لم يكن كذلك بطلت الخصوصيةُ بهما، ولا يلزم(٢) من هذا أن نَخْسَ الشيطان يلزم منه إضلالُ المنخوس(٣) وإغواؤُه، فإن ذلك ظرُّ فاسد؛ فكم تعرَّض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك فعصمهم اللّه ممَّا يَرُومه الشيطان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ﴾ [الحجر: ٤٢]. هذا مع أن كلَّ واحد من بني آدم قد وُكِّل به قَرِينُه من الشياطين؛ كما قال رسول اللّه ﴿(٤)، فَمَرْيَمُ وَابْنُها وإن عُصِما مِن نخسه، فلم يُعْصَما من ملازمته لهما ومقارنته. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَنَقَبِّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًّا وَكَفَّلَهَا زَكِيَّأْ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكِيًّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَرْيَمُ أَنَّ لَكٍ هَذَّا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِنَّا رَبٍَُّّ قَالَ رَبِّ هَبْ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزُقُ مَنْ كَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ® لِ مِن لَّدُّنْكَ ذُرِيَّةٌ لَّيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٨) قوله تعالى: ﴿فَقَبِّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ المعنى: سلك بها طريق السعداء؛ عن ابن عباس. وقال قوم: معنى التَّقبُّل: التكفُّلُ في التربية والقيامُ بشأنها. وقال الحسن: معنى التقبُّل: أنه ما عذَّبها ساعةً قطٌّ من ليل ولا نهار. ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ يعني سوَى خَلْقَها من غير زيادة ولا نقصان، فكانت تَنبت في اليوم ما يَنبت المولود في عام واحد(٥). والقَبول والنبات مصدران على غير المصدر، (١) المفهم ١٧٨/٦. (٢) في المفهم: ولا يُفهم. (٣) في النسخ: الممسوس، والمثبت من المفهم. (٤) أخرجه أحمد (٢٣٢٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه أحمد أيضاً (٣٦٤٨)، ومسلم (٢٨١٤) من حديث ابن مسعود # بلفظ: ((ما منكم من أحد إلا وكّل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة)». (٥) تفسير البغوي ٢٩٦/١، ومجمع البيان ٦٨/٣. وهذا الكلام على سبيل المبالغة، إذ لا يمكن حمله على الحقيقة، وقد ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢٥/١ أن المراد بالمعنى حسن النشأة وسرعة الجودة فيها في خلقة وخلق. وقال ابن كثير: أي جعلها شكلاً مليحاً، ومنظراً بهيجاً، ويسَّر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير والعلم والدين، ولهذا قال: ﴿وَكَفَّلَهَا ذَكِيَّاً﴾. ١٠٥ سورة آل عمران: الآيتان ٣٧ - ٣٨ والأصل: تقبُّلاً وإنباتاً؛ قال الشاعر: أكُفْراً بعد ردِّ الموت عنّي وبعدَ عطائكَ المئةَ الرِّتاعا(١) أراد: بعد إعطائك. لكن لمّا قال: ((أنبتها)) دلَّ على نَبَت؛ كما قال امرؤ القيس: فصِرْنا إلى الحُسْنَى وَرَقَّ كلامُنا ورُضْتُ فذلَّت صعبةً أيَّ إذلالٍ (٢) وإنما مصدر ذَلَّتْ: ذُلّ، ولكنه ردَّه على معنى أذْلَلت، وكذلك كلُّ ما يَرِد عليك في هذا الباب. فمعنى تقبّل وقَبِل واحد، فالمعنى: فقَبِلَها ربُّها بقبول حَسَن(٣). ونظيره قولُ رُؤْيَة (٤): وقد تَطَوَّيْتُ انطواءَ الحِضْبِ أي(٥): الأفعى. لأن معنى تَطَوَّيتُ وانطويت واحدٌ؛ ومثله قول القَطَاميّ(٦): وخيرُ الأمرِ ما استقبلتَ منه وليس بأن تَتَبَّعَه اتِّباعا لأن تَتَبَّعتُ واتَّبعتُ واحد. وفي قراءة ابن مسعود: ((وأَنْزَل الملائكةَ تَنْزِيلاً)) لأن معنى نزَّل وأنزل واحد(٧) . وقال المُفَضَّل: معناه: وأنبتها فنبتتْ نَباتاً حَسَناً. ومراعاة المعنى أوْلى كما ذكرنا . (١) قائله القطامي، وهو في ديوانه ص٣٧، والخزانة ٨/ ١٣٧ وهو ضمن قصيدة في مدح زفر بن الحارث الكلابي، يقول: أخونك بعد هذا وقد مننت عليَّ وأطلقتني؟ والرتاع: جمع رائعة وهي: الراعية. قاله البغدادي في الخزانة . (٢) ديوانه ص٣٢، وإعراب القرآن للنحاس ٣٧١/١، قوله: ورُضْت فذلَّت، قال شارح الديوان: ليَّئْتُها بالكلام والمداراة كما يُرَاض البعير بالسير حتى يذلَّ. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٧١/١ - ٣٧٢. (٤) دیو انه ص١٦ . (٥) لفظة أي، من (ظ). (٦) عُمير بن شُيَيْم التغلبي، ولقب القطامي منقول من الصقر؛ لأن الصقر يقال له قطامي، وله لقب آخر وهو: صريع الغواني، كان نصرانياً فأسلم، وهو ابن أخت الأخطل وعدَّه الجمحي في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام. خزانة الأدب ٣٧١/٢ . والبيت في ديوانه ص٣٥، والكتاب ٤/ ٨٢ . (٧) القراءات الشاذة لابن خالويه ص١٠٤ وهي من سورة الفرقان الآية (٢٥). قال ابن خالويه: وهذا غريب، جعل مصدر أفعل تفعيلاً، ولكن لما كان أنزل بمعنى: نزّل، حمله على معناه. ١٠٦ سورة آل عمران: الآيتان ٣٧ - ٣٨ والأصلُ في القَبول الضم؛ لأنه مصدرٌ، مثلُ الدخول والخروج، والفتح جاء في حروف قليلة، مثل الوّلوع والوَزوع، هذه الثلاثة لا غيرُ(١)؛ قاله أبو عمرو والكسائيُّ والأئمة. وأجاز الزجاج(٢): ((بقُبُول)) بضم القاف على الأصل. قوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكِيًّا﴾ أي: ضَمَّها إليه. أبو عبيدة: ضَمِن القيام بها(٣). وقرأ الكوفيون: ((وكفَّلها)) بالتشديد(٤)، فهو يتعدَّى إلى مفعولين؛ والتقدير: وكفَّلها ربُّها زكريا، أي: ألزمه كفالتها، وقدَّر ذلك عليه، ويَسَّره له. وفي مصحف أُبَيِّ: ((وأَكْفَلَها))، والهمزة كالتشديد في التعدِّي(٥). وأيضاً فإن قَبْله: ((فتقبَّلَها، وأنبتها)) فأخبر تعالى عن نفسه بما فعل بها، فجاء ((كفَّلها)) بالتشديد على ذلك. وخفّفه الباقون على إسناد الفعل إلى زكريا، فأخبر اللّه تعالى [عنه] أنه هو الذي تولَّى كفالتَها والقيامَ بها، بدلالة قوله: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾ ؛ قال مَكِّيّ (٦): وهو الاختيار؛ لأن التشديد يرجع إلى التخفيف، لأن الله تعالى إذا كفَّلها زكريا كفَلها بأمر الله، ولأن زكريا إذا كفَلها فعن مشيئة الله وقدرته؛ فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان. وروى هارون(٧) بن موسى عن عبدالله بن كَثِير وأبي عبدالله المُزَنِي(٨): ((وكَفِلها)) بكسر الفاء. قال الأخفش(٩): يقال كَفَلَ يَكْفُلُ، وكَفِلَ يَكْفَلُ، ولم أسمع (١) تفسير البغوي ٢٩٦/١، واللسان (ولع). (٢) معاني القرآن ٤٠١/١. (٣) معاني القرآن للنحاس ٣٨٨/١، ووقع في مجاز القرآن ١/ ٩١: (وكفلها زكريا) أي: ضمها. (٤) السبعة ص ٢٠٤، والتيسير ص ٨٧، وإعراب القرآن للنحاس ٣٧٢/١. (٥) الكشف عن وجوه القراءات ٣٤١/١، والكشاف ١/ ٤٢٧. (٦) الكشف ٣٤٢/١، وما سلف بين حاصرتين منه. (٧) في النسخ: عمرو: والمثبت من مطبوع إعراب القرآن للنحاس ٣٧٢/١، والكلام منه، وذكر محققه أنه وقع في بعض نسخه: عمرو. ولعل ما أثبتناه هو الصواب، لأن هارون بن موسى أبو عبدالله العتكي البصري الأزدي مولاهم، روى القراءة عن ابن كثير، كما ذكر ابن الجزري في طبقات القراء ٣٤٨/٢ . (٨) في (خ) وإعراب القرآن ٣٧٢/١: المدني، وفي المحرر: المزني، وفي البحر: عبدالله المزني والقراءة ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٠ . (٩) معاني القرآن ٤٠٣/١ - ٤٠٤، ونقلها المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٧٢/١ . ١٠٧ سورة آل عمران: الآيتان ٣٧ - ٣٨ كَفُلَ، وقد ذُكِرَتْ. وقرأ مجاهد: ((فتقبَّلْها)) بإسكان اللام على المسألة والطلب، ((رَبَّها)) بالنصب نداء مضاف، ((وأَنْبِتْها)) بإسكان التاء، ((وكَفِّلْها)) بإسكان اللام، ((زكرياءَ)) بالمدِّ والنصب(١). وقرأ حفص وحمزة والكسائيُّ: ((زكريا)) بغير مدَّ ولا همز، ومذَّه الباقون وَهَمِزُوهُ(٢). وقال الفَرَّاء(٣): أهلُ الحجاز يمدُّون ((زكرياء)) ويَقْصُرونه، وأهل نَجْد يحذفون منه الألف ويصرفونه فيقولون: زكريٌّ. قال الأخفش: فيه أربعُ لغات: المدُّ، والقصر، وزكرِيٌّ بتشديد الياء والصَّرف، وزكّرٍ، ورأيتُ زكرِياً (٤). قال أبو حاتم: زكريُّ بلا صرفٍ؛ لأنه أعجميٍّ. وهذا غلط؛ لأن ما كانت(٥) فيه ياء مثل هذه(٦) انصرف، مثل: كرسيّ ويحيى (٧)، ولم ينصرف زكرياء في المدِّ والقصر لأن فيه ألفَ تأنيث والعُجمةً والتعريف. قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَكِنَّا الْمِحْرَبَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ فيه أربع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَّكَرِيَّا الْمِحْرَابَ ﴾ المِحرابُ في اللغة: أكرمُ موضعٍ في المجلس. وسيأتي له مزيدُ بيان في سورة مريم(٨). وجاء في الخبر: أنها (١) القراءات الشاذة ص ٢٠، والمحرر الوجيز ٤٢٦/١ . (٢) السبعة ص ٢٠٥ والتيسير ص ٨٧ . (٣) معاني القرآن ٢٠٨/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١/ ٣٧٢. (٤) يعني مخففاً كما قيده في القاموس (زكر). وأما قوله: زَكّر، فقد ذكر الزبيدي في تاج العروس أن بعض المفسرين شذّ، فزاد لغة خامسة وقال: زَكّر، مثل جبل. وحكى السمين الحلبي في الدَّرّ المصون ١٤٤/٣ عن الأخفش: زَكْر، زنة: عَمْرو. (٥) في (م): كان. (٦) في (م): هذا. (٧) كذا وقع في النسخ، ولعل الصواب: نَجِيّ، أو: بَخِيّ، أو ما شابهها، والكلام في إعراب القرآن للنحاس ١/ ٣٧٢ دون المثال. (٨) عند قوله تعالى: ﴿فخرج على قومه من المحراب﴾ الآية (١١). ١٠٨ سورة آل عمران: الآيتان ٣٧ - ٣٨ كانت في غرفةٍ؛ كان زكريا يصعَد إليها بسُلَّم. قال عديّ بن زيد(١): رَبَّةٌ مِحرابٍ إذا جئتُها لم أَدْنُ(٢) حتى أَرْتَقِي سُلَّمَا (٣) أي: رَبَّ غرفة. روى أبو صالح عن ابن عباس قال: حملت امرأة عمران بعد ما أسنَّت، فنذرت ما في بطنها محرَّراً، فقال لها عمران: ويحكِ! ما صنعت؟ أرأيتٍ إن كانت أنثى؟ فاغتمَّا لذلك جميعاً. فهلك عمرانُ وحَنَّة حامل، فولدت أنثى، فتقبَّلها اللّه بِقَبُول حَسَن، وكان لا يُحرَّر إلَّا الغلمانُ، فَتَسَاهَم عليها الأحبار بالأقلام التي يكتبون بها الوَحي - على ما يأتي(٤) - فكفِلها زكريا وأخذ لها موضعاً، فلمَّا شبَّت(٥) جعل لها مِحراباً لا يُرتَقى إليه إلَّا بسلَّم، واستأجر لها ظِئراً، وكان يُغلِقِ عليها باباً، وكان لا يدخل عليها إلَّا زكرِيًّا حتى كَبِرت، فكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله، فتكونُ عند خالتها - وكانت خالتها امرأة زكريا في قول الكَلْبِيِّ، وقال مُقاتِل: كانت أختها امرأة زكريا - وكانت إذا طَهُرت من حيضتها واغتسلت ردَّها إلى المحراب. وقال بعضهم: كانت لا تحيض، وكانت مطهّرةً من الحيض(٦). وكان زكريا إذا دخل عليها يجدُ عندها فاكهةَ الشتاء في القَيْظ، وفاكهةَ القَيْظ في الشتاء، فقال: ﴿يَرْيُ أَنَّ لَكٍ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ﴾. فعند ذلك طمِع زكريا في الولد وقال: إن الذي يأتيها بهذا قادر أن يرزقني ولداً (٧). (١) كذا وقع في النسخ: عدي بن زيد، وهو منسوب في المصادر لوضاح اليمن، وانظر التعليق التالي. (٢) في (م): لم ألقها. (٣) جمهرة اللغة ٢١٩/١، وهو أيضاً في الأغاني ٦/ ٢٣٧ (ضمن قصيدة) ومعاني القرآن للزجاج ٤٠٣/١ ، واللسان (حرب) برواية: لم ألقها أو أرتقي سلماً. ونُسب فيها كلّها لوضاح اليمن وهو عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد كُلال، ولقّب بذلك لجماله وبهائه، وحكي أن أحد خلفاء بني أمية دفنه في صندوق وهو حي. الأغاني ٢٠٩/٦. (٤) في الصفحة ١٣١ . (٥) في (ظ). أنبتت، وفي (د) و (ز) و(م): أسنت، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٣٧٠/١ . (٦) تفسير أبي الليث ١/ ٢٦٤ . (٧) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٠/١ . ١٠٩ سورة آل عمران: الآيتان ٣٧ - ٣٨ ومعنى: ((أنَّى)): من أين؛ قاله أبو عبيدة (١). قال النحاس(٢): وهذا فيه تساهل؛ لأن ((أين)) سؤالٌ عن المواضع، و((أنَّى)) سؤالٌ عن المذاهب والجهات. والمعنى: من أيِّ المذاهب، ومن أيِّ الجهات لكِ هذا؟ وقد فرَّق الكُمَيت بينهما فقال: أنَّى ومن أيْنَ آبَكَ الطَّربُ من حيث لا صَبْوةٌ ولا رِيَبُ(٣) و ((كلَّما)) منصوب بـ ((وَجَدَ))، أي: كلّ دَخْلة(٤). ﴿إِنَّ اللَّهَ يَزْزُقُ مَنْ كَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قيل: هو من قول مريم. ويجوز أن يكون مستأنفاً(٥). فكان ذلك سببَ دعاءِ زكريا وسؤالِه الولد. الثانية: قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيًّا رَبَّةٌ﴾ ((هنالك)) في موضع نصب؛ لأنه ظرفٌ يُستعمل للزمان والمكان، وأصلُه للمكان(٦). وقال المُفَضَّل بن سَلَمة: ((هنالك)) في الزمان، و((هناك)) في المكان، وقد يُجعل هذا مكانَ هذا. و﴿هَبْ لِ﴾: أعطني ﴿مِن لَّدُّنْكَ﴾: من عِندِك. ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةٌ﴾ أي: نَسلاً صالحاً. والذُّرِّيةُ تكون واحداً (٧) وتكون جمعاً، ذكراً وأنثى، وهو هنا واحدٌ؛ يدلُّ عليه قولُه: ﴿فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]، ولم يقل: أولياء. وإنما أنَّثَ ((طَيِّبةً)) التأنيث لفظ الذرية(٨)؛ كقوله: وأنتَ خليفةٌ ذاك الكمالُ(٩) أبوك خليفةٌ وَلَدَتْه أخرى (١) مجاز القرآن ١/ ٩١ . (٢) في معاني القرآن ٣٨٩/١ . (٣) شرح هاشميات الكميت ص ١٠٠، قال الشارح: آبك: أتاك ليلاً، يقول: إنما طربُك إلى بني هاشم لا صبوة في صبا. ولا رِيّب، أي: لا ريبة. (٤) إعراب القرآن ٣٧٢/١. (٥) النكت والعيون ٣٨٩/١ . (٦) مشكل إعراب القرآن ١/ ١٥٧. (٧) في (م): واحدة. (٨) هذا قول الطبري ٥/ ٣٦٢ وتعقبه ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢٧/١، وقال ابن عطية: إنما الذرية والولي اسما جنس يقعان للواحد فما زاد. (٩) معاني القرآن للفراء ٢٠٨/١، وتفسير الطبري ٣٦٢/٥، ونسبه ابن الأنباري في المذكر والمؤنث ١٦٣/٢ لنُصيب. ١١٠ سورة آل عمران: الآيتان ٣٧ - ٣٨ فأنَّث ((ولدته)) لتأنيث لفظ الخليفة(١) ورُوِي من حديث أنس قال: قال النبيُّ﴾: ((أيُّ رجلٍ مات وترك ذُرِّيةً طيبةً، أجرى اللّه له مِثلَ أجرٍ عملِهِم ولم يَنْقصْ من أجورهم شيئاً))(٢). وقد مضى في ((البقرة)) اشتقاق الذرِّية(٣). و﴿الَِّبَةٌ﴾ أي: صالحة مباركة. ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: قابلُه، ومنه: سمِع اللّه لمن حمده. الثالثة: دلَّت هذه الآية على طلب الولد، وهي سُنَّة المرسلين والصدِّيقين، قال اللّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]. وفي صحيح مسلم(٤) عن سعد بن أبي وَقَّاصٍ قال: أراد عثمان [بن مظعون] أن يتبثَّلَ، فنهاهُ رسول اللّه ◌َ﴾، ولو أجاز له ذلك لاختَصَيْنا . وخرَّج ابن ماجه، عن عائشة قالت: قال رسول اللّه :﴿ («النكاحُ من سُنَّتي، فمن لم يعمل بسُنَّتي فليس منِّ، وتزوَّجوا، فإني مكاثرٌ بكم الأممَ، ومن كان ذا طَوْلٍ فَلْيَنْكِحْ، ومن لم يجدْ فعليه بالصيام(٥)، فإنَّه له وِجاءٌ))(٦) وفي هذا رَدِّ على بعض جُهَّال المتصوِّفة حيث قال: الذي يطلب الولدَ أحمق. وما عَرَف أنه هو الغبيُّ الأخرق؛ قال اللّه تعالى مُخبِراً عن إبراهيم الخليل: ﴿وَأَجْعَل لِى لِسَانَ صِدْقٍ فِ آلْأَخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّلِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]. (١) قال الفراء: قال ((أخرى)) لتأنيث اسم الخليفة، والوجه أن تقول: وَلَدَه آخر. (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب العيال (٤٩٢) من طريق عطاء بن أبي رباح عن النبي 8#، مرسلاً. ولم نقف علیه من حديث أنس ﴾. (٣) ٣٦٨/٢. (٤) برقم (١٤٠٢) وما سيرد بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (١٥١٤)، والبخاري (٥٠٧٤). (٥) في (د) و (م) بالصوم، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق لما في سنن ابن ماجه. (٦) سنن ابن ماجه (١٨٤٦) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١١٦/٣: في إسناده عيسى بن ميمون وهو ضعيف، وفي الصحيحين [البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١)] حديث أنس في ضمن حديث: ((لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج، فمن رغب عن سنتي فليس مني)). ١١١ سورة آل عمران: الآيتان ٣٧ - ٣٨ وقد ترجم البخاريُّ على هذا: باب طلب الولد(١). وقال :8# لأبي طلحة حين مات ابنه: ((أعْرَسْتُم الليلةَ؟)) قال: نعم. قال: ((بارك الله لكما في غابر لیلتِكُما)). قال: فحملَتْ(٢). في البخاريِّ: قال سفيان: فقال رجل من الأنصار: فرأيتُ [لهما] تسعةً أولادٍ كلُّهم قد قرؤوا القرآن(٣) . وترجم أيضاً: باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة، وساق حديث أنسٍ بن مالك، قال: قالت أمُّ سُلَيم: يا رسول اللّه، خادمُك أنسٌ، ادعُ اللّه له، فقال: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مالَه وولدَه، وبارِكْ له فيما أعطيتَه))(٤). وقال ﴾: ((اللَّهُمَّ اغفر لأبي سَلَمة، وارفَعْ درجَتَه في المهديِّين، واخْلُفْه في عَقِه في الغابرين)). خرَّجه البخاريُّ ومسلم(٥). وقال ﴾: ((تزوَّجوا الوَلُودَ الوَدود، فإني مُكاثِّرٌ بكم الأمم)). أخرجه أبو داود (٦). والأخبارُ في هذا المعنى كثيرة، تحثُّ على طلب الولد وتَندب إليه؛ لِمَا يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته. قال﴾: ((إذا ماتٌ أَحدُكُم، انقطع عملُه إلَّا من ثلاث)) فذكر: ((أو ولدٍ صالحٍ يدعو له))(٧). ولو لم يكن إلَّا هذا الحديثُ، لكان فيه كفاية . الرابعة: فإذا ثبت هذا؛ فالواجب على الإنسان أن يتضرَّع إلى خالقه في هداية (١) في كتاب النكاح (فتح الباري ٩/ ٣٤١) (٢) صحيح البخاري (٥٤٧٠)، وصحيح مسلم (٢١٤٤). (٣) صحيح البخاري (١٣٠١) وما بين حاصرتين منه. وهي رواية أخرى للحديث السالف، وسفيان المذكور: هو ابنُ عينية. (٤) صحيح البخاري (٦٣٤٤)، وهو عند أحمد (٢٧٤٢٦)، ومسلم (٢٤٨٠). (٥) لم نقف عليه عند البخاري، وهو عند مسلم (٩٢٠)، وأحمد (٢٦٥٤٣) من حديث أم سلمة رضي الله عنها. قال أبو العباس في المفهم ٥٧٣/٢: قوله: ((واخلفه في عقبه في الغابرين)) أي: كن الخليفة على من يتركه من عقبه ويبقى بعده، ويعني بالغابرين: الباقين. (٦) سنن أبي داود (٢٠٥٠)، وهو عند أحمد (١٢٦١٣) وهو من حديث معقل بن يسار ﴾ ووقع عند أحمد: مكاثر الأنبياء، بدل: الأمم. (٧) أخرجه أحمد (٨٨٤٤)، ومسلم (١٦٣١) من حديث أبي هريرة . ١١٢ سورة آل عمران: الآيات ٣٧ - ٣٩ ولده وزوجه بالتوفيق لهما، والهدايةِ والصلاح والعفاف والرعاية، وأن يكونا مُعينين له على دينه ودنياه، حتى تعظمَ منفعتُه بهما في أُولاهُ وأُخراه؛ ألا ترى قولَ زكريًّا: ﴿وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦]، وقال: ﴿ذُرِيَّةٌ طَتِبَةٌ﴾. وقال: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَِّنَا قُرَّةً أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]. ودعا رسول اللّه ﴾ لأنس فقال: ((اللّهُمَّ أكثر ماله وولده، وبارك له فيه)). خرَّجه البخاريُّ ومسلم (١)، وحسْبُك. قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَتَبِكَهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِىِ الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ٣٩١ مُصَدِّقَا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَتِكَةُ﴾ قرأ حمزة والكسائيُّ: ((فناداه)» بالألف على التذكير ويُميلانها؛ لأن أصلَها الياء، ولأنها رابعةٌ(٢)، وبالألف قراءةُ ابن عباس، وابن مسعود(٣)، وهو اختيار أبي عبيد. ورَوَى عن جرير، عن مُغِيرة، عن إبراهيم قال: كان عبدُ اللّه يذكِّر الملائكة في [كلِّ] القرآن. قال أبو عبيد: نراه اختار ذلك خلافاً على المشركين، لأنهم قالوا: الملائكة بنات اللّه. قال النحاس(٤): هذا احتجاجٌ لا يُحصَّلُ منه شيءٌ؛ لأن العرب تقول: قالت الرجال، وقال الرجال، وكذا النساء، وكيف يُحتجُّ عليهم بالقرآن؟ ولو جاز أن يُحتَجَّ عليهم بالقرآن بهذا لجاز أن يحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَكَةُ﴾ [آل عمران: ٤٢] ولكن الحجةَ عليهم في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] أي: فلم يشاهدوا خَلْقَهم(٥)، فكيف يقولون إنهم إناثٌ؟ ! فقد عُلم أن هذا ظنٌّ وهَوىّ. وأمَّا ((فناداه)) فهو جائز على تذكير الجمع، ((ونادته)) على تأنيث الجماعة. (١) صحيح البخاري (١٩٨٢)، وصحيح مسلم (٦٦٠)، وسلف في المسألة قبلها بلفظ: ((وبارك له فيما أعطَیته». (٢) السبعة ص ٢٠٥، والتيسير ص٨٧، والكشف ٣٤٢/١. (٣) القراءات الشاذة ص ٢٠، ونسبها لابن مسعود، وإعراب القرآن للنحاس ٣٧٣/١. (٤) في إعراب القرآن ٣٧٣/١، وما سلف بين حاصرتين منه. وأثر إبراهيم عن عبدالله ذكره أيضاً البغوي ٢٩٨/١، ونسبه السيوطي في الدر المنثور ٢١/٢ لابن المنذر. (٥) قوله: خلقهم، من (خ) و (ظ) وليس في باقي النسخ، وهو موافق لما في إعراب القرآن. : ١١٣ سورة آل عمران: الآية ٣٩ قال مَكِّي(١): والجماعة(٢) ممن يعقلُ في التكسير يجري(٣) في التأنيث مجرى ما لا يعقل، تقول: هي الرجال، وهي الجُذوع، وهي الجِمال، وقالت الأعراب. ويقوِّي ذلك قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ﴾ [آل عمران: ٤٢] وقد ذكَّر في موضع آخرَ فقال: ﴿وَالْمَلَِّكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] وهذا إجماع. وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣]، فتأنيثُ هذا الجمع وتذکیرُه حَسَنان. وقال السُّدِّي: ناداه جبريل وحدَه؛ وكذا في قراءة ابن مسعود(٤). وفي التنزيل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] يعني: جبريل، والروح: الوَخي. وجائز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع. وجاء في التنزيل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] يعني نُعيم بن مسعود؛ على ما يأتي. وقيل: ناداه جميع الملائكة، وهو الأظهر، أي: جاء النداء من قِبَلهم(٥). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِ اَلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِرُكَ﴾ (وهو قائِم)) ابتداء وخبر، (يصلّي) في موضع رفع، وإن شئتَ كان نصباً على الحال من المضمر. ((أنَّ اللّه)) أي: بأن الله . وقرأ حمزة والكِسائيُّ: ((إنَّ)) أي: قالت: إن اللّه (٦)؛ فالنداءُ بمعنى القول. ((يبشّركَ)) بالتشديد قراءةُ أهل المدينة. وقرأ حمزة: ((يَبْشُرُك)) مخفَّفاً(٧)، وكذلك حُميد ابن قيس(٨) المكِّي، إلَّا أنه كَسَر الشين وضم الياء وخفف الباء(٩). قال الأخفش: (١) الكشف ٣٤٢/١ - ٣٤٣. (٢) في (خ) و (د) و (م): والملائكة، والمثبت من (خ) وهو الموافق لما في الكشف. (٣) في (د) و (م): فجرى، والمثبت من (خ) و (ظ) وهو الموافق لما في الكشف. (٤) أخرجها الطبري في التفسير ٥/ ٣٦٤ - ٣٦٥، وذكر أبو حيان في البحر ٤٤٦/٢ أنها كذلك في قراءة عبدالله و مصحفه. (٥) تفسير الطبري ٥/ ٣٦٤ - ٣٦٥ . (٦) كذا نقل المصنف عن النحاس في إعراب القرآن ٣٧٣/١، والذي ذكره ابن مجاهد في السبعة ص ٢٠٥ ، والداني في التيسير ص ٨٧، ومكي في الكشف ١/ ٣٤٣ أنها قراءة حمزة وابن عامر. (٧) وقرأ بها الكسائي أيضاً. السبعة ص ٢٠٥، والتيسير ٨٧ . (٨) في (م): حميد بن القيس. (٩) المحتسب ١٦١/١، وزاد نسبتها لمجاهد، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢٩/١ لابن مسعود ﴾ ١١٤ سورة آل عمران: الآية ٣٩ هي ثلاثُ لغاتٍ بمعنىّ واحد (١). دليل الأولى - وهي(٢) قراءة الجماعة - أن ما في القرآن من هذا، من فعل ماضٍ أو أمر، فهو بالتثقيل؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادٍ﴾ [الزمر: ١٧] ﴿فَبَشِّرُهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ [يس: ١١] ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ﴾ [هود: ٧١] ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَكَ بِالْحَقِّ﴾ [الحجر : ٥٥]. وأما الثانية، وهي قراءة عبد الله بن مسعود، فهي من بَشَر يَبْشُر، وهي لغةٌ تهامة(٣)؛ ومنه قول الشاعر: بَشَرتُ عِيَالِي إِذْ رأيتُ صحيفةٌ . أنَتْكَ من الحجّاجِ يُتْلَى كتابُها(٤) وقال آخر : غُبْراً أَكْفُّهُمْ بِقاعٍ مُمْحِلٍ وإذا رأيتَ الباهِشِينَ إلى النَّدى وإذا هُمُ نَزِلُوا بضَنْكٍ فانزلٍ (٥) فأَعِنْهُمُ وابْشَر بما بَشِروا به وأما الثالثة فهي من: أَبْشَرَ يُبْشِر إِبْشاراً قال: يا أمَّ عَمْرٍو أبشري بالبُشْرَى موتٌ ذريعٌ وجَرادٌ عَظْلَى(٦) (١) ذكره النحاس في إعراب القرآن ٣٧٣/١. قال ابن عطية في المحرر ٤٢٩/١: قال غير واحد من اللغويين في هذه اللفظة ثلاث لغات: بشَّر بشد الشين، وبَشَر بتخفيفها، وأَبْشَر يُبْشِر إبشاراً، وهذه القراءات كلها متّجهة فصيحة مَرْويَّة. (٢) في (م): هي. (٣) تفسير البغوي ٢٩٨/١ وهي قراءة حمزة كما سلف. وقال ابن عطية في المحرر ٤٢٩/١: وفي قراءة عبدالله بن مسعود: ((يُبْشرك)) بضم الياء وتخفيف الشين المكسورة - من أَبْشَر - وهكذا قرأ في كل القرآن. وذكر مثل ذلك أيضاً أبو حيان في البحر ٢/ ٤٤٧ . (٤) لم نقف على قائله، وذكره الفراء في معاني القرآن ٢١٢/١، والطبري ٣٦٨/٥. (٥) البيتان لعبد قيس بن خُفَاف البُرْجُمِيِّ، وهما في معاني القرآن للفراء ٢١٢/١، وتفسير الطبري ٣٦٨/٥ ، ومعاني القرآن للزجاج ٤٠٥/١، واللسان (بشر). وللبيت الثاني رواية أخرى، فهو في المفضليات ص٢٨٥، والأصمعيات ص٢٣٠، والصحاح (يسر)، واللسان (كرب) (يسر) برواية: فأعنهم وايسِرْ بما يَسَروا به .. قال الجوهري: الياسر: اللاعب بالقداح. قوله: الباهشين، قال في اللسان (بهش): البَهْش: الإسراع إلى المعروف بالفرح. (٦) لم نقف على قائله، وهو في تهذيب اللغة ٢٩٨/٢، واللسان (عظل). قوله: عظلى؛ يقال: تعاظلت الكلاب: إذا لزم بعضها بعضاً في السِّفاد، ويقال ذلك في الجراد أيضاً. المجمل ٦٧٥/٣ . وقال الأزهري: أراد أن يقول: يا أم عامر، فلم يستقم البيت، فقال: يا أم عمرو، وأم عامر كنية الضبع. ١١٥ سورة آل عمران: الآية ٣٩ قوله تعالى: ﴿بِيَحْيَ﴾ كان اسمه في الكتاب الأوَّل: حَيّا، وكان اسم سارةً زوجةٍ إبراهيم عليه السلام: يَسَارَة، وتفسيره بالعربية: لا تلد، فلمَّا بُشِّرتْ بإسحاقَ قيل لها: سارة، سمَّاها بذلك جبريلُ عليه السلام، فقالت: يا إبراهيمُ، لِمَ نقصَ من اسمي حرف؟ فقال ذلك إبراهيم (١) لجبريل عليهما السلام، فقال: إن ذلك الحرفَ زِيدَ في اسم ابنٍ لها من أفضل الأنبياء اسمه حَيَى ويُسمَّى (٢) بيحيى؛ ذكره النقاش. وقال قتادة: سمِّي بيحيى لأن اللّه تعالى أحياه بالإيمان والنبوَّة. وقال بعضهم: سُمِّي بذلك لأن اللّه تعالى أحيا به الناس بالهُدَى. وقال مُقاتِل: اشتُقَّ اسمه من اسم اللّه تعالى: حَيّ، فسمَّاه(٣) يحيى. وقيل: لأنه أحيا به رَحِمَ أمِّه. ﴿مُصَدِّقَا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ يعني عيسى في قول أكثر المفسرين، وسمِّي عيسى كلمةً لأنه كان بكلمة اللّه تعالى التي هي: ((كنْ))، فكان من غير أب (٤). وقرأ أبو السَّمَّال العَدَويُّ: ((بكِلْمة)) مكسورةً الكاف ساكنةَ اللام في جميع القرآن(٥)، وهي لغة فصيحةٌ، مثل: كثف وفِخْذ. وقيل: سمِّي كلمةً لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام الله تعالى. وقال أبو عبيدة (٦): معنى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ بكتابٍ من الله. قال: والعرب تقول: أَنْشَدَني كلمةٌ، أي: قصيدة (٧)، كما رُوي أن الحُوَيْدِرَة ذُكِر لحسانٍ، فقال: (١) في (م): فقال إبراهيم ذلك. (٢) في (خ) و(د) و(م): وسمي، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في التعريف والإعلام ص٣٣، والكلام منه. (٣) في (خ) و (م): فسمي، والمثبت من (د) و (ظ) وهو الموافق لما في تفسير أبي الليث ٢٦٥/١، والكلام منه، وخبر قتادة أخرجه الطبري ٥/ ٣٧٠ . (٤) تفسير الطبري ٥/ ٣٧١ - ٣٧٣، وتفسير البغوي ٢٩٨/١ - ٢٩٩، والمحرر الوجيز ٤٢٩/١. (٥) ينظر القراءات الشاذة لابن خالويه ص٢١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٨٣/١. (٦) وقع في النسخ: أبو عبيد والمثبت من المصادر، وانظر التعليق التالي. (٧) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٩١. ونقله عنه البغوي في تفسيره ٢٩٨/١ - ٢٩٩، والماوردي في النكت والعيون ٣٩٠/١، والطبرسي في مجمع البيان ٧٢/٣، وأبو حيان في البحر ٤٤٧/٢، وقد ردَّ هذا الكلام الطبري ٣٧٣/٥، وذكر أن ذلك جهل منه بتأويل الكلمة، واجتراء على ترجمة القرآن بالرأي. ١١٦ سورة آل عمران: الآية ٣٩ لعن الله كلمته، يعني قصيدته(١). وقيل غيرُ هذا من الأقوال، والقولُ الأوَّل أشهرُ، وعليه من العلماء الأكثر. و((يحيى)) أوَّلُ من آمن بعيسى عليهما السلام وصَدَّقه [فشهد له أنه كلمة الله وروحُه] وكان يحيى أكبرَ من عيسى بثلاث سنين، ويقال: بستة أشهر. وكانا ابني خالة، فلما سمع زكريا شهادته قام إلى عيسى فضمَّه إليه وهو في خِرَقِهِ (٢) . وذكر الطبريُّ أن مريم لمَّا حملت بعيسى، حملت أيضاً أختُها بيحيى، فجاءت أختها زائرةً، فقالت: يا مريم أشعرت أني حملتُ؟ فقالت لها مريم: أشعرت أنت أني حملت؟ فقالت لها: وإني لأجدُ ما في بطني يسجد لِمَا في بطنك(٣). وذلك أنه رُوي أنها أحسَّت جنينَها يَخِرُّ برأسه إلى ناحية بَطْن مريم؛ قال السُّديُّ: فذلك قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾. و((مصدِّقاً)) نصب على الحال. ﴿وَسَيِّدًا﴾ السيد: الذي يسود قومَه، ويُنْتَهَى إلى قوله، وأصلُه: سَيْود، يقال: فلان أسْوَد من فلان، أَفْعَل، من السيادة؛ ففيه دلالةٌ على جواز تسميةِ الإنسان سيداً، كما يجوز أن يُسمَّى عزيزاً أو كريماً. وكذلك رُوي عن النبيِّ﴾ أنه قال لبني قريظة: ((قوموا إلى سيِّدكم)) (٤). وفي البخاريِّ ومسلم(٥) أن النبيَّ ﴿ قال في الحسن: ((إن ابني هذا سيدٌ، ولعلَّ اللّهَ أن (٦) يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)). وكذلك كان، فإنه لما قُتل (١) معاني القرآن للنحاس ٣٩٢/١، والكشاف ٤٢٨/١. والحويدرة هو قطبة بن أوس بن محصن، ويسمى أيضاً: الحادرة، ومعناه الضخم، وهو شاعر جاهلي مقل. الأغاني ٢/ ٢٧٠ . (٢) تفسير أبي الليث ٢٦٥/١، وما سلف بين حاصرتين منه، وينظر تفسير البغوي ٢٩٩/١. (٣) تفسير الطبري ٥/ ٣٧٢، وقد أخرجه من قول ابن عباس بإسناد منقطع وأخرجه أيضاً من قول السدّي. قال ابن كثير في البداية والنهاية ٢/ ٤٤٢: معنى السجودها هنا الخضوع والتعظيم، كالسجود عند المواجهة للسلام، كما كان في شرع من قبلنا، وكما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم. (٤) قطعة من حديث أبي سعيد الخدري ، أخرجه أحمد (١١١٦٨)، والبخاري (٤١٢١)، ومسلم (١٧٦٨)، قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ. قال: فأرسل رسول الله - إلى سعد، فأتاه على حمار. قال: فلما دنا قريباً من المسجد قال رسول الله 8: ((قوموا إلى سيدكم)). الحديث ... (٥) صحيح البخاري (٢٧٠٤)، ولم نقف عليه عند مسلم، وهو عند أحمد (٢٠٣٩٢)، وهو من حديث أبي بكرة ﴾. (٦) قوله: أن، من (ظ). ١١٧ سورة آل عمران: الآية ٣٩ عليٍّ ، بايعه أكثرُ من أربعين ألفاً، وكثيرٌ ممن تخلَّف عن أبيه، ومن نَكث بيعتَه، فبقي نحو سبعةً(١) أشهرٍ خليفةً بالعِراق وما وراءها من خُراسان، ثم سار إلى معاويةً في أهل الحجاز والعراق، وسار إليه معاويةُ في أهل الشام. فلمَّا تراءى الجَمعان بموضعٍ يقال له ((مَسْكِن)) من أرض السَّواد بناحية الأنبار، كرِه الحسَنُ القتالَ؛ لعلمِه أنَّ إحدى الطائفتين لا تغلِبُ حتى تَهلِك أكثرُ الأخرى، فيَهلك المسلمون؛ فسلّم الأمرَ إلى معاويةً على شروط شَرَطها عليه، منها أن يكون الأمر له من بعد معاوية؛ فالتزم كلَّ ذلك معاويةُ. فصدَق قولُه عليه الصلاة والسلام: ((إن ابني هذا سيَّدٌ)) ولا أسود ممن سوَّده الله تعالى ورسوله. قال قتادة في قوله تعالى: ((وَسَيِّداً)) قال: في العلم والعبادة. ابن جبير والضحاك: في العلم والتُّقَى. مجاهد: السيِّد: الكريم. ابن زيد: الذي لا يغلبه الغضب(٢). وقال الزجَّاج(٣): السيد الذي يفوق أقرانه في كلِّ شيءٍ من الخير. وهذا جامع . وقال الكِسَائيُّ: السيد من المعز المُسِن؛ وفي الحديث: ((ثَنِيٍّ من الضَّأْن(٤) خيرٌ من السيِّد [من] المعز))(٥). قال: سواءٌ عليه شاةُ عامِ دَنتْ له ليذبحها للضيفِ أم شاةُ سيِّدٍ (٦) ﴿وَحَصُورًا﴾ أصله من الحَصْر، وهو الحبس. حَصَرني الشيءُ وأحصرني: إذا حبسني. (١) في (ظ): ستة، وفي الاستيعاب ٣/ ١٠١ (على هامش الإصابة): أربعة. (٢) تفسير الطبري ٣٧٤/٥ - ٣٧٦، وتفسير البغوي ٢٩٩/١، والمحرر الوجيز ٤٢٩/١ والقول الذي نسبه المصنف لابن زيد نُسب في هذه المصادر لعكرمة، أما قول ابن زيد كما أخرجه الطبري وأورده ابن عطية؛ فهو السيد: الشريف. (٣) معاني القرآن ٤٠٦/١. (٤) في (خ) و(د): ثنيُّ الضأن. (٥) المجمل ٤٧٨/٢، والصحاح (سود)، وما بين حاصرتين منهما، والحديث أخرجه أحمد (٩٢٢٧)، والحاكم ٢٢٧/٤ عن أبي هريرة ه وعندهما: ((الجذع من الضأن ... )) وفي إسناده أبو ثِفّال المرِّي ثمامة بن وائل، قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٥٠٨/٤: قال البخاري: في حديثه نظر. وأخرجه البيهقي ٢٧١/٩ من طريق أخرى وضعفها. والجذع من الضأن: هو ما تمت له سنة، وقيل أقل منها، والثَّنِيُّ من الغنم: ما دخل في السنة الثالثة. النهاية ١/ ٢٥٠، ٢٢٦. (٦) المجمل ٤٧٨/٢، والصحاح واللسان (سود). ١١٨ سورة آل عمران: الآية ٣٩ قال ابن ميَّادة(١): عليكَ ولا أن أَخْصَرَتْكَ شُغولُ وما هجرُ ليلَى أن تكونَ تّباعَدتْ وناقة حَصور: ضيّقةُ الإحليل. والحَصُور: الذي لا يأتي النساء، كأنه مُحجم عنهن؛ كما يقال: رجلٌ حَصورٌ وحَصيرٌ: إذا حبّس رِفدَه ولم يُخرج ما يُخرجه النَّدامَى. يقال: شرب القوم فحَصِر عليهم فلانُ، أي: بخِل؛ عن أبي عمرو (٢)؛ قال الأخطل : وشارِبٍ مُرْبحٍ بالكأس نادمني لا بالحَصُور ولا فيها بِسوَّارِ(٣) وفي التنزيل: ﴿وَحَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] أي: مَخْبِساً. والحَصِير: الملِكُ؛ لأنه محجوب. وقال لبید : وقُماقِم غُلْبِ الرِّقابِ كأنهم جِنٌّ لَدَّى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ(٤) فيحيى عليه السلام حَصورٌ، فَعولٌ بمعنى مفعول، لا يأتي النساء، كأنه ممنوعٌ مما يكون في الرجال؛ عن ابن مسعود وغيره. وفعولٌ بمعنى مفعول كثيرٌ في اللغة، من ذلك: حَلوبٌ بمعنى محلوبة (٥)؛ قال الشاعر: فيها اثنتان وأربعون حَلُوبةً سُوداً كخافيةِ الغرابِ الأسْحَمِ(٦) (١) الرماح بن أبرد، وأمه ميادة أم ولد، بربرية، وقيل: صَقْلَبية، وكان هو يزعم أنها فارسية، وهو شاعر فصيح مقدم من شعراء الدولتين، وكان يحب مهاجاة الشعراء ومُسَابَّة الناس، توفي في صدر خلافة المنصور. الأغاني ٢٦١/٢. والبيت في ديوانه ص ١٨٧، والمجمل ٢٣٩/١، والصحاح (حصر). (٢) المجمل ٢٣٨/١ - ٢٣٩، والصحاح (حصر). (٣) ديوان الأخطل ص١١٦، ومعاني القرآن للزجاج ٤٠٧/١. قال الزجاج: أي نادمني وهو كريم منفق على الندامى، والسؤَّار: المعربد يساور نديمه، أي: يثب عليه. (٤) المجمل ٢٣٨/١، والصحاح (حصر)، وهو في شرح ديوان لبيد ص ٢٩٠ برواية: ومقامة. قال شارح الديوان: والمقامة: الجماعة يجتمعون في المجلس، وإذا قيل القماقم: فهي جمع القمقام، وهو العدد الكثير، وغُلْب الرقاب: غِلاظُها جمع أغلب. (٥) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ١٠٥، وإعراب القرآن للنحاس ٣٩٤/١. (٦) قائله عنترة، والبيت في ديوانه ص١٧، قال ابن الأنباري في شرح المعلقات ص٣٠٦ : الخوافي (وهي جمع الخافية): الريش دون الريشات العشر في مقدم الجناح، والأسحم: الأسود. ١١٩ سورة آل عمران: الآية ٣٩ وقال ابن مسعود أيضاً وابن عباس وابن جُبير وقَتادة وعطاء وأبو الشَّعْثاء والحسنُ والسُّدِّيُّ وابنُ زيد: هو الذي يكُفُّ عن النساء ولا يَقْرَبُهنَّ مع القدرة(١). وهذا أصح الأقوال(٢) لو جهین: أحدهما: أنه مَدْحٌ وثناءٌ عليه، والثناءُ إنما يكونُ عن الفعل المكتَسَب دون الجِلَّة في الغالب. الثاني: أن فعولاً في اللغة من صيغ الفاعلين؛ كما قال: إذا عَدِموا زاداً فإنك عاقرُ (٣) ضَروبٌ بنصل السَّيف سُوقَ سِمَانِها فالمعنى: أنه يحصُر نفسه عن الشهوات. ولعلَّ هذا كان شَرْعَه، فأمَّا شرعُنا فالنكاح(٤)، كما تقدَّم(٥). وقيل: الخَصورُ: العِنِّين الذي لا ذَكَر له يتأتّى له به النكاح، ولا يُنزل؛ عن ابن عباس أيضاً وسعيد بن المسيب والضَّحَّاكِ(٦). وروى أبو صالح، عن أبي هريرةً قال: سمعتُ رسولَ اللّه ◌ِ﴾] يقول: ((كلُّ ابنِ آدمَ يلقى الله بذنب قد أذنبه، يعذِّبه عليه إن شاء أو يرحمه، إلّا يحيى بن زكريا، فإنه كان سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين)). ثم أهوى النبيُّ # بيده إلى قَذاةٍ من الأرضِ، (١) عرائس المجالس ص٣٧٨، وتفسير البغوي ٢٩٩/١، ومجمع البيان ٣/ ٧٢، والأخبار المذكورة أخرجها الطبري ٥/ ٣٧٧ - ٣٨١ . (٢) قوله: الأقوال، من (م). (٣) البيت لأبي طالب في رثاء أبي أمية بن المغيرة وكان زوج أخته عاتكة، وهو في الكتاب ١١١/١ ، والمقتضب ١١٤/٢، وأمالي ابن الشجري ٢٤٦/٢، والخزانة ١٤٦/٨. والسوق جمع ساق، مدحه بأنه كان يعرقب الإبل للضيفان عند عدم الأزواد، وكانوا إذا أرادوا نحر الناقة ضربوا ساقها بالسيف فخرَّت، ثم نحروها. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢٧٢/١ . (٥) ٤/ ٧٢ - ٧٣ . (٦) أخرج أقوالهم الطبري ٣٧٨/٥ و٣٧٩ و،٣٨٠ وابن أبي حاتم (٣٤٦٧) (٣٤٦٨). ١٢٠ سورة آل عمران: الآيتان ٣٩ - ٤٠ فأخذها وقال: ((كان ذَكَره مثلَ هذه القَذَاة))(١). وقيل: معناه الحابس نفسَه عن معاصي الله عزَّ وجلَّ (٢). ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال الزجَّاج (٣): الصالحُ الذي يؤدِّي لله ما افْتَرض عليه، وإلى الناس حقوقهم. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَّى يَكُونُ لِ ثُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْحِكِبَرُ وَأَمْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ ٤٠ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ قيل: الربُّ هنا جبريلُ، أي: قال لجبريلَ: ربِّ - أي: يا سيدي - أنَّى يكون لي غلام؟! يعني ولداً؛ وهذا قولُ الكلبيِّ(٤). وقال بعضهم: قوله: ((ربِّ)) يعني اللّهَ تعالى. ((أنَّى)) بمعنى: كيف، وهو في موضع نصبٍ على الظرف. وفي معنى هذا الاستفهام وجهان: أحدُهُما: أنه سأل: هل يكون له الولدُ وهو وامرأته على حاليهما، أو يُردّان إلى حالٍ مَن يَلِد؟ . الثاني: سأل: هل يُرزقُ الولد من امرأته العاقرٍ، أو من غيرها. وقيل: المعنى: بأيِّ منزلة أستوجب هذا وأنا وامرأتي على هذه الحال؟ على وجه التواضع. ويُروى أنه كان بين دعائه والوقتِ الذي بُشِّر فيه أربعون سنةً، وكان يومَ بُشِّر ابنَ (١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٧٠)، والطبراني في المعجم الأوسط (٦٥٥٢)، وابن عدي ٢ / ٦٥١ من طريق حجاج بن سليمان الرُّعيني، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، به. قال ابن أبي حاتم: قال أبي: لم يكن هذا الحديث عند أحد غير الحجاج [بن سليمان الرُّعَيْنيا ولم يكن في كتاب الليث [بن سعد]. وقال الذهبي في الميزان ١/ ٤٦٢: حجاج بن سليمان الرعيني عن الليث، قال ابن يونس: في حديثه مناكير، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، ومشّاه ابن عدي. (٢) معاني القرآن للنحاس ٣٩٤/١. (٣) معاني القرآن ١ / ٤٠٧ . (٤) ذكر أبو حيان في البحر ٢/ ٤٦٢ أن من ذهب إلى أن قوله: ((ربِّ))، إنما هو نداء لجبريل، ومعناه: يا سيدي، فقد أبعد، ونقل عن الزمخشري قوله: هو من بدع التفاسير.