Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ سورة آل عمران: الآية ٧ جوارحُهم بأعمالهم، فعند ذلك عُرفَ أن اللّه لا يُكتَم حديثاً، وعندَه ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]. وخلق اللّه الأرض في يومين، ثم استوى إلى السماء، فسؤَّاهنَّ سبعَ سماواتٍ في يومين، ثم دحا الأرضَ، أي: بسطها، فأخرجَ منها الماءَ والمرعى، وخلقَ فيها الجبالَ والأشجارَ والآكام وما بينهما(١) في يومين آخرين؛ فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، فخُلِقَتِ الأرضُ وما فيها في أربعة أيام، وخُلِقَت السماءُ في يومين . وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ يعني [سمَّى] نفسَه ذلك، أي: لم يزل ولا يزالُ كذلك، فإنَّ اللّه لم يُرِد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد. ويحكَ! فلا يختلِفْ عليك القرآنُ، فإن كلَّا من عند الله. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَخَرُ مُتَشَِهَمْ﴾ لم تُصرف أُخَرُ؛ لأنَّها عُدِلت عن الألف واللام؛ لأنَّ أصلَها أن تكونَ صفةً بالألف واللَّام، كالكُبَرِ والصُّغَر، فلما عُدِلت عن مجرى الألف واللام مُنِعت الصَّرف. أبو عبيد: لم يَصْرِفوها؛ لأنَّ واحدَها لا ينصرفُ في معرفةٍ ولا نكرة. وأنكر ذلك المبرِّد وقال: يجبُ على هذا ألَّ ينصرف غِضابٌ وعِطاشٌ. الكسائيُّ: لم تنصرف؛ لأنَّها صفةٌ. وأنكره المبردُ أيضاً وقال: إن لِبَداً وحُطَماً صفتان، وهما منصرفان. سيبويه: لا يجوز أن تكونَ أُخَرُ معدولة عن الألف واللام؛ لأنَّها لو كانت معدولةٌ عن الألف واللام لكان معرفةً(٢)، ألا ترى أن سَحَرَ معرفةٌ في جميع الأقاويل لما (١) في (خ) و (م): بينها. (٢) كذا ذكر المصنف رحمه الله عن سيبويه - ونقله عنه الشوكاني في فتح القدير ٣١٥/١ - وهو وهم منه، ولعله نقله عن المهدوي، فقد ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٠٢/١ أن المهدوي خلط في هذه المسألة وأفسد كلام سيبويه، وقد نقل المصنف كلام سيبويه على الجادة بواسطة النحاس عند تفسير قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ (البقرة: ١٨٤) فقال: لم ينصرف ((أخر)) عند سيبويه لأنها معدولة عن الألف واللام ... ٢٢ سورة آل عمران: الآية ٧ كانت معدولة [عن السَّحَر](١). وَأَمْسٍ في قول من قالَ: ذهبَ أمسٍ، معدولاً عن الأَمسِ؛ فلو كانَ أخرُ معدولاً أيضاً عن الألف واللام لكان معرفةً، وقد وصفه الله تعالى بالنكرة. الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيٌْ﴾ الذين رفع بالابتداء، والخبرُ: ((فَيَتَِّعُونَ مَا تَشَبَهُ مِنْهُ(٢)) . والزيغُ: الميلُ، ومنه زاغت الشمسُ، وزاغت الأبصارُ، ويقال: زاغَ يَزِيغُ زَيْغاً: إذا تركَ القَصْدَ(٣)، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. وهذه الآيةُ تعمُّ كلَّ طائفة من كافرٍ وزِنديق وجاهلٍ وصاحبٍ بِدْعةٍ، وإنْ كانت الإشارةُ بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران. وقال قتادةُ في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيٌْ﴾: إنْ لم يكونوا الحروريَّةَ وأنواعَ الخوارج؛ فلا أدري مَن هم(٤). قلت: قد مرَّ هذا التفسيرُ عن أبي أمامةَ مرفوعاً، وحسبُك(٥). السادسة: قوله تعالى: ﴿فَيَتَّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، ﴾ قال شيخُنا أبو العباس(٦) رحمةُ اللّه عليه: متَّبِعو المتشابه لا يخلو أن يتّبعوه ويجمعوه طلباً للتَّشكيك في القرآن وإضلال العوامِّ؛ كما فعلتْه الزنادقةُ والقَرامِطة الطاعنون في القرآن، أو طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه؛ كما فعلتْه المجسِّمةُ الذين جمعوا ما في الكتاب والسُّنة مما [يوهم] ظاهرُه الجِسميةَ، حتى اعتقدوا أنَّ البارئ تعالى جسمٌ مجسَّمٌ، وصورةٌ مصوَّرةٌ ذاتُ وجْهٍ، وعَينٍ، ويَدٍ، وجَنْبٍ، ورِجلٍ، وأَضْبُع! تعالى (١) ما بين حاصرتين زيادة للتوضيح، انظر المحرر الوجيز ٤٠٢/١ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٥٥/١. (٣) المحرر الوجيز ٤٠٢/١، وإعراب القرآن ٣٥٥/١. (٤) المحرر الوجيز ٤٠٢/١، وأخرج أثر قتادة الطبري ٢٠٧/٥ . (٥) في المسألة الأولى من تفسير هذه الآية. (٦) في المفهم ٦ / ٦٩٧ - ٦٩٨، وما سيرد بين حاصرتين منه. ٢٣ سورة آل عمران: الآية ٧ اللّه عن ذلك! أو يتبعوه على جهة إبداءٍ تأويلاتِها وإيضاح معانيها، أو كما فعل صَبِيغ(١) حينَ أكثر على عمر فيه السؤال. فهذه أربعة أقسام: الأول: لا شكَّ في كُفرهم، وأنَّ حكمَ اللّه فيهم القتلُ من غير استتابة. الثاني: الصحيح القولُ بتكفيرهم، إذ لا فرقَ بينهم وبين عُبَّاد الأصنامِ والصُّوَر، ويُستتابون، فإن تابوا؛ وإلا قُتلوا كما يُفعلُ بمن ارتدَّ. الثالث: اختلفوا في جواز ذلك بناءً على الخلاف في جواز تأويلها(٢). وقد عُرِف أنَّ مذهبَ السَّلف تركُ التعرُّضِ لتأويلها، مع قطعهم باستحالة ظواهرها، فيقولون: أَمِرُّوها كما جاءت. وذهب بعضُهم إلى إبداء تأويلاتها، وحملها على ما يَصِحُ حملُه في اللسان عليها من غير قطعٍ بتعيين مَحْمَلٍ منها . الرابع: الحكم فيه الأدبُ البليغ، كما فعلَه عمرُ بصَبِيغ. وقال أبو بكر الأنباريُّ: وقد كان الأئمةُ من السَّلف يعاقبون من يسألُ عن تفسير الحروف المشكلةِ(٣) في القرآن، لأنَّ السائلَ إن كان يَبْغي بسؤاله تخليدَ البدعة وإثارةً الفتنة، فهو حقيقٌ بالنَّكير وأعظم التَّعزير، وإنْ لم يكن ذلك مقصدُه، فقد استحقَّ العَتَب بما اجترَم من الذنب، إذ أوجدَ للمنافقين الملحدين في ذلك الوقت سبيلاً إلى أنْ يقصدوا ضَعَفَة المسلمين بالتشكيك والتَّضليل في تحريف القرآن عن مناهج التَّنزيل وحقائقِ التَّأويل. فمن ذلك ما حدثنا إسماعيلُ بن إسحاق القاضي، أنبأنا سليمان بن حَرْب، عن حماد بن زيد، عن يزيد بن حازم، عن سليمانَ بن يسار أنَّ صَبِيغَ بن عِسل قدم المدينة، فجعل يسألُ عن متشابه القرآن وعن أشياءً، فبلغ ذلك عمرَ ﴾، فبعثَ إليه عمرُ، فأحضره وقد أعدَّ له عَراجينَ من عراجين النَّخل. فلما حضر قال له عمر: مَن أنت؟ قال: أنا عبدُ اللّه صَبيغ، فقال عمرُ ﴾: وأنا عبدُ اللّه عمرُ، ثم قام إليه (١) صَبِيغ بوزن عظيم، وآخره معجمة، ويقال بالتصغير، ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة ١٦٨/٥ وذكر قصته، وسیرد تخريجها قريباً. (٢) في المفهم ٦/ ٦٩٧: فأما مَن يتبع المتشابه لا على تلك الجهتين، فإن كان ذلك على إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها، فذلك مختلف في جوازه بناء على الخلاف في جواز تأويلها. (٣) في (م): المشكلات. ٢٤ سورة آل عمران: الآية ٧ فضربّ رأسَه بعرجُون فشَجِّه، ثم تابع ضَرْبَه حتى سالَ دمُه على وجهه، فقال: حسبُك يا أمير المؤمنين؛ فقد واللّهِ ذهبَ ما كنتُ أجدُ في رأسي. وقد اختلفت الرواياتُ في أدبه، وسيأتي ذكرُها في ((الذاريات)). ثم إن اللّه تعالى ألهمّه التوبةَ، وقذفها في قلبه، فتابَ وحسُنت توبته (١). ومعنى ((ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ)» طلب الشبهات واللَّبْس على المؤمنين حتى يُفسِدوا ذاتَ بینھم، ویردُّوا الناس إلی زیغهم. وقال أبو إسحاق الزَّجَّاج: معنى ابتغائهم(٢) تأويلَه: أنَّهم طلبوا تأويلَ بعثهم وإحيائهم، فأعلم اللّه جلَّ وعزَّ أنَّ تأويلَ ذلك ووقتَه لا يعلمُه إلَّا اللّه. قال: والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَلْ يَنظُرُونَ إلَّا تأوِیلةٌ يومَ يَأْتِى تأْوِيلُهُ﴾ أي : یوم یرون ما يوعدون من البعث والنُّشور والعذاب ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ أي: تركوه ﴿قَدْ جََّتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، أي: قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرُّسُلُ. قال: فالوقف على قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَةُ: إِلَّ اللَّهُ﴾ أي: لا يعلم أحدٌ متى البعثُ إلَّا اللّه(٣). السابعة: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيَةُ: إِلَّ اللّهُ﴾ يقال: إنَّ جماعةً من اليهود - منهم حُيَيُّ بن أخطب - دخلوا على رسول اللّه ﴾ وقالوا: بلغنا أنه نزلَ عليك ((الّ))، فإنْ كنتَ صادقاً في مقالتك فإن مُلْكَ أمَّتك يكونُ إِحدى وسبعين سنةً، لأنَّ الألِف في حساب الجُمَّل(٤) واحد، واللَّامَ ثلاثون، والميمَ أربعون، فنزل: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَةُ: إِلَّ اللَّهُ﴾(٥). (١) وأخرجه الدرامي (١٤٦)، والآجري في الشريعة (١٥٣)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١١٣٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤١١/٢٣ من طريق حماد بن زيد، به. وذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة ١٦٨/٥-١٦٩ طرقاً أخرى للخبر. وسيذكر بعضها المصنف في تفسير الآية الأولى من سورة الذاريات. (٢) في (د) و (م): ابتغاء. (٣) معاني القرآن للزجاج ٣٧٨/١، ومعاني القرآن للنحاس ٣٥٥/١ وعنه نقل المصنف. (٤) في معجم متن اللغة: الجُمَّلُ (ويخفّف): حساب مبناه على حروف أبجد، كل حرف يدلُّ على رقم من الأعداد، آحادها، وعشراتها، ومئاتها. (٥) تفسير أبي الليث ١/ ٢٤٧، وأخرجه مطولاً الطبري ٢٢١/١ عن جابر بن عبدالله بن رئاب، وضعّفه = ٢٥ سورة آل عمران: الآية ٧ والتأويل يكون بمعنى التفسير، كقولك: تأويلُ هذه الكلمة على كذا. ويكون بمعنى ما يَؤولُ الأمرُ إليه. واشتقاقه من آل الأمرُ إلى كذا يَؤولُ إليه، أي: صار. وأوَّلتُه تأويلاً، أي: صيَّرتُه. وقد حذَّه بعضُ الفقهاء فقالوا: هو إبداء احتمالٍ في اللفظ مقصود بدليل خارج عنه. فالتفسيرُ بيانُ اللفظ، كقوله: ﴿لَّا رَيّبَ فِيةٍ﴾ أي: لا شكَّ. وأصلُه من الفَسْرِ، وهو البيان، يقالُ: فَسَرْتُ الشَّيءَ (مخفَّفاً) أفْسِرُه (بالكسر) فَسْراً. والتأويل بيانُ المعنى، كقوله: لا شكَّ فيه عند المؤمنين، أو لأنَّه حقٌّ في نفسه، فلا تَقبلُ ذاتُه الشّكَّ، وإنَّما الشَّكُّ وصفُ الشَّاكِّ. وكقول ابن عباس في الجدِّ أباً؛ لأنَّه تأوَّل قولَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَنِىّ ءَدَمَ﴾(١) [الأعراف: ٢٦]. الثامنة: قوله تعالى: ﴿ وَالرَّسِخُونَ فِ الْعِلْرِ﴾ اختلف العلماءُ في ((والرَّاسِخُونَ في الْعِلْم)) هل هو ابتداءُ كلام مقطوعٍ ممَّا قَبلَه، أو هو معطوفٌ على ما قبلَه فتكونُ الواوُ للجمعِ، فالذي عليه الأكثرُ أنه مقطوعٌ مما قبلَه، وأن الكلام تمَّ عند قوله: ((إلا اللّهُ))، هذا قولُ ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ وعائشةً وعروة بن الزبير وعمرَ بنِ عبد العزيز وغيرهم، وهو مذهبُ الكِسائيِّ والأخفشِ والفرَّاء وأبي ◌ُبيد وغيرهم (٢). قال أبو نَهِيك الأسدي: إنكم تَصِلون هذه الآيَة، وإنَّها مقطوعة. وما انتهى علمُ الراسخين إلَّا إلى قولهم: ﴿َمَنَّا بِهِ، كُلِّ مِنْ عِنْدِ رَيْنَاً﴾ . وقال مثلَ هذا عمرُ بن عبد العزيز، وحكى الطبريُّ نحوَه عن يونسَ، عن أشهبَ، عن مالك بن أنس(٣). و(يقولون)) على هذا خبر ((الراسخون)). قال الخطابي: وقد جعل اللّه تعالى آياتٍ كتابه الذي أَمَرَنا بالإيمان به والتَّصديق بما فيه على (٤) قسمين: محكماً ومتشابهاً، فقال عزَّ من قائل: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ = ابن كثير في تفسير الآية الأولى من البقرة وقال: مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا یحتج بما انفرد به. (١) انظر معاني القرآن للنحاس ٣٥١/١. (٢) تفسير البغوي ١/ ٢٨٠، ومعاني القرآن للنحاس ٣٥١/١. (٣) المحرر الوجيز ٤٠٣/١. وأخرج الطبري ٢١٩/٥ قول أبي نهيك وعمر بن عبد العزيز ومالك. (٤) لفظة: على، من (د) و (ظ). ٢٦ سورة آل عمران: الآية ٧ اُلْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَتُ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَِهَتْ﴾ إلى قوله: ﴿كُلُّ مِنْ عِنْدِ رَيِّنَاً﴾ فأعْلَم أن المتشابهَ من الكتاب قد استأثر اللّهُ بعلمه، فلا يعلم تأويلَه أحَدٌ غيرُه، ثم أثنى اللّه عزَّ وجلَّ على الراسخين في العلم بأنهم يقولون: آمنا به. ولولا صحّةُ الإيمان منهم لم يستحقُّوا الثناءَ عليهم. ومذهبُ أكثر العلماء أن الوقفَ التامَّ في هذه الآية، إنما هو عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيَهُ: إِلَّا اللَّهُ﴾ وأن ما بعده استئنافُ كلام آخرَ، وهو قوله: ﴿وَالزَّسِخُونَ فِي اَلْمِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ﴾، وروي ذلك عن ابن مسعود وأبيٍّ بن كعب وابنِ عباسٍ وعائشة(١). وإنما رويَ عن مجاهد أنه نَسَق الراسخين(٢) على ما قبله وزعم أنهم يعلمونَه(٣). واحتجَّ له بعضُ أهل اللُّغة فقال: معناه: والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنًا، وزعم أن موضعَ ((يقولون)) نَصبٌ على الحال. وعامةُ أهلِ اللُّغة يُنكرونه ويستبعدونه؛ لأن العربَ لا تُضمِرُ الفعلَ والمفعولَ معاً، ولا تذكر حالاً إلَّا مع ظهور الفعل، فإذا لم يظهر فعلٌ فلا يكون حال، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: عبدُ الله راكباً، بمعنى: أقبل عبدُ اللّهِ راكباً، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل، كقوله: عبدُ الله يتكلَّمُ يصلحُ بين الناس؛ فكان ((يصلحُ)) حالاً له، كقول الشاعر - أنشدنیه أبو عمر قال: أنشدنا أبو العباس ثعلب -: أرسلتُ فيها رَجُلاً(٤) لُكالِكا يَقْصُرِ يَمْشِي ويَطولُ بارِكا(٥) أي: يقصرُ ماشياً، فكان قولُ عامةِ العلماء مع مساعدة مذاهب النَّحويين له أولى (١) انظر إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري ٥٦٥/٢، والمكتفى للداني ص ١٩٥، وتفسير البغوي ٢٨٠/١، وأخرج الطبري ٢١٨/٥ أثر ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم. (٢) في (م): الراسخون. (٣) تفسير مجاهد ١٢٢، وأخرجه الطبري ٥/ ٢٢٠، وابن الأنباري في إيضاح الوقف ٢/ ٥٦٥، والداني في المكتفى ص١٩٦ . (٤) في (م) ولسان العرب (لكك): قَطِماً، والقَّطِم: الرجل المشتهي للحم. اللسان (قطم). (٥) مجالس ثعلب ص٣٨٤، ونسب الرجز لمبشِّر بن هُذيل بن زافر الفزاري، وفيه قَرِداً، بدل: رجلاً، قال: ولُكالك: عظیم شدید. ٢٧ سورة آل عمران: الآية ٧ من قول مجاهد وحدَه، وأيضاً؛ فإنه لا يجوز أنْ ينفيَ اللّه سبحانَه شيئاً عن الخلق ويثبته لنفسه، ثم يكون له في ذلك شريك. ألا ترى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله: ﴿لَا يُحَلِّهَا لِوَقِهَا إِلَّا هُوْ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقوله: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَمٌ﴾ [القصص: ٨٨]، فكان هذا كلُّه مما استأثر الله سبحانه بعلمه، لا يَشْرَكُه فيه غيره. وكذلك قوله تبارك وتعالى: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)). ولو كانت الواو في قوله: ((وَالرَّاسِخُونَ)) للنسق لم يكن لقوله: «كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا)) فائدة. والله أعلم. قلت: ما حكاه الخطابيُّ من أنه لم يقل بقول مجاهدٍ غيرهُ، فقد رُوي عن ابن عباس أن الراسخين معطوفٌ على اسم اللّه عزَّ وجلَّ، وأنهم داخلون في علم المتشابه، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به، وقاله الربيعُ ومحمد بنُ جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم(١). و((يقولون)) على هذا التأويل نصبٌ على الحال من الراسخين، كما قال: الريحُ تَبْكِي شَجْوَه(٢) والبرقُ يلْمَع في الغَمامَهْ وهذا البيتُ يَحتملُ المعنيين، فيجوزُ أن يكونَ: ((والبرقُ)) مبتدأ، والخبرُ ((يلمعُ)) على التأويل الأول، فيكون مقطوعاً مما قبلَه. ويجوزُ أن يكونَ معطوفاً على ((الريح))، و(يلمعُ)) في موضع الحال على التأويل الثاني، أي: لا معاً. واحتجَّ قائلو هذه المقالةِ أيضاً بأن اللّه سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم، فكيف يمدحُهم وهم جُهَّال! وقد قال ابن عباس: أنا ممَّن يعلمُ تأويله. وقرأ مجاهدٌ هذه الآيةَ وقال: أنا ممن يعلمُ تأويلَه؛ حكاهُ عنه إمامُ الحرمين أبو المعالي. قلت: وقد ردَّ بعضُ العلماء هذا القولَ إلى القول الأوَّل، فقال: وتقديرُ تمام الكلام ((عِندَ اللّهِ))(٣) أنَّ معناهُ: وما يعلم تأويلَه إلاَّ اللّه، يعني تأويلَ المتشابهاتِ، (١) أخرج أقوالهم الطبري ٥/ ٢٢٠ . (٢) في (م): شجوها، والبيت ليزيد بن مفرغ الحميري، وهو في ديوانه ص ١٤٣ . (٣) كذا في النسخ، ولم يتبين لنا المراد، ولعل قوله: ((عند الله)) مقحم، والله أعلم. ٢٨ سورة آل عمران: الآية ٧ والراسخون في العلم يعلمون بعضَه قائلين: آمنًا به كلٌّ من عند ربنا بما نُصِب من الدلائل في المُحْكَم ومكَّن من ردِّه إليه. فإذا علموا تأويلَ بعضِه ولم يعلموا البعض قالوا: آمنا بالجميع كلٌّ من عند ربِّنا، وما لم يحط به علمُنا من الخفايا مما في شرعه الصَّالِحِ؛ فعلمُه عند ربِّنا (١). فإنْ قالَ قائلٌ: قد أشكل على الراسخين بعضُ تفسيره، حتى قال ابن عباس: لا أدري ما الأوَّاهُ ولا ما غِسْلِين، قيل له: هذا لا يلزم؛ لأن ابنَ عباسٍ قد علم بعدَ ذلك، ففسَّر ما وقفَ عليه. وجوابٌ أقطعُ من هذا؛ وهو أنَّه سبحانه لم يقل: وكلُّ راسخ، فيجب هذا، فإذا لم يعلمه أحدهم علمَه الآخر(٢). ورجّح ابنُ فُورَك أنَّ الراسخين يعلمون التأويل، وأطنب في ذلك(٣). وفي قوله عليه الصلاة والسلام لابن عباس: ((اللّهم فقِّهه في الدِّين وعلِّمْه التأويل(٤)) ما يبينُ لك ذلك، أي: علِّمْه معانيَ كتابك. والوقفُ على هذا يكونُ عندَ قوله: ((والرَّاسِخُونَ في العلم)) . قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: وهو الصحيح(٥)، فإن تسمیتهم راسخين يقتضي بأنَّهم يعلمون أكثرَ من المُحكّم الذي يستوي في علمه جميعُ من يفهمُ كلامَ العرب. وفي أيِّ شيءٍ هو رسوخُهم إذا لم يعلموا إلَّا ما يعلمُ الجميع؟ لكنَّ المتشابة يتنوَّعُ، فمنه ما لا يُعلمُ البتَّةَ، كأمر الرُّوحِ والساعة ممَّا استأثر اللّه بغيبه، وهذا لا يتعاطى عِلمَه أحدٌ؛ لا ابنُ عباس ولا غيرُه. فمن قال من العلماء الحُذَّاق بأنَّ الراسخين لا يعلمون علمَ المتشابه، فإنما أرادَ هذا النَّوع، وأما ما يمكن حملُه على وجوهٍ في اللغة ومَنّاحِ في كلام العرب، فيُتَأْوَّل (١) انظر أحكام القرآن للجصاص ٥/٢ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٥٦/١ - ٣٥٧. (٣) المحرر الوجيز ٤٠٤/١ . (٤) أخرجه البخاري (١٤٣)، ومسلم (٢٤٧٧) من حديث ابن عباس، وسلف ١/ ٥٨. (٥) هذا خلاف ما في كتاب المفهم ٦٩٦/٦ - ٦٩٧ لأبي العباس، فقد ذكر أن الوقف على: ((إلا الله)) أولى وأليق وأسلم. ٢٩ سورة آل عمران: الآية ٧ ويُعلَمُ تأويلُه المستقيم، ويُزالُ ما فيه مما عسى أن يتعلق [به] من تأويل غير مستقيم؛ كقوله في عيسى: ﴿وَرُوحٌ مِنْه﴾ إلى غير ذلك. فلا يُسمَّى أحدٌ راسخاً إلَّا بأنْ يعلمَ من هذا النوعِ كثيراً بحَسب ما قُدِّر له. وأما مَن يقول: إن المتشابة هو المنسوخُ، فيستقيمُ على قولِه إدخالُ الراسخين في علم التَّويل؛ لكنَّ تخصيصه المتشابهاتِ بهذا النَّوع غيرُ صحيح. والرُّسوُ: الثُّبوتُ في الشيء، وكلُّ ثابتٍ راسخٌ. وأصلُه في الأجرام أنْ يرسخَ الجبلُ والشجرُ في الأرض (١)؛ وقال الشاعر: لقد رَسَخَتْ في الصَّدر مني مودَةٌ لليلى أبَتْ آياتُها أن تَغَيَّرا(٢) ورسَخ الإيمانُ في قلب فلان يَرْسَخ رسوخاً. وحكى بعضُهم: رسخَ الغَديرُ: نَضَب ماؤه؛ حكاه ابن فارس(٣)، فهو من الأضداد. ورَسَخ ورَصَخ ورَصُن ورسَب؛ كلُّه ثبت (٤). وسئل النبيُّ ﴾ عن الراسخين في العلم فقال: ((هو مَنْ بَرَّتْ يمينُه، وصدَق لسانُه، واستقامَ قلبُه(٥)). فإن قيل: كيف كان في القرآن متشابه واللّه يقول: ﴿وَأَنْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فكيف لم يُجعل(٦) كلَّه واضحاً؟ قيل له: الحكمةُ في ذلك - والله أعلم - أنْ يظهرَ فضلُ العلماءِ؛ لأنَّه لو كان كلُّه واضحاً لم يظهر فضلُ بعضهم على بعضٍ. وهكذا يفعلُ مَن يصنّف تصنيفاً، يجعلُ بعضَه واضحاً وبعضَه (١) المحرر الوجيز ٤٠٣/١-٤٠٤ وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) لم نقف عليه. (٣) في مجمل اللغة ١/ ٣٧٧ . (٤) في (د) و (م): ثبت فيه. (٥) أخرجه الطبري ٢٢٣/٥، وابن أبي حاتم (١٢٦)، والطبراني في الكبير (٧٦٥٨) من طريق عبدالله بن يزيد بن آدم، عن أبي الدرداء وأبي أمامة وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع رضي الله عنهم، وعبدالله ابن يزيد؛ قال أحمد: أحاديثه موضوعة، وقال الجوزجاني: أحاديثه منكرة. ميزان الاعتدال ٢/ ٥٢٧ . (٦) في (م): يجعله. ٣٠ سورة آل عمران: الآيتان ٧ - ٨ مُشكلاً، ويترك للخبرة(١) موضعاً؛ لأنَّ ما هان وجودُه قلَّ بهاؤه. والله أعلم. التاسعة: قوله تعالى: ﴿كُلُّ مِنْ عِندِ رَيِّنَاً﴾ فيه ضميرٌ عائدٌ على كتاب اللّه تعالى؛ مُحكَمِه ومتشابِهِه، والتقدير: كلَّه من عند ربنا. وحذف الضمير لدلالة ((كلّ)) عليه؛ إذْ هي لفظة تقتضي الإضافة. ثم قال: ﴿وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبٍَ﴾ أي: ما يقول هذا ويُؤْمنُ [به] ويقفُ حيثُ وقَفَ، ويَدَعَ اتِّاعَ المتشابه إلاَّ ذو لُبِّ، وهو العقل. ولُبُّ كلِّ شيءٍ خالصُه؛ فلذلك قيل للعقل: لُبُّ. و((أولو)) جمع ذو)(٢). قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَُّنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ ٨ الْوَقَّابُ فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُوبَنَا﴾ في الكلام حذفٌ تقديرُه: يقولون. وهذا حكاية عن الراسخين. ويجوزُ أن يكونَ المعنى: قل يا محمد. ويقالُ: إزاغةُ القلبِ فسادٌ ومَيْلٌ عن الدِّين(٣)، أفكانوا يخافون - وقد هُدُوا - أنْ ينقلَهم اللّهُ إلى الفساد؟ فالجوابُ: أن يكونوا سألوا إِذ هداهم الله ألَّا يبتليّهم بما يَقُلُ عليهم من الأعمال فَيَعْجِزوا عنه، نحوُ: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَثَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ آَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ آَخْرُجُواْ مِنْ تركم ﴾ [النساء: ٦٦]. قال ابن كيسان: سألوا ألَّا يَزِيغوا فيُزِيغَ الله قلوبهم، نحو: ﴿فَلَمَّا زَاعُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، أي: ثبِّتنا على هدايتك إذ هديتنا، وألا نَزيغَ فنستحقَّ أن تُزيغَ قلوبَنا (٤). (١) لم تجود اللفظة في النسخ، ففي (خ) و (د) و(م): للجثوة، وفي (ف): للحتوه، وفي (ظ): للخيرة، والمثبت من تفسير أبي الليث (وعنه نقل) ١/ لوحة ١١٠، ووقع في مطبوعه ٢٤٧/١: للحيرة. (٢) المحرر الوجيز ١/ ٤٠٤ وما بين حاصرتين منه. (٣) في (ظ) و(خ): وميل عن الدين جحود. (٤) معاني القرآن للنحاس ٣٥٥/١-٣٥٦. ٣١ سورة آل عمران: الآية ٨ وقيل: هو منقطع مما قبلُ؛ وذلك أنَّه تعالى لمَّا ذكرَ أهلَ الزَّيْع، عقَّبَ ذلك بأنّ علّم عبادَه الدعاءَ إليه في ألَّا يكونوا من الطائفة الذَّميمة التي ذُكِرت، وهي أهلُ الزَّيغ(١). وفي الموطأ(٢) عن أبي عبد اللّه الصُّنابحيّ أنه قال: قَدِمتُ المدينة في خلافة أبي بكر الصِّدِّيق، فصلَّيتُ وراءَه المغربَ، فقرأ في الركعتين الأُولَيَين بأمّ القرآن، وسورةٍ سورة (٣) من قِصار المُفَصَّل، ثمَّ قامَ في الثالثة، فدنَوتُ منه حتى إنَّ ثيابي لتكادُ تَمَسُ ثيابَه، فسمعتُه يقرأُ بأمّ القرآن وهذه الآيةِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُويَنَا﴾ الآية. قال العلماء: قراءتُه بهذه الآية ضَرْبٌ من القُنوت والدعاء لما كان فيه من أمرٍ أهلِ الرِّدة. والقُنوت جائز في المغربِ عند جماعةٍ من أهلِ العلمِ، وفي كلِّ صلاة أيضاً إذا دَهِمَ المسلمين أمرٌ عظيم يُفزعُهم ويخافونَ منه على أنفسِهم(٤) . وروى الترمذي من حديث شَهْر بن حَوْشَب قال: قلتُ لأمِّ سَلَمة: يا أمَّ المؤمنين، ما كان أكثرُ دعاءِ رسول اللّه ﴾ إذا كان عندَك؟ قالت: كان أكثرُ دعائه: ((يا مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قَلْبي على دينِك)) فقلتُ: يا رسولَ اللّه، ما أكثرَ دعاءَك ((يا مقلِّبَ القلوبِ ثبّت قَلْبِي على دينِك))! قال: ((يا أمَّ سلمةَ، إنَّه ليسَ آدمي إلَّا وقلبُه بينَ أُضْبُعينٍ من أصابعِ اللّهِ، فمن شاءَ أقامَ، ومَنْ شاءَ أزاغَ)) فتلا معاذ: ﴿رَبَّنَا لَا تُرْعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. قال: حديث حسن(٥). وهذه الآيةُ حُجَّةٌ على المعتزلة في قولهم: إنَّ اللّهَ لا يُضلُّ العبادَ. ولو لم تكن الإزاغةُ من قِبَلِه لَمَا جازَ أن يُدْعى في دفع ما لا يجوزُ عليه فعلُه. (١) المحرر الوجيز ٤٠٤/١. (٢) ٧٩/١. وأخرجه عن مالك عبد الرزاق (٢٦٩٨)، والشافعي في مسنده (٢٣٣) (بترتيب السندي)، والبيهقي ٦٤/٢، و٣٩١ . (٣) لفظ: سورة (الثانية) من (خ)، وهي موافقة لما في الموطأ. (٤) الاستذكار ٤ / ١٤٧ . (٥) في سنن الترمذي (٣٥٢٢). وهو في مسند أحمد (٢٦٦٧٩) ومعاذ المذكور: هو ابن معاذ بن نصر العنبري، أحد رجال الإسناد . ٣٢ سورة آل عمران: الآية ٨ وقرأ أبو واقد والجرَّاح(١): ((لا تَزِعْ قُلُوبُنا)) بإسناد الفعل إلى القلوب، وهذه رغبةٌ إلى الله تعالى. ومعنى الآية على القراءتين: أي: لا يكون(٢) منك خلقُ الزَّيغ فيها فتزيغ . الثانية: قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنكَ رَحْمَةٌ﴾ أي: من عندِك، ومن قِبَلك تفضُّلاً، لا عن سببٍ منَّا ولا عمل، وفي هذا استسلامٌ وتَطارُح(٣). وفي (لَدُنْ)) أربع لغات: لَدُن بفتحِ اللَّام وضم الدَّال وجَزْمِ النُّون، وهي أفصحُها. وبفتح اللَّام وضمِّ الدَّال وحذف النُّون. وبضم اللَّم وجَزْمِ الدَّال وفتح النون. وبفتح اللَّام وسكون الدَّال وفتح النون (٤). ولعل جُّال المتصوِّفة وزنادقةَ الباطنية يتشبَّئون بهذه الآية وأمثالها فيقولون: العلم ما وهبه اللّه ابتداءً من غير كَسْب، والنظرُ في الكتب والأوراق حجاب. وهذا مردود على ما يأتي بيانُه في غير(٥) هذا الموضع. ومعنى الآية: هب لنا نعيماً صادراً عن الرحمة؛ لأنَّ الرحمةَ راجعةٌ إلى صفة الذَّاتِ، فلا تتصوَّرُ فيها الهبة(٦). يقال: وَهب يَهَب، والأصل: يَوهِب بكسر الهاء. ومن قال: الأصل يَوهَب بفتح الهاء فقد أخطأ؛ لأنَّه لو كان كما قال لم تُحذف الواو، كما لم تُحذف في يَوْجَل. وإنما حُذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة؛ ثم فُتحَ بعدَ حذفِها؛ لأنَّ فيه حرفاً من حروف الحَلْق. (١) في (م) والمحتسب ١/ ١٥٤: أبو واقد الجراح، والمثبت من النسخ الخطية والمحرر الوجيز ٤٠٤/١ والكلام منه. ونسب ابن خالويه ص ١٩ القراءة لعمرو بن فايد، والجحدري. والجراح: لعله ابن عبد الله أبو عقبة الحَكّمي، وليّ البصرة وغيرها، كان بطلاً شجاعاً، عابداً قارئاً. السير ١٨٩/٥. (٢) في (م): ألا يكون، وفي المحرر ٤٠٤/١ (وعنه نقل المصنف): أن لا يكن. (٣) المحرر الوجيز ٤٠٤/١ - ٤٠٥ . (٤) ذكر لها النحاس في إعراب القرآن ٣٥٧/١ عشر لغات. (٥) لفظ: غير، من (ظ) و (خ). وسيتكلم المصنف في هذا الموضوع في المسألة الثالثة من تفسير قوله تعالى في سورة الكهف ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنَّ أَمْرِئَّ﴾ (الآية: ٨٢). (٦) المحرر الوجيز ٤٠٥/١. ٣٣ سورة آل عمران: الآيتان ٩ -١٠ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَآَ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّ رَيْبَ فِيَةٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ(Q)) . أي: باعثُهم ومحييهم بعد تفرُّقهم، وفي هذا إقرارٌ بالبَعْث ليوم القيامة. قال الزَّجاج (١): هذا هو التأويلُ الذي عَلِمه الراسخون وأقرُّوا به، وخالف الذين اتَّبعوا ما تشابَه عليهم من أمر البعث حين(٢) أنكروه. والرَّيْبُ الشَّكُّ، وقد تقدَّمت محَامِلُه في البقرة(٣). والميعاد: مِفْعَال من الوعد (٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَهُهُم ◌ِّنَ الَّهِ شَّْ وَأُوْلَكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ معناه بَيِّنٌ، أي: لن تدفعَ عنهم أموالُهم ولا أولادُهم من عذابِ اللّهِ شيئاً. وقرأ السُّلَميُّ: (لَنْ يُغْنِيّ)) بالياء لتقدُّم الفعل، ودخولِ الحائل بين الاسم والفعل(٥) . وقرأ الحسن: ((يُغْني)) بالياء(٦) وسكون الياء الآخرة للتخفيف؛ كقول الشاعر(٧): كفَى باليَأْسِ من أسماءَ كَافي وليسَ لِسُقْمِها إذْ طالَ شافي وكان حقُّه أنْ يقول: كافياً، فأرسلَ الياءَ. وأنشد الفرَّاء في مثله: (١) في معاني القرآن ٣٧٩/١. (٢) في (م) حتى. (٣) ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦ . (٤) المحرر الوجيز ٤٠٥/١ وعنه نقل المصنف كلام الزجاج. (٥) ذكر قراءة السلمي النحاس في إعراب القرآن ٣٥٨/١، وابن عطية في المحرر الوجيز ٤٠٥/١ ووقع في القراءات الشاذة ص ١٩ : لن تُغنيّ عنهم، بإسكان الياء للسلمي عن علي. (٦) في النسخ: تغني بالتاء، وقيدها أبو حيان في البحر ٣٨٨/٢ فقال: بالياء أولاً، وبالياء الساكنة آخراً، وذلك لاستثقال الحركة في حرف اللين، وإجراء المنصوب مجرى المرفوع. وكذا قيدها السمين الحلبي في الدر المصون ٣٥/٣ . (٧) هو بشر بن أبي خازم، والبيت في ديوانه ص ١٦٢، وخزانة الأدب ٤٣٩/٤. ٣٤ سورة آل عمران: الآية ١٠ أيدي جَوَارٍ يَتَعاطَيْن الوَرِق(١) كأنَّ أيدِيهِنَّ بالقاعِ القَرِقْ القَرِقُ والقَرِقَة لُغتان في القاع. و((من)) في قوله: ((مِن اللّهِ)) بمعنى عند، قاله أبو عبيدة(٢). ﴿وَأُوْلَكَ هُمْ وَقُدُ النَّارِ﴾ الوَقُود اسم للحطب، وقد تقدَّم في البقرة(٣). وقرأ الحسنُ ومجاهد وطلحةُ بن مُصَرِّف: ((وُقُود)» بضمِّ الواو على حذف مضاف تقديرهُ حطبُ وُقودِ النَّارِ (٤). ويجوزُ في العربية إذا ضمَّ الواو أن تقول: أُقُود، مثل أُقْتَتْ(٥). والوقود بضمِّ الواو المصدر؛ وَقَّدَتِ النَّار تَقِدُ: إذا اشتعلَتْ(٦). وخرَّج ابنُ المبارك(٧) من حديث العبّاس بن عبد المطلب قال: قال رسول اللّه ثا: ((يظهرُ هذا الدِّين حتى يجاوِزَ البحارَ، وحتى تُخاضَ البحارُ بالخيل في سبيل الله تبارك وتعالى، ثم يأتي أقوامٌ يقرؤون القرآن، فإذا قَرؤوه قالوا: مَنْ أقْرَأُ مِنَّا، من أعْلَمُ منَّا؟)) ثم التفت إلى أصحابه فقال: ((هل ترون في أولئكُم مِنْ خَير؟)) قالوا: لا. قال: ((أولئك منكم، وأولئك من هذه الأمَّة، وأولئك هم وقود النار)). (١) الرجز لرؤبة بن العجاج، وهو في ملحقات ديوانه ص١٧٩. وهو في الكامل ص ٩٠٩، والخصائص ٣٠٦/١ و٢٩١/٢، والمحتسب ١٢٦/١ و٢٨٩، وأمالي المرتضى ٥٦١/١، وأمالي ابن الشجري ١٥٨/١، والصحاح واللسان (فرق)، ومجمل اللغة ٧٤٩، وتهذيب اللغة ١٠٧/١٥، وخزانة الأدب ٣٤٧/٨ . قال البغدادي في الخزانة: ضمير أيديهن للإبل، والقاع: هو المكان المستوي، والقَرِق بفتح القاف الأولى وكسر الراء: الأملس، وجَوارٍ جمع جارية، ويتعاطَّيْنَ: يناول بعضهن بعضاً، والوَرِق: الدراهم. (٢) في مجاز القرآن ٨٧/١، وتفسير البغوي ٢٨١/١ وعنه نقل المصنف. (٣) ٣٥٤/١ . (٤) المحرر الوجيز ٤٠٥/١. وذكر القراءة النحاس في إعراب القرآن ٣٥٨/١، وابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٩ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٥٨/١. (٦) المحرر الوجيز ٤٠٥/١ . (٧) في الزهد والرقاق (٤٥٠)، وسلف ٣٤/١. ٣٥ سورة آل عمران: الآية ١١ قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْمِقَابِ الدَّأْبُ: العادة والشَّأنُ. ودَأَبَ الرجلُ في عمله يَذْأَبُ دَأْباً ودُؤوباً: إذا جَدَّ واجتهدَ، وأدأبتُه أنا. وأَدْأَبَ بعيرَه: إذا جَهَدَه في السِّير. والدَّائبان: الليلُ والنَّهارُ(١). قال أبو حاتم: وسمعتُ يعقوبَ يذكر: ((كدَأَبٍ)) بفتح الهمزة، وقال لي وأنا غُلَيِّمٌ: على أيِّ شيءٍ يجوزُ ((كَدَأَبٍ))؟ فقلت له: أظنُّه من دَئِبَ يذْأَب دَأَباً، فقبل ذلك مني، وتعجَّب من جَودَةِ تقديري على صغري؛ ولا أدري أيُقالُ [ذلك] أم لا. قال النَّحاسُ(٢): وهذا القولُ خطأ، لا يُقال البتّة: دَيْب، وإنما يُقال: دَأَب يَذْأَب دُؤُوْباً [ودَأْباً]، هكذا حكى النَّخويونَ، منهم الفرَّاء، حكاه في كتاب المصادر؛ كما قال امرؤ القيس(٣): كدأُبِك مِنْ أمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها وجارَتِها أمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَلٍ فأما الدَّأَب فإنَّه يجوزُ؛ كما يقال: شَعْرٌ وشَعَرٌ، ونَهْرٌ ونَهَرٌ؛ لأن فيه حرفاً من حروف الحلق. واختلفوا في الكاف، فقيل: هي في موضع رفع، تقديره: دَأُبُهم كدَأُب آل فرعون، أي: صنيع الكفَّار معَك كصنيع آلِ فرعونَ مع موسى (٤). وزَعَم الفَّراء أن المعنى: كَفَرَت العَرَبُ [كُفراً] ككُفرِ آلٍ فرعون(٥) قال النَّحاس(٦): لا يجوزُ أن تكونَ الكافُ متعلِّقةً بكفروا؛ لأن كفروا داخلةٌ في الصِّلة [وكدأب خارج منها]. (١) الصحاح (دأب). (٢) في إعراب القرآن له ٣٥٩/١، وعنه نقل المصنف قول أبي حاتم، وما بين حاصرتين منه. (٣) ديوانه ص٩، وفيه: كدِيْنكَ، وتفسير الطبري ٢٣٧/٥، وإعراب القرآن للنحاس ٣٥٩/١، وسلف ٢٢٢/١. (٤) معاني القرآن للنحاس ٣٥٧/١، وتفسير أبي الليث ٢٤٨/١ . (٥) معاني القرآن للفراء ١/ ١٩١، وفيه: كفرت اليهود. (٦) في إعراب القرآن له ٣٥٩/١، وعنه نقل المصنف كلام الفراء، وما سلف وما سيرد بين حاصرتين منه. ٣٦ سورة آل عمران: الآيتان ١١ - ١٢ وقيل: هي متعلقةٌ بـ «أَخَذَهُمُ اللّه))، أي: أخذهم أَخْذاً كما أخذ آلَ فرعون. وقيل: هي متعلقةٌ بقوله: ﴿لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلََّ أَوْلَدُهُم (١)﴾ أي: لم تُغْنِ عنهم غَنَاءً، كما لم تُغنِ الأموالُ والأولادُ عن آل فرعون. وهذا جوابٌ لمن تخلّف عن الجهاد وقال: شغَلَتنا أموالُنا وأهلونا . ويَصِحُّ أن يعملَ فيهِ فِعْلٌ مقدَّرٌ من لفظ الوقود، ويكون التَّشبيهُ في نفس الاحتراق. ويؤيد هذا المعنى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ﴾(٢) [غافر: ٤٦]، والقول الأوَّل أرجحُ، واختاره غيرُ واحد من العلماء. قال ابنُ عرفة: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾ أي: كعادةٍ آلٍ فرعونَ. يقولُ: اعتادَ هؤلاءِ الكَفَرةُ الإلحادَ والإعناتَ للنبيِّ :﴿، كما اعتادَ آل فرعونَ من إعنات الأنبياء، وقال معناه الأزهريُّ(٣). فأمَّا قوله في سورة الأنفال: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾ [٥٢]، فالمعنى: جُوزيَ هؤلاءِ بالقتل والأسر كما جُوزِي آل فرعونَ بالغَرقِ والهلاكِ(٤). قوله تعالى: ﴿بَِايَتِنَا﴾ يحتملُ أن يُرِيدَ الآياتِ المتلوَّة، ويحتملُ أنْ يُريدَ الآياتِ المنصوبةَ للدَّلالة على الوحدانيَّةِ(٥). ﴿فَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْمِقَابِ﴾ . قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتَحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّهٌ وَرِفْسَ ٠ الْمِهَادُ يعني اليهود. قال محمد بن إسحاق: لمَّا أصابَ رسولُ اللّه ﴾ قريشاً ببدرٍ وقَدم المدينةَ، جَمَعَ اليهودَ فقال: ((يا معشرَ اليهودِ، احذروا من اللّه مِثْلَ ما نزلَ بقريش يومَ بدرٍ ، [وأسلموا] قبلَ أنْ ينزلَ بكم ما نزلَ بهم، فقد عَرَفتم أني نبيٌّ مرسلٌ، تجدونَ (١) معاني القرآن للنحاس ٣٥٩/١. (٢) في النسخ والمحرر الوجيز ٤٠٥/١ (وعنه نقل المصنف): ((أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، النار يعرضون عليها غدواً وعشياً)). (٣) في تهذيب اللغة ٢٠٢/١٤ . (٤) الغريبين للهروي ٢/ لوحة ١، وعنه نقل المصنف كلام ابن عرفة والأزهري. (٥) المحرر الوجيز ٤٠٥/١ . ٣٧ سورة آل عمران: الآيتان ١٢ - ١٣ ذلك في كتابكم وعهد اللّه إليكم))، فقالوا: يا محمد، لا يغرَّنَّك أنكَ قتلت قوماً (١) أغْمَاراً (٢) لا علم لهم بالحرب، فأصبت فيهم فُرصة، والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن النَّاسُ. فأنزل اللّه تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ﴾ بالتاء، يعني اليهود، أي: تُهزَمون ﴿ وَتُخْتَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌ﴾ في الآخرة. فهذه روايةٌ عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس(٣). وفي رواية أبي صالح عنه: أن اليهود لمَّا فرِحوا بما أصاب المسلمين يوم أُحُد نزلت(٤). فالمعنى على هذا: ((سَيُغْلَبُونَ)) بالياء، يعني قريشاً، ((ويُخْشَرُونَ)) بالياء فيهما، وهي قراءةُ نافع(٥) . قوله تعالى: ﴿ وَيِفْسَ آلْمِهَادُ﴾ يعني جهنم؛ هذا ظاهر الآية. وقال مجاهد: المعنى: بئس ما مهدوا لأنفسهم، فكأنَّ المعنى، بئسَ فعلُهم الذي أدَّاهم إلى (٦) جهنم(٦). قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ الْتَقَتَّا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلٍ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ﴾ أي: علامة. وقال: ((كان)) ولم يقل: (١) في (د) و (م): أقواماً. (٢) الأغمار: جمع غُمْر؛ وهو مَن لم يجرِّب الأمور. القاموس (غمر). (٣) أسباب النزول للواحدي ص ٩١- ٩٢، وما بين حاصرتين منه، وتفسير البغوي ٢٨٢/١. وأخرجه أبو داود (٣٠٠١)، والطبري ٢٣٩/٥، والبيهقي في دلائل النبوة ١٧٣/٣-١٧٤. ورواية الطبري والبيهقي: عن سعيد بن جبير أو عكرمة، بالشك بينهما، قال الحافظ ابن حجر في العجاب ٢٠٦/١: هذا السند بالشك، ولا يضر لكونه يدور على ثقة. اهـ. وهو على الشك كذلك في سيرة ابن هشام ٢/ ٤٧ . (٤) أسباب النزول للواحدي ص ٩١، وتفسير البغوي ٢٨٢/١ . (٥) كذا ذكر المصنف رحمه الله عن نافع، وهو وهم منه، فإن قراءة نافع بالتاء من فوق في (ستغلبون وتحشرون )، والذي قرأ بالياء في (ستغلبون وتحشرون) هو حمزة والكسائي. انظر السبعة ص٢٠١، والتيسير ص٨٦ . (٦) المحرر الوجيز ٤٠٦/١، وأخرج قول مجاهد الطبري ٢٤١/٥. ٣٨ سورة آل عمران: الآية ١٣ كانت؛ لأنَّ ((آية)) تأنيثُها غيرُ حقيقي. وقيل: ردَّها إلى البيان، أي: قد كان لكم بيان، فذهبَ إلى المعنى وترك اللَّفظ، كقول امرئ القيس: بَرَهْرَهَةٌ رُؤْدَةٌ رَخْصَةٌ كخُرْعُوبَةِ البانّةِ المُنْفَطِرْ(١) ولم يقل: المنفطرة، لأنه ذهب إلى القضيب. وقال الفرّاء: ذَّره لأنه فرَّقَ بينهما بالصفة، فلما حالت الصفةُ بين الاسم والفعل ذُكِّر الفعل(٢). وقد مضى هذا المعنى في البقرة في قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ﴾ [الآية: ١٨٠] ﴿فِ فِتَتَيْنِ اَلْتَقَتَّا﴾ يعني المسلمين والمشركين يومَ بدر. ﴿فِئَةٌ﴾ قرأ الجمهور: ﴿فئةٌ﴾ بالرفع، بمعنى: إحداهما فئةٌ. وقرأ الحسن ومجاهد: ((فِئةٍ)) بالخفض، ((وأُخْرَى كَافِرةٍ)) على البدل. وقرأ ابن أبي عَبْلة بالنصب فيهما. قال أحمد بن يحيى: ويجوز النصب على الحال، أي: التقتا مختلفتين مؤمنةً وكافرةً. قال الزجَّاج: النصب بمعنى: أعني(٣). وسمِّيت الجماعةُ من الناس فئةً، لأنها يُفَاءُ إليها - أي: يُرجع(٤) - في وقت الشِّدة. وقال الزجَّاج(٥): الفئة الفرقة، مأخوذ(٦) من: فَأَوْتُ رأسَه بالسيف - ويقال: فَأَيْتُه - إذا فَلَقْتَهِ(٧) . (١) ديوان امرئ القيس ص ١٥٧، وقد سلف ١١٥/٣. (٢) ذكره البغوي في تفسيره ٢٨٢/١ . (٣) انظر معاني القرآن للزجاج ٣٨٢/١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٥٩/١ - ٣٦٠، والمحرر الوجيز ٤٠٨/١، وقراءة ((فئةٍ)) بالخفض نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٩ للزهري ومجاهد، وزاد ابن عطية نسبتها إلى حُميد بن قيس. وقراءة ابن أبي عبلة ذكرها ابن خالويه أيضاً. (٤) في (م): يرجع إليها. (٥) في معاني القرآن ١/ ٣٨١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٠٧/١، والكلام الذي قبله منه. (٦) في (م): مأخوذة. (٧) في النسخ الخطية: قلعته، والمثبت من معاني القرآن للزجاج والمحرر الوجيز. ٣٥ سورة آل عمران: الآية ١٣ ولا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بَذْر. واختلف مَن المخاطب بها، فقيل: يحتمل أن يُخاطبَ بها المؤمنون، ويحتمل أن يُخاطب بها جميعُ الكفار، ويحتمل أن يُخاطب بها يهودُ المدينة، وبكل احتمال منها قد قال قوم. وفائدةٌ الخِطاب للمؤمنين تثبيتُ النفوس وتشجيعُها حتى يُقدِموا على مِثْلَيْهم وأمثالهم كما قد وقع(١). قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾، قال أبو علي(٢): الرؤية في هذه الآية رؤيةُ عين، ولذلك تعدَّتْ إلى مفعول واحد. قال مكيّ (٣) والمهدويّ: يدلّ عليه: ((رَأْيَ الْعَيْنِ)). وقرأ نافع: ((تَرَوْنَهُم)) بالتاء، والباقون بالياءِ(٤) . ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ نصب على الحال من الهاء والميم في ((ترونهم)). والجمهور من الناس على أنَّ الفاعل بـ ((ترون)) هم المؤمنون، والضمير المتصل هو للكفار (٥). وأنكر أبو عمرو أن يُقرأ: ((ترونهم)) بالتاء، قال: ولو كان كذلك لكان: مِثْليكم. قال النحاس(٦): وذا لا يلزم، ولكن يجوز أن يكون: مِثْلي أصحابكم. قال مكيّ (٧): (تَرَوْنَهُم)) بالتاء جرى على الخطاب في ((لَكُم))، فيحسُن أن يكون الخطاب للمسلمين، والهاء والميم للمشركين. وقد كان يلزمُ من قرأ بالتاء أن يقرأ: مِثْلَيْكم، بالكاف، وذلك لا يجوزُ لمخالفة الخطّ، ولكن جرى الكلامُ على الخروج من الخطاب إلى الغَيْبة، كقوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم ﴾ [يونس: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَيْتُم مِّن زَگوقٍ﴾ [الروم: ٣٩] فخاطب، ثم قال: ﴿ فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ فرجَع إلى الغَيْبة. (١) انظر المحرر الوجيز ٤٠٦/١ . (٢) في الحجة للقراء السبعة ١٩/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٠٧/١. (٣) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ٣٣٧/١ . (٤) انظر السبعة ص ٢٠١- ٢٠٢، والتيسير ص ٨٦. (٥) المحرر الوجيز ١/ ٤٠٧ . (٦) في معاني القرآن ١/ ٣٦٢، والكلام الذي قبله منه. (٧) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ٣٣٦/١ . ٤٠ سورة آل عمران: الآية ١٣ فالهاء والميم في ((مِثْلَيْهِمْ)) يحتمل أن يكون للمشركين، أي: ترون أيها المسلمون المشركين مثلَيْ ما هم عليه من العدد، وهو بعيد في المعنى، لأن اللّه تعالى لم يُكْثِ المشركين في أَعين المسلمين، بل أَعْلَمنا أنه قلَّلَهم في أعين المؤمنين، فيكون المعنى: تَرون أيها المؤمنون المشركين مِثْلَيْكم في العدد، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلَّلَ اللّه المشركين في أعين المسلمين، فأراهم إيّاهم مِثْلَيْ عِدَّتِهم لتقوّى أنفسُهم ويقعَ التجاسُر، وقد كانوا أُعلِموا أنَّ المئة منهم تغلب المئتين من الكفار، وقلَّل المسلمين في أعين المشركين لِيَجْتَرئوا عليهم، فينْفُذَ حكمُ اللّه فيهم. ويحتمل أن يكون الضمير في ((مِثليْهِم)) للمسلمين، أي: تَرون أيها المسلمون المسلمين مِثْلَيْ ما أنتم عليه من العدد، أي: تَرون أنفسَكم مِثْلَيْ عددِكم، فعل اللّهُ ذلك بهم لتقوى أنفسُهم على لقاء المشركين. والتأويل الأوّل أولى، يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٣] وقوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُهُمْ إِذِ اُلْتَقَيْتُمْ فِىَ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٤]. ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أظنهم مئةً. فلما أخذنا الأُسارَى أخبرونا أنهم كانوا ألفاً (١). وحكى الطبريّ عن قوم أنهم قالوا: بل كَثَّر اللّه عددَ المؤمنين في عيون الكافرين حتى كانوا عندهم ضِعفيْهم. وضعَّف الطبري هذا القول(٢). قال ابن عطية (٣): وكذلك هو مردودٌ من جهات. بل قلَّل الله المشركين في أعين المؤمنين كما تقدّم. وعلى هذا التأويل كان يكون ((ترون)) للكافرين، أي: ترون أيها الكافرون المؤمنين مِثْليهم، ويحتمل مِثْليكم، على ما تقدَّم. وزعم الفرّاء (٤) أنّ معنى(٥) ((ترؤْنَهم مثلَيْهم)) ثلاثةَ أمثالهم. وهو بعيدٌ غير معروف (١) أخرجه الطبري ٢٣٦/٦ بنحوه. (٢) انظر تفسير الطبري ٢٣٩/٦. (٣) في المحرر الوجيز ١/ ٤٠٧، ونقل عنه المصنف أثر ابن مسعود وقول الطبري السالفين. (٤) في معاني القرآن له ١٩٤/١. (٥) في (خ) و(ز) و(م): المعنى.