Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ سورة البقرة : الآية ٢٨٣ قال المحاسبيُّ في كلام طويلٍ له: ولقد بلغني أنه لما تُوفيِّ عبد الرحمن بنُ عَوْف؛ قال ناسٌ من أصحاب رسول الله وَّه: إنما نخاف على عبد الرحمن فيما ترك. فقال كَعْب: سبحان الله! وما تخافون على عبد الرحمن؟ كسَبَ طَيِّبًا وأنفق طيًِّا وترك طيِّبًا. فبلغ ذلك أبا ذَرِّ، فخرج مُغْضَبًا يريد كعبًا، فمرَّ بلَخي(١) بعير فأخذه بيده، ثم انطلق يطلب كعبًا، فقيل لكعب: إنَّ أبا ذَرِّ يطلبك. فخرج هاربًا حتى دخل على عثمانَ يستغيثُ به، وأخبره الخبر. فأقْبَلَ أبو ذرّ يقتصُّ(٢) الأثرَ في طلبٍ گغْب حتی انتھی إلی دار عثمان، فلما دخل قام کعب، فجلس خلف عثمان هارباً من أبي ذرّ، فقال له أبو ذرّ: يا ابن اليهودية، تزعم أنْ لا بأسَ بما تركه عبد الرحمن! لقد خرج رسول الله وَ ل# يوماً فقال: ((الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا))(٣). قال المحاسبي: فهذا عبد الرحمن مع فضله يُوقفُ في عَرْصَة القيامةِ(٤) بسبب ما كسبه من حلال؛ للتَّعفف وصنائع المعروف، فيمنع السَّعيَ إلى الجنة مع الفقراء، وصار يَحُبُو في آثارهم حَبْوًا(٥) .. إلى غير ذلك من كلامه. ذكره أبو حامد وشيَّده وقوَّاه بحديث ثعلبةَ، وأنه أعطِي المالَ، فمنع الزكاة(٦). (١) قوله: بلَخي: حائط الفم، وهو العظم الذي فيه الأسنان من داخل الفم، ويكون للإنسان والدابة. انظر اللسان (لحا). (٢) في (م): يقص. (٣) أخرجه أحمد (٢١٣٤٧)، والبخاري (٢٣٨٨)، ومسلم ص ٦٨٧ -٦٨٨ (٣٢) مطولاً دون قصة كعب الأحبار وإنكار أبي ذر عليه. قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ٢٦٦/٣: لم أقف على هذه الزيادة إلا في قول الحارث بن أسد المحاسبي بلغني كما ذكره المصنف (يعني الغزالي)، وقد رواها أحمد [(٤٥٣)]، وأبو يعلى أخصر من هذا ... ، وفيه ابن لهيعة. (٤) في (م): عرصة يوم القيامة. (٥) إشارة إلى حديث منكر، سيذكره المصنف فيما ينقله عن ابن الجوزي. (٦) في الإحياء ٢٦٦/٣-٢٦٧، و٢٧١-٢٧٢. وحديث ثعلبة أخرجه الطبري ٥٧٧/١١-٥٨٠، وابن قانع في معجمه ١٢٤/١، والطبراني في الكبير (٧٨٧٣) والبيهقي في الشعب (٤٣٥٧)، وابن عبد البر في الاستيعاب ٩١/٢ من طريق علي بن يزيد الألهاني عن القاسم عن أبي أمامة. قال البيهقي: في إسناد هذا الحديث نظر. وقال الذهبي في التجريد ص٦٦: حديث منكر بمرة. وقال الحافظ في الإصابة ١٩/١: لا أظنه يصح. [يعني الخبر]. وقال الهيثمي في المجمع ٣٢/٧: في إسناده يزيد بن علي الألهاني، وهو متروك. ٤٨٢ سورة البقرة : الآية ٢٨٣ قال أبو حامد (١): فمن راقب أحوالَ الأنبياءِ والأولياءِ وأقوالَهم لم يشكّ في أنَّ فقدَ المالِ أفضلُ من وجوده، وإنْ صُرف إلى الخيرات؛ إذْ أقلُّ ما فيه اشتغالُ الهِمَّة بإصلاحه عن ذكر الله، فينبغي للمريد أنْ يخرجَ عن ماله حتى لا يبقى له إلا قدرُ ضرورته، فما بقي له درهمٌ يلتفتُ إليه قلبه فهو محجوبٌ عن الله تعالی. قال الجوزِيّ(٢): وهذا كلُّه خلافُ الشرعِ والعقلِ، وسوءُ فهم المرادِ بالمال، وقد شرَّفه الله، وعظّم قدرَه، وأمر بحفظه، إذْ جعله قِوامًا للآدميّ، وما جُعل قِوَاماً للآدميّ الشريفِ فهو شريفٌ، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَ أَمْوَلَكُمُ أَلَِّ جَعَلَ اَللَّهُ لَكُنْ قِبَمًا﴾. ونهى جلَّ وعزَّ أنْ يُسلَّمَ المالُ إلى غير رشيدٍ، فقال: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَقْوٌَ﴾. ونهى النبيُّ وَ لّهِ عن إضاعة المالِ(٣)، وقال لسعد: ((إنك أن تذرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أنْ تذرَهم عالةً يتكفّفون الناس)) (٤). وقال: ((ما نفعني مالٌ كمال أبي بكر»(٥). وقال لعمرو بن العاص: ((نِعم المالُ الصالحُ للرجل الصالح))(٦). ودعا لأنس، وكان في آخر دعائه: ((اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيه))(٧). وقال كعب: يا رسولَ الله، إنَّ من توبتي أنْ أنخلِعَ من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله. فقال: ((أمسِك عليك بعضَ مالك، فهو خير لك))(٨). قال الجوزِيّ(٩): هذه الأحاديثُ مُخرَّجةٌ في الصحاح ، وهي على خلافٍ ما (١) في الإحياء ٢٧٣/٣. (٢) في تلبيس إبليس ص١٧٣ . (٣) أخرجه أحمد (١٨١٧٩)، والبخاري (١٤٧٧)، ومسلم (١٣٤١/٣ (٥٩٣) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. (٤) سلف ذكره ٩٦/٣. (٥) أخرجه أحمد (٧٤٤٦)، والترمذي (٣٦٦١)، والنسائي في الكبرى (٨٠٥٦)، وابن ماجه (٩٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٦) أخرجه أحمد (١٧٤٦٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٩٩). (٧) أخرجه أحمد (١٣٠١٣)، والبخاري (٦٣٤٤) ومسلم (٢٤٨٠) ضمن قصة. (٨) قطعة من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه أخرجه مطولاً ومختصراً أحمد (١٥٧٨٩) والبخاري (٤٦٧٦) ومسلم (٢٧٦٩). (٩) في تلبيس إبليس ص١٧٤ . ٤٨٣ سورة البقرة : الآية ٢٨٣ تعتقده المتصوِّفةُ من أنَّ إكثارَ المالِ حجابٌ وعقوبة، وأنَّ حَبْسَه يُنافي التوَكُل، ولا يُنكَر أنه يُخاف من فِتنته، وأنَّ خلقاً كثيرًا اجتنبوه لخوف ذلك، وأنَّ جمعه من وجهه لَيعِزُّ، وأنَّ سلامةَ القلبِ من الافتتان به تَقلُّ، واشتغال القلب مع وجوده بذكر الآخرةِ یندُر؛ فلهذا خيف فتنته. فأما كسبُ المالِ؛ فإنَّ من اقتصر على كسب البُلْغَةِ من حِلُّها فذلك أمرٌ لا بدّ منه، وأما من قصد جمعَه والاستكثارَ منه من الحلال؛ نُظِر في مقصوده؛ فإنْ قَصَد نفسَ المفاخرةِ والمباهاةِ فبئس المقصود، وإنْ قصَدَ إعفاف نفسِه وعائلتِه، واآخر لحوادث زمانِه وزمانهم، وقَصَد التوسِعةَ على الإخوانِ وإغناءَ الفقراءِ وفعلَ المصالحِ؛ أُثِيب على قصده، وكان جمعُه بهذه النية أفضلَ من كثيرٍ من الطاعات. وقد كانت نياتُ خلقٍ كثيرٍ من الصحابة في جمع المالِ سليمةً لحسن مقاصدِهم بجمعه؛ فحرَصوا عليه، وسألوا زيادته. ولما أقطع النبيُّ وَّهِ الزُّبير حُضْرَ فرسِه؛ أجْرَى الفرسَ حتى قام، ثم رمى سوطَه، فقال: ((أعطوه حيثُ بلغَ سَوْطُه))(١). وكان سعد بنُ عبادة يقول في دعائه: اللهم وَسِّعْ عليَّ. وقال إخوة يوسف: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥]. وقال شعيب لموسى: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ﴾ [القصص: ٢٧]. وإنَّ أيّوبَ لما عُوفي نُثِرَ عليه رِجْلٌ مِن جَراد مِن ذهب؛ فأخذ يَحْثي في ثوبه ويستكثر منه، فقيل له: أما شَبِعْتَ؟ فقال: يا ربّ، فقيرٌ يشبعُ من فضلك(٢)؟. وهذا أمرٌ مَرْكُوزٌ في الطباع. وأما كلامُ المُحَاسِبِيِّ فخطأٌ يدلُّ على الجهل بالعلم، وما ذكره من حديث گَعْبٍ (١) أخرجه أحمد (٦٤٥٨)، وأبو داود (٣٠٧٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وفي إسناده عبد الله العمري، وهو ضعيف، وقد جاء في صحيح البخاري (٣١٥١) و(٥٢٢٤) - وهو في مسند أحمد (٢٦٩٣٧) - من حديث أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ولو على رأسي، وهي منّي على ثلثي فرسخ. وعلق البخاري عقب حديث (٣١٥١) بصيغة الجزم، عن أبي ضمرة، عن هشام، عن أبيه مرسلاً أنَّ النبي أقطع الزبير أرضاً من أموال بني النضير، وقوله: حُضْر بالضم: العَدو، وأحضر يحضر فهو محضر إذا عدًا. النهاية (حضر). (٢) أخرجه بنحوه أحمد (٨١٥٩) والبخاري (٣٣٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وسيرد في تفسير الآية (٢٥) من سورة ص. ٤٨٤ سورة البقرة : الآية ٢٨٣ وأبي ذَرِّ فمحال، من وضع الجهّال، وخفيَ عدمُ(١) صحته عنه للُحُوقه بالقوم(٢). وقد رُوي بعضُ هذا وإن كان طريقُه لا يثبت؛ لأنَّ في سنده ابنَ لَهِيعَة، وهو مطعونٌ فيه. قال يحيى: لا يحتجُ بحديثه. والصحيحُ في التاريخ أنَّ أبا ذرّ تُوفي سنةً خمسٍ وعشرين، وعبد الرحمن بنَ عوف توفي سنة اثنتين وثلاثين، فقد عاش بعد أبي ذرّ سبعَ سنين. ثم لفظُ ما ذكروه من حديثهم يدلُّ على أنَّ حديثهم موضوع، ثم كيف تقول الصحابة: إنَّا نخاف على عبد الرحمن! أوليس الإجماعُ منعقدًا على إباحةِ جمعِ المالِ من حِلُّه، فما وجهُ الخوفِ مع الإباحة؟ أوَ يأذنُ الشَّرعُ في شيءٍ، ثم يعاقِبُ عليه؟ هذا قلةُ فهمٍ وفقهٍ. ثم أيُنكِر أبو ذرّ على عبد الرحمن، وعبد الرحمن خيرٌ من أبي ذرِّ بما لا يتقارب؟ ثم تعلُّقُه بعبد الرحمن وحدَه دليلٌ على أنه لم يَسْبُر سِيَرَ الصحابة؛ فإنه قد خلَّف طلحةُ ثلاثَ مئة بُهار؛ في كل بُهار ثلاثةُ قناطير. والبُهار: الحِمل. وكان مالُ الزبير خمسينَ ألف ألف(٣) ومئتي ألف. وخلَّف ابنُ مسعود تسعين ألفًا. وأكثرُ الصحابة كسبوا الأموالَ وخلّفوها، ولم ينكر أحدٌ منهم على أحد. وأما قولُه: ((إن عبد الرحمن يَحْبُو حَبْوًا يوم القيامة))(٤)، فهذا دليلٌ على أنه ما عرف الحديث، وأعوذ بالله أنْ يحبوَ عبد الرحمن في القيامة، أُفَتَرَى من سبَق، وهو أحدُ العشرةِ المشهودِ لهم بالجنة ومن أهل بَذْرٍ والشُّورَى يحبو؟! ثم الحديثُ يرويه عُمارة بنُ زَاذَان؛ وقال البخاريّ: ربما اضطرب حديثه. وقال أحمد: يروي عن أنس أحاديثَ مناكير، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. وقال الدارقطني: ضعيف. (١) في (خ) و(ظ): خفي صحته، وفي (م): خفيت صحته، والمثبت من (د). (٢) عبارة ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص ١٧٥: وخفاء صحته عنه ألحقه بالقوم. (٣) في (د) و(م): خمسين ألفاً، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لتلبيس إبليس ص ١٧٥ . (٤) هو قطعة من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها، أخرجه أحمد (٢٤٨٤٢) وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ٣٢٧/١ وقال: قال أحمد: هذا حديث كذب منكر. وقال الحافظ في القول المسدد ص٢٧: يكفينا شهادة الإمام أحمد بأنه كذب، وأولى محامله أن نقول: هو من الأحاديث التي أمر الإمام أحمد أن يضرب عليها، فإما أن يكون الضرب ترك سهواً، وإما أن يكون بعض من كتبه أخلّ بالضرب. ونقل ابن القيم في المنار المنيف ص ١٣٥ عن شيخ الإسلام ابن تيمية قولَه فيه: لا يصح عن النبي 18. ٤٨٥ سورة البقرة : الآية ٢٨٤ وقوله: تركُ المالِ الحلالِ أفضلُ من جمعه ليس كذلك، ومتى صَحَّ القصدُ فجمعُه أفضلُ بلا خلاف عند العلماء. وكان سعيد بنُ المسيب يقول: لا خيرَ فيمن لا يطلبُ المال، يقضي به دَيْنَه، ويصون به عِرضه، فإن مات؛ تركه ميراثاً لمن بعده. وخلّف ابن المسيب أربع مئة دينار، وخلّف سفيان الثوريُّ مئتين، وكان يقول: المال في هذا الزمانِ سلاح. وما زال السَّلف يمدحون المال، ويجمعونه للنوائب، وإعانةِ الفقراء؛ وإنما تحاماه قومٌ منهم إيثاراً للتَّشاغُل بالعبادات، وجمع الهمِّ، فقنعوا باليسير. فلو قال هذا القائل: إنَّ التقلُّلَ(١) منه أولى قرُبَ الأمر، ولکنه زاحم به مرتبةً الإثم. قلت: ومما يدلُّ على حفظ الأموال ومراعاتِها إباحةُ القتال دونها وعليها؛ قال ◌َله: ((من قُتل دونَ مالِه فهو شهيد))(٢). وسيأتي بيانه في ((المائدة)) إنْ شاء الله تعالى(٣). قوله تعالى: ﴿لِلَّ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُّوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهٌ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَلَهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ قوله تعالى: ﴿لِلَّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ تقدَّم معناه(٤). قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اَللَّهٌ﴾ فيه مسألتان(٥): الأولى: اختلف الناس في معنى قولِه تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ﴾ على أقوالٍ خمسة: (١) في (د) و(م): التقليل، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لتلبيس إبليس ص١٧٧، والكلام منه. (٢) أخرجه أحمد (٦٥٢٢)، والبخاري (٢٤٨٠) ومسلم (١٤١) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما . (٣) في تفسير الآية: (٣٣) منها . (٤) ص ٢٧١ من هذا الجزء. (٥) كذا وقع في النسخ، وليس فيها إلى الأولى. ٤٨٦ سورة البقرة : الآية ٢٨٤ الأوّل: أنها منسوخةٌ، قاله ابن عباس وابنُ مسعود وعائشةُ وأبو هريرة والشَّعبيُّ وعطاء ومحمد بنُّ سِيرين ومحمد بنُ كعب وموسى بنُ عُبَيْدَة وجماعةٌ من الصحابة والتابعين، وأنه بقي هذا التكليف حَوْلًا حتى أنزل الله الفرَجَ بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. وهو قولُ ابنٍ مسعود وعائشةً وعطاءٍ ومحمد بنٍ سيرين ومحمد بنِ كعب وغيرِهم(١). وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَشُبِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: دخل قلوبَهم منها شيءٌ لم يدخلْ قلوبَهم مِن شيء، فقال النبيُّ وَلحجر: ((قولوا: سمعنا وأطعنا وسلَّمنا))، قال: فألقى الله الإيمانَ في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتَّ رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َِّينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [قال: قد فعلت] ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرَّ كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ على الذين من قبلنا﴾ [قال: قد فعلت] ﴿َرَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً لَنَا بِهِهُ وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنْصُرْنَا عَلَى اُلْقَوْمِ الْكَفِنَ﴾ قال: قد فعلت(٢). في رواية فلما فعلوا ذلك نسخَها الله، ثم أنزل الله تعالى (٣): ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَأَ﴾(٤) وسيأتي. الثاني: قال ابن عباس وعِكرمةُ والشعبيُّ ومجاهد: إنها مُحْكَمَةٌ مخصوصة، وهي في معنى الشهادةِ التي نهى عن كَتْمِها، ثم أعلم في هذه الآية أنَّ الكاتم لها المخفي في نفسه(٥) محاسب(٦). الثالث: أنّ الآيةَ فيما يطرأ على النفوس من الشَّكّ واليقين؛ وقاله مجاهد أيضًا(٧). (١) انظر تفسير الطبري ١٣٠/٥-١٣٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٥٧٤ وتفسير البغوي ١/ ٢٧٢، ونواسخ القرآن لابن الجوزي ص٩٧ -٩٩. (٢) صحيح مسلم (١٢٦)، وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٢٠٧٠). (٣) في (م): ثم أنزل تعالى. (٤) هذه الرواية في صحيح مسلم (١٢٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهي عند أحمد (٩٣٤٤). (٥) في (م): المخفي ما في نفسه. (٦) المحرر الوجيز ٣٨٩/١، وانظر تفسير الطبري ١٢٩/٥ - ١٣٠ . (٧) أخرجه الطبري ١٤١/٥ . ٤٨٧ سورة البقرة : الآية ٢٨٤ الرابع: أنها محكمةٌ عامّةٌ غيرُ منسوخة، والله مُحاسِبٌ خلقَه على ما عملوا من عملٍ، وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في نفوسهم، وأضمروه ونوَوه وأرادوه، فيغفرُ للمؤمنين، ويأخذُ(١) به أهلَ الكفر والنفاق، ذكره الطبريّ عن قوم، وأدخل عن ابنِ عباس ما يُشِبه هذا(٢). رَوى عليّ (٣) بنُ أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال (٤): لم تنسخ، ولكن إذا جمع الله الخلائقَ يقول: ((إنّي أخبرُكم بما أكنتم في أنفسكم، فأما المؤمنون فيخبرُهم، ثم يغفرُ لهم، وأما أهلُ الشَّكِّ والرَّيبِ، فيخبرُهم بما أخفَوه من التكذيب))(٥)، فذلك قوله: ﴿يَُاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾، وهو قولُه عزَّ وجلّ: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِّ كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] من الشَّكِّ والنِّفاق. وقال الضحاك: يُعْلمه الله يومَ القيمة بما كان يُسرُّه ليعلمَ أنه لم يَخْفَ عليه. وفي الخبر: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: هذا يومٌ تُبلى فيه السرائر، وتخرج الضمائرُ، وإنَّ كُتَّابي لم يكتبوا إلا ما ظهر من أعمالكم، وأنا المطَّلعُ على ما لم يطّلعوا عليه، ولم يُخْبِرَوه ولا كتبوه، فأنا أخبرُكم بذلك، وأحاسبُكم عليه، فأغفرُ لمن أشاء، وأعذِّب من أشاء(٦)، فيغفر للمؤمنين ويعذِّبُ الكافرين، وهذا أصحُّ ما في الباب، يدلُّ عليه حديثُ النَّجْوَى على ما يأتي بيانه(٧). لا يقال: فقد ثبت عن النبيِّ ◌َّه: ((إن الله تجاوز لأمّتي عما حدَّثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به))(٨). فإنَّا نقول: ذلك محمولٌ على أحكام الدنيا، مثل الطلاق والعتاقِ والبيع التي لا يلزمه حكمُها ما لم يتكلم به، والذي ذُكر في الآية فيما يؤاخَذ العبدُ به بينه وبين الله تعالى في الآخرة. (١) في (ف): ويؤاخذ. (٢) تفسير الطبري ١٣٩/٥، والمحرر الوجيز ٣٨٩/١، وعنه نقل المصنف. (٣) في (د) و(م): رُوي عن علي، والمثبت من (خ) و(ظ). (٤) أخرجه الطبري ١٣٩/٥. (٥) أورده النحاس في معاني القرآن ٣٢٩/١. (٦) سيذكره المصنف قريباً. (٧) أخرجه الطبري ٥/ ١٤٠ من قول ابن عباس رضي الله عنه. (٨) أخرجه أحمد (٩١٠٨)، والبخاري (٥٢٢٩)، ومسلم (١٢٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحديث النجوى سيذكره المصنف قريباً . ٤٨٨ سورة البقرة : الآية ٢٨٤ وقال الحسن: الآية محكمةٌ ليست بمنسوخة. قال الطبريّ: وقال آخرون نحوَ هذا المعنى الذي ذُكر عن ابن عباس؛ إلا أنهم قالوا: إنَّ العذاب الذي يكون جزاءً لِمَا خَطَر في النفوس وصَحِبَه الفكرُ إنما (١) هو بمصائب الدُّنيا وآلامِها، وسائرٍ مكارهها. ثم أسند عن عائشةً نحوَ هذا المعنى، وهو القولُ الخامس، ورجَّح الطبريُّ أنّ الآيةَ محكمةٌ غيرُ منسوخة (٢). قال ابن عطية(٣): وهذا هو الصواب، وذلك أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَشُكُمْ أَوْ تُخْغُوهُ﴾ معناه مما هو في وُسعكم وتحت کسیکم، وذلك استصحابُ المعتقَدِ والفكر؛ فلما كان اللفظُ مما يمكنُ أنْ تَدخُلَ فيه الخواطرُ، أشْفَق الصحابة والنبيُّ نَّه، فبيَّن الله لهم ما أراد بالآية الأخرى، وخصَّصها، ونصَّ على حكمه أنه لا يكلفُ نفسًا إلا وسعها، والخواطرُ ليست هي ولا دفعُها في الوُسع، بل هي(٤) أمرٌ غالب، وليست مما يكتسب، فكان في هذا البيان فَرَجُهم وكشفُ كُرَیِهم، وباقي الآية محكمةٌ لا نسخَ فيها . ومما يدفع أمرَ النسخ أنَّ الآيةَ خبرٌ، والأخبار لا يدخلُها النسخ؛ فإن ذهب ذاهبٌ إلى تقدير النسخ، فإنما يترتَّب له في الحكم الذي لَحِقَ الصَّحابةَ حين فزعوا من الآية، وذلك أنَّ قولَ النَّبِيِّ وَ له لهم: ((قولوا سمعنا وأطعنا))(٥) يجيء منه الأمر بأنْ يثبتوا(٦) على هذا، ويلتزموه وينتظروا لطفَ اللهِ في الغفران. فإذا قُرّر هذا الحكمُ فصحيحٌ وقوعُ النَّسخ فيه، وتُشبه الآيةُ حينئذ قولَه تعالى: ﴿إِن يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَنَيْنَ﴾ [الأنفال: ٦٥]. فهذا لفظُه الخبرُ، ولكن معناه: التَّزِموا هذا، واثْبُتوا (٧) عليه واضِروا بحَسَبِهِ، ثم نُسخ بعد ذلك، وأجمع الناس فيما علمت (١) لفظة: إنما، من (م). (٢) تفسير الطبري ١٤١/٥-١٤٤، والمحرر الوجيز ٣٨٩/١، وعنه نقل المصنف. (٣) في المحرر الوجيز ٣٨٩/١-٣٩٠. (٤) في النسخ، والمحرر الوجيز: هو، والمثبت من (م). (٥) قطعة من حديث ابن عباس سلف ذكره قريباً. (٦) في (خ) و(ظ)، والمحرر الوجيز ٣٨٩/١: بينوا، والمثبت من (د) و(م). (٧) في (خ) و(ظ)، والمحرر الوجيز ٣٨٩/١: وابنوا، والمثبت من (د) و(م). ٤٨٩ سورة البقرة : الآية ٢٨٤ على أنَّ هذه الآيةَ في الجهاد منسوخةٌ بصبر المئة للمئتين. قال ابن عطية (١): وهذه الآيةُ التي(٢) في ((البقرة)) أشبهُ شيءٍ بها. وقيل: في الكلام إضمارٌ وتقييد، تقديره: يحاسبكم به الله إنْ شاء، وعلى هذا فلا نسخ. وقال النحاس(٣): ومن أحسنٍ ما قيل في الآية وأشبه بالظاهر قولُ ابن عباس: إنها عامّة، ثم أَدخل حديثَ ابنِ عمرَ في النَّجْوى، أخرجه البخاريُّ ومسلم وغيرُهما، واللفظ لمسلم قال: سمعت رسولَ اللهِ وَ﴿ يقول ((يُدْنَى المؤمنُ [يومَ القيامة] من ربِّه جلَّ وعزَّ حتى يضعَ عليه كتَفَه، فيُقَرِّره بذنوبه، فيقول: هل تعرف، فيقول: [أيْ] ربّ، أعرف، قال: فإنيّ قد سترتُها عليك في الدنيا، وإني أغفرُها لك اليومَ، فيُعْطی صحيفةَ حسناتِه، وأما الكفار والمنافقون فینادی بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله)) (٤). وقد قيل: إنها نزلت في الذين يتوَلَّون الكافرين من المؤمنين، أي: وإن تُعلنوا ما في أنفسكم أيها المؤمنون من ولاية الكفار أو تُسِرُّوها، يحاسبكم به الله، قاله الواقديُّ ومقاتل(٥). واستدلوا بقوله تعالى في ((آل عمران)): ﴿قُلّ إِن تُخْفُوا مَا فِ سُدُورِكُمْ أَوْ تُدُوهُ﴾ من ولاية الكفار ﴿يَعْلَنْهُ الُ﴾ يدلُّ علیه ما قبله من قوله: يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُ﴾ [آل عمران: ٢٨-٢٩]. قلت: وهذا فيه بعدٌ؛ لأن سياقَ الآيةِ لا يقتضيه، وإنما ذلك بيِّنٌ في ((آل عمران)) والله أعلم. وقد قال سفيان بنُ عيينة: بلغني أنَّ الأنبياءَ عليهم السلام كانوا يأتون قومَهم بهذه الآية: ﴿لِلِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضُِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ﴾(٦) . (١) في المحرر الوجيز ٣٩٠/١. (٢) لفظة: التي، ليست في (م). (٣) في الناسخ والمنسوخ ١٢٣/٢. (٤) صحيح البخاري (٦٠٧٠)، ومسلم (٢٧٦٨) وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٥٤٣٦). (٥) تفسير البغوي ١/ ٢٧١ . (٦) أورده أبو الليث في تفسيره ٢٣٩/١. ٤٩٠ سورة البقرة : الآية ٢٨٤ قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءٌ﴾ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ((فَيَغْفِرْ، وَيُعَذِّبْ)) بالجزم عطف على الجواب. وقرأ ابن عامر وعاصم بالرفع فيهما على القطع، أي: فهو يغفرُ ويعذبُ(١). ورُوي عن ابن عباس والأعرج وأبي العالية وعاصم الجَحدرِيِّ بالنصب فيهما على إضمار ((أن)). وحقيقتُه أنه عطفٌ على المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿فَيُضَدِفَُّ لَهُر﴾(٢) [البقرة: ٢٤٥]، وقد تقدَّم(٣). والعطفُ على اللفظ أجودُ للمشاكلة، كما قال الشاعر: ومتى ما يَع منك كلامًا يَتَكَلَّمْ فِيُجِبْك بعقْلٍ (٤) قال النحاس(٥): ورُوي عن طلحةَ بنِ مُصَرِّف ((يُحاسبْكم به الله يغفرْ)) بغير فاءٍ على البدل. ابن عطية: وبها قرأ الجُعْفِيُّ وخلَّاد. ورُوي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود(٦). قال ابن جِنِّي (٧): هي على البدل من ((يحاسبكم))، وهي تفسيرُ المحاسبة؛ وهذا كقول الشّاعر: رُوَيْدًا بَنِي شَيْبانَ بعضَ وعِيدِكم تُلاقُوا غَدًا خيلي على سَفَوانٍ إذا ما غَدَتْ في المأُزِقِ المُتَدَانِي(٨) تُلاقُوا جِيادًا لا تَحِيدُ عن الوَغَی فهذا على البدل. وكرر الشاعر الفعل؛ لأنَّ الفائدة فيما يليه من القول. (١) انظر السبعة ص١٩٥، والتيسير ص ٨٥. (٢) انظر إعراب القرآن للنحاس ١/ ٣٥٠، والمحرر الوجيز ٣٩٠/١. (٣) ٢٢٧/٤. (٤) لم نقف على قائله، وهو في إعراب القرآن للنحاس ٣٥٠/١، والبحر المحيط ٣٣٧/٢. (٥) إعراب القرآن ٣٥٠/١، وانظر المحتسب ١٤٩/١. (٦) المحرر الوجيز ٣٩٠/١. وقراءة ابن مسعود ذكرها ابن أبي داود في المصاحف ٣٠٧/١، وابن جني في المحتسب ١٤٩/١ . (٧) في المحتسب ١٤٩/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية. (٨) قائل البيتين ودَّاك بن ثميل المازني، وهما في المحتسب ١/ ١٥٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٢٧/١-١٢٨، وشرح المفصل ٤١/٤. ٤٩١ سورة البقرة : الآيتان ٢٨٥، ٢٨٦ قال النحاس(١): وأجود من الجزم لو كان بلا فاءٍ الرفعُ، يكونُ في موضع الحال؛ كما قال الشاعر: مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عندَها خَيْرُ مُوقِدٍ (٢) قوله تعالى: ﴿وَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَئِكَئِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ (٨) لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتَّ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآَ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاْ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً لَنَا بِهٌِ وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَأْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِنَ فيه إحدى عشرةَ مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿َآمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّيِّهِ﴾. رُوي عن الحسن ومجاهدٍ والضحاك أنَّ هذه الآيةَ كانت في قصة المعراج، وهكذا رُوي في بعض (٣) الروايات عن ابن عباس وقال بعضُهم: جميعُ القرآنِ نزل به جبريلُ عليه السَّلام على محمد وَله إلا هذه الآيةَ، فإنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ هو الذي سمع ليلةَ المعراجِ. وقال بعضهم: لم يكن ذلك في قصة المعراج؛ لأنَّ ليلةَ المعراج كانت بمكةَ، وهذه السورةُ كلُّها مدنية. فأما من قال: إنها كانت ليلَةً المعراج قال: لما صَعِد النبيُّ وَّر، وبلغ في السماوات في مكان مرتفعٍ، ومعه جبريلُ حتى جاوز سدرة المنتهى، فقال له (١) في إعراب القرآن ٣٥١/١. (٢) قائله الحطيئة، وهو في ديوانه ص١٦١، والكتاب ٨٦/٣. (٣) أخرج مسلم (١٧٣) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما أسري برسول الله صل *.. . الحديث، وفيه: فأعطي رسول الله ﴾ منها ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة. ٤٩٢ سورة البقرة : الآيتان ٢٨٥ ، ٢٨٦ جبريل: إنِّي لم أجاوزْ هذا الموضعَ، ولم يؤمر بالمجاوزة أحدٌ هذا الموضع غيرُك، فجاوز النبيُّ ونَ﴿ حتى بلغَ الموضعَ الذي شاء الله، فأشار إليه جبريلُ بأنْ سلِّم على ربِّك، فقال النبيُّ ◌َ﴿: التّحيّاتُ الله، والصلواتُ والطيِّبات. قال الله تعالى: السَّلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، فأراد النبيُّ وَلِّ أنْ يكونَ لأمته حَظّ في السلام فقال: السلام علينا وعلى عباد اللهِ الصالحين(١)، فقال جبريل وأهلُ السماوات كلُّهم: أشهد أن لا إلهَ إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه. قال الله تعالى: ﴿َامَنَ الرَّسُولُ﴾ على معنى الشكرِ، أي: صدَّق الرسول ﴿بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾، فأراد النبيُّ وَ له أن يشارك أمته في الكرامة والفضيلة، فقال: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَكَتِهِ، وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن زُّسُلِهْ﴾ يعني يقولون: آمنًّا بجميع الرسلِ، ولا نكْفُر بأحدٍ منهم، ولا نفرِّقُ بينهم كما فرَّقت اليهود والنصارى، فقال له ربُّه: كيف قبولُهم بآي الذي أنزلتها؟(٢) وهو قولُه: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ﴾، فقال رسولُ اللهِ وَ له: ((قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)) يعني المرجع. فقال الله تعالى عند ذلك: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾(٣) يعني طاقتَها، ويقال: إلَّا دُون طاقتِها. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ من الخير، ﴿وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ من الشر، فقال جبريل عند ذلك: سل تُعْطَّه، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َّسِينَآ﴾ يعني إنْ جهلْنا ﴿أَوْ أَخْطَأَنْ﴾ يعني إن تعمَّدْنا(٤) - ويقال: إنْ عمِلنا بالنِّسيان والخَطَأ - فقال له جبريل: قد أُعطيتَ (١) أخرج أحمد (٣٦٢٢)، والبخاري (٨٣١) ومسلم (٤٠٢) عن عبد الله مرفوعاً: ((إذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل : ... السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قالها أصابت كلَّ عبد في السماء والأرض ... )). (٢) كذا في (د) و(خ). وفي (ظ): آياتي الذي أتركها! وفي تفسير أبي الليث ١/ ٢٤٠ والكلام منه: للآي التي أنزلتها . (٣) ذكر المصنف حديث ابن عباس ص ٤٨٦، وفيه: قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا. (٤) أخرج الطبري ١٥٢/٥ عن حكيم بن جابر قال: لما أُنزل على النبيِوَله: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ .. ، قال له جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسَلْ تُعطه، فسأل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. ٤٩٣ سورة البقرة : الآيتان ٢٨٥، ٢٨٦ ذلك، قد رُفع عن أمتك الخطأُ والنسيان(١). فسلْ شَيئاً آخرَ، فقال: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا﴾ يعني ثِقلاً ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾، وهو أنه حرَّم عليهم الطيِّباتِ بظلمهم(٢)، وكانوا إذا أذنبوا بالليل وجدوا ذلك مكتوباً على بابهم (٣)، وكانت الصلواتُ عليهم خمسين، فخفَّف الله عن هذه الأمةِ، وحَطّ عنهم بعد ما فَرض خمسينَ صلاة(٤)، ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِّ﴾ يقول: لا تثقلنا من العمل ما لا نُطيق فتُعذِّبَنا، ويقال: ما تشقُّ علينا؛ لأنهم لو أُمروا بخمسين صلاة لكانوا يطيقون ذلك، ولكنه يشقُّ عليهم، ولا يطيقون الإدامةً عليه، ((وَاعْفُ عَنَّا)) من ذلك كلِّه، ((وَاغْفِرْ لَنَا)) وتَجاوزْ عَّا، ويقال: ((واعفُ عنا)) من المسخ، ((واغفر لنا)) من الخسف، ((وارحمْنا)) من القذف؛ لأنَّ الأممَ الماضيةَ بعضُهم أصابهم المسخُ، وبعضهُم أصابهم الخسف، وبعضُهم القذفُ، ثم قال: ((أَنْتَ مَوْلَانَا)) يعني وليّنا وحافظنا، ﴿فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ﴾. فاستجيبتْ دعوتُه. ورُوي عن النبيِّ وَ﴿ أنه قال: ((نُصرتُ بالرُّعب مسيرةَ شهر))(٥)، ويقال: إنَّ الغُزَاة إذا خرجوا من ديارهم بالنية الخالصةِ، وضربوا بالطبل وقع الرعبُ والهيبةُ في قلوب الكفارِ مسيرةً شهرٍ في شهر، علموا بخروجهم أو لم يعلموا، ثم إنَّ النبيَّ وَليه لما رجع أوحى الله هذه الآيات، ليُعلم أُمَّتَه بذلك. (١) أخرج ابن ماجه (٢٠٤٥) عن ابن عباس مرفوعاً: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))، قال البوصيري في الزوائد ٣٥٧/١: إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع، وسيورده المصنف عند المسألة التاسعة. (٢) قال الله تعالى: ﴿فَيُلٍِّ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَتِبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]. (٣) أخرج الطبراني في الكبير (٨٧٩٤)، والبيهقي في الشعب (١٤٠٦) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان الرجل إذا أذنب أصبح مكتوباً على بابه: أذنب كذا وكذا. قال الهيثمي في المجمع ١١/٧ : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا ابن سيرين ما أظنه سمع من ابن مسعود. (٤) لهذا الطرف أصل صحيح عند أحمد (١٧٨٣٤)، والبخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة الإسراء والمعراج، وفيه: ((فرجعت إلى ربي، فسألته أن يخفف عني فجعلها أربعين، ثم رجعت ... فجعلها ثلاثين ... فرجعت إلى ربي فجعلها عشرين ثم خمسة ... )). (٥) قطعة من حديث أبي هريرة سلف ذكره ٢٥٨/٤ . ٤٩٤ سورة البقرة : الآيتان ٢٨٥، ٢٨٦ ولهذه الآيةِ تفسيرٌ آخر، قال الزجاج(١): لما ذكر الله تعالى في هذه السورة فرضَ الصَّلاةِ والزكاةٍ، وبيَّنَ أحكامَ الحجِّ وحُكْمَ الحيضِ والطلاقِ والإيلاءِ وأقاصيصَ الأنبياء، وبيَّنَ حكمَ الرِّبا، ذكر تعظيمَه سبحانه بقوله سبحانه وتعالى: ﴿لِلِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضُِ﴾، ثم ذَكر تصديقَ نبيِّهِ وَ ﴿، ثم ذَكَر تصديقٌ المؤمنين بجميع ذلك، فقال: ﴿مَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ أي: صدَّق الرسول بجميع هذه الأشياءِ التي جرى ذكرُها، وكذلك المؤمنون كلُّهم صدَّقوا بالله وملائكته و کتبه ورسِله. وقِيل: سببُ نزولِها الآيةُ التي قبلَها وهي ﴿لِلِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضُِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىٌّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اَللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَدَةُ وَاللَّهُ عَلَ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فإنه لما أُنزِل هذا على النبيِّ وَّهِ؛ اشتدَّ ذلك على أصحاب رسولٍ اللهِنَّهِ، فَأَتَّوْا رسولَ اللهِنَ ◌ّه ثم بَرَكُوا على الرُّكّب، فقالوا: أَيْ رسولَ الله، كُلِّفنا من الأعمال ما نُطيق: الصَّلاة والصِّيام والجهاد والصَّدقة، وقد أنزل الله عليك هذه الآيةَ، ولا نُطيقُها. قال رسول الله وَله: ((أتريدون أنْ تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير))، فقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربَّنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم؛ ذَلَّت بها ألسنتُهم، فأنزل الله في إثرها: ﴿مَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَاَلْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَتِكَئِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ،ْ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَِّينَآ أَوْ أَخْطَأَناً﴾، قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَ الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾، قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ﴾، قال: نعم، ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَأَ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ﴾ قال: نعم. أخرجه مسلمٌ عن أبي هريرة(٢). (١) في معاني القرآن ٣٦٨/١، ونقله المصنف بواسطة أبي الليث في تفسيره ١/ ٢٤١، والكلام منه من أول المسألة. (٢) برقم (١٢٥)، وهو عند أحمد (٩٣٤٤)، وسلفت قطعة منه ص ٤٨٦ من هذا الجزء. ٤٩٥ سورة البقرة : الآيتان ٢٨٥، ٢٨٦ قال علماؤنا: قولُه في الرواية الأولى: قد فعلت(١)، وهنا قال: نعم؛ دليلٌ على نقل الحديثِ بالمعنى(٢)، وقد تقدَّم(٣). ولما تقرَّر الأمرُ على أنْ قالوا: سمعنا وأطعنا، مدحَهم الله، وأثنى عليهم في هذه الآية، ورفع المشقَّةَ في أمر الخواطرِ عنهم؛ وهذه ثمرةُ الطاعةِ والانقطاع إلى الله تعالى؛ كما جرى لبني إسرائيل ضدُّ ذلك من ذمِّهم وتحميلِهم(٤) المشقّاتِ من الذّلّة والمسكنةِ والانْجِلاء؛ إذ قالوا: سمعنا وعصينا؛ وهذه ثمرةُ العصيانِ والتمرُّدٍ على الله تعالى، أعاذنا الله من نِقَمِه بمنِّه وكرمِه(٥). وفي الحديث أنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قيل له: إنَّ بيتَ ثابتِ بنِ قيس بنِ شمَّاس يَزْهَر كلَّ ليلةٍ بمصابيح، قال: ((فلعله يقرأُ سورةَ البقرة)»، فسُئِل ثابت قال: قرأتُ من سورة البقرة ﴿مَامَنَ الرَّسُولُ﴾ (٦)، نزلت حين شقَّ على أصحاب النبيِّ وَل﴿ ما توعَّدهم الله تعالى به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسُهم، فشكوا ذلك إلى النَّبِيِّ بَّهِ، فقال: ((فلعلكم تقولون: سمعنا وعصينا كما قالت بنو إسرائيل))، قالوا: بل سمعنا وأطعنا؛ فأنزل الله تعالى ثناءً عليهم: ﴿مَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾، فقال ◌ِّ: ((وحُقَّ لهم أنْ يؤمنوا))(٧). الثانية: قوله تعالى: ﴿مَامَنَ﴾، أي: صدَّق، وقد تقدَّم(٨). والذي أُنزل هو القرآن. (١) يعني حديث ابن عباس المتقدم ص ٤٨٦ من هذا الجزء. وانظر المفهم ٣٣٩/١ -٣٤٠. (٢) المفهم ٣٢٣/٧. (٣) ١٢٦/٢. (٤) في النسخ: وتحملهم، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز. (٥) المحرر الوجيز ٣٩١/١. (٦) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص١٢٢ . (٧) أخرج الحاكم ٢٨٧/٢ عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية على النبي وله: ﴿مَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ قال النبي له: وأحق له أن يؤمن. وأخرج الطبري ١٤٨/٥ عن قتادة قال: قوله: ﴿مَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ ذُكر لنا أنَّ نبيَّ اللهِ ﴾﴾ لما نزلت هذه الآية قال: ويحق له أن يؤمن، وانظر حديث أبي هريرة المتقدم قريباً . (٨) ٢٥١/١. ٤٩٦ سورة البقرة : الآيتان ٢٨٥، ٢٨٦ وقرأ ابن مسعود: ((وآمن المؤمنون كلٌّ آمن بالله))(١) على اللفظ، ويجوزُ في غير القرآن ((آمنوا)) على المعنى(٢). وقرأ نافعٌ وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر: ﴿وَكُهِ ﴾ على الجمع. وقرؤوا في ((التحريم)): ((كتابه)) [الآية: ١٢]، على التوحيد. وقرأ أبو عمرو هنا وفي ((التحريم)): ((وَكُتُبِهِ)) على الجمع. وقرأ حمزة والكِسائيُّ: ((وكتابه)) على التوحيد فيهما(٣). فمن جمع أراد جمعَ كتابٍ، ومن أفرد أراد المصدرَ الذي يجمع كلَّ مكتوبٍ كان نزولُه من عند الله (٤). ويجوز في قراءة من وَحَّد أن يراد به الجمع، يكون الكتاب اسمًا للجنس، فتستوي القراءتان(٥)، قال الله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَلَ مَعَهُمُ اَلْكِنَبَ﴾ [البقرة: ٢١٣]. قرأت الجماعة: ((وَرُسُلِه)) بضم السين، وكذلك: ((رُسُلنا ورُسُلكم ورُسُلك))؛ إلا أبا عمرو فرُوي عنه تخفيفُ ((رُسْلنا ورُسْلكم))، ورُوي عنه في ((رسلك)) التثقيل والتخفيف(٦). قال أبو عليّ (٧): من قرأ: ((رُسُلك)) بالتثقيل؛ فذلك أصلُ الكلمة، ومن خفَّفَ فكما يُخفِّفُ في الآحاد؛ مثلُ: عُثْق وطُنْب. وإذا خفّف في الآحاد فذلك أحرى في الجمع الذي هو أثقل، وقال معناه مكيّ. وقرأ جمهورُ النَّاسِ: ((لَا نُفَرِّقُ)) بالنون، والمعنى يقولون: لا نفرِّقُ؛ فحذَف القول، وحَذفُ القولِ كثير، قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّنِ كُلِّ بَابٍ، سَلَمُّ (١) ذكر هذه القراءة ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٣٩١. وأخرجها ابن أبي داود في المصاحف (١٥٩) من قراءة عليّ. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٥١/١. (٣) وقرأ عاصم في رواية حفص على الجمع في الموضعين. انظر السبعة ص١٩٥-١٩٦، والتيسير ص ٨٥ وص ٢١٢. (٤) المحرر الوجيز ٣٩١/١-٣٩٢. (٥) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٣٢٣/١. (٦) والقراءة المشهورة عنه في (رسلك) الثقيل. انظر السبعة ص١٩٦، والتيسير ص ٨٥. (٧) في الحجة ٢/ ٤٦٠، والمحرر الوجيز ٣٩٢/١. ٤٩٧ سورة البقرة : الآيتان ٢٨٥، ٢٨٦ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤]، أي: يقولون: سلامٌ عليكم. وقال: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، أي: يقولون: ربّنا، وما کان مثله. وقرأ سعيد بن جبير ويحيى بنُ يَعْمر وأبو زُرْعَة بن عمرو بن جرير ويعقوب: ((لا يفرِّق)» بالياء، وهذا على لفظ ((كلّ))(١). قال هارون: وهي في حرف ابنٍ مسعود: ((لا يفرقون))(٢). وقال: ((بَيْنَ أَحَدٍ)) على الإفراد، ولم يقلْ: آحاد؛ لأنَّ الأحدَ يتناول الواحدَ والجميع؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُر ◌ِّنْ لَمَدٍ عَنّهُ حَجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] فـ((حاجزين)) صفةٌ لأحد؛ لأنَّ معناه الجمع (٣). وقال ◌ِّ: ((ما أُحلت الغنائمُ لأحدٍ سودٍ الرؤوس غیرکم»(٤)، وقال رؤبة: إذا أمورُ النَّاسِ دِينَتْ دينكا لا يرهَبون أحَدًا مِنْ دونكا(٥) ومعنى هذه الآية: أنَّ المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعضٍ، ويكفرون ببعض(٦). الثالثة: قولُه تعالى: ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ فيه حذفٌ، أي: سمعنا سماعَ قابلین. (١) المحرر الوجيز ٣٩٢/١، وقراءة يعقوب ذكرها البغوي في تفسيره ٢٣٧/٢، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٤٥/١، وهي من العشرة، انظر النشر في القراءات العشر ٢٣٧/٢، ولم نقف على قراءة سعيد ویحیی وأبي زرعة. (٢) المحرر الوجيز ٣٩٢/١، وذكر قراءة ابن مسعود ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٨، والزمخشري في الكشاف ١/ ٤٠٧. (٣) انظر تفسير البغوي ١/ ٢٧٣، والكشاف ٤٠٧/١. (٤) قطعة من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٧٤٣٣)، والترمذي (٣٠٨٥)، والنسائي في الكبرى (١١١٤٥). (٥) لم نقف عليه، وأورده أبو حيان في البحر ٢/ ٣٦٥، والسمين في الدر المصون ٦٩٥/٢، وابن عادل في اللباب ٥٢٨/٤ بلفظ : إذا أمورُ الناسِ دِیکثْ دَوْكاً (٦) المحرر الوجيز ٣٩٢/١. لا يَرهبونَ أحداً رأوكا ٤٩٨ سورة البقرة : الآيتان ٢٨٥، ٢٨٦ وقيل: سمع بمعنى قَبِل؛ كما يقال: سمع الله لمن حمده(١)، فلا يكون فيه حذف. وعلى الجملة فهذا القولُ يقتضي المدحَ لقائله، والطاعة قبولُ الأمر. وقوله: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ مصدرٌ كالكفران والخسران، والعاملُ فيه فعلٌ مقدَّر، تقديره: اغفر غفرانك، قاله الزجاج(٢). وغيره: نطلب، أو أسألُ غفرانك. ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ إقرارٌ بالبعث والوقوفِ بين يدي الله تعالى. ورُوي أنَّ النبيَّ ◌َِ﴿ لما نزلت عليه هذه الآيةُ، قال له جبريل: إنَّ الله قد أَجَلَّ(٣) الثناءَ عليك وعلى أُمتك، فسل تُغْطَّه، فسأل إلى آخر السورة(٤). الرابعة: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاَ﴾ التكليف هو الأمرُ بما يَشُقُّ عليه. وتكلَّفتُ الأمرَ: تجشَّمْتُه، حكاه الجوهريّ(٥). والوُسْع: الطاقةُ والجِدَةُ(٦). وهذا خَبَرٌ جَزْمٌ، نصَّ الله تعالى على أنه لا(٧) يكلفُ العبادَ من وقت نزولِ الآيةِ عبادةٌ من أعمال القلبٍ و(٨) الجوارحِ إلا وهي في وُسع المكلّفِ، وفي مقتضى إدراكِهِ وبِنْيته؛ وبهذا انكشفت الكُرْبةُ عن المسلمين في تأوُلهم أمرَ الخواطر. وفي معنى هذه الآيةِ ما حكاه أبو هريرة رضي الله عنه قال: ما ودِدتُ أنَّ أحداً ولدتني أمُّه إلا جعفر بن أبي طالب، فإني تبعتُه يومًا وأنا جائعٌ، فلما بلغ منزلَه لم يجدْ فيه سوى نِخِي سَمْن(٩) قد بقي فيه أَثَارة، فشقَّه بين أيدينا، فجعلْنا نلعقُ ما فيه (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٥١/١. (٢) في معاني القرآن له ٣٦٩/١، والمحرر الوجيز ٣٩٢/١، وعنه نقل المصنف. (٣) في (خ) و(ظ) و(م): أحلَّ، والمثبت من (د)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ٣٩٢/١، والكلام منه، وفي مصادر التخريج: أحسن. (٤) أخرجه سعيد في التفسير (٤٧٨)، والطبري ١٥٢/٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٥ من حديث حكيم بن جابر مرسلاً . (٥) في الصحاح (كلف). (٦) المفهم ٣٢١/٧. (٧) في (د) و(ظ): لم، والمثبت من (خ) و(م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ٣٩٢/١. (٨) في (م): أو. (٩) في اللسان (نحا): النِّحْيُ والَّحْيُ والنَّحَى: الزَّقُّ، وقيل: هو ما كان للسَّمن خاصة. ٤٩٩ سورة البقرة : الآيتان ٢٨٥، ٢٨٦ من السَّمن والرُّبِّ (١) وهو يقول: ولا تَجُودِ يَدٌ إلّا بما تَجِدُ (٢) ما كلَّف الله نفسًا فَوْقَ طاقتها الخامسة: اختلف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام التي هي في الدنيا، بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعًا في الشّرع، وأنَّ هذه الآيةَ آذنت بعدمه؛ فقال أبو الحسن الأشعريُّ وجماعةٌ من المتكلمين(٣): تكليفُ ما لا يطاق جائزٌ عقلاً، ولا يخرم ذلك شيئاً من عقائد الشَّرع، ويكون ذلك أمَارَةً على تعذيب المكلَّفِ وقطعاً به، وينظر إلى هذا تكليف المصوِّر أنْ يعقد شعيرة(٤). واختلف القائلون بجوازه؛ هل وقع في رسالة محمدٍ ﴿ أوْ لا؟ فقالت فرقة: وقع في نازلة أبي لَهَب؛ لأنه كلَّفه بالإيمان بجملة الشّريعة، ومن جملتها أنه لا يؤمن؛ لأنه حَكم عليه بتَبِّ اليَدَيْن وصَلْي النار، وذلك مُؤْذِنٌ بأنه لا يؤمن، فقد كلَّفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن. وقالت فرقة: لم يقع قَطُ. وقد حكى الإجماع على ذلك. وقولُه تعالى: ﴿سَيَصْلَ نَارًا﴾ [المسد: ٣] معناه إن وَافَى [على كفره]. حكاه ابن عطية (٥). ((وَيُكَلِّفُ)) يتعذَّى إلى مفعولين، أحدهما محذوف، تقديره: عباده أو شيئاً. فالله سبحانه بلطفه وإنعامِه علينا وإن كان قد كلَّفنا بما يشقُّ ويثقلُ: كثُبوت الواحدِ للعشرة، وهجرةِ الإنسانِ وخروجِه من وطنه ومفارقةِ أهلِه ووطنه وعادته، (١) قوله الرُّبّ: ما يطبخ من التمر، وهو الدبس أيضاً. اللسان (ربب). (٢) لم نقف على البيت، والقصة أخرجها البخاري (٣٧٠٨) بنحوها مختصرة. (٣) نقله المصنف بواسطة المحرر الوجيز ٣٩٣/١، وانظر الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ص٢٠٣. (٤) أخرج أحمد (١٨٦٦)، والبخاري (٧٠٤٢)، ومسلم (٢١١٠) (١٠٠)، واللفظ له، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ولاز: ((من صور صورة في الدنيا كلّف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة، ولیس بنافخ)). وأخرج أحمد (٧١٦٦)، والبخاري (٧٥٥٩)، ومسلم (٢١١١) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﴿﴿ يقول: ((يقول الله عز وجلَّ: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي، فليخلقوا ذرَّةً، أو فليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة)) . (٥) في المحرر الوجيز ٣٩٣/١ دون ذكر الإجماع المذكور، وما بين حاصرتين منه. ٥٠٠ سورة البقرة : الآيتان ٢٨٥، ٢٨٦ لكنه لم يكلِّفنا بالمشفَّات المثقَّلة، ولا بالأمور المؤلمة، كما كلَّف مَن قبلَنا بقتل أنفسِهم وقَرْض موضعِ البولِ من ثيابهم وجلودِهم، بل سهَّل، ورَفَق، ووضع عنا الإِصْرَ والأغْلالَ التي وضعها على من كان قبلَنا. فلله الحمدُ والمنَّة، والفضلُ والنِّعمة (١) . السادسة: قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتَّ﴾ يريد من الحسنات والسيِّئات. قاله السدي. وجماعة المفسرين لا خلافَ بينهم(٢) في ذلك، قاله ابن عطية(٣). وهو مِثلُ قولِه: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. والخواطر ونحوُها ليست من كسب الإنسان. وجاءت العبارةُ في الحسنات بـ((لَهَا)) من حيثُ هي مما يفرَح المرء بكسبه ويُسَرُّ بها (٤)، فتضاف إلى مِلْكه. وجاءت في السيئات بـ((عليها)) من حيثُ هي أثقالٌ وأوزارٌ ومتحمَّلاتٌ صعبة؛ وهذا كما تقول: لي مالٌ وعليَّ دَيْنٌ. وكرَّر فعلَ الكسب، فخالف بين التصريفِ حُسْنًا لِنَمَط الكلام، كما قال: ﴿فَهِّلِ الْكَفِرِينَ أَشْهِلَهُمْ رُوًَّ﴾ [الطارق: ١٧]. قال ابن عطية(٥): ويظهر لي في هذا أنَّ الحسناتِ هي مما تُكتَسب دون تكلُّف؛ إذْ كاسبُها على جادّة أمرِ الله تعالى ورَسْمِ شرعِه، والسيئاتُ تُكتَسب ببناء المبالغة، إذْ كاسبُها يتكلَّف في أمرها خرقَ حجابٍ نهي اللهِ تعالى ويتخَّاء إليها، فيَحْسُنُ في الآية مجيءُ التَّصريفين إحرازًا لهذا المعنى. السابعة: في هذه الآية دليلٌ على صِحّة إطلاقِ أئمتنا على أفعال العبادِ کَسْبًا وَاكْتِسابًا، ولذلك لم يطلقوا على ذلك لا خَلَقَ ولا خَالِقٍ، خلافًا لمن أَطلق ذلك من مُجْترِئَة المبتدعة. ومن أطلق من أئمتنا ذلك على العبد، وأنه فاعلٌ فبالمجاز (١) المفهم ٣٢١/٧-٣٢٢. (٢) لفظة: بينهم، من (م). (٣) في المحرر الوجيز ٣٩٣/١، وقول السدي أخرجه الطبري ١٥٤/٥. (٤) في النسخ: يسر المرء بها، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ٣٩٣/١، والكلام منه. (٥) في المحرر الوجيز ٣٩٣/١، وما قبله منه.