Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
بمثل الثمن أو أقلَّ منه، ولا يجوز بأكثر؛ فإن اشترى بعضَها فلا يجوز على
حال(١)، لا بمثل الثمن ولا بأقلَّ ولا بأكثر(٢). ومسائلُ هذا الباب حَصَرَها علماؤنا
في سبعٍ وعشرين مسألةً، ومدارُها على ما ذكرناه، فاعلم.
الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي: مِن الرِّبا(٣)، لا تِباعةَ عليه
منه في الدنيا ولا في الآخِرة؛ قاله السُّدِّي وغيره. وهذا حكمٌ من الله تعالى لمن
أسلم من كفار قريشٍ وثَقِيفٍ، ومن كان يتَّجر هنالك. و((سلف)) معناه: تقدَّم في
الزمن وانقضى(٤).
الخامسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ فيه أربعُ تأويلات:
أحدُها: أن الضمير عائدٌ إلى الربا، بمعنى: وأمرُ الربا إلى الله في إمرار
تحريمه أو غير ذلك.
والآخرُ: أن يكون الضمير عائداً على ((ما سلف)) أي: أمره إلى الله تعالى في
العفو عنه وإسقاط التَّبِعة فيه.
والثالثُ: أن يكون الضمير عائداً على ذي الربا، بمعنى: أَمْره إلى الله في أن
يثبِّته على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية في الربا. واختار هذا القولَ النحاسُ،
قال: وهذا قولٌ حَسَنٌ بيِّن، أي: وأمرُه إلى الله في المستقبل إن شاء ثبَّته على
التحریم، وإن شاء أباحه.
والرابع: أن يعود الضمير على المنتهي؛ ولكن بمعنى التأنيس له، وبَسْطِ أمله
في الخير، كما تقول: وأمرُه إلى طاعةٍ وخير [ومَوْضِع رجاء]، وكما تقول: وأَمْرُه
في نموِّ وإقبالٍ إلى الله تعالى وإلى طاعته(٥).
(١) في (م): فلا يجوز على كلِّ حال.
(٢) ينظر الكافي ٢/ ٦٧١، والمعونة ١٠٠٢/٢-١٠٠٤.
(٣) في (د) و(ز) و(م): من أمر الربا. والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٣٧٢/١،
والكلام منه.
(٤) المحرر الوجيز ٣٧٢/١، وقول السُّدِّي أخرجه الطبري ٤٤/٥ -٤٥ .
(٥) المحرر الوجيز ٣٧٢/١، وما سلف بين حاصرتين منه، وقول النحاس في معاني القرآن له ٣٠٨/١.

٤٠٢
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
السادسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ يعني إلى فعل الرِّبا حتى
يموت، قاله سفيان. وقال غيره: مَنْ عاد فقال: إنما البيعُ مثلُ الربا فقد كفر(١).
قال ابن عطية(٢): إن قدَّرنا الآية في كافر، فالخلودُ خلود تأبيدٍ حقيقيٍّ، وإن
لحظناها في مسلم عاصٍ، فهذا خلودٌ مستعار على معنى المبالغة، كما تقول
العرب: مُلْكٌ خالد، عبارة عن دوام ما لا يبقَى على التأبيد الحقيقيّ.
السابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرِبَوا﴾ يعني في الدنيا، أي:
يُذهب بركته وإن كان كثيراً؛ روى ابن مسعود عن النبيِّ وَ﴿ أنه قال: ((إنَّ الرِّبَا وإنْ
كَثُر فعاقبتُه إلى قُلِّ))(٣).
وقيل: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبُوا﴾ يعني في الآخرة. وعن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرَّوْا﴾ قال: لا يقبل منه صدقةً ولا حجًّا ولا جهادًا ولا صلةٌ(٤).
والمَحْقُ: النقصُ والذهاب، ومنه مُحَاقُ القمر: وهو انتقاصه(٥).
﴿وَيُرْبِ الضَّدَقَتِ﴾ أي: يُنَمِّيها في الدنيا بالبركة، ويُكثر ثوابَها بالتضعيف في
الآخرة(٦). وفي صحيح الحديث(٧): ((إنَّ صدقة أحدِكم لَتقعُ في يد الله، فَيُرَبِّيها له
كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُؤَّه أو فصيلَه، حتى يجيء يومَ القيامة وإنَّ اللُّقمةَ لعلى قَدْرِ
أُحُد»(٨).
(١) معاني القرآن للنحاس ٣١٨/١.
(٢) في المحرر الوجيز ٣٧٢/١-٣٧٣.
(٣) أخرجه أحمد (٣٧٥٤)، والحاكم ٣٧/٢ وصحَّحه. قوله: قُل بالضم: القِلَّة، كالذُّل والذِّلة. النهاية
(قل).
(٤) تفسير البغوي ٢٦٣/١.
(٥) المحرر الوجيز ٣٧٣/١.
(٦) ينظر تفسير البغوي ٢٦٤/١.
(٧) في (م): وفي صحيح مسلم.
(٨) المحرر الوجيز ٣٧٣/١. والحديث أخرجه أحمد (١٠٠٨٨)، والترمذي (٦٦٢) من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه. قال الترمذي: حسنٌ صحيح. وأخرجه بنحوه أحمد (٨٩٦١)، ومسلم (١٠١٤)،
والبخاري (١٤١٠). والفَلُوُّ: المهر الصغير، وقيل: هو الفّطِيم من أولاد ذوات الحافر. النهاية (فلو).

٤٠٣
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
وقرأ ابن الزبير: (يُمَحِّق)) بضم الياء وكسر الحاء مشدّدةً، ((ويُرَبِّي)) بفتح الراء
وتشديد الباء، ورُويت عن النبيِّ وَّ كذلك(١).
الثامنة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلّ كَفَّارٍ أَثِيم﴾ ووصفُ كَفَّارٍ
بأثيم مبالغةٌ، مِن حيث اختلف اللفظان. وقيل: لإزالة الاشتراك في كَفَّار؛ إِذْ قد
يقع على الزَّارع الذي يستر الحبَّ في الأرض؛ قاله ابن فُوْرَك (٢).
وقد تقدَّم القول في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّكَلِحَتِ وَأَقَامُواْ
الضَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾(٣). وخصَّ الصلاةَ والزكاة بالذكر - وقد تضمَّنهما عملُ
الصالحات - تشريفًا لهما، وتنبيهاً على قدرهما؛ إذ هما رأسُ الأعمال، الصلاةُ في
أعمال البدن، والزكاة في أعمال المال(٤).
التاسعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ
اَلرّؤْأَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ظاهرُه أنه أبطل من الرِّبا ما لم يكن مقبوضاً وإن كان معقوداً
قبل نزول آية التحريم، ولا يتعقّب بالفسخ ما كان مقبوضاً (٥).
وقد قيل: إن الآية نزلت بسبب ثَقِيف، وكانوا عاهدوا النبيَّ ◌َّهِ على أنَّ ما لهم
من الرِّبا على الناس فهو لهم، وما للناس عليهم فهو موضوعٌ عنهم، فلمَّا أن جاءت
آجالُ رِباهُم بعثوا إلى مكة للاقتضاء، وكانت الديون لبني عبدةً، وهم بنو عمرو بنٍ
عميرٍ من ثقيفٍ، وكانت على بني المغيرة المخزوميِّين، فقال بنو المغيرة: لا نعطي
شيئاً فإن الرِّبا قد رُفِع. ورفعوا أمرَهم إلى عَتَّاب بنٍ أَسيد(٦)، فكتب به إلى
رسول الله وَ﴿، ونزلت الآية، فكتب بها رسول الله وَ ل﴿ إلى عتَّاب، فعلمت بها
ثقِيفُ فكفَّتْ.
(١) المحرر الوجيز ٣٧٣/١، وذكر القراءتين أيضاً أبو حيّان في البحر المحيط ٣٣٦/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٣٧٣/١.
(٣) عند الآية (٣) و(٢٥) و(٤٣).
(٤) المحرر الوجيز ٣٧٣/١.
(٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ١/ ٢٣٤.
(٦) عتَّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد،
أسلم يوم الفتح، واستعمله النبي وهو على مكة لما سار إلى حنين. الإصابة ٣٧٢/٦.

٤٠٤
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
هذا سبب الآية على اختصار مجموع ما رَوى ابنُ إسحاق وابن جريج والسُّدِّئُّ
وغيرُهم. والمعنى: اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقايةً بترككم ما بقي لكم من
الربا وصَّفْحِكم عنه(١).
المُوفِية ثلاثين: قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ شرطٌ مَحْضٌ في ثَقِيفٍ على بابه؛
لأنه كان في أوَّل دخولهم في الإسلام. وإذا قدَّرنا الآية فيمن (٢) تقرَّر إيمانُه، فهو شرطٌ
مَجَازيٌّ على جهة المبالغة، كما تقول لمن تريدُ إقامةً نفسِه: إن كنت رجلاً فافعل كذا .
وحكى النَّقاشُ عن مقاتل بن سليمان أنه قال: ((إنْ)) في هذه الآية بمعنى ((إذ)).
قال ابن عطيّة: وهذا مردود لا يُعرف في اللغة. وقال ابن فُؤْرَك: يُحتمل أن
يريد: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ بمن قبل محمدٍ عليه الصلاة والسلام من الأنبياء
﴿وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَّوْاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ بمحمدٍ وَلَّ! إذْ لا ينفعُ الأوَّل إلَّا بهذا.
وهذا مردود بما رُوي في سبب الآية(٣).
الحادية والثلاثون: قوله تعالى: ﴿فَإِنِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِمْ﴾ هذا
وعيد إن لم يَذَروا الرِّبا، والحربُ داعيةُ القتل.
وروى ابن عباسٍ أنه يقال يومَ القيامة لآكلِ الرِّبا: خُذْ سلاحك للحرب. وقال
ابن عبَّاسٍ أيضاً: مَنْ كان مقيمًا على الرِّبا لا يَنْزِعُ عنه فحقٌّ على إمام المسلمين أن
يستتيبه، فإن نزع وإلّا ضرب عنقه. وقال قتادة: أَوْعَد الله أهلَ الربا بالقتل فجعلهم
بَهْرَجاً أينما تُقِفُوا (٤).
وقيل: المعنى إن لم تنتهوا فأنتم حربٌ لله ولرسوله، أي: أعداء. وقال ابن
(١) المحرر الوجيز ٣٧٤/١، وخبر ابن جُريج والسُّدي، أخرجهما الطبري ٤٩/٥ -٥٠ إلا أنّ قول
السدي: أنها نزلت في العباس ورجلٍ من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في
الربا ... ، ينظر أسباب النزول للواحدي ص (٨٧-٨٨)، والعجاب في بيان الأسباب ٦٣٨/١.
(٢) بعدها في (خ) و(ز) و(م): قد، والمثبت من (د) و(ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٣٧٤/١
والكلام منه.
(٣) المحرر الوجيز ٣٧٤/١.
(٤) المحرر الوجيز ٣٧٤/١، وهذه الأخبار أخرجها الطبري ٥/ ٥٢-٥٣، والبَهْرَج: الشيء المباح، يقال:
بَهْرَجَ دَمَه، أي: أهدره. التاج (بهرج).

٤٠٥
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
خُويز منداد: ولو أن أهل بلدٍ اصطلحوا على الرِّبا استحلالاً كانوا مرتَدِّين، والحكم
فيهم كالحكم في أهل الرِّدة، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالًا(١) جاز للإمام
محاربتُهم؛ ألا ترى أن الله تعالى قد أذِن في ذلك فقال: ﴿فَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِّ﴾ .
وقرأ أبو بكر عن عاصم: ((فآذِنُوا))(٢) على معنى: فَأَعْلِموا غيرَكم أنكم على
(٣)
حربهم(٣).
الثانية والثلاثون: ذكر ابنُ بكير قال: جاء رجل إلى مالك بن أنّس فقال: يا أبا
عبدِ الله، إني رأيتُ رجلاً سكران يتقافز(٤) يريد أن يأخذ القمر، فقلت: امرأتي
طالقٌ إن كان يدخل جوفَ ابنِ آدم أَشَرُّ من الخمر، فقال: ارجعْ حتى أنظر في
مسألتك، فأتاه من الغد، فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد،
فقال له: امرأتك طالق؛ إني تصفّحتُ كتابَ الله وسنَّة نبيِّه، فلم أرَ شيئاً أشرَّ(٥) من
الربا؛ لأن الله أذِن فيه بالحرب.
الثالثة والثلاثون: دلَّت هذه الآية على أن أَكْلَ الرِّبا والعملَ به من الكبائر،
ولا خلافَ في ذلك على ما نبيِّنه. ورُوي عن النبيِّ وَّر أنه قال: ((يأتي على الناس
زمانٌ لا يبقى أحدٌ إلَّا أكل الرِّبا، ومَن لم يأكلِ الرِّبا أصابه غُبَارُه))(٦).
وروى الدَّارَقُطْنيُّ، عن عبد الله بنِ حنظلةَ(٧) غسيلِ الملائكة، أنّ النبيَّ وَّل
(١) في (ظ): وإن لم يكن منهم استحلالٌ.
(٢) وهي قراءة حمزة أيضاً، وسيذكرها المصنف في المسألة الثامنة والثلاثين. وانظر السبعة ص ٩٢،
والتيسير ص ٨٤.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٣٠٩/١.
(٤) في (د) و(ز) و(م): سكراناً يتعاقر، وفي (خ) سكرانا يتقافز، والمثبت من (ظ).
(٥) في (خ): أشد.
(٦) أخرجه أحمد (١٠٤١٠)، وأبو داود (٣٣٣١)، والنسائي ٢٤٣/٧، والحاكم ١١/٢ من طريق الحسن
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال الحاكم: وقد اختلف أئمتنا في سماع الحسن عن أبي هريرة، فإن
صحَّ سماعه منه فهذا حديث صحيح، وينظر نصب الراية ٢/ ٤٧٦ .
(٧) هو عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الراهب، أبو عبد الرحمن الأنصاري، المدني، من صغار الصحابة،
استشهد أبوه حنظلة يوم أحد، فغسلته الملائكة لكونه جنباً، وقتل عبد الله يوم الحرة سنة (٦٣هـ).
السير ٣٢١/٣.

٤٠٦
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
قال: ((لَدرهمُ ربًا أشدُّ عند الله تعالى من ستٍ وثلاثين زَنْيَةً في الخطيئة))(١).
ورُوي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((الرِّبا تسعةٌ وتسعون باباً؛ أدناها
كإتيانِ الرجل بأمِّه))(٢) يعني الزنى بأمه(٣).
وقال ابن مسعودٍ: آكلُ الربا ومُؤْكِلُه وكاتبُه وشاهدُه ملعونٌ على لسان
محمد الز(٤).
وروى البخاريُّ عن أبي جُحَيْفة(٥) قال: نَهى رسول اللهِوَّر عن ثمن الدَّم،
وثمن الكلب، وكَسْبِ البَغيِّ، ولَعَنَ الواشمة والمستوشمة، وآكلَ الرِّبا ومُؤْكِلَه،
ولعنَ المصوِّرَ.
وفي صحيح مسلم(٦)، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((اجتنبوا السَّبعَ
الموبقاتِ ... - وفيها - وأَكْلُ الرِّبا)).
وفي مصنَّف أبي داود(٧) عن ابن مسعودٍ قال: لعن رسول الله ﴿ آكلَ الرِّبا
ومُوكلَه وكاتبَه وشاهده.
(١) سنن الدراقطني ١٦/٣، وهو عند أحمد (٢١٩٥٧)، وأخرجه الدار قطني أيضاً ١٦/٣، وأحمد (٢١٩٥٨)
عن عبد الله بن حنظلة، عن كعب الأحبار، ولم يرفعه، قال الدار قطني: هذا أصح من المرفوع.
(٢) في (ظ): أمه. والحديث أخرجه ابن ماجه (٢٢٧٤)، والبخاري في التاريخ الكبير ٥/ ٩٥، وابن الجارود
في المنتقى (٦٤٧)، والعقيلي في الضعفاء ٢٥٨/٢، وابن عدي ١٩١٣/٥، وابن الجوزي في
الموضوعات ١٥٣/٢-١٥٤ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال ابن الجوزي: واعلم أن مما يرد
صحة هذه الأحاديث أن المعاصي إنما يعلم مقاديرها بتأثيراتها، والزنى يُفسد الأنساب، ويصرف الميراث
إلى غير مستحقيه، ويؤثر من القبائح ما لا يؤثر أكل لقمة لا تتعدى ارتكاب نهي، فلا وجه لصحة هذا .
قال المنذري في الترغيب والترهيب ٦١٨/٢: رواه ابن أبي الدنيا والبغوي وغيرهما موقوفاً على
عبد الله بن سلام، وهو الصحيح.
(٣) في النسخ: يعني الزاني بأمه.
(٤) أخرجه أحمد (٣٨٨١)، والحاكم ١/ ٣٨٧ وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(٥) صحيح البخاري (٢٢٣٨). وأبو جحيفة: هو وهب بن عبد الله السوائي، ويقال له وهب الخير، من
صغار الصحابة. توفي سنة (٧٤هـ)، ويقال: عاش لما بعد الثمانين. السير ٢٠٢/٣.
(٦) برقم (٨٩)، وهو عند البخاري (٢٧٦٦).
(٧) سنن أبي داود (٣٣٣٣)، وأخرجه أيضاً أحمد (٣٧٢٥)، والترمذي (١٢٠٦) وقال: حسن صحيح
وأخرجه مسلم (١٥٩٧). وليس فيه: ((وكاتبه وشاهده)) وهي عنده من حديث جابر (١٥٩٨) بلفظ:
«وکاتبه وشاهدیه».

٤٠٧
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
الرابعة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾ الآية؛
روى أبو داود، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه (١) قال: سمعتُ رسول الله وَ لفهو يقول
في حَجَّة الوداع: ((أَلَا إِنَّ كلَّ رِبًا من رِبا الجاهليَّة موضوعٌ، لكم رؤوس أموالكم
لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون» وذكر الحديث.
فردَّهم تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم وقال لهم: ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ في أخذ
الرِّبا ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ في أن يُتَمسَّك بشيء من رؤوس أموالكم فتذهبَ أموالُكم.
ويُحتمل أن يكون ((لا تُظْلَمُونَ)) في مَظْلٍ؛ لأنَّ مَظْلَ الغنيّ ظلمٌ(٢)؛ فالمعنى:
أنه يكون القضاء مع وَضْعِ الرِّبا، وهكذا سُنَّةُ الصلح، وهذا أشبهُ شيءٍ بالصُّلْح؛ ألا
ترى أن النبيَّ ◌َّ﴿ لمَّا أشار إلى(٣) كعب بن مالك في دَيْن ابن أبي حَدْرَد بوضع
الشطر، فقال كعب: نعم؛ فقال رسول الله وَ له للآخَر: ((قُمْ فاقْضِه)). فتلقَّى العلماء
أمرَه بالقضاء سُنَّةً في المصالحات(٤). وسيأتي في ((النساء)»(٥) بيان الصلح وما يجوز
منه وما لا يجوز، إن شاء الله تعالى.
الخامسة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾ تأكيدٌ
لإبطال ما لم يُقْبَض منه، وأَخْذِ رأس المال الذي لا رِبا فيه. فاستدلَّ بعض العلماء
بذلك على أن كلَّ ما طرأ على البيع قبل القبض ممَّا يوجب تحريمَ العقد أَبْطلَ
العقد، كما إذا اشترى مسلمٌ صيداً، ثم أَحرم المشتري أو البائعُ قبل القبض بَطل
البيع؛ لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب تحريمَ العقد. كما أبطل الله تعالى من
الربا(٦) ما لم يُقبض؛ لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض، ولو كان
(١) سنن أبي داود (٣٣٣٤)، وأخرجه أيضاً الترمذي (٣٠٨٧) وقال: حسن صحيح. ووالد سليمان هو
عمرو بن الأحوص الجُشَمي، شهد حجة الوداع، وقد شهد اليرموك في زمن عمر. الإصابة ٨١/٧.
(٢) المحرر الوجيز ٣٧٤/١ -٣٧٥، ويشير بهذا الكلام إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((مَظْلُ
الغني ظلم .. )) أخرجه أحمد (٨٩٣٨) والبخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤).
(٣) في (خ): على.
(٤) المحرر الوجيز ٣٧٥/١، وأخرج حديث كعب أحمد (٢٧١٧٧)، والبخاري (٤٥٧)، ومسلم (١٥٥٨).
(٥) عند تفسير الآية (١٢٨) منها.
(٦) قوله: من الربا، من (د) وليس في باقي النسخ، وهو الموافق لما في أحكام القرآن للكيا الطبري
٢٣٤/١- ٢٣٦، والكلام منه، وما سيرد بين حاصرتين منه، وانظر أحكام القرآن للجصاص ٤٧٠/١-٤٧١.

٤٠٨
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
مقبوضاً لم يؤثّر. هذا مذهب أبي حنيفة، وهو قولٌ لأصحاب الشافعيِّ. ويُستدل به
على أن هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع، وسقوطَ القبض فيه يوجبُ بطلانَ
العقد، خلافاً لبعض السلف، ويُروى هذا الخلافُ عن أحمد.
وهذا إنما يتمشّى على قول مَن يقول: إن العقد في الرِّبا كان في الأصل
منعقداً، وإنما بَطَلَ بالإسلام الطارئِ قبل القبض.
وأمَّا مَن مَنَع انعقاد الربا في الأصل، لم يكن هذا الكلام صحيحاً؛ وذلك أن
الرِّبا كان محرَّماً في الأديان، والذي فعلوه في الجاهليّة كان عادةً المشركين [لا بناءً
على شريعة]، وأنَّ ما قبضوه منه كان بمثابة أموالٍ وصلت إليهم بالغصب والسلب،
فلا يتعرَّض له. فعلى هذا لا يصحُّ الاستشهاد على ما ذكروه من المسائل.
واشتمالُ شرائع الأنبياء قبلنا على تحريم الربا مشهورٌ مذكور في كتاب الله تعالى؛
كما حَكَى عن اليهود في قوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الْرِّبَواْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١].
وذَكّر في قصة شعيبٍ أن قومه أنكروا عليه وقالوا: ﴿أَصَلَّوْتُكَ تَأْمُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ
ءَابَآؤُنَّا أَوْ أَن نَفْعَلَ فِيَّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَكَوَاْ﴾ [هود: ٨٧](١) فعلى هذا لا يستقيم الاستدلال
به. نعم، يُفهم من هذا أن العقود الواقعة في دار الحرب، إذا ظهر عليها الإمام،
لا يعترض عليها بالفسخ [و] إن كانت معقودة على فساد.
السادسة والثلاثون: ذهب بعض الغُلاة من أرباب الورع إلى أن المال الحلال
إذا خالطه حرام حتى لم يتميَّز، ثم أُخرج منه مقدارُ الحرام المختلط به، لم يَحِلَّ
ولم يَطِب؛ لأنه يمكن أن يكون الذي أُخرج هو الحلال، والذي بقي هو الحرام.
قال ابن العربي(٢): وهذا غُلُوٌّ في الدين؛ فإنَّ كلَّ ما لم يتميّز فالمقصودُ منه
ماليَّته لا عينُه، ولو تَلِف لقام المِثْلُ مقامَه، والاختلاطُ إتلافٌ لتمييزه، كما أن
الإهلاك إتلافٌ لعينه، والمِثْل قائمٌ مقام الذاهب، وهذا بَيِّنٌ حِسًّا بَيِّن معنَى. والله
أعلم.
(١) وقع في النسخ: ﴿أَنْهَنْنَا أَنْ تَّبُدَ﴾ وهو خطأ، وقد تابع المصنف في ذلك الكيا الطبري كما في حاشية
أحكام القرآن ٢٣٥/١.
(٢) أحكام القرآن ٢٤٥/١.

٤٠٩
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
قلت: قال علماؤنا: إنَّ سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من
رِباً فليردَّها على مَن أرْبَى عليه، ويطلبه إن لم يكن حاضراً، فإن أيٍس من وجوده
فليتصدَّق بذلك عنه. وإن أَخذَه بظلم فليفعل كذلك في أمر مَن ظَلَمه. فإن التَبَس
عليه الأمرُ، ولم يَذْرِ كم الحرامُ من الحلال مما بيده، فإنه يتحرَّى قَدْرَ ما بيده مما
يجب عليه ردُّه، حتى لا يشكَّ أنَّ ما يبقى قد خلص له، فيردُّه مِن ذلك الذي أَزال
عن يده إلى مَن عَرف ممَّن ظَلَمه أو أَرْبَى عليه، فإن أَيِسَ من وجوده، تصدَّق به
عنه. فإن أحاطت المظالم بذمَّته، وعَلم أنه وجب عليهِ من ذلك ما لا يُطيق أداءَه
أبدًا لكثرته، فتوبتُه أن يُزيل ما بيده أَجْمَعَ إمَّا إلى المساكين، وإما إلى ما فيه صلاحُ
المسلمين، حتى لا يبقى في يده إلَّا أقلُّ ما يُجزئه في الصلاة من اللباس، وهو ما
يستر العورة، وهو من سُرَّته إلى ركبتيه(١)، وقوتُ يومه؛ لأنه الذي يجب له أن
يأخذه من مال غيره إذا اضطُرَّ إليه وإن كره ذلك مَن يأخذه منه. وفارَقَ هاهنا
المفلس في قول أكثر العلماء، لأن المفلس لم يَصِرْ إليه أموال الناس باعتداء، بل
هم الذين صيَّروها إليه، فيُتْرك له ما يُواريه وما هو هيئة لباسه. وأبو عُبَيْد وغيرُه یری
أَلَّا يُترك للمفلس من اللباس إلا أقلُّ ما يُجزئه في الصلاة، وهو ما يواريه من سُرَّته
إلى ركبته، ثم كلَّما وقع بيد هذا شيءٌ أخرجه عن يده، ولم يمسك منه إلَّا ما
ذَكَّرْنا، حتى يَعلم هو ومَن يعلم حالَه أنه أدَّى ما عليه.
السابعة والثلاثون: هذا الوعيدُ الذي وعد الله به في الربا من المحاربة، قد
ورد عن النبيِّ وَّجِ مثلُه في المخابرة؛ روى أبو داود(٢)، قال: أخبرنا يحيى بن
مَعِين؛ قال: أخبرنا ابن رجاء قال: ابن خثيم حدَّثني عن أبي الزبير، عن جابر بن
عبد الله، قال: سمعتُ رسول الله بَّهِ يقول: (مَنْ لم يَذَرِ المخابرة فليُؤْذَنْ بحربٍ
من الله ورسوله)). وهذا دليلٌ على منع المخابرة، وهي أخذُ الأرض بنصفٍ أو
ثلث أو ربع، وتُسمَّى المزارعة. وأجمع أصحاب مالك كلُّهم، والشافعيُّ وأبو
حنيفة وأتباعُهم، وداود، على أنه لا يجوز دفعُ الأرض على الثُّلث والرُّبع،
(١) في (خ) و(ظ): وهو ما يستره من سرته إلى ركبته.
(٢) في (م): وروى أبو داود، والحديث في سننه (٣٤٠٦).

٤١٠
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
ولا على جزء(١) ممَّا تُخرج؛ لأنه مجهول؛ إلَّا أن الشافعيَّ وأصحابه وأبا حنيفة
قالوا بجواز كِراء الأرض بالطعام إذا كان معلوماً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:
((فأمَّا شيءٌ معلومٌ مضمونٌ فلا بأسَ به)) خرَّجه مسلم، وإليه ذهب محمد بن
عبد الله بن عبد الحكم(٢). ومنعه مالك وأصحابه؛ لما رواه مسلم أيضاً، عن
رافع بن خَدِيج(٣) قال: كنا نُحَاقِل(٤) بالأرض على عهد رسول الله وَِّ، فَنُكرِيها
بالثُلُّث والربع والطعام المسمَّى، فجاءنا ذات يوم رجلٌ من عُمومتي فقال: نهانا
رسول الله وَّ عن أمرٍ كان لنا نافعاً، وطواعيةُ اللهِ ورسوله أنفعُ لنا، نهانا أن
نُحَاقِلَ بالأرض فنُكْريَها(٥) على الثلث والربع والطعام المسمَّى، وأمر ربَّ الأرض
أن يَزْرَعها أو يُزْرِعها(٦). وکرِه كِراءَها وما سوى ذلك.
قالوا: فلا يجوزُ كراءُ الأرض بشيءٍ من الطعام مأكولاً كان أو مشروباً على
حال؛ لأن ذلك في معنى بَيْع الطعام بالطعام نَساءً(٧). وكذلك لا يجوز عندهم كراءُ
الأرض بشيءٍ مما يخرج منها وإن لم يكن طعاماً مأكولاً ولا مشروباً، سِوى
الخشب والقصب والحطب؛ لأنه عندهم في معنى المُزَابنة (٨). هذا هو المحفوظُ
عن مالكٍ وأصحابه.
(١) في النسخ: على الثلث والربع وعلى جزءٍ ...
(٢) التمهيد ٣١٨/٢-٣١٩، والحديث في صحيح مسلم (١٥٤٧): (١١٦) من حديث رافع بن خديج.
(٣) صحيح مسلم (١٥٤٨)، وهو عند أحمد (١٥٨٢٣)، ورافع بن خديج الأنصاريُّ الخزرجي المدني،
صاحبُ النبي *، استُصغر يوم بدر، وشهد أحداً والمشاهد، وكان صحراوياً عالماً بالمزارعة
والمساقاة، توفي سنة (٧٤هـ). السير ١٨١/٣.
(٤) قال أبو العباس في المفهم ٤٠١/٤: الفرق بين المحاقلة والمخابرة، أن المحاقلة كراء الأرض بما
يخرج منها مطلقاً. والمخابرة: كراؤها بجزءٍ مما يخرج منها كثلث وربع. وقد قال بعض الناس: إنهما
بمعنى واحد، والمشهور ما ذكرناه.
(٥) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): فنكتريها، والمثبت من (خ) وهو الموافق لما في صحيح مسلم.
(٦) في (د) و(ز) و(م): يزارعها، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في صحيح مسلم.
(٧) في (م): نسيئاً.
(٨) المزابنة: هي بيع الرُّطَب في رؤوس النخل بالتمر، وأصله من الزَّبْن، وهو الدفع، كأنَّ كل واحد من
المتبايعَيْن يَزْبِنُ صاحبَه عن حقه بما يزداد منه. النهاية (زين). وسيذكر المصنف الحديث في النهي عنها
آخر المسألة. قال ابن الأثير: إنما نهى عنها لما يقع فيها من الغبن والجهالة.

٤١١
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
وقد ذكر ابن سُخْنون عن المغيرة بن عبد الرحمن المخزوميِّ المدنيِّ أنه قال:
لا بأس بإكراء الأرض بطعام لا يخرج منها. وروى يحيى بنُ عمر عن المغيرة أن
ذلك لا يجوز، كقول سائر أصحاب مالك. وذكر ابن حبيبٍ أن ابن كنانةً كان
يقول: لا تُگری الأرضُ بشيءٍ إذا أُعید فيها نبت، ولا بأس أن تُکری بما سوى
ذلك من جميع الأشياء مما يُؤكلُ ومما لا يُؤكل، خرجَ منها أو لم يخرج منها؛ وبه
قال يحيى بن يحيى(١)، وقال: إنه من قول مالك. قال: وكان ابن نافع يقول:
لا بأس أن تُكْرى الأرض بكل شيءٍ من طعام وغيرِه خرج منها أو لم يخرج، ما
عدا الحِنْطةَ وأخواتها، فإنها المحاقلةُ المنهيُّ عنها(٢) .
وقال مالك في الموطّأ: فأمَّا الذي يعطي أرضَه البيضاء بالثلث والربع مما
يخرج منها، فذلك ممَّا يدخله الغَرَر؛ لأن الزرع يَقِل مَرَّةً ويكثر أخرى، وربما هَلَكَ
رأسًا، فيكون صاحبُ الأرض قد ترك كِراءً معلوماً؛ وإنما مَثَلُ ذلك مثل رجلٍ
استأجر أجيرًا لسفرٍ بشيءٍ معلوم، ثم قال الذي استأجر للأجير: هل لك أن أعطيَكَ
عُشْرَ ما أربح في سفري هذا إجارةً لك؟ فهذا لا يحلُّ ولا ينبغي.
قال مالك: ولا ينبغي لرجل أن يُؤاجر نفسه ولا أرضه ولا سفينته ولا دابَّته إلَّا
بشيءٍ معلوم لا يزول(٣).
وبه يقول الشافعيُّ وأبو حنيفةً وأصحابُهما.
وقال أحمد بن حنبل والليث والثوريُّ والأوزاعيُّ والحسن بن حيٍّ وأبو يوسف
ومحمد: لا بأس أن يعطيَ الرجل أرضه على جزء مما تخرجه نحو الثلث والربع؛
وهو قول ابن عمر وطاوس. واحتجُوا بقصة خيبر، وأن رسول الله مَّهِ عامَلَ أهلها
على شطرِ ما تُخرجه أرضهم وثمارهم.
قال أحمد: حديث رافع بن خَدِيج في النهي عن كِراء المَزارع مضطربُ
(١) قوله: بن یحیی، ليس في (د) و(ظ).
(٢) التمهيد ٣١٨/٢.
(٣) موطأ مالك ٢/ ٧٠٧.

٤١٢
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
الألفاظِ، ولا يصح، والقول بقصة خيْبَر أولى، وهو حديثٌ صحيح(١).
وقد أجاز طائفةٌ من التابعين ومَن بَعْدَهم أن يُعطيَ الرجل سفينتَه ودابَّته، كما
يُعطي أرضه بجزء ممَّا يرزقه الله في العلاج(٢) بها. وجعلوا أصلهم في ذلك
القِراض المجْمَع (٣) عليه على ما يأتي بيانه في ((المزَّمِّل)) إن شاء الله تعالى عند قوله
تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الآية: ٢٠].
وقال الشافعيُّ في قول ابن عمر: كنا نُخَابِرٍ ولا نرى بذلك بأساً، حتى أخبرنا
رافع بنُ خَدِيج أنَّ رسول الله وِ ◌ّهِ نَهى عنها. أي: كنا نُكْرِي الأرض ببعض ما
يخرج منها. قال: وفي ذلك نسخٌ لسُنَّة خيبر(٤).
قلت: وممَّا يصحِّح قول الشافعيِّ في النَّسخ ما رواه الأئمة - واللفظ
للدَّارِ قُطنيّ - عن جابر: أنّ النبيَّ وَّهِ نهى عن المُحاقَلَة والمُزَابَنَة والمُخَابَرَة، وعن
الثُّنْيَا إلَّا أن تُعلم(٥). صحيح. وروى أبو داود(٦) عن زيد بن ثابت قال: نَهى
رسول الله وَ﴿ عن المُخَابَرَة. قلت: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرضَ بِنصْفٍ
أو ثُلُث أو رُبُع.
الثامنة والثلاثون: في القراءات؛ قرأ الجمهور: ((ما بَقيَ)) بتحريك الياء،
وسگَّنها الحسن(٧)؛ ومثلُه قولُ جرير:
(١) التمهيد ٣١٩/٢، والاستذكار ٢٣٥/٢١-٢٣٦، وحديث قصة خيبر أخرجه أحمد (٤٦٦٣)، والبخاري
(٢٣٢٩) ومسلم (١٥٥١).
(٢) وقع في الاستذكار (والكلام منه) ٢٣٦/٢١: الصَّلاح، بدل: العلاج.
(٣) في (ظ) و(خ): المجتمع.
(٤) التمهيد ٣٢٠/٢، وأثر ابن عمر أخرجه أحمد (٢٠٨٧)، ومسلم بنحوه (١٥٤٧): (١٠٦).
(٥) أخرجه أحمد (١٤٣٥٨)، ومسلم (١٥٣٦): (٨٥)، والدار قطني ٤٨/٣-٤٩. قوله: الثّنْيا، قال أبو
العباس في المفهم ٤/ ٤٠٣-٤٠٤: الثنيا بالضم والقصر على وزن الكبرى: هي الاسم من
الاستثناء ... قال الهروي: بيع الثنيا هو أن يستثنى من المبيع شيء مجهول فيفسد البيع، وقال القتبي:
هو أن يبيع شيئاً جزافاً ويستثني منه شيئاً .
(٦) سنن أبي داود (٣٤٠٧)، وهو عند أحمد (٢١٦٣١).
(٧) المحتسب ١٤١/١، والمحرر الوجيز ٣٧٥/١. ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٧ لأبيٍّ
رضي الله عنه.

٤١٣
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
ماضِي الْعزِيمةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ (١)
هو الخليفةُ فارْضَوْا ما رَضِيْ لكُمُ
وقال عمر بن أبي ربيعة:
يا أشْبَهَ الناسِ كُلِّ الناسِ بِالقمرِ
كم قد ذكرتُكِ لَوْ أُجْزَی بذکرِكُمُ
حُبًّا لرؤية مَن أَشْبَهْتِ في الصُّوَرِ (٢)
إنّي لأجْذَلُ أن أَمْشِي مُقابِلَهُ
أصله ((ما رضِيَ)) و((أن أَمشِيَ))(٣) فأسكنها وهو في الشعر كثيرٌ. ووجهُه أنه
شبه الياءَ بالألف فكما لا تَصلُ الحركة إلى الألف فكذلك لم تصلْ هنا إلى
الياء(٤). ومن هذه اللغة: أحِبُّ أن أدْعُوْك، وأشتهي أن أقْضِيْكَ، بإسكان الواو
والياء.
وقرأ الحسن: ((ما بَقَى)) بالألف، وهي لغة طَيِّئ(٥)، يقولون للجارية: جاراة،
وللناصية: ناصاة؛ وقال الشاعر:
لعمركَ ما أخْشَى التّصَغْلُكَ ما بَقَى على الأرض قَيْسِيٌّ يسوق الأباعرا(٦)
وقرأ أبو السَّمَّال من بين جميع القراء: ((مِن الرِّبُوْ) بكسر الراء المشدَّدة وضم
الباء وسكون الواو. وقال أبو الفتح عثمانُ بن جِنِّي: شذَّ هذا الحرف من أمرین،
أحدهما: الخروج من الكسر إلى الضم، والآخر: وقوع الواو بعد الضم في آخر
الاسم. وقال المهدوِيُّ. وجهُها أنَّه فَخَّم الألفَ، فانْتَحَى بها نحو الواو التي الألفُ
(١) ديوان جرير ص٣٠٨ وفيه: فارضوا ما قضى ... ، وأورده برواية المصنف ابن جني في المحتسب
١٤١/١، والزمخشري في الكشاف ١/ ٤٠١، وابن عطية في المحرر ١/ ٣٧٥، وأبو حيان في البحر
٣٣٧/٢، وابن هشام في المغني ص٨٧٨.
(٢) ديوانه ص ١٢٤، ووقع في (م): أُمْسي، بدل: أمشي.
(٣) في (م): أُمسيّ.
(٤) المحرر الوجيز ٣٧٥/١، والمحتسب ١٢٥/١-١٢٦، وعقب ابن عطية بقوله: وفي هذا نظر.
(٥) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٤٠١/١، وأبو حيان في البحر ٣٣٧/٢. ونسبها ابن خالويه في
القراءات الشاذة ص١٧ لأُبيِّ رضي الله عنه.
(٦) لم نقف على قائله، وذكره أبو حيان في البحر ٣٣٧/٢، ولكنه أورده شاهداً على قراءة: ما بقيْ، بالياء
الساكنة. ووقع في (م): لعمرك لا أخشى ...

٤١٤
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
[بدل] منها (١)، ولا ينبغي أن يُحمل(٢) على غير هذا الوجه؛ إذْ ليس في الكلام اسمٌ
آخره واوٌ ساكنةٌ قبلها ضمة.
وأمَالَ الكِسائيُّ وحمزةُ: ((الربا)) لمكان الكسرة في الراء. الباقون بالتفخيم
لفتحة الباء (٣).
وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة: ((فآذِنُوا)) على معنى: فآذِنوا غيرَكم، فحَذَف
المفعول. وقرأ الباقون: ((فَأُذَنُوا))(٤) أي: كونوا على إذنٍ؛ من قولك: إني على علم؛
حكاه أبو عبيد عن الأصمعيّ. وحكى أهل اللغة أنهُ يقال: أذِنْتُ به إِذْنًا، أي: علمتُ به(٥).
وقال ابن عباس وغيره من المفسرين: معنى ((فَأُذَنُوا)) فاستيقنوا الحرب
من الله تعالى، وهو بمعنى الإذْن. ورجَّح أبو عليٍّ وغيره قراءة المدِّ، قال: لأنهم
إذا أُمِروا بإعلام غيرهم ممَّن لم ينته عن ذلك، علِموا هم لا محالة. قال: ففي
إعلامهم عِلمُهم، وليس في علمهم إعلامهم [غيرَهم]. ورجح الطبريُّ قراءة القصر؛
لأنها تختَصُّ بهم. وإنما أُمِروا على قراءة المدِّ بإعلام غيرهم(٦).
وقرأ جميع القراء: ((لَا تَظْلِمُونَ)) بفتح التاء ((وَلَا تُظْلَمُونَ)) بضمِّها. وروى
المفضَّل عن عاصم: ((لا تُظْلَمُونَ)) ((ولا تَظْلِمُونَ)) بضم التاء في الأولى وفتحها في
الثانية على العكس. وقال أبو عليٍّ: تترجَّح قراءة الجماعة بأنها تناسب قوله: ((وإِنْ
تُبْتُمْ)) في إسناد الفعلين إلى الفاعل؛ فيجيء ((تَظْلِمُون)) بفتح التاء أشْكَلَ بما قبله(٧).
(١) المحتسب ١٤٢/١، والمحرر الوجيز ٣٧٥/١، وما بين حاصرتين منهما، قال أبو حيان في البحر
٣٣٣/٢: وهي لغة الحيرة، ولذلك كتبها أهل الحجاز بالواو؛ لأنهم تعلموا الخط من أهل الحيرة.
وذكر قراءة أبي السَّمَّال أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٧ .
(٢) في (خ) و(ظ): تحمل.
(٣) انظر التيسير ص ٤٩.
(٤) السبعة ص ١٩٢، والتيسير ص ٨٤.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٤١/١.
(٦) المحرر الوجيز ٣٧٥/١، وما سلف بين حاصرتين منه، وكلام أبي عليَّ الفارسي في الحجة ٤١٣/٢،
وكلام الطبري في التفسير ٥١/٥. قال ابن عطية: والقراءتان عندي سواء ...
(٧) الحجة ٤١٣/٢-٤١٤، ونقل عنه المصنف بواسطة المحرر الوجيز ٣٧٦/١ وانظر السبعة ص ١٩٢،
والقراءات الشاذة ص ١٧ .

٤١٥
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيرٌ
لَكُمَّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
فيه تسع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ لمَّا حكم جلَّ وعزَّ لأرباب الرِّبا
برؤوس أموالهم عند الواجِدين للمال، حكم في ذي العُسْرة بالنَّظِرَة إلى حال
الميْسَرة؛ وذلك أن ثقيفًا لمَّا طلبوا أموالهم التي لهم على بني المغيرة، شكوا
العسرة - يعني بني المغيرة - وقالوا: ليس لنا شيءٌ، وطلبوا الأجلَ إلى وقت
ثمارهم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾(١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَقِ﴾ مع قوله ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ
أَمْوَلِكُمْ﴾ يدلُّ على ثبوت المطالبة لصاحب الدَّيْن على المَدِين، وجوازٍ أخذ ماله
بغير رضاه، ويدل على أن الغريم متى امتنع من أداء الدَّيْن مع الإمكان كان ظالماً؛
فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾ فجعل له المطالبةً برأس ماله. فإذا
كان له حُّ المطالبة، فعلى مَن عليه الدينُ لا محالةَ وجوبُ قضائه(٢).
الثالثة: قال المهدويُّ: وقال بعض العلماء: هذه الآية ناسخةٌ لمَا كان في
الجاهلية من بيع مَنْ أعْسَر. وحكى مكيٍّ أن النبيَّ ◌َلّر أَمر به في صدر الإسلام.
قال ابن عطية: فإن ثبت فعلُ النبيِّ وَّهِ فهو نَسْخٌ، وإلا فليس بنسخ(٣).
قال الطَّحَاويُّ(٤): كان الحرُّ يُباع في الذَّيْن أوَّلَ الإِسلام إذا لم يكن له مال
يقضيه عن نفسه، حتى نسخ الله ذلك فقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُشْرَةٍ فَنَظِرَةٌ
إِلَى مَيْسَرَؤْ﴾. واحتجُوا بحديث رواه الدار قطنيُّ(٥) من حديث مسلم بن خالد
(١) تفسير أبي الليث ٢٣٦/١، والمحرر الوجيز ٣٧٦/١. وسلف نحوه في المسألة التاسعة والعشرين في
تفسير الآية قبلها.
(٢) أحكام القرآن للكيا ٢٣٧/١.
(٣) المحرر الوجيز ٣٧٦/١.
(٤) شرح معاني الآثار ١٥٧/٤، والناسخ والمنسوخ للنحاس ١٠٢/٢-١٠٤.
(٥) سنن الدار قطني ٦١/٣.

٤١٦
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
الزنجيّ، أخبرنا زيدُ بنُ أسلمَ، عن ابن البَيْلَمَانيَّ، عن سُرَّق(١) قال: كان لرجل
عَلَيَّ مالٌ - أو قال: ديْنٌ - فذهب بي إلى رسول الله وَّ﴿، فلم يُصِبْ لي مالاً فباعني
منه، أو باعني له. أخرجه البَزَّار بهذا الإسنادِ أطولَ منه. ومسلم بن خالد الزنجيُّ
وعبد الرحمن بن البيلمانيّ لا يحتجُّ بهما(٢).
وقال جماعة من أهل العلم: قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَؤْ﴾ عامَّةٌ في جميع
الناس، فكلُّ مَن أَعْسَر أُنْظِر؛ وهذا قولُ أبي هريرة والحسن وعامَّة الفقهاء. قال
النحاس(٣): وأحسنُ ما قيل في هذه الآية قولُ عطاء والضخّاك والربيع بن خثيم.
قالوا(٤): هي لكلِّ مُعْسِرٍ، يُنْظَر في الرِّبا والدَّيْن كلِّه. فهذا قولٌ يَجمع الأقوال؛
لأنه يجوز أن تكون ناسخةً عامَّة نزلت في الرِّبا، ثم صار حُكْمُ غيرهِ كحكمه، ولأنَّ
القراءةً بالرفع بمعنَى: وإن وقع ذو عسرةٍ من الناس أجمعين. ولو كان في الرِّبا
خاصةً لكان النصبُ الوجهَ، بمعنى: وإن كان الذي عليه الربا ذا عسرة.
وقال ابن عباس وشُريح: ذلك في الرِّبا خاصةً، فأما الديونُ وسائر المعاملات فليس
فيها نَظِرَةٌ، بل يؤدِّي(٥) إلى أهلها، أو يحبسُ فيها حتى يُوفِّيَه؛ وهو قول إبراهيم،
واحتجُّوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَأْمُرُّكُمْ أَنْ تُؤَدُوا الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية [النساء: ٥٨].
قال ابن عطية(٦): فكان هذا القولُ يَتَرِثَّب إذا لم يكن فقرٌ مُذْقِع، وأمَّا مع العُدْم
والفقر الصرِيح فالحكم هي (٧) النظرة ضرورة.
(١) سُرَّق: بضم أوَّله وتشديد الراء بعدها قاف، يقال: كان اسمه الحباب فغيره النبي ◌َّر، ويقال: اسم
أبيه أسد، وهو جهني، ويقال: دُؤلي، ويقال: أنصاري توفي في خلافة عثمان رضي الله عنه.
الإصابة ٤/ ١٣٠.
(٢) كشف الأستار (١٣٠٣)، قال البيهقي ٥١/٦: وفي إجماع العلماء على خلافه - وهم لا يجمعون على
ترك رواية ثابتة - دليل على ضعفه، أو نسخه إن كان ثابتاً .
(٣) الناسخ والمنسوخ ١٠٥/٢، ١٠٧، ومعاني القرآن ٣١٠/١-٣١١، وقول أبي هريرة والحسن أخرجه
ابن أبي شيبة ٢٤٩/٦ - ٢٥٠.
(٤) في (د) و(ز) و(م): قال.
(٥) في (د) و(خ) تؤدى.
(٦) المحرر الوجيز ٣٧٧/١، وأخبار ابن عباس وشريح وإبراهيم أخرجها الطبري ٥/ ٥٧-٦٠.
(٧) في (م): هو.

٤١٧
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
الرابعة: مَن كثُرت ديونُه وطلب غرماؤه مالَهم، فللحاكم أن يخلعه عن كلِّ ماله
ويتركَ له ما كان من ضرورته؛ روى ابن نافع عن مالك: أنه لا يترك له إلَّا ما يُوارِيه.
والمشهور أنه يترك له کسوته المعتادة ما لم یکن فیھا فضل، ولا يُنْزَع منه رداؤه إن
کان ذلك مزریاً به، وفي ترك کسوة زوجته، وفي بیع کتبه ۔ إن کان عالماً - خلاف.
ولا يتركُ له مسكن ولا خادم ولا ثوبُ جمعتِه (١) ما لم تقلَّ قيمتُها(٢)، وعند هذا يحرمُ
حَبْسُه. والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَوْ﴾(٣).
روى الأئمة - واللفظ لمسلم - عن أبي سعيد الخدرِيِّ(٤) قال: أصيب رجل في
عهد رسول الله وَّ﴿ في ثمار ابتاعها، فكثُر دَيْنه؛ فقال رسول الله وَله: ((تصدَّقوا
عليه)). فتصدَّق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينه. فقال رسول الله وَّليه لغرمائه:
(خُذوا ما وَجَدْتُم وليس لكم إلَّا ذلك)). وفي مصنف أبي داود(٥): فلم يَزِدْ
رسول الله ◌َ﴿ غرماءَه على أن خَلَع لهم مالَه. وهذا نصّ؛ فلم يأمر رسول الله وَّل
بحبس الرجل - وهو معاذ بن جبل - كما قال شُرَيْح، ولا بملازمته؛ خلافاً لأبي
حنيفة فإنه قال: يلازَم لإمكان أن يظهر له مال. ولا يكلّف أن يكتسب لمّا
ذكرنا(٦). وبالله توفيقنا .
الخامسة: ويُحبس المفلس في قول مالك والشافعيِّ وأبي حنيفة وغيرِهم حتى
يتبيَّن عُذْمُه. ولا يُحبس عند مالك إن لم يُتَّهم أنه غيَّب مالَه ولم يتبيَّن لَدَدُه. وكذلك
لا يُحبس إن صحَّ عُسْره على ما ذكرنا(٧) .
السادسة: فإن جُمِع مال المفلس، ثم تلِف قبل وصوله إلى أربابه وقبل البيع،
(١) في (م): جمعة.
(٢) في (د) و(ظ): قيمتهما.
(٣) المفهم ٤/ ٤٢٧-٤٢٨ .
(٤) صحيح مسلم (١٥٥٦)، وهو عند أحمد (١١٣١٧).
(٥) لم نقف عليه في سنن أبي داود، وأخرجه في المراسيل (١٧١) من طريق عبد الرحمن بن كعب بن
مالك أن معاذ بن جبل ...
(٦) المفهم ٤/ ٤٢٧ .
(٧) ينظر عقد الجواهر الثمينة ٦١٤/٢-٦١٥. واللَّدَد: الخصومة الشديدة. اللسان (لدد).

٤١٨
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
فعلى المفلس ضمانُه، ودَيْنُ الغرماء ثابتٌ في ذمته. فإن باع الحاكم مالَه وقبض
ثمنه، ثم تلِف الثمن قبل قَبْضِ الغرماء له، كان عليهم ضمانُه وقد بَرِئَ المفلس منه.
وقال محمد بن عبد الحكم: ضمانهُ من المفلس أبداً حتى يصل إلى الغرماء(١).
السابعة: العُسْرَة ضِيْقُ الحال من جهة عدم المال؛ ومنه جيش العسرة.
والنَّظِرَة: التأخير. والمَيْسَرَة مصدرٌ بمعنى اليُسْر. وارتفع ((ذو)) بكان التامةِ التي
بمعنى وُجِد وحَدَث؛ هذا قول سيبويه وأبي عليٍّ وغيرِهما(٢). وأنشد سيبويه:
فِدَی لبني ذُهْلِ بنِ شيبانَ ناقتي
إذا كان يومٌ ذو كواكبَ أَشْهَبُ(٣)
ويجوز النصب؛ وفي مصحف أبيّ بن كعب: ((وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ)) على معنى:
وإن كان المطلوبُ ذا عسرة(٤). وقرأ الأعمش: ((وإن كان مُعْسِرًا فَنَظِرَةٌ)). قال أبو
عمرو الدَّانِيُّ عن أحمد بن موسى: وكذلك في مصحف أبيّ بن كعب. قال النحاس
ومكِّيٌّ والنّقَّاش: وعلى هذا يختصُّ لفظ الآية بأهل الرِّبا، وعلى مَن قرأ (ذو)) فهي
عامة في جميع مَن عليه دين، وقد تقدَّم. وحكى المهدَوِيُّ أن في مصحف عثمان:
«فإن كان - بالفاء - ذو عسرة))(٥).
وروى المعتمِر عن حَجَّاجِ الورَّاق قال: في مصحف عثمان: ((وإِن كان ذا
عسرةٍ)) ذكره النحاس(٦).
وقراءة الجماعة: ((نَظِرَةٌ)) بكسر الظاء. وقرأ مجاهدٌ وأبو رَجاء والحسن:
(١) الكافي ٨٢٨/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٣٧٦/١.
(٣) الكتاب ٤٧/١، والمقتضب ٩٦/٤، وشرح المفصل ٩٨/٧، واللسان (شهب)، قوله: أشهب، قال
في اللسان: يجوز أن يكون أشهب لبياض السلاح، وأن يكون لمكان الغبار.
(٤) القراءات الشاذة لابن خالويه ص١٧ وزاد نسبتها لعثمان رضي الله عنه، ومعاني القرآن للفراء ١٨٦/١،
والمحرر الوجيز ٣٧٦/١.
(٥) المحرر الوجيز ٣٧٦/١، والبحر ٣٤٠/٢.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٢/١، وفيه أنها لعبد الله وليست لعثمان، ونسبها الفراء في معاني القرآن
١٨٦/١ لعبد الله بن مسعود أيضاً، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٧ لعثمان رضي الله
عنه وأُبيّ.

٤١٩
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
(فَنَظْرَةٌ)) بسكون الظاء، وهي لغةٌ تميميَّة، وهم الذين يقولون: گَرْمُ زیدٍ، بمعنى: گَرَم
زید، ويقولون: کبد، في گَبِد(١).
وقرأ نافع وحده: (مَيْسُرَةٍ)) بضم السين، والجمهورُ بفتحها(٢).
وحكى النحاس عن مجاهد وعطاء: ((فناظِرْهُ - على الأمر - إلى مَيْسُرِهِي)) بضم
السين وكسر الراء وإثبات الياء في الإدراج (٣).
وقرئ: ((فَنَاظِرَةٌ)) قال أبو حاتم: لا يجوزُ ((فناظرة))، إنما ذلك في ((النمل))
[الآية: ٣٥] لأنها امرأة تكلمت بهذا لنفسها، مِن نظرتْ تنظر فهي ناظرة؛ وأما (٤) في
((البقرة)) فمن التأخير، من قولك: أنظرتُكَ بالدَّيْن، أي: أخّرتُك به. ومنه قوله:
﴿فَأَنْظِرْنِيّ إِلَى يَوْمٍ يُعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦]. وأجاز ذلك أبو إسحاق الزجَّاج(٥) وقال:
هي من أسماء المصادر؛ كقوله تعالى: ﴿لَسَ لِوَفْعَنِهَا كَاذِبَةُ﴾ [الواقعة: ٢]. وكقوله
تعالى: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] وك﴿ خَيِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] وغيره.
نَذَبَ الله تعالى
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُواْ﴾ ابتداءٌ، وخبره: ﴿خَ
بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المغْسِر، وجعل ذلك خيراً من إنْظاره؛ قاله السدِّيُّ
وابن زيد والضحاك. وقال الطبريّ(٦): وقال آخرون: معنى الآية: وأن تصدَّقوا
على الغنيِّ والفقير خيرٌ لكم. والصحيح الأوَّل، وليس في الآية مَدْخل للغنيّ.
(١) المحرر الوجيز ٣٧٦/١. وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٧، وابن جني في
المحتسب ١٤٣/١.
(٢) السبعة ص١٩٢، والتيسير ص ٨٥.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٢/١، ووقع في مطبوعه: وإثبات الهاء في الإدراج، وهو تحريف، وذكرها
كذلك ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٧، وابن جني في المحتسب ١٤٣/١ وقال: وأما إلى
مَيْسُرٍه، فغريب، وذلك أنه ليس في الأسماء شيءٌ على مَفْعُل بغير تاء، وردها أيضاً الزجاج في معاني
القرآن ٣٦٠/١. وانظر البحر ٣٤٠/٢.
(٤) في (م): وما.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٣٥٩/١-٣٦٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٤٣/١،
والكلام منه.
(٦) تفسير الطبري ٥/ ٦٣، وفيه تخريج الأخبار المذكورة، ونقل المصنف عنه ذلك بواسطة ابن عطية في
المحرر الوجيز ٣٧٧/١، والكلام منه.

٤٢٠
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
التاسعة: روى أبو جعفر الطَّحَاويُّ عن بُريْدة بن الخَصِيب قال: قال
رسول الله صلٍ: (مَن أَنْظَر مُعْسِراً كان له بكلِّ يوم صدقة)) [قال: وسمعتهُ يقول ((مَن
أُنْظَر مُعْسِراً فله بكلٌ يوم مثلُه صدقة)) قال: قلتُّ: يا رسول الله، قلتَ: بكل يوم
صدقة،] ثم قلتَ: بكلِّ يَوم مثلُه صدقة، قال: فقال: ((بكلِّ يوم صدقةٌ ما لم يَحِلُّ
الدَّيْن، فإذا أنْظَرَه بعد الحِلِّ فله بكلِّ يوم مثلُه صدقة))(١) .
وروى مسلم(٢) عن أبي مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((حُوسِب رجلٌ ممَّن
كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيءٌ إلَّا أنه كان يخالط الناس وكان موسِراً،
فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسِر، قال: قال الله عزَّ وجلَّ: نحن أحقُّ
بذلك منه، تجاوزوا عنه)).
ورَوى عن أبي قتادة أنه طلب غرِيماً له، فتوارَى عنه ثم وجده، فقال: إني
معسِر. فقال: آلله؟ قال: اللهِ. قال: فإني سمعتُ رسول الله وَ له يقول: ((مَن سرَّه أن
يُنْجِيَه الله من كُرَبٍ يومِ القيامة، فلينفِّس عن مُعْسِرٍ أو يَضَعْ عنه))(٣)، وفي حديث
أبي اليَسَر الطويلِ - واسمه كعب بن عمرو - أنه سمع رسول الله وَله يقول: ((مَن
أَنظر مُعسِراً، أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظِلِّه))(٤).
ففي هذه الأحاديثِ من الترغيب ما هو منصوصٌ فيها. وحديثُ أبي قتادة يدل
على أن ربَّ الدين إذا علِم عُسْرةَ غريمه أو ظنها، حَرُمَتْ عليه مطالبتُه وإن لم تثبت
عُسْرته عند الحاكم.
وإِنْظارُ المعسِر: تأخيرُه إلى أن يُوسِر. والوضعُ عنه: إسقاطُ الدين عن
ذمته. وقد جمع المعنیین أبو اليَسَر لغريمه حيث محا عنه الصحيفة وقال له: إن
وجدتَ قضاءً فاقضٍ، وإلَّا فأنت في حِلّ(٥).
(١) شرح مشكل الآثار (٣٨١٠) و(٣٨١١) وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٢٣٠٤٦).
(٢) صحيح مسلم (١٥٦١).
(٣) صحيح مسلم (١٥٦٣).
(٤) أخرجه مسلم (٣٠٠٦)، وأخرجه أحمد مختصراً (١٥٥٢١).
(٥) هو قطعة من حديثه المذكور.