Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ سورة البقرة : الآية ٢٦١ أراد الناسَ، فحوَّل السين تاء. الباقون بالإظهار على الأصل؛ لأنهما كلمتان. الرابعة: ورد القرآن بأنَّ الحسنةَ في جميع أعمال البِرِّ بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآيةُ أنَّ نفقةَ الجهاد حسنتُها بسبع مئة ضعف. واختلف العلماء في معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ﴾ فقالت طائفة: هي مبيِّنة مؤكّدة لما تقدَّم من ذكر السبع مئة، وليس ثَمَّ تضعيفٌ فوق السبع مئة. وقالت طائفة من العلماء: بل هو إعلامٌ بأنَّ الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبع مئة ضعف(١). قلت: وهذا القول أصحُ لحديث ابن عمر المذكورِ أوَّلَ الآية. وروى ابن ماجه: حدَّثنا هارون بن عبد الله الحَمَّال، حدَّثنا ابنُ أبي فُدَيْك، عن الخليل بن عبد الله، عن الحسن، عن عليٍّ بن أبي طالب، وأبي الدرداء [وأبي هريرة] وعبد الله بن عمر، وأبي أمامة الباهليّ، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين؛ كلَّهم يحدِّث عن رسول الله وَّه أنه قال: ((مَنْ أَرْسَلَ بنَفَقَةٍ في سبيل الله، وأقامَ في بيته، فلَهُ بكلِّ دِرْهَمٍ سبع مئة، ومَنْ غَزا بنفسِهِ في سبيلِ اللهِ، وأنفقَ في وجهه(٢)، فلَهُ بكلِّ دِرْهَمِ سبع مئةٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ)) ثم تلا: ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءٌ﴾ (٣)). وقد رُوي عن ابن عباس أنَّ التضعيف ينتهي لمَن شاء الله إلى ألفي ألفٍ. قال ابن عطية(٤): وليس هذا بثابت الإسناد عنه. الخامسة: في هذه الآية دليل على أن اتِّخاذ الزرع من أعلَى الحِرَفِ التي يتخذها الناس، والمكاسبِ التي يشتغل بها العُمال، ولذلك ضرب اللهُ به المَثَلَ فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ﴾ الآية. (١) المحرر الوجيز ٣٥٥/١-٣٥٦. (٢) في سنن ابن ماجه: ((وجه ذلك)). (٣) سنن ابن ماجه (٢٧٦١)، وما بين حاصرتين منه. قال في مصباح الزجاجة ٣/ ١٥٤: هذا إسناد ضعيف، الخليل بن عبد الله لا يُعرف، قاله الذهبي وابن عبد الهادي .... وأصله في صحيح مسلم [٩٩٤]، والترمذي [١٩٦٦]، والنسائي [٩١٣٨]، وابن ماجه [٢٧٦٠] من حديث ثوبان. (٤) المحرر الوجيز ٣٥٦/١ وما قبله منه. ٣٢٢ سورة البقرة : الآية ٢٦١ وفي صحيح مسلم عن النبيِّ وَّهُ: ((ما مِنْ مُسلمٍ يَغْرِسُ غَرْساً، أو يَزْرَعُ زَرْعاً، فيأكلُ منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ، إلا كان له به (١) صدقةً))(٢). ورَوَى هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله وَّن: ((الْتَمِسُوا الرِّزْقَ في خَبايا الأرض)). يعني الزرع، أخرجه الترمذيُّ(٣). وقالِ ◌ّ فِي النخل: ((هي الراسخاتُ في الوَحْلِ، المُطْعِمات في المَحْل)) (٤). وهذا خرج مخرج المدح. والزراعة من فروض الكفاية، فيجب على الإمام أن يجبر الناسَ عليها وما كان في معناها من غرس الأشجار. ولقِي عبدُ الله بنُ عبدِ الملك(٥) ابنَ شهابِ الزُّهْريَّ فقال: دُلَّني على مالٍ أعالجه، فأنشأ ابن شهاب يقول: وقد شدَّ أخلاسَ المطِيِّ مُشرِّقًا أقولُ لعبدِ الله يومَ لَقيتُه · لعلَّكَ يوماً أن تُجَابَ فتُرزقًا تتَبَّغْ خبايا الأرض وادعُ ملیگها: (١) لفظة: به من (خ) وصحيح مسلم. (٢) صحيح مسلم (١٥٥٣) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وأخرجه أيضاً البخاري (٢٣٢٠). (٣) لم يخرجه الترمذي في سننه، ولم يورده المزي في تحفة الأشراف. وأخرجه أبو يعلى (٤٣٨٤)، والطبراني في الأوسط (٨٩٩) (٨٠٩٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (٦٩٤)، والبيهقي في الشعب (١٢٣٣) و(١٢٣٤). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٦٣/٤، وقال: وفيه هشام بن عبد الله بن عكرمة، وضعفه ابن حبان. وقال ابن حبان في المجروحين ٩١/٣: يروي عن هشام بن عروة ما لا أصل له من حديثه ... لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد. (٤) أخرجه أبو يعلى (١٥١٥) من حديث عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦٨/٤: فيه فضالة بن حصين، وهو ضعيف. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٣٩٢٨)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٣١٤) من حديث أبي هريرة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦٨/٤: فيه المُعَلَّى بن ميمون، وهو متروك. (٥) ابن مروان، ولي الديار المصرية بعد عبد العزيز بن مروان إلى أن صرف سنة تسعين. وولي غزو الروم فأنشأ مدينة المصّيصة، وله دار بدمشق. مات سنة مئة فخلّف ثمانين مُدَّ ذهب. سير أعلام النبلاء ١١٣/٥. ٣٢٣ سورة البقرة : الآية ٢٦٢ فيؤتيك مالاً واسعاً ذا مَثابَة إذا ما مياهُ الأرض غارتْ تدَقَّقًا(١) وحُكي عن المعتضد(٢) أنه قال: رأيت عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه في المنام يُناولني مِسْحاةً(٣)، وقال: خذها، فإنها مفاتيح خزائن الأرض. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ مَنَّا وَلَّ أَذٌِّ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قيل: إنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال عبد الرحمن بن سَمُرة: جاء عثمان بألف دينار في جيش العُسْرة، فصبَّها في حِجْر رسول الله وَله، فرأيته يُدخل يده فيها ويُقَلِّبها، ويقول: ((ما ضَرَّ ابنَ عفان ما عَمِلَ بعد اليوم، اللهمَّ لا تنسَ هذا اليومَ لعثمان»(٤). وقال أبو سعيد الخدريّ: رأيت النبيَّ ◌َليل رافعاً يديه يدعو لعثمان يقول: ((يا ربَّ عثمان، إني رضيتُ عنه(٥) فارْضَ عنه)). فما زال يدعو له (٦) حتى طلع الفجر فنزلت: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذْىٌ﴾ الآية(٧). الثانية: لمَّا تقدَّم - في الآية التي قبلُ - ذِكرُ الإنفاق في سبيل الله على العموم، (١) ذكر هذه الأبيات المرزباني في معجم الشعراء ص ٣٤٥-٣٤٦، وفيها: يسير بأعلى الرقتين مشرقاً. وذكر الإمام أحمد في كتاب فضائل الصحابة (٤٢٢)، وابن عبد البر في التمهيد ٦/ ١١٢ البيتين الأولين. (٢) المعتضد بالله الخليفة، أبو العباس، أحمد بن الموفق بالله، طلحة بن المتوكل الهاشمي العباسي. توفي سنة ٢٨٩هـ. سير أعلام النبلاء ١٣ /٤٦٣ . (٣) هي أداة تُقشر بها الأرض وتُجرف. المعجم الوسيط. (٤) أخرجه أحمد (٢٠٦٣٠)، والترمذي (٣٧٠١) وحسّنه. (٥) في (م): عن عثمان. (٦) لفظة ((له)) من (ظ) و(خ). (٧) أورده الواحدي في أسباب النزول ص٨١، وابن حجر في العجاب ١/ ٦٢٢. وأورده ابن الجوزي في صفة الصفوة ٢٩٨/١ دون قوله: فنزلت .... ٣٢٤ سورة البقرة : الآية ٢٦٢ بَيَّن في هذه الآية أنَّ ذلك الحكمَ والثوابَ إنما هو لمَن لا يُتبع إنفاقَه مَنَّ ولا أَذى؛ لأن المنَّ والأذى مبطلان لثواب الصَّدقة، كما أخبر تعالى في الآية بعد هذا، وإنما على المرء أن يريدَ وجهَ الله تعالى وثوابَه بإنفاقه على المنفَق عليه، ولا يرجو منه شيئاً، ولا ينظر من أحواله في حالٍ سوى أن يراعيّ استحقاقَه، قال الله تعالى: ﴿لَا ◌ُبِدُ مِنْكُرْ جَزَاءُ وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]. ومتى أنفق ليريدَ من المنفَق عليه جزاءً بوجهٍ من الوجوه؛ فهذا لم يُرد وجهَ الله، فهذا إذا أخلف ظنُّه فيه؛ مَنَّ بإنفاقه وآذَى. وكذلك مَنْ أنفقَ مضطرّاً دَافِعُ غُرْمٍ، إمَّا لمانَّةٍ للمنفَق عليه، أو لقرينةٍ أخرى من اعتناءِ مُعْتَنٍ؛ فهذا لم يُرِدْ وجهَ الله (١). وإنما يُقبل ما كان عطاؤه لله، وأكثرُ قصده ابتغاءَ ما عند الله، كالذي حُكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ أعرابيّاً أتاه فقال : يا عُمَرَ الخيرِ جُزِيتَ الجَنَّهْ أُكْسُ بُنَيّاتِي وأُمَّهُنَّهْ وكُنْ لنا مِنَ الزَّمان جُنَّهْ أُقِسِمُ بالله لتَفْعَلَنَّه قال عمر: إنْ لم أفعلْ، يكون ماذا؟! قال: إذاً أبا حفصٍ لأَذْهَبَنَّهْ قال: إذا ذهبتَ، يكون ماذا؟ قال: يومَ تكون الأُعْطِياتُ هَنَّهْ تكونُ عن حالي لتُسْأَلَئَّة إمَّا إلى نارٍ وإمَّا جَنَّهْ ومَوْقِفُ المسؤول بينَهِنَّهْ فبكى عمرُ حتى اخْضَلَّتْ لحيتُه، ثم قال: يا غلام، أعطِهِ قميصي هذا لذلك اليوم، لا لِشِعْره! والله لا أملك غيرَه(٢) ! . قال الماورديُّ: وإذا كان العطاءُ على هذا الوجه، خالياً من طلب جزاءٍ وشُكرٍ، وعَرِيًّا عن امتنان ونشرٍ؛ كان ذلك أشرفَ للباذل، وأهْنَأَ للقابل. فأما المعطي إذا التمس بعطائه الجزاء، وطلب به الشكرَ والثناءَ؛ كان صاحبَ سُمْعةٍ ورِياء، وفي (١) انظر المحرر الوجيز ٣٥٦/١. (٢) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه ٣١٢/٤، والسبكي في طبقات الشافعية ٢٦٤/١. ٣٢٥ سورة البقرة : الآية ٢٦٢ هذين مِنَ الذَّم ما ينافي السخاء. وإن طلبَ الجزاءَ؛ كان تاجراً مُربِحاً، لا يَستحِقُّ حمداً ولا مدخًا(١). وقد قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تُعطِي عطيةً تلتمسُ بها أفضلَ منها(٢). وذهب ابن زيد إلى أنَّ هذه الآية إنما هي في الذين لا يخرجون في الجهاد، بل ينفقون وهم قعود، وأنَّ الآية التي قبلها هي في الذين يخرجون بأنفسهم. قال: ولذلك شرط على هؤلاء، ولم يشترط على الأوَّلِين. قال ابن عطية(٣): وفي هذا القول نظر؛ لأنَّ التحكم فيه بادٍ. الثالثة: قوله تعالى: ﴿مَثَّا وَلَآَ أَذِىٌّ﴾ المَنُّ: ذِكْرُ النعمة على معنى التعديدِ لها والتقريع بها (٤)، مثل أن يقول: قد أحسنتُ إليكَ ونعَشْتُكَ، وشبهه. وقال بعضهم: المنُّ: التحدّثُ بما أَعطى حتى يبلغَ ذلك المعطى فيؤذيه. والمنُّ منَ الكبائر؛ ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره(٥)، وأنه أحدُ الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. وروى النسائيُّ عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((ثلاثةٌ لا يَنْظُرُ اللهُ إليهم يومَ القيامة: العاقُّ لوالديه، والمرأةُ المترجِّلةُ تتشبَّه بالرجال، والدَّيُّوثُ، وثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: العاقُّ لوالديه، والمدمِنُ الخمرِ، والمنَّانُ بما أَغْطَى))(٦). وفي بعض طرق مسلم (٧): ((المتَّانُ هو الذي لا يُعطي شيئاً إلَّا مِنَّة)). (١) لم نقف عليه. (٢) أخرجه الطبري٤١٤/٢٣ . (٣) المحرر الوجيز ٣٥٦/١ وما قبله منه. وقول ابن زيد أخرجه الطبري ٤/ ٦٥٦ -٦٥٧. (٤) المحرر الوجيز ٣٥٦/١. (٥) صحيح مسلم (١٠٦)، وسنن أبي داود (٤٠٨٧)، والترمذي (١٢١١)، والنسائي ٨١/٥، وابن ماجه (٢٢٠٨) من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه. (٦) سنن النسائي ٨٠/٥، وهو في مسند أحمد (٦١٨٠). قوله: ((الدَّيوث))، هو الذي لا يغار على أهله. النهاية لا بن الأثير (دیٹ). (٧) صحيح مسلم عقب (١٠٦). ٣٢٦ سورة البقرة : الآية ٢٦٣ والأذى: السَّبُّ والتَّشَكِّي، وهو أعمُّ من المَنِّ؛ لأنَّ المنَّ جزءٌ منَ الأذى، لکنه نصَّ عليه لكثرة وُقوعِه. وقال ابن زيد: لئن ظننتَ أنَّ سلامَك يثقل على مَنْ أنفقتَ عليه تريدُ وجهَ الله، فلا تُسَلِّم عليه. وقالت له امرأةٌ: يا أبا أسامة، دُلَّني على رجل يَخرج في سبيل الله حقًّا، فإنهم إنما يَخرجون يأكلون الفواكه، فإنَّ عندي أسهماً وجعبة. فقال: لا بارك الله في أسهمكِ وجعبتكِ، فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم(١). قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فمَنْ أنفق في سبيل الله ولم يُتبعه مَنَّا ولا أذى - كقوله: ما أشدَّ إلحاحَك! وخلَّصنا الله منك! وأمثال هذا - فقد تَضمَّن اللهُ له بالأجر، والأجرُ الجنَّةُ، ونَفى عنه الخوفَ بعد موته لِمَا يستقبل، والحزنَ على ما سلفَ مِن دنياه؛ لأنه يغتبط بآخرته فقال: ﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وكَفَى بهذا فضلاً وشرفاً للنفقة في سبيل الله تعالى. وفيها دلالة لمن فَضَّل الغنيَّ على الفقير، حسب ما يأتي بيانُه إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَىُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حلیٌ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ ابتداءٌ، والخبرُ محذوف، أي: قولٌ معروفٌ أولى وأمثل؛ ذكره النحاسُ(٢) والمهدويُّ(٣). قال النحاس(٤): ويجوز أن يكون ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ خبرُ ابتداءٍ محذوف، أي: الذي أُمِرْتم به قولٌ معروف. والقول المعروف هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله، خيرٌ من صدقةٍ هي (١) المحرر الوجيز ٣٥٦/١. وقول ابن زيد أخرجه الطبري ٤ / ٦٥٦-٦٥٧ . (٢) إعراب القرآن ٣٣٤/١. (٣) ذكر قولَ المهدوي ابنُ عطية في المحرر الوجيز ٣٥٧/١. (٤) إعراب القرآن ٣٣٤/١. ٣٢٧ سورة البقرة : الآية ٢٦٣ في ظاهرها صدقةٌ، وفي باطنها لا شيء؛ لأنَّ ذكرَ القول المعروف فيه أجر، وهذه لا أجرَ فيها (١). قال ◌َ﴾: ((الكَلِمةُ الطيِّبةُ صَدَقَةٌ)) ((وإنَّ منَ المعروفِ أنْ تَلْقَى أخاكَ بَوَجْهٍ طَلقٍ)) أخرجه مسلم (٢). فيتلقى السائل بالبِشْر والترحيب، ويقابله بالطلاقَة والتقريب؛ ليكون مشكوراً إنْ أَعْطَى، ومعذوراً إنْ مَنَع. وقد قال بعض الحكماء: القَ صاحبَ الحاجةِ بالِشر، فإنْ عَدِمْتَ شُكرَه؛ لم تَعْدَمْ عُذْره. وحكى ابنُ لنكك(٣) أنَّ أبا بكر بن دُرَيْد(٤) قصد بعضَ الوزراء في حاجة لم يقضها، وظهر له منه ضجر، فقال: فلَخيِرُ دهرِكَ أَنْ تُرَى مَسؤولا لا تدخلَّكَ ضَجْرةٌ من سائلٍ فبقاءُ عِزَّكَ أَنْ تُرَى مِأْمُولا لا تَجْبَهَنْ بالردِّ وجهَ مُؤَمِّلٍ وتَرى العُبُوس على اللَّئيم دَليلا تلقَّى الكريمَ فتستدلُّ بِشْره خبراً فكُنْ خَبراً يَروق جَميلا واعلمْ بأنَّكَ عن قليلٍ صائرٌ ورُوي من حديث عمرَ رضي الله عنه [قال:](٥) قال النبيُّ وَلِ: ((إذا سَأَلَ السائلُ فلا تَقْطَعوا عليه مسأَلَتَهُ حتى يَفْرُغَ منها، ثم رُدُّوا عليه بوَقَارٍ وليْنٍ، أو ببذلٍ (١) المحرر الوجيز ٣٥٧/١. (٢) قوله ◌َله: ((الكلمة الطيبة صدقة)) عند مسلم (١٠٠٩) من حديث أبي هريرة وأوله: ((كل سلامى من الناس عليه صدقة)). وأخرجه أيضاً البخاري (٢٩٨٩). وأما قوله: ((وإن من المعروف ... )) فقد أخرجه أحمد (١٤٧٠٩) من حديث جابر بن عبد الله. وأخرجه مسلم (٢٦٢٦) من حديث أبي ذر بلفظ: ((لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولَو أن تلقى أخاك بوجه طَلْق)). (٣) ابن لنكك البصري، هو أبو الحسن محمد بن محمد، فرد البصرة وصدر أدبائها، وبدر ظرفائها في زمانه. انظر يتيمة الدهر للثعالبي ٢/ ٤٠٧. (٤) محمد بن الحسن بن دريد الأزدي البصري صاحب التصانيف، تنقل في فارس، وجزائر البحر، يطلب الآداب ولسان العرب، ففاق أهل زمانه، ثم سكن بغداد، وكان أبوه رئيساً متمولاً. توفي في شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة، وله ثمان وتسعون سنة. سير أعلام النبلاء ٩٦/١٥. (٥) زيادة من (م). ٣٢٨ سورة البقرة : الآية ٢٦٣ يَسِير، أو رَدِّ جميلٍ، فقد يأتِيْكم مَنْ ليس بإنسٍ ولا جانٌّ ينظرونَ صنيعَكم فيما خَوَّلكم اللهُ تعالى))(١). قلت: دليلُه حديثُ أبرصَ وأقرعَ وأعمى، خرَّجه مسلم وغيره(٢)؛ وذلك أنَّ مَلَكاً تصوَّر في صورة أبْرَصَ مرةً، وأقْرَعَ أخرى، وأغْمى أخرى؛ امتحاناً للمسؤول. وقال بِشْر بن الحارث: رأيت عليًّا في المنام فقلت: يا أمير المؤمنين، قل لي شيئاً ينفعني الله به. قال: ما أحسنَ عطفَ الأغنياء على الفقراء رغبةً في ثوابِ الله تعالى، وأحسنُ منه تِيْهُ الفقراءِ على الأغنياء ثقةً بموعود الله. فقلت: يا أمير المؤمنين زِدني؛ فوَلَّى وهو يقول: وعن قليل تصيرُ مَيْئًا قد كنتَ مَيْئًا فصِرْتَ حَيًّا وابْنِ بدارِ البَقاء بَيْتًا(٣) فاخرِبْ بدارِ الفَناءِ بَيْئًا الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةُ﴾ المغفرة هنا: السَّترُ للخَلَّةِ وسوءِ حالةٍ المحتاج. ومن هذا قول الأعرابيّ، وقد سألَ قوماً بكلام فصيح، فقال له قائل: مِمَّنِ الرجل؟ فقال له: اللهم غَفْرًا! سُوءُ الاكتساب يمنعُ منَ الانتساب. وقيل: المعنى: تجاوزٌ عن السائل إذا ألحّ وأغلظ وجفا؛ خيرٌ من التصدُّق عليه مع المنِّ والأذَى، قال معناه النقَّاش(٤). وقال النحاس(٥): هذا مشكلٌ يبيِّنه الإعراب؛ ((مَغْفِرَةٌ)) رفعٌ بالابتداء، والخبرُ (١) لم نقف عليه من حديث عمر. وأخرج نحوه العقيلي في الضعفاء ٢١٣/١. وابن الجوزي في العلل المتناهية ٥١٤/٢-٥٠٥ من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال: هذا حديث لا أصل له. (٢) صحيح مسلم (٢٩٦٤) من حديث أبي هريرة. وهو أيضاً عند البخاري (٣٤٦٤). (٣) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٤٢٦/٩ و٢٣٤/١١، و٣٨٦/١٢ ونسبه للفتح بن شخرف. وفي ٣٨٦/١٢: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله - صاحب بشر بن الحارث - يقول: قال لي الفتح بن شخرف ... وكذلك ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة ٢/ ٤٠٣ . (٤) المحرر الوجيز ٣٥٧/١. (٥) إعراب القرآن ٣٣٤/١. ٣٢٩ سورة البقرة : الآية ٢٦٤ ﴿خَيْرٌ مِّنْ صَدَقَةٍ﴾. والمعنى والله أعلم: وفِعلٌ يؤدِّي إلى المغفرة؛ خيرٌ من صدقة يتبعها أَذى، وتقديره في العربية: وفعلُ مَغفِرةٍ. ويجوز أن يكون مثل قولك: تفضُّلُ الله عليك؛ أكْبَرُ(١) منَ الصدقة التي تَمُنُّ بها، أي: غفرانُ اللهِ خيرٌ من صدقتکم هذه التي تمُنُّون بها . الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيٌ﴾ أخبرَ تعالى بغناه(٢) المطلق؛ أنه غَنِيٌّ عن صدقة العباد، وإنما أَمَرهم (٣) بها ليُثِيبهم، وعن حلمه؛ بأنه لا يُعاجل بالعقوبة مَنْ مَنَّ وآذَى بصدقته. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَاَلْأَذَ كَلَّذِى يُنفِقُ مَا لَهُ رِئَّةَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ, كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلَّذًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ اَلْكَفِرِينَ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿بِأَلْمَنِّ وَالْأَذَ﴾ قد تقدَّم معناه. وعَبَّر تعالى عن عدمِ القَبول وحرمانِ الثواب بالإِبْطال، والمرادُ الصدقة التي يُمَنُّ بها ويُؤْذَى، لا غيرها. والعقيدةُ أنَّ السيئاتِ لا تُبطلُ الحسنات ولا تُحبطها؛ فالمنُّ والأذَى في صدقة لا يُبطل صدقةً غيرها. قال جمهور العلماء في هذه الآية: إنَّ الصدقة التي يعلم اللهُ مِن صاحبها أنه يَمِنُّ أو يُؤذي بها؛ فإنها لا تُقبل. وقيل: بل قد جعل الله للملَك عليها أمارةً؛ فهو لا يكتبها، وهذا حسن(٤). والعرب تقول لِمَا يُمَنُّ به: يَدٌ سوداء. ولِمَا يُعطَى عن غير مسألة: يَدٌ بيضاء. ولِمَا يُعطَى عن مسألة: يَدْ خضراء(٥). (١) في (ظ) وإعراب القرآن: أكثر. وفي (خ): أفضل. (٢) في (م): عن غناه، وفي (د): بغنائه. (٣) في (م): أمر. (٤) انظر المحرر الوجيز ٣٥٧/١. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٤/١، وانظر مجمع الأمثال ٤٥٧/٢. ٣٣٠ سورة البقرة : الآية ٢٦٤ وقال بعض البلغاء: مَنْ مَنَّ بمعروفه؛ سقطَ شكره، ومَنْ أُعجب بعمله؛ حَبِط أجرُهُ. وقال بعض الشعراء: أبطا عليه مُكافاتي فَعَادانِي وصاحبٍ سَلَفَتْ منه إليَّ يَدٌ أبدَى النَّدامة فيما كان أَوْلانِي لمَّا تيقَّنَّ أنَّ الدهرَ حاريني وقال آخر: ليس الكريمُ إذا أَسْدَى بمثَّانِ(١) أفسدتَ بالمنِّ ما أسدَيْتَ مِنْ حَسَنٍ وقال أبو بكر الورّاق فأحسن: في كلِّ وقتٍ وَزَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ كِلِّ حَسَنْ خاليةٌ مِنَ المِنَّنْ(٢) صَنيعةٌ مَرْبُوبَةٌ وسمع ابنُ سيرين رجلاً يقول لرجل: فعلتُ إليكَ وفعلتُ. فقال ابن سيرين(٣): اسكتْ، فلا خيرَ في المعروف إذا أُخْصِي. ورُوي عن النبيِّ وَّ﴿ أنه قال: ((إِيَّاكم والامتنانَ بالمعروف، فإنه يُبطِلُ الشكرَ، ويمحقُ الأجرَ)) ثم تلا: ﴿لَا نُطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنّ وَاَلْأَذَى﴾ (٤). الثانية: قال علماؤنا رحمةُ الله عليهم: كره مالكٌ لهذه الآية أنْ يُعطِيَ الرجلُ صدقتَه الواجبةَ أقاربَه؛ لئلا يَعْتاضَ منهم الحمدَ والثناءَ، ويُظهر منَّته عليهم، ويكافئوه عليها، فلا تخلص لوجهِ الله تعالى. واستحبَّ أن يعطيها الأجانب، واستحبَّ أيضًا أنْ يولِّيَ غيرَه تفريقها إذا لم يكن الإمام عدلاً؛ لئلا تحبط بالمنِّ والأذى والشكر والثناء، والمكافأة بالخدمة من المُعْطَى(٥). وهذا بخلاف صدقةٍ (١) ذكره ابن عبد البر في بهجة المجالس ٣٠٦/١، وابن قتيبة في عيون الأخبار ٣/ ١٧٧ . (٢) ذكره ابن حبان في روضة العقلاء ١/ ٢٥٧ ونسبه لمحمد بن عبد الله البغدادي. (٣) في (م): فقال له. (٤) لم نقف عليه. (٥) ذكر نحوه في المدونة ٢٩٧/٢. ٣٣١ سورة البقرة : الآية ٢٦٤ التطوُّع السِّرِّ؛ لأنَّ ثوابَها إذا حَبِطِ، سَلِم من الوعيد، وصار في حكم من لم يفعل، والواجبُ إذا حَبِط ثوابُه، توجَّهَ الوعيدُ عليه؛ لكونه في حكم من لم يفعل. الثالثة: قوله تعالى: ﴿كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِقَّةَ النَّاسِ﴾ الكاف في موضع نصب، أي: إبطالاً(١) ((كالذي))، فهي نعت للمصدر المحذوف. ويجوز أن تكون في (٢) موضع الحال(٣). مَثَل الله تعالی الذي یمنُّ ویؤذي بصدقته بالذي ینفق ماله رئاء الناس لا لوجه الله تعالى، وبالكافر الذي ينفق ليقال: جواد، وليُثْنَى عليه بأنواع الثناء. ثم مَثَّلَ هذا المنفِقَ أيضاً بصَفْوَانٍ عليه تراب، فيظنُّه الظانُّ أرضاً مُنبتةً طيِّبة، فإذا أصابه وابلٌ منَ المطر أذهب عنه التراب، وبقي صَلْداً؛ فكذلك هذا المُرائي. فالمنُّ والأذَّى والرياء يكشف عن النية في الآخرة، فيُبطل (٤) الصدقة، كما يكشف الوَابلُ عن الصَّفْوان. وهو الحجر الكبير الأملس(٥). وقيل: المرادُ بالآية إبطالُ الفضل دون الثواب، فالقاصدُ بنفقته الرياءَ غيرُ مُثَابٍ، كالكافر؛ لأنه لم يقصِد به وجهَ الله تعالى فيستحقَّ الثوابَ، وخالف صاحبَ المنِّ والأذى القاصدَ وجهَ الله المستحقَّ ثوابه وإن کرر عطاءه، وأبطلَ فضله(٦). وقد قيل: إنما يبطل من ثواب صدقته مِن وقتِ مَنِّهِ وإیذائِه، وما قبل ذلك يُكتب له ويُضاعف، فإذا مَنَّ وآذَى؛ انقطعَ التضعيف، لأنَّ الصدقة تُربى لصاحبها حتى تكونَ أعظمَ منَ الجَبَل، فإذا خرجت من يدِ صاحبها خالصةً على الوجه المشروع؛ ضوعفت، فإذا جاء المنُّ بها والأذَى وُقِفَ بها هناك، وانقطعَ زيادةٌ التضعيف عنها، والقول الأوَّل أظهر، والله أعلم. (١) في (م): إبطال. (٢) ليست في (م). (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٤/١. (٤) في (م): تكشف ... فتبطل. (٥) انظر المحرر الوجيز ٣٥٧/١-٣٥٨. (٦) النكت والعيون ٣٣٨/١-٣٣٩. ٣٣٢ سورة البقرة : الآية ٢٦٤ والصَّفْوَان جمعٌ، واحِدتُه(١) صَفْوانة، قاله الأخفش. قال: وقال بعضهم: صفوان واحد؛ مثل: حجر. وقال الكسائي: صَفوان واحد، وجمعه صِفْوان وصُفِيٍّ وصِفِيٌّ(٢)، وأنكره المبرِّد وقال: إنما صُفِيٍّ جمع صَفَا، كقفا وقُفِيٍّ، ومن هذا المعنى الصَّفْواء والصَّفَا، وقد تقدّم(٣). وقرأ سعيدُ بنُ المسيب والزهريُّ: ((صَفَوان)) بتحريك الفاء، وهي لغة. وحكى قُطْرُب: صِفْوان. قال النحاس(٤): صَفْوان وصَفَوان، يجوز أن يكون جمعاً، ويجوز أن يكون واحداً، إلّا أنَّ الأَوْلى به أن يكون واحداً لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾، وإن كان يجوزُ تذكيرُ الجمع، إلا أنَّ الشيءَ لا يخرج عن بابه إلا بدليل قاطع، فأمَّا ما حكاه الكسائيُّ في الجمع؛ فليس بصحيح على حقيقة النظر، ولكن صِفْوان جمع صَفّا، وصَفًا بمعنى صَفْوان، ونظيره وَرَل(٥) ووِزلان، وأَخ وإخوان، وگرًا(٦) وکرْوَان؛ كما قال الشاعر: لنا يومٌ وللْكِرْوَانِ يومٌ تَطيرُ البائِساتُ ولا نَطيرُ(٧) والضعيف في العربية تقول(٨): كِرْوَان جمع كَرَوَان، وصُفِيٌّ وصِفِيٍّ جمع صَفّا؛ مثل: عَصًا . والوابل: المطر الشديد. وقد وَبَلَتِ السماءُ تَبِل، والأرض مَوْبُولة. قال الأخفش: ومنه قوله تعالى: ﴿أَخْذًا وَبِلًا﴾ [المزمل: ١٦] أي: شديداً. وضَرْبٌ وَبِيل، وعذابٌ وَبِيل؛ أي: شديد(٩). (١) في (م): واحده. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٤/١-٣٣٥. وقول الأخفش في معاني القرآن له ٣٨٥/١. (٣) ٤٧١/٢ . (٤) إعراب القرآن ٣٣٥/١ وما قبله منه. وقراءة سعيد بن المسيب والزهري ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦، وابن جني في المحتسب ١٣٧/١. (٥) وَرَل: دابة مثل الضب. مختار الصحاح. (٦) الگروان: طائر، قيل: هو الحبارى. يقال للذكر منه: گراً. والجمع کِرْوان. مختار الصحاح. (٧) قائله طرفة بن العبد، والبيت في ديوانه ص ١٠٢. وفي (خ) و(ظ) وإعراب القرآن: وما نطير. (٨) ليست في (م). (٩) الصحاح (وبل). وقول الأخفش في معاني القرآن له ٣٨٦/١. ٣٣٣ سورة البقرة : الآية ٢٦٥ والصَّلْد: الأملس منَ الحجارة. قال الكسائي: صَلِدَ يَصْلَدُ صَلَداً - بتحريك اللام - فهو صَلْدٌ بالإسكان، وهو كل ما لا يُنبت شيئاً؛ ومنه جَبِينٌ أصْلَد؛ وأنشد الأصمعيُّ لرؤبة: بَرَّاقَ أَصْلادِ الجَبِينِ الأَجْلَهِ (١) قال النقاش: الأصلد الأجْرَد بلغة هُذَيْل(٢). ومعنى ﴿لَّا يَقْدِرُونَ﴾ يعني المرائيّ والكافرَ والمانَّ ﴿عَلَى شَىْءٍ﴾ أي: على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم - وهو كسبهم - عند حاجتهم إليه؛ إذ كان لغير الله، فعبَّر عنِ النفقةِ بالكَسْب؛ لأنهم قصدوا بها الكسب(٣). وقيل: ضُرب هذا مثلاً للمرائي في إبطال ثوابه، ولصاحبِ المنِّ والأذَى في إيطال فضله، ذكره الماوردي(٤). قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اَللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَِّمٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُ ١٢٦٥ قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتٍ اَللَّهِ وَتَتْبِيْتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ﴿أَبْتِفَآءَ﴾ مفعول من أجله. ﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ عطف عليه(٥). وقال مكيٍّ في المُشْكِل(٦): كلاهما مفعول من أجله. قال ابن عطية (٧): وهو مردود، (١) لم يجوّد البيت في النسخ، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٣٣٥/١. وعنه نقل المصنف، وديوان رؤبة ص ١٦٥، وتفسير الطبري ٥٢٤/٥ (شاكر). قال الشيخ محمود شاكر رحمه الله: أصلاد الجبين، يعني أن جبينه قد زال شعره، فهو يبرق كأنه صفاة ملساء لا نبات عليها. والأجله: الأنزع الذي انحسر شعره عن جانبي جبهته ومقدّم جبينه. (٢) المحرر الوجيز ٣٥٨/١. (٣) ينظر المحرر الوجيز ٣٥٨/١. (٤) النكت والعيون ٣٣٩/١. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٥/١. (٦) مشكل إعراب القرآن ١/ ١٤٠. ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر ٣٥٨/١-٣٥٩. (٧) ينظر المحرر الوجيز ٣٥٨/١-٣٥٩. ٣٣٤ سورة البقرة : الآية ٢٦٥ ولا يصحُّ في ((تَثْبِيتا)) أنه مفعول من أجله؛ لأنَّ الإنفاقَ ليس من أجل التثبيت. و((ابْتِغَاءَ)) نصبٌ على المصدر في موضع الحال، وكان يتوجَّهُ فيه النصب على المفعول من أجله، لكنَّ النصبَ على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي هو ((تَشْبِيتاً)) عليه. ولمَّا ذكر اللهُ تعالى صفةَ القوم الذين لا خَلاق لصدقاتهم، ونَهَى المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك، عقّب في هذه الآية بذكر نفقاتِ القوم الذين تزكو صدقاتُهم؛ إذ كانت على وَفق الشرع ووجهه. و((ابْتِغَاءَ)) معناه: طَلَبَ. و((مرضات)) مصدرٌ مِن رَضِي يَرْضَى. ((وَتَشْبِيتًا)) معناه أنهم يتشبَّتون أين يضعون صدقاتهم؛ قاله مجاهد والحسن. قال الحسن: كان الرجل إذا همَّ بصدقة تَثَبَّت، فإنْ كان ذلك للهِ أمضاه، وإنْ خالطه شكٌّ أمسك(١). وقيل: معناه تصديقاً ويقيناً، قاله ابن عباس(٢). وقال ابن عباس أيضاً وقتادة: معناه: واحتساباً من أنفسهم (٣). وقال الشعبي والسدِّي وقتادة أيضاً وابن زيد وأبو صالح وغيرهم: ((وتثبيتاً) معناه: وتيقُّناً (٤)، أي: إن نفوسهم لها بصائر، فهي تثبِّتهم على الإنفاق في طاعة الله تعالى تثبيتاً. وهذه الأقوال الثلاث أضوبُ من قولِ الحسن ومجاهد؛ لأنَّ المعنى الذي ذهبا إليه إنما عبارته: ((وتثبيتاً))، مصدر على غير المصدر. قال ابن عطية(٥): وهذا لا يسوغ إلَّا مع ذكر المصدر والإفصاح بالفعل المتقدِّم، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَّكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَانًا﴾ [نوح: ١٧]، ﴿وَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَّبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. وأما إذا لم يقع إفصاحٌ بفعل فليس لك أن تأتيَ بمصدرٍ في غير معناه (١) المحرر الوجيز ٣٥٩/١. وأخرج هذه الأقوال الطبري ٦٦٩/٤ -٦٧٠. (٢) أخرجه الطبري ٦٦٨/٤ ونسبه للشعبي، ولم أجد من نسبه لابن عباس. (٣) أخرجه الطبري ٦٧٢/٤ ونسبه لقتادة فقط، وكذلك ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٥٩/١. (٤) المحرر الوجيز ٣٥٩/١، وأخرج الطبري ٤ /٦٦٨-٦٦٩ قول الشعبي وقتادة وأبي صالح. (٥) المحرر الوجيز ٣٥٩/١. ٣٣٥ سورة البقرة : الآية ٢٦٥ ثم تقول: أحمله على معنى كذا وكذا لفعل لم يتقدَّم له ذكر. قال ابن عطية (١): هذا مھْعُ کلام العرب فیما علمته. وقال النحاس(٢): لو كان كما قال مجاهد؛ لكان: وتثبُّاً، من تثبّت، كتكرَّمت تكرُّماً، وقول قتادة: احتساباً، لا يعرف، إلّا أن يُراد به أنَّ أنفسَهم تثبّتُهُم محتسبةً، وهذا بعيد. وقول الشعبي حسن، أي: تثبيتاً من أنفسهم لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله عزَّ وجلَّ؛ يقال: ثبّتُّ فلاناً في هذا الأمر؛ أي: صحَّحتُ عزمَه، وقوَّيتُ فيه رأيه، أُثبّتُه تثبيتاً، أي: أنفسُهم موقِنَةٌ بوَعْد الله على تثبيتهم في ذلك. وقيل: ﴿وَقَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يقرُّون بأنَّ الله تعالى يُثَبِّتُ عليها، أي: وتثبيتاً من أنفسهم لثوابها، بخلاف المنافق الذي لا يحتسب الثواب. قوله تعالى: ﴿ كَمَثَلٍ جَنَتِ بِرَبْوَةٍ﴾ الجَنَّة: البستان، وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطِّيه(٣)، فهي مأخوذة من لفظ الجِنِّ والجنين؛ لاستتارهم. وقد تقدَّم(٤). والرَّبوة: المكان المرتفع ارتفاعاً يسيراً، معه في الأغلب كثافة تراب، وما كان كذلك فنباتُه أحسن، ولذلك خصَّ الرّبوة بالذكر. قال ابن عطية(٥): ورياض الحَزْنِ ليست من هذا كما زعم الطبريُّ(٦)، بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نَجْد؛ لأنها خيرٌ من رياض تِهامة، ونباتُ نجد أعطرُ، ونسيمُه أبردُ وارَقُّ، ونجد يقال لها: حَزْن. وقلَّما يصلح هواء تهامة إلا بالليل؛ ولذلك قالت الأعرابية: ((زوجي كَليْلِ تِهامة))(٧). وقال السدي: ((بِربوةٍ)) أي: برباوة، وهو ما انخفض من الأرض. قال ابن عطية: وهذه عبارة قلقة، ولفظ الربوة هو مأخوذ من رَبًا يَرْبو: إذا زاد. (١) المحرر الوجيز ٣٥٩/١. (٢) في معاني القرآن ١/ ٢٩٢. (٣) في (م): تغطيها. (٤) ٣٥٩/١. (٥) المحرر الوجيز ٣٥٩/١. وما قبله منه. (٦) في تفسيره ٤/ ٦٧٣ -٦٧٤ . (٧) في حديث أم زرع عند البخاري (٥١٨٩)، ومسلم (٢٤٤٨). ٣٣٦ سورة البقرة : الآية ٢٦٥ قلت: عبارة السدي ليست بشيء؛ لأن بناء ((رَبَ وَ)) معناه الزيادة في كلام العرب، ومنه الرَّبْو للنَّفَس العالي. رَبَا يَرْبُو: إذا أخذه الرَّبو، وربا الفرس: إذا أخذه الربو من عَذْرٍ أو فزع. وقال الفرَّاء في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ لَنْذَةُ رَِّيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٠] أي: زائدة؛ كقولك: أَرْبيتُ؛ إذا أخذتَ أكثر مما أعطيتَ. ورَبَوْتُ في بني فلان، ورَبِيت؛ أي: نشأتُ فيهم(١). وقال الخليل: الرّبْوة أرضٌ مرتفعة طيِّة، وخصَّ الله تعالى بالذكر التي لا يجري فيها ماء من حيث العُرف في بلاد العرب، فمثَّل لهم ما يُحسُّونه ويدركونه. وقال ابن عباس: الرَّبْوَة المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار؛ لأن قوله تعالى ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ إلى آخر الآية يدلُّ على أنها ليس فيها ماء جارٍ، ولم يرد جنس التي تجري فيها الأنهار؛ لأن الله تعالى قد ذكر: ﴿رَبْوَةِ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]. والمعروف من كلام العرب أنَّ الربوةَ ما ارتفع عما جاوره، سواء جَرَى فيها ماء، أو لم يجرِ (٢). وفيها خمس لغات: ((رُبْوَةٌ)) بضم الراء، وبها قرأ ابنُ كثير وحمزةٌ والكسائي ونافعٌ وأبو عمرو. و((رَبْوَةٌ)) بفتح الراء، وبها قرأ عاصمٌ وابنُ عامر والحسنُ. (ورِبْوة)) بكسر الراء، وبها قرأ ابن عباس وأبو إسحاق السَّبِيعي. و((رَبَاوَة)) بالفتح، وبها قرأ أبو جعفر وأبو عبد الرحمن. وقال الشاعر: مَنْ مُنزِلِي في رَوْضة برَباوةٍ بين النخيل إلى بَقيع الغَرْقَدِ؟ و((رِبَاوَة)) بالكسر، وبها قرأ الأشهب العقيلي (٣). قال الفراء: ويقال: بِرَباوة وبرِباوة، وكله من الرّابية، وفعله رَبَا يَرْبُو(٤). (١) الصحاح (ربا). وانظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١٨٠-١٨١. (٢) المحرر الوجيز ٣٥٩/١. وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٦٧٥/٤. (٣) المحرر الوجيز ٣٥٩/١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٣٥/١-٣٣٦. وانظر التيسير ص٨٣، والسبعة ص١٩٠، والقراءات الشاذة لابن خالويه ص١٦. وقراءة أبي جعفر في المشهور عنه بضم الراء، النشر ٢٢٢/٢. والقراءتان المتواترتان: (رُبوة) و(رَبوة). ولم نقف على قائل البيت. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٦/١ ونسبه للأخفش، وهو عنده في معاني القرآن ٣٨٤/١-٣٨٥. ولم نقف عليه عند الفراء في معاني القرآن له. ٣٣٧ سورة البقرة : الآية ٢٦٥ قوله تعالى: ﴿أَصَابَهَا﴾ يعني الربوةَ. ﴿وَائِلٌ﴾ أي: مطر شديد؛ قال الشاعر: خضراءُ جَادَ عليها وَابِلٌ هَطِلٌ(١) ما رَوْضَةٌ من رِیاضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ﴿فَانَتْ﴾ أي: أعطت. ﴿أُكُلَهَا﴾ بضم الهمزة: الثمر الذي يؤكل؛ ومنه قوله تعالى: ﴿تُوْقِّ أُكُلَهَا كُلَّ ◌ِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥]. والشيءُ المأكول من كل شيء يقال له: أُكُل. والأُكْلَة: اللقمة؛ ومنه الحديث: ((فإن كان الطعامُ مَشْفُوهاً قليلاً؛ فليضع في(٢) يده منه أُكْلَة أو أُكْلتين)) يعني: لقمةً أو لقمتين، خرَّجه مسلم(٣). وإضافته إلى الجنة إضافةُ اختصاص، كسَرْج الفرس وباب الدار. وإلا فليس الثمرُ مما تأكله الجنَّةُ. وقرأ نافعٌ وابنُ كثير وأبو عمرو: ((أُكْلَهَا)) بضم الهمزة وسكون الكاف، وكذلك كل مضاف [إلى] مؤنث، وفارقهما أبو عمرو فيما أضيف إلى مذكَّر مثل: ﴿أُكُلُهُ﴾ [الأنعام: ١٤١]، أو كان غير مضاف إلى شيء مثل: ﴿أُكُلٍ خَطٍ﴾ [سبأ: ١٦]. فشَقَّل أبو عمرو ذلك، وخفّفاه. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي في جميع ما ذكرناه بالتثقيل. ويقال: أُكْل وأُكُل بمعنى (٤). ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي: أعطت ضعفي ثمر غيرها من الأرضِين. وقال بعض أهل العلم: حملت مرتين في السنة؛ والأوَّل أكثر، أي: أخرجت من الزرع ما يخرج غيرها في سنتين(٥). قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ﴾ تأكيد منه تعالى لمدح هذه الرَّبوة بأنها إن لم يصبْها وابِلٌ فإنَّ الطلَّ يكفيها وينوبُ منابَ الوابلِ في إخراج الثمرة (١) قائله الأعشى الكبير ميمون بن قيس، والبيت في ديوانه ص ١٠٦، وتفسير الطبري ٤/ ٦٧٣، وفيهما: مسبل، بدل: وابل. (٢) في النسخ: فليطعمه منه. والمثبت من صحيح مسلم. (٣) صحيح مسلم (١٦٦٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهو عند البخاري أيضاً (٢٥٥٧). وقوله: مشفوهاً، أي: قليلاً، وأصله الماء الذي كثرت عليه الشفاه حتى قلَّ. وقيل: أراد فإن كان مكثوراً عليه، أي: كثرت أگلّته. النهاية (شفه). (٤) المحرر الوجيز ٣٥٩/١-٣٦٠، وما بين حاصرتين منه. وانظر التيسير ص٨٣، والسبعة ص ١٩٠ . (٥) انظر تفسير البغوي ٢٥٢/١. ٣٣٨ سورة البقرة : الآية ٢٦٥ ضعفين، وذلك لكرم الأرض وطيبه(١). قال المبرِّد وغيره: تقديره: فطَلٌّ يكفيها. وقال الزجاج: فالذي يصيبها طلٌّ. والطلُّ: المطرُ الضعيف المستدِقُّ منَ القَظر الخفيف؛ قاله ابن عباس وغيره، وهو مشهور اللغة. وقال قوم منهم مجاهد: الظَّلُّ: النَّدَى. قال ابن عطية(٢): وهو تجوُّز وتشبيه. قال النحاس(٣): وحكَى أهل اللغة: وَبَلَت وأوْبَلَت، وطَلَّت وأَطَلَّت. وفي الصحاح: الظَّلُّ أضعف المطر، والجمع: الطَّلال؛ تقول منه: طُلَّتِ الأرضُ، وطلَّها (٤) الندى، فهي مَطْلولةٌ. قال الماوردِيُّ(٥): وزرعُ الطلِّّ أضعفُ من زرع المطر وأقلُّ رَيْعاً، وفيه - وإن قلَّ ۔ تماسكٌ ونفْعٌ. قال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه: كمثل جنَّة بربوة أصابها وابلٌ، فإن لم يُصبْها وابلٌ فطلٌّ، فآتت أكلها ضِعفين. يعني اخضرَّت أوراق البستان، وخرجت ثمرتُها ضعفين. قلت: التأويل الأوَّل أصوب، ولا حاجةً إلى التقديم والتأخير. فشبَّه تعالى نموَّ نفقاتِ هؤلاء المخلصين الذين يُرَبِّي اللهُ صدقاتِهم، كتربية الفَلُوِّ والَفصِيل، بنموِّ نباتٍ الجنَّة بالرَّبوة الموصوفة؛ بخلاف الصَّفْوَان الذي انكشف عنه ترابُه فبقي صلداً. وخرَّج مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيِّ ◌َّ: ((لا يَتَصَدَّقُ أَحَدٌ بِتَمْرةٍ من كَسْبٍ طيِّبٍ، إلَّا أخذَها الله بيمينِهِ، فَيُرَبِيِها كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّهُ أو فَصِيلَه، حتى تكونَ مثلَ الجبَلِ أو أعظمَ)) خرَّجه الموطأ أيضاً (٦). (١) في (م): وطيبها. (٢) المحرر الوجيز ١/ ٣٦٠. وما قبله منه. وكلام الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٣٤٨/١. (٣) إعراب القرآن ٣٣٦/١. (٤) في النسخ و(م): وأطلَّها. والمثبت من الصحاح (طلل). (٥) النكت والعيون ٣٤٠/١. (٦) صحيح مسلم (١٠١٤): (٦٤)، وفيه: قلوصه. بدل: فصيله، وموطأ مالك ٢/ ٩٩٥. وأخرجه أيضاً البخاري (١٤١٠). والفَلُوّ: المهر الصغير. وقيل: هو الفطيم من أولاد ذوات الحافر. والقَلوص: الناقة الشابة، والفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه. النهاية (فلو، قلص) ومختار الصحاح (فصل). ٣٣٩ سورة البقرة : الآية ٢٦٦ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ﴾ وعدٌ ووعيدٌ. وقرأ الزهريُّ: ((يعملون)) بالياء، كأنه يريد به الناسَ أجمع، أو يريد المنفقين فقط؛ فهو وعدٌ محض (١). قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُمْ ذُرِيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَأَحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَظُّونَ قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن ◌َّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ الآية. حكَى الطبريُّ(٢) عن السُّديِّ أنَّ هذه الآيةَ مَثَلٌ آخرُ لنفقة الرياء، ورجَّح هو هذا القول. قلت: ورُويَ عن ابن عباس أيضاً قال: هذا مَثَلٌ ضربه الله للمرائين بالأعمال، يبطلها يومَ القيامة أحوجَ ما كان إليها، كمَثَلِ رجلٍ كانت له جنَّةٌ وله أطفال لا ينفعونه، فكبِر، وأصاب الجنَّةَ إعصارٌ، أي: ريح عاصف فيه نار، فاحترقت، ففقدها أحوجَ ما كان إليها(٣). وحَكَى(٤) عن ابن زيد أنه قرأ قول الله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنٍ وَالْأَذَى﴾ الآية، قال: ثم ضرب في ذلك مثلاً فقال: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ الآية. قال ابن عطية(٥): وهذا أبين من الذي رجَّح الطبريُّ، وليست هذه الآية بمَثَلٍ آخرَ لنفقة الرياء، هذا هو مقتضى سياق الكلام. وأما بالمعنَى في غير هذا السياق؛ فتشبه حالَ كلِّ منافقٍ أو كافرٍ عَمِلَ عملاً؛ وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، فلمَّا جاء إلى وقت الحاجة لم يجد شيئاً. (١) المحرر الوجيز ٣٦٠/١. وذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦ القراءة ونسبها لبعض أهل مكة. (٢) تفسير الطبري ٦٨١/٤-٦٨٢. وقد نقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦٠/١. (٣) معاني القرآن للنحاس ٢٩٤/١. (٤) أي الطبري في تفسيره ٦٨٨/٤ ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦٠/١. (٥) المحرر الوجيز ٣٦٠/١. ٣٤٠ سورة البقرة : الآية ٢٦٦ قلت: قد رُوي عن ابن عباس أنه مَثَلُ لمن عمل لغير الله من منافق وكافر. على ما يأتي(١)، إلا أن الذي ثبت في البخاريِّ عنه خلاف هذا. خرج البخاريُّ(٢) عن عُبيد بن عُمير قال: قال عمرُ بن الخطاب يوماً لأصحابٍ رسولِ الله وَّ: فيمَ ترون هذه الآيةَ نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم، فغضب عمرُ، وقال: قولوا: نعلمُ أَوْ لا نعلم، فقال ابنُ عباس: في نفسي منها شيءٌ يا أميرَ المؤمنين. قال: يا ابنَ أخي، قل، ولا تَحْقِر نفسَكَ. قال ابنُ عباس: ضُربت مثلاً لعملٍ. قال عمر: أيُّ عمل؟ قال ابن عباس: لعملٍ. [قال عمر: ] لرجل (٣) غنيٌّ يعمل بطاعة الله، ثم بعثَ الله عزَّ وجلَّ له الشيطانَ، فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله (٤). في رواية: فإذا فنيَ عُمرُه واقتربَ أجلُه، خَتمَ ذلك بعملٍ من أعمال أهل(٥) الشقاء، فرضي ذلك عمرُ. وروى ابن أبي مُلَيكةَ أنَّ عمرَ تلا هذه الآية، وقال: هذا مَثَلُ ضُرب للإنسانٍ، يعملُ عملاً صالحاً، حتى إذا كان عند آخرِ عمرِه أحوجَ ما يكون إليه؛ عَمِلَ عَمَلَ السوء (٦). قال ابن عطية (٧): فهذا نَظَرٌ يحمل الآيةَ على كلِّ ما يدخل تحت ألفاظها، وبنحو ذلك قال مجاهدٌ وقتادةٌ والربيعُ وغيرُهم. وخصّ النَّخيلَ والأعْنابَ بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر. وقرأ الحسن: (جَنَّاتٌ))، بالجمع. ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ تقدّم ذكره(٨). ﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ يريد ليس شيءٌ من الثمار إلَّا وهو فيها نابتٌ. (١) ص ٣٤٢ من هذا الجزء. (٢) صحيح البخاري (٤٥٣٨). (٣) في (ظ): يعمل لرجل، وفي (م): لعمل رجل. (٤) صحيح البخاري (٤٥٣٨)، وفيه: حتى أغرق أعماله، وما بين حاصرتين منه. (٥) أثبتت من (خ) و(ظ). (٦) تفسير الطبري ٦٨٢/٤-٦٨٣. ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦٠/١. (٧) المحرر الوجيز ٣٦٠/١. وأخرج الطبري ٦٨٤/٤-٦٨٨ قول مجاهد وقتادة والربيع. وقراءة الحسن: جنات. ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦. (٨) ٣٥٩/١.