Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
وفائدة الخلاف أنَّا إذا قلنا هي عدّةٌ، فقد قال مالك(١): لا أحبُّ أنْ تواعدَ
أحدًا ينكحُها حتى تحيضَ حيضة. قال ابن القاسم: وبلغني عنه أنه قال: لا تبيت
إلا في بيتها، فأثبت لمدّة استبرائها حكمَ العِدَّة.
الثالثة والعشرون: أجمع أهل العلم على أنَّ نفقة المطلقة ثلاثاً أو مطلقةٍ للزوج
عليها رجعةٌ وهي حاملٌ، واجب(٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَهِنَّ
حَّ يَضَعْنَ حْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦](٣).
واختلفوا في وجوب نفقةِ الحامل المتوفَّى عنها زوجُها، فقالت طائفة: لا نفقةً
لها؛ كذلك قال جابر بنُ عبد الله وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن
وعكرمة وعبد الملك بنُ يعلى ويحيى الأنصاريُّ وربيعة ومالك وأحمدُ وإسحاق،
وحكى أبو عبيد(٤) ذلك عن أصحاب الرأي. وفيه قولٌ ثانٍ وهو أنَّ لها النفقةً من
جميع المال، ورُوي هذا القولُ عن عليٍّ وعبد الله، وبه قال ابن عمر وشُريح وابن
سِيرين والشعبيُّ وأبو العالية والنخعيُّ وجُلَاس بنُ عمرو وحماد بن أبي سليمان
وأيوب السختياني وسفيان الثوريُّ وأبو عبيد.
قال ابن المنذر(٥): وبالقول الأوَّل أقول؛ لأنهم أجمعوا على أنَّ نفقةَ كلِّ من
كان يُجبرُ على نفقته وهو حَيٍّ مثلُ أولاده الأطفال وزوجاتِه(٦) ووالديه، تسقط عنه؛
فكذلك تسقط عنه نفقةُ الحاملِ من أزواجه.
وقال القاضي أبو محمد (٧): لأنَّ نفقةَ الحملِ ليست بدَيْن ثابتٍ فتتعلَّقَ بماله بعد
موته، بدليل أنها تسقط عنه بالإعسار، فبأن تسقط بالموت أولى وأحرى.
الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿أَرْيَمَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ اختلف العلماء في
(١) في المدونة ٤٣٨/٢.
(٢) في (م): واجبة.
(٣) الإشراف ٤/ ٢٧٧ .
(٤) في الإشراف ٢٧٨/٤: وحكى أبو يوسف.
(٥) في الإشراف ٢٧٨/٤، وما قبله منه.
(٦) في (د) و(م): وزوجته، والمثبت موافق للإشراف.
(٧) في المعونة ٢/ ٩٣٤.

١٤٢
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
الأربعة الأشهر والعشر التي جعلها الله ميقاتاً لعِدَّة المتوفَّى عنها زوجُها، هل تحتاج
فيها إلى حيضة أم لا، فقال بعضهم: لا تبرأُ إذا كانت ممن توطأ إلا بحيضةٍ تأتي
بها في الأربعةِ الأشهر والعشر، وإلا فهي مُسْتَرابة. وقال آخرون: ليس عليها أكثرُ
من أربعة أشهرٍ وعشرٍ، إلا أنْ تستريبَ نفسُها ريبةً بيِّنة؛ لأن هذه المدّةَ لا بدَّ فيها
من الحيض في الأغلب من أمر النساءِ إلا أنْ تكونَ المرأة ممن لا تحيضُ أو ممن
عَرَفت من نفسها أو عُرِف منها أنَّ حيضتها لا تأتيها إلا في أكثرَ من هذه المدَّةِ(١).
الخامسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَعَثْرًا﴾ روى وكيع، عن أبي جعفر
الرازيِّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أنه سئل: لم ضُمَّت العشرُ إلى الأربعة
الأشهر؟ قال: لأنَّ الروحَ تُنفَخ فيها(٢)، وسيأتي في الحجِّ بيانُ هذا إن
شاء الله تعالى(٣).
وقال الأصمعيّ: ويقال: إنَّ ولدَ كلِّ حاملٍ يرتكض في نصف حملها فهي
مركِضٍ. وقال غيره: أركضت فهي مركِضة وأنشد:
ومُركضةٍ صَرِيحِيٍّ أبوها تُهان لها الغُلامةُ والغلامُ(٤)
وقال الخَطّابيُّ: قوله ((وعَشْرًا)) يريد - والله أعلم - الأيامَ بلياليها .
وقال المبرد: إنما أنَّثَ العشرَ؛ لأنَّ المرادَ به المدّة. والمعنى: وعشر مدد،
كلُّ مدّةٍ من يوم وليلة، فالليلة مع يومها مدّةٌ معلومة من الدهر(٥). وقيل: لم يقل:
عشرة؛ تغليباً لحكم الليالي، إذ الليلة أسبقُ من اليوم، والأيام في ضمنها. ((وعَشْرًا))
أخفُّ في اللفظ، فتُغلَّبُ الليالي على الأيام إذا اجتمعت في التاريخ؛ لأنَّ ابتداءً
الشهورِ بالليل عند الاستهلال، فلما كان أوَّلُ الشهر الليلةَ غَلَّب الليلة، تقول:
(١) انظر المعونة ٩١٥/٢-٩١٦، والمنتقى ١٤٥/٤، وبداية المجتهد ٢/ ١٧٢.
(٢) أخرجه الطبري ٢٥٨/٥.
(٣) عند تفسير الآية (٥) منها .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٢٢٣/١، والبيت لأوس بن غلفاء الهجيمي، وذكره ابن منظور في اللسان
(صرح). ونقل عن ابن برّي قوله: صواب إنشاده: ومركضةٌ صريحيٍّ ... يريد أنه معطوف على ما
قبله.
(٥) انظر معاني القرآن للنحاس ٢٢٢/١، وتفسير البغوي ٢١٥/١، وإكمال المعلم ٦٨/٥.

١٤٣
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
صمنا خمساً من الشهر؛ فتُغلَّب الليالي وإن كان الصوم بالنهار. وذهب مالك
والشافعيُّ والكوفيُّون إلى أنَّ المرادَ بها الأيامُ والليالي. قال ابن المنذر: فلو عقدَ
عاقدٌ عليها النكاحَ على هذا القولِ وقد مضت أربعةُ أشهرٍ وعشرُ ليالي، كان باطلاً
حتى يمضيَ اليومُ العاشر.
وذهب بعض الفقهاءِ إلى أنه إذا انقضى لها أربعةُ أشهر وعشرُ ليالي حلَّت
للأزواج، وذلك لأنه رأى العِدَّة مبهمةٌ، فغلّب التأنيثَ، وتأوَّلهَا على الليالي. وإلى
هذا ذهب الأوزاعيُّ من الفقهاء وأبو بكر الأصم من المتكلمين(١) ورُوي عن ابن
عباس أنه قرأ: ((أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرَ لَيَالٍ))(٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىَّ أَنْفُسِهِنَ بِالْمَعْرُوفِ
وَلَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خِيرٌ﴾ فيه ثلاث مسائل:
الأولى: أضاف تعالى الأجلّ إليهنَّ؛ إذ هو محدودٌ مضروب في أمرهن(٣)،
وهو عبارةٌ عن انقضاء العِدّة.
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ خطاب لجميع الناس، والتلبُّس بهذا
الحكم هو للحكام والأولياء. ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ يريد به التزوّج فما دونه من التزیُّن
واطّراح الإحداد(٤). ﴿بِلْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما أذن فيه الشرع من اختيار أعيان الأزواج
وتقدير الصَّداق دون مباشرة العقد؛ لأنه حقٌّ للأولياء كما تقدّم(٥).
الثالثة: وفي هذه الآية دليل على أن للأولياء منعَهن من التبرُّج والتشوّف للزوج
في زمان العِدَّة. وفيها ردّ على إسحاق في قوله: إن المطلقة إذا طعنت في الحيضة
الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج الأوّل، إلا أنه لا يحلُّ لها أن تتزوّج حتى
تغتسل. وعن شَريك أن لزوجها الرجعةَ ما لم تغتسل ولو بعد عشرين سنة؛
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىِّ أَنْفُسِهِنَّ﴾. وبلوغ
(١) انظر الإشراف ٢٨٧/٤، وتفسير الرازي ١٣٥/٦، والمغني ٢٢٤/١١، والمفهم ٢٨٥/٤.
(٢) لم ينقل عن ابن عباس هذه القراءة غير ابن عطية في المحرر الوجيز ٣١٤/١.
(٣) المحرر الوجيز ٣١٤/١.
(٤) المحرر الوجيز ٣١٤/١.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٢١٢.

١٤٤
سورة البقرة : الآية ٢٣٥
الأجل هنا انقضاء العِدّة بدخولها في الدّم من الحيضة الثالثة، ولم يذكر غسلاً، فإذا
انقضت عِدّتها حلّت للأزواج، ولا جناح عليها فيما فعلت من ذلك. والحديث عن
ابن عباس لو صَحّ يحتمل أن يكون منه على الاستحباب، والله أعلم (١).
قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَآِ أَوْ أَكْتَنْتُمْ
فِيَّ أَنْفُسِكُمَّ عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَّذْكُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ ◌ِرًّا إِلَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا
مَّعْرُوفَأْ وَلَا تَغْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاجِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ، وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ فَأَحْذَرُوَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
٢٣٥
قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ اُلْنِسَآءِ﴾ إلى قوله
﴿مَعْرُوفًا﴾ فيه تسع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ﴾ أي: لا إِثْم، والجُناح: الإثم، وهو أصحُ
في الشرع. وقيل: بل هو الأمر الشاقُّ، وهو أصحُّ في اللغة، قال الشَّمَّاخ:
إذا تعلُو براكبها خليجاً تذكَّرَ ما لديه من الجُناح(٢)
وقوله ﴿عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم﴾ المخاطبةُ لجميع الناس، والمرادُ بحكمها هو
الرجل الذي في نفسه تزوّج(٣) معتدَّة. أي: لا وِزْرَ عليكم في التعريض بالخطبة في
عِدَّة الوفاة. والتعريض: ضدُّ التصريح، وهو إفهامُ المعنى بالشيء المُحتَمِل له
ولغيره، وهو من عُرْض الشيء، وهو جانبه، كأنه يحوم به على الشيء ولا يُظهره (٤).
وقيل: هو من قولك: عرَّضتُ الرجل، أي: أهديتُ إليه تُحْفةً، وفي الحديث:
أنَّ رَكْباً من المسلمين عرَّضوا رسولَ اللهِوَّهِ وأبا بكر ثياباً بيضًا (٥)؛ أي: أهْدَوا
لهما. فالمعرّض بالكلام يُوصل إلى صاحبه كلاماً يُفهم معناه.
(١) الاستذكار ٣٦/١٨-٣٧.
(٢) الصواب أنه لبشر بن أبي خازم، وليس للشماخ كما ذكر المصنف، وهو في ديوانه ص ٩٠، والرواية
فيه: إذا ركبت بصاحبها ...
(٣) في النسخ الخطية والمحرر الوجيز ٣١٥/١ (والكلام منه): تزويج، والمثبت من (م).
(٤) انظر أحكام القرآن لابن العربي ٢١٢/١.
(٥) لم نقف عليه.

١٤٥
سورة البقرة : الآية ٢٣٥
الثانية: قال ابن عطية (١): أجمعت الأُمَّة على أن الكلام مع المعتدَّة بما هو
نصٌّ في تزوّجها(٢) وتنبيه عليه لا يجوز، وكذلك أجمعت الأمة على أن الكلام معها
بما هو رفثٌ وذکرُ جماع أو تحریض علیه لا يجوز، وكذلك ما أَشبهه، وجُوِّز ما
عدا ذلك. ومن أعظمه قُرباً إلى التصريح قولُ النبيِّ وَّه لفاطمة بنت قيس: ((كوني
عند أُمّ شَريك، ولا تسبقيني بنفسك))(٣).
ولا يجوز التعريضُ لخطبة الرجعية إجماعًا؛ لأنها كالزوجة. وأما من كانت في
عِدّة البينونة فالصحيح جوازُ التعريضُ لِخطبتها، والله أعلم.
وروي في تفسير التعريض ألفاظٌ كثيرة؛ جماعها يرجع إلى قسمين :
الأوّل: أنْ يَذكرها لوليها يقول له: لا تسبقني بها .
والثاني: أن يُشير بذلك إليها دون واسطة، فيقول لها: إني أُريد التزويج، أو
إنك لجميلة، إنك لصالحة، إنّ الله لَسائقٌ إليك خيراً. إني فيك لَراغبٌ، ومَن يرغَب
عنك، إنك لنافقة(٤)، وإن حاجتي في النساء، وإن يُقدّر الله أمراً يكن. هذا هو
تمثيل مالك وابن شهاب(٥) .
وقال ابن عباس: لا بأس أن يقول: لا تسبقيني بنفسك، ولا بأس أن يُهدي
إليها، وأن يقومَ بشغلها في العِدّة إذا كانت من شأنه، قاله إبراهيم(٦).
وجائزٌ أن يمدحَ نفسَه، ويذكر مآثره على وجه التعريض بالزواج، وقد فعلَه أبو
جعفر محمدُ بن علي بن حسين، قالت سكينة بنت حنظلة: استأذن عليَّ محمدُ بن
عليّ ولم تنقضِ عِدَّتي من مَهْلك زوجي، فقال: قد عَرَفت قرابتي من رسول الله وَّه
وقرابتي من عليٍّ، وموضعي في العرب. قلتُ: غَفَر الله لك يا أبا جعفر، إنك رجلٌ
(١) في المحرر الوجيز ٣١٥/١.
(٢) في النسخ الخطية والمحرر الوجيز: تزويجها، والمثبت من (م).
(٣) أخرجه أحمد (٢٧٣٣٣)، ومسلم (١٤٨٠) مطولاً من حديثها رضي الله عنها.
(٤) نفقت الأيم: إذا كثر خُطَّابها. اللسان (نفق).
(٥) انظر أحكام القرآن لابن العربي ٢١٢/١-٢١٣، والمحرر الوجيز ٣١٥/١.
(٦) قول ابن عباس رضي الله عنهما وقول إبراهيم أخرجهما الطبري ٥/ ٢٦٢ و٢٦٥-٢٦٦.

١٤٦
سورة البقرة : الآية ٢٣٥
يُؤخَذ عنك، تَخْطُبني في عِدَّتي! قال: إنما أخبرتُك بقرابتي من رسول الله وَّهُ ومِنْ
عليّ، وقد دخل رسولُ اللهِ وََّ على أُمّ سلمةَ وهي مُتَأيِّمة من أبي سَلَمة، فقال:
((لقد علمتِ أني رسولُ الله وخِيرته وموضعي في قومي)) كانت تلك خِطبة، أخرجه
الدّار قطني(١).
والهدية إلى المعتدّة جائزة، وهي من التعريض، قاله سُخنون وكثير من
العلماء، وقاله إبراهيم. وَكرِهَ مجاهدٌ أن يقول(٢): لا تسبقيني بنفسك، ورآه من
المواعدة سِرًّا. قال القاضي أبو محمد بن عطية (٣): وهذا عندي على أن يتأوّل قول
النبيّ ◌َ﴿ لفاطمةَ أنه على جهة الرأي لها فيمن يتزوَّجها، لا أنه أرادها لنفسه، وإلا
فهو خِلافٌ لقول النبي وَلّى.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَلِ﴾ الخِطبة - بكسر الخاء -: فِعْل الخاطب
من كلام وقَصْد واستلطاف بفعل أو قول. يقال: خطبها يخْطُبها خَطْباً وخِظْبَةً.
ورجل خَطّاب: كثيرُ التصرف في الخِطبة، ومنه قول الشاعر:
بَرَّحَ بالعَيْنَيْنِ خَطَّابُ الكُثَبْ يقولُ إِنِّي خاطِبٌ وقد كذَبْ
وإنّما يَخْطُبُ عُسَّا مَن حَلَبْ (٤)
والخَطِيب: الخاطب. والخِطِيبَى: الخِظْبَة، قال عدِيُّ بن زيد يذكر قصدَ جَذِيمَة
الأبْرَش لِخِطْبَة الزَّبَّاء(٥):
(١) في سننه ٢٢٤/٣. سُكينة بنت حنظلة: هي عمة عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل كما الدارقطني.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار ١١٦/٦: حديث سكينة منقطع؛ لأن محمد بن علي - وهو الباقر - لم
يدرك النبي لة. وانظر أحكام القرآن لابن العربي ٢١٣/١، والمحرر الوجيز ٣١٥/١.
(٢) في (م): أن يقول لها .
(٣) في المحرر الوجيز ٣١٥/١، والكلام الذي قبله منه ما عدا قول إبراهيم، وقد ذكره المصنف قريباً.
(٤) المحرر الوجيز ٣١٥/١، والرجز أورده صاحب اللسان (خطب) و(كثب) وقوله فيه: الكُثَب: جمع
كُثبة، وهي القليل من الماء واللبن. القاموس المحيط (كثب). وقوله: عُسَّا: العُسّ: هو القَدَح
الضخم، اللسان (عسس). وقوله: حَلَب: هو اللبن المحلوب، اللسان (حلب). قال ابن الأعرابي
- كما في اللسان (كثب) -: يقال للرجل إذا جاء بطلب القِرى بعلة الخطبة: إنه ليخطب كُثبة.
(٥) قيل: هي امرأة من الروم، وأمها من العمالقة، وكانت تتكلم العربية، وكانت ملكة على قنسرين
والجزيرة، خطبها جذيمة الأبرش، فغرّرت به، وأجابته، فلما دخل بلادها قتلته، وفي أمثال العرب : =

١٤٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٥
لِخِطِيبَى التي غَدَرَتْ وخَانَتْ وهُنَّ ذَوَاتُ غَائِلَةٍ لُحِينًا
والخِظْبُ، الرجل الذي يخطُب المرأة، ويقال أيضاً: هي خِطْبُه وخِظْبَتُه التي
يخطُبها(١). والخِظْبَة فِعلة، كجِلْسة وقِعْدة، والخُطْبَة - بضم الخاء - هي الكلام
الذي يقال في النكاح وغيره(٢). قال النحاس(٣): والخُطْبَة: ما كان لها أوَّل وآخِر،
وكذا ما كان على فُعْلة، نحو الأُكْلَة والضُّغْطَة (٤).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِ أَنفُسِكُمْ﴾ معناه: ستّرتُم وأضمرتُم من
التزوّج بها بعد انقضاء عدَّتها. والإكْنَان: الستر والإخفاء، يقال: كننته وأكننته
بمعنى واحد. وقيل: كَنَثْتُه أي: صُنْته حتى لا تُصيبه آفةٌ وإن لم يكن مستوراً، ومنه
بَيْضٌ مَكْنُونٌ ودُرٍّ مكنون. وأكتنته أسررته وسترته(٥) .
وقيل: كنَنْت الشيء من الأجْرام: إذا سترته في ثوب(٦) أو بيت أو أرض ونحوه.
وأكْنَنْتُ الأمر في نفسي. ولم يُسمع من العرب: كننته في نفسي. وتقول(٧): أكَنّ
البيتُ الإنسان، ونحو هذا.
فرفع اللهُ الجُنَاحَ عمن أراد تزوّج المعتدّة مع التعريض ومع الإکنان، ونھی عن
المُوَاعَدَة التي هي تصريحٌ بالتزويج، وبناءً عليه، واتفاق على وَعْد. ورَخّص لعلمه
تعالى بغَلَبَة النفوس وطَمَحانها(٨) وضعف البشر عن مَلْكها .
الخامسة: استدلَّت الشافعية بهذه الآية على أن التعريض لا يجب فیه حَدٌّ،
أعزُّ من الزبّاء. انظر تهذيب اللغة ٧/ ٢٤٧، والمستقصى في أمثال العرب ٢٤٣/١. وخزانة الأدب
=
٢٧٤/٨. والبيت في المستقصى ضمن قصيدة، والتهذيب، واللسان (خطب).
(١) الصحاح (خطب).
(٢) المحرر الوجيز ٣١٥/١.
(٣) في إعراب القرآن ٣١٨/١.
(٤) في مختار الصحاح: الضُّغْطة: الشدة والمشقة، ويقال: اللهم ارفع عنا هذه الضُّغْطة.
(٥) انظر معاني القرآن للزجاج ٣١٧/١، وإعراب القرآن للنحاس ٣١٨/١.
(٦) في (د) و(ز) و(م): بثوب.
(٧) في (م): ويقال.
(٨) في (٥) و(ز) و(م): طمحها، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق للمحرر الوجيز، والكلام منه
٣١٥/١.

١٤٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٥
وقالوا: لما رفَع الله تعالى الحرج في التعريض في النكاح، دَلَّ على أن التعريض
بالقَذْف لا يوجب الحدّ؛ لأن الله سبحانه لم يجعل التعريضَ في النكاح مقام التصريح.
قلنا (١): هذا ساقطً؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى لم يأذن في التصريح بالنكاح في
الخِطبة، وأَذِن في التعريض الذي يفهم منه النكاح، فهذا دليلٌ على أن التعريض
يُفهم منه القذف، والأعراض يجب صِيانتها، وذلك يوجب حدَّ المعرِّض؛ لئلا
يتطرّق (٢) الفَسَقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يُفهم منه ما يفهم بالتصريح.
السادسة: قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَّذْكُرُونَهُنَّ﴾ أي: إما سِرًّا وإما إعلاناً في
نفوسكم وبألسنتكم، فرخّص في التعريض دون التصريح. الحسن: معناه
ستخطبونه(٣).
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: على سرّ، فحذف
الحرف؛ لأنه مما يتعدّى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر (٤).
واختلف العلماء في معنى قوله تعالى: ((سِرًّا)) فقيل: معناه: نكاحاً، أي: لا يَقُل
الرجلُ لهذه المعتدة تزوّجيني، بل يُعرِّض إن أراد، ولا يأخذ ميثاقَها وعهدَها ألا
تنكح غيره في استسرار وخُفية. هذا قول ابن عباس وابن جُبير ومالك وأصحابه
والشعبيّ ومجاهد وعكرمة والسدّيّ وجمهور أهل العلم. ((وسِرًّا)) على هذا التأويل
نصب على الحال، أي: مستسِرّين.
وقيل: السِّر الزنا، أي: لا يكوننَّ منكم مواعدةٌ على الزنا في العِدّة، ثم التزوّج
بعدَها. قال معناه جابر بن زيد وأبو مِجْلَز لاحق بن حُميد، والحسن بن أبي الحسن
وقتادة والنخعيّ والضحاك، وأن السِّرَّ في هذه الآية الزنا، أي: لا تواعدوهنّ
زناً (٥)، واختاره الطبريّ(٦)؛ ومنه قول الأعشى:
(١) القائل هو ابن العربي في أحكام القرآن ٢١٤/١، وهذه المسألة بتمامها منه.
(٢) في (خ) و(د): يتعرض.
(٣) انظر المحرر الوجيز ٣١٥/١-٣١٦، وقول الحسن أخرجه الطبري ٢٧١/٥، وابن أبي حاتم (٢٣٣٠).
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣١٩/١.
(٥) انظر المحرر الوجيز ٣١٦/١، والأقوال السابقة أخرجها الطبري ٢٧٢/٥-٢٧٧.
(٦) في تفسيره ٢٧٨/٥-٢٧٩، وانظر أحكام القرآن لابن العربي ٢١٤/١.

١٤٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٥
فلا تقرَبَنّ جارةً إنّ سرَّها عليك حرامٌ فانْكِحَنْ أو تَأَبَّدا(١)
وقال الخُطَيئة:
ويأكل جارُهم أُنْفَ القِصاعِ(٢)
ويحرم سرُّ جارتهم عليهم
وقيل: السِّر الجِماع، أي: لا تصفوا أنفسكم لهنّ بكثرة الجماع ترغيباً لهن في
النكاح، فإنَّ ذِكْر الجماع مع غير الزوجة(٣) فُحْشٌ. هذا قول الشافعيّ(٤).
وقال امرؤ القيس:
كَبِرْتُ وألَّا يُحسِن السِّرَّ أَمْثَالِي(٥)
ألا زعَمتْ بَسْباسةُ اليومَ أنني
وقال رؤية :
فكّفّ عن أسرارها بعد العَسَقْ(٦)
أي: كفَّ عن جماعها بعد ملازمته لذلك.
وقد يكون السِّرُّ عُقْدةَ النكاح، سِرًّا كان أو جهراً، قال الأعشى(٧):
فلن يَطلُبوا سِرَّها للغِنَى ولن يُسْلِموها لإِزْهادها
أراد: لن (٨) يطلبوا نكاحها لِكَثْرة مالها، ولن يُسلموها لقِلَّة مالها .
وقال ابن زيد: معنى قوله: ﴿وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي(٩): لا تنكِحوهنّ
(١) ديوان الأعشى ص١٧ .
(٢) ديوان الحطيئة ص٦٢. قال شارحه: أُنُف القِصاع: جَيّد الطعام وصفوته.
(٣) في (م): الزوج.
(٤) انظر معاني القرآن للفراء ١٥٣/١، وتفسير البغوي ٢١٦/١.
(٥) دیوان امرئ القيس ص٢٨، وفيه: اللهو، بدل: السر.
قال شارحه: بسياسة: هي امرأة عيَّرتْه بالكِبَر، وأنه لا يحسن اللهو، فنفى ذلك عن نفسه.
(٦) ديوان رؤية ص١٠٤، وفيه: فعفّ، بدل: فكفّ، وقوله: أسرارها: جمع سرّ، ووقع في (م): إسرارها
(بکسر الهمزة) وهو خطأ. وقوله: العسق: مصدر: عَسِقَ به، أي: لزق به ولزمه، وأُولع به. انظر
اللسان (عسق).
(٧) في ديوانه ص٨.
(٨) لفظة: لن، من (م).
(٩) في (م): أن.

١٥٠
سورة البقرة : الآية ٢٣٥
وتكتمون ذلك، فإذا حلَّت أظهرتموه ودخَلْتم بهنّ، وهذا هو معنى القول الأوّل؛ فابنُ
زيد على هذا قائلٌ بالقول الأوّل، وإنما شَذَّ في أن سمَّى العَقدَ مُوَاعَدَةً، وذلك قَلِقٌ.
وحكى مكيّ(١) والثعلبي عنه أنه قال: الآيةُ منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَغْزِمُوا
عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ .
الثامنة: قال القاضي أبو محمد بن عطية: أجمعت الأمةُ على كراهة المُواعدة
في العِدَّة للمرأة في نفسها، وللأب في ابنته البِكر، وللسيد في أَمَتِه. قال ابن
المؤَاز: وأما الوليّ الذي لا يملك الجَبْرَ فأكرهُهُ، وإِن نزل لم أفسَخْه. وقال مالك
رحمه الله فيمن يُواعد في العِدّة ثم يتزوّج بعدها: فِراقُها أحبُّ إليَّ، دخل بها أو لم
يدخُلْ، وتكون تطليقة واحدة، فإذا حلَّت خطبها مع الخُطَّاب، هذه روايةُ ابن
وهب. وروى أشْهَبُ عن مالك أنه يُفرَّق بينهما إيجاباً، وقاله ابن القاسم. وحكى
ابن حارث(٢) مثلَه عن ابن الماجشون، وزاد ما يقتضي أنّ التحريمَ يتأبَّد(٣).
وقال الشافعيّ: إنْ صرَّح بالخِطبة وصرَّحت له بالإجابة ولم يعقد النكاحَ حتى
تنقضي العِدَّة، فالنكاح ثابتٌ، والتصريح لهما مكروه؛ لأنَّ النكاح حادثٌ بعد
(٤)
الخِطبة، قاله ابن المنذر
التاسعة: قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ استثناءٌ منقطع بمعنى
لكن، كقوله: ﴿إِلَّ خَطَا﴾ [النساء: ٩٢] أي: لكن خطأ. والقول المعروف هو ما
أُبيح من التعريض. وقد ذكر الضحاك أن من القول المعروف أن يقول للمعتدّة:
احبسي عليَّ نفسَك، فإنَّ لي بك رغبةً، فتقول هي: وأنا مثلُ ذلك، وهذه(٥) شِبهُ
المُواعدة(٦).
(١) في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ١٨٥، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز
٣١٦/١، دون ذكر الثعلبي. وقول ابن زيد أخرجه الطبري ٢٧٨/٥.
(٢) في (د) و(ز) و(م): ابن الحارث. وهو محمد بن حارث بن أسد الخُشَني. سلفت ترجمته ١/ ٢٠٠.
(٣) المحرر الوجيز ٣١٦/١، وانظر المدونة ٤٣٩/٢.
(٤) الإشراف ٤/ ٣٠.
(٥) في (م): وهذا.
(٦) انظر المحرر الوجيز ٣١٦/١، وقول الضحاك أخرجه الطبري ٢٨٣/٥.

١٥١
سورة البقرة : الآية ٢٣٥
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَغْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاجِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ﴾ فيه تسع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا﴾ قد تقدَّم القول في معنى العزم(١)، يقال:
عزم الشيءَ وعزم عليه. والمعنى هنا: ولا تعزِموا على عُقدة النكاح. ومن الأمر
البَيِّن أنَّ القرآنَ أفصحُ كلام، فما ورد فيه فلا مُعترض عليه، ولا يُشكُّ في صحته
وفصاحته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، وقال هنا: ﴿وَلَا
تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاجِ﴾ والمعنى: لا تعزِموا على عقدة النكاح في زمان العِدّة، ثم
حذف على ما تقدَّم. وحكى سيبويه(٢): ضُرب فلانٌ الظهرَ والبطنَ، أي: على.
قال سيبويه: والحذف في هذه الأشياء لا يُقاس عليه(٣). قال النحاس: ويجوز أن
يكون: ((ولا تعقِدوا عُقدةَ النكاح))؛ لأنّ معنى ((تعزموا)) وتعقدوا واحدٌ. ويقال:
«تعزُموا)) بضم الزاي.
الثانية: قوله تعالى: ﴿حَّ يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ﴾ يريد تمامَ العِدَّة. والكتاب هنا
هو الحَدُّ الذي جُعل، والقَدْر الذي رُسِم من المدّة، سمَّاه(٤) كتاباً؛ إذْ قد حَدَّه
وفرضَه كتابُ الله كما قال: ﴿كِنَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وكما قال: ﴿إِنَّ
الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِشَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣](٥) فالكتاب: الفرض، أي:
حتى يبلغ الفرضُ أجلَه؛ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أي: فُرِض. وقيل:
في الكلام حذف، أي: حتى يبلغَ فرضُ الكتابِ أجلَه(٦)، فالكتاب على هذا
التأويل بمعنى القرآن. وعلى الأوّل لا حذف، فهو أولى، والله أعلم.
الثالثة: حرَّم الله تعالى عَقْدَ النكاح في العِدَّة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَغْزِمُوا عُقْدَةً
أَلْنِكَاجِ حَّى يَبْلُغَ الْكِنَبُ أَجَلَهُ﴾ وهذا من المُحكّم المُجمَع على تأويله؛ أنّ بلوغَ
(١) ص ٣٣ من هذا الجزء.
(٢) في الكتاب ١٥٩/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣١٩/١، والكلام إلى آخر
هذه المسألة منه.
(٣) في النسخ الخطية: عليها، والمثبت من (م).
(٤) في (م): سماها.
(٥) المحرر الوجيز ٣١٧/١.
(٦) انظر معاني القرآن للزجاج ٣١٨/١.

١٥٢
سورة البقرة : الآية ٢٣٥
أجله انقضاءُ العِدَّة. وأباح التعريضَ في العِدَّة بقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم
بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِسَاءِ﴾ الآية. ولم يختلف العلماءُ في إباحة ذلك، واختلفوا في ألفاظ
التعريض على ما تقدَّم(١). واختلفوا في الرجل يخطب امرأة في عِدَّتها جاهلاً، أو
يُواعِدها ويعقِد بعد العدّة، وقد تقدَّم هذا في الآية التي قبلها .
واختلفوا إن عَزَمَ العُقْدَةَ في العِدَّة وُثِر علیه، ففسخ الحاكم نِکاحه، وذلك قبل
الدخول وهي:
الرابعة: فقولُ عمر بنِ الخطاب وجماعة من العلماء أن ذلك لا يُؤبِّد تحريماً،
وأنه يكون خاطباً من الخُطَّاب، وقاله مالكٌ وابن القاسم في ((المدوّنة))(٢) في آخر
الباب الذي يليه: ضَرْب أجل [امرأة] المفقود.
وحكى ابن الجَلّاب عن مالك رواية أن التحريم يتأبَّد في العقد وإن فسخ قبل
الدخول(٣)، ووجهه أنه نكاحٌ في العِدَّة، فوجب أن يتأبَّد به التحريم، أصلُه إذا بَنَّى
بها .
وأما إنْ عقد في العِدّة ودخل بعد انقضائها وهي:
الخامسة: فقال قومٌ من أهل العلم: ذلك كالدخول في العِدّة، يتأبّد التحريم
بينهما. وقال قوم من أهل العلم: لا يتأبّد بذلك تحريم. وقال مالك: يتأبَّد
التحريم. وقال مرّة: وما التحريم بذلك بالبيِّن، والقولان له في ((المدوّنة)) في طلاق
السنة(٤).
وأما إن دخل في العدّة وهي:
السادسة: فقال مالك واللَّيث والأوزاعيّ: يُفرَّق بينهما ولا تحِلُّ له أبداً. قال
(١) في المسألة الثانية من تفسير قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطِبَةِ اَلْنِسَِّ﴾.
(٢) ٢/ ٤٥٠، وسيذكر المصنف حديث عمر رضي الله عنه كاملاً في المسالة السابعة.
(٣) المحرر الوجيز ٣١٧/١، وما بين حاصرتين منه ومن المدونة.
(٤) لم نقف على قولي مالك هذين في هذا الموضع من المدونة الذي ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز
٣١٧/١، ونقله عنه المصنف، والقول الثاني لمالك في المدونة ٤٥٧/٢ ذكره في باب: الرجل
يتزوج المرأة في العدة هل تحل لأبيه أو لابنه.

١٥٣
سورة البقرة : الآية ٢٣٥
مالك والليث: ولا بملك اليمين؛ مع أنهم جوَّزوا التزويج بالمَزْنيّ بها(١). واحتجُوا
بأنَّ عمر بن الخطاب قال: لا يجتمعان أبداً. قال سعيد: ولها مهرُها بما استحلّ
من فرجها، أخرجه مالك في ((موطئه))(٢) وسيأتي. وقال الثوريّ والكوفيون
والشافعيّ: يُفرَّق بينهما ولا يتأبَّد التحريم، بل يفسخ بينهما ثم تعتدّ منه، ثم يكون
خاطباً من الخُطَّاب. واحتجُّوا بإجماع العلماء على أنه لو زَنَى بها لم يَحرُمْ عليه
تزويجها، فكذلك وطؤه إيّاها في العِدّة. قالوا: وهو قول عليّ. ذكره عبد الرزاق.
وذكر عن ابن مسعود مثلَه، وعن الحسن أيضاً (٣).
وذكر عبد الرزاق عن الثوريّ، عن أشعث، عن الشعبيّ، عن مسروق أن عمر
رجَع عن ذلك وجعلَهما يجتمعان(٤).
وذكر القاضي أبو الوليد الباجيّ في ((المنتقى)) فقال: لا يخلو الناكح في العِدّة إذا
بنَى بها أن يبنيَ بها في العِدّة أو بعدَها، فإنْ كان بنَى بها في العِدّة فإنّ المشهورَ من
المذهب أن التحريم يتأبَّد، وبه قال أحمد بن حنبل. وروى الشيخ أبو القاسم في
تفريعه أنّ في التي يتزوَّجها الرجلُ في عِدّةٍ من طلاق أو وفاة عالماً (٥) بالتحريم
روايتين: إحداهما: أن تحريمه يتأبّد على ما قدَّمناه. والثانية: أنه زانٍ وعليه الحدُّ،
ولا يُلحق به الولد، وله أن يتزوَّجها إذا انقضتْ عِدَّتها، وبه قال الشافعيّ وأبو حنيفة.
ووجه الرواية الأولى - وهي المشهورة - ما ثبت من قضاء عمر بذلك، وقيامِه
به(٦) في الناس، وكانت قضاياه تسير وتنتشر وتُنقل في الأمصار، ولم يُعلم له
مخالفٌ، فثبت أنه إجماع.
(١) أحكام القرآن للكيا الهرّاسي ١٩٩/١ .
(٢) ٥٣٦/٢، وسعيد المذكور: هو ابن المسيّب، وهو أحد رواة أثر عمر رضي الله عنه الذي سيأتي - كما
ذكر المصنف - في المسألة السابعة.
(٣) انظر مصنف عبد الرزاق (١٠٥٣٢) و(١٠٥٣٣) و(١٠٥٣٧).
(٤) لم نجده في مصنف عبد الرزاق، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٩٧) من طريق هُشيم بن بشير، عن
الأشعث، به. وأورده بالإسناد الذي ذکرہ المصنف۔ دون ذکر عبد الرزاق -البیھقيُّ في السنن الکبری ٧/
٤٤٢، وابن عبد البر في الاستذكار ٢٢٢/١٦، ثم قال: قال عبد الرزاق، عن الثوري بذلك كله.
(٥) في النسخ الخطية والمنتقى: عالم، والمثبت من (م).
(٦) في (د) و(ز) و(م): بذلك.

١٥٤
سورة البقرة : الآية ٢٣٥
قال القاضي أبو محمد: وقد رُوي مثلُ ذلك عن عليّ بن أبي طالب،
ولا مُخالِفَ لهما مع شُهرة ذلك وانتشاره، وهذا حكم الإجماع (١).
ووجه الرواية الثانية أن هذا وطء ممنوع، فلم يتأبَّد تحريمه، كما لو زوَّجت
نفسها أو تزوَّجت مُتْعةً، أو زَنَتْ. وقد قال القاضي أبو الحسن: إن مذهب مالك
المشهور في ذلك ضعيف من جهة النظر. والله أعلم (٢).
وأسند أبو عمر قال(٣): حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدّثنا قاسم بن أصبغ،
عن محمد بن إسماعيل، عن نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن أشعث، عن
الشعبيّ، عن مسروق قال: بلغ عمرَ بن الخطاب أنَّ امرأةً من قريش تزوَّجها رجل
من ثَقِيف في عِدَّتها، فأرسل إليهما ففرَّق بينهما وعاقبهما وقال: لا تَنكِحْها أبداً،
وجعل صداقها في بيت المال، وفشا ذلك في الناس، فبلغ عليًّا فقال: يرحم الله أميرَ
المؤمنين، ما بال الصَّداق وبيت المال! إنما جَهِلا فينبغي للإمام أن يردّهما إلى
السنة. قيل: فما تقول أنت فيهما؟ فقال: لها الصَّداق بما استحِلَّ من فرجها،
ويفرَّق بينهما، ولا جَلْدَ عليهما، وتُكمل عِدَّتها من الأوّل، ثم تعتدُّ من الثاني عدّةً
كاملة ثلاثةَ أقراء، ثم يخطبها إن شاء. فبلغ ذلك عمر فخطب الناس فقال: أيها
الناس، ردُّوا الجهالات إلى السنة (٤).
قال الكِيا الطبريّ(٥): ولا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على امرأة نكاحاً (٦)
وهي في عِدّة من غيره أن النكاح فاسد. وفي اتّفاق عمر وعليّ على نفي الحدّ
(١) ذكر أبو محمد بن عطية في المحرر الوجيز ٣١٧/١ قولاً لعلي رضي الله عنه خلاف قول عمر رضي الله
عنه، وذكر ذلك أيضاً ابن عبد البر في الاستذكار ٢١٨/١٦، وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه
(١٠٥٣٢) عن عطاء أن علي بن أبي طالب أُتي بامرأة نكحت في عدتها وبُني بها، ففرَّق بينهما، وأمرها
أن تعتد بما بقي من عدتها الأولى، ثم تعتد من هذا عدةً مستقبلة، فإذا انقضت عدتها فهي بالخيار، إن
شاءت نكحت وإن شاءت فلا .
(٢) المنتقى ٣١٧/٣.
(٣) لفظة: قال، زيادة من (خ) و(ظ).
(٤) الاستذكار ٢٢٤/١٦، وأخرجه من طريق ابن عبد البر ابنُ عطية في المحرر الوجيز ٣١٧/١-٣١٨.
(٥) في أحكام القرآن ١٩٩/١ .
(٦) في (د) و(ز) و(م): نكاحها.

١٥٥
سورة البقرة : الآية ٢٣٥
عنهما ما يدل على أن النكاح الفاسد لا يُوجب الحدّ، إلا أنه مع الجهل بالتحريم
متفق عليه، ومع العلم به مختلف فيه.
واختلفوا في العِدَّةُ(١)؛ هل تعتدّ منهما جميعاً، وهذه مسألة العِدّتين، وهي:
السابعة: فروى المدنيون عن مالك أنها تُتِمُّ بقية عدَّتها من الأوّل، وتستأنف
عدَّةً أخرى من الآخر؛ وهو قول اللَّيث والحسن بن حَيّ والشافعيّ وأحمد
وإسحاق. ورُوى عن عليّ كما ذكرنا، وعن عمر على ما يأتي. وروى محمد عن
ابن(٢) القاسم وابن وهب عن مالك: أن عدَّتها من الثاني تكفيها من يوم فُرّق بينه
وبينها، سواء كانت بالحمل أو بالأقراء أو بالشهور؛ وهو قول الثوريّ والأوزاعيّ
وأبي حنيفة. وحجَّتهم الإِجماع على أن الأوَّل لا ينكحها في بقية العدّة منه؛ فدلّ
على أنها في عدَّة من الثاني، ولولا ذلك لَنكحها في عدَّتها منه. أجاب الأوَّلون
فقالوا: هذا غير لازم؛ لأن منعَ الأوَّل من أن ينكحَها في بقية عِدَّتها إنما وجب لما
يتلوها من عدّة الثاني، وهما حقّان قد وجبا علیها لزوجین کسائر حقوق الآدميين،
لا يدخل أحدهما في صاحبه(٣).
وخرّج مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وعن سليمان بن يسار أن
طُلَيْحَة الأسدية كانت تحت رُشيد الثقفيّ، فطلَّقها، فَنَكحَتْ في عِدّتها، فضربها
عمر بن الخطاب، وضربَ زوجها بالمِخْفَقَة ضَرَبات وفرَّق بينهما، ثم قال عمر بن
الخطاب رضي الله عنه: أيّما امرأة نكحتْ في عِدّتها فإن كان زوجها الذي تزوّج
بها لم يدخل بها فُرِّق بينهما، ثم اعتدَّتْ بقية عِدَّتها من الزوج الأوّل، ثم كان
الآخر خاطباً من الخُطَّاب، وإن كان دخل بها فُرّق بينهما ثم اعتذَّت بقية عدَّتها من
الأوّل، ثم اعتدّت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبداً. قال [مالك]: وقال سعيد بن
المسيب: ولها مهرها بما اسْتَحَلَّ من فرجها (٤).
(١) قوله: في العدة، زيادة من (خ) و(ظ).
(٢) في (د) و(ز) و(م): محمد بن القاسم.
(٣) انظر الاستذكار ٢٢٥/١٦.
(٤) في الموطأ ٥٣٦/٢، وما بين حاصرتين منه.

١٥٦
سورة البقرة : الآية ٢٣٥
قال أبو عمر (١): وأما طُلَيْحة هذه فهي طليحة بنت عُبيد الله أختُ طلحة بن
عُبيد الله التَّيميّ، وفي بعض نسخ ((الموطأ)) من رواية يحيى: طليحة الأسدية، وذلك
خطأ وجَهْل، ولا أعلم أحدا قاله.
الثامنة: قوله: فضربها عمرُ وضربَ زوجَها بالمِخْفَقة ضَرَبات(٢). يريد على
وجه العقوبة لما ارتكباه من المحظور، وهو النكاح في العدّة (٣).
وقال الزهريّ: فلا أدري كم بلغ ذلك الجَلْد. قال: وجَلَّدَ عبد الملك في ذلك
كلَّ واحد منهما أربعين جَلْدة. قال: فسئل عن ذلك قَبيصةُ بن ذُؤَيْب فقال: لو كنتُم
خَفَّفتم فجلدتم عشرين(٤).
وقال ابن حبيب في التي تتزوَّج في العِدّة فَيمَسُّها الرجل، أو يُقبِّل، أو يُباشر،
أو يَغمِز، أو ينظر على وجه اللَّذة: إن على الزوجين العقوبةَ وعلى الوليّ وعلى
الشهود؛ مَن(٥) عَلِمَ منهم أنها في عدّة، ومن جَهِل منهم ذلك فلا عقوبةً عليه. وقال
ابن الموّاز: يُجلد الزوجان الحدَّ إن كانا تعمَّدَا ذلك. فَيُحمل قول ابن حبيب على
مَن عَلِم بالعِدَّة، ولعله جَهِل التحريمَ ولم يتعمَّد ارتكابَ المحظور، فذلك الذي
يُعاقَب، وعلى ذلك كان ضربُ عمرَ المرأةَ وزوجَها بالمِخْفَقَة ضَرَبات. وتكون
العقوبة والأدب في ذلك بحسب حال المُعاقَب. ويُحمل قول ابن الموّاز على أنهما
عَلِما التحريم وتقحّما (٦) ارتكابَ المحظور جُرأةً وإقداماً. وقد قال الشيخ أبو
القاسم: إنهما روايتان في التعمد، إحداهما: يُحدّ، والثانية: يُعاقب ولا يُحدّ(٧).
(١) في الاستذكار ٢١٩/١٦.
(٢) في (د) و(ز) و(م): فضربها عمر بالمخفقة وضرب زوجها ضربات، والمثبت من (خ) و(ظ).
(٣) المنتقى ٣١٥/٣.
(٤) الاستذكار ٢٢٠/١٦، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٥٣٩) بعد حديث عمر رضي الله عنه الذي
أورده المصنف.
(٥) في (د) و(ز) و(م): ومن، وهو خطأ.
(٦) في (د) و(ز) و(م): واقتحما، وكلاهما بمعنى، وهو: إدخال النفس في الشيء من غير رويّة وتَثبّت.
انظر اللسان (قحم).
(٧) المنتقى ٣١٥/٣.

١٥٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٦
التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ فَأَحْذَرُوهُ﴾ هذا نهايةٌ
التحذير من الوقوع فيما نهى عنه(١).
قوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن ◌َلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ
فَرِيضَةٌ وَمَتِعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُغْنِرِ قَدَرُهُ مَتَمَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى
اَلْحْسِنِينَ
فيه إحدى عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُنْ إِن ◌َلَّقَّتُمُ الْنِسَآءَ﴾ هذا أيضاً من أحكام
المطلَّقات، وهو ابتداءُ إخبار برفع الحرَج عن المُطلِّق قبل البِناء والجِماع، فرَض
مهراً أو لم يفرض.
ولما نهى رسولُ الله ◌َّه عن التزوَّج لمعنى الذَّوق وقضاء الشهوة، وأمر بالتزوّج
لطلب العِصمة والتماس ثواب الله وقَصْدِ دوام الصحبة؛ وقع في نفوس المؤمنين أنّ
مَن طلَّق قبل البناء قد واقع جزءاً من هذا المكروه، فنزلت الآيةُ رافعةً للجُناح في
ذلك إذا كان أصلُ النكاح على المقصد الحسن.
وقال قوم: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ معناه: لا طلبَ لجميع(٢) المهر، بل عليكم
نصفُ المفروض لمن فرَضَ لها، والمتعةُ لمن لم يفرض لها(٣).
وقيل: لما كان أمرُ المهر مُؤَّداً في الشرع فقد يُتَوهَّم أنه لا بدَّ من مهر؛ إما
مسمَّى وإما مهر المثل، فرفع الحَرَج عن المطلِّق في وقت (٤) التطليق وإن لم يكن
في النكاح مهر.
وقال قوم: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ معناه: في أن تُرسلوا الطلاق في وقت الحيض،
بخلاف المَدْخول بها، إذ غير المدخول بها لا عِدَّة عليها(٥).
(١) انظر المحرر الوجيز ٣١٨/١.
(٢) في (خ) و(ظ): بجميع.
(٣) المحرر الوجيز ٣١٨/١.
(٤) لفظ: وقت، من (م).
(٥) انظر المحرر الوجيز ٣١٨/١.

١٥٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٦
الثانية: المطلقات أربع:
مطلَّقة مدخولٌ بها مفروضٌ لها، وقد ذكر اللهُ حُكمها قبلَ هذه الآية، وأنه
لا يُستردُّ منها شيء من المهر، وأن عِدَّتها ثلاثة قروء.
ومطلَّقة غير مفروض لها ولا مَدْخول بها، فهذه الآيةُ في شأنها ولا مهر لها،
بل أمَرَ الربُّ تعالى بإمتاعها، وبيَّن في سورة الأحزاب(١) أن غير المدخول بها إذا
◌ُلِّقَتْ فلا عِدَّة عليها، وسيأتي.
ومطلَّقَة مفروض لها غير مدخول بها؛ ذكرها بعد هذه الآية إذ قال: ﴿وَإِن
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَمُنَّ فَرِيضَةٌ﴾ .
ومطلَّقة مدخولٌ بها غير مفروض لها؛ ذكرها الله في قوله: ﴿فَمَا أُسْتَمْتَعْثُم بِهِ.
مِنْهُنَّ فَقَاتُوُهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾(٢) .
فذكر تعالى في هذه الآية والتي بعدها مطلَّقة قبل المَسِيس وقبل الفرض،
ومطلَّقة قبل المَسيس وبعد الفرض؛ فجعل للأُولى المُتْعَة، وجعل للثانية نصفَ
الصَّداق لِما لحقِّ الزوجة من دَخْض العقد، ووَصْم الحِلِّ الحاصل للزوج بالعقد؛
وقابلَ المَسيس بالمهر الواجب(٣).
الثالثة: لما قَسَم الله تعالى حالَ المطلّقة هنا قسمين: مطلقَّة سُمِّي(٤) لها المهر،
ومطلَّقة لم يُسَمَّ لها، دلَّ على أن نكاح التفويض جائز، وهو كلُّ نكاح عُقد من غير
ذِكْر الصَّداق، ولا خِلاف فيه، ويُفرض بعد ذلك الصّداقُ، فإنْ فُرض التحقَ بالعقد
وجاز، وإن لم يُقرض لها وكان الطلاق، لم يجب صَداق إجماعاً؛ قاله القاضي أبو
(٥)
بكر بن العربيّ (٥).
وحكى المهدويّ عن حمّاد بن أبي سليمان أنه إذا طلَّقها ولم يدخل بها ولم
يكن فَرَضَ لها أُجْبِر على نصف صَداق مثلها .
(١) الآية (٤٩).
(٢) انظر تفسير الرازي ٦/ ١٤٤.
(٣) انظر أحكام القرآن لابن العربي ٢١٧/١.
(٤) في (م): مسمّى.
(٥) في أحكام القرآن ٢١٨/١.

١٥٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٦
وإنْ فَرَضَ بعد عقد النكاح وقبل وقوع الطلاق، فقال أبو حنيفة: لا يتنصَّف
بالطلاق؛ لأنه لم يجب بالعقد؛ وهذا خلافُ الظاهر من قوله تعالى: ﴿وَإِن
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وخِلافُ القياس
أيضاً، فإنَّ الفرض بعد العقد يلحق بالعقد، فوجب أن يتنصَّفَ بالطلاق، أصلُه
الفرض المُقترِن بالعقد(١).
الرابعة: إنْ وقع الموتُ قبل الفرض، فذكر الترمذيّ عن ابن مسعود، أنه سُئل
عن رجل تزوَّج امرأةً لم يَفرِض لها ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود:
لها مِثْلُ صَداق نسائها، ولا وَكْس ولا شَطَط، وعليها العِدّة، ولها الميراث، فقام
مَعقِل بن سِنان(٢) الأَشْجعيّ فقال: قضَى رسولُ اللهِ وَه فِي بَرْوَع بنتِ واشِق امرأةٍ
مِنّا مثلَ ما (٣) قَضَيْتَ، ففَرِحَ بها ابن مسعود. قال الترمذي: حديثُ ابن مسعود
حديثٌ حسن صحيح، وقد رُوي عنه من غير وجه، والعملُ على هذا عند بعض
أهل العلم من أصحاب النبيِّ وَّه وغيرهم، وبه يقول الثوري وأحمد وإسحاق،
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ منهم عليّ بن أبي طالب وزيد بن
ثابت وابن عباس وابن عمر: إذا تزوّج الرجلُ المرأة(٤) ولم يدخُلْ بها ولم يفرِضْ
لها صَداقاً حتى مات قالوا: لها الميراثُ، ولا صَداق لها، وعليها العِدّة، وهو قول
الشافعيّ. وقال: ولو ثبتَ حديثُ بَرْوَع بنت وَاشِق لكانت الحُجَّة فيما رُوي عن
النبيّ ◌َّهِ. ويُروَى عن الشافعيّ أنه رجَع بمصر بعدُ عن هذا القول، وقال بحديث
بَرْوَع بنت واشق(٥) .
قلت: اختلف في تثبيت حديث بَرْوَع، فقال القاضي أبو محمد عبد الوهّاب في
(شرح رسالة ابن أبي زيد)): وأما حديث بَرْوَع بنت واشق فقد ردَّه حُفَّاظُ الحديث
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢١٨/١-٢١٩.
(٢) في (د): معقل بن يسار.
(٣) في (م): مثل الذي.
(٤) في (م): امرأة.
(٥) سنن الترمذي (١١٤٥). والحديث في مسند أحمد (٤٠٩٩).

١٦٠
سورة البقرة : الآية ٢٣٦
وأئمة أهل العلم. وقال الواقديّ: وقع هذا الحديث(١) بالمدينة فلم يَقْبله أحدٌ من
العلماء، وصحَّحه الترمذيّ - كما ذكرنا عنه - وابن المنذر. قال ابن المنذر(٢): وقد
ثبتَ مثلُ قول عبد الله بن مسعود عن رسول الله ◌َ ﴿ وبه نقول. وذكر أنه قول أبي
ثور وأصحاب الرأي.
وذگّر عن الزهري والأوزاعيّ ومالك والشافعيّ مثل قول عليّ وزید وابن عباس
وابن عمر(٣).
وفي المسألة قولٌ ثالث، وهو أنه لا يكون ميراثٌ حتى يكونَ مهر، قاله
مسروق.
قلت: ومن الحُجَّة لما ذهَب إليه مالكٌ أنه فِراق في نكاح قبل الفرض، فلم
يجب فيه صَداق، أصلُه الطلاق، لكنْ إذا صحَّ الحديث فالقياس في مُقابلته فاسد.
وقد حكى أبو محمد عبد الحميد(٤) عن المذهب ما يُوافق الحديث، والحمد لله.
وقال أبو عمر: حديث بَرْوَع رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن
إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، الحديثَ. وفيه: فقام مَعْقِل بن سِنان(٥).
وقال فيه ابنُ مهدي عن الثوري، عن فِراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن
عبد الله: فقال(٦) مَعْقِل بن يَسار(٧).
(١) في (خ) و(ظ): الخبر.
(٢) في الإشراف ٤/ ٦٢.
(٣) انظر الإشراف ٤/ ٦١.
(٤) ابن محمد الهروي، القيرواني، المعروف بابن الصائغ، له تعليق على المدونة، توفي سنة (٤٨٦هـ).
الديباج المذهب ص١٥٩، وانظر عقد الجواهر الثمينة ١١٣/٢ .
(٥) مصنف عبد الرزاق (١١٧٤٥).
(٦) في النسخ الخطية: فقام، والمثبت من (م) ومصادر الحديث.
(٧) أخرجه بهذا الإسناد ابنُ أبي شيبة في مصنفه ٤/ ٣٠٠، وأحمد (١٨٤٦٤)، وأبو داود (٢١١٤)،
والنسائي ١٢٢/٦، وابن ماجه (١٨٩١)، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٤٥/٧، وعند ابن أبي شيبة
وحده: معقل بن يسار، كما ذكر المصنف، وعند الباقين: معقل بن سنان، قال البيهقي: والصواب
معقل بن سنان کما رواه ابن مهدي وغيره.
ابن مهدي: هو عبد الرحمن، وفراس: هو ابن يحيى الهمداني، ومسروق: هو ابن الأجدع.