Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
الأقربين))(١)، فحُمل الحديثُ على هذا، ولا حجةً فيه على ما راموه، والله أعلم.
وقال النحاس(٢): وأما قولُ من قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ ألَّ يُضَارَّ، فقولٌ
حسن؛ لأنَّ أموالَ الناسِ محظورةٌ، فلا يخرج شيءٌ منها إلا بدليل قاطع. وأما قولُ
من قال: على ورثة الأب، فالحجة أنَّ النفقةَ كانت على الأب، فورثتُه أولى من
ورثة الابن. وأما حجة من قال: على ورثة الابنِ، فيقول: کما یرثونه يقومون به.
قال النحاس: وكان محمد بنُ جرير(٣) يختار قول من قال: الوارث هنا الابن،
وهو وإنْ كان قولاً غريبًا؛ فالاستدلالُ به صحيحٌ، والحجةُ به ظاهرة؛ لأنَّ مالَه
أولى به. وقد أجمع الفقهاء إلَّا من شَذَّ منهم أنَّ رجلاً لو كان له ولدٌ طفل وللوّلد
مالٌ والأبُ موسرٌ أنه لا يجب على الأب نفقةٌ ولا رضاع، وأن ذلك من مال
الصبي. فإن قيل: قد قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعَرُوفِ﴾،
قيل: هذا الضميرُ للمؤنث، ومع هذا فإنَّ الإجماعَ حَدِّ(٤) للآية مبيِّنٌ لها، لا يسع
مسلمًا الخروجُ عنه.
وأما من قال: ذلك على من بقي من الأبوين، فحجته أنه لا يجوز للأمِّ تضييعُ
ولدِها، وقد مات من كان ينفقُ عليه وعليها. وقد ترجم البخاريُّ على ردِّ هذا
القول: باب وعلى الوارث مثلُ ذلك، وهل على المرأة منه شيءٌ، وساق حديثَ أمِّ
سَلَمَة وهِنْد(٥).
والمعنى فيه: أنَّ أمَّ سلمة كان لها أبناءٌ من أبي سلمة، ولم يكن لهم مال،
فسألتِ النبيَّ ◌َ ﴿ فأخبرها أنَّ لها في ذلك أجْرًا. فدلَّ هذا الحديثُ على أنَّ نفقةً
بنيها لا تجب عليها، ولو وجبت عليها لم تقل للنبيٍّ وَله: ولستُ بتاركتهم.
(١) أخرجه أحمد (١٤٠٣٦)، والبخاري (٤٥٥٤)، ومسلم (٩٩٨) من حديث أنس رضي الله عنه قال ذلك
النبي ◌َّل﴿ لأبي طلحة عندما قال له: جعلتُ أرضي بَيْرُحاء لله عز وجل.
(٢) في الناسخ والمنسوخ ٦٧/٢ .
(٣) في تفسيره ٤/ ٢٣٣-٢٣٤.
(٤) كذا في (د) و(ز) و(م)، ووقع في (خ) و(ظ): جدا الآية، وفي الناسخ والمنسوخ للنحاس ٦٨/٢،
والكلام منه: حذا للآية.
(٥) صحيح البخاري رقم (٥٣٦٩) و (٥٣٧٠).

١٢٢
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
وأما حديثُ هندٍ فإنَّ النبيَّ وَّ﴿ أطلقها على أخذ نفقتها ونفقةٍ بنيها من مال الأب،
ولم يوجبها عليها كما أوجبها على الأب. فاستدل البخاريُّ من هذا على أنه لمَّا لم
يلزم الأمهاتِ نفقاتُ الأبناءِ في حياة الآباء؛ فكذلك(١) لا يلزمهنَّ بموت الآباء.
وأما قول من قال: إنَّ النفقةَ والكسوة على كل ذي رحِم مَحْرَم، فحجتُه أنَّ
على الرجل أنْ ينفقَ على كلِّ ذي رحِمٍ مَحْرَم إذا كان فقيراً. قال النحاس(٢): وقد
عُورِضَ هذا القولُ بأنه لم يؤخذْ(٣) من كتاب الله تعالى ولا من إجماعٍ ولا من سنةٍ
صحيحة، بل لا يُعرفُ من قولٍ سوى ما ذكرناه. فأما القرآن فقد قال الله عز وجل:
﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ﴾ فإن كان على الوارث النفقةُ والكسوةُ فقد خالفوا ذلك،
فقالوا: إذا ترك خاله وابنَ عمه فالنفقةُ على خاله وليس على ابن عمِّه شيءٌ؛ فهذا
مخالفٌ نصَّ القرآنِ؛ لأنَّ الخال لا يرث مع ابن العم في قول أحد، ولا يرث
وحدَه في قول كثيرٍ من العلماء، والذي احتجوا به من النفقة على كلِّ ذي رحِمٍ
مَحْرَم، أكثرُ أهلِ العلم على خلافه.
السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ الضمير في ((أرَادَا)) للوالدين.
و((فِصَالًا)) معناه فِطامًا على الرضاع(٤)، أي: عن الاغْتِذَاء بلبن أمِّه إلى غيره من
الأقوات. والفِصَالُ والفَضْل: الفِطام، وأصله التَّفريق، فهو تفريقٌ بين الصبيّ
والثَّدي، ومنه سُمِّي الفَصِيل؛ لأنه مفصولٌ عن أمه(٥).
﴿عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا﴾، أي: قبلَ الحولين. ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَهِمَاً﴾، أي: في فصله،
وذلك أنَّ الله سبحانه لما جعل مدّةَ الرضاع حولين بَيَّن أنَّ فطامهما هو الفطامُ،
وفصالهما هو الفصالُ، ليس لأحدٍ عنه مَنْزَع؛ إلّا أنْ يتفقَ الأبوان على أقلّ من
ذلك العددِ من غير مضارَّة بالولد، فذلك جائزٌ بهذا البيان(٦).
(١) في النسخ: في حياتهن فكذلك، والمثبت من (م).
(٢) في الناسخ والمنسوخ ٦٨/٢-٦٩.
(٣) في النسخ: يوجد، والمثبت من (م)، وهو الموافق الناسخ والمنسوخ ٦٨/٢.
(٤) المحرر الوجيز ٣١٣/١.
(٥) انظر النكت والعيون ٣٠١/١، وتفسير الرازي ١٣١/٦.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢٠٥/١.

١٢٣
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
وقال قتادة: كان الرضاع واجبًا في الحولين، وكان يحرمُ الفطامُ قبلَه، ثم خُفّف
وأُبيح الرضاع أقلّ من الحولين بقوله: ﴿فَإِنْ أَرَدَا فِصَالًا﴾ الآية(١). وفي هذا دليلٌ
على جواز الاجتهادِ في الأحكام بإباحة الله تعالى للوالدين التشاؤُرَ فيما يؤدِّي إلى
صلاح الصغير، وذلك موقوفٌ على غالب ظنونِهما، لا على الحقيقة واليقين(٢).
والتشاور: استخراجُ الرأي، وكذلك المَشْوَرَةِ(٣)، والمَشُورَة كالمعونة، وشُرْت
العسل: استخرجتُه، وشُرْتُ الدابةَ وشوَّرتها، أي: أجريتها لاستخراج جَریِها،
والشّوَار: متاعُ البيت؛ لأنه يظهر للناظر، والشَّارة: هيئة الرجل، والإشارة: إخراج
ما في نفسك وإظهاره (٤).
السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدَّتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَهُ﴾، أي: لأولادكم
غيرَ الوالدة؛ قاله الزجاج(٥). قال النحاس(٦): التقديرُ في العربية: أن تسترضعوا
أجنبيةً لأولادكم؛ مثلُ: ﴿ كَالُوهُمْ أَو ◌َزَنُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أي: كالُوا لهم أو وزنوا
لهم، وحذفت اللام؛ لأنه يتعدّى إلى مفعولين، أحدُهما بحرف، وأنشد سيبويه(٧).
أمرتُك الخيرَ فافعلْ ما أُمرتَ به فقد تركتُّك ذا مَال وذا نَشَبٍ (٨)
(١) أخرجه الطبري ٢٠٥/٤، وأورده البغوي في تفسيره ١/ ٢١٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣١١/١
وعندهم أن التخفيف وقع بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنِّ الرَّضَاعَةُ﴾، وأورده مثل ما ذكره المصنف ابن
الجوزي في زاد المسير ٢٧١/١.
(٢) انظر أحكام القرآن لابن العربي ٢٠٥/١، وزاد المسير ٢٧٢/١.
(٣) في (م): المشاورة.
(٤) تفسير الرازي ٦/ ١٣٢، وانظر الصحاح (شور)، وتهذيب اللغة ٤٠٣/١١-٤٠٥.
(٥) في معاني القرآن ٣١٤/١.
(٦) في إعراب القرآن ٣١٧/١.
(٧) في الكتاب ٣٧/١.
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٣١٧/١، والبيت اختلف في نسبته، فنسبه سيبويه في الكتاب ٣٧/١، وابن
الشجري في أماليه ٥٥٩/٢ لعمرو بن معد يكرب، وهو في ديوانه ص٣٥، ونسبه الآمدي في المؤتلف
والمختلف ص١٧ الأعشى طرود، وعنده: الرشد بدل: الخير، وذكر البغدادي في الخزانة ٣٤٤/١ أن
اسمَ أعشى طرود إياس بنُ موسى، وذكر أيضاً أن هذا البيت نُسب إلى العباس بن مرداس، ولخُفاف بن
ندبة، ولزرعة بن السائب.
وذكره المبرّد في الكامل ٤٨/١، والمقتضب ٣٢/٢ من غير نسبة.

١٢٤
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
ولا يجوز: دعوتُ زيدًا، أي: دعوتُ لزيد؛ لأنه يؤدِّي إلى التلبيس، فيُعتَبرُ في
هذا النوعِ السَّماع.
قلت: وعلى هذا يكون في الآية دليلٌ على جواز اتخاذِ الظّئْر إذا اتفق الآباء
والأمهاتُ على ذلك. وقد قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ﴾: معناه
الظُّْر، حكاه ابن عطية (١) .
والأصل أنَّ كلَّ أمِّ يلزمُها رضاعُ ولدها كما أخبر الله عزَّ وجلَّ، فَأَمر الزوجاتِ
بإرضاع أولادِهنّ، وأوجب لهنَّ على الأزواج النفقةَ والكسوة والزوجيةُ قائمة؛ فلو
كان الرضاعُ على الأب لَذكره مع ما ذكره من رزقهنّ وكسوتهنّ، إلا أنَّ مالكاً
رحمه الله دون فقهاءِ الأمصارِ استثنى الحسِيبةَ، فقال: لا يلزمُها رضاعة؛ فأخرجها
من الآية وخصَّصها بأصلٍ من أصول الفقهِ، وهو العملُ بالعادة(٢). وهذا فنّ(٣) لم
يتفطَّنْ له إلا مالك(٤). والأصل البدِيعُ فيه أنَّ هذا أمرٌ كان في الجاهلية في ذوي
الحَسَب، وجاء الإسلام فلم يُغيِّره، وتَمَادى ذوو الثَّرْوَةِ والأحساب على تفريغ
الأمَّهات للمُتْعَة بدفع الرُّضَعاء للمراضع إلى زمانه، فقال به، وإلى زماننا، فتحققناه
شرعاً (٥).
الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِذَا سَلَّمْتُم﴾ يعني الآباء، أي: سلمتم الأجرةَ إلى
المرضعة الظّئْر، قاله سفيان. مجاهد: سلَّمتم إلى الأمهات أجرهنَّ بحساب ما
أرضعنَ إلى وقت إرادة الاسترضاع(٦). وقرأ الستةُ من السَّبعة: ((مَا آتَيْتُمْ)) بمعنى ما
أعطيتُم. وقرأ ابن كثير: ((أَتَيْتُمْ))(٧) بمعنى ما جئتم وفعلتم؛ كما قال زُهَيْر(٨):
(١) في المحرر الوجيز ٣١٢/١، وأخرجه الطبري ٥١/٥.
(٢) في أحكام القرآن لابن العربي ٢٠٦/١، والكلام منه: العمل بالمصلحة.
(٣) في (م): أصل.
(٤) في أحكام القرآن لابن العربي ٢٠٦/١، والكلام منه: لم يتفطن له مالكي.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢٠٦/١ .
(٦) أخرج القولين الطبري ٢٤٢/٥، ٢٤٣.
(٧) السبعة ص١٨٣، والتيسير ص٨١.
(٨) في ديوانه ص١١٥ .

١٢٥
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
توارثَه آباءُ آبائهم قَبْلُ
وما كان مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فإنما
قال قتادة والزهريّ(١): المعنى: سلَّمتُم ما آتَيْتُم من إرادة الاسترضاع، أي:
سلَّم كلُّ واحد من الأبويْن وَرَضيَ، وكان ذلك على اتفاقٍ منهما وقصدٍ خير وإرادةٍ
معروفٍ من الأمر. وعلى هذا الاحتمالِ فيدخل في الخطاب: بـ((سلمتم))(٢) الرجالُ
والنساء، وعلى القولين المتقدّمين الخطابُ للرجال.
قال أبو عليّ: المعنى إذا سلَّمتم ما آتيتم نقدَه أو إعطاءه، فحُذِف المضافُ
وأقيم الضمير مُقامه، فكان التقدير: ما آتيتموه، ثم حذف الضمير من الصلة، وعلى
هذا التأويلِ فالخطابُ للرجال؛ لأنهم الذين يُعطون أجْرَ الرضاع.
قال أبو عليّ: ويحتمل أنْ تكون ((ما)) مصدريةً، أي: إذا سلمتم الإتيان،
والمعنى كالأوَّل، لكن يُستغنى عن الصلة(٣) من حذْف المضافِ، ثم حَذْف
الضمير.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
وَعَثْرًا فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيَّ أَنْفُسِهِنَ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خِيرٌ
فيه خمس وعشرون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ لما ذكر عزَّ وجلَّ عِدَّةَ الطلاقِ
واتصل بذكرها ذكرُ الإرضاع، ذكر عدَّة الوفاةِ أيضاً؛ لئلا يُتَوهم أنَّ عدَّةَ الوفاةِ مثلُ
عدَّةِ الطلاق.
((والَّذِينَ)) أي: والرجالُ الذين يموتون منكم. ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَبًا﴾، أي: يتركون
أزواجاً، أي: ولهم زوجات، فالزوجات ﴿يَتَرَّيَّصْنَ﴾، قال معناه الزجاج، واختاره
(١) أخرج قولهما الطبري ٥/ ٢٤٣ -٢٤٤.
(٢) في (خ): مسألة، وفي باقي النسخ: سلمتم، دون باء. والمثبت من المحرر الوجيز ٣١٣/١.
(٣) في النسخ: الصيغة، وفي (م)، والمحرر الوجيز ٣١٣/١، والكلام منه: الصفة، والمثبت من الحجة
لأبي علي الفارسي ٣٣٥/٢-٣٣٦، والبحر المحيط ٢١٩/٢.

١٢٦
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
النحاس(١). وحذْفُ المبتدأ في الكلام كثيرٌ، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأْتِشُكُمْ بِشَرٍ مِّن
ذَلِكُ النَّارُ﴾ [الحج: ٧٢]، أي: هو النار.
وقال أبو عليّ الفارسي: تقديره والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن
بعدَهم، وهو كقولك: السَّمْن مَنّوانِ بدرهمٍ، أي: مَنّوانٍ منه بدرهم(٢). وقيل:
التقدير: وأزواجُ الذين يُتوقَّون منكم يتربصن، فجاءت العبارة في غاية الإيجاز.
وحكى المهدوِيّ عن سيبويه أنَّ المعنى: وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون. وقال
بعض نُحَاةِ الكوفة: الخبر عن ((الذين)) متروك، والقصد الإخبارُ عن أزواجهم بأنهنَّ
يتربصْنَ(٣)؛ وهذا اللفظُ معناه الخبر عن المشروعية في أحد الوجهين كما تقدَّم.
الثانية: هذه الآيةُ في عدَّة المتوفَّى عنها زوجُها، وظاهرُها العموم، ومعناها
الخصوص. وحكى المهدوِيُّ عن بعض العلماءِ أنَّ الآيةَ تناولت الحواملَ، ثم نُسخ
ذلك بقوله ﴿وَأُؤْلَتُ الْأَحْمَالِ أَبَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: ٤](٤).
وأكثر العلماءِ على أنَّ هذه الآيةَ ناسخةٌ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوََّوْنَ
مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةٌ لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَعَا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ [البقرة: ٢٤٠]؛
لأنَّ الناسَ أقاموا بُرهةً من الإسلام؛ إذا تُوقِّي الرجلُ، وخلّف امرأته حاملاً،
أوصى لها زوجها بنفقة سَنَة وبالسُّكنى ما لم تخرج فتتزوَّج؛ ثم نُسخ ذلك بأربعة
أشهرٍ وعشر، وبالميراث.
وقال قوم: ليس في هذا نسخٌ، وإنما هو نقصانٌ من الحَول، كصلاة المسافرِ
لمَّا نقصت من الأربع إلى الاثنتين لم يكن هذا نسخاً. وهذا غلطٌ بَيِّن؛ لأنه إذا كان
حكمها أنْ تعتدَّ سنةً إذا لم تخرج، فإنْ خرجت لم تُمنع، ثم أزيل هذا، ولزمتها
العدّة أربعة أشهر وعشراً. وهذا هو النسخ، وليس(٥) صلاةُ المسافرِ من هذا في
(١) معاني القرآن للزجاج ١/ ٣١٥، وإعراب القرآن للنحاس ٣١٨/١.
(٢) لم نقف على قول أبي علي الفارسي، وانظر معاني القرآن للأخفش ٣٧٢/١، ومشكل إعراب القرآن
ص١/ ٠١٣١
(٣) المحرر الوجيز ٣١٣/١-٣١٤.
(٤) المحرر الوجيز ٣١٤/١.
(٥) في (م): وليست.

١٢٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
شيء. وقد قالت عائشة رضي الله عنها: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزِيد في
صلاة الحضر، وأُقرَّت صلاة السفر بحالها(١)؛ وسيأتي(٢).
الثالثة: عِدَّةُ الحاملِ المتوقَّى عنها زوجُها وضعُ حملِها عند جمهور العلماء.
ورُوي عن علي بنِ أبي طالب وابن عباس أنَّ تمامَ عِدَّتِها آخِرُ الأجلين(٣)، واختاره
سحنون من علمائنا. وقد رُوي عن ابن عباس أنه رجع عن هذا(٤).
والحجة لما رُوي عن علي وابن عباس رَوْمُ الجمعِ بَيْن قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ
يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَبًا يَتَرَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وبَيْن قولهِ: ﴿وَأُوْلَتُ
اُلْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وذلك أنها إذا قعدت أقصى الأجليْن فقد عملت
بمقتضى الآيَتيْن، وإن اعتدت بوضع الحملِ فقد تركت العملَ بآية عدَّةِ الوفاة،
والجمعُ أولى من الترجيح باتفاق أهلِ الأصول. وهذا نظرٌ حسن لولا ما يعَكِّر عليه
من حديث سُبَيْعَةً الأسْلَميةِ(٥) وأنها نَفِست بعد وفاةِ زوجِها بليال، وأنها ذكرت ذلك
لرسول الله وَ﴿ فأمرَها أنْ تتزوَّج؛ أخرجه في الصحيح. فبيَّنَ الحديثُ أنَّ قولَه
تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ اَلْأَّحْمَالِ أَبَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمّلَهُنَّ﴾ محمولٌ على عمومه في المطلقات
والمتوقَّى عنهن أزواجُهن، وأن عِدَّةَ الوفاةِ مختصةٌ بالحائل من الصِّنفِین، ويَعْتَضد
هذا بقول ابنِ مسعود: ومن شاء باهلتُه أنَّ آيةَ النِّساءِ القصرى نزلت بعد آيةٍ عدَّةٍ
الوفاة(٦).
قال علماؤنا: وظاهر كلامِه أنها ناسخةٌ لها، وليس ذلك مرادَه. والله أعلم.
وإنما يعني أنها مخصّصةٌ لها؛ فإنها أخرجت منها بعضَ متناولاتها. وكذلك حديثُ
سُبَيْعَةَ متأخرٌ عن عِدَّةِ الوفاة؛ لأنَّ قصةَ سُبيعةً كانت بعد حَجَّة الوَداعِ، وزوجُها هو
(١) الناسخ والمنسوخ ٢/ ٧٠ و٧٧-٧٨، وحديث عائشة أخرجه البخاري (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥)، وهو
عند أحمد (٢٦٣٣٨) بنحوه.
(٢) عند تفسير الآية: (١٥١) من سورة النساء.
(٣) المحرر الوجيز ٣١٤/١، وانظر الإشراف ٢٨١/٤.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١١٧٢٥)، وانظر الاستذكار ١٧٧/١٨، والمنتقى ١٣٢/٤، وإكمال المعلم ٦٤/٥.
(٥) المفهم ٤/ ٢٨٠. والحديث أخرجه أحمد (٢٧٤٣٦)، والبخاري (٥٣١٩)، ومسلم (١٤٨٤).
(٦) أخرجه البخاري (٤٥٣٢)، ومسلم (١٤٨٥).

١٢٨
?v'
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
سَعْد بن خَوْلَة، وهو من بني عامر بن لُؤَيٍّ، وهو ممن شهد بدراً، تُوفي بمكةً حينئذ
وهي حامل، وهو الذي رَثَى له رسولُ اللهِ وَله من أنْ تُونِّي بمكة (١)، وولدت بعدّه
بنصف شهر. وقال البخاريُّ(٢): بأربعين ليلة.
وروى مسلم(٣) من حديث عمرَ بنِ عبد الله بن الأرقم أنَّ سُبيعةً سألت
رسول الله وَل﴿ عن ذلك قالت: فأفْتَاني بأنِّي قد حَلَلتُ حين وضعتُ حَمْلي، وأمرني
بالتزويج (٤) إن بَدَا لِي. قال ابن شهاب: فلا أرى بأساً أن تتزوَّجَ حين وَضعتْ وإن
كانت في دمها، غيرَ أنَّ زوجَها لا يَقْرَبُها حتى تطهر.
وعلى هذا جمهورُ العلماءِ وأئمةُ الفقهاء.
وقال الحسن والشعبيُّ والنخعيُّ وحَمّاد: لا تنكح النُّفساءُ ما دامت في دَم
نِفاسها. فاشترطوا شرطين: وَضْعَ الحمل، والظُّهْرَ من دَم النفاس. والحديث حجةٌ
عليهم، ولا حجةً لهم في قوله: ((فلما تَعَلَّتْ من نِفاسها تجمَّلَت للخُطَّاب)) كما في
صحيح مسلم وأبي داود(٥)؛ لأنَّ(تَعَلَّتْ)) وإنْ كان أصلُه طهرت من دم نفاسِها - على
ما قاله الخليل - فيحتملُ أنْ يكونَ المرادُ به هاهنا تَعَلَّت من آلام نِفاسِها، أي:
استَقَلَّت من أوجاعها. ولو سُلِّم أنَّ معناه ما قال الخليل فلا حجةَ فيه، وإنما الحجةُ
في قوله عليه السلام لسُبَيْعةَ: ((قد حللتِ حين وضعت))، فأوقع الحِلَّ في حين الوضعِ
وعلَّقه عليه، ولم يقل: إذا انقطع دمُكِ ولا: إذا طهرتٍ؛ فَصَّ ما قاله الجمهور(٦).
الرابعة: ولا خلاف بين العلماء على أنَّ أجَلَ كلِّ حاملٍ مطلقةٍ يملك الزوجُ
رجعتَها أو لا يملك، حُرَّةً كانت أو أَمَة، أو مُدَبَّرة أو مكاتبَة أنْ تضع حملَها(٧).
(١) المفهم ٢٨٠/٤-٢٨١.
(٢) عند الحديث (٤٩٠٩).
(٣) رقم (١٤٨٤)، وسلف ذكره قريباً .
(٤) في (م): التزوّج.
(٥) صحيح مسلم (١٤٨٤)، وسنن أبي داود (٢٣٠٦)، وسلف ذكره، وقوله: تعَلَّت من قولهم: تعلَّى
الرجل من عِلَّته إذا برأ، أي: خرجت من نفاسها وسلِمت. النهاية (علا).
(٦) المفهم ٤/ ٢٨٠- ٢٨١، وانظر إكمال المعلم ٦٤/٥ -٦٥.
(٧) الإشراف ٤/ ٢٨١ .

١٢٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
واختلفوا في أجل الحاملِ المتوفَّى عنها كما تقدّم، وقد أجمع الجميعُ بلا
خلافٍ بينهم أنَّ رجلاً لو توفي، وتركَ امرأة حاملاً، فانقضت أربعةُ أشهر وعشرٌ،
أنها لا تحلُّ حتى تلد، فعُلِم أنَّ المقصودَ الولادة.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿يَتَرَّيَّصْنَ﴾ التربُّص: التأنِّي والتصبُّر عن النكاح، وتركُ
الخروجِ عن مسكن النكاح، وذلك بألّا تفارقه ليلاً. ولم يذكر الله تعالى السُّكنى
للمتوفَّى عنها في كتابه كما ذكرها للمطلَّقة بقوله تعالى: ﴿أَتْكِنُوهُنَّ﴾، وليس في لفظ
العِدَّةِ في كتاب الله تعالى ما يدلُّ على الإِحْدَاد، وإنما قال: ((يَتَرَبَّصْنَ)) فبَيِّنَت السنة
جميعَ ذلك. والأحاديث عن النبيّ وَّهِ مُتَظَاهرةٌ بأنَّ التّربُّصَ في الوفاة إنما هو
بإحداد، وهو الامتناع من الزِّينَة ولُبس المصبوغِ الجميلِ والطَّيب ونحوه، وهذا قولُ
جمهورِ العلماء. وقال الحسن بن أبي الحسن(١): ليس الإحداد بشيء، إنما تتربَّصُ
عن الزوج، ولها أنْ تَتزيَّن وتَتطيّب. وهذا ضعيفٌ(٢)؛ لأنه خلافُ السُّنةِ على ما
نبينُه إنْ شاء الله تعالى.
وثبت أنَّ النبيَّ وَّهِ قال للفُرَيْعَة بنتِ مالك بن سِنَان، وكانت متوَفَّى عنها:
((امكثي في بيتك حتى يبلغَ الكتابُ أجلَه)»، قالت: فاعتددتُ فيه أربعة أشهر
وعشراً. وهذا حديثٌ ثابت أخرجه مالك(٣) عن سعيد بن إسحاق (٤) بن كعب بن
(١) أخرجه الطبري ٢٥٤/٥.
(٢) المحرر الوجيز ٣١٤/١.
(٣) في الموطأ ٢/ ٥٩١، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٧٠٨٧) وفُريعة بنت مالك بن سنان هي أخت أبي سعيد
الخدري، كان يقال لها: الفارعة، شهدت بيعة الرضوان. وحديثها في سكنى المتوفى عنها زوجها في
بيتها حديث مشهور استعمله أكثر فقهاء الأمصار. الاستيعاب ١٣٣/١٣.
(٤) كذا وقع في النسخ الخطية، والموطأ ٢/ ٥٩١ (برواية يحيى). قال ابن عبد البر في التمهيد ٢٧/٢١:
هكذا قال يحيى [ابن يحيى الليثي أحد رواة الموطأ عن مالك]: سعيد بن إسحاق، وتابعه بعضهم،
وأكثرُ الرواة يقولون فيه: سعد بن إسحاق، وهو الأشهر، وانظر الاستذكار ١٨/ ١٨٠ .
وسماه سعداً محمد بن الحسن الشيباني في الموطأ (٥٩٢) والشافعي في الأم ٢٠٨/٥-٢٠٩، وفي
مسنده (٢/ ٥٣ ترتيب السندي). وأبو مصعب الزهري في الموطأ (١٧٠٧).

١٣٠
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
عُجْرةَ، رواه عنه مالك والثوريُّ ووُهيب(١) بنُ خالد وحماد بنُ زيد وعيسى بنُ
يونس وعدد كثير وابن عيينة والقطانُ وشعبة، وقد رواه مالك عن ابن شهاب
وحسبُك! قال الباجِيّ(٢): لم يروِ عنه غيرُه، وقد أخذ به عثمان بنُ عفان.
قال أبو عمر (٣): وقضى به في اعتداد المتوقَّى عنها في بيتها، وهو حديثٌ
معروف مشهور عند علماءِ الحجاز والعراق أنَّ المتوفى عنها زوجها عليها أنْ تعتدَّ
في بيتها ولا تخرجَ عنه، وهو قولُ جماعةِ فقهاءِ الأمصار بالحجاز والشام والعراق
ومصر. وكان داودُ يذهب إلى أنَّ المتوفَّى عنها زوجُها (٤) ليس عليها أن تعتدَّ في
بيتها وتعتدّ حيثُ شاءت، لأنَّ السُّكنى إنما ورد به القرآن في المطلقات، ومن حجته
أنَّ المسألةَ مسألةُ خلاف. قالوا: وهذا الحديثُ إنما ترويه امرأة غيرُ معروفةٍ بحملٍ
العلم، وإيجابُ السُّكنى إيجابُ حكم، والأحكامُ لا تجب إلا بنصِّ كتابِ الله، أو
سنةٍ أو إجماع.
قال أبو عمر: أما السنة فثابتةٌ بحمد الله، وأما الإجماع فمستغنّى عنه بالسنة؛
لأنَّ الاختلاف إذا نزل في مسألةٍ كانت الحجةُ في قول مَن وافقته السنة، وبالله
التوفيق. ورُوي عن عليٍّ وابن عباس وجابر وعائشة مثلُ قولِ داود، وبه قال جابر بنُ
زيد وعطاءٌ والحسن البصريّ(٥) .
قال ابن عباس(٦): إنما قال الله تعالى: ﴿يَتَرَّبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾،
ولم يقل: يعتَدِدْن في بيوتهن، ولْتعتدَّ حيثُ شاءت، ورُوي عن أبي حنيفة.
وذكر عبد الرزاق(٧) قال: حدّثنَا مَعْمَر، عن الزُّهري، عن عروة قال: خرجت
(١) في النسخ: وهب، وهو خطأ، والتصويب من المنتقى ١٣٤/٤، والكلام منه، ومن طريق وهيب
أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٩/ ٢٨٠.
(٢) في المنتقى ١٣٤/٤، وما قبله منه.
(٣) في التمهيد ٣١/٢١، والاستذكار ١٨١/١٨.
(٤) لفظة: زوجها، من (م)، والتمهيد ٣١/٢١.
(٥) انظر معالم السنن ٢٨٧/٣، والاستذكار ١٨٢/١٨.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٥١).
(٧) في المصنف (١٢٠٥٤).

١٣١
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
عائشة بأختها أمّ كلثوم - حين قُتل عنها زوجُها طلحة بنُ عُبيد الله - إلى مكة في
عُمْرة، وكانت تُفتي المتوفَّى عنها زوجها بالخروج في عدّتها .
قال: وحدّثنا الثوريُّ، عن عبيد الله بن عمر أنه سمع القاسم بنَ محمد يقول:
أبَى الناسُ ذلك عليها(١) .
قال: وحدّثنا معمر، عن الزهريّ قال: أخذ المترخِّصون في المتوفى عنها
زوجُها بقول عائشة، وأخذ أهلُ الوَرَع والعزْمِ بقول ابن عمر (٢).
وفي الموطأ(٣): أنَّ عمر بنَ الخطابِ كان يردُّ المتوقَّى عنهنّ أزواجُهن من
البَيْدَاء یمنعهن الحجَّ. وهذا من عمر رضي الله عنه اجتهاد؛ لأنه کان یری اعتدادَ
المرأةِ في منزل زوجِها المتوفَّى عنها لازماً لها، وهو مقتضى القرآن والسنة، فلا
يجوز لها أن تخرجَ في حَجِّ ولا عمرة حتى تنقضيّ عدّتها. وقال مالك: تردُّ ما لم
تحرم(٤).
السادسة: إذا كان الزوج يملك رَقَبَةَ المسكنِ؛ فإنَّ للزوجة العدَّةَ فيه؛ وعليه
أكثرُ الفقهاء: مالك وأبو حنيفة والشافعيُّ وأحمد وغيرُهم؛ لحديث الفُرَيْعة. وهل
يجوز بيعُ الدارِ إذا كانت مِلْكاً للمتوقَّى وأراد ذلك الورثة؟، فالذي علیه جمهورُ
أصحابِنا أنَّ ذلك جائز، ويشترط فيه العِدّة للمرأة. قال ابن القاسم: لأنها أحقُّ
بالسُّكنى من الغُرَماء. وقال محمد بنُ عبد(٥) الحكم: البيع فاسد؛ لأنها قد ترتابُ
فتمتدُّ عِدَّتُها. وجهُ قولِ ابن القاسم: أنَّ الغالبَ السَّلامةُ، والرِّيبة نادرةٌ، وذلك
لا يؤثِّر في فساد العقود؛ فإنْ وقع البيع فيه بهذا الشرطِ فارتابتْ؛ قال مالك في
كتاب محمد: هي أحقُّ بالمُقام حتَّى تنقضيَ الرِّيبةُ، وأَحبُّ إلينا أنْ يكونَ للمشتري
الخيار في فسخ البيع أو إمضائه، ولا يرجع بشيء؛ لأنه دخل على العِدَّة المعتادة،
(١) مصنف عبد الرزاق (١٢٠٥٥).
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٢٠٨٠).
(٣) ٥٩٢/٢.
(٤) انظر الإشراف ٢٧٥/٤، والمنتقى ١٣٨/٤.
(٥) قوله: عبد، من (د)، والمنتقى ١٣٤/٤.

١٣٢
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
ولو وقع البيع بشرطِ زوال الرِّيبة كان فاسداً. وقال سُحنون: لا حجةً للمشتري وإن
تمادت الرِّيبةُ إلى خمس سنين؛ لأنه دخل على العِدَّة، والعِدّةُ قد تكون خمسَ
سنين، ونحوَ هذا رَوى أبو زيد عن ابن القاسم(١).
السابعة: فإن كان للزوج السُّكنى دون الرَّقَبَة، فلها السكنى في مدّةِ العِدَّة،
خلافاً لأبي حنيفة والشافعيّ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام للفُرَيْعة - وقد علم أنَّ
زوجَها لا يملك رَقَبَةَ المسكن -: ((امكثي في بيتك حتى يبلغَ الكتابُ أجلَه».
لا يقال: إنَّ المنزلَ كان لها، فلذلك قال لها: ((امكثي في بيتك)»، فإن مَعْمراً روی
عن الزُّهريّ أنها ذكرت للنبيِّ وَل﴿ أَنَّ زوجها قُتل، وأنه تركها في مسكن ليس لها
واستأذنته، وذكر الحديث. ولنا من جهة المعنى أنه ترك داراً يملك سُكناها مِلْكاً
لا تَبِعَةَ عليه فيه؛ فلزم أنْ تعتدَّ الزوجةُ فيه، أصلُ ذلك إذا ملَك رقبتها(٢).
الثامنة: وهذا إذا كان قد أدَّى الكِراء، وأما إذا كان لم يؤدِّ الكراءَ؛ فالذي في
المدوّنة(٣): أنه لا سُكنى لها في مال الميتِ وإن كان موسراً، لأنَّ حقَّها إنما يتعلق
بما يملكه من السُّكنى مِلكاً تامًّا، وما لم ينقُدْ عوضَه لم يملكه مِلكاً تاماً، وإنما مَلكَ
العِوضَ الذي بيده، ولا حقَّ في ذلك للزوجة إلا بالميراث دون السكنى؛ لأنَّ ذلك
مالٌ، وليس بسكنى. وروى محمد عن مالك أنَّ الكِراءَ لازمٌ للميت في ماله (٤).
التاسعة: قوله وَّ﴿ للفُرَيْعة: ((امكُثي في بيتك حتى يبلغَ الكتاب أجلَه)) يحتملُ أنه
أمرَها بذلك لمَّا كان زوجها قد أدَّی کراءَ المسكن، أو کان أُسْكِن فیه إلى وفاته،
أو أنَّ أهلَ المنزل أباحوا لها العدّةَ فيه بكراء أو بغيرِ كراء(٥)، أو ما شاء الله تعالى
من ذلك مما رأَى به أنَّ المُقام لازمٌ لها فيه حتى تنقضي عدّتُها (٦).
(١) المنتقى ١٣٤/٤-١٣٥.
(٢) المنتقى ١٣٥/٤، والحديث من طريق معمر أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٧٣)، وابن أبي عاصم في
الآحاد والمثاني (٣٣٣٠). وسلف ذكره عند المسألة الخامسة.
(٣) ٤٧٥/٢.
(٤) المنتقى ٤ /١٣٥.
(٥) في (م): غير.
(٦) المنتقى ١٣٦/٤.

١٣٣
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
العاشرة: واختلفوا في المرأة يأتيها نَعْيُ زوجِها وهي في بيتٍ غيرِ بيتٍ زوجِها،
فَأَمرَها بالرجوع إلى مسكنه وقَرارِهِ مالك بن أنس، ورُوي ذلك عن عمرَ بنِ عبد
العزيز رضي الله عنه. وقال سعيد بنُ المسِّيب والنَّخَعيّ: تعتدُّ حيث أتاها الخبر،
لا تبرحُ منه حتى تنقضي العِدَّة. قال ابن المنذر (١): قول مالكٍ صحيحٌ، إلا أنْ
يكونَ نقَلَها الزوج إلى مكانٍ، فَتَلزم ذلك المكانَ.
الحادية عشرة: ويجوز لها أنْ تخرجَ في حوائجها من وقت انتشارِ الناسِ بكرةً
إلى وقت هدوئهم بعدَ العَتَمة، ولا تبيتُ إلَّا في ذلك المنزل.
وفي البخاريّ ومسلم عن أم عطية أنَّ رسولَ اللهِ وَ ه قال: ((لا تُحِدُّ امرأةٌ على
مَيِّت فوقَ ثلاثٍ إلا على زوج أربعةً أشهر وعشراً، ولا تلبَسُ ثوباً مصبوغاً إلا
ثوبَ عَصْبٍ، ولا تكْتَحِلُ، ولا تَمَسُّ ◌ِيباً إلا إذا طَهُرت نُبْذَةً من قُسْط أو
أَظْفَار))(٢) .
وفي حديث أمِّ حبيبة: لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحِدُّ على مَيِّتٍ
فوق ثلاثٍ إلا على زوج أربعةً أشهر وعشرًا. الحديث(٣).
الإحداد: تركُ المرأةِ الزينةَ كلَّها من اللباس والطَّيبِ والحُليّ والكُخل
والخِضَابِ بالحِنَّاء ما دامت في عدّتها؛ لأن الزينةَ داعيةٌ إلى الأزواج، فتُهيت عن
ذلك قطعًا للذرائع، وحمايةً لحُرمات الله تعالى أنْ تنتهَك، وليس دَهْن المرأة رأسها
بالزَّيت والشَّيرج من الطّيب في شيء. يقال: امرأة حادٌّ ومُحِدٌّ. قال الأصمعيّ:
(١) في الإشراف ٢٧٥/٤، وما قبله منه.
(٢) صحيح البخاري (٥٣٤٢)، وصحيح مسلم (٩٣٨) (٦٦)، ١١٢٧/٢، وهو عند أحمد (٢٧٣٠٤).
قوله: ثوب عَصْبٍ: هي بُرودٌ يمنيَّة يُعصب غزلُها، أي: يُجمع ويُشد، ثم يُصبغ ويُنسج، وقيل: هي
برود مُخطّطةٌ، والعصب: الفتل، والعصَّابُ الغزَّال، فيكون النهيُ للمعتدة عما صُبغ بعد النسج. النهاية
(عصب)، وقوله: نُبذة: قطعة، النهاية (نبذ)، وقُسط: ضربٌ من الطيب، وقيل: هو العود، والقُسط:
عَقَّار معروف في الأدوية طيب الرائحة، تُبخر به النفساء والحائض. النهاية (قسط). وقوله: أظفار:
جنس من الطيب لا واحدَ له من لفظه، وقيل: واحده ظفر، وقيل: هو شيء من العِطر أسود، والقطعة
منه شبيهةٌ بالظّفْر. النهاية (ظفر).
(٣) أخرجه أحمد (٢٦٧٦٥)، والبخاري (٥٣٣٩)، ومسلم (١٤٨٦) واللفظ له.

١٣٤
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
ولم نعرف ((حدَّثْ))(١). وفاعل ((لا يحلُّ) المصدرُ الذي يُمكن صياغتُه من ((تُحِد)) مع
((أنْ)) المرادة، فكأنه قال: الإحداد(٢).
الثانية عشرة: وصفه عليه الصلاة والسلام المرأةَ بالإيمان يدلُّ على صحة أحدٍ
القولين عندنا في الكتابية المتوفَّى عنها زوجُها إنها لا إحدادَ عليها، وهو قولُ ابنِ
كنانةَ وابنٍ نافع، ورواه أشهب عن مالك، وبه قال أبو حنيفة وابن المنذر(٣)، وروى
عنه ابن القاسم أنَّ عليها الإحداد كالمسلمة؛ وبه قال الليثُ والشافعيّ وأبو ثور
وعامةُ أصحابنا، لأنه حكمٌ من أحكام العِدّةِ، فلزمت الكتابيةً للمسلم كلزوم
المسكنِ والعدَّة (٤).
الثالثة عشرة: وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ((فوقَ ثلاث إلا على زوج)) دليلٌ
على تحريم إحدادِ المسلمات على غير أزواجهنَّ فوقَ ثلاث، وإباحةُ الإحداد عليهم
ثلاثاً تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلُها إلى آخر ثالثها؛ فإنْ مات حميعُها في بقية
يومٍ أو ليلة، ألغته، وحسَبت من الليلة القابلة (٥).
الرابعة عشرة: هذا الحديثُ بحكم عمومِه يتناول الزوجاتِ كلَّهن المتوفَّى عنهنَّ
أزواجهنَّ، فيدخلُ فيه الإماءُ والحرائرُ والكبار والصغار؛ وهو مذهبُ الجمهور (٦).
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا إحدادَ على أَمةٍ ولا على صغيرة(٧)، حكاه عنه القاضي
أبو الوليد الباجي(٨). قال ابن المنذر(٩): أما الأَمةُ الزوجة فهي داخلٌ في جملة
الأزواجِ وفي عموم الأخبار، وهو قولُ مالك والشافعيِّ وأبي ثور وأصحاب الرأي،
(١) انظر المنتقى ١٤٤/٥.
(٢) المفهم ٢٨٣/٤.
(٣) في الإشراف ٤/ ٢٩٤.
(٤) انظر المفهم ٢٨٣/٤، وإكمال المعلم ٥/ ٦٧ .
(٥) المفهم ٢٨٤/٤.
(٦) في (م): الجمهور من العلماء.
(٧) المفهم ٢٨٤/٤، وانظر الإشراف ٢٩٥/٤، والاستذكار ٢٢٠/١٨.
(٨) في المنتقى ٤ /١٤٥.
(٩) في الإشراف ٢٩٥/٤.

١٣٥
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
ولا أحفظُ في ذلك عن أحد خلافاً، ولا أعلمُهم يختلفون في أنْ لا حِدادَ(١) على
أمِّ الولد إذا مات سيدها؛ لأنها ليست بزوجة، والأحاديثُ إنما جاءت في
الأزواج. قال الباجيّ(٢): الصغيرة إذا كانت ممن تعقلُ الأمرَ والنهيَ، وتلتزم ما
حُدَّ لها، أُمرت بذلك، وإن كانت لا تُدرك شيئاً من ذلك [تحذُّ] لصغرها؛ فرَوَى
ابن مُزَين(٣) عن عيسى: يُجِنِّبها أهلُها جميعَ ما تجتنبه الكبيرة، وذلك لازمٌ لها.
والدليلُ على وجوب الإحدادِ على الصغيرة ما رُوي أنَّ النَّبِيَّ وَلّ سألته امرأة عن
بنتٍ لها تُوفّيَ عنها زوجُها، فاشتكت عينَها أفتكحُلُها(٤)؟ فقال النبيُّ وَلّ: ((لا)).
مرتين أو ثلاثاً؛ كلُّ ذلك يقول: ((لا))، ولم يسأل عن سِنّها، ولو كان الحكم يَفترق
بالصغر والكبرِ لسأل عن سِنِّها حتى يبيِّنَ الحكم، وتأخيرُ البيانِ في مثل هذا
لا يجوز، وأيضاً فإنَّ كلَّ من لزمتها العدَّة بالوفاة لزمها الإحدادُ كالكبيرة(٥).
الخامسة عشرة: قال ابن المنذر: ولا أعلم خلافاً أنَّ الخضاب داخلٌ في جملة
الزِّينة المنهيّ عنها(٦). وأجمعوا على أنه لا يجوز لها لباسُ الثياب المُصَبَّغَةِ
والمعَصْفَرة، إلا ما صُبغ بالسواد، فإنه رَشَّص فيه عروةُ بن الزبير ومالك والشافعي،
وكرهه الزُّهْري(٧). وقال الزُّهري: لا تلبس ثوبَ عَصْب، وهو خلافُ الحديث.
وفي المدوَّنة(٨) قال مالك: لا تلبس رقيقَ عَصْبِ الْيَمَن، ووسَّع في غليظه. قال
(١) في (م): في الإحداد، وهو خطأ، ووقع في (ظ): في أن الإحداد، وفي (خ) و(د): ألا حداد،
أُدغمت أن في لا، والأفضل هنا فصلها كما جاء في (ز)، وهو المثبت.
(٢) في المنتقى ١٤٨/١ وما سیرد بین حاصرتین منه.
(٣) هو يحيى بن زكريا بن إبراهيم بن مُزَيْن، أصله من طليلطة، وانتقل إلى قرطبة، روى الموطأ عن
مطرف بن عبد الله، وغيره، كان موصوفاً بالفضل والحفظ ومعرفة مذاهب أهل المدينة. توفي سنة
(٢٥٩ هـ). الديباج المذهب ٢/ ٣٦١، وعيسى الذي روى عنه أعلاه هو ابن دينار.
(٤) في (خ) و(ظ): أفْتُكحلها، وفي (د): أنْ تُكحلَها، ولم تجود الكلمة في (ز).
(٥) انظر المنتقى ١٤٥/١، والحديث أخرجه البخاري (٥٣٣٦)، ومسلم (١٤٨٨) من حديث أم سلمة
رضي الله عنها بهذا اللفظ، وهو عند أحمد (٢٦٥٠١) بنحوه.
(٦) انظر الإقناع ١/ ٣٢٧.
(٧) الإشراف ٢٩٥/٤، والمفهم ٢٨٩/٤، وعنه نقل المصنف، وانظر إكمال المعلم ٧٤/٥.
(٨) ٤٣١/٢.

١٣٦
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
ابن القاسم: لأنَّ رقيقَه بمنزلة الثيابِ المُصَبَّغَةِ، وتلبس رقيقَ الثياب وغليظَه من
الحرير والكتَّان والقُطن.
قال ابن المنذر(١): ورخّص كلُّ من أحفظ عنه في لباس البياض، قال القاضي
عِياض(٢): ذهب الشافعي إلى أنَّ كلَّ صبغ كان زينةً فلا تمسُّه الحادُّ رقيقاً كان أو
غليظاً. ونحوُه للقاضي عبد الوهاب قال(٣): كلُّ ما كان من الألوان تتزينُ به النساء
لأزواجهنَّ فلتَمتَنع منه الحادّ. ومنع بعضُ مشايخِنا المتأخرين جيِّدَ البياض الذي
يُتَزيّن به، وكذلك الرفيعُ من السواد. وروى ابن المواز عن مالك: لا تلبسُ حُليًّا
وإن كان حديداً، وفي الجملة أنَّ كلَّ ما تلبسه المرأةُ على وجهِ ما يستعمل عليه
الحُليّ من التجمُّل فلا تلبسُه الحادّ. ولم ينصّ أصحابنا على الجواهر واليَواقيت
والزُّمُرُّد وهو داخلٌ في معنى الحليّ(٤). والله أعلم.
السادسة عشرة: وأجمع الناس على وجوب الإحدادٍ على المتوفَّى عنها
زوجُها، إلا الحسنَ، فإنه قال: ليس بواجب(٥)، واحتج بما رواه عبد الله بنُ
شدَّاد بنِ الهاد عن أسماء بنت عُمَيس قالت: لما أصيب جعفر بنُ أبي طالب قال
لي رسول الله وَ لجه: ((تَسَلَّبي ثلاثاً، ثم اصنعي ما شئتٍ))(٦). قال ابن المنذر: كان
الحسن البصري من بين سائرِ أهلِ العلم لا يرى الإحداد، وقال: المطلقة ثلاثاً
والمتوقَّى عنها زوجُها تكتحلان وتختضِبان وتصنعان ما شاءا. وقد ثبتت الأخبار
عن النبيِ وَِّ بالإحداد، وليس لأحد بَلَغتْه إلا التسليم؛ ولعلَّ الحسن لم تَبلُغْه، أو
بَلَغتْه فتأوَّلها بحديثٍ أسماءَ بنتٍ عُميس أنها استأذنت النَّبِيَّ وَِّ أنْ تُحِدَّ على جعفر
وهي امرأته، فأذن لها ثلاثةَ أيامٍ، ثم بعثَ إليها بعدَ ثلاثة أيام أن تطهري واكتحلي.
(١) في الإشراف ٢٩٧/٤، وانظر المفهم ٢٨٩/٤.
(٢) في إكمال المعلم ٤/ ٢٨٧.
(٣) في المعونة ٩٣٠/٢.
(٤) المنتقى ٤/ ١٤٧.
(٥) انظر الإشراف ٢٩٤/٤، والإجماع ص ١١٠، والاستذكار ٢١٨/١٨.
(٦) أخرجه أحمد (٢٧٤٦٨)، قوله: تسلبي، أي: البَسي ثوب الحِداد، وهو السلاب، والجمع سُلُب،
وتسلبت المرأة إذا لبسته، وقيل: هو ثوب أسود تُغطي به المُحدَّ رأسها. النهاية (سلب).

١٣٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
قال ابن المنذر وقد دفع أهلُ العلم هذا الحديثَ بوجوه، وكان أحمد بن حنبل
يقول: هذا الشاذ من الحديث لا يؤخذ به؛ وقاله إسحاق(١).
السابعة عشرة: ذهب مالك والشافعيُّ إلى أن لا إحدادَ على مطلقة رجعيةً كانت
أو بائنةً واحدةً أو أكثر؛ وهو قولُ ربيعةً وعطاء. وذهب الكوفيون: أبو حنيفة
وأصحابه والثوريُّ والحسن بنُ حَيّ وأبو ثور وأبو عبيد إلى أنَّ المطلقة ثلاثاً عليها
الإحداد، وهو قولُ سعيد بنِ المسيب وسليمانَ بنِ يسار وابنٍ سيرين والحكم بنٍ
مُتيبة(٢). قال الحَكّم: هو عليها أوْكدُ وأشدُّ منه على المتوفَّى عنها زوجُها، ومن
جهة المعنى أنهما جميعاً في عِدَّة يُحفظ بها النسب. وقال الشافعيُّ وأحمد
وإسحاق: الاحتياط أنْ تتقيّ المطلقة الزينة (٣).
قال ابن المنذر(٤): وفي قول النَّبيِّ وَّهِ: ((لا يَحِلُّ لا مرأة تؤمنُ بالله واليوم
الآخر أنْ تُحِدَّ على مَيِّت فوقَ ثلاث إلا على زوج أربعةً أشهرٍ وعشراً)) دليلٌ على أنَّ
المطلقةَ ثلاثاً والمطلِّقُ حَيٍّ لا إحدادَ عليها .
الثامنة عشرة: أجمع العلماء على أنَّ من طلَّق زوجته طلاقاً يملك رجعتَها، ثم
تُوفِّي قبل انقضاء العِدة أنَّ عليها عدّةَ الوفاة، وترتُه. واختلفوا في عِدَّة المطلقةِ ثلاثاً
في المرض، فقالت طائفةٌ تعتدُّ عِدَّةَ الطلاق؛ هذا قولُ مالكٍ والشافعيِّ ويعقوبَ
وأبي عُبيد وأبي ثور. قال ابن المنذر(٥): وبه نقول؛ لأن الله تعالى جعل عِدةً
المطلقاتِ الأقْرَاءِ، وقد أجمعوا على أنَّ (٦) المطلقةَ ثلاثاً لو ماتت لم يرثُها
المطلِّق، وذلك لأنها غيرُ زوجة، وإذا كانت غيرَ زوجة فهو غيرُ زوج لها. وقال
(١) انظر الإشراف ٢٩٤/٤، ٢٩٥، والمغني ٢٨٤/١١. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ٩/ ٤٨٧:
حديث قوي الإسناد.
(٢) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): عيينة، وهو خطأ، والمثبت من (خ).
(٣) انظر الاستذكار ٢٢١/١٨-٢٢٢، والمنتقى ١٤٥/٤، والمغني ٢٩٩/١١.
(٤) في الإشراف ٤/ ٢٩٧.
(٥) في الإشراف ٢٨٦/٤-٢٨٧، وما قبله منه.
(٦) لفظة: أنَّ من (ز).

١٣٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
الثوريُّ: تعتدُّ بأقصى العدّتين. وقال النُّعمان ومحمد: عليها أربعةُ أشهرٍ وعشر
تَستکمل في ذلك ثلاثَ حِیَض.
التاسعة عشرة: واختلفوا في المرأة يبلغُها وفاةُ زوجِها أو طلاقُه، فقالت
طائفة: العِدّةُ في الطلاق والوفاةِ من يوم يموت أو يطلّق؛ هذا قول ابنِ عمر وابنٍ
مسعود وابنٍ عباس، وبه قال مسروق وعطاء وجماعة من التابعين، وإليه ذهب مالك
والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو عبيد والثوريُّ وأبو ثور وأصحابُ الرأي وابن
المنذر. وفيه قولٌ ثانٍ، وهو أنَّ عِدَّتها من يوم يبلغُها الخبر، رُوي هذا القولُ عن
عليّ، وبه قال الحسن البصريُّ وقتادةُ وعطاء الخراسانيُّ وجُلَاس بنُ عمرو. وقال
سعيد بنُ المسيب وعمر بنُ عبد العزيز: إن قامت بيِّنة فعدَّتها من يوم مات أو طلَّق،
وإن لم تقم بينةٌ فمن يومٍ يأتيها الخبر(١)، والصحيح الأوَّلُ لأنه تعالى علَّقَ العِدّةَ
بالوفاة أو الطلاق، ولأنها لو علمت بموته فتركت الإحدادَ انقضت العدّة، فإذا
تركته مع عدم العلم فهو أهون؛ ألا ترى أنَّ الصغيرةَ تنقضي عِدَّتها ولا إحدادَ
عليها؟ وأيضًا فقد أجمع العلماء على أنها لو كانت حاملاً لا تَعلم طلاقَ الزوجِ أو
وفاتَه، ثم وضعت حملها أنَّ عِدَّتها منقضية. ولا فرقَ بين هذه المسألةِ وبين المسألةِ
المختلفِ فيها (٢). ووجهُ من قال بالعِدَّة من يوم يبلغُها الخبر؛ أنَّ العِدَّة عبادةٌ بترك
الزينةِ؛ وذلك لا يصحُّ إلا بقصدٍ ونية، والقصدُ لا يكون إلا بعد العلم. والله أعلم.
الموفية عشرين: عِدَّة الوفاة تلزم الحرّةَ والأمةَ، والصغيرة والكبيرة، والتي لم
تبلُغ المحيض، والتي حاضت، واليائسةً من المحيض، والكتابية دخل بها أو لم
يدخُل بها إذا كانت غير حامل، [وعدّةُ جميعِهن إلا الأمة] أربعةُ أشهرٍ وعشرةُ أيام؛
لعموم الآيةِ في قوله تعالى: ﴿يَرَيَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾. وعِدَّةُ الأمةِ
المتوفَّى عنها زوجُها شهران وخمسُ ليال(٣). قال ابن العربيّ(٤): نصف عِدَّةِ الحرةِ
(١) الإشراف ٤/ ٢٨٤ .
(٢) الإشراف ٤/ ٢٧٤ .
(٣) المنتقى ١٣٦/٤ دون قوله: الكتابية، وما بین حاصرتين منه.
(٤) في أحكام القرآن ١/ ٢١٠، وانظر أحكام القرآن للجصاص ٤١٥/١.

١٣٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
إجماعاً، إلا ما يُحكى عن الأصمِّ فإنه سوَّى فيها بين الحرة والأمةِ وقد سبَقه
الإجماع، لکن لصممه لم يسمع.
قال الباجيّ(١): ولا نعلم في ذلك خلافاً إلا ما يُروى عن ابن سیرین، وليس
بالثابت عنه أنه قال: عدَّتها عدَّةُ الحرّة.
قلت: قول الأصم صحيحٌ من حيثُ النظر، فإنَّ الآياتِ الواردةَ في عدة الوفاةِ
والطلاقِ بالأشهر والأقْرَاء عامةٌ في حقِّ الأمة والحرّة؛ فعِدَّةُ الحرّة والأمة سواءٌ
على هذا النظر، فإنَّ العموماتِ لا فصلَ فيها بين الحرَّة والأمة، وكما استوت الأمة
والحرّةُ في النكاح، فكذلك تستوي معها في العدَّة. والله أعلم.
قال ابن العربيّ(٢): ورُوي عن مالك(٣) أنَّ الكتابيةَ تعتدُّ بثلاث حِيَض؛ إذْ بها
يَبْرأ الرحِم، وهذا [منه] فاسدٌ جدًّا، لأنَّ في ذلك إخراجَها(٤) من عموم آيةِ الوفاة
[وهي منها]، وإدخالَها(٥) في عموم آيةِ الطلاق وليست منها .
قلت: وعليه بناءُ ما في المدوَّنة: لا عدّةَ عليها إنْ كانت غيرَ مدخولٍ بها؛ لأنه
قد عُلم براءةُ رحِمها، وهذا يقتضي أنْ تتزوَّج مسلماً أو غيرَه إثرَ وفاته؛ لأنه إذا لم
يكن عليها عدّةٌ للوفاة ولا استبراءٌ للدخول، فقد حلَّت للأزواج(٦).
الحادية والعشرون: واختلفوا في عِدَّة أمِّ الولد إذا تُوفِّي عنها سيدها، فقالت
طائفة: عِدّتها أربعةُ أشهر وعشر؛ قاله جماعة من التابعين، منهم سعيد والزهريُّ
والحسن البصريُّ وغيرهم، وبه قال الأوزاعيُّ وإسحاق. وروى أبو داود والدار قطنيُّ
عن قبيصةَ بن ذؤيب عن عمرو بن العاص قال: لا تُلِّسوا علينا سُنةً نبيِّنا وَّهِ، عِدّةُ
المتوفَّى عنها زوجُها أربعة أشهر وعشر؛ يعني في أمِّ الولد، لفظُ أبي داود. وقال
(١) في المنتقى ١٤١/٤.
(٢) في أحكام القرآن ٢١١/١، وما بين حاصرتين منه.
(٣) في المدونة ٢٤٥/٢.
(٤) في (م): لأنه أخرجها .
(٥) في (م): وأدخّلها.
(٦) المنتقى ٤ /١٣٧.

١٤٠
سورة البقرة : الآية ٢٣٤
الدار قطنيّ: موقوف. وهو الصواب، وهو مرسلٌ؛ لأن قَبيصةً لم يسمعْ من عمرو (١).
قال ابن المنذر(٢): وضعَّف أحمدُ وأبو عبيد هذا الحديث. ورُوي عن علي
وابن مسعود أنَّ عِدَّتها ثلاثُ حيض؛ وهو قولُ عطاء وإبراهيم النخعيِّ وسفيان
الثوريِّ وأصحابِ الرأي، قالوا: لأنها عِدّةٌ تجب في حال الحرية، فوجب أنْ تكون
عِدّةً كاملة، أصلُه عِدّةُ الحرة.
وقال مالك والشافعيُّ وأحمد وأبو ثور: عِدَّتُها حيضة؛ وهو قولُ ابنِ عمر.
ورُوي عن طاوس أنَّ عِدَّتها نصفُ عِدَّةِ الحرّةِ المتوفَى عنها؛ وبه قال قتادة.
قال ابن المنذر(٣): ويقول ابن عمر أقول؛ لأنه الأقلُّ مما قيل فيه، وليس فيه
سنةٌ تُتَّبع، ولا إجماعٌ يُعتمدُ عليه. وذكر اختلافهم في عِدَّتها في العتق كهو في
الوفاة سواء، إلا أنَّ الأوزاعيَّ جعل عِدَّتها في العتق ثلاثَ حِيض.
قلت: أصحُ هذه الأقوال قولُ مالك؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ
يَتَرَبَّصِّنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ فُرُوَةٌ﴾ فشرط في تربُّص الأقْرَاءِ أنْ يكونَ عن طلاق، فانتفى
بذلك أنْ يكون عن غيره. وقال: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَبًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ
أَزْيَمَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ فعلَّق وجوبّ ذلك بكون المتربِّصة زوجةً، فدلَّ على أنَّ الأمةَ
بخلافها. وأيضاً فإنَّ هذه أمةٌ موطوءة بمِلْك اليمين، فكان استبراؤها بحيضة، أصل
ذلك الأمة(٤).
الثانية والعشرون: إذا ثبت هذا؛ فهل عِدّةٌ أمِّ الولدِ استبراء محضِّ(٥) أو عدَّة،
فالذي ذكره أبو محمد في معونته(٦) أنَّ الحيضة استبراء وليست بعدَّة. وفي
المدوَّنة(٧) أنَّ أَمَّ الولدِ عليها العِدّة، وأنَّ عدّتَها حيضةٌ، كعدّة الحرَّةِ ثلاثَ حيض.
(١) سنن أبي داود (٢٣٠٨)، وسنن الدارقطني ٣٠٩/٣ و٣١٠.
(٢) في الإشراف ٢٨٩/٤، والأقوال المذكورة منه، وانظر الاستذكار ١٨٨/١٨-١٨٩ .
(٣) في الإشراف ٢٨٩/٤.
(٤) انظر المعونة ٩٢٤/١.
(٥) في (ز): بحیض.
(٦) ٩٢٤/٢.
(٧) ٤٣٦/٢، ٤٣٧، وانظر الموطأ ٥٩٣/٢ .