Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ سورة البقرة : الآية ٢٢١ عن ابن شهاب قال: لا يحلّ له أن يطأها حتى تُسلِم(١). قال أبو عمر: قول ابن شهاب هذا(٢) - وهو أعلمُ الناس بالمغازي والسِّيَر - دليلٌ على فساد قولٍ مَن زعم أن سَبْيَ أَوْطاس وُطِئْنَ ولم يُسلِمْنَ. رُويَ ذلك عن طائفة، منهم عطاءٌ وعمرُو بن دينار؛ قالا : لا بأسَ بوطء المجوسيّة، وهذا لم يلتفت إليه أحدٌ من الفقهاء بالأمصار. وقد جاء عن الحسن البصريّ - وهو ممن لم يكن غَزْوُه ولا غَزْوُ [أهل] ناحيتِه إلا الفُرسَ وما وراءهم من خُرَاسان، وليس منهم أحدٌ أهلَ كتاب - ما يُبيِّن لك كيف كانت السّيرةُ في نسائهم إذا سُبِين. قال(٣): أخبرنا عبد الله بنُ محمد بن أسد، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ أحمد بن فراس، قال: حدثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عُبيد، قال: حدثنا هُشيم(٤)، عن يونس، عن الحسن قال: قال رجلٌ له: يا أبا سعيد، كيف كنتم تصنعون إذا سبيتموهنّ؟ قال: كنا نوجِّهُها إلى القبلة، ونأمرُها أن تُسلِمَ وتَشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ الله، ثم نأمرُها أن تغتسلَ، وإذا أرادَ صاحبُها أن يُصيبَها لم يُصِبْها حتى يستبرئَها . وعلى هذا تأويلُ جماعةِ العلماء في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٍ﴾ أنهنَّ الوثنيَّاتُ والمجوسيَّاتُ؛ لأن الله تعالى قد أحلَّ الكتابيات بقوله: ﴿وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] يعني العفائف، لا من شُهر زِناها من المسلمات. ومنهم من كَرِهِ نكاحَها ووَظْأَها بِمِلْك اليمين ما لم يكن منهنَّ توبةٌ؛ لما في ذلك من إفساد النَّسَب. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌ مِّنِ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنكِحُوا﴾ أي: لا تُزوِّجُوا المسلمةَ من المُشرك. (١) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (١٦٧). يونس: هو ابن يزيد الأيلي. (٢) في (د) و(م): قول ابن شهاب: لا يحل له أن يطأها حتى تسلم هذا. (٣) يعني ابن عبد البر. (٤) تحرف في النسخ إلى هشام. وهو هُشيم بن بشير، والخبر في الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (١٧٠). ٤٦٢ سورة البقرة : الآية ٢٢١ وأجمعت الأُمّة على أنَّ المشركَ لا يطأ المؤمنةَ بوجه؛ لما في ذلك من الغَضاضة على الإسلام. والقُرَّاء على ضمِّ التاء من ((تُنكِحوا))(١). الثانية: في هذه الآية دليلٌ بالنص على أنْ لا نكاحَ إلا بوَلِيّ. قال محمد بنُ عليّ بن الحسين: النكاح بولِيٍّ في كتاب الله، ثم قرأ: ﴿وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾(٢). قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله وسلم قال: ((لا نكاحَ إلا بوَلِيٍّ))(٣). وقد اختلف أهل العلم في النكاح بغير وَلِيٍّ، فقال كثير من أهل العلم: لا نكاحَ إلا بولِيٍّ، رُوِيَ هذا القولُ(٤) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعليٍّ بن أبي طالب، وابنٍ مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة رضي الله عنهم. وبه قال سعيدُ بنُ المسيِّب، والحسنُ البصري، وعمرُ بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، وسفيان الثوريُّ، وابنُ أبي ليلى، وابنُ شُبْرُمة، وابنُ المبارك، والشافعيُّ، وعُبيد الله بنُ الحسن(٥)، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو عُبيد(٦). قلت: وهو قول مالك - رضي الله عنهم أجمعين - وأبي ثور والطبري(٧). قال أبو عمر(٨): حُجّةُ من قال: لا نكاح إلا بوليٍّ: أنَّ رسول الله پێے قد ثبت عنه أنه قال: ((لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ)). رَوَى هذا الحديثَ شعبةُ والثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُرْدَةً، عن النبيِّ ◌َِِّ مُرْسَلًا (٩)؛ فمن يقبلُ المراسيلَ يَلزمُه قَبولُه، (١) المحرر الوجيز ٢٩٧/١. (٢) أخرجه الطبري ٧١٩/٣. محمد بن علي بن الحسين: هو أبو جعفر الباقر رضي الله عنه. (٣) أخرجه أحمد (١٩٥١٨)، وأبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨١) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. وفي الباب عن ابن عباس وعائشة عند أحمد (٢٢٦٠) و(٢٦٢٣٥)، وعن ابن عمر وابن مسعود عند الدارقطني ٢٢٥/٣، وعن أبي هريرة عند ابن حبان (٤٠٧٦). (٤) في (د) و(ز) و(م): الحديث. (٥) قاضي البصرة، توفي سنة (١٦٨ هـ). تهذيب التهذيب ٧/٣. (٦) الإشراف ٣٣/٤، وانظر أقوال الصحابة رضوان الله عليهم في سنن البيهقي الكبرى ١١١/٧- ١١٢. (٧) انظر تفسير الطبري ٧١٨/٣-٧١٩. (٨) في التمهيد ٨٥/١٩ و٨٨. (٩) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٩/٣، والخطيب البغدادي في الكفاية ص ٥٨٠ من طريق شعبة. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٤٧٥)، والترمذي في العلل ٤٢٨/١، والطحاوي ٩/٣، وابن عبد البر في التمهيد ٨٨/١٩ من طريق سفيان الثوري. ٤٦٣ سورة البقرة : الآية ٢٢١ وأما مَن لا يقبل المراسيلَ فيلزمُه أيضاً؛ لأن الذين وصلوه من أهل الحفظ والثِّقة، وممن وصلَه إسرائيلُ وأبو عَوَانة، كلاهما عن أبي إسحاق، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى، عن النبيّ وَّهُ(١). وإسرائيلُ ومَن تابعه حُفَّاظ، والحافظ تُقبل زيادتُه، وهذه زيادة(٢) يعضُدها أصول، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. وهذه الآية نزلت في مَعْقِل بنِ يَسار إذْ عَضَلَ أختَه عن مراجعة زوجها؛ قاله البخاريُّ(٣). ولولا أنَّ له حقًّا في الإنكاح ما نُهِيَ عن العَضْل. قلت: وما يدلُّ على هذا أيضاً من الكتاب قوله: ﴿فَأَنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُرْ﴾ [النور: ٣٢]، فلم يخاطِبْ تعالى بالنكاح غيرَ الرجال، ولو كان إلى النساء، لَذَكرهنّ. وسيأتي بيانُ هذا في ((النور)). وقال تعالى حكايةً عن شعيب في قصة موسى عليهما السلام: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ [القصص: ٢٧] على ما يأتي بيانُه في سورة القصص. وقال تعالى: ﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]؛ فقد تعاضد الكتابُ والسُّنّةُ على أنْ لا نكاح إلا بوليّ. قال الطبريّ: في حديث حفصةً حين تأيَّمتْ وعقَدَ عمرُ عليها النكاحَ(٤) ولم تَعقِدْه هي (٥) إبطالُ قولِ مَن قال: إنّ للمرأة البالغةِ المالكة لنفسها تزويجَ نفسِها وعَقْدَ النكاح دون وَلِيِّها، ولو كان ذلك لها لم يكن رسولُ اللهِ وَ﴿ لِيَدَعَ خِطبةَ حفصةَ لنفسها(٦) إذا (١) أخرجه موصولاً من طريق إسرائيل أحمد (١٩٥١٨)، والترمذي (١١٠١)، وابن عبد البرّ في التمهيد ٨٧/١٩-٨٨، ومن طريق أبي عَوانة الترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨١)، وابن عبد البر في التمهيد ٨٨/١٩. وقد سلف الحديث قريباً. أبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السَّبِيعي، وأبو بُرْدة: هو ابنُ أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وإسرائيل: هو ابنُ يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي، وأبو عَوانة: هو الوضَّاح بن عبد الله اليشكري. (٢) في (د) و(ز) و(م): الزيادة. (٣) في صحيحه (٤٥٢٩). (٤) أخرجه أحمد (٧٤)، والبخاري (٤٠٠٥) من حديث عمر رضي الله عنه مطولاً. وقوله: تأيّمت، أي: صارت أيِّماً، وهي التي يموت زوجها، أو تبينُ منه، وتنقضي عدتها. فتح الباري ٩/ ١٧٦ . (٥) بعدها في (ز): أيضاً. (٦) في النسخ الخطية: إلى نفسها، والمثبت من (م). ٤٦٤ سورة البقرة : الآية ٢٢١ كانت أولى بنفسها من أبيها، وخطَبَها إلى مَن لا يملك أمرَها ولا العقدَ عليها، وفيه بيانُ قولِه عليه السلام: ((الأَيِّمُ أحقُّ بنفسها من وَلِيِّها))(١) أنّ معنى ذلك أنها أحقُّ بنفسها في أنه لا يَعقِدُ عليها إلا برضاها، لا أنها أحقُّ بنفسها في أن تَعقِدَ عقد النكاح على نفسها دون وَليِّها . وروى الدار قطنيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهِ وَّ: ((لا تُزَوِّج المرأةُ المرأةَ، ولا تزُوِّج المرأةُ نفسَها)) فإنَّ الزانيةَ هي التي تزوِّج نفسَها. قال: حديث صحیح(٢). وروى أبو داود من حديث سفيان [عن ابن جُريج، عن سليمان بن موسى] عن الزُّهريّ، عن عُروةَ، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَله: ((أيُّما امرأة نَكَحَتْ بغير إذن وليِّها فنكاحها باطلٌ - ثلاثَ مرات - فإنْ دخَلَ بها، فالمهرُ لها بما أصاب منها، فإنْ تشاجروا فالسلطانُ وَلِيُّ مَن لا وَلِيَّ له))(٣). وهذا الحديثُ صحيح. ولا اعتبارَ بقول ابن عُلَيّةَ، عن ابن جُريج أنه قال: سألتُ عنه الزهريَّ فلم يَعرِفْه(٤)، ولم يقلْ هذا أحدٌ عن ابن جُريج غيرُ ابن عُلَيّةَ، وقد رواه جماعةٌ عن الزُّهري لم يذكروا ذلك، ولو ثبت هذا عن الزهريِّ لم يكن في ذلك حُجةٌ؛ لأنه قد نقله عنه ثِقات، منهم سليمانُ بن موسى، وهو ثقةٌ إمامٌ، وجعفرُ بنُ ربيعة(٥)؛ فلو نَسِيَه الزهريُّ لم يضرَّه ذلك؛ لأن النسيان لا يُعصم منه إنسان(٦)، قال ◌َّ: ((نَسِيَ آدمُ فنسيتْ ذرّيتُه))(٧). وكان وَهِ يَنْسَى، فمَن سواه أَحْرَى أن يَنْسَى، ومَن حَفِظَ فهو (١) أخرجه أحمد (١٨٨٨)، ومسلم (١٤٢١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. . (٢) سنن الدارقطني ٢٢٧/٣، وليس فيه قوله: حديث صحيح. وأخرجه ابن ماجه (١٨٨٢)، والبيهقي في السنن الكبرى ١١٠/٧. وقوله: ((فإن الزانية هي التي تزوج نفسها)» مُدرَج من قول أبي هريرة رضي الله عنه، انظر تلخيص الحبير ٣/ ١٥٧. (٣) سنن أبي داود (٢٠٨٣)، وما بين حاصرتين منه، وهو في المسند (٢٤٢٠٥). (٤) رواية ابن عُلَيَّة عن ابن جريج هي رواية مسند أحمد المذكورة في التعليق السابق. (٥) روايته في المسند (٢٤٣٧٢)، وسنن أبي داود (٢٠٨٤). (٦) في (د) و(ز) و(م): ابن آدم. (٧) سلف ٢٩٤/١. ٤٦٥ سورة البقرة : الآية ٢٢١ حجةٌ على من نَسِيَ، فإذا رَوى الخبَرَ ثقةٌ فلا يضرُّه نسيانُ من نَسِيَه، هذا لو صحّ ما حكى ابن عُلَيّة عن ابن جُريج، فكيف وقد أنكر أهلُ العلم ذلك من حكايته ولم يعرِّجوا عليها(١). قلت: وقد أخرج هذا الحديثَ أبو حاتم محمدُ بن حِبّان التميميّ البُسْتِيُّ في ((المسند الصحيح له على التقاسيم والأنواع من غير وجود قَطْع في سندها، ولا ثُبوتِ جَرْح في ناقليها))(٢) عن حفص بن غياث، عن ابن جُريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهريّ، عن عُروة، عن عائشة أنّ رسولَ اللهِوَ * قال: ((لا نكاحَ إلا بوليٍّ وشاهِدَيْ عَذْل، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطلٌ، فإن تشاجروا فالسلطانُ وَلِيُّ من لا وَلِيَّ له)). قال أبو حاتم: لم يقلْ أحدٌ في خبر ابن جُريج عن سليمان بن موسى عن الزُّهريّ هذا: ((وشاهِدَيْ عَدْل)) إلا ثلاثةُ أنْفُس: سُويدُ بن يحيى الأموِيّ عن حفص بن غياث، وعبدُ الله بن عبد الوهّاب الحَجَبي(٣) عن خالد بن الحارث، وعبدُ الرحمن بن يونس الرَّقيُّ عن عيسى بن يونس، ولا يصحّ في الشاهدين غيرُ هذا الخبر. وإذا ثبت هذا الخبرُ فقد صرّح الكتابُ والسنةُ بأنْ لا نكاحَ إلا بوَلِيّ، فلا معنى لما خالفَهما. وقد كان الزُّهريّ والشَّعبيّ يقولان: إذا زوَّجت المرأةُ نفسَها كفؤاً بشاهدين؛ فذلك نكاحٌ جائز(٤). وكذلك كان أبو حنيفة يقول: إذا زوّجت المرأةُ نفسها كفؤاً بشاهدين؛ فذلك نكاحٌ(٥) جائزٌ، وهو قول زُفَرَ. وإن زوَّجت نفسها غیرَ كُفْء، فالنكاحُ جائزٌ، وللأولياء أن يُفرّقوا بينهما(٦). (١) التمهيد ٨٦/١٩. (٢) في (د) و(ز) و(م): ناقلها. وهذا هو الاسم الكامل لصحيح ابن حبان، والحديث فيه برقم (٤٠٧٥). (٣) في النسخ: الجمحي، وهو خطأ، والتصويب من صحيح ابن حبان وكتب التراجم. (٤) في (خ) و(ز) و(ظ) والتمهيد: فهو جائز. (٥) في (خ): صحيح. (٦) التمهيد ٩٠/١٩. ٤٦٦ سورة البقرة : الآية ٢٢١ قال ابن المنذر(١): وأما ما قاله النعمانُ فمخالفٌ للسُّنَّة، خارجٌ عن قول أكثرٍ أهلِ العلم. وبالخبرِ عن رسول الله وَله نقول. وقال أبو يوسف: لا يجوزُ النكاح إلا بوَلِيٍّ، فإن سَلَّم الوَلِيُّ جازَ، وإن أبَى أن يُسلِّم والزوجُ كُفْءٌ أجازه القاضي. وإنما يتمّ النكاحُ في قوله حين يُجيزه القاضي، وهو قولُ محمد بن الحسن، وقد كان محمدُ بنُ الحسن يقول: يأمر القاضي الوليّ بإجازته، فإن لم يفعلْ استأنف عَقْدًا. ولا خلافَ بين أبي حنيفة وأصحابه أنه إذا أذِنَ لها وليُّها فعقدت النكاحَ بنفسِها(٢) جاز. وقال الأوزاعيُّ: إذا وَلَّتْ أمرَها رجلاً فزوَّجَها كفؤاً، فالنكاح جائز، وليس للوليّ أن يُفرِّقَ بينهما، إلا أن تكون عربيةٌ تزوّجَتْ مَوْلَّى. وهذا نحو مذهبٍ مالك على ما يأتي(٣). وحمل القائلون بمذهب الزُّهْريّ وأبي حنيفة والشَّعبيّ قولَه عليه السلام: ((لا نكاح إلا بوليٍّ)) على الكمال لا على الوجوب، كما قال عليه السلام: ((لا صلاةً لجار المسجد إلا في المسجد))(٤) و((لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة))(٥). واستدلُّوا على هذا بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا ◌ُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلَنَ فِيَّ أَنْفُسِهِنَ بِلْمَعْرُوفِ﴾ (٦) [البقرة: ٢٣٤]، وبما روى الدار قطنيّ(٧) عن سِماكِ بن حرب قال: جاء رجلٌ إلى عليٍّ رضي الله عنه فقال: امرأةٌ أنا وَلِيُّها، تَزوَّجَتْ بغير إذني؟ فقال عليّ: يُنظر فيما صَنَعَتْ، فإنْ كانت تزوَّجَتْ کفؤًا، أَجَزْنا ذلك لها، وإن كانت تزوَّجَتْ مَن ليس لها بكفء، جعلنا ذلك إليك. (١) في الإشراف ٣٤/٤. (٢) في (خ) والتمهيد ٩١/١٩: لنفسها. (٣) في المسألة التالية. (٤) سلف ٢/ ٣١. (٥) التمهيد ٩٠/١٩-٩١، وحديث: لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة. أخرجه مالك ٣٩/١ من قول عمر رضي الله عنه. قال ابن عبد البر بعد هذا: وهذا ليس بشيء؛ لأن النهي حقُّه أن يمتثل الانتهاء عنه، ومعناه الزجر والإبعاد، والوجوب لا يخرج عن ذلك إلا بدليل لا معارض له، ولولا ذلك لم تصح عبادة ولا فريضة. (٦) انظر التمهيد ١٩ /٩٥ -٩٦. (٧) في سننه ٢٣٧/٣ . ٤٦٧ سورة البقرة : الآية ٢٢١ وفي (الموطأ))(١): أن عائشة رضي الله عنها زوَّجت بنتَ أخيها عبد الرحمن وهو غائب، الحديث. وقد رواه ابن جُريج عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكحت رجلًا هو المنذر بن الزُّبير امرأةً من بني أخيها، فضربت بينهم بستر، ثم تكلَّمتْ حتى إذا لم يبقَ إلا العقدُ أمرت رجلًا فأنكح، ثم قالت: ليس على النساء إنكاح(٢). فالوجه في حديث مالك أن عائشة قَرّرت المهرَ وأحوالَ النكاح، وتولّى العقدَ أحدُ عَصَبَتها، ونُسِب العقدُ إلى عائشةَ لمَّا كان تقريرُه إليها . الثالثة: ذكر ابن خُوَيز مَنداد: واختلفت الروايةُ عن مالك في الأولياء، من هم؟ فقال مرة: كلّ مَن وضع المرأة في مَنْصِب حَسَن فهو وَلِيُّها، سواءٌ كان من العَصَبة، أو مِن ذوي الأرحام، أو الأجانب، أو الإمام، أو الوصِيّ. وقال مرَّة: الأولياءُ من العَصّبة، فمن وضعها منهم في منصب حَسَن فهو وَلِيٍّ. وقال أبو عمر: قال مالك - فيما ذكر ابنُ القاسم عنه -: إن المرأة إذا زوَّجها غيرُ وَليِّها بإذنها؛ فإنْ كانت شريفةً، لها في الناس حالٌ، كان وليُّها بالخِيار في فسخ النكاح وإقراره، وإنْ كانت دنيئةً - كالمُعتَقَةِ والسَّوداء والسعّاية والمُسلمانية(٣)، ومَن لا حال لها - جاز نكاحُها، ولا خِيارَ لولِيِّها؛ لأن كلَّ واحد كُفْءٌ لها، وقد رُوِيّ عن مالك: أن الشريفة والدَّنيئة لا يزوِّجُها إلا وليُّها أو السلطان(٤). وهذا القولُ اختاره ابنُ المنذر(٥)؛ قال: وأما تفريقُ مالك بين المسكينة والتي لها (١) ٢ /٥٥٥ . (٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٠/٣. (٣) في النسخ الخطية والكافي (والكلام منه): الإسلامية، والمثبت من شرح الخرشي وحاشية العدوي عليه ٣/ ١٨٢، وحاشية شرح منح الجليل لمحمد عليش ١٨/٢، وذكر أن المقصود بها حديثة الإسلام. وقوله: السوداء: هم قوم من القبط يقدمون من مصر إلى المدينة، وهم سود، ذكره العدوي وعزاه لمالك، ثم قال: لا كل سوداء. وقوله: السعَّاية، كذا ضبطت في (خ)، ولعلها صفة لذات عمل وضيع. (٤) الكافي ٥٢٨/٢، وانظر التمهيد ٩١/١٩ و١٠٥، والمدونة ١٧٠/٢. (٥) انظر الإشراف ٤/ ٣٤. ٤٦٨ سورة البقرة : الآية ٢٢١ قَدْرٌ فغيرُ جائز؛ لأن النبيّ وَ ◌ّ قد سوَّى بين أحكامهم في الدِّماء فقال: ((المسلمون تتكافؤ دماؤهم))(١). وإذا كانوا في الدّماء سواءً، فهم في غير ذلك شيءٌ واحدٌ. وقال إسماعيلُ بنُ إسحاق: لمَّا أمر اللهُ سبحانه بالنكاح جعلَ المؤمنين بعضَهم أولياءَ بعض، فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، والمؤمنون في الجملة هكذا يَرِثُ بعضُهم بعضاً، فلو أن رجلاً مات ولا وارثَ له، لكان ميراتُه لجماعة(٢) المسلمين، ولو جَنَى جنايةً لعَقَل عنه المسلمون، ثم تكون ولايةٌ أقربَ مِن ولاية، وقرابةٌ أقرب من قرابة. وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطانَ فيه ولا وَلِيَّ لها، فإنها تُصيِّرُ أمرَها إلى مَن يُوثَق به من جيرانها، فيزوّجُها ويكون هو وليّها في هذه الحال؛ لأن الناس لا بُدَّ لهم من التّزويج، وإنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن، وعلى هذا قال مالكٌ في المرأة الضعيفة الحال: إنه يزوّجها مَن تُسنِد أمرَها إليه؛ لأنها ممن تضعفُ عن السلطان، فأشبهتْ(٣) من لا سلطانَ بحضرتها، ورجَعت(٤) في الجملة إلى أن المسلمين أولياؤها، فأمَّا إذا صَيَّرتْ أمرَها إلى رجل وتركت أولياءها، فإنها أخذت الأمرَ من غير وجهه، وفعلتْ ما يُنكرُه الحاكمُ عليها والمسلمون، فَيُفسخ ذلك النكاح من غير أن يُعلم أنّ حقيقته حرام؛ لِما وصَفنا مِن أن المؤمنين بعضُهم أولياءُ بعض، ولما في ذلك من الاختلاف، ولكن يُفسخ لتناول الأمر من غير وجهه، ولأنه أخوطُ للفروج ولتحصينها، فإذا وقع الدخولُ وتطاول الأمر وولَدَت الأولادَ وكان صواباً، لم يَجُزِ الفسخ؛ لأن الأمور إذا تفاوتتْ لم يُرَد منها إلا الحرامُ الذي لا شك(٥) فیهِ، ويُشبه ما فات من ذلك بحكم الحاكم إذا حكم بحكم لم يُفسخ، إلا أن يكون خطأً لا شكّ فيه. (١) أخرجه أحمد (٦٦٩٢)، وأبو داود (٢٧٥١)، وابن ماجه (٢٦٨٥) من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، وفي الباب عن علي عند أحمد (٩٥٩) والنسائي ١٩/٨ -٢٠، وعن ابن عباس عند ابن ماجه (٢٦٨٣)، وعن معقل ابن يسار - رضي الله عنهم - عند ابن ماجه (٢٦٨٤). (٢) في (ز): لجميع. (٣) في (خ) و(ظ): وأشبهت. (٤) في (د) و(ز) و(م): فرجعت. (٥) في (د) و(ز) و(م): لا يشك. ٤٦٩ سورة البقرة : الآية ٢٢١ وأما الشافعيّ وأصحابُه، فالنكاح عندهم بغير وليٍّ مفسوخٌ أبداً قبل الدخول وبعده، ولا يتوارثان إنْ مات أحدهما. والولِيُّ عندهم من فرائض النكاح، لقيام الدليل عندهم من الكتاب والسنة؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، كما قال: ﴿فَنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وقال مخاطبًا للأولياء: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. وقال عليه السلام: ((لا نكاح إلا بوليٍّ)). ولم يفرِّقوا بين الدَّنِيَّة (١) الحال وبين الشريفة، لإجماع العلماء على أن لا فرقَ بينهما في الدِّماء، لقوله عليه السلام: ((المسلمون تتكافؤ دماؤهم)). وسائر الأحكام كذلك؛ ليس(٢) في شيء من ذلك فرقٌ بين الرفيع والوضيع في كتاب ولا سنة (٣). الرابعة: واختلفوا في النكاح يقع على غير وَلَيّ، ثم يُجيزُه الوليُّ قبل الدخول، فقال مالك وأصحابُه إلا عبد الملك: ذلك جائز؛ إذا كانت إجازتُه لذلك بالقُرب، وسواء دخل أو لم يدخل. هذا إذا عقد النكاحَ غيرُ وليٍّ ولم تَعقِده المرأةُ بنفسها؛ فإن زوّجت المرأةُ نفسَها وعقدتْ عُقدة النكاح من غير وليّ قريب ولا بعيد من المسلمين، فإنّ هذا النكاح لا يُقَرُّ أبداً على حال وإن تطاول وولَدَت الأولاد، ولكنه يُلْحق به (٤) الولد إن دخل، ويسقط الحدّ، ولا بدّ من فسخ ذلك النكاحِ على كلّ حال. وقال ابن نافع عن مالك: الفسخ فيه بغير طلاق(٥) . الخامسة: واختلف العلماء في منازل الأولياء وترتيبِهم، فكان مالكٌ يقول: أوّلهم (٦) البنون وإن سَفَلوا، ثم الآباء، ثم الإخوة للأب والأم، ثم للأب، ثم بنو الإخوة للأب والأمّ، ثم بنو الإخوة للأب، ثم الأجداد للأب وإن عَلَوْا، ثم العُمومة على ترتيب الإخوة، ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة وإن سَفلوا، ثم المولى، ثم السلطان أو قاضيه. والوصيُّ مقدَّم في إنكاح الأيتام على الأولياء، (١) في (د) و(م): دنية. (٢) في (م): وليس. (٣) التمهيد ٩٢/١٩-٩٥. (٤) لفظة: به، زيادة من التمهيد. (٥) التمهيد ١٠٣/١٩. (٦) في (خ) و(ظ): أولاهم. ٤٧٠ سورة البقرة : الآية ٢٢١ وهو خليفةُ الأب ووكيلُه، فأشبهَ حالُه لو كان الأب حيًّا(١). وقال الشافعي: لا ولايةَ لأحد مع الأب، فإن مات فالجدّ، [ثم أبو الجدّ]، ثم أبُ أبِ الجَدِّ؛ لأنّ كلَّهم أب(٢). والولاية بعد الجدِّ للإخوة، ثم الأقرب. قال المُزنِيُّ: قال في الجديد: من انفرد بأُمِّ كان أوْلَى بالنكاح، كالميراث. وقال في القديم: هما سواء(٣). قلت: وروى المدنيّون عن مالك مثلَ قول الشافعيِّ، وأنّ الأبَ أَوْلى من الابن؛ وهو أحدُ قولي أبي حنيفة، حكاه الباجيّ(٤). ورُوِيّ عن المغيرة أنه قال: الجَدُّ أوْلَى من الإخوة، والمشهورُ من المذهب ما قدَّمناه. وقال أحمد: أحقُّهم بالمرأة أن يزوّجَها أبوها، ثم الابنُ، ثم الأخ، ثم ابنُه، ثم العَمّ. وقال إسحاق: الابن أَوْلى من الأب، كما قاله مالكٌ، واختاره ابنُ المنذر(٥)؛ لأن عمرَ بنَ أم سلمة زوَّجها بإذنها من رسول الله وَله قلت: أخرجه النَّسائيُّ عن أمِّ سلمةً وترجمَ له: إنكاح الابن أمَّه (٦). قلت: وكثيرًا ما يستدلّ بهذا علماؤنا، وليس بشيء، والدليل على ذلك ما ثبت في الصّحاح أن عمرَ بنَ أبي سلمة قال: كنت غلامًا في حِجْر رسول الله ◌َلي وكانت يدي تطيش في الصَّحْفة، فقال: ((يا غلامُ، سَمِّ اللهَ، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك))(٧). وقال أبو عمر في كتاب ((الاستيعاب)): عمر بن أبي سلمة يُكنّی أبا حفص، وُلد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة. وقيل: إنه كان يومَ قُبض رسول الله وَّه ابنّ تسع سنين(٨) . (١) انظر الكافي ٥٢٥/٢-٥٢٦، والمنتقى ٢٦٨/٣. (٢) في (م): لأنهم كلهم آباء. (٣) التمهید ٩٥/١٩، وما بين حاصرتين منه. (٤) في المنتقى ٢٦٨/٣. وقول المغيرة التالي فيه. (٥) في الإشراف ٤/ ٤٣-٤٤، والكلام الذي قبله وبعده منه. (٦) المجتبى ٦/ ٨١-٨٢، وهو في مسند أحمد (٢٦٦٦٩). (٧) سلف تخريجه ١/ ١٥٢. (٨) الاستيعاب (بهامش الإصابة) ٢٧٤/٨. ٤٧١ سورة البقرة : الآية ٢٢١ قلت: ومَن كان سِتُّه هذا لا يصلح أن يكونَ ولِيًّا، ولكن ذكر أبو عمر أنّ لأبي سلمة من أمّ سلمة ابنًا آخرَ اسمه سلمة، وهو الذي عقَد لرسول الله وَ ﴿ على أُمّه أمّ سلمة، وكان سلمةُ أسنَّ من أخيه عمر بن أبي سلمة، ولا أحفظُ له روايةً عن النبيّ ◌َِّ، وقد روى عنه عمرُ أخوه(١). السادسة: واختلفوا في الرجل يزوّج المرأةَ الأَبْعَدُ مِن الأولياء، كذا وقع، والأقربُ عبارةً أن يقال: اختُلف في المرأة يزوّجها من أوليائها الأبعدُ والأقعدُ(٢) حاضر، فقال الشافعيّ: النكاح باطل. وقال مالكٌ: النكاح جائز(٣). قال ابن عبد البر(٤): إنْ لم يُنكر الأقعدُ شيئًا من ذلك ولا رَدَّه، نَفَذَ، وإن أنكره وهي ثيّبٌ أو بِكْرٌ بالغٌ يتيمةٌ ولا وصيَّ لها فقد اخْتَلف قولُ مالك وأصحابِه وجماعة من أهل المدينة في ذلك، فقال منهم قائلون: لا يُردُّ ذلك ويَنفُذ؛ لأنه نكاحٌ انعقدَ بإذن وليٍّ من الفَخِذ والعَشِيرة. ومَن قال هذا منهم(٥) قال: إنما جاءت الرُّتبة في الأولياء على الأفضل والأَوْلى، وذلك مستحبٌّ وليس بواجب، وهذا تحصيلُ مذهب مالك عند أكثر أصحابه، وإياه اختار إسماعيلُ بن إسحاق وأتباعُه. وقيل: ينظر السلطانُ في ذلك ويسأل الوليَّ الأقربَ على ما يُنكره، ثم إن رأى إمضاءه أمضاه، وإن رأى أن يردَّه ردَّه. وقيل: بل للأقعد ردُّه(٦) على كل حال؛ لأنه حقٌّ له. وقيل: له ردُّه وإجازتُه ما لم يطل مُكْثُها وتَلِدِ الأولاد، وهذه كلُّها أقاويلُ أهل المدينة. السابعة: فلو كان الوليّ الأقعدُ(٧) مجنوناً (٨) أو سفيهاً، زوَّجها مَن يَليه من (١) الاستيعاب (بهامش الإصابة) ٢٣٢/٤. (٢) في (د) و(ز): والأقرب، وكلاهما بمعنى. (٣) انظر الإشراف ٤/ ٤٤. (٤) في الكافي ٢/ ٥٢٥. (٥) بعدها في (د) و(ز) و(م): لا ينفذ. (٦) في الكافي: بل للأقعد ردّه وإجازته. (٧) في (د) و(م): الأقرب. (٨) في النسخ: محبوساً، والمثبت من الكافي. ٤٧٢ سورة البقرة : الآية ٢٢١ أوليائها، وعُدّ كالميت منهم، وكذلك إذا غاب أقربُ أوليائها(١) غَيْبةً بعيدة، أو غَيْبةً لا يُرجى لها أوْبَةٌ سريعةٌ، زوَّجها من يليه من الأولياء. وقد قيل: إذا غاب أقربُ أوليائها(٢) لم يكن للذي يَليه تزويجها، ويزوِّجها الحاكم، والأوّل قول مالك(٣). الثامنة: وإذا كان الولِيّان قد استويا في القُعْدُهُ(٤) وغاب أحدُهما وفوّضت المرأة عَقْدَ نكاحِها إلى الحاضر، لم يكن للغائب إنْ قَدِمِ نُكْرتُه. ولو كانا حاضرَيْن ففوّضت أمرها إلى أحدِهما؛ لم يزوّجها إلا بإذن صاحبه، فإن اختلفا نظَر الحاكمُ في ذلك، وأجاز عليها رأيّ أحسنهما نظرًا لها، رواه ابن وهب عن مالك(٥). التاسعة: وأما الشهادةُ على النكاح فليست بركن عند مالك وأصحابه، ويكفي من ذلك شُهرتُه والإعلانُ به، وخرجَ عن أن يكون نكاحَ سِرٍّ؛ قال ابن القاسم عن مالك: لو زوَّج ببيّنة، وأمرهم أن يكتُموا ذلك لم يَجُزِ النكاح؛ لأنه نكاحُ سِرِّ. وإن تزوَّج بغير بيّنة على غير استِسرار جاز، وأشهدا فيما يستقبلان. وروى ابنُ وهب عن مالك في الرجل يتزوّج المرأةَ بشهادة رجلين ويستكتِمُهما(٦) قال: يُفَرَّق بينهما بتطليقة ولا يجوز النكاح، ولها صَداقُها إن كان أصابها، ولا يُعاقب الشاهدان. وقال أبو حنيفة والشافعيُّ وأصحابُهما: إذا تزوّجها بشاهدين وقال لهما: اكتُما جاز النكاح. قال أبو عمر (٧): وهو (٨) قول يحيى بن يحيى اللَّيثي الأندلسي صاحبنا، قال: كلُّ نكاح شَهِد عليه رجلان؛ فقد خرج من حدِّ السِّرِّ، وأظنُّه حكاه عن اللَّيث بن سعد. والسِّرُّ عند الشافعيّ والكوفيين ومَن تابعهم: كلُّ نكاح لم يَشهد عليه رجلان فصاعداً، ويفسخ على كلّ حال. (١) في (ز) و(م): الأقرب من أوليائها . (٢) من قوله: غيبة بعيدة، إلى هنا، سقط من (ز) والكافي. (٣) الكافي ٥٢٦/٢. (٤) القُعدد - بضم القاف وسكون العين وضم الدال وفتحها - هو أملك القرابة في النسب. اللسان (قعد). (٥) الكافي ٥٢٦/٢. (٦) في (خ) و(ز) والاستذكار: ويستكتمها، وفي (د) ويستكفيهما، وفي (ظ): ويستكتما، والمثبت من (م). (٧) في الاستذكار ٢١٣/١٦-٢١٤، والكلام الذي قبله منه. (٨) في (د) و(ز) و(م): وهذا، والمثبت موافق للاستذكار. ٤٧٣ سورة البقرة : الآية ٢٢١ قلت: قول الشافعي أصحُّ للحديث الذي ذكرناه. ورُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: لا نكاحَ إلا بشاهِدَيْ عَدْل وَولِيٍّ مُرْشِد؛ ولا مُخالف له من الصحابة فيما علمتُه(١) . واحتجَّ مالكٌ لمذهبه أنّ البيوعَ التي ذكّر اللهُ تعالى فيها الإشهادَ عند العقد، قد قامت(٢) الدلالةُ بأنّ ذلك ليس من فرائض البيوع. فالنكاح(٣) الذي لم يَذكر اللهُ تعالى فيه الإشهادَ أَخْرَى بألّا يكون الإشهادُ فيه من شروطه وفرائضه، وإنما الفرضُ (٤) الإِعلانُ والظهورُ لحفظ الأنساب. والإشهاد يصلح بعد العقد للتَّداعي والاختلافِ فيما ينعقد بين المُتناكحَين، وقد رُوي عن النبيّ وَلفل أنه قال: ((أعلنوا النكاح))(٥). وقول مالك هذا هو (٦) قولُ ابن شهاب وأكثرٍ أهل المدينة(٧). العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ﴾ أي: مملوك ﴿خَيْرٌ مِّن مُشْرِكٍ﴾ أي: حَسِيب. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ أي: حُسنُه(٨) ومالُه؛ حسب ما تقدّم. وقيل: المعنى: ولَرجلٌ مؤمن، وكذا ولَأَمَةٌ مؤمنة، أي: ولامرأةٌ (٩) مؤمنة، كما بيَّناه. قال وَلِّ: (كلُّ رجالِكم عَبيدُ الله، وكلُّ نسائِكم إماءُ الله))(١٠)، وقال: ((لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله))(١١)، وقال تعالى: ﴿نِعْمَ اَلْعَبْدُّ إِنَّهُ، أَوَّابُ﴾ [ص: ٣٠](١٢). وهذا أحسنُ ما حُمل عليه القول في هذه الآية، وبه يرتفع النّزاع، ويزولُ الخِلاف، والله الموفّق. (١) الاستذكار ٢١٥/١٦، وقول ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ١١٢. (٢) في (د) و(ز) و(م): التي ذكرها الله تعالى، فيها الإشهادُ عند العقد، وقد قامت ... (٣) في (د) و(ز) و(م): والنكاح. (٤) في (م): الغرض. (٥) أخرجه أحمد (١٦١٣٠) من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وفي الباب عن عائشة رضي الله عنها عند الترمذي (١٠٨٩)، وابن ماجه (١٨٩٥). (٦) قوله: هو، ليس في (د) و(ز) و(م). (٧) الاستذكار ٢١٤/١٦-٢١٥. (٨) في (م): حسبه. (٩) في (د) و(م): ولا امرأة، وهو خطأ. (١٠) لم نقف عليه. (١١) سلف ٣٢٢/٢. (١٢) انظر المحرر الوجيز ٢٩٧/١. ٤٧٤ سورة البقرة : الآية ٢٢٢ الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ﴾ إشارةٌ للمشركين والمشركات. ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: إلى الأعمال المُوجبة للنار، فإنَّ صُحْبَتَهم ومُعاشرتَهم تُوجب الانحطاط في كثير من هواهُم مع تربيتهم النَّسْلَ. ﴿وَاَللَّهُ يَدْعُوّا إِلَى الْجَنَّةِ﴾ أي: إلى عمل أهل الجنة (١). ﴿بإذنِهُ﴾ أي: بأمره، قاله الزّجاج (٢). قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِىِ الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَّى يَطْهُرْنٌّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُربَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُطَهِرِينَ فيه أربع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ ذكر الطبريُّ عن السُّدِّيِّ أن السائل ثابت بنُ الدَّحْدَاح، وقيل: أُسيد بن حُضير وعَبَّاد بن بِشْر؛ وهو قول الأكثرين. وسبب السؤال فيما قال قَتَادةُ وغيرُه: أن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استَثُّوا بسُنَّة بني إسرائيل في تجنُّب مؤاكلة الحائض ومُساكنتها، فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد: كانوا يتجنّبون النساء في الحيض، ويأتونهنَّ في أدبارهنَّ مدةً زمن الحيض؛ فنزلت(٣). وفي صحيح مسلم(٤) عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهنَّ في البيوت، فسأل أصحابُ النبيِّ ◌َِّ النبيَّ ◌َِّ، فأنزل(٥) الله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية، فقال رسول اللهِ وَ لجر: ((اصنعوا كلَّ شيء إلَّ النكاح)) فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يَدَعَ من أمرنا شيئًا إلا خالفَنا فيه! فجاء أُسَيد بن حُضَيْر وعبَّاد بنُ بِشر، فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، (١) انظر المصدر السابق. (٢) في معاني القرآن ٢٩٦/١، وفيه: أي: بعلمه. (٣) المحرر الوجيز ٢٩٨/١، وتفسير الطبري ٧٢١/٣. (٤) برقم (٣٠٢)، وهو عند أحمد (١٢٣٥٤). (٥) في (د) و(ز) و(ظ): فسأل أصحاب النبي * فأنزل .... ٤٧٥ سورة البقرة : الآية ٢٢٢ فلا (١) نجامعُهنَّ؟ فتغيَّر وجه رسول الله وَّليّة، حتى ظنًّا أن قد وَجَد عليهما، فخرجا فاستقبلهما(٢) هديةٌ من لَبَنٍ إلى رسول الله وَلّ، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يَجِدْ عليهما . قال علماؤنا: كانت اليهودُ والمجوس تجتنب الحائض، وكانت النصارى يجامعون الحُيَّض؛ فأمر الله بالقصد بين هذين(٣). الثانية: قوله تعالى: ﴿عَنِ الْمَحِيضِ﴾ المحيضُ: الحَيْضُ وهو مصدر؛ يقال: حاضت المرأة حَيْضاً ومَحَاضًا ومَحِيضاً، فهي حائض، وحائضة أيضاً، عن الفرَّاء(٤) وأنشد: كحائِضةٍ يُزْنَى بها غيرَ طاهرِ(٥) ونساءٌ حُيَّض وحَوائض. والحَيضة: المرَّة الواحدة. والحِيضة، بالكسر: الاسم، والجمع الحِيَض. والحِيضة أيضاً: الخِرقة التي تَسْتَثْفِرُ بها المرأة. قالت عائشة رضي الله عنها: ليتني كنتُ حِيضَةً مُلْقَاةً(٦). وكذلك المَحِيضَة، والجمع المَحايض(٧). وقيل: ((المحيضُ)) عبارة عن الزمان والمكان، وعن الحَيْض نفسه، وأصلُه في الزمان والمكان مجازٌ في الحيض(٨). (١) في (خ) و(م) ومسند أحمد والمفهم ١/ ٥٦١: أفلا، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المطبوع من صحيح مسلم. (٢) في (خ) و(ظ): فاستقبلتهما . (٣) ينظر الكشاف ٣٦١/١. (٤) المذكر والمؤنث للفراء ص٥٨، ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح (حيض). (٥) نسبه ابن الأنباري في المذكر والمؤنث ١٧٨/١ للفرزدق، ولم نقف عليه في ديوانه، وهو بدون نسبة في تهذيب اللغة ٣٠١/٧، والمخصص ٥٨/١٧، وشرح المفصل ١٠٠/٥، وصدره: رأيت خُتون العامِ والعامٍ قبله. قال الأزهري: الختون: المصاهرة. (٦) كذا أورده الجوهري في الصحاح، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٦١٦) بلفظ: يا ليتني كنت نسياً منسياً، أي: حيضة. (٧) في (م): المحائض، بالهمز، وهو خطأ. (٨) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١٦٠، وقد شرح فيه معنى المجاز المذكور بأننا إذا قلنا: إن معنى المحيض في الآية: زمان الحيض، صح، والتقدير: ويسألونك عن الوطء في زمان الحيض، وإن قلنا : = ٤٧٦ سورة البقرة : الآية ٢٢٢ وقال الطبريُّ(١): المحيضُ اسمٌ للَيض، ومثلُه قول رُؤُبة في العيش: ومَرَّ أعوامٍ نَتَفْنَ رِيشي(٢). إليك أشكو شدَّةً المعِيشِ وأصلُ الكلمة من السَّيَلان والانفجار، يقال: حاضَ السيلُ وفاض، وحاضت السَّمُرةُ(٣)، أي: سالت رطوبتها، ومنه الحيض، أي: الحوض؛ لأن الماء يحيض إليه، أي يسيل؛ والعرب تُدخل الواو على الياء، والياءً على الواو؛ لأنهما من حيِّز واحد(٤). قال ابن عَرَفة: المَحِيض والحَیْض اجتماع الدم إلى ذلك الموضع، وبه سُمِّيَ الحوض لاجتماع الماء فيه، يقال: حاضت المرأة وتحيَّضت، ودَرَست وعَرَكت، وظَمِئَت، تَحِيضُ حَيْضًا ومَحَاضًا ومَحِيضًا: إذا سال الدمُ منها في أوقاتٍ معلومة، فإذا سال في غير أيام معلومة، ومن غير عِرْق المَحِيض قلتَ: اُسْتُحِيضَتْ، فهي مستحاضة(٥) . ابن العربي(٦): ولها ثمانية أسماء: الأول: حائض، الثاني: عارٍك، الثالث: فارِك، الرابع: طامِس، الخامس: دارٍس، السادس: کابِر، السابع: ضاحك، الثامن: طامِث. قال مجاهد في قوله تعالى: ((فَضَحِکت)) يعني حاضت. وقيل في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ: أَكْبُرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] يعني حِضْن. وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. معناه موضع الحيض، كان مجازاً في مجاز على تقدير محذوفين، تقديره: ويسألونك عن الوطء في = موضع الحيض حالة الحيض. (١) تفسير الطبري ٣/ ٧٢٠، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٩٨/١. (٢) الرجز لرؤية، ونقله المصنف عن الطبري بواسطة ابن عطية كما سلف، وأورد ابن جني في المصنف ٣٠٨/١ البيت الأول منه، وروایتُه في دیوان رؤبة ص ٧٨-٧٩: دَهْراً تَنَقَّى المُخَّ بالتَّمْشِيشِ أَشْكُو إليك شدَّةَ المعيشِ نَتْفَ الحُبارى عن قَرَی رھیشٍ وجّهْدَ أعوامٍ بَرَيْنَ ريشي (٣) في (د) و(ز) و(م): الشجرة، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في المصادر. والسَّمُرة من شجر الطلح. الصحاح (سمر). ونقل الأزهريُّ عن الفراء قوله: حاضت السَّمُرة تحيض: إذا سال منها الدُّوَدِمِ. وفي اللسان (ددم): الدُّوَدِمِ على وزن الهُدَبِد: شيء شبه الدم يخرج من السمرة. (٤) تهذيب اللغة ١٥٩/٥ . (٥) إكمال المعلم ٢/ ١٢٢ . (٦) أحكام القرآن ١٥٩/١. ٤٧٧ سورة البقرة : الآية ٢٢٢ الثالثة: أجمع العلماء على أنَّ للمرأة ثلاثةَ أحكام في رؤيتها الدَّمَ الظَّاهر السائلَ من فرجها، فمِن ذلك الحيضُ المعروف(١)، ودمُهَ أسودُ خائِرٌ تعلوه حُمرةٌ، تَتْركُ له الصلاةَ والصومَ، لا خلافَ في ذلك. وقد يتّصل وينقطع؛ فإن اتصل فالحكمُ ثابتٌ له، وإن انقطع فرأت الدم يوماً والظُهر يوماً، أو رأت الدَّمَ يومين والطهرَ يومين أو يوماً، فإنها تترك الصلاة في أيام الدم، وتغتسل عند انقطاعه وتصلِّي، ثم تُلفِّقُ أيامَ الدم، وتُلغي أيامَ الظُّهر المتخلِّةَ لها، ولا تحتسب بها طُهراً في عِدَّة ولا استبراء(٢). والخَيْضُ خِلقةٌ في النساء، وطَبْعٌ معتادٌ معروفٌ منهنّ(٣)؛ روى البخاريُّ(٤) عن أبي سعيد الخدريِّ قال: خرج رسول الله ◌ِ ﴿ في أضحى أو فِظْرٍ إلى المصلَّى، فمرَّ على النساء فقال: ((يا معشر النساء، تَصَدَّقْنَ، فإني أُرِيتُكُنَّ أكثرَ أهل النار)). فقُلْن: وبمَ يا رسول الله؟ قال: ((تُكْثِرْنَ اللّعنَ، وتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ما رأيتُ من ناقصاتٍ عقلٍ ودينٍ أَذْهبَ لِلُبِّ الرجلِ الحازم من إحداكنّ)). قلن: وما نُقْصانُ عقلِنا ودينِنا يا رسول الله؟ قال: ((أليس شهادةُ المرأةِ مثلَ نصفِ شهادةِ الرجلِ؟)) قلن: بلى، قال: ((فذلِك مِن نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلِ ولم تَصُمْ؟)) قلن: بلى(٥). قال: «فذلك مِن نُقْصَان دِینها)). وأجمع العلماء على أن الحائض تقضي الصومَ، ولا تقضي الصلاةَ؛ لحديث مُعاذةَ قالت: سألتُ عائشة فقلت: ما بالُ الحائض تقضي الصومَ ولا تقضي الصلاةَ؟ فقالت(٦): أَحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟ قلتُ: لستُ بحروريَّةٍ، ولكني أَسأل. قالت: كان يُصيبنا ذلك، فتُؤمرُ بقضاء الصوم، ولا نؤمرُ بقضاء الصلاة. خرَّجه مسلم(٧). (١) التمهيد ٦٧/١٦. (٢) ينظر الأوسط ٢٥٧/٢، والتمهيد ١١٠/٢٢، والاستذكار ٢٤٢/٣-٢٤٣، وعقد الجواهر الثمينة ١ /٩٥. (٣) التمهيد ٦/ ٦٧ . (٤) صحيح البخاري (٣٠٤)، وهو عند مسلم (٨٠). (٥) في (د) و(ز) و(م): قلن: بلى يا رسول الله. (٦) في (ز) و(م): قالت. (٧) صحيح مسلم (٣٣٥): (٦٩)، وهو عند أحمد (٢٥٩٥١)، وأخرجه البخاري بنحوه (٣٢١)، وينظر= ٤٧٨ سورة البقرة : الآية ٢٢٢ فإذا انقطع عنها كان طهرُها منه الغُسْلَ؛ على ما يأتي(١). الرابعة: واختلف العلماء في مقدار الحيض، فقال فقهاء المدينة: إن الحيض لا يكون أكثرَ من خمسةَ عشرَ يوماً؛ وجائزٌ أن يكون خمسةَ عشرَ يوماً فما دون، وما زاد على خمسةَ عشرَ يومًا لا يكون حيضاً وإنما هو استحاضة. هذا مذهب مالِكِ وأصحابِهِ. وقد رُوِيَ عن مالك أنه لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره إلَّا ما يوجد في النساء، فكأنه ترك قولَه الأولَ ورجع إلى عادة النساء. وقال محمد بن مسلمة: أقلُّ الظُهر خمسةَ عشَرَ يوماً. وهو اختيارُ أكثرٍ البغداديين من المالكيين، وهو قول الشافعيِّ وأبي حنيفةً وأصحابِهما والثوريِّ، وهو الصحيح في الباب؛ لأن الله تعالى قد جعل عِدَّة ذوات الأقراء ثلاثَ حِيض(٢)، وجعل عدَّةً مَن لا تَحيضُ من كِبَرٍ أو صِغَر ثلاثةَ أشهر، فكان كلُّ قَرٍ عوضًا من شهر. والشهرُ يجمع الظُهرَ والحيض، فإذا قلَّ الحيض كَثُر الظهر، وإذا كثر الحيض قلَّ الظُّهر، فلمَّا كان أكثرُ الحيض خمسةَ عشرَ يوماً، وجب أن يكون بإزائه أقلُّ الطهر خمسةَ عشرَ يوماً، ليَكْمُل في الشهر الواحد خَيضٌ وطُهر، وهو المُتعارَف في الأغلب من خِلْقة النساء وجِلَّتِهِنَّ، مع دلائل القرآن والسُّنة. وقال الشافعي: أقلُّ الحيض يومٌ وليلة، وأكثرُه خمسةَ عشرَ يوماً. وقد رُويَ عنه مثلُ قولِ مالك: إن ذلك مردودٌ إلى عُرْف النساء. وقال أبو حنيفة وأصحابُه: أقلُّ الحيض ثلاثةُ أيام، وأكثرُه عشرة. الأوسط ٢٠٣/٢، والتمهيد ١٠٧/٢٢، والاستذكار ٢١٩/٣-٢٢٠. قال الحافظ ابن حجر في الفتح = ٤٢٢/١: قوله: ((أحروريَّة)) الحروريُّ نسبةٌ إلى حَرُورَاء بفتح الحاء وضم الراء المهملتين وبعد الواو الساكنة راء أيضاً، بلدة على ميلين من الكوفة ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج حروريّ؛ لأنّ أول فرقة منهم خرجوا على عليٍّ بالبلدة المذكورة، فاشتهروا بالنسبة إليها ... ومعاذة هي بنت عبد الله العدوية البصرية العابدة العالمة، أم الصهباء، زوجة السيد القدوة صِلَة بن أَشْيَم، توفيت سنة (٨٣هـ). السير ٥٠٩/٤. (١) في المسألة العاشرة. (٢) في الاستذكار ٣/ ٢٤٠ (والكلام منه): قروء. ٤٧٩ سورة البقرة : الآية ٢٢٢ قال ابن عبد البرّ (١): ما نقص عند هؤلاء عن ثلاثة أيام فهو استحاضة، لا يُمنع من الصلاة إلا عند أول ظهوره؛ لأنه لا يُعلم مبلغُ مُدَّتِهُ. ثم على المرأة قضاءُ صلاةٍ تلك الأوقات [إن كانت أقلّ من ثلاثة أيام]. وكذلك ما زاد على عشرة أيامٍ عند الكوفيين. وعند الحجازيين ما زاد(٢) على خمسةَ عشرَ يوماً فهو استحاضة. وما كان أقلّ من يومٍ وليلة عند الشافعيٍّ فهو استحاضة، وهو قول الأوزاعيِّ والطبرئِّ. وممن قال: أقلُ الحيض يومٌ وليلةٌ، وأكثرُه خمسةَ عشرَ يوماً: عطاء بنُ أبي رياح وأبو ثور وأحمدُ بن حَنْبل. قال الأوزاعيُّ: وعندنا امرأةٌ تحيض غُذْوةً وتَظْهُرُ عشيّةٌ(٣). وقد أتينا على ما للعلماء في هذا الباب - من أكثر الحيض وأقلِّه، وأقلِّ الظّهر، وفي الاستظهار، والحجة في ذلك - في ((المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس)). فإن كانت بِكراً مبْتَدأَةً، فإنها تجلس أولَ ما ترى الدَّمَ في قول الشافعيِّ خمسةً عشرَ يوماً، ثم تغتسلُ وتُعيد صلاةَ أربعةَ عشرَ يوماً. وقال مالك: لا تقضي الصلاةَ، ويُمسِكُ عنها زوجُها. علي بن زياد عنه: تجلس قَدْرَ لِدَاتِها؛ وهذا قول عطاء والثوريِّ وغيرهما. ابن حنبل: تجلس يوماً وليلة، ثم تغتسل وتصلي، ولا يأتيها زوجُها. أبو حنيفة وأبو يوسف: تَدَعُ الصلاة عَشْراً، ثم تغتسل وتصلي عشرين يوماً، ثم تترك الصلاة بعد العشرينَ عشراً، فيكون هذا حالها حتى ينقطعَ الدم عنها. أمَّا التي لها أيامٌ معلومة؛ فإنها تستظهر(٤) على أيامها المعلومة بثلاثة أيام عند(٥) مالك؛ ما لم تُجاوِزْ خمسةَ عشرَ يوماً. الشافعيُّ: تغتسل إذا انقضت أيامُها بغير استظهار(٦). (١) الاستذكار ٣/ ٢٤٢، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٢) قوله: ما زاد، ليس في (خ) و(ظ) والاستذكار. (٣) الاستذكار ٢٤٠/٣-٢٤٢، وينظر التمهيد ٧١/٦-٧٣، والأوسط ٢٢٧/٢. (٤) أي: تستوثق. انظر المغرب للمطرزي ٣٧/٢. (٥) في (د) و(ز) و(م): عن. (٦) انظر الأوسط ٢٣٠/٢-٢٣٢، والاستذكار ٢٢٣/٣، والتمهيد ٧٥/١٦-٧٦ و٨٣-٨٥، ومختصر= ٤٨٠ سورة البقرة : الآية ٢٢٢ والثاني من الدِّماء: دمُ النفاس عند الولادة، وله أيضًا عند العلماء حدٍّ محدود(١) اختلفوا فيه، فقيل: شهران، وهو قول مالك. وقيل: أربعون يوماً، وهو قول الشافعيّ(٢). وقيل غير ذلك. وطُهْرُها عندهم(٣) انقطاعُه. والغُسْلُ منه كالغسل من الجنابة. قال القاضي أبو محمد عبدُ الوهّاب: ودم الحيض والنفاس يمنعان أحدٌ عَشّرَ شيئاً، وهي: وجوبُ الصلاة، وصحةُ فعلها، وفعلُ الصوم دون وجوبه - وفائدة الفرق لزومُ القضاء للصوم ونفيُه في الصلاة(٤) - والجماعُ في الفرج وما دونه، والعِدَّةُ، والطلاقُ، والطوافُ، ومسُّ المصحف، ودخولُ المسجد، والاعتكافُ فيه، وفي قراءة القرآن روايتان(٥). والثالث من الدماء: دَمِّ ليس بعادة ولا طَبْعٍ منهنَّ ولا خِلْقة، وإنما هو عِرْقٌ انقطع، سائلُ دمِه(٦) أحمرُ لا انقطاع له إلَّا عندَ البُرْء منه؛ فهذا حُكْمُه أن تكون المرأة فيه (٧) طاهرةً لا يمنعها من صلاةٍ ولا صومٍ بإجماع من العلماء، واتفاقٍ من الآثار المرفوعة، إذا كان معلماً أنه دمُ عِرْقٍ، لا دَمُ حیاض. المزني ٥٣/١ (بهامش الأم). قال الأزهري في الزاهر ص ١٤٢: أصل الاستظهار: الاستيثاق في = الأمر، ونقل الفيومي في المصباح المنير عن الرافعي قوله: يجوز أن يقرأ بالطاء والظاء، فالاستطهار: طلب الطهارة، والاستظهار: الاحتياط. قال الفيومي: ما قال الرافعي في الظاء المعجمة صحيح؛ لأنه استعانة بالغسل على يقين الطهارة، وما قاله في الطاء المهملة لم أجده. (١) في (م): معلوم. (٢) كذا وقع في النسخ، ولعل ثمة سقطاً، فإن أكثر النفاس عند الشافعي ستون يوماً، انظر مختصر المزني ٥٥/١، والتمهيد ٧٤/١٦، والاستذكار ٢٤٩/٣، والأوسط ٢٥٠/٢-٢٥١. قال النووي في المجموع ٥٢٦/٢: مذهبنا المشهور الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي، وقطع به الأصحاب، أن أكثر النفاس ستون. (٣) في (د) و(ز) و(م): عند، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في التمهيد ٦٨/١٦، وأغلب الكلام هنا منه. (٤) في (د): للصلاة. (٥) ينظر المنتقى ١٢٠/١-١٢١. (٦) في (د) و(ز) و(م): سائله دم، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في التمهيد ٦٨/١٦ والكلام منه. (٧) في النسخ: منه، والمثبت من التمهيد، وينظر الاستذكار ٢٣٩/٣.