Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سورة البقرة : الآية ١٧٨
العفو والصدقة (١)، وكذلك ندبَه لما (٢) ذكر في هذه الآية إلى قبول الدّية إذا بذلها
الجاني؛ لأنه بدأ بذكر عفو الجاني(٣) بإعطاء الدِّيَة، ثم أمر الوليَّ بالاتّباع وأمرٌ
الجانيَ بالأداء بالإحسان(٤).
وقد قال قوم: إن هذه الألفاظَ في المعيّنين(٥) الذين نزلت فيهم الآية كلُّها(٦)
وتساقطوا الدِّيات فيما بينهم مقاصَّة. ومعنى الآية: فمن فَضَلَ له من الطائفتين على
الأخرى شيءٌ من تلك الدِّيات، ويكون ((عُفيّ)) بمعنى فَضَّل.
روى سفيان بن حسين عن ابن أشوع (٧)، عن الشعبيّ قال: كان بين حيِّينِ من
العرب قتال، فقُتل من هؤلاء وهؤلاء، وقال أحد الحيَّيْن: لا نرضى حتى يُقتل
بالمرأة الرجلُ وبالرجل الرجلين (٨)، فارتفعوا إلى رسول الله وَلّر، فقال عليه
السلام: ((القتل سواء))(٩)، فاصطلحوا على الدِّيات، ففَضَلَ لأحد (١٠) الحيَّيْنِ على
الآخر، فهو قوله: ﴿كُلِبَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ﴾ يعني:
فمن فضَلَ له على أخيه فَضْلٌ فليؤدِّه بالمعروف، فأخبرَ الشعبيُّ عن السبب في نزول
الآية، وذكر سفيان أن(١١) العفو هنا الفضل، وهو معنّى يحتملُه اللفظ (١٢).
(١) في (م): فندب إلى رحمة العفو والصدقة، وفي المصدرين السالفين: إلى العفو والصدقة.
(٢) في (م): ندب فيما .
(٣) قوله: لأنه بدأ بذكر عفو الجاني، ليس في (م).
(٤) من قوله: وليؤدّ إليه القاتل ... من (ظ) و(م) وليس في باقي النسخ.
(٥) في (د) و(ز) و(ظ): المعنيين، والمثبت من (خ) و(م) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٢٤٦/١
والكلام منه.
(٦) قوله: كلها، ليس في (د) و(ز).
(٧) في (م): سفيان بن حسين بن شوعة، وهو خطأ. ابن أشوع: هو سعيد بن عمرو بن أشوع الهمداني،
الكوفي، القاضي، من رجال التهذيب.
(٨) في (ظ) و(م): وبالرجل المرأة، والمثبت من أحكام القرآن للجصاص ١٥١/١، وأحكام القرآن للكيا
الطبري ١/ ٥٣، والخبر فيهما. وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٣٤.
(٩) في أحكام الجصاص ومصنف ابن أبي شيبة: ((القتل بواء، أي: سواء)) وفي أحكام الكيا: القتلى بواء ...
(١٠) في (م): أحد.
(١١) قوله: أن، ليس في (م).
(١٢) من قوله: روى سفيان، إلى هذا الموضع من (ظ) و(م)، وليس في باقي النسخ.

٨٢
سورة البقرة : الآية ١٧٨
وتأويل خامس: وهو قول عليٍّ رضي الله عنه والحسنِ في الفضل بين دِيَةٍ
الرجل والمرأة، والحرِّ والعبد، أي: مَنْ كان له ذلك الفضل؛ فاتِّباع بالمعروف.
و((عُفِيَ)) في هذا الموضع أيضاً بمعنى فضل(١).
[مسألة]: قوله تعالى(٢): ﴿فَمَنْ عُفِىَ﴾ ((عُفيَ)) يتضمَّن عافياً، وقد اختلف أهل
العلم في الأولياء الذين لهم القِصاصُ وإليهم العفو، فقال ابن المنذر: قالت
طائفة: عفوُ كلِّ ذي سهم جائزٌ؛ هذا قولُ عطاءٍ والنَّخَعيِّ والحَكْم ومجاهدٍ
والثوريِّ والشافعيِّ وأحمدً، ورَوَينا معنَى هذا القولِ عن عمرَ بنِ الخطاب(٣).
وقال الشعبيُّ وطاوسٌ وعطاء: عفوُ المرأة جائز. وقال أصحاب الرأي في الرجلين
يعفُو أحدُهما: يكون للآخَر حصَّتُه من الدِّيَة. وقالت طائفة: ليس للنساء عفو،
كذلك قال الحسن البصريُّ وقتادةٌ والزُّهريُّ وابنُ شُبْرُمَة والليثُ بنُ سعد
والأوزاعيُّ(٤).
قلت: لم يذكر مالكاً في هذا الباب، وقد قال علماؤنا: عفوُ الوارث صحيح،
فإن تعدَّدت الوَرَثةُ؛ فعفا بعضهم، سقط القَوَدُ إن كان العافي مساوياً لمن بقيَ في
الدرجة [أو أعلى]، وإن كان أَنْزَلَ درجةً لم يسقط القَوَدُ بعَفْوه، فإن انْضافَ إلى
العُلُوِّ الأنوثةُ، كالبنات مع الأب أو الجدِّ، فلا عفوَ إلا باجتماع الجميع، فإن
انفرد(٥) الأبوان؛ فلا حقَّ للأمِّ في عفوٍ ولا قيام، وكذلك الإخوةُ والأَخَواتُ معه،
فأمَّا الأمُّ والإخوةُ؛ فلا عفوَ إلا باجتماعهم معها. فإن اجتمعت الأمُّ والأخوات
والعَصَبة، فاتفق العَصَبة(٦) والأمُّ على العفو، مضى على الأخوات، وإن عفا
العَصَبةُ والأخواتُ، لم يَمْضِ على الأمّ، ولو كان مكان الأخوات بناتٌ لَمَضَى عفوُ
(١) المحرر الوجيز ٢٤٦/١.
(٢) الكلام من هذا الموضع حتى المسألة السادسة عشرة من (ظ)، وليس هو في باقي النسخ، ولم نلتزم
بتعداد المسائل كما وردت في (ظ). كي لا يختلف العدد عن باقي النسخ.
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق ١٣/١٠ -١٤، ومصنف ابن أبي شيبة ٣١٧/٩.
(٤) ينظر الاستذكار ٢٧٩/٢٥-٢٨١، والمغني لابن قدامة ٥٨١/١١.
(٥) في الأصل (ظ): أقود، والمثبت من عقد الجواهر الثمينة ٢٥٣/٣، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٦) في الأصل (ظ): فإن اجتمعت الأم والأخوات أو العصبة ... ، والمثبت من عقد الجواهر الثمينة.

٨٣
سورة البقرة : الآية ١٧٨
العَصَبة والبنات على الأمّ. ولم يَجْرِ (١) عفوُ العَصبة والأمِّ على البناتِ لأنهنَّ
أقرب. ومتى اجتمع البناتُ والأخوات فلا كلامَ للعَصّبة؛ لأنهنَّ يَحُزْنَ الميراث
دونهم. ولا تجري الجدَّة مَجْرى الأمّ في عفوٍ ولا قيام. هذا كلُّه على الرواية بأن
لهنَّ مدخلاً في الدَّم.
قال القاضي أبو محمد عبدُ الوهّاب(٢): اختُلف عن مالكِ في النساء: هل لهنَّ
مدخلٌ في الدَّم أم لا؟ فعنه فیه روايتان:
إحداهما: أنَّ لهنَّ مدخلاً فيه، كالرجال، إذا لم يكن في درجتهنَّ عَصَبة.
والأخرى: أنه لا مَدخلَ لهنَّ.
وجهُ الرواية الأولى: قولُهُ وَّهِ: ((مَنْ قُتِلَ له قتيلٌ؛ فأهلُهُ بين خِيرَتَين: إن شاؤوا
قَتَلوا، وإن شاؤوا عَفَوْا وأَخَذوا الدِّيَةَ)(٣) فعمَّ، وقولُه: ((يَخْلِفُ خمسُون منكم))(٤)،
ولأنَّ القِصاص مستَحَقٌّ على استحقاق الميراث، فوَجَبَ أن يثبت لجميع الوَرَثة
كسائر الحقوق واعتباراً بالرجال.
ووجه الثانية: أن ولاية [الدم] مستَحقَّة بالنُّصْرة، والنساءُ لَسْنَ من أهلها، فلم
يكن لهنَّ ولايةٌ(٥) في الولاية المستحقة.
قال القاضي: وإذا قلنا: إنَّ لهن مدخلاً، ففي أيِّ شيءٍ لهنَّ مدخل؟ روايتان:
إحداهما في القَوَد [دون العفو؛ لأنَّ العفو إسقاطُ الحقِّ، وليس لهنَّ ذلك.
والأخرى في العفو دون القَوَد].
[مسألة]: واختلف العلماء في المقتول يخلِّفُ ورثةً صغارً وكباراً. فقالت
طائفة: يُسْتأنى بالصغير حتى يبلغ(٦)، رُوِيَ هذا القولُ عن عمر بن عبد العزيز، وبه
(١) في عقد الجواهر الثمينة: ولم يجز.
(٢) في المعونة على مذهب عالم أهل المدينة ١٣١١/٣-١٣١٢، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٣) تقدم في المسألة الثالثة عشرة.
(٤) تقدم ١٩٦/٢-١٩٧.
(٥) في المعونة: مدخل.
(٦) عبارة الأصل (ظ): يستأناهم بلوغ صغارهم، ولم نتبينها، وما أثبتناه من مصنف عبد الرزاق
(١٨١٨٢)، ومصنف ابن أبي شيبة ٣٦٨/٩، والخبر فيهما.

٨٤
سورة البقرة : الآية ١٧٨
قال ابنُ أبي ليلى، وابنُ شُبْرُمة، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ. قال ابن المنذر:
وعلى هذا القولِ إذا وجب أن يُنتَظَر بلوغُ صغيرهم، وجب كذلك أن يُنتظَر قدومُ
غائبهم، وإفاقةُ المُغمى عليه منهم، فتقوم وَرَثتُه مَقامَه.
وقالت طائفة: للكبار أن يقتلوا القاتلَ قبل بلوغ الصغار؛ هذا قول حمَّاد بن أبي
سليمان ومالكِ والأوزاعيِّ والليث بن سعد والنعمان، واحتجَّ بعضُ من وافق ابنَ أبي
سليمان(١) بأنَّ الحسن بن عليٍّ قتل ابنَ ملجم بعليٍّ، وقد كان لعليٍّ أولادٌ صغار (٢).
قال القاضي عبد الوهّاب(٣): ولأنها ولاية مستَحَقَّةٌ بالتعصيب، فلا مدخلَ
للصغير والمجنون فيها؛ أصلُه ولايةُ النكاح، ولا يلزم عليه الغائب؛ لأنَّ الغَيبة
لا تقطع ولايته .
[مسألة]: واختلف العلماء فيما يجبُ على القاتل الذي يعفو عنه وليُّ الدَّم.
فقال مالكٌ والليث بن سعد والأوزاعيُّ: يُضرب مئةً، ويُحبَس سنة. وقال الشافعيُّ
وأحمد وإسحاق: لا شيءَ عليه، وبه قال أبو ثور؛ وقال: إلا أن يكون يُعرَفُ
بالشَّرِّ، فيؤدِّبُه الإمام على قَدْر ما يرى أنه يَرْدَعُه(٤). قال ابن المنذر: لا شيءَ عليه.
قلت: قولُ أبي ثور حَسَنٌ.
[مسألة]: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يدلُّ على أنَّ
دِيَةً العمد على القاتل(٥).
وقد اختلف العلماء في تعيينها؛ فقال الشافعيُّ: دِيَةُ الحرِّ المسلم مئةٌ من
الإبل، لا دِيَةَ غيرها، كما فَرض رسولُ اللهِ وَّهِ، وبه قال طاوس(٦).
(١) في الأصل (ظ): ابن السمان، والصواب ما أثبتناه.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٦٨/٩، والبيهقي ٥٨/٨، وانظر المغني لابن قدامة ٥٧٦/١١.
(٣) في المعونة على مذهب عالم المدينة ١٣١٢/٣.
(٤) العبارة في الأصل (ظ) غير مجوَّدة، ولفظها: أن لا يكون رجلاً يعرف الشر فيكون للإمام أن يؤدبه على
قدم إخبار النبوة قدر ما يفي، والمثبت من الاستذكار ٢٧٨/٢٥، وبداية المجتهد ٤٣٨/٨، وانظر
المغني ١١/ ٥٨٤.
(٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٥٦/١.
(٦) ينظر المغني ٦/١٢.

٨٥
سورة البقرة : الآية ١٧٨
وقال مالك: هي ثلاثةُ أنواع: إبلٌ وذهب وفضة، لا يؤخذ مما سوى ذلك من
عروضٍ ولا حيوانٍ ولا غيرٍ ذلك، ومُوجِبُها ثلاثةُ أشياء: قتل خطأ، وقتل شبه
العمد، وقتل عمد، وهي من الإبل مئةٌ، ومن الذهب ألف دينار، ومن الوَرِق اثنا
عَشَر ألفَ درهم(١).
قال ابن المنذر: دِيَةُ الحرِّ المسلم مئةٌ من الإبل في كلِّ زمان، كما فرضَ
رسول الله ◌َ﴿، ولم يختلف الذين ألزموا أهلَ الذهبِ الذهبَ أن الدِّيَةَ من الذهب
ألف دينار، واختلفوا فيما على أهل الفضة؛ فقال الثوريُّ والنعمان وصاحباه
وأبو ثور: على أهل الفضة عَشَرةُ آلاف درهم، وقال الحسن البصريُّ، وعروةُ بن
الزبير، ومالكٌ، وأحمدُ، وإسحاق: على أهل الوَرِقِ اثنا عَشَر ألفَ درهم.
واختلفت الأخبار عن عمر في عدد الدراهم، وما فيها شيءٌ يصحُّ عنه؛ لأنها
مراسيلُ(٢)، وسيأتي لهذا الباب مزيدُ بيانٍ في سورة النساء إن شاء الله تعالى(٣).
[مسألة]: واختلفوا في أسنان الإبل في دِيَة العمد؛ فقال الشافعيُّ: ثلاثون
حِقَّةً، وثلاثون جَذَعةً، وأربعون خَلِفَةً في بطونها أولادُها .
وقال مالك: هي أرباعٌ: خمسٌ وعشرون بنت مَخاض، وخمس وعشرون بنت
لَبُون، وخمس وعشرون حِقَّةً، وخمس وعشرون جَذَعة.
وقال أبو ثور: هي أخماس: عشرون بنتُ مخاض، وعشرون بنتُ لبون،
وعشرون ابنُ لبون، وعشرون حِقَّةً، وعشرون جَذَعةً (٤).
قال ابن المنذر: وحجَّتُه أن هذا أقلُّ ما قيل فيه.
[مسألة]: قال علماؤنا: ولوجوبها سببان: العفوُ على دِيَةٍ مبهمة، أو عفوُ بعض
الأولياء؛ هذا على الرواية المشهورة. وفي رواية محمد(٥): إذا عَفَوْا على دِيَةٍ مبهمة،
أو عفا بعضُ الأولياء فرجع الأمر على الدِّيَة، فهي كَدِيَةِ الخطأ؛ إلا أنَّ العاقلةَ لا
(١) المعونة ١٣١٩/٣.
(٢) ينظر الاستذكار ١١/٢٥-١٢، والتمهيد ٣٤٢/١٧-٣٤٤، والمغني ٧/١٢-٨.
(٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ تُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ:﴾ الآية (٩٢).
(٤) ينظر الاستذكار ٢٠/٢٥-٢٧.
(٥) هو محمد بن إبراهيم بن المؤَّاز.

٨٦
سورة البقرة : الآية ١٧٨
تحملُ منها شيئاً، وتُنجَّم على الجاني في ثلاث سنين، وإنما تفترق من دِيَةِ الخطأ
بأنَّ العاقلة لا تَحْملُها. وقال في ((المجموعة)) وفي كتاب(١) محمد: إذا قُبلت لم
تُنَجَّم، وكانت في مال الجاني حالَّةً. وقال ابن نافع في ((العُتبية)): يؤدِّيها كما
قال الله تعالى: ﴿فَنْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍّ﴾.
[مسألة]: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ يدلُّ على أنَّ الدم إذا كان
بجماعة، فعفا بعضهم، تحوَّل أنصباءُ الآخَرين(٢) مالاً وبَطَل القَوَد؛ لأنَّ قوله: ﴿فَمَنْ
عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ﴾ يدلُّ على وقوع [العفو عنآ شيءٍ من الدَّم، لا عن جميعه،
فيتحوَّل نصيب الشركاء مالاً، فعليهم اتِّاعُ القاتل بالمعروف، وعليه أداؤُه بإحسان.
قال علماؤنا: وكذلك لو تأخّرَ القِصاصُ حتى مات أحدُ وَرَثَةِ المقتول، وكان
القاتلُ وارثَه، بَطَلَ القِصاص؛ لأنه مَلَكَ من دمه حصَّةً، فهو كالعفو [ولأنَّ كلَّ مَنْ
وَرِثَ قِصاصاً على نفسه، أو قسطاً منه، سقط عنه القِصاص]، مثال ذلك: أن يقتل
أحدُ الأولاد أباه، فيَثْبُتُ القِصاصُ عليه لجميع الإخوة، ثم يموتُ أحد الإخوة،
فَيَسْقطُ القِصاص عن القاتل؛ لأنه وَرِثَ من دمه حصةً، فهو كالعفو، ولبقية الإخوة
حظّهم من الدِّيَة(٣)، وعليهم أن يتّبعوه بالمعروف، ويؤدِّيَ إليهم بإحسان.
السادسةَ عشرة: هذه الآية حضّ من الله تعالى(٤) على حُسْن الاقتضاء من
الطالب، وحسنِ القضاء من المؤدِّي(٥)؛ وهل ذلك على الوجوب أو الندب. فقراءةُ
الرفع تدلُّ على الوجوب؛ لأن المعنى: فعليه اتباعٌ بالمعروف. قال النحاس(٦):
((فَمَنْ عُفِيَ لَهُ)) شرطٌ، والجواب: ((فاتِّباع)) وهو رفعٌ بالابتداء، والتقديرُ: فعليه اتّباع
بالمعروف، ويجوز في غير القرآن: فاتباعاً وأداءً، بجَعْلِهما مصدرين. قال ابن
(١) في الأصل (ظ): فكتاب، والمثبت من عقد الجواهر الثمينة ٢٥٦/٣، والكلام منه.
(٢) في الأصل (ظ): الحاضرين، والمثبت من أحكام القرآن للكيا الطبري ٥٤/١، وما سيرد بين
حاصرتين منه.
(٣) عقد الجواهر الثمينة ٢٥٢/٣-٢٥٣، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) في (ظ): في هذه الآية دليل من الله تعالى ...
(٥) المحرر الوجيز ٢٤٦/١.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٨١/١.

٨٧
سورة البقرة : الآية ١٧٨
عطية(١): وقرأ إبراهيم بنُ أبي عَبْلَة: ((فاتِّباعاً)) بالنصب. والرفعُ سبيلٌ للواجبات؛
كقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وأما المندوبُ إليه فيأتي منصوباً،
كقوله: ﴿فَضَرْبَ أُلِقَابٍ﴾ [محمد: ٤].
قلت: وهذه الآية وإن كانت في الدِّيات؛ فيدخلُ فيها جميعُ الحقوق المطالَبِ
بها من دَينٍ وغيرِهِ، وإن عَلم عُسْرَتَه أنظره إلى الميسرة، على ما يأتي بيانه إن
شاء الله تعالى (٢) .
السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَغْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ لأن أهل التوراة
كان لهم القتلُ، ولم يكن لهم غيرُ ذلك، وأهلُ الإنجيل كان لهم العفوُ، ولم يكن
لهم قَوَدٌ ولا دِيَة، فجعلَ الله تعالى ذلك(٣) تخفيفاً لهذه الأمة، فمن شاء قَتَلَ، ومن
شاء أَخَذَ الدِّيَةَ، ومن شاءَ عَفا، قاله أبو الليث السمر قنديُّ(٤).
وذكر الماورديُّ(٥): كان أهل التوراة يقولون: إنما هو قِصاصٌ أو عفو، ليس
بينهما أَرْشٌ، وكان أهل الإنجيل يقولون: إنما هو أَرْشٌ أو عفو، ليس بينهما قَوَد،
وجعل لهذه الأمة القَوَدَ والعفو والدِّيَةَ إن شاؤوا، أحلَّها لهم، ولم تكن لأمة قبلهم،
فهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾(٦).
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ﴾ شَرْطُ وجوابُه؛ أي: قَتَلَ بعد أخذ الدِّيَةِ
وسقوطِ [الدم] قاتلَ ولِيِّه(٧).
﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال الحسن: كان الرجلُ في الجاهلية إذا قتلَ قتيلاً فرَّ إلى
قومه، فيجيءُ قومه، فيصالحون بالدِّيّة، فيقول وَلِيُّ المقتول: إني أقبل الدِّيّة، حتى
يأمنَ القاتل ويخرجَ، فيقتلُه، ثم يرمي إليهم بالدِّية.
(١) المحرر الوجيز ٢٤٦/١.
(٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَوْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. ومن قوله: قلت
وهذه الآية .... إلى هذا الموضع زيادة من (ظ)، وليس في باقي النسخ.
(٣) لفظة ((ذلك)) من (م).
(٤) في تفسيره ١/ ١٨١ .
(٥) في النكت والعيون ٢٣٠/١.
(٦) من قوله: قاله أبو الليث السمر قندي ... إلى هذا الموضع زيادة من (ظ) وليس في باقي النسخ.
(٧) ينظر المحرر الوجيز ٢٤٦/١.

٨٨
سورة البقرة : الآية ١٧٨
واختلف العلماء فيمن قَتَلَ بعد أخذ الدِّيّة، فقال جماعة من العلماء منهم مالكٌ
والشافعيُّ: هو كمن قَتَل ابتداءً، إن شاء الوليُّ قَتَلَه، وإن شاء عفا عنه، وعذابُه في
الآخرة. وقال قتادة وعكرمة والسُّدِّيُّ وغيرُهم: عذابُه أن يُقتل البتّة، ولا يمكِّن
الحاكمُ الوليَّ من العفو. وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: قال
رسول الله وَلجر: ((لا أُغْفي مَن قَتَلَ بعد أَخْذِ الدِّيَة))(١).
وقال الحسن: عذابُه أن يَرُدَّ الدِّيَةَ فقط، ويبقى إثمُه إلى عذاب الآخرة. وقال
عمر بنُ عبد العزيز: أَمْرُه إلى الإمام يصنعُ فيه ما رأى(٢) .
وفي سُنن الدَّارَقُظْنِيِّ عن أبي شُرَيح الخزاعيِّ قال: سمعتُ رسول الله وَل
يقول: ((مَنْ أُصيبَ بدمٍ أو خَبْلٍ - والخبْلُ الُرُ(٣) ۔ فهو بالخِیارِ بین إحدى ثلاث،
فإن أراد الرابعة فخذُوًا على يَدَيْه: بين أن يَقْتصَّ، أو يعفوَ، أو يأخذَ العَقْل، فإن
قَبِلَ شيئاً من ذلك، ثم عَدَا بعد ذلك، فله النارُ خالداً فيها مخلَّداً))(٤).
(١) سنن أبي داود (٤٥٠٧)، وهو من طريق حماد بن سلمة، عن مطر الوراق، عن الحسن، عن جابر.
والحسن لم يسمع من جابر فيما ذكر ابن أبي حاتم في المراسيل ص٣٩، ومطر قال فيه الحافظ في
التقريب: صدوق كثير الخطأ .
وأخرجه البيهقي ٥٤/٨ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن مطر، عن الحسن، عن النبي ◌َطر مرسلاً.
وأخرجه ابن عدي ٦/ ٢٣٩٢ من طريق موسى بن سيَّار، عن الحسن، عن النبي ◌َّله مرسلاً، ولفظه:
((لا أعافي أحداً قتل بعد عفوه وأخذ الدية)).
وحديث جابر في مسند أحمد (١٤٩١١)؛ قال السندي (كما في حاشيته): قوله: ((لا أُغْفِيّ)) قيل: هو
على بناء المفعول، من الإعفاء بمعنى الكثرة، والكلام دعاءٌ عليه، أي: لا كثر مالُه ولا استغنى،
وقيل: على صيغة المتكلم، من الإعفاء بمعنى الترك، أي: لا أدَعُه بالدِّيَة، لِعِظَم جُرمه، بل أقتلُه.
(٢) في (ظ): شاء، وفي (م): يرى، والكلام في المحرر الوجيز ٢٤٦/١.
(٣) في النسخ الخطية: العرج، وفي (م) وسنن الدارقطني: عرج، ولعله تصحيف قديم في بعض نسخ
الدارقطني التي نقل عنها المصنف، وما أثبتناه أعلاه من مصادر الحديث. قال ابن الأثير في النهاية
(خبل): الخَّبْل، بسكون الباء: فسادُ الأعضاء .... أي: من أُصِيبَ بقتل نفس، أو قطع عضو ...
(٤) في (د) و(ظ): خالداً فيها أبداً، وفي (خ) و(ز): خالداً مخلداً فيها أبداً، وهي كذلك عند ابن ماجه،
ووقع عند أبي داود: فله عذاب أليم، والمثبت من (م).
والحديث في سنن الدار قطني ٩٦/٣، وأخرجه أيضاً أحمد (١٦٣٧٥)، وأبو داود (٤٤٩٦)، وابن
ماجه (٢٦٢٣).
وهو من طريق سفيان بن أبي العوجاء عن أبي شريح به. قال الذهبي في الميزان ٢/ ١٧٠ في سفيان=

٨٩
سورة البقرة : الآية ١٧٩
قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
فيه أربع مسائل :
١٧٩
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَوَةٌ﴾ هذا من الكلام البليغ الوجيز كما
تقدَّم(١). ومعناه: لا يقتلْ بعضكم بعضاً؛ رواه سفيان عن السُّدِّيِّ عن أبي مالك.
والمعنى: أن القصاصَ إذا أُقيم وتحقَّق الحكم فيه، ازدَجَرَ مَن يريدُ قَتْلَ آخرَ
مخافةً أن يُقتصَّ منه، فَحَيِيًا بذلك معاً. وكانت العرب إذا قتلَ الرجلُ الآخَرَ، حَمِيَ
قبيلاهما وتقاتلوا، وكان ذلك داعياً إلى قتل العدد الكثير، فلما شَرَع الله القِصاص،
قَنِعَ الكلُّ به وتركوا الاقتتال، فلهم في ذلك حياة(٢).
الثانية: اتفق أئمةُ الفتوى على أنه لا يجوزُ لأحدٍ أن يقتصَّ من أحد حقَّه(٣) دون
السلطان، وليس للناس أن يقتصَّ بعضُهم من بعض، وإنما ذلك للسلطان أو مَن نصَّبه
السلطانُ لذلك؛ ولهذا جعلَ الله السلطانَ ليقبض أيدي الناس بعضِهم عن (٤) بعض.
الثالثة: وأجمع العلماء على أن على السلطان أن يقتصَّ(٥) من نفسه إن تعدَّى
على أحدٍ من رعيَّته؛ إذ هو واحدٌ منهم، وإنما له مَزِيَّةُ النظر لهم، كالوصيِّ
والوكيل، وذلك لا يمنعُ القِصاص، وليس بينه (٦) وبين العامَّة فرقٌ في أحكام الله عزَّ
وجل؛ لقوله جلَّ ذكره: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَتْلِ﴾، وثبت عن أبي بكر
الصدِّيق رضي الله عنه أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملاً قطع يده: لئن كنتَ صادقاً
لأُقِيدَنَّك منه(٧) .
هذا: قال البخاري: في حديثه نظر، يعني من أصيب بقتل أو خبل ... وذكر الحديث، ثم قال
=
الذهبي: ولا يعرف بغير هذا الحديث، وهو حديث منكر.
(١) في المسألة الثالثة.
(٢) المحرر الوجيز ٢٤٧/١.
(٣) بعدها في (ظ): في القتل.
(٤) في (د) و(ز) و(ظ): من.
(٥) في (٥) و(ز): على أن السلطان يقتص.
(٦) في (خ) و(د) و(ز) و(م): بينهم، والمثبت من (ظ).
(٧) ينظر المغني ١١/ ٤٨٠، وخبر أبي بكر أخرجه عبد الرزاق (١٨٧٧٣)، والدارقطني ١٨٤/٣، والبيهقي
٤٩/٨.

٩٠
سورة البقرة : الآية ١٧٩
وروى النَّسائيُّ(١) عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ قال: بينا رسولُ اللهِ وَّهِ يَقسمُ شيئاً إذْ
أكبَّ عليه رجلٌ، فطعنَه رسولُ الله وَ له بعُرجون كان معه، فصاح الرجل؛ فقال له
رسول الله وَ﴾: (([تعال] فاستقد)). قال: بل عفوتُ يا رسول الله.
وروى أبو داود الطيالسيُّ(٢) عن أبي فراس قال: خطبَ عمر بنُ الخطاب
رضي الله عنه فقال: ألَّا مَنْ ظلمه أميرُهُ فليرفع ذلك إليَّ أُقيده منه. فقام عمرو بن
العاص فقال: يا أمير المؤمنين، لئن أدَّبَ رجلٌ منَّا رجلاً من أهل رعيَّته لَتقصنَّه
منه؟ قال: كيف لا أَقصُّه منه وقد رأيتُ رسولَ الله وَله يقصُّ من نفسه؟ !. ولفظ أبي
داود السّجستانيّ عنه(٣) قال: خطبنا عمر بنُ الخطاب فقال: إني لم أبعث عُمَّالي
ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم؛ فمن فعلَ ذلك به فليرفعه إليَّ أقصَّه منه.
وذكر الحديث بمعناه.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ تقدم معناه(٤). والمراد هنا: تتقون
القتلَ، فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعيةً لأنواع التقوى في غير ذلك؛
فإن الله يُثيبُ بالطاعة على الطاعة. وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبد الله الرَّبَعِيّ:
((ولكم في القَصّص حياة))(٥). قال النحاس: قراءة أبي الجوزاء شاذّةُ (٦). قال غيره:
يحتمل أن يكون مصدراً كالقِصاص(٧). وقيل: أراد بالقَصَص القرآن، أي: لكم في
كتاب الله الذي شرعَ فيه القصاص(٨) حياةٌ، أي: نجاة (٩).
(١) في المجتبى ٣٢/٨، والكبرى (٦٩٥٠)، وما سيرد بين حاصرتين منه، وهو في مسند أحمد (١١٢٢٩).
(٢) في مسنده ص١١ .
(٣) في سننه (٤٥٣٧).
(٤) ٣٤٢/١ -٣٤٣.
(٥) المحرر الوجيز ٢٤٧/١، والقراءات الشاذة ص١١، وأبو الجوزاء: كان أحد العبّاد الذين قدموا على
الحجّاج، روى له الجماعة، مات سنة (٨٣هـ). السير ٣٧١/٤.
(٦) إعراب القرآن ٢٨٢/١.
(٧) المحرر الوجيز ٢٤٧/١.
(٨) في (م): القصص.
(٩) ينظر تفسير الرازي ٥/ ٦٢.

٩١
سورة البقرة : الآية ١٨٠
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ
١٨٠
لِلْوَ لِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ
فيه إحدى وعشرون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ هذه آيةُ الوصية، وليس في القرآن ذِكْرٌ
للوصية(١) إلا في هذه الآية، وفي ((النساء)) [١١]: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ﴾، وفي
(المائدة)): ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ [١٠٦]. والتي في البقرة أَتمُّها وأكملُها، ونزلت قبل
نزول الفرائض والمواريث(٢)، على ما يأتي بيانه(٣).
وفي الكلام تقديرُ واو العطف، أي: وكُتب عليكم، فلما طال الكلام أُسقطت
الواو. ومِثْله في بعض الأقوال: ﴿لَا يَصْلَنَّهَا إِلَّا الْأَنْقَى ◌َ الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّ﴾
[الليل: ١٥- ١٦] أي: والذي، فحذف (٤).
وقيل: لمَّا ذكرَ أنَّ لِوَليٌّ الدم أنْ يَقتصَّ، فهذا الذي أشرفَ على أن يُقتصَّ منه - وهو
سبب الموت - فكأنما حَضَره الموت، فهذا أوانُ الوصية، فالآية مرتبطةٌ بما قبلها
ومُتَّصلةٌ بها، فلذلك سَقطت واو العطف. و(كُتب)) معناه: فُرض وأُثبت، كما تقدَّم(٥).
وحضورُ الموت: أسبابُه، ومتى حضر السببُ كَنَتْ به العربُ عن المُسبَّب، قال
شاعرهم :
سائِلْ بني أَسَدٍ ما هذه الصَّوْتُ
يا أَيُّها الراكبُ المُزْجِي مَطِيَّتَه
قولاً يُبرِّئكم إني أنا الموت (٦)
وقل لهم بادِرُوا بالعُذْر والتمسوا
(١) في (ز) و(د): الوصية.
(٢) التمهيد ٢٩٢/١٤. وقوله: وفي ((النساء)) ... إلى قوله: وأكملها، ليس في (خ) و(ز) والتمهيد.
(٣) ينظر تفسير الآيتين (١١-١٢) من سورة النساء.
(٤) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٨٢/١.
(٥) ص ٦٤ من هذا الجزء.
(٦) البيتان لُرُويشد بن كثير الطائي، وهما في ديوان الحماسة (بشرح المرزوقي) ١٦٦/١-١٦٨، وأورد
البيت الأول ابن جني في الخصائص ٤١٦/٢، وأبو البركات الأنباري في الإنصاف ٧٧٣/٢.
والصوت مذكر، وإنما أنّثه لأنه أراد به الضوضاء والجلبة على معنى الصيحة. اللسان (صوت).

٩٢
سورة البقرة : الآية ١٨٠
وقال عنترة:
وصلتُ بنانَها بالهِنْدُوانِ(١)
وأنَّ الموتَ طوعُ يدي إذا ما
وقال جرير في مُهاجاة الفرزدق:
أنا الموتُ الذي حُدِّثتَ عنه
فليس لهارِبٍ مِنِّي نَجاءُ(٢)
الثانية: إن قيل: لم قال: ((كُتب))، ولم يقل: كُتِبَتْ، والوصيةُ مؤنَّئة؟ قيل له:
إنما ذلك لأنه أراد بالوصية: الإيصاء، وقيل: لأنه تخلَّل فاصل، فكانَ الفاصلُ
كالعِوَض من تاء التأنيث، تقول العرب: حَضَر القاضي اليومَ امرأةٌ. وقد حكى
سيبويه: قام امرأةٌ. ولكن حُسْن ذلك إنما هو مع طُول الحائل(٣).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ ((إن)) شَرْط، وفي جوابه لأبي الحسن الأخفش
قولان، قال الأخفش: التقدير: فالوصية (٤)، ثم حُذفت الفاء، كما قال الشاعر:
مَن يفعلِ الحسناتِ اللهُ يشكرُها والشَّرُّ بالشَّرِّ عند الله مِثْلانِ(٥)
والجواب الآخر: أن الماضي يجوز أن يكونَ جوابُه قبله وبعده، فيكون
التقدير: الوصيةٌ للوالدين والأقربين إن ترك خيراً، فإن قدَّرتَ الفاء، فالوصية رَفْعٌ
بالابتداء، وإن لم تُقدِّر الفاء جاز أن ترفعَها بالابتداء، وأن ترفعَها على ما لم يُسَمَّ
فاعلُه، أي: كُتِبَ عليكم الوصيةُ(٦).
(١) ديوان عنترة ص٧٢، والبيت الذي قبله:
أهش إذا دعيتُ إلى الطّعانِ
وقد علمت بنو عبس بأني
وسيف هِندواني: إذا عُمل ببلاد الهند وأُحكم عملُه. اللسان (هند).
(٢) ديوان جرير (بشرح محمد بن حبيب) ٢/ ١٢٠، ورواية الشطر الأول فيه: أنا الموت الذي لا بدَّ منه.
وفي رواية: أنا الموت الذي آتي عليكم.
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٢٤٧/١، والكتاب ٣٨/٢.
(٤) كذا قال المصنف رحمه الله، والذي في معاني القرآن للأخفش ١/ ٣٥٠ قول واحد: فالوصية، ونقل
كلامه المصنف بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٢٨٢/١، ولفظه فيه: وفي جوابه قولان؛ قال الأخفش
سعيد: التقدير: فالوصية ...
(٥) أورده سيبويه في الكتاب ٣/ ٦٥، وأورد البغدادي في الخزانة ٤٩/٩-٥١ الشطر الأول، وقال: نسبه
سيبويه وخدمته لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت رضي الله عنه، ورواه جماعة لكعب بن مالك الأنصاري.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٢/١-٢٨٣.

٩٣
سورة البقرة : الآية ١٨٠
ولا يصحُّ عند جمهور النُّحاة أن تعمل ((الوصية)) في ((إذا)) لأنها في حكم الصِّلة
للمصدر الذي هو الوصية، وقد تقدَّمت، فلا يجوز أن تعملَ(١) فيها متقدِّمة.
ويجوز أن يكون العاملُ في ((إذا)): ((كُتِب))، والمعنى: توجّهَ إيجابُ الله إليكم
ومُقتضَى كتابهِ إذا حضر، فعبَّر عن توجُّه الإيجاب بـ ((كُتب)) لينتظم إلى هذا المعنى
أنه مكتوبٌ في الأزَل.
ويجوز أن يكون العاملُ في ((إذا)) الإيصاء؛ يكون مقدَّراً دلَّ عليه(٢) ((الوصية)»،
المعنى: كُتب عليكم الإيصاءُ إذا(٣).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿غَيْرًا﴾ الخير هنا: المال من غير خلاف، واختلفوا في
مقداره، فقيل: المال الكثير، رُوي ذلك عن عليٍّ، وعائشةً، وابنٍ عباس، وقالوا
في سبع مئة دينار: إنه قليل(٤). وقال(٥) قتادة عن الحسن: الخير ألف دينار فما
فوقها(٦). الشعبيّ: ما بين خمس مئة دينار إلى ألف(٧).
والوصية عبارة عن كلِّ شيءٍ يُؤمَر بفعله، ويُعهَد به في الحياة وبعد الموت.
وخصَّصها العُرف بما يُعهَد بفعله وتنفيذه بعد الموت، والجمع: وصايا، كالقضايا
(١) في (د) و(ز) و(ظ): يعمل.
(٢) في (د) و(ز) و(م): على.
(٣) المحرر الوجيز ٢٤٧/١.
(٤) أخرجه من قول علي رضي الله عنه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٣٥١)، والطبري ٣٩٤/٣ -٣٩٥.
وأخرجه من قول ابن عباس رضي الله عنهما عبد الرزاق في المصنف (١٦٣٥٣)، وسعيدُ بنُ منصور في
سننه ٦٥٨/٢، وابن أبي شيبة في مصنفه ٢٠٧/١١، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٢٧٠، وعندهم:
سبع مئة درهم، وليس ((دينار)) كما ذكر المصنف، غير عبد الرزاق فقال: ثمان مئة درهم.
وأخرجه من قول عائشة رضي الله عنها عبد الرزاق في مصنفه (١٦٣٥٤)، والطبري ٣٩٥/٣،
وعندهما: أربع مئة دينار.
وسيذكر المصنف في المسألة السادسة رواية أخرى عن السيدة عائشة رضي الله عنها .
(٥) لفظة: وقال، من (ظ).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢٠٨/١١، والطبري ١٣٦/٣ من قول قتادة وفيهما: درهم، بدل: دينار.
(٧) كذا في النسخ الخطية: ((الشعبي)) ... و((دينار))، والذي أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٦٩/١،
والطبري ١٣٨/٣، وأورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٤٨/١، والماوردي في تفسيره ٢٣٢/١ وابن
الجوزي في زاد المسير ١٨٢/١: عن إبراهيم النخعي أنه من خمس مئة درهم إلى ألف.

٩٤
سورة البقرة : الآية ١٨٠
جمع قضية(١). والوَصِيُّ يكون المُوصِي والمُوصَى إليه، وأصله مِن: وَصَى،
مخفّفاً .
وتواصَى النَّبْتُ تواصِياً إذا اتَّصل. وأرضٌ واصِيةٌ: مثَّصلة النبات. وأوصيتُ له
بشيء، وأوصيتُ إليه: إذا جعلتَه وصيّك. والاسم: الوصاية والوصاية - بالكسر
والفتح - وأوصيتُه، ووصَّيته أيضاً توصيةً بمعنَى، والاسم: الوَصاة. وتواصَى
القومُ: أوْصَى بعضهم بعضاً. وفي الحديث: ((استوصُوا بالنساء خيراً، فإنهنَّ عَوانٍ
عندكم))(٢). ووَصَيْتُ الشيء بكذا: إذا وصلتَه به(٣).
الخامسة: اختلف العلماءُ في وجوب الوصية على مَن خلَّف مالاً، بعد
إجماعهم على أنها واجبةٌ علی مَن قِبَلَه ودائعُ وعلیه دیون.
وأكثرُ العلماء على أنَّ الوصيةَ غيرُ واجبة على مَن ليس قِبَله شيء مِن ذلك،
وهو قول مالك والشافعيّ والثوريّ، مُوسِراً كان المُوصِي أو فقيراً. وقالت طائفة:
الوصيةُ واجبةٌ على ظاهر القرآن - قاله الزهري وأبو مِجْلَز(٤) - قليلاً كان المالُ أو
كثيراً. وقال أبو ثور: ليست الوصيةُ واجبةً إلا على رجل عليه دَيْنٌ، أو عنده مالٌ
لقوم، فواجبٌ عليه أن يكتبَ وصيَّته ويُخبرَ بما عليه. فأمَّا مَنْ لا دَيْنَ عليه ولا
وديعةً عنده؛ فليستْ بواجبة عليه إلا أن يشاء.
قال ابن المنذر: وهذا حسنٌ؛ لأنَّ اللهَ فرض أداءَ الأماناتِ إلى أهلها، ومَن
لا حقَّ عليه ولا أمانةَ قِبَلَه؛ فليس واجبٌ عليه أن يُوصِيَ. احتجَّ الأوّلون بما رواه
الأئمة عن ابن عمر، أنَّ رسولَ اللهِ وَّرِ قال: ((ما حَقُّ امرئٍ مسلم له شيءٌ يُريد أن
يُوصِي فیہ یبیتُ لیلتين إلا ووصيته مکتوبةٌ عنده»(٥) وفي رواية: «یبیتُ ثلاثَ لیال))،
(١) المفهم ٥٣٩/٤.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه (١٨٥١) من حديث عمرو بن الأحوص رضي الله عنه. وقوله منه:
(استوصوا بالنساء خيراً))، أخرجه البخاري (٥١٨٦)، ومسلم (١٤٦٨) من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه. قوله: عوانٍ: جمع عانية، وهي الأسيرة. اللسان (عنى).
(٣) الصحاح (وصى).
(٤) أخرجه الطبري ١٣٨/٣ و١٢٦. أبو مجلز هو: لاحق بن حُميد.
(٥) أخرجه أحمد (٥١٩٧)، والبخاري (٢٧٣٨)، ومسلم (١٦٢٧) واللفظ له.
:

٩٥
سورة البقرة : الآية ١٨٠
وفيها قال عبد الله بن عمر: ما مرَّتْ عليَّ ليلةٌ منذ سمعتُ رسولَ الله وَلِّ قال ذلك
إلا وعندي وصيّتي(١).
احتجَّ من لم يُوجبها بأن قال: لو كانت واجبةً لم يجعلها إلى إرادة المُوصي،
ولكان ذلك لازماً على كلِّ حال، ثم لو سُلِّم أنَّ ظاهِرَه الوجوبُ؛ فالقولُ بالمُوجب
يردُّه، وذلك فيمن كانت عليه حقوقٌ للناس يخاف ضياعَها عليهم، كما قال أبو
ثور. وكذلك إن كانت له حقوقٌ عند الناس(٣) يخاف تَلَفَها على الورثة، فهذا يجب
عليه الوصيةُ ولا يُختلف فيه.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ وكُتِب بمعنى فُرض؛ فدلَّ على
وجوب الوصية. قيل لهم: قد تقدَّم الجوابُ عنه في الآية قبل(٣)، والمعنى: إذا
أردتُم الوصيّة، والله أعلم.
وقال النَّخَعيّ: مات رسولُ الله ◌ِوَلَيهِ ولم يُوص، وقد أوصى أبو بكر، فإنْ
أوصى فحَسَنٌ، وإنْ لم يُوصِ فلا شيء عليه (٤).
السادسة: لم يُبيِّن الله تعالى في كتابه مقدار ما يُوصَى به من المال، وإنما
قال: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًّا﴾ والخير المال، كقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة:
٢٧٢ و٢٧٣]، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ﴾ [العاديات: ٨]، فاختلف العلماء في مقدار
ذلك، فرُوِيَ عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه أوصى بالخمس، وقال:
رَضِيَ الله من غنائم المسلمين بالخمس(٥)، وقال مَعْمَر عن قتادة: أوصى عمر
(١) أخرجه أحمد (٤٤٦٩)، ومسلم (١٦٢٧) (٤).
(٢) في (خ): أناس.
(٣) يعني قوله تعالى: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ اَلْقِصَاصُ فِ اَلْقَفْلِ﴾ [الآية: ١٧٨]، ص ٦٦ من هذا الجزء.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٦٨/١-٦٩، والطبري ٣٩٢/٣، وأورده ابن عبد البر في التمهيد ٣٨٥/٨،
وقد قال النخعي ذلك عندما ذُكر له أن طلحة والزبير كانا يُشدِّدان في الوصية. قال ابن عبد البر: ليس قول
النخعي هذا بشيء؛ لأن رسول الله ټ لم يتخلف عنه ما یوصي فيه؛ لأنه مخصوص بأن یکون کل ما
يتركه صدقة. وقوله فيه: مات رسول الله وَ له ولم يوص، أخرجه أحمد (٣٣٥٦) عن ابن عباس رضي الله
عنهما .
(٥) تحرفت العبارة في (د) و(م) إلى: وقال عليّ رضي الله عنه من غنائم المسلمين بالخمس. والمثبت من
(خ) و(ز) ومصادر الحديث. ووقعت العبارة في (ظ) كما يلي: فروى الحسن عن أبي بكر الصديق=

٩٦
سورة البقرة : الآية ١٨٠
بالرُّبع(١). وذكره البخاريُّ عن ابن عباس(٢). وروي عن عليٍّ رضي الله عنه أنه
قال: لأَنْ أُوصِيَ بالخُمس أحبُّ إليَّ من أنْ أُوصِيَ بالرُّع، ولأَنْ أوصيَ بالرُّبع
أحبُّ إليَّ من أن أُوصيَ بالثُّلث(٣) .
واختار جماعةٌ لمن مالُه قليلٌ وله ورثة تَرْكَ الوصية، رُوِيَ ذلك عن عليٍّ وابنٍ
عباس وعائشةَ رضوان الله عليهم أجمعين(٤).
رَوى ابنُ أبي شيبة من حديث ابن أبي مليكة، عن عائشةً قال لها رجل(٥): إني
أُريد أن أُوصي؛ قالت: وكم مالُك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: فكم عِيالُك؟ قال:
أربعة. قالت: إنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًّا﴾ وهذا شيء يسير، فَدَعْه لعيالك،
فإنه أفضلُ لك(٦).
السابعة: ذهب الجمهورُ من العلماء إلى أنه لا يجوزُ لأحد أن يُوصيَ بأكثرَ من
الثلث إلا أبا حنيفة وأصحابه، فإنهم قالوا: إن لم يترك المُوصي ورثةً جاز له أن
يُوصِيَ بماله كلِّه. وقالوا: إنَّ الاقتصارَ على الثلث في الوصية إنما كان من أجل أن
يَدَعَ ورثته أغنياءَ، لقوله عليه السلام: ((إنك أَنْ تَذَرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تَذَرَهم
عالةً يتكفَّفون الناسَ)) الحديث، رواه الأئمة(٧). ومَن لا وارثَ له فليس ممن عُني
بالحديث؛ رُوِيَ هذا القولُ عن ابن عباس، وبه قال عَبِيدَةُ(٨) ومسروق، وإليه ذهب
= وعمر رضي الله عنهما أنهما أوصيا بالخمس، وقالا: رضي الله تعالى لنفسه من غنائم المسلمين
بالخمس.
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٣٦٣) وهو والذي قبله أثر واحد.
(٢) صحيح البخاري (٢٧٤٣) ولفظه: لو غضَّ الناس إلى الربع، لأنّ رسول الله وَ له قال: ((الثلث، والثلث
کثیر». وأخرجه مسلم (١٦٢٩).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٣٦١)، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٢٧٠.
(٤) سلفت أقوالهم رضي الله عنهم في المسألة الرابعة.
(٥) لفظة: رجل، ليست في (م).
(٦) مصنف ابن أبي شيبة ٢٠٨/١١.
(٧) أخرجه أحمد (١٥٢٤)، والبخاري (٣٩٣٦)، ومسلم (١٦٢٨) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله
عنه .
(٨) في (د) و(ز) و(م): أبو عبيدة، وهو خطأ، وهو عَبِيدة بن عمرو السَّلماني، أبو عمرو الكوفي.

٩٧
سورة البقرة : الآية ١٨٠
إسحاقُ ومالك في أحد قَوْلَيه، ورُوي عن عليّ. وسبب الخلاف مع ما ذكرنا(١)
الخلافُ في بيت المال، هل هو وارثٌ أو حافظٌ لما يُجعل فيه؟ قولان(٢).
الثامنة: أجمع العلماءُ على أنّ مَنْ حضرَه الموتُ(٣) وله ورثةٌ، فليس له أن
يُوصِيَ بجميع ماله(٤). ورُوِيَ عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال حين
حضرته الوفاةُ لابنه عبد الله: إني قد أردتُ أن أُوصِيّ، فقال له: أَوْصٍ، ومالُك في
مالي، فدعا كاتباً فأملى، فقال عبد الله: فقلت له: ما أراكَ إلا قد أتيتَ على مالي
ومالك، ولو دعوت إخوتي فاستحللتهم.
التاسعة: وأجمعوا أنَّ للإنسان أنْ يُغيِّر وصيَّته ويَرجِعَ فيما شاء منها، إلا أنهم
اختلفوا من ذلك في المُدَبَّر. فقال مالك رحمه الله: الأمر المُجتَمع(٥) علیه عندنا
أنَّ المُوصِيّ إذا أوصى في صحته أو مرضه بوصية فيها عَتَاقةُ رقيق من رقيقه أو غير
ذلك، فإنه يُغيِّر من ذلك ما بدا له، ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت، وإن أحبَّ
أن یطرح تلك الوصیةً ویُسقِطها فعل، إلا أن يُدبِّر، فإن دبّر مملوكاً فلا سبيل له إلى
تغيير ما دَبَّر، وذلك أن رسول الله بِ يه قال: ((ما حقُّ امرىءٍ مسلم له شيءٌ يُوصي
فيه يبيتُ ليلتين إلا ووصيَّته مكتوبةٌ عنده))(٦).
قال أبو الفرج المالكي(٧): المُدَبَّر في القياس(٨) كالمُعْتَق إلى شهر؛ لأنه أجَلٌ
آتٍ لا محالة. وأجمعوا ألّا يرجع في اليمين بالعِثْق والعِثْق إلى أجل، فكذلك
المُدبَّر، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعيّ وأحمد وإسحاق: هو وصية؛ لإجماعهم أنه في الثلث کسائر الوصايا .
(١) في (ظ): وسبب الخلاف فيما ذكرناه.
(٢) ينظر المفهم ٥٤٤/٤، والاستذكار ٣٠/٢٣ وما بعدها.
(٣) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: من مات.
(٤) إكمال المعلم ٣٦٤/٥.
(٥) في (م): المجمع.
(٦) الموطأ ٧٦١/٢، والاستذكار ٢١/٢٣، وقد سلف الحديث في المسألة الخامسة.
(٧) هو عمرو بن محمد، الليثي، القاضي، لغويٌّ فقيه، له الحاوي في مذهب مالك، وكتاب اللُّمع في أصول
الفقه. توفي سنة (٣٣١هـ). الديباج المذهب ١٢٧/٢، وشجرة النور الزكية ص ٧٩، وفيه: عمر.
(٨) في التمهيد ٣١٠/١٤ (والكلام منه): العتاقة.

٩٨
سورة البقرة : الآية ١٨٠
وفي إجازتهم وطءَ المُدَبَّرة ما يَنقُضُ قياسَهم المُدبَّرَ على العِثْق إلى أجل، وقد
ثبت أن النبيَّ وَِّ باع مُدَّراً(١)، وأنَّ عائشة دَبَّرت جارية لها ثم باعتها(٢). وهو قولُ
جماعة من التابعين (٣).
وقالت طائفة: يُغيِّرِ الرجل من وصيَّته ما شاء إلا العَتَاقة. وكذلك قال الشعبيّ،
وابن سيرين، وابن شُبْرُمة (٤)، والنَّخَعيّ، وهو قول سفيان الثوريّ.
العاشرة: واختلفوا في الرجل يقول لعبده: أنت حُرٌّ بعد موتي، وأراد الوصيةَ،
فله الرجوعُ عند مالك في ذلك. وإن قال: فلان مُدَبَّرٌ بعد موتي، لم يكن له الرجوعُ
فيه. وإِنْ أراد التّدبيرَ بقوله الأوّل لم يَرجِعْ أيضاً عند أكثر أصحاب مالك. وأما
الشافعيُّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور؛ فكلُّ هذا عندهم وصية، لأنه في الثلث،
وكلُّ ما كان في الثلث فهو وصية، إلا أنَّ الشافعيَّ قال: لا يكون الرجوعُ في
المُدَبَّر إلا بأن يُخرِجَه من(٥) مِلْكه ببيع أو هِبة. وليس قوله: ((قد رجعت)) رجوعاً،
وإن لم يخرج المُدبّر من مِلْكه حتى يموت فإنه يَعْتِق بموته. وقال في القديم: يرجع
في المُدَبَّر كما يرجع في الوصية، واختاره المُزَنِيّ قياساً على إجماعهم على الرجوع
فیمن أوصی بعتقه.
وقال أبو ثور: إذا قال: قد رَجَعتُ في مُدَبَّري، فقد بطل التدبير، فإنْ مات لم
يَعْتِقِ.
واختلف ابن القاسم وأشهبُ فيمن قال: عبدي حُرٍّ بعد موتي ولم يُرد الوصيةَ
ولا التدبير، فقال ابن القاسم: هو وصية. وقال أشهب: هو مُدَبَّر، وإن لم يُرِد
الوصية(٦).
(١) أخرجه أحمد (١٤٢١٥)، والبخاري (٢٢٣٠)، ومسلم (٩٩٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله
عنهما .
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (برواية الزهري) (٢٧٨٢)، وأحمد (٢٤١٢٦) مطولاً.
(٣) انظر التمهيد ٣١٠/١٤-٣١١.
(٤) هو عبد الله بن شُبرمة، أبو شبرمة، قاضي الكوفة، توفي سنة (١٤٤هـ). السير ٣٤٧/٦.
(٥) في (ظ) و(م): عن (في الموضعين).
(٦) التمهيد ٣١٠/١٤-٣١١.

٩٩
سورة البقرة : الآية ١٨٠
الحادية عشرة: اختلف العلماء في هذه الآية هل هي منسوخة أو مُحكمة؟
فقيل: هي محكّمة، ظاهرُها العموم، ومعناها الخصوص في الوالدَين اللذين لا
يرثان، كالكافرين والعبدَين وفي القرابة غير الوَرَثة(١)، قاله الضخَّاك وطاوس
والحسن، واختاره الطبري(٢).
وعن الزُّهري أن الوصيةَ واجبةٌ فيما قلَّ أو كثر(٣).
وقال ابن المنذر: أجمع كلُّ من يُحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصيةً
للوالدين اللذَيْن لا يرثان والأقرباء الذين لا يرثون جائزة(٤).
وقال ابن عباس والحسن أيضاً وقتادة: الآية عامَّة، وتقرَّر الحُكم بها بُرهةً من
الدهر، ونُسِخَ منها كلُّ من كان يرث بآية الفرائض(٥).
قال الماوردي: ذهب الجمهور من التابعين والفقهاء إلى أنَّ العمل بالوصية كان
واجباً قبل فَرْض المواريث؛ لئلا يَضَعَ الرجلُ مالَه في البُعداء طلباً للسُّمعة والرياء،
فلما نزلت آيُ المواريث في تعيين المُستحقين وتقدير ما يستحقون، نُسخ بها وجوبُ
الوصية، ومَنعَتِ السنة من جوازها للورثة (٦).
وقد قيل: إن آيَةً الفرائض لم تستقلَّ بنسخها، بل بضميمة أُخرى، وهي قوله
عليه السلام: ((إنَّ الله قد أعطى كلَّ(٧) ذي حقِّ حقَّه، فلا وصيَّةً لوارث)). رواه أبو
أُمامة، أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح(٨).
فَنَسْخُ الآية إنما كان بالسُّنة الثابتة، لا بالإِزْث، على الصحيح من أقوال
(١) المحرر الوجيز ٢٤٨/١.
(٢) انظر إكمال المعلم ٣٦٢/٥.
(٣) أخرجه الطبري ١٣٨/٣، وقول الزهري هذا جدير بأن يرد في المسألة الرابعة، وليس في هذه المسألة.
(٤) الإجماع لا بن المنذر ص ٧٤ .
(٥) أخرج هذه الأقوال الطبري ١٢٨/٣-١٣٠، وانظر المحرر الوجيز ٢٤٨/١.
(٦) من قوله: قال الماوردي ... إلى هذا الموضع، من (ظ)، وليس في باقي النسخ، وهو في النكت
والعيون ٢٣٢/١.
(٧) في (م) وسنن الترمذي: لكل.
(٨) سنن الترمذي (٢١٢٠)، وقد سلف ٣٠٦/٢.

١٠٠
سورة البقرة : الآية ١٨٠
العلماء. ولولا هذا الحديثُ لأمكن الجمعُ بين الآيتين بأنْ يأخذوا المال عن
الموروث(١) بالوصية، وبالميراث إنْ لم يُوصِ، أو ما بقي بعد الوصية، لكن مَنَعَ
من ذلك هذا الحديثُ والإجماع.
والشافعيُّ وأبو الفرج وإن كانا مَنَعا من نَسْخ الكتاب بالسنة، فالصحیح جوازُه،
بدليل أنَّ الكلَّ حُكم الله تبارك وتعالى ومِن عندِه وإن اختلفت في الأسماء، وقد
تقدَّم هذا المعنى(٢).
ونحن وإن كان هذا الخبر بلغنا آحاداً (٣)، لكن قد انضمَّ إليه إجماعُ المسلمين
أنه لا تجوز وصيةٌ لوارث، فقد ظَهَرَ أن وجوبَ الوصية للأقربين الوارثين منسوخٌ
بالسُّنة وأنها مُستَند المُجمِعين. والله أعلم.
وقال ابن عباس والحسن وطاوس وقتادة وجابر بن زيد وغيرهم: کان حكمها
ثابتاً للوالدين والأقربين، حق واجب، فلما نزلت آية المواريث(٤) نَسخت الوصيةَ
للوالدين وكلِّ وارث(٥) بالفرض في سورة النساء، وثَبَتَتْ للأَقربينَ الذين لا يرثُون،
وهو مذهبُ الشافعيِّ وأكثرِ المالكيِّين وجماعة من أهل العلم(٦).
وفي البخاري: عن ابن عباس قال: كان المالُ للولد، وكانت الوصيةُ
للوالدَيْن، فنسَخ اللهُ من ذلك ما أحبَّ، فجعل للذكر مثل حظّ الأنثَييْن، وجعلَ
للأَبَوين لكلِّ واحد منهما السُّدس، وجعل للمرأة الثُّمن والرُّبع، وللزوج الشَّطْرَ
والربع(٧).
(١) في (م): المورث.
(٢) ٣٠٦/٢، وذكرنا ثمة أن مكيَّ بن أبي طالب نقل في إيضاحه ص٧٨ أن أبا الفرج المالكي أجاز نسخ
القرآن بالسنة، وهذا خلاف ما نقله المصنف عنه.
(٣) ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٤٨/١ أن حديث: ((لا وصية لوارث)) متواتر، وكذلك عدَّه الغماري
في إتحاف ذوي الفضائل المشتهرة ص١١٩ .
(٤) من قوله: وطاوس ... إلى هذا الموضع، من (ظ)، وليس في باقي النسخ.
(٥) قوله: وكل وارث، من (ظ)، وليس في باقي النسخ.
(٦) ينظر التمهيد ٢٩٢/١٤-٢٩٣، وأقوال ابن عباس والحسن وقتادة أخرجها الطبري ١٢٨/٣-١٢٩.
(٧) صحيح البخاري (٢٧٤٧).