Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ سورة البقرة : الآية ١٥٩ على الإسلام(١). وقد مضى القول في هذا(٢). وتحقيقُ الآية هو : أنَّ العالِم إذا قصدَ كتمانَ العلم عصى، وإذا لم يقصدْه لم يلزمه التبليغُ إذا عَرف أنَّه مع غيره. وأمَّا مَن سُئل فقد وجبَ عليه التبليغُ لهذه الآيةِ وللحديث(٣). أَمَا إنه لا يجوزُ تعليمُ الكافرِ القرآنَ والعلمَ حتى يُسْلم، وكذلك لا يجوزُ تعلیمُ المبتدعِ الجدالَ والحِجاجَ ليجادلَ به أهلَ الحقِّ، ولا يُعلِّمُ الخصمَ على خصمه حجةً يقطعُ بها مالَه، ولا السلطانَ تأويلاً يتطرَّقُ به إلى مكاره الرعيَّة، ولا يَنشرُ الرُّخَصَ في السفهاء، فيجعلوا ذلك طريقاً إلى ارتكاب المحظوراتِ، وتركِ الواجبات ونحو ذلك. يُرْوَى عن النبيِّ وَّهِ أنه قال: ((لا تَمنعوا الحكمةَ أهلها فتظلموهم، ولا تَضعوها في غير أهلها فتَظلموها))(٤). ورُوي عنهِ وَّهِ أَنَّه قال: ((لا تُعَلِّقُوا الدُّرَّ في أعناق الخنازير))(٥)، يريدُ تعليمَ الفقه مَن ليس من أهله. وقد قال سُخنون: إنَّ حديث أبي هريرةَ وعمرو بنِ العاص إنَّما جاء في الشهادة. (١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٤٩/١، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ٢٥/١. (٢) ١٢/٢. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤٩/١، وقوله : للحديث يعني حديث أبي هريرة المرفوع: ((من سئل عن علم ... )) وقد تقدم. (٤) أورده ابن عبد البر في جامع بيان العلم ص١٤٦، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٤/ ٧٧ عن النبي * عن عيسى عليه السلام بنحوه. (٥) أخرجه ابن عدي في الكامل ٧/ ٢٦٨٠، والخليلي في الإرشاد ٤٩٣/٢، والخطيب في تاريخ بغداد ٩/ ٣٥٠، و٣١٠/١١، وابن الجوزي في الموضوعات ١٦٨/١ من حديث أنس رضي الله عنه، وفي إسناده يحيى بن عقبة، وقد تفرد به فيما نقله ابن الجوزي عن الدارقطني، وقال: هو المتهم به، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات . وأخرجه ابن ماجه (٢٢٤) عن أنس بلفظ: ((واضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب)) وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة ٧٤/١. ورواه الخطيب في تاريخ بغداد ٧/ ٢٨١ عن كعب قال: قال بعض الأنبياء، فذكره بنحوه. وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم ص١٤٦ عن عكرمة، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٤/ ٧٧ عن وهب، كلاهما عن عيسى عليه السلام بنحوه. ٤٨٢ سورة البقرة : الآية ١٥٩ قال ابنُ العربي(١): والصحيحُ خلافه؛ لأنَّ في الحديث: ((مَن سُئل عن علم)) ولم يَقل: عن شهادةٍ، والبقاءُ على الظاهر حتى يردّ عليه ما يزيلُه، والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى: ﴿مِنَ الْبَيِّنَتِ وَالْمُدَى﴾ يعمُّ المنصوصَ عليه والمستنبطَ، لِشُمول اسمِ الهُدَى للجميع، وفيه دليلٌ على وجوب العملِ بقول الواحد؛ لأنَّه لا يجب عليه البيانُ إلا وقد وجبَ قَبولُ قوله، وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَنُوا﴾ فحگم بوقوع البیانِ بخبرهم. فإن قيل: إنه يجوزُ أنْ يكون كلُّ واحد منهم منهيًّا عن الكتمان ومأموراً بالبيان لِيَكْثُرَ المُخبرون، ويتواترَ بهم الخبرُ. قلنا: هذا غلطٌ؛ لأنَّهم لم يُنهَوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم التواطؤ عليه، ومن جازّ منهم التَّواطؤ على الكِتمان، فلا يكونُ خبرُهم موجباً للعمل، والله تعالى أعلم (٢). الرابعة: لمَّا قال: ﴿مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى﴾ دلَّ على أنَّ ما كان مِن غير ذلك جائزٌ كِتْمُه، لا سيَّما إنْ كان مع ذلك خوفٌ، فإنَّ ذلك آكَدُ في الكتمان، وقد ترك أبو هريرة ذلك حينّ خاف، فقال: حفِظتُ عن رسول الله وَ ﴿ وِعاءَيْن، فأمَّا أحدُهما فبثَنْتُه، وأمَّا الآخرُ فلو بثَئتُه قُطع هذا البُلْعوم (٣). أخرجه البخاري(٤). قال أبو عبد الله: البُلعوم مَجرى الطعام. قال علماؤنا: وهذا الذي لم يَبْثَّه أبو هريرة وخاف على نفسه فيه الفتنةً أو القتل إنَّما هو مما يتعلَّق بأمر الفتن والنصِّ على أعيان المرتدِّين والمنافقين، ونحوِ هذا مما لا يتعلَّق بالبينات والهدى، والله تعالى أعلم. الخامسة: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّئَهُ﴾ الكنايةُ في ((بيَّنَاهِ)) ترجعُ إلى ما أُنزل من البيّنات والهُدى. والكتابُ: اسمُ جنس، فالمرادُ جميع الكتب المنزَّلة(٥). (١) أحكام القرآن له ٤٩/١، وفيه القول المذكور لسحنون. (٢) أحكام القرآن للكيا الهراسي ٢٥/١، وانظر أحكام القرآن للجصاص ١٠١/١. (٣) المحرر الوجيز ٢٣١/١. (٤) برقم (١٢٠). (٥) مجمع البيان ٢/ ٤٧، والمحرر الوجيز ٢٣١/١. ٤٨٣ سورة البقرة : الآية ١٥٩ السادسة: قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ يَلْعَُّهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يتبرَّأُ منهم، ويُبعدُهم من ثوابه، ويقول لهم: عليكم لعنتي، كما قال للَّعِين: ﴿وَإِنَّ عَلَّكَ لَعْنَتِىَ﴾ [ص: ٧٨]. وأصلُ اللعن في اللغة الإبعادُ والطرد، وقد تقدم(١). السابعة: قوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنْهُمُ الََّعِنُونَ﴾ قال قتادة والرَّبيع: المرادُ بـ((اللاعنون)) الملائكةُ والمؤمنون. قال ابنُ عطية(٢): وهذا واضحٌ جارٍ على مُقتضى الكلام. وقال مجاهد وعكرمة: هم الحشرات والبهائمُ يصيبهم الجذْبُ بذنوب علماء السُّوء الكاتمین فیلعنونهم. قال الزَّجاجُ(٣): والصواب قول من قال: ((اللاعنون)) الملائكةُ والمؤمنون؛ فأمَّا أنْ يكونَ ذلك لدوابِّ الأرض، فلا يوقَفُ على حقيقته إلا بنصٍّ أو خبرٍ لازم، ولم نجدْ من ذَيْنِك شيئاً. قلتُ: قد جاء بذلك خبرٌ رواه البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ وَ﴿ في قوله تعالى: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنَّهُمُ الََّعِنُونَ﴾ قال: ((دوابُ الأرض)). أخرجه ابنُ ماجه عن محمد بن الصَّبَّاح، أنبأنا عمَّارُ بن محمدٍ، عن ليث، عن المِنْهال(٤)، عن زاذان، عن البراء، إسناد حسن(٥). فإن قيل: كيفَ جَمَعَ مَنْ لا يعقِلُ جَمْعَ مَن يعقِلُ؟ قيل: لأنَّه أسنَد إليهم فعلَ مَن يعقِل، كما قال ﴿رَأَيْنُهُمْ لِ سَِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] ولم يقل: ساجدات، وقد قال: ﴿لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١]، وقال: ﴿وَتَرَهُمْ يَظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٩٨]، ومثله كثيرٌ (٦)، وسيأتي إن شاء الله تعالى. (١) عند الآية: ٨٨ من هذه السورة، ص ٢٤٧ من هذا الجزء. (٢) المحرر الوجيز ٢٣١/١، وما قبله منه، والآثار المذكورة أخرجها الطبري ٧٣٦٧٣٣/٢. (٣) لم نقف على كلامه، وانظر تفسير الطبري ٢/ ٧٣٧. (٤) في (ز) و(ظ) و(م): ((أبي المنهال))، وفي (د): ((ابن المنهال))، وهو خطأ، والتصويب من مصادر التخريج. (٥) ابن ماجه (٤٠٢١)، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٢٦٩/١ من طريق الحسن بن عرفة عن عمار بن محمد به مطولاً. قال البوصيري في مصباح الزجاجة ١٨٧/٤: هذا إسناد ضعيف لضعف ليث بن أبي سُليم. (٦) ينظر المحرر الوجيز ٢٣١/١، ومجمع البيان ٤٧/٢، وتفسير الرازي ١٨٥/٤. ٤٨٤ سورة البقرة : الآية ١٦٠ وقال البراء بن عازب وابن عباس: ((اللاعنون)) كلُّ المخلوقات ما عدا الثَّقلين: الجن والإنس(١)، وذلك أنَّ النبيَّ وَ ﴿ قال: ((إنَّ(٢) الكافرَ إذا ضُرب في قبره فصاح، سمعَه الكلُّ إلا الثَّقلين، ولعنَه كلُّ سامع))(٣). وقال ابنُ مسعود والسُّدِّيّ: هو الرجلُ يلعَنُ صاحبه، فترَتفِعُ اللعنةُ إلى السماء، ثم تَنحدِرُ فلا تجدُ صاحبَها الذي قيلت فيه أهلاً لذلك، فترجعُ إلى الذي تكلّم بها، فلا تجدُه أهلاً، فتنطلق فتقع على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله تعالى، فهو قوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ الََّعِنُونَ﴾ فمَن مات منهم ارتفعتْ اللعنةُ عنه، فكانت فيمن بقي من اليهود(٤). قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَضْلَحُواْ وَبَيِّئُواْ فَأُوْلَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّبُ الرَّحِيمُ قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ استثنى تعالى التائبين الصالحين لأعمالهم وأقوالهم المُنيبين لتوبتهم. ولا يكفي في الثَّوبة عند علمائنا قولُ القائل: قد تبتُ، حتى يَظهرَ منه في الثاني خلافُ الأوَّل، فإنْ كان مرتدًّا رجع إلى الإسلام مظهراً شرائعَه، وإنْ كان من أهل المعاصي، ظهر منه العملُ الصالح، وجانبَ أهلَ الفساد والأحوالَ التي كان عليها. وإنْ كان من أهل الأوثان، جانبهم وخالط أهل الإسلام، وهكذا يَظهرُ عكسُ ما كان عليه. وسيأتي بيان التوبة وأحكامها في ((النساء)» إن شاء الله تعالى(٥). (١) قول البراء أخرجه الطبري ٧٣٦/٢، وقول ابن عباس أورده الزجاج في معاني القرآن ٢٣٥/١، والبغوي ١/ ١٣٤. (٢) لفظة : ((إنَّ) ليست في (م). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٦٩/١ من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، وانظر مسند أحمد (١٨٦١٤). (٤) قول ابن مسعود أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥١٩٢) بنحوه، وأورده الزجاج في معاني القرآن ٢٣٥/١، والبغوي ١٣٤/١، والماوردي في النكت والعيون ٢١٥/١، وقول السدي أخرجه الطبري ٢/ ٧٤٢ بنحوه . (٥) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِّلَّذِينَ﴾ الآية: ١٧-١٨. ٤٨٥ سورة البقرة : الآيتان ١٦١، ١٦٢ وقال بعضُ العلماء في قوله: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ أي: بكسر الخمر وإراقتها. وقيل: (بَيِّنُوا)) يعني ما في التوراة من نبوَّة محمدٍ بَّه ووجوبِ اتباعه(١)، والعمومُ أوْلى على ما بيَّناه، أي: بيَّنوا خلافَ ما كانوا عليه، والله تعالى أعلم. ﴿فَأَوْلَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمّ وَأَنَا التََّّبُ الرَّحِيمُ﴾ تقدم والحمد لله(٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ لَقْنَةُ اَللَّهِ وَالْمَكَةِ ١٦٧) خَلِينَ فِيهَا لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَ هُمْ يُظُرُونَ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الواوُ واو الحال. قال ابنُ العربي(٣): قال لي كثيرٌ من أشياخي: إنَّ الكافر المعيَّن لا یجوزُ لعنه، لأنَّ حالَه عند الموافاة لا تُعلَم، وقد شَرط الله تعالى في هذه الآية في إطلاق اللعنة الموافاةَ على الكفر، وأمَّا ما رُويَ عن النبيِّ وَّ أنَّه لعن أقواماً بأعيانهم، من الكفّار(٤)، فإنَّما كان ذلك لعلمه بمآلهم. قال ابن العربي: والصحيحُ عندي جوازُ لعنه لظاهر حاله ولجواز قَتْلِه وقتاله، وقد رُويَ عن النبيِّ وَّهِ أَنَّه قال: ((اللَّهُمّ إنَّ عمرو بن العاص هجاني وقد علم أنِّي لستُ بشاعر، فالعَنْهِ واهْجُه عدَدَ ما هجاني)»(٥). فَلعَنَه وإنْ كان الإيمانُ والدِّين والإسلام مآلَه. وانتَصَف بقوله: ((عدد ما هجاني))، ولم يَزدْ، ليُعلِّمَ العدلَ والإنصاف، (١) النكت والعيون ٢١٤/١. (٢) ٤٨٣/١. (٣) في أحكام القرآن ١/ ٥٠. (٤) منها: ما أخرجه أحمد (٥٦٧٤)، والبخاري (٤٠٦٩) من حديث ابن عمر، قال: سمعت رسول الله رَالخ يقول: اللهم العن فلاناً، اللهم العن الحارث بن هشام ... وانظر أيضاً حديث أبي هريرة عند البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم في العلل ٣٤٤/٢ من طريق عدي بن ثابت عن البراء بن عازب. قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا خطأ إنما يروونه عن عدي عن النبي ◌ُ ◌ّ﴾ مرسلاً. وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم في العلل ٢/ ٣٤٤ من حديث حذيفة رضي الله عنه. وفي إسناده جابر الجُعفي، وهو ضعيف كما في التقريب ص٧٦. ٤٨٦ سورة البقرة : الآيتان ١٦١، ١٦٢ وأضاف الهَجْوَ إلى الله تعالى في باب الجزاء دونَ الابتداء بالوصف بذلك، كما يُضاف إليه المكرُ والاستهزاء والخديعة، سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظالمون عُلوًّا كبيراً. قلتُ: أمَّا لعن الكفَّار جملةً من غير تعيين، فلا خلافَ في ذلك، لمَا رواه مالكٌ عن داود بنِ الحُصَين أنَّه سمع الأعرجَ يقول: ما أدركتُ الناسَ إلا وهم يلعنون الكفرةَ في رمضان(١). قال علماؤنا: وسواء كانت لهم ذِمةٌ أم لم تكنْ، وليس ذلك بواجبٍ، ولكنَّه مباحٌ لمن فَعله، لجحدهم الحقَّ وعداوتهم للدِّين وأهله، وكذلك كُلُّ مَن جاهرَ بالمعاصي، كشُرَّاب الخمر، وأكلة الرِّبا، ومَن تَشبَّه من النساء بالرجال، ومن الرجال بالنساء، إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنُه. الثانية: ليس لعنُ الكافر بطريق الزَّجْر له عن (٢) الكفر، بل هو جزاءٌ على الكفر وإظهار قُبح كفره، كان الكافرُ ميتاً أو مجنوناً. وقال قومٌ من السلف: إنَّه لا فائدةً في لعن مَن جُنَّ أو مات منهم، لا بطريقِ الجزاء، ولا بطريق الزجرِ، فإنَّه لا یتأثّر به. والمرادُ بالآية على هذا المعنى أنَّ الناسَ يلعنونَه يوم القيامة ليتأثَّرَ بذلك، ويتضرَّرَ، ويتألَّمَ قلبُه، فيكونَ ذلك جزاءً على كفره، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] ويدلُّ على هذا القول أنَّ الآيةَ دالَّةٌ على الإخبار عن الله تعالى بلعنهم، لا على الأمر. وذكر ابنُ العربيّ(٣) أنَّ لعنَ العاصي المعيَّن لا يجوزُ اتفاقاً، لما رُوي عن النبيّ ◌َلِّ أنَّه أُتِيَ بشارب خمرٍ مراراً، فقال بعضُ مَن حضره: لعَنهُ الله، ما أكثرَ ما يُؤْتَى به! فقال النبيُّ وَِّ: ((لا تكونوا عَوْنَ الشَّيطانِ على أخيكم)) فجعلَ له حُرمةَ الأُخُوة، وهذا يوجبُ الشَّفقةَ، وهذا حديثٌ صحيح. (١) الموطأ ١١٥/١، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في المصنف (٧٧٣٤)، والبيهقي ٤٩٧/٢. (٢) في (ز) و(ظ): على. (٣) في أحكام القرآن ١/ ٥٠. ٤٨٧ سورة البقرة : الآيتان ١٦١، ١٦٢ قلت: خرَّجه البخاري ومسلم(١). وقد ذكر بعضُ العلماء خلافاً في لعن العاصي المعيّن. قال: وإنَّما قال عليه السلام: ((لا تكونوا عَوْنَ الشَّيطان على أخيكم)) في حقٌّ نُعَيْمان(٢) بعد إقامة الحدِّ عليه، ومَن أُقيم عليه حدُّ الله تعالى فلا يَنبغي لعنُه، ومَن لم يُقَمْ عليه الحدُّ فلعنتُه جائزةٌ سواءٌ سُمِّيَ أو عُيِّن أم لا؛ لأنَّ النبيَّ وَّهِ لا يَلعَنُ إلا مَن تجبُ عليه اللعنةُ ما دام على تلك الحالة الموجبةِ للَّعن، فإذا تابَ منها وأقلعَ وطهَّره الحدُّ، فلا لعنةَ تتوجَّهُ عليه (٣). وبيَّن هذا قولُهُ وَّهِ: ((إذا زَنَت أَمَةُ أحدِكم فَلْيجلِدْها الحدَّ ولا يُثَرِّبْ))(٤). فدلَّ هذا الحديثُ مع صحته على أنَّ التَّثريب واللَّعن إنَّما يكونُ قبلَ أخذِ الحدِّ وقبلَ التوبة، والله تعالى أعلم. قال ابنُ العربي(٥): وأمَّا لعنُ العاصي مطلقاً فيجوزُ إجماعاً، لما رُوي عن النَّبِنَّهِ أَنَّه قال: ((لعن الله السارقَ يَسرِقُ البيضةَ فَتُقطعُ يدُه))(٦). الثالثة: قوله تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ عَلَيْهِمْ لَقَنَّةُ اللَّهِ وَالْمَكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي: إبعادُهم من رحمتِه. وأصلُ اللَّعن: الطردُ والإبعادُ، وقد تقدَّم (٧). فاللَّعنة من العباد: الطردُ: ومن الله : العذابُ. وقرأ الحسنُ البصريّ: ((والملائكةُ والنَّاسُ أجمعون)» بالرَّفع. وتأويلُها: أولئك جزاؤهُم أنْ يلعنَهم الله وتلعنَهم الملائكةُ ويلعنَهم الناسُ أجمعون، كما تقولُ: كَرهتُ (١) البخاري (٦٧٨٠) من حديث عمر بن الخطاب، و(٦٧٨١) من حديث أبي هريرة، وأخرج مسلم (١٧٠٦) نحوه عن أنس بن مالك رضي الله عنهم. (٢) هو ابن عمر بن رفاعة الأنصاري، شهد العقبة وبدراً وأُحداً والخندق والمشاهد كلَّها، توفي في خلافة معاوية. الإصابة ١٨١/١. (٣) ينظر المفهم ٧٤/٥، حيث ذكر هذا القول وردّه. (٤) أخرجه أحمد (٧٣٩٥)، والبخاري (٢٢٣٤)، ومسلم (١٧٠٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قوله: («لا يُئِّب) أي: لا يُومِّخ ولا يُقرِّع بالزنا بعد الضرب، وقيل: أراد لا يقنع في عقوبتها بالتثريب، بل يضربها الحدَّ النهاية (ثرب). (٥) أحكام القرآن ١/ ٥٠. (٦) أخرجه أحمد (٧٤٣٦)، والبخاري (٦٧٨٣)، ومسلم (١٦٨٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٧) ٢٤٧/٢. ٤٨٨ سورة البقرة : الآية ١٦٣ قيام زيدٍ وعمرٌو وخالدٌ، لأنَّ المعنى: كَرهتُ أنْ قام زيد (١). وقراءة الحسن هذه مخالفةٌ للمصاحف(٢). فإنْ قيل: ليس يلعنهم جميعُ الناس لأنَّ قومَهم لا يلعنونَهم، قيل: عن هذا ثلاثةُ أجوبةٍ: أحدها: أنَّ اللعنةَ من أكثر الناس يُطْلَقُ عليها لعنةُ جميع(٣) الناس، تغليباً لحكم الأكثرِ على الأقلِّ. الثاني: قال السُّدِّي(٤): كلُّ أحدٍ يلعنُ الظالم، وإذا لَعَن الكافرُ الظالمَ فقد لَعَن نفسَه. الثالث: قال أبو العالية(٥): المرادُ به يومَ القيامة يلعنُهم قومُهم مع جميع النَّاس، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]. ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿خَلِينَ فِيهًا﴾ يعني: في اللَّعنة، أي: في جزائها. وقيل: خلودهم في اللَّعنة أنَّها مؤبَّدةٌ عليهم. ﴿وَلَ هُ يُظَرُونَ﴾ أي: لا يُؤْشَّرون عن العذاب وقتاً من الأوقات(٦). و((خالدين)) نصب على الحال من الهاء والميم في ((عليهم))، والعاملُ فيه الظرفُ من قوله: ((عليهِم))؛ لأنَّ فيها معنى استقرارِ اللَّعنة. قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَيَّةٌ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ فيه مسألتان: ١٢٢٠ الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِلٌ﴾ لمَّا حذَّر تعالى من كتمان الحقِّ، بيَّن (١) النكت والعيون ٢١٥/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٧٥/١، وقراءة الحسن ذكرها ابنُ خالويه في القراءات الشاذه ص١١، وابن جني في المحتسب ١١٦/١. (٢) معاني القرآن للفراء ٩٦/١، ومعاني القرآن للزجاج ٢٣٦/١. (٣) لفظة جميع ، من (ز) و(ظ). (٤) أورده الرازي في تفسيره ١٨٨/٤. (٥) أخرجه الطبري بنحوه ٢/ ٧٤٢. (٦) النكت والعيون ٢١٥/١ -٢١٦، وتفسير الرازي ١٨٧/٤ - ١٨٨. ٤٨٩ سورة البقرة : الآية ١٦٣ أنَّ أولَ ما يجبُ إظهارُه ولا يجوزُ كتمانُه أمرُ التوحيد، ووصلَ ذلك بذكر البرهان، وعلم طريق النظر، وهو الفِكْرُ في عجائب الصنع؛ لِيُعْلم أنه لا بدَّ له مِن فاعلٍ لا يُشبهه شيءٌ. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قالت كفار قريش(١): يامحمد انسُب لنا ربَّك، فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص وهذه الآيةً، وكان للمشركين ثلاثُ مئة وستُون صنماً، فبيَّن الله أنه واحدٌ(٢). الثانية: قوله تعالى: ﴿لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ نَفْيٌّ وإثبات. أوَّلها كفر، وآخرها إيمان، ومعناه: لا معبودَ إلا الله . وحُكي عن الشِّبلي رحمه الله أنه كان يقول: الله، الله(٣)، ولا يقول: لا إله إلا الله، فسُئل عن ذلك، فقال: أخشى أنْ آخُذَ(٤) في كلمة الجحود، ولا أَصِلَ إلى كلمة الإقرار. قلت: وهذا من علومهم الدقيقة التي ليست لها حقيقة، فإنَّ الله جلَّ اسمُه ذكر هذا المعنى في كتابه نفياً وإثباتاً وكرَّره، ووعَدَ بالثَّواب الجزيلِ لقائله على لسان نبيِّه ◌َلٌ؛ خرّجه الموطأ والبخاريّ ومسلم وغيرهم(٥). وقال ◌َله: ((من كان آخرُ كلامه (٦) لا إله إلا الله دخَل الجنة)). خرَّجه مسلم (٧). والمقصود القلبُ لا اللسان؛ فلو قال: لا إله، ومات ومعتقدُه وضميرُه الواحدانيَّةُ وما يجبُ له من الصِّفاتِ، لكان من أهل الجنةِ باتفاق أهلِ السُّنة. وقد أتينا على معنى اسمهِ الواحد، ولا إله إلا هو، والرحمن الرحيم في ((الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)»(٨). والحمد لله . (١) في (ظ): كانت كفار قريش تقول. (٢) الوسيط ٢٤٥/١، وزاد المسير ١٦٧/١. (٣) لم يكرر لفظ الجلالة في (خ) و(ظ) و(م). (٤) في (خ) و(ظ): أوخذ. (٥) الموطأ ٢٠٩/١، والبخاري (٣٢٩٣)، ومسلم (٢٦٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٦) في (ظ): آخر كلامه عند الموت. (٧) رقم (٢٦) من حديث عثمان رضي الله عنه بنحوه، وهو عند أحمد (٤٦٤). (٨) ص٦١، ٣٠٧، ٣٩٥. ٤٩٠ سورة البقرة : الآية ١٦٤ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَعْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنَزَّلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َّآءٍ فَأَنْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ الشَّمَاءِ وَاَلْأَرْضِ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فيه أربعَ عشرةَ مسألة: الأولى: قال عطاء: لما نزلت ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجٌِ﴾ قالت كفار قريش: كيف یَسَمُ الناسَ إلهٌ واحد؟! فنزلت ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(١). ورواه سفيانُ، عن أبيه عن أبي الضُّحَى قال: لما نزلت: ﴿وَإِلَفَكُمْ إِلَهٌ وَحِلٌ﴾ قالوا: هل من دليل على ذلك؟ فأنزلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) فكأنهم طلبوا آية، فبيّن لهم دليلَ التوحيد، وأنَّ هذا العالم والبناءَ العجيبَ لا بدَّ له من بانٍ وصانع. وجَمَعَ السَّماوات لأنها أجناس مختلفةٌ، كلُّ سماء من جنس غير جنسٍ الأخرى. ووحَّدَ الأرض لأنها كلَّها تراب(٣)، والله تعالى أعلم. فآيَة السَّماوات: ارتفاعها بغير عمدٍ من تحتها ولا علائقَ من فوقها، ودلَّ ذلك على القدرة وخرق العادة. ولو جاء نبيّ فتُحدِّي بوقوف جبل في الهواء دون عِلاقة، كان معجزاً. ثم ما فيها من الشَّمس والقمر والنجوم السَّائرة والكواكب الزاهرة، شارقةً وغاربةً، نَيِّرةً وممحُوَّة، آيةٌ ثانية. وآية الأرض: بحارُها وأنهارها ومعادنها وشجرها وسهلها ووغرها . الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قيل: اختلافُهما بإقبال أحدِهما (١) أخرجه الطبري ٥/٣، وأبو الشيخ في العظمة (١١٨). (٢) أخرجه الطبري ٦/٣ من طريق سفيان به، وأخرجه أيضاً سعيد في سننه (٢٣٩)، وأبو الشيخ في العظمة (٣١)، والبيهقي في الشعب (١٠٤) من طرق عن سعيد بن مسروق به، سفيان: هو الثوري، وأبوه: هو سعيد بن مسروق، وأبو الضحى: هو مسلم بن صُبَيح. (٣) تفسير البغوي ١٣٥/١. ٤٩١ سورة البقرة : الآية ١٦٤ وإدبارِ الآخَر من حيثُ لا يُعْلَم (١). وقيل: اختلافُهما في الأوصاف من النور والظلمة والطول والقِصَر. والليلُ جمع ليلة، مثل تَمرة وتَمْر، ونخلة ونخل. ويُجمَع أيضاً ليالي وليالٍ بمعنَى، وهو ما شذَّ عن قياس الجُموع، كشَبَهٍ ومَشَابه، وحاجة وحوائج، وذكّر ومذاكير(٢)، وكأنَّ ليالي في القياس جمعُ ليلاة(٣). وقد استعملوا ذلك في الشعر، قال: في كلِّ يومٍ وكلِّ ليلا.(٤) وقال آخر(٥): في كلِّ يومٍ ما وكُلِّ لَيْلاة حتى يقولَ كلُّ راءٍ إِذ راءٍ (٦) يَا وَيْحَهُ مِن جَمَلٍ ما أشقاهْ! قال ابن فارس في ((المُجْمل))(٧): ويقال: إنَّ بعضَ الطير يُسَمَّى ليلاً، ولا أعرفه، والنهار يُجمَعِ نُهُر وأنْهِرة (٨). قال أحمد بنُ يحيى ثعلب: نَهَر جمع نُهُر، وهو جمع [الجمع] للنهار (٩) . وقيل: النهار اسم مفرَدٌ لم يُجمع؛ لأنه بمعنى المصدر، كقولك: الضياء، يقع على القليل والكثير (١٠). والأوَّل أكثر. (١) النكت والعيون ٢١٦/١، ٢١٧. (٢) في (م): مذاكر. وهو خطأ. (٣) الصحاح (ليل). (٤) كذا وقع في النسخ، ولعله ما بعده. (٥) هو دُلَم أبو زغيب، والرجز في الخصائص ٢٦٧/١، والمخصص ٤٤/٩، وشرح المفصل ٧٣/٥، واللسان (ليل). وشرح شواهد شرح الشافية للبغدادي ص ١٠٢. (٦) هو بحذف الهمزة، وهي عين الكلمة، والأصل: إذْ رآه. شرح شواهد شرح الشافية. (٧) ٧٩٩/٣. (٨) ينظر تهذيب الألفاظ لابن السكيت ٤٢٢/١. (٩) نقله عنه ابن منظور في اللسان (نهر)، وما بين حاصرتين منه. (١٠) ينظر الصحاح (نهر)، وتهذيب اللغة ٢٧٦/٦، والمخصص ٥١/٩. ٤٩٢ سورة البقرة : الآية ١٦٤ قال الشاعر(١): لولا الثَّرِيدانِ هَلكْنا بالضُّمُر ثريدُ لَيْلِ وَثَرِيدٌ بِالنُّهُزْ قال ابن فارس(٢): النَّهْر(٣) معروف، والجمع نُهُر وأنهار. ويقال: إنَّ النَّهار يُجمَع على النُّهُر. والنهار: ضياءُ ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشَّمس. ورَجُل نَهِرٌ: صاحب نهار. ويقال: إنَّ النّهار فَرْخ الحُبَارى. قال النَّضر بن شُمَيْل(٤): أوَّلُ النَّهار طلوع الشَّمس، ولا يُعَدُّ ما قبل ذلك من النهار. وقال ثعلب: أوَّلُه عند العرب طلوع الشمس(٥)، واستَشهَد بقول أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت(٦). حمراءَ يُصبح لونُهَا يتورَّدُ والشَّمس تَطلُع كلَّ آخرٍ ليلةٍ وأنشد قولَ عَدِيٍّ بنِ زید: بين النهار وبينَ اللَّيل قد فَصَلَا(٧) وجاعلُ الشمسِ مِصْراً لا خفاءَ به وأنشد الكسائي: (١) لم نقف على قائله، وورد الرجز في تهذيب الألفاظ ١/ ٤٤٢، وفي تفسير الطبري ١٠/٣، والصحاح (نهر)، وتهذيب اللغة ٢٧٧/٦، والمخصص ٥١/٩، والأزمنة والأمكنة ١٤٦/١ من غير نسبة. (٢) في مجمل اللغة ٨٤٥/٣. (٣) في (م): النهار. (٤) تهذيب الألفاظ لابن السكيت ٤٢٢/١. (٥) لم نقف على قول ثعلب، وانظر المخصص ٩/ ٥٢. (٦) في ديوانه ص ٥٠، وخزانة الأدب ١/ ٢٥٠. (٧) اختلف في نسبته، فنسبه لعدي بن زيد كما ذكر المصنف ابن فارس في مجمل اللغة ٨٣٣/٤، ومقاييس اللغة ٣٣٠/٥، والأزهري في تهذيب اللغة ١٨٣/١٢، وهو في ديوانه ص١٥٩ . ونسبه ابن سيده في المخصص ١٦٤/١٣، وابن منظور في اللسان (مصر) لأمية بن أبي الصلت، وهو في ديوانه ص ١٨٠ . وقوله: مصراً، أي: حدّاً. مجمل اللغة. ٤٩٣ سورة البقرة : الآية ١٦٤ أمارةُ تسليمي عليكِ فسلْمِي(١) إذا طلعت شمس النهارِ فإنها قال الزجاج في كتاب الأنواء: أوَّل النهار ذرور الشمس(٢). وقسّم ابن الأنباري الزَّمن ثلاثة أقسام: قسماً جعله ليلاً محضاً، وهو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وقسماً جعله نهاراً محضاً، وهو من طلوع الشمس إلى غروبها، وقسماً جعله مشتركاً بين النهار والليل، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لبقايا ظلمة اللَّيل ومبادئ ضوء النهار. قلت: والصحيح أنَّ النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ كما رواه ابن فارس في المُجْمَل(٣)؛ يدلّ عليه ما ثبت في صحيح مسلم (٤) عن عَدِيٍّ بن حاتم قال: لما نزلت: ﴿حَّ يَتَبَّنَ لَهُ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْمَجْرِ﴾ قال له عَدِيّ: یا رسول الله، إني جعلت(٥) تحت وسادتي عِقالين: عقالاً أبيض وعقالاً أسودَ، أعرِف الليل(٦) من النهار، فقال رسول الله وَله: ((إنَّ وِسادك لعريض، إنما هو سوادُ الليل وبیاضُ النهار)). فهذا الحديثُ يقضي أنَّ النهارَ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهو مقتضى الفقه في الأيمان، وبه تَرتبط الأحكام. فمن حلَف ألَّا يُكلِّمَ فلاناً نهاراً فكلَّمه قبلَ طلوع الشَّمس حَنِث، وعلى الأوّل لا يحنَث. وقولُ النبيِّ وَ ◌ّرَ هو الفَيْصل في ذلك والحگّم. وأمّا على ظاهر اللغة وأخذُه من السَّعة(٧)، فهو من وقت الإِسفار إذا اتَّسع (١) قائل هذا البيت قيس بن ذريح، والبيت في الأغاني ٢٠٢/٩، وديوانه ص ١٩٤ بلفظ: إذا طلعت شمس النهار فسلِّمي (٢) المحرر الوجيز ٢٣٣/١. فآيةُ تسليمي عليك طلوعها (٣) ٨٤٥/٣. (٤) رقم (١٠٩٠)، وهو عند أحمد (١٩٣٧٠)، والبخاري (١٩١٦). (٥) في (م): أجعل. (٦) في (م): ((أعرف بهما الليل)). (٧) في (م): السنة، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق المحرر الوجيز ٢٣٣/١، والكلام منه. ٤٩٤ سورة البقرة : الآية ١٦٤ وقتُ النهار، كما قال(١): ملَكتُ بها كفِّي فأنهرتُ فَتقَها يَرى قائمٌ مِن دونها ما وراءها وقد جاء عن حذيفة ما يدلُّ على هذا القول، خرّجه النسائي(٢). وسيأتي في آي الصيام إن شاء الله تعالى(٣) . الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ أَلَّتِى ◌َّجْرِى فِى الْبَحْرِ﴾ الفلك: السفن، وإفراده وجمعه بلفظ واحد، ويُذكَّر ويؤنَّث، وليست الحركاتُ في المفرد تلك بأعيانها في الجمع، بل كأنه بَنَى الجمعَ بناءً آخر؛ يدلُّ على ذلك توسُّط التثنيةِ في قولهم: فُلْكان. والفلك المفرد مذكَّر، قال تعالى: ﴿فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾(٤) [يس: ٤١] فجاء به مذكَّراً، وقال: ﴿وَاَلْفُلْكِ أَلَّتِ تَّخْرِى فِى الْبَحْرِ﴾ فأَنَّث، ويحتمل واحداً وجمعاً، وقال: ﴿حََّ إِذَا كُنتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيحِ طَتِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] فجمع، فكأنه يُذهبُ بها إذا كانت واحدةً إلى المرْكَب فيُذَكَّر، وإلى السفينة فيُؤنَّث. وقيل: واحده فَلَك، مثل أَسد وأُسْدٍ، وَخَشَب وخُشْبٍ(٥). وأصله من الدَّوران، ومنه: فَلَك السماء التي تدور عليه النجوم. وفَلَّكَت الجاريةُ استدار ثديها، ومنه: فَلْكَةِ المِغْزَل. وسُمِّيت السفينة فُلْكاً؛ لأنها تدور بالماء أسهلَ دَوْر(٦) . ووجه الآية في الفُلْك: تسخير الله إيّاها حتى تجريَ على وجه الماء، ووقوفُها فوقه مع ثقلها(٧) . وأول من عملها نوحٌ عليه السلام كما أخبر تعالى، وقال له جبريل: اصنعها على (١) هو قيس بن الخطيم، والبيت في ديوانه ص٤٦، وفيه: يَرى قائماً مِن خلفها. وسلف ٣٦٠/١. (٢) في المجتبى ١٤٢/٤، وفي الكبرى (٢٤٧٣)، وهو عند أحمد (٢٣٤٠٠). (٣) عند قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ أَلْضِيَامُ﴾. (٤) المحرر الوجيز ٢٣٣/١. (٥) الصحاح (فلك). (٦) تفسير الرازي ٤/ ٢٢٠. (٧) الوسيط ٢٤٧/١. ٤٩٥ سورة البقرة : الآية ١٦٤ جُؤجُؤ الطائر، فعملها نوح عليه السلام وراثةً في العالمين بما أراه جبريل. فالسفينة طائر مقلوب، والماء في أسفلها نظيرُ الهواء في أعلاها، قاله ابن العربي (١). الرابعة: هذه الآية وما كان مثلها دليلٌ على جواز ركوب البحر مطلقاً لتجارة كان أو عبادة، كالحجّ والجهاد. ومن السُّنة حديثُ أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله وَ ﴿، فقال: يا رسول الله، إنَّا نركَب البحر ونَحمِل معنا القليل من الماء. الحديث. وحديثُ أنس بن مالك في قصة أمِّ حرام، أخرجهما الأئمة: مالك وغيره(٢). روى حديثَ أنس عنه جماعةٌ، عن إسحاق بن عبد الله بنِ أبي طلحة، عن أنس. ورواه بِشْر بنُ عمر، عن مالك، عن إسحاقَ، عن أنس، عن أمّ حرام (٣)، جعله من مسند أمّ حرام لا من مسند أنس. هکذا حدَّث عنه به بُنْدار محمد بن بشار. ففيه دليل واضح على ركوب البحر في الجهاد للرجال والنساء، وإذا جاز ركوبه للجهاد فركوبُه للحج المفترض أولى وأَوْجَب. ورُوي عن عمر بنِ الخطاب وعمر بنِ عبد العزيز رضي الله عنهما المنعُ من ركوبه. والقرآن والسُّنة يَردُّ هذا القول؛ ولو كان ركوبه يُكره أو لا يجوز لنهى عنه النبيُّ وَّ الذين قالوا له: إنَّا نركب البحر. وهذه الآية وما كان مثلُها نَصِّ في الغرض، وإليها المفزع. وقد تُؤوِّل ما روي عن العُمَّرين في ذلك بأنَّ ذلك محمولٌ على الاحتياط وتركِ التغرير بالمُهَج في طلب الدنيا والاستكثار منها، وأما في أداء الفرائض فلا (٤). ومما يدلُّ على جواز ركوبه من جهة (١) في أحكام القرآن ١٠٣٦/٣، والجوجؤ: الصدر. القاموس (جأجا). (٢) حديث أبي هريرة أخرجه مالك ٢٢/١، وأحمد (٨٧٣٥)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي ١/ ٥٠، وابن ماجه (٣٨٦). وحديث أنس أخرجه مالك ٤٦٤/٢، ٤٦٥، وأحمد (١٣٥٢٠)، (١٣٧٩٠)، والبخاري (٢٧٨٨)، ومسلم (١٩١٢). (٣) أخرجه أحمد (٢٧٠٣٢)، والبخاري (٢٧٩٩)، (٢٨٠٠)، ومسلم (١٩١٢) (١٦١) من طريق محمد بن یحیی بن حبان عن أنس به. (٤) ينظر التمهيد ٢٢٦/١-٢٣٣، ٢٣٤، وأثر عمر بن الخطاب أخرجه ابن أبي شيبة ٣١٥/٥، والطبراني= ٤٩٦ سورة البقرة : الآية ١٦٤ المعنى أنَّ الله تعالى ضرب البحرَ وسَط الأرض، وجعل الخلق في العُذْوَتین، وقسّم المنافع بين الجهتين، فلا يوصل إلى جَلْبها إلا بشَقّ البحر لها، فسهَّل الله سبيله بالفُلْك، قاله ابن العربي(١). قال أبو عمر (٢): وقد كان مالك يكره للمرأة الحجّ (٣) في البحر، وهو للجهاد(٤) لذلك أكره. والقرآن والسُّنة يردُّ قوله، إلا أنَّ بعضَ أصحابنا من أهل البصرة قال: إنَّما كره ذلك مالك؛ لأنَّ السُّفنَ بالحجاز صغار، وأنَّ النساءَ لا يَقدِرون على الاستتار عند الخلاء فيها لضيقها وتزاحُم النَّاس فِيها؛ وكان الطريق من المدينة إلى مكةَ على البرِّ ممكناً، فلذلك كره مالك ذلك. وأمَّا السفنُ الكبار نحو سفنِ أهل البصرة، فليس بذلك بأس. قال: والأصل أنَّ الحجَّ على كل من استطاع إليه سبيلاً من الأحرار البالغين، نساءً كانوا أو رجالاً، إذا كان الأغلبُ من الطريق الأمنَ، ولم يَخصَّ بحراً من بَرّ. قلت: فدلَّ الكتاب والسُّنة والمعنى على إباحة ركوبه للمعنيين جميعاً: العبادة والتجارة، فهي الحُجَّة وفيها الأُسْوَة. إلا أنَّ الناسَ في ركوب البحر تختلف أحوالُهم، فرُبَّ راكبٍ يَسهُل عليه ذلك ولا يشُقُّ، وآخر يشُقُّ عليه ويضعُفُ به، كالمائد(٥) المفرطِ المَيْد، ومَن لم يقدرْ معه على أداء فرض الصلاةِ ونحوِها من الفرائض؛ فالأوَّل ذلك له جائز، والثاني يحرُم عليه ويُمنَع منه. ولا خلاف بين أهل العلم، وهي: الخامسة: إنَّ البحرَ إذا أَرْتَجَ (٦) لم يجزْ ركوبُه لأحد بوجهٍ من الوجوه في حینٍ = في الإكمال ٣٣٩/٦. في الكبير (٨٣٣٤)، وأثر عمر بن عبد العزيز أورده ابن عبد البر في التمهيد ٢٣٣/١، والقاضي عياض (١) أحكام القرآن ١٠٣٦/٣، وقوله: ((العُذْوتَين)) تثنية عدوة: جانب الوادي وحافته. الصحاح (عدا). (٢) التمهيد ٢٣٣/١. (٣) في (م): يكره للمرأة الركوب للحج. (٤) في (د): في الجهاد. (٥) المائدُ: من أصابه غثيان ودُوار من سُكر أو ركوب بحر. القاموس (ميد). (٦) أَرْتَج البحر: هاج وكثر ماؤه فغمر كلَّ شيء. القاموس (رتج). ٤٩٧ سورة البقرة : الآية ١٦٤ إرتجاجه، ولا في الزمن الذي الأغلبُ فيه عدمُ السَّلامة، وإنَّما يجوزُ عندهم ركوبُه في زمنٍ تكون السَّلامةُ فيه الأغلبَ، فإنَّ الذين يركبونه حالَ السَّلامة ويَنجُون لا حاصرَ لهم، والذين يَهلِكون فيه محصورون(١). السادسة: قوله تعالى: ﴿بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ أي: بالذي ينفعُهم من التجارات وسائرٍ المآرب التي تصلُح بها أحوالُهم. وبركوب البحر تُكتَسَب الأرباح، ويَنتَفع مَن يُحمَل إليه المتاعُ أيضاً (٢). وقد قال بعض من طعن في الدِّين: إن الله تعالى يقول في كتابكم: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٣٨] فأين ذكر التَّوابل المُصلِحة للطعام من المِلْح والفُلْفُل وغيرِ ذلك؟ فقيل له في قوله: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ . السابعة: قوله تعالى: ﴿وَمَّا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌ٍَّ﴾ يعني بها الأمطارَ التي بها إنعاشُ العالَم وإخراجُ النَّبات والأرزاق(٣)، وجعل منه المخزونَ عُدّةً للانتفاع في غير وقتٍ نزوله؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَسْكَنَّهُ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]. الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِهَا مِن كُلِّ دَآبَةٍ﴾ أي: فرَّق ونَشر، ومنه ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]. و((دابة)) تجمع الحيوان كلَّه، وقد أخرج بعضُ الناس الطيرَ، وهو مردود، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾. [هود: ٦]، فإن الطيرَ يدِبُّ على رجليه في بعض حالاته، قال الأعشى: دبِيبَ قَطا البَظْحاء في كلِّ مَنْهَلٍ (٤) وقال علقمة بنُ عَبَدة: صواعِقُها لطيرهِنَّ دَبِيبُ(٥) (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٣٦/٣. (٢) ينظر الوسيط ٢٤٧/١. (٣) المحرر الوجيز ٢٣٣/١. (٤) دیوانه ص٤٠٣، وصدر البیت: نیافٌ کغصن البان ترتجُّ إنْ مشت قوله: نياف: طويلة في ارتفاع، والقطا: طائر، والمنهل: الموقع الذي فيه المشرب، والمنزلُ الذي يكون بالمفازة. القاموس المحيط. (٥) ديوانه ص٤٦، وصدره: كأنهُمُ صابت عليهمْ سحابةٌ. = ٤٩٨ سورة البقرة : الآية ١٦٤ التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَج﴾ تصريفُها: إرسالها عقيماً ومُلْقِحة، وصِرَّا ونَصْرًا وهلاكاً، وحارّةً وباردةً، وليِّنة وعاصفةً. وقيل: تصريفها إرسالها جنوباً وشَمالاً، ودَبوراً وصَباً، ونَكْباءَ، وهي التي تأتي بين مَهَبَّي ريحين(١). وقيل: تصريفُها أنْ تأتيَ السُّفنَ الكبارَ بقَدْر ما تحملها، والصغارَ كذلك، ويَصرِفَ عنهما ما يَضرُّ بهما، ولا اعتبارَ بكبر القلاع ولا صغرِها، فإنَّ الريح لو جاءت جسداً واحداً لصدمت القلاعَ وأغرقت. والرياح جمع ريح؛ سُمِّيت به لأنها تأتي بالرَّوْح غالباً. روى أبو داود عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: «الرِّيحُ من رَوْح الله - قال سلمة : فرَوْحُ الله - تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تَسُبُّوها، واسألوا الله من(٢) خيرها، واستعيذوا بالله من شرها)(٣). وأخرجه أيضاً ابنُ ماجه في سُنَنه: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبةً، حدثنا يحيى بنُ سعيد، عن الأوزاعي، عن الزُّهري، حدّثنا ثابت الزُّرَقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ﴿: ((لا تَسُبُّوا الريح، فإنها من رَوْح الله، تأتي بالرحمة والعذابِ، ولكن سَلُوا الله من خيرها، وتعوَّذوا بالله من شرِّها))(٤). ورُوي عن النبيِّ ◌َّ ه أنه قال: ((لا تسبُّوا الريح، فإنَّها من نَفَسِ الرَّحمن))(٥). ومعنى البيت: كأن ما أصابهم من القتل الذريع سحابة جاءت بصواعق فقتلت ما أصابت من الطير، = وبقي ما أفلت منها يدبُّ لا يقدر على الطير. قاله الشنتمري. (١) المحرر الوجيز ٢٣٣/١، والوسيط ٢٤٧/١، وانظر تفسير الرازي ٢٢٧/٤. (٢) لفظة ((من)) ليست في (م). (٣) سنن أبي داود (٥٠٩٧). وقوله: قال سلمة: فرَوْحُ الله، يعني أن سلمة - وهو ابنُ شبيب أحد شيخي أبي داود في الحديث - زاد لفظ: فرَوْحُ الله. وأما شيخه الآخر في الحديث - وهو أحمد بن محمد المروزي - فليست عنده هذه الزيادة. (٤) سنن ابن ماجه (٣٧٢٧)، وهو عند أحمد (٧٤١٣) من طريق يحيى بن سعيد - وهو القطان - به. (٥) لم نقف عليه مرفوعاً بهذا اللفظ إلا ما أورده ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص ٢١٢، دون ذكر راويه . وأخرجه أحمد (٢١١٣٩)، من حديث أُبيِّ مرفوعاً بلفظ: ((لا تسبوا الريح، فإنها من روح الله ... )). وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١١٩٦)، والنسائي في الكبرى (١٠٧٠٥)، والحاكم ٢٧٢/٢، = ٤٩٩ سورة البقرة : الآية ١٦٤ المعنى: أنَّ الله تعالى جعلَ فيها التفريجَ والتنفيس والترويح، والإضافةُ من طريقٍ الفعل. والمعنى: أنَّ الله تعالى جعلها كذلك(١). وفي صحيح مسلم (٢) عن ابنِ عباس عن النبيِّ وَل﴿ أنه قال: «نُصِرْتُ بالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُور)). وهذا معنى ما جاء في الخبر أنَّ الله سبحانه وتعالى فرّج عن نبيّهُ وَّيهِ بالريح يوم الأحزاب، فقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيْمًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَأَ﴾ [الأحزاب: ٩]. ويقال: نَفَّس الله عن فلان كُربةً من كرب الدُّنيا، أي: فرَّج عنه. وفي صحيح مسلم(٣) من حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه: (مَن نفَّس عن مسلم كُرْبةً من كُرَب الدنيا نفَّس الله عنه كُرْبةً من كُرَب يوم القيامة)) أي: فرَّج عنه . وقال الشاعر : كأنّ الصَّباريحٌ إذا ما تنسَّمَتْ على كِبْدِ مهموم تجلَّتْ همومُها(٤) قال ابن الأعرابي: النَّسيم أوَّلُ هبوب الريح(٥). وأصل الريح رَوْح، ولهذا قيل في جمع القلة: أرواح، ولا يقال: أرياح، لأنها من ذوات الواو، وإنما قيل: رياح من جهة الكسرة(٦)، وطلب تناسُبِ الياء معها(٧). وفي مصحف حفصة: ((وتصريف الأرواح)) (٨). العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِيَج﴾ قرأ حمزة والكسائي: ((الريح)) على الإفراد، وكذا في ((الأعراف)) و((الكهف)) و((إبراهيم)) و((النمل)) و((الرُّوم)) و((فاطر)» و ((الشُّورى)) و((الجاثية))(٩)، لا خلاف بينهما في ذلك. ووافقهما ابن كثير في ((الأعراف» والبيهقي في الأسماء والصفات ٣٩٢/٢ عن أبيّ موقوفاً باللفظ الذي ذكره المصنف. قال البيهقي: هذا = موقوف على أُبيِّ، وإنما أراد - والله أعلم - الريح من روح الله. (١) ينظر رأي أهل السنة في هذه المسألة في مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩٠/٩. (٢) رقم (٩٠٠)، وهو عند أحمد (٢٠١٣)، والبخاري (١٠٣٥). (٣) رقم (٢٦٩٩)، وهو عند أحمد (٧٤٢٧). (٤) قائله مجنون ليلى، وهو في ديوانه ص٢٥١، والأغاني ٢٦/٢، وفيهما: ((نفس محزون)) بدل: ((كبد مهموم)). (٥) تهذيب اللغة ١٨/١٣ . (٦) في (د)، و(ظ)، و(م): الكثرة، والمثبت من (خ)، و(ز)، وهو موافق للمحرر الوجيز. (٧) المحرر الوجيز ٢٣٣/١. (٨) النكت والعيون ٢١٧/١. (٩) وكذلك في ((الإسراء)) و((الأنبياء)) و ((سبأ)) و((ص)). ٥٠٠ سورة البقرة : الآية ١٦٤ و((النمل)) و((الرُّوم) و((فاطر)) و((الشُّورى))(١). وأفرد حمزة: ﴿اَلْيَحَ لَوَقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]. وأفرد ابن كَثِير ﴿وَهُوَ اَلَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ﴾ [الفرقان: ٤٨]. وقرأ الباقون بالجمع في جميعها سوى الذي في ((إبراهيم)) و((الشورى)) (٢)، فلم يقرأُهما بالجمع سوى نافع، ولم يختلف السبعة فيما سوى هذه المواضع. والذي ذكرناه في ((الرُّوم)) هو الثاني ﴿اللَّهُ الَّذِى يُرْمِلُ اَلْرِّيَحَ﴾(٣) [الروم: ٤٨]. ولا خلاف بينهم في ﴿ الْرِّيَاحَ مُبَشِّرَتٍ﴾ [الروم: ٤٦]. وكان أبو جعفر يزيد بنُ القَعْقَاع يجمع الرياح إذا كان فيها ألفٌ ولام في جميع القرآن، سوى ﴿تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ﴾ [الحج: ٣١] و﴿ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (٤) [الذاريات: ٤١]، فإنْ لم يكنْ فيه ألفٌ ولام أفرَدَ. فمن وخَّد الرِّيح؛ فلأنه اسمٌ للجنس يدلُّ على القليل والكثير. ومن جَمع فلاختلاف الجهات التي تهبُّ منها الرياح. ومن جمع مع الرَّحمة ووحَّد(٥) مع العذاب، فإنه فعَل ذلك اعتباراً بالأغلب في القرآن، نحو: ﴿الْرَّ مُبَشْرَةٍ﴾ [الروم: ٤٦] و﴿ اَلْرِيحَ اَلْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]. فجاءت في القرآن مجموعةً مع الرحمة، مفردةً مع العذاب، إلا في يونس في قوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِيحٍ طَنِبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]. ورُوي أنَّ رسول الله وَله كان يقول إذَا هَبَّتِ الرّيح: ((اللَّهُمَّ اجعلها رياحاً، ولا تجعلها ريحاً))(٦). وذلك لأنَّ ريح العذاب شديدةٌ ملتئمة الأجزاءِ كأنها جسم واحد، وريح الرحمة ليِّنة متقطّعة، فلذلك هي رياح. فأفرِدت مع الفُلْك في ((يونس)) [الآية: ٢٢]؛ لأنَّ ريحَ إجراء السفن إنما هي ريحٌ واحدة متّصلة، ثم وُصفت بالطِّيب، فزال الاشتراكُ بينها وبين ريحِ العذاب(٧) . (١) ووافقهما أيضاً في ((إبراهيم)) و(الإسراء)) و((الأنبياء)) و(سبأ)) و(صّ)). (٢) وكذلك سوى الذي في ((الإسراء)) و((الأنبياء)) و(سبأ)) و((صّ)). (٣) ينظر السبعة ص ١٧٢-١٧٣، والتيسير ص٧٨، والنشر ٢٢٣/٢ . (٤) النشر ٢٢٣/٢-٢٢٤، وقد اختلف عنه في: ﴿أَوْ تَهْرِى بِهِ الرِّيحُ﴾ . (٥) في النسخ الخطية: ((الرحمة وحَّد)) والمثبت من (م). (٦) أخرجه أبو يعلى (٢٤٥٦)، والطبراني في الكبير (١١٥٣٣)، وابن عدي ٧٦٣/٢، وأبو الشيخ في العظمة (٨٧٤)، والخطيب في تاريخ بغداد ٧/ ١٠٠ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفي إسناده أبو علي الرحبي، الحسين بن قيس؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٣٦/١٠: متروك، وقد وثقه حُصين بن نمير، وبقية رجاله رجال الصحيح. (٧) المحرر الوجيز ٢٣٣/١.