Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ سورة البقرة : الآية ١٤٤ وحكى الكسائيُّ أنَّ لغةً بني أسد ((لَرَأْف)»، على فَعْل(١). وقرأ أبو جعفر بنُ القَعْقَاعِ (لَرَوُف)) مثقَّلاً بغير همز(٢)، وكذلك سَهَّل كلَّ همزة في كتاب الله تعالى، ساكنةً كانت أو متحركة. قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَظَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ١٤٤ قال العلماء: هذه الآية مقدَّمةٌ في النُّزول على قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الشُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾. ومعنى («تَقَلُّبَ وَجْهِكَ)): تحوُّلَ وَجْهِك إلى السماء، قاله الطبري(٣). الزَّجَّاج(٤): تَقُّبَ عينيك في النَّظر إلى السماء، والمعنى متقارب. وخَصَّ السَّماءَ بالذِّكر؛ إذْ هي مختصَّةٌ بتعظيم ما أُضيفَ إليها، ويعودُ منها كالمطر والرحمة والوَحْي، ومعنى (تَرْضَاهَا)): تُحبُّها(٥). قال السُّدِّيّ: كان إذا صلَّى نحوَ بيت المقدس، رفعَ رأسه إلى السماء، ينظُرُ ما يُؤْمَرُ به، وكان يحبُّ أنْ يُصَلِّيَ إلى قِبَلِ الكعبة، فأنزلَ الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ﴾(٦) وروى أبو إسحاق عن البَرَاء قال: كان رسولُ اللهِ وَلِ صلَّى نحوَ بيت المقدس ستَّةَ عشرَ شهراً، أو سبعةَ عشرَ شهراً، وقد كان رسولُ اللهِ وَ ﴿ يحبُّ أن يُوَجَّهَ نحوَ الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ﴾(٧). وقد تقدَّم هذا المعنى والقول فیه، والحمد لله (٨). (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٩/١. (٢) المحرر الوجيز ٢٢١/١، وذكرها كذلك أبو حيان ٤٢٧/١، وانظر إتحاف فضلاء البشر ص١٩٤-١٩٥. وهي قراءة شاذة، أما القراءة المشهورة عن أبي جعفر - وهو من العشرة - فهي: الرؤوف. (٣) في تفسيره ٢/ ٦٥٦. (٤) معاني القرآن له ١/ ٢٢١، ونقله عنه المصنف بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٢٠٢/١. (٥) المحرر الوجيز ٢٢١/١. (٦) أخرجه الطبري ٢/ ٦٥٧. (٧) أخرجه البخاري (٧٢٥٢)، ومسلم (٥٢٥)، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي. التقريب. (٨) ٤٢٦/٢. ٤٤٢ سورة البقرة : الآية ١٤٤ قوله تعالى: ﴿فَوَّلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ أَلْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾ فیه خمسُ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَوَلِ﴾ أمرٌ ﴿وَجْهَكَ شَظَرَ﴾ أي: ناحيةَ ﴿اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني الكعبة، ولا خلاف في هذا. قيل: حِيالَ البيت كلِّه، عن ابن عباس(١). وقال ابن عمر (٢): حيالَ الميزاب من الكعبة. قال(٣) ابن عطيّة(٤): والميزاب: هو قِبلةُ المدينة وأهلِ الشام، وهناك قبلةُ أهل الأندلس. قلت: قد روى ابن جُرَيْج عن عطاء، عن ابن عباس رضيَ الله عنهما أنَّ رسول اللهِ وَ﴿ قال: ((البيتُ قِبْلٌ لأهل المسجد، والمسجدُ قِلةٌ لأهل الحَرَم، والحَرَمُ قِبْلةٌ لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي)) (٥). الثانية: قولُه تعالى: ﴿نَظَرَ الْمَسْجِدِ الْحَامِ﴾ الشَّطْرُ له محامل: يكون الناحيةَ والجهةَ، كما في هذه الآية، وهو ظرف مكان، كما تقول: تِلقاءه وجِهتَه. وانتصب الظرف لأنه فضلة بمنزلة المفعول [به]، وأيضا فإنَّ الفعل واقع فيه(٦). وقال داود بنُ أبي هند: إنَّ في حرف ابن مسعود ((فَوَلّ وَجْهَك تِلقاءَ المسجدِ الحرام))(٧). وقال الشاعر(٨): (١) أخرجه الطبري ٢/ ٦٦٠ بنحوه. (٢) كذا في النسخ والمحرر الوجيز ٢٢٢/١، والكلام منه، والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٦٢، والطبري ٦٦٢/٢، والحاكم ٢٩٦/٢ من قول عبد الله بن عمرو. (٣) في (م): قاله، وفي (د): وقال. (٤) المحرر الوجيز ٢٢٢/١. (٥) أخرجه البيهقي ٩/٢، وقال: تفرَّد به عمر بن حفص المكي [عن ابن جريج]، وهو ضعيف لا يحتج به، ورُوي بإسناد آخر ضعيف عن عبد الله بن حبشي كذلك مرفوعاً، ولا يحتجُّ بمثله. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٩/١، وما بین حاصرتين منه. (٧) المحرر الوجيز ٢٢٢/١. (٨) هو ساعدة بن جؤية أبو زنباع الجذامي، والبيت في مجمل اللغة ٢/ ٥٠٣، والصحاح (شطر)، والمحرر الوجيز ٢٢٢/١، واللسان (شطر)، ونسبه أبو الفرج في الأغاني ٢٢٤/٢١ لأبي جندب أخي أبي خراش الهذلي. ٤٤٣ سورة البقرة : الآية ١٤٤ أقول لأمِّ زِنْباع أقِيمي صُدورَ العِيسِ شَظْرَ بني تميم وقال آخر (١): هَوْلٌ له ظُلَمٌ بغشاكُمُ قِطَعا وقد أظلَّكُمُ من شَظْرٍ ثَغرِكُمُ وقال آخر (٢): ألاَ مَنْ مُبْلِغْ عمراً رسولاً وما تُغني الرسالةُ شَطْرَ عمرو وشَظْرُ الشيء: نِصفُه، ومنه الحديث: ((الظُّهورُ شَطْرُ الإيمان))(٣). ويكون من الأضداد، يقال: شَطَرَ إلى كذا: إذا أقبلَ نحوَه، وشَطَر عن كذا: إذا أبعد منه وأعرضَ عنه. فأمَّا الشَّاطِرُ من الرجال، فلأنه قد أخَذ في نحوٍ غير الاستواء(٤)، وهو الذي أعْيَا أهلَه خُبْئاً، وقد شَطَر وشَطُر - بالضم - شَطارةً فيهما(٥). وسئل بعضُهم عن الشَّاطر، فقال: هو من أخَذَ في البعد عمَّا نَهى الله عنه. الثالثة: لا خلاف بين العلماء أنَّ الكعبةَ قبلةٌ في كل أُفُق، وأجمعوا على أنَّ من شاهدَها وعاينَها فُرِض عليه استقبالُها، وأنه إنْ تركَ استقبالَها، وهو معايِنٌ لها وعالمٌ بجهتها، فلا صلاة له، وعليه إعادةُ كلِّ ما صلَّى، ذكره أبو عمر(٦). وأجمعوا على أنَّ كلَّ مَنْ غابَ عنها أنْ يستقبلَ ناحيتَها وشطرَها وتلقاءَها، فإنْ خَفِيَتْ عليه، فعليه أنْ يستدِلَّ على ذلك بكلِّ ما يمكنُه من النجوم والرياح والجبال وغيرِ ذلك ممَّا يمكنُ أنْ يستدلَّ به على ناحيتها. ومن جلس في المسجد الحرام، فليكن وجهُه إلى الكعبة، وينظر إليها إيماناً واحتساباً، فإنه يُروَى أنَّ النظرَ إلى الكعبة عبادة، قاله عطاء ومجاهد(٧). (١) هو لقيط بن يعمر الإيادي، والبيت في ديوانه ص٤٣. (٢) هو خُفاف بن نُذْبة، والبيت في المحرر الوجيز ٢٢٢/١، وتفسير الرازي ١٢٦/٤. (٣) هو قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٢٩٠٢)، ومسلم (٢٢٣) عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه. (٤) النكت والعيون ٢٠٣/١. (٥) الصحاح (شطر). (٦) التمهيد ٥٤/١٧، وما بعده منه أيضاً. (٧) أخرجه عنهما عبد الرزاق ١٣٥/٥، وابن أبي شيبة ٤/ ٣٩٠. ٤٤٤ سورة البقرة : الآية ١٤٤ الرابعة: واختلفوا هل فَرْضُ الغائب استقبالُ العين أو الجهة، فمنهم من قال بالأوَّل. قال ابن العربيّ: وهو ضعيف، لأنه تكليف لما لا يُوصَلُ إليه (١). ومنهم من قال بالجهة، وهو الصحيح لثلاثة أوجه: الأول: أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف. الثاني: أنه المأمورُ به في القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهََكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ يعني من الأرض من شَرْق أو غَرْب ﴿فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾. الثالث: أنَّ العلماء احتجُّوا بالصفِّ الطويل الذي يُعلَم قطعاً أنه أضعافُ عَرض البيت. الخامسة: في هذه الآية حجَّةٌ واضحةٌ لما ذهبَ إليه مالكٌ ومَنْ وافقَه، في أنَّ المصلِّيَّ حُكْمُهُ أنْ ينظرَ أمامَه، لا إلى موضع سجوده. وقال الثوريُّ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ والحسن بنُ حَيّ: يُستحب أنْ يكون نظرُه إلى موضع سجوده. وقال شريك القاضي: ينظُر في القيام إلى موضع السجود، وفي الركوع إلى موضع قدميه، وفي السجود إلى موضع أنفه، وفي القعود إلى حِجْره(٢). قال ابن العربيّ(٣): إنما ينظُرُ أمامَه، فإنَّه إنْ حَنَى رأسَه ذهبَ بعضُ القيام المفترَض عليه في الرأس، وهو أشرفُ الأعضاء، وإن أقامَ رأسَه، وتكلَّفَ النظرَ ببصره إلى الأرض فتلك مشقَّةٌ عظيمة وحَرَج، وما جُعلَ علينا في الدِّين من حَرَج، أما إِنَّ ذلك أفضل لمن قدَرَ عليه. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ﴾ يريد اليهود والنَّصارى ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ يعني تحويلَ القِبلة(٤) من بيت المَقْدس(٥). فإن قيل: كيف يعلمون ذلك، وليس من دينهم ولا في كتابهم؟ (١) أحكام القرآن ٤٣/١، وفيه: ((يَصل إليه)) بدل: ((يُوصل إليه)). (٢) التمهيد ٣٩٣/١٧. (٣) في أحكام القرآن ١٢٩٦/٣ وقد نقله عن مالك. (٤) في النسخ: ((الكعبة))، والمثبت من ((م)). (٥) النكت والعيون ٢٠٣/١. ٤٤٥ سورة البقرة : الآية ١٤٥ قیل عنه جوابان: أحدُهما: أنهم لمَّا عَلِمُوا من كتابهم أنَّ محمداً بِّهِ نبيٌّ، علموا أنه لا يقولُ إلا الحقَّ، ولا یأمرُ إلا به. الثاني: أنهم عَلِمُوا من دينهم جوازَ النَّسخ، وإنْ حجَده بعضُهم، فصاروا عالِمِين بجواز القبلة(١). قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِظَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ تقدَّم معناه(٢). وقرأ ابنُ عامر وحمزةٌ والكسائيُّ: ((تعملون)) بالتاء على مخاطبة أهلِ الكتاب، أو أمَّة محمدٍ مَّله. وعلى الوجهين، فهو إعلامٌ بأنَّ الله تعالى لا يُهمِلُ أعمال العباد، ولا يَغْفُل عنها، وضمنه الوعيد. وقرأ الباقون بالياء من تحت(٣). قوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَّ وَمَآ أَنْتَ بِتَابِعِ قِبْلَنَهُمَّ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعِ قِبْلَةَ بَعْضٍَّ وَلَيْنِ أَنَّبَعْتَ أَهْوَآءُهُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِّ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِنَّ ١٤٥١ قوله تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَّبِعُوا فِّلَتَكَ﴾ لأنهم كفروا، وقد تبَيَّنَ لهم الحقُّ، وليس تنفعُهم الآيات، أي: العلامات. وجمع قِيْلة في التكسير: قِبَلٌ، وفي التسليم: قِبِلاتٌ. ويجوز أنْ تُبدِل من الكسرة فتحةً، فتقول: قِبَلات، ويجوز أنْ تحذفَ الكسرة، وتُسكِّن الباء، فتقول: قِبْلات(٤). وأُجيبت (لئن)) بجواب ((لو))، وهي ضدُّها في أنَّ((لو)) تَطلُبُ في جوابها المضيّ والوقوع، و(لئن)) تطلبُ الاستقبال، فقال الفرَّاء والأخفش(٥): أجيبت بجواب (لو)) لأنَّ المعنى: ولو أتيتَ. وكذلك تُجاب (لو)) بجواب ((لئن))، تقول: لو أحسنتَ أُحسنَ (١) زاد المسير ١٥٧/١. (٢) ٢١٠/٢. (٣) المحرر الوجيز ٢٢٢/١، وانظر السبعة ص ١٦٠ - ١٦٢، والتيسير ص ٧٧. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٩/١ -٢٧٠. (٥) معاني القرآن للفراء ١/ ٨٤، ومعاني القرآن للأخفش ٣٤٢/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٧٠/١، وعنه نقل المصنف. ٤٤٦ سورة البقرة : الآية ١٤٦ إليك، ومثلُه قوله تعالى: ﴿وَلَبِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّواْ﴾ [الروم: ٥١] أي: ولو أرسلنا ريحاً. وخالفهما سيبويه، فقال(١): إن معنى ((لئن)) مخالفٌ لمعنى ((لو)) فلا يدخلُ واحد منهما على الآخر، فالمعنى: ولئن أتيتَ الذين أوتوا الكتاب بكلِّ آية لا يتبعون قِبْلَتَك. قال سيبويه: ومعنى ﴿وَلَيْنْ أَرْسَلْنَا رِيْحًا فَرَأَوَهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُوا﴾ [الروم: ٥١] : ليظلُّنَّ. قولُه تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَنَهُمْ﴾ لفظ خبر، ويتضمَّنُ الأمر، أي: فلا تركَنْ إلى شيء من ذلك. ثم أخبرَ تعالى أنَّ اليهودَ ليست متبعةً قبلةَ النصارى ولا النصارى متَّعةً قبلةَ اليهود، عن السُّدِّي وابنٍ زيد (٢)، فهذا إعلامُ باختلافهم وتدابرهم وضلالهم. وقال قوم: المعنى: وما مَنِ اتَّبعك ممَّن أسلمَ منهم بمتَّبَعِ قبلَةَ مَنْ لم يُسْلِمْ، ولا مَن لم يُسلِمْ قِيلَةَ مَنْ أسلمَ. والأولُ أظهر، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ أَنَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِّ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الخطابُ للنبيِّ وَّهِ، والمرادُ أمَّتُه ممَّن يجوزُ أنْ يتَّبِعَ هواه، فيصيرَ باتِّباعه ظالماً، وليس يجوزُ أنْ يفعل النبيُّ وَّ ما يكون به ظالماً، فهو محمولٌ على إرادة أمَّتِه؛ لعصمةِ النبيِّ وَّهِ، وقَطْعِنا أنَّ ذلك لا يكون منه، وخُوطِبَ النبيُّ وَّه تعظيماً للأمر، ولأنه المنزَّلُ علیه(٣). والأهواء: جمع هوّى، وقد تقدَّم، وكذا ((مِنَ العِلم)) تقدم أيضاً (٤)، فلا معنى للإعادة. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ, كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَ هُمٍّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبناءمُمْ﴾ ((الذین)) في موضع رفع بالابتداء، والخبر ((يعرفونه))، ويصحُّ أنْ يكونَ في موضع خفضٍ على الصفة (١) الكتاب ١٠٨/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٢٧٠/١، وعنه نقل المصنف. (٢) الطبري ٦٦٨/٢. (٣) المحرر الوجيز ٢٢٣/١. (٤) ٣٤٦/٢-٣٤٧. ٤٤٧ سورة البقرة : الآية ١٤٧ ((الظالمين))، و((يَعْرِفُونَ)) في موضع الحال، أي: يعرفون نبؤَّتَه وصدقَ رسالتِهِ. والضمير عائدٌ على محمد وآله ، قاله مجاهد وقتادة غيرهما، وقيل: ((يعرفون)) تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة أنه حقٌّ، قاله ابن عباس وابن جريج والربيع وقتادة أيضاً (١). وخصَّ الأبناء في المعرفة بالذِّكر دون الأنفُس وإنْ كانت ألصقَ؛ لأن الإنسانَ يمرُّ عليه من زمنه بُرْهةٌ لا يَعرِفُ فيها نفسَه، ولا يمرُّ عليه وقتٌ لا يَعرِفُ فيه ابنَه. ورُوِيَ أنَّ عمر قال لعبد الله بنِ سَلام: أتعرِفُ محمداً فَ ﴿ كما تَعرِفُ ابنك؟ فقال: نعم وأكثر، بعثَ الله أَمِينَه في سمائه إلى أَمِينه في أرضه بنعته فعرفتُه، وابني لا أدري ما كان من أمه(٢). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ﴾ يعني محمداً ◌َّهِ، قاله مجاهد وقتادة وخُصيف(٣). وقيل: استقبال الكعبة، على ما ذكرنا آنفاً. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ظاهرٌ في صحة الكفر عِناداً(٤)، ومثلُه: ﴿وَحَمَدُواْ ◌ِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَاَ أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وقوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم ◌َا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِذِّ﴾ [البقرة: ٨٩]. قوله تعالى: ﴿اَلْحَقُّ مِن رَّبِّكٌ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكٌ﴾ يعني استقبالَ الكعبة، لا ما أخبرك به اليهودُ من قبلتهم(٥). ورُوي عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قرأ: ((الحقَّ))، منصوباً بـ((يعلمون)) أي: يعلمون (١) المحرر الوجيز ٢٢٣/١، ٢٢٤، وأخرج الآثار الطبري ٢/ ٦٧٠ - ٦٧١ و٦٧٢. (٢) المحرر الوجيز ٢٢٣/١، والقصة فيه مختصرة، وأوردها بتمامها البغوي ١٢٦/١، والرازي ٤/ ١٤٤. (٣) قول مجاهد وقتادة أخرجه الطبري ٢/ ٦٧٢، وقول خصيف أخرجه ابن أبي حاتم ٢٥٤/١. (٤) المحرر الوجيز ٢٢٤/١. (٥) النكت والعيون ٢٠٥/١. :٠ ٤٤٨ سورة البقرة : الآية ١٤٧ الحقَّ. ويصحُّ نصبُه على تقدير: الزمِ الحقَّ. والرفع على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ، والتقدير: هو الحق(١)، أو على إضمار فعل، أي: جاءك الحقُّ. قال النحاس(٢): فأمَّا الذي في ((الأنبياء)) ﴿اَلْحَقُّ فَهُم مُعْرِضُونَ﴾ [الآية: ٢٤]، فلا نعلم أحداً قرأه إلا منصوباً، والفرقُ بينهما أن الذي في سورة (البقرة)) مبتدأُ آية، والذي في (الأنبياء)» لیس کذلك. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: من الشاكِّين. والخطابُ للنبِيِّ وَّ، والمراد أُمّتُه، يقال: امْتَرَى فلان في كذا: إذا اعترضَه اليقينُ مَرّةً، والشُّ أخرى، فدافعَ إحداهما بالأخرى، ومنه المِراء؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما يشكُّ في قول صاحبه(٣). والامتراء في الشيء: الشكُّ فيه، وكذا التماري(٤). وأنشد الطبريّ(٥) شاهداً على أنَّ الممترين الشاُّون قولَ الأعشى: تَدُرُّ على أَسْؤُق الممتريـ ـنَ رَكْضاً إذا ما السَّرابُ ارْجَحَنّ(٦) قال ابنُ عطيّة(٧): ووَهِمَ في هذا، لأنَّ أبا عبيدة وغيرَه قال: الممترون في البيت هم الذين يَمْرُون الخيلَ بأرجلهم هَمْزاً لتَجْرِيَ كأنهم يجتلبون الجَرْيَ منها، وليس في البيت معنى الشكِّ كما قال الطبري. قلت: معنى الشكِّ فیه موجود؛ لأنه يحتمل أن يختبرَ الفرسَ صاحبه، هل هو على ما عَهِدَ منه من الجري أم لا؟ لئلا يكونَ أصابه شيءٌ، أو يكونَ هذا عند أوَّلٍ شرائه، فيُجريه ليَعلَم مقدار جَرْبِهِ. قال الجوهريّ: ومَرَيْتُ الفرسَ: إذا استخرجتَ ما عنده من الجَزْي بسوط أو (١) المحرر الوجيز ٢٢٤/١، وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٠، والنحاس في إعراب القرآن ١/ ٢٧٠، والزمخشري في الكشاف ٣٢٢/١. (٢) إعراب القرآن ٢٧٠/١ - ٢٧١. (٣) النكت والعيون ٢٠٥/١، والمحرر الوجيز ٢٢٤/١. (٤) الصحاح (مرا). (٥) في تفسيره ٢/ ٦٧٤. (٦) دیوانه ص٧٣، وفيه: أسوق، وهو جمع ساق، كأسوُق. (٧) المحرر الوجیز ٢٢٤/١، وما قبله منه. ٤٤٩ سورة البقرة : الآية ١٤٨ غيره، والاسمُ المِرْيَةُ - بالكسر - وقد تُضمّ. ومَرَيْتُ الناقةَ مَرْياً: إذا مَسَحْتَ ضَرْعَها لِتَدرَّ، وأَمْرَتْ هي: إذا دَرَّ لَبْنُها، والاسم المِرْيَةُ - بالكسر - والضمُّ غلط(١). والمِرْيَةُ: الشكّ، وقد تضمّ، وقرئ بهما(٢). قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ وِجْهَةُ هُوَ مُوَلِّهَا فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتَّ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ١٤٨ اَللَّهُ جَمِيعَاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ فیه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ رِجْهَؤُ﴾ الوِجْهة، وزنُها: فِعْلة، من المواجهة. والوِجْهَةُ والجِهةُ والوَجْه بمعنَى واحد، والمرادُ القِبْلة، أي: إنهم لا يتَّبعون قِلتَك، وأنتَ لا تَتَبعُ قِبلتَهم، ولكلٍّ وِجْهَةٌ إِمَّا بحقٌّ وإمّا بهوّى. الثانية: قولُه تعالى: ﴿هُوَ مُوَلَِّا﴾ ((هو)) عائدٌ على لفظ كلٍّ، لا على معناه؛ لأنه لو كان على المعنى لقال: هم مُوَلُّوها وجوهَهم، فالهاء والألف مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، أي: هو موليها وجهه ونفسَه(٣). والمعنى: ولكلِّ صاحبٍ مِلَّةٍ قِبْلةٌ، صاحبُ القِبلة مُؤَلِّيها وجهَه، على لفظ ((كلّ))، وهو قولُ الرَّبيع وعطاء وابن عباس(٤). وقال عليُّ بنُ سليمان: ((مُؤَلِيها)) أي: متولِّيها. وقرأ ابنُ عباس وابنُ عامر: ((مُوَلَّاها)) على مالم يسمَّ فاعله(٥). والضمير على هذه القراءة لواحدٍ، أي: ولكل واحد من الناس قِبلة، الواحدُ مُوَلَّاها أي: مصروف إليها، قاله الزجاج(٦). ويحتمل أنْ يكون على قراءة الجماعة ((هو)) ضمير اسم الله عزَّ وجلَّ وإنْ لم يجرِ (١) يعني في ((مِرْية الناقة)) فليس فيه إلا الكسر، كما نقل الجوهري في صحاحه عن ثعلب. (٢) الصحاح (مرا)، وقراءة الضم ذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٠٥ عن الحسن، وليست هي من العشرة. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٧١/١. (٤) أخرج هذه الآثار الطبري ٢/ ٦٧٥. (٥) السبعة ص١٧١، والتيسير ص٧٧. (٦) انظر معاني القرآن له ٢٢٥/١. ٤٥٠ سورة البقرة : الآية ١٤٨ له ذكر، إذ معلوم أنَّ الله عزَّ وجلَّ فاعلُ ذلك، والمعنى: لكلِّ صاحبٍ مِلَّةٍ قبلةٌ، الله مُؤَلِّيها إِيَّاه. وحكى الطبريّ(١): أنَّ قوماً قرؤوا: ((ولكلِّ وجْهةٍ)) بإضافة ((كل)) إلى ((وِجهة)). قال ابن عطية: وخطّأها الطبريّ، وهي مثَّجهة، أي: فاستبقوا الخيراتِ لكلِّ وجهةٍ ولَّاكُمُوها، ولا تعترضوا فيما أمَرَكم بين هذه وهذه، أي: إنما عليكم الطاعة في الجميع. وقدَّم قوله: ﴿وَلِكُلِّ رِجْهَةٌ﴾ على الأمر في قوله: ﴿فَأَسْتَبِقُوا الْخَيْرَتِّ﴾ للاهتمام بالوِجْهة كما يُقدَّم المفعول، وذكر أبو عمرو الدَّانيُّ هذه القراءةَ عن ابن عباس رضي الله عنهما. وسَلِمت الواو في ((وجهة)) للفرق بين ((عِدَة)) و((زِنَة))، لأنَّ ((جهةً) ظرف، وتلك مصادر. وقال أبو علي: ذهب قوم إلى أنه مصدر شدَّ عن القياس، فسَلِمَ. وذهبَ قومٌ إلى أنه اسمٌ، وليس بمصدر. وقال غيرُ أبي عليٍّ: وإذا أردتَ المصدرَ قلتَ: جهة، وقد يقال الجهة في الظرف (٢). الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَبِقُوا الْخَيْرَتِّ﴾ أي: إلى الخيرات، فحذف الحرف، أي بادِرُوا ما أمَرَكم الله عزَّ وجلَّ من استقبال البيتِ الحرام(٣)، وإن كان يتضمَّنُ الحثَّ على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بالعموم، فالمرادُ ما ذكر من الاستقبال لسياق الآي. والمعنى المراد: المبادرةُ بالصلاة أوَّلَ وقتها، والله تعالى أعلم؛ روى النسائيّ (٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِوَّه قال: ((إنَّما مَثَلُ المُهجِّر إلى الصلاة كمَثَل الذي يُهْدي البَدَنَة، ثم الذي على أَثَره كالذي يُهْدي البقرةَ، ثم الذي على أثرِه كالذي يُهدِي الكبش، ثم الذي على أثرِه كالذي يُهْدِي الدَّجاجة، ثم الذي على أثره كالذي يُهْدِي البيضة)). وروى الدارَقُطْنِي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ (١) في تفسيره ٦٧٨/٢. (٢) المحرر الوجيز ٢٢٤/١، وقراءة ابن عباس ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٠. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٧١/١. (٤) المجتبى ١١٦/٢، وهو عند أحمد (١٠٥٦٨)، والبخاري (٩٢٩)، ومسلم (٢٤) ص ٥٨٧. ٤٥١ سورة البقرة : الآية ١٤٨ أحدَكم لَيصلِّي الصلاةَ لوقتها وقد تركَ من الوقت الأوَّل ما هو خيرٌ له من أهله وماله))(١). وأخرجه مالك عن يحيى بن سعيد قولَه(٢). وروى الدارقُظْنيُّ أيضاً عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَّهِ: ((خيرُ الأعمال الصلاةُ في أوَّل وقتِها))(٣). وفي حديث ابنٍ مسعود: ((أولَ وقتها)) بإسقاط ((في)) (٤). وروى أيضاً عن إبراهيمَ بنِ عبد الملك بن(٥) أبي مَحْذُورة، عن أبيه، عن جَدِّه قال: قال رسولُ اللهِوَله: ((أوَّلُ الوقتِ رضوانُ الله، ووَسَطُ الوقتِ رحمهُ الله ، وآخِرُ الوقتِ عَفْوُ الله))(٦). (١) سنن الدارقطني ٢٤٨/١، وفي إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي، وهو متروك الحديث، كما ذكر الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٢٢٥) عن طلق بن حبيب مرسلاً، وفي إسناده أبو بكر بن أبي سبرة؛ قال الحافظ ابن حجر في التقريب: رمَوه بالوضع، وأخرجه ابن المنذر في الأوسط ٣٥٧/٢ بإسناد صحيح من طريق الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشي، عن ابن عمر، بنحوه، موقوفاً. (٢) الموطأ ١٢/١. يحيى بن سعيد: هو الأنصاري. (٣) سنن الدار قطني ٢٤٧/١، وفي إسناد حديث ابن عمر هذا يعقوب بن الوليد، وقد كذَّبه أحمد وغيره كما ذكر الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب، غير أن هذا اللفظ: ((أوَّل وقتها)) مرويٌّ عن ابن مسعود بطرق صحيحة، وسيشير إليه المصنف. (٤) سنن الدراقطني ٢٤٦/١، ولفظه: سألتُ رسولَ اللهِ وَّه: أيُّ الأعمال أفضل، قال: ((الصلاة أول وقتها)». وإسناده صحيح. وهو في المسند (٣٨٩٠)، وصحيح البخاري (٥٢٧)، وصحيح مسلم (٨٥) بلفظ: ((الصلاة على وقتها))، وانظر الروايات الأخرى للفظة ((أول)) في التعليق على المسند. (٥) في (د) و(م): عن، والمثبت من (ظ) وهامش (ز)، وهو الصواب. (٦) سنن الدارقطني ٢٤٩/١- ٢٥٠، وهو من طريق إبراهيم بن زكريا، عن إبراهيم بن عبد الملك. وأخرجه أيضاً ابنُ عديّ في الكامل ٢٥٥/١، والبيهقي ٤٣٥/١. قال ابن عديّ: إبراهيم بن زكريا حدَّث عن الثقات بالبواطیل. اهـ وضغَّف البيهقي الحدیث ثم قال: رُوي هذا الحديث عن ابن عباس وجرير بن عبد الله وأنس مرفوعاً، وليس بشيء، وله أصل في قول الباقر. وقال ابن الجوزي في التحقيق ٢٨٧/١: قال أبو حاتم الرازي: إبراهيم بن زكريا مجهول، والحديث الذي رواه منکر. وقال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير ١/ ٩٠ : هو حدیث لا یصحُ من جمیع طرقه، قال أحمد: ليس هذا يثبت، وقال الحاكم: لا أحفظه من وجه يصحُّ ولا عن أحد من الصحابة، إنما الرواية فيه عن أبي جعفر الباقر والرواية التي أشار إليها الحاكم أخرجها البيهقي ٤٣٦/١. ٤٥٢ سورة البقرة : الآية ١٤٨ زاد ابنُ العربيّ(١): فقال أبو بكر: رضوانُ الله أحبُّ إلينا من عَفْوِهِ، فإنَّ رضوانَه عن المحسنين وعفْوَه عن المُقَصِّرين، وهذا ختيارُ الشافعيّ. وقال أبو حنيفة: آخِرُ الوقتِ أفضلُ؛ لأنه وقتُ الوجوب. وأمّا مالك ففضَّل القولَ: فأمَّا الصبحُ والمغربُ فأوَّلُ الوقت فيهما أفضلُ، أما الصبحُ فلحديث عائشةَ رضيَ الله عنها قالت: إنْ كان رسولُ الله ◌َيَ لَيصلِّي الصبحَ، فينصرفُ النساء مُتَلَفِّعاتٍ بمُرُوطِهِنَّ، ما يُعْرَفْنَ من الغَلَس. في رواية: مُتَلَفِّفات. وأمَّا المغربُ فلحديث سَلَمةَ بنِ الأكْوَعِ أنَّ رسولَ الله وَلِّ كان يُصلِّي المغربَ إذا غَرَبتِ الشمسُ وتوارَتْ بالحجاب. أخرجهما مسلم(٢). وأما العِشاءُ؛ فتأخيرُها أفضلُ لمن قَدَرَ عليه؛ روى ابنُ عمر قال: مَكَثْنا ليلةً ننتظرُ رسولَ اللهِ وَ﴿ لصلاة العشاء الآخرة، فخرجَ إلينا حين ذهبَ ثُلُثُ الليلِ أو بعدَه، فلا ندري؛ أشيءٌ شغَلَه في أهله، أو غيرُ ذلك، فقال حين خرج: ((إنكم لَتنتظرون صلاةً ما ينتظرُها أهلُ دِينٍ غيرُكم، ولولا أنْ يَثْقُلَ على أمَّي لَصلَّيتُ بهم هذه الساعةَ))(٣). وفي البخاري(٤) عن أنس قال: أخّرَ النبيُّ وَّهِ صلاةَ العِشاء إلى نصف الليل، ثم صلَّى ... ، وذكر الحديث. وقال أبو بَرْزَةً(٥): كان النبيُّ اَل یستحبُّ تأخيرها. وأمّا الظهر فإنها تأتي الناسَ غَفْلة، فيُستَحبُّ تأخيرُها قليلاً حتى يتأهّبُوا ويجتمعوا. قال أبو الفرج: قال مالك(٦): أوَّلُ الوقتِ أفضلُ في كلِّ صلاةٍ إلا الظهر(٧) (١) أحكام القرآن ١/ ٤٤. (٢) حديث عائشة برقم (٦٤٥): (٢٣٢)، وهو عند أحمد (٢٤٠٩٦)، والبخاري (٨٦٧)، وحديث سلمة بن الأكوع برقم (٦٣٦)، وهو عند أحمد (١٦٥٥٠)، والبخاري (٥٦١). (٣) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (٦٣٩)، وهو بنحوه عند أحمد (٤٨٢٦)، (٥٦١١)، والبخاري (٥٧٠). (٤) رقم (٥٧٢)، وهو عند أحمد (١٢٨٨٠)، ومسلم (٦٤٠). (٥) علَّقه البخاري بإثر الحديث (٥٧١)، وأبو برزة هو نضلة بن عبيد، صاحب النبي و *، أسلم قديماً، شَهِدَ فتحَ مكة، مات بمرو سنة (٦٤هـ). السير ٣/ ٤٠. (٦) الاستذكار ١٩٠/١. وأبو الفرج: هو عمرو بن محمد المالكي، له الكتاب المعروف بالحاوي في مذهب مالك، توفي سنة (٣٣١هـ). الديباج المذهب ٢/ ١٢٧. (٧) في (د) و(ز) و(م): للظهر، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للاستذكار. ٤٥٣ سورة البقرة : الآية ١٤٨ في شدّة الحرّ. وقال ابنُ أبي أُوَيْس: وكان مالك يكرهُ أنْ يصلِّيَ الظهرَ عند الزوال، ولكن بعد ذلك، ويقول: تلك صلاةُ الخوارج(١). وفي صحيح البخاريِّ وصحيح التِّرمذيِّ عن أبي ذَرِّ الغِفَاريِّ قال: كنا مع النبيِّينَله في سَفَر، فأرادَ المؤذِّنُ أنْ يُؤْذِّنَ للظهر، فقال النبيُّ وَهِ: ((أَبْرِذِ)) ثم أراد أنْ يُؤَذِّنَ، فقال له: ((أبْرِدْ)) حتى رأينا فَيْءَ التُّلُول، فقال النبيُّ وَّه : ((إنَّ شدّةَ الحرِّ من فَيْحِ جهنّم، فإذا اشتدَّ الحرُّ فأبْرِدُوا بالصلاة))(٢). وفي صحيح مسلم عن أنس أنَّ النبيَّ وَّه كان يصلِّي الظهرَ إذا زالتِ الشمس(٣). والذي يجمعُ بين الحديثين ما رواه أنس: أنه إذا كان الحرُّ أبْرَدَ بالصلاة، وإذا كان البردُ عَجَّلَ (٤). قال أبو عيسى الترمذيُّ(٥): وقد اختارَ قومٌ [من أهل العلم] تأخيرَ صلاةِ الظهر في شدَّة الحرِّ، وهو قولُ ابنِ المبارك وأحمد وإسحاق. قال الشافعي(٦): إنما الإبرادُ بصلاة الظهر إذا كان [مسجداً] ينتابُ أهله من البعد، فأمّا المُصَلِّي وحدَه والذي يصلِّي في مسجد قومه، فالذي أُحِبُّ له ألَّا يؤخِّرَ الصلاةَ في شدَّة الحرِّ. قال أبو عيسى: ومعنى من ذهبَ إلى تأخير الصلاة(٧) في شدّة الحرِّ هو أولى وأشبه بالاتّباع، وأمّا ما ذهب إليه الشافعيُّ رحمه الله أنَّ الرخصة لمن ينتابُ من البعد وللمشقّة على الناس، فإنَّ في حديث أبي ذَرّ رضي الله عنه ما يدُلُّ على خلاف ما قال الشافعيُّ. قال أبو ذرّ: كنّا مع النبيِّ وَهُ فِي سَفَر، فأذَّنَ بلالٌ بصلاة الظهر، فقال النبيُّ ◌َّ: ([يا بلال] أَبْرِدْ ثم أَبْرِدْ)). فلو كان الأمرُ على ما ذهب إليه الشافعيّ لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنًى، لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون أن يَنتابوا من البُعد. (١) ينظر الاستذكار ٣٤٩/١. (٢) صحيح البخاري (٥٣٩)، وسنن الترمذي (١٥٨)، وهو عند أحمد (٢١٣٧٦)، ومسلم (٦١٦)، والإبراد بالصلاة: التأخيرُ بها عن الحرِّ وشدته إلى أن يبردَ النهار، وتهبَّ الأرواح، وتفيء الأفياء، والفيح: سطوع الحر. إكمال المعلم ٢/ ٥٨٠-٥٨٢. (٣) صحيح مسلم (٢٣٥٩): (١٣٦) بنحوه مطولاً، وهو عند أحمد (١٢٣١١) (١٢٦٥٩) والبخاري (٥٤٠). (٤) أخرجه النسائي في الكبرى (١٤٩٧)، وابن عبد البر في التمهيد ٥/ ٧. (٥) السنن ٢٩٦/١-٢٩٧، وما بين حاصرتين منه. (٦) الأم ٦٣/١. (٧) في سنن الترمذي : ((الظهر)). ٤٥٤ سورة البقرة : الآيتان ١٤٩، ١٥٠ وأمَّا العصر فتقديمُها أفضلُ، ولا خلاف في مذهبنا أنَّ تأخير الصلاة رجاءً الجماعة أفضلُ من تقديمها، فإنَّ فضلَ الجماعة معلوم، وفضلَ أوَّل الوقت مجهول، وتحصيلُ المعلوم أوْلَى، قاله ابن العربي(١). الرابعة: قوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾ شرط، وجوابه: ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعَاً﴾ يعني يوم القيامة. ثم وصفَ نفسَه تعالى بالقدرة على كل شيء لتناسب الصفة مع ما ذُكِر من الإعادة بعد الموت والبِلَى(٢). قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلٍ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِّ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَّلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ رَّبِّكَّ وَمَا اَللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢) الْحَرَاءِّ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٍ لِقَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُبَّةُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَّخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (®﴾ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلَّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ اَلْحَرَارِ﴾ قيل: هذا تأكيدٌ للأمر باستقبال الكعبة واهتمامٌ بها، لأنَّ موقع التحويل كان صعباً(٣) في نفوسهم جدًّا، فأَّدَ الأمرَ ليرى الناسُ التَّهمُّم(٤) به، فيخفَّ عليهم وتَسكنَ نفوسُهم إليه. وقيل: أرادَ بالأول: وَلِّ وجهَك شَطْرَ الكعبة، أي: عايِنْها إذا صَلَّيتَ تلقاءها، ثم قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ﴾ معاشرَ المسلمين في سائر المساجد بالمدينة وغيرها ﴿فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾، ثم قال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يعني وجوبَ الاستقبال في الأسفار، فكان هذا أمراً بالتوجّه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض(٥). قلتُ: هذا القولُ أحسنُ من الأوَّل، لأنَّ فيه حَمْلَ كلِّ آية على فائدة. وقد روى الدَّارَقُطْنِيُّ عن أنس بن مالك قال: كان النبيُّ ◌َّ إذا كان في سفر، (١) أحكام القرآن ١/ ٤٥. (٢) المحرر الوجيز ٢٢٥/١. (٣) في النسخ: ((معتنى))، والمثبت من المحرر الوجيز ٢٢٥/١، والكلام منه. (٤) في (م): الاهتمام. (٥) ينظر تفسير الرازي ٤/ ١٥٤. ٤٥٥ سورة البقرة : الآيتان ١٤٩، ١٥٠ فأراد أنْ يُصلِّيَ على راحلته استقبلَ القبلةَ وكَبَّر، ثم صلَّى حيث توجَّهَتْ به. أخرجه أبو داود أيضاً(١)، وبه قال الشافعيُّ وأحمد وأبو ثور. وذهب مالك إلى أنَّه لا يلزمُه الاستقبال(٢)؛ لحديث ابن عمر قال: كان رسول الله وَل﴿ يصلِّي وهو مُقْبلٌ من مكةَ إلى المدينة على راحلته، قال: وفيه نزل ﴿فَأَتْنَمَا تُوَلُواْ فَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾(٣). وقد تقدم(٤). قلت: ولا تعارُضَ بين الحديثين؛ لأنَّ هذا من باب المطلق والمقيَّد، فقولُ الشافعيّ أُوْلَی، وحديث أنس في ذلك حديث صحيح. ويُروى أنَّ جعفر بن محمد سُئل: ما معنى تكرير القَصص في القرآن؟ فقال: عَلِمَ الله أنَّ كلَّ الناسِ لا يحفظُ القرآن، فلو لم تكن القصة مكرّرة لجاز أن تكون عند بعض الناس، ولا تكونَ عند بعض؛ فكُرِّرت لتكونَ عند مَن حَفِظَ البعضَ. قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُبَّةُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ قال مجاهد (٥): هم مشركو العرب، وحجّتُهم قولُهم: راجعتَ قبلتنا، وقد أجيبوا عن هذا بقوله: ﴿قُل لِلَِّ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ﴾. وقيل: معنى ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُبَّةُ﴾ لئلا يقولوا لكم: قد أُمِرتم باستقبال الكعبة ولستُم تَرَوْنها، فلما قال عز وجل: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾ زال هذا. وقال أبو عبيدة (٦): إن ((إلا)) هاهنا بمعنى الواو، أي: والذين ظلموا، فهو استثناء بمعنى الواو، ومنه قولُ الشاعر(٧): ما بالمدينة دارٌ غيرُ واحدةٍ دارُ الخليفة إلَّا دارُ مَرْوانًا (١) سنن الدارقطني ٣٩٦/١، وسنن أبي داود (١٢٢٥)، وهو في مسند أحمد (١٣١٠٩). (٢) ينظر المفهم ٢/ ٣٤٠. (٣) أخرجه أحمد (٤٧١٤)، ومسلم (٧٠٠). (٤) ٢/ ٣٢٤. (٥) أخرجه الطبري ٢/ ٦٨٧. (٦) مجاز القرآن ١/ ٦٠. (٧) هو الفرزدق، والبيت في الكتاب ٢/ ٣٤٠، والمقتضب ٤٢٥/٤. ٤٥٦ سورة البقرة : الآيتان ١٤٩ ، ١٥٠ كأنه قال: إلَّا دار الخليفة ودار مروان، وكذا قيل في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ فَلَهُمْ أَجُ غَيْرُ تَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أي: والذين(١) آمنوا. وأبطلَ الزجَّاج هذا القولَ(٢)، وقال: هذا خطأٌ عند الحُذَّاق من النحويِّين، وفيه بُطلان المعاني، وتكون ((إلا)) وما بعدها مستغنّى عن ذكرهما، والقولُ عندهم أنَّ هذا استثناءٌ ليس من الأوَّل، أي: لكن الذين ظلموا منهم فإنهم يحتجُّون. قال أبو إسحاق الزجَّاج(٣): أي: عرَّفكم الله أمرَ الاحتجاج في القِبلة في قوله: ﴿وَلِكُلِّ وِجْهَةُ هُوَ مُوَلِهَا﴾، ﴿لِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُبَّةُ﴾ إلَّا مَنْ ظلمَ باحتجاجه فيما قد وضَحَ له، كما تقول: مالكَ عليَّ حُجَّةٌ إلا الظلم، أو إلا أنْ تظلمَني، أي: مالك حجةٌ البتّةَ، ولكنك تظلمُني، فسَمَّى ظلمَه حُجَّة؛ لأنَّ المحتجّ به(٤) سمَّاه حجَّةً وإن کانت داحضة. وقال قُظْرُب(٥): يجوز أنْ يكونَ المعنى: لئلا يكونَ للناس عليكم حجةٌ إلّا على الذين ظلموا، فالذين بدل من الكاف والميم في ((عليكم)). وقالت فرقة: ((إلَّا الَّذين)» استثناء مثَّصل، رُوي معناه عن ابن عباس وغيره، واختاره الطبريّ(٦)، وقال: نَفَى الله أنْ يكونَ لأحد حُجّةٌ على النبيِّ وَلِّ وأصحابه في استقبالهم الكعبةَ. والمعنى: لا حُجَّةَ لأحدٍ عليكم إلا الحجةُ الداحضة؛ حيث قالوا: ما وَلَّهم؟ وتَحيَّر محمدٌ في دينه، وما تَوجَّهَ إلى قِبلتنا إلّا أنَّا كنَّا أهدى منه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلَّا مِن عابدٍ وَثَنٍ أو يهوديٍّ أو منافق. (١) في (م): الذين. (٢) لم نقف على كلامه في معاني القرآن له، وانظر معاني القرآن للفراء ٨٩/١، والطبري ٦٨٧/٢-٦٨٩. (٣) معاني القرآن له ١/ ٢٢٧. (٤) في النسخ الخطية: بها، والمثبت من (م). (٥) تفسير الرازي ١٥٨/٤. (٦) في تفسيره ٢/ ٦٨٧-٦٨٩. ٤٥٧ سورة البقرة : الآيتان ١٤٩، ١٥٠ والحجَّةُ بمعنى المحاجَّة، التي هي المخاصمة والمجادلة، وسَمَّاها الله حُجّةً، وحّكم بفسادها حيث كانت من ظَلَمة. وقال ابن عطية (١): وقيل: إنَّ الاستثناء منقطع، وهذا على أنْ يكونَ المرادُ بالناس اليهودَ، ثم استثنى كُفَّار العرب، كأنه قال: لكنِ الذين ظلموا یحاجُّونكم، وقوله ((مِنْهم)) يردّ هذا التأويل. والمعنى لكنٍ الذين ظلموا، يعني كفار قريش في قولهم: رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا كلِّه. ويدخل في ذلك كلُّ من تكلّم في النازلة من غير اليهود. وقرأ ابن عباس وزيد بنُ عليٍّ وابنُ زيد: ﴿أَلَا الَّذين ظلموا﴾ بفتح الهمزة وتخفيف اللام على معنى استفتاح الكلام، فيكون ((الذين ظلموا)) ابتداءً، أو على معنى الإغراء، فيكون ((الذين)) منصوباً بفعل مقدَّر(٢). قوله تعالى: ﴿فَلَ تَخْشَوْهُمْ﴾ يريد الناس ﴿وَأَخْشَوْنِ﴾ الخَشْيَةُ أصلُها طمأنينةٌ في القلب تبعثُ على الثَّوقِّي، والخوفُ: فَزَعُ القلب تَخِفُّ له الأعضاء، ولخِفَّة الأعضاء به سُمِّيَ خَوْفاً. ومعنى الآية التحقيرُ لكلِّ مَنْ سوى الله تعالى، والأمرُ باطّراح أمرِهم ومراعاة أمرِ الله تعالى(٣). قوله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾ معطوف على ((لِئَلَّا يَكُونَ)) أي: ولأنْ أُتِمّ، قاله الأخفش (٤). وقيل: مقطوع في موضع رفع بالابتداء، والخبرُ مضمر، التقدير: ولأُتِمَّ نعمتي علیکم عرَّفتكم قیلتي، قاله الزجاج(٥). (١) المحرر الوجيز ٢٢٥/١، والكلام الذي قبله منه. (٢) المحرر الوجيز ٢٢٥/١، وذكر هذه القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٠، وابن جني في المحتسب ١١٤/١ عن زيد بن علي. وذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٤٤١/١، ونسبها لابن عامر بدل ابن عباس. (٣) المحرر الوجيز ٢٢٦/١. (٤) معاني القرآن له ١/ ٣٤٤ بنحوه. (٥) معاني القرآن له ٢٧/١ بنحوه، وانظر المحرر الوجيز ٢٢٦/١. ٤٥٨ سورة البقرة : الآية ١٥١ وإتمامُ النعمة الهدايةُ إلى القِبْلة. وقيل: دخولُ الجنة(١)، قال سعيد بنُ جُبير: ولم تتمَّ نعمةُ الله على عبد حتى يُدخلَه الجنة(٢). و﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ تقدم(٣). قوله تعالى: ﴿كَمَّ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولَا مِّنِكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَلِنَا وَيُزَكِيْكُمْ ١٥١١ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَاْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَبُونَ قوله تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا﴾ الكاف في موضع نصب على النَّعت لمصدر محذوف؛ المعنى: ولأتم نعمتي عليكم إتماماً مثلَ ما أرسلنا، قاله الفراء(٤). قال ابن عطية (٥): وهذا أحسنُ الأقوال، أي: ولأُتّمَّ نعمتي عليكم في بيان سُنَّةٍ إبراهيمَ عليه السَّلام مثلَ ما أرسلنا. وقيل: المعنى: ولعلكم تهتدون اهتداءً مثلَ ما أرسلنا. وقيل: هي في موضع نصب على الحال، والمعنى: ولأُتَّمَّ نعمتي عليكم في هذه الحال(٦). والتشبيه واقع على أنَّ النعمة في القبلة كالنِّعمة في الرسالة، وأنَّ الذِّكْرَ المأمورَ به في عِظَمِه كعِظَم النعمة. وقيل: معنى الكلام على التقديم والتأخير، أي: فاذكروني کما أرسلنا. رُوي عن عليٍّ رضي الله عنه(٧) واختاره الزجَّاج (٨). أي: كما أرسَلْنا فيكم رسولاً تعرِفونه بالصدق، فاذكروني بالتوحيد والتصديق به. والوقْفُ على (تَهْتَدُونَ)) على هذا القول جائز (٩). (١) ينظر النكت والعيون ١/ ٢٠٧. (٢) أورده البغوي في تفسيره ١٢٨/١. (٣) ٢٤٦/١. (٤) لم نقف عليه في معانيه عند تفسير هذه الآية، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٧١/١. (٥) المحرر الوجيز ٢٢٦/١. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٧١/١. (٧) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ١٦٠/١. (٨) معاني القرآن له ١/ ٢٢٧. (٩) ينظر الوقف والابتداء للأنباري ٥٣٦/١، والمكتفى في الوقف والابتداء للداني ص ١٧٧، وفيهما أن الوقف تام على هذا القول. ٤٥٩ سورة البقرة : الآيتان ١٥٢، ١٥٣ قلت: وهذا اختيارُ الترمذيِّ الحكيم في كتابه، أي: كما فعلتُ بكم هذا من المِنَّن التي عدَدْتُها عليكم، فاذكروني بالشكر أذكُرْكم بالمزيد؛ لأنَّ في ذكركم ذلك شكراً لي، وقد وعدتُكم المزيدَ(١) على الشكر، وهو قوله: ﴿لَيْن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]؛ فالكاف في قوله: ((كما)) هنا، وفي الأنفال ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ [٥] وفي آخر الحِجر ﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِينَ ﴾﴾ متعلِّقةٌ بما بعده؛ على ما يأتي بيانه. قوله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرْكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِ وَلَا تَكْفُرُونِ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَّ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّخْبِينَ ١٥٣ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ١٥٢١ قوله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُونِّ أَذْكُرَكُمْ﴾ أمْرٌ وجوابُه، وفيه معنى المجازاةٍ، فلذلك جُزم. وأصلُ الذِّكر التَّنُّه بالقلب للمذكور والتيَقُّظ له، وسُمِّيَ الذِّكْرُ باللسان ذِكْراً لأنه دلالةٌ على الذِّكْرِ القلبيّ، غيرَ أنه لمَّا كثُر إطلاقُ الذِّكْر على القول اللسانيّ صار هو السابقَ (٢) للفهم(٢). ومعنى الآية: اذْكُروني بالطاعة أَذْكُرْكُم بالثواب والمغفرة، قاله سعيد بن جبير(٣). وقال أيضاً: الذِّكْرُ طاعةُ الله، فمَن لم يُطعه لم يذكره، وإنْ أكثرَ التسبيحَ والتهليلَ وقراءة القرآن (٤). ورُويَ عن النبيِّ وَِّ: ((من أطاعَ الله فقد ذكرَ الله وإنْ أقلَّ صلاتَه وصومَه وصَنِيعَه للخير، ومن عصى الله فقد نَسِيَ الله وإن کَثَّر صلاتَه وصومَه وصنيعَه للخير))(٥)؛ ذكره أبو عبد الله محمد بن خُوَيْزِ مَنداد في ((أحكام القرآن)) له. (١) في (م): بالمزيد. (٢) في (ظ): إلى الفهم. (٣) المحرر الوجيز ٢٢٦/١، وأخرجه الطبري ٦٩٥/٢، وذكره الواحدي في الوسيط ٢٣٤/١. (٤) ذكره الواحدي في الوسيط ٢٣٤/١. (٥) أخرجه الطبراني في الكبير ١٥٤/٢٢ من حديث واقد مولى رسول الله عليه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٥٨/٢ وقال: فيه الهيثم بن جِمَاز، وهو متروك. وأخرجه نعيم بن حماد في زوائده على زهد ابن المبارك (٧٠)، والواحدي في الوسيط ٢٣٤/١، والبيهقي في الشعب (٦٨٧) من حديث خالد بن أبي عمران عن النبي وح ليزر ، مرسلاً. ٤٦٠ سورة البقرة : الآيتان ١٥٢، ١٥٣ وقال أبو عثمان النَّهْدِيُّ: إني لأعلم الساعةَ التي يذكرنا الله فيها، قيل له: ومِن أين تعلَّمُها؟ قال: يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَذَكُونِّ أَذْ كُرَكُمْ﴾(١) . وقال السُّدِّيّ: ليس مِن عبدٍ يذكر الله إلا ذكره الله عزَّ وجلَّ، لا يذكره مؤمنٌ إلا ذكره الله برحمته، ولا يذكره كافرٌ إلا ذكره الله بعذاب(٢). وسُئل أبو عثمان فقيل له: نذكر الله ولا نجد في قلوبنا حلاوة؟ فقال: احمدوا الله تعالى على أن زَيَّن جارحةً من جوارحكم بطاعته(٣). وقال ذو النُّون المصريُّ رحمه الله: مَنْ ذكَرَ الله تعالى ذِكراً على الحقيقة نَسِيَ في جَنْب ذكرِه كلَّ شيء، وحَفِظَ الله عليه كلَّ شيء، وكان له عِوَضاً من كل شيء (٤). وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: ما عَمِلَ ابنُ آدَمَ من عملٍ أنجى له من عذاب الله من ذكر الله (٥). والأحاديثُ في فضل الذِّكْرِ وثوابِه كثيرةٌ؛ خرَّجها الأئمة؛ روى ابنُ ماجه (٦) عن عبد الله بن بُشْرٍ أن أعرابياً قال الرسول(٧) الله وَّجُ: إن شرائع الإسلام قد كَثُرَتْ عليَّ، فأنبثْني منها بشيء أتشَبَّث به(٨)، قال: ((لا يزالُ لسانُك رَطباً من ذكر الله عزَّ وجل)). وخرَّجَ عن أبي هريرةَ عن النبيِّ نَّه قال: ((إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحرَّكَتْ بِي شَفَتَاه))(٩). (١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣/ ٥٤٧. (٢) أخرجه الطبري ٦٩٦/٢. (٣) الرسالة القشيرية ١٥٩/٣. (٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧٠٧). والقشيري في الرسالة القشيرية ١٥٨/٣. (٥) هو عند الترمذي (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٣٧٩٠). وهو من رواية زياد بن أبي زياد عن معاذ رضي الله عنه كما هو مصرح به عند مالك ٢١١/١، وزياد لم يدرك معاذاً وانظر مسند أحمد (٢٢٠٧٩). (٦) برقم (٣٧٩٣)، وهو عند أحمد (١٧٦٩٨)، والترمذي (٣٣٧٥). (٧) في (ز) و(ظ): يارسول الله . (٨) في (د): أتثبت به، وهي موافقة لبعض الروايات كما في مسند أحمد. (٩) سنن ابن ماجه (٣٧٩٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٠٩٦٨)، وعلقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم قبل الحدیث (٧٥٢٤).