Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ سورة البقرة : الآية ١٢٤ فلكلِّ أصبع بُرْجُمتان، وثلاثُ رواجب إلا الإبهامَ، فإن لها بُرْجُمةً وراجبتين، فأمرَ بتنقيته لئلا يَدْرَن، فتبقَى فيه الجنابة، ويحولَ الدَّرَنُ بين الماء والبشرة(١). وأما قوله: ((نَظّفُوا لئَاتِكم)) فاللَّثة واحدة، واللِّئات جماعة، وهي اللَّحمة فوق الأسنان ودون الأسنان، وهي منابتُها، والعُمُور: اللَّحمة القليلة بين السِّنَّين، واحدها عَمْر. فأمرَ بتنظيفها لئلا يبقَى فيها وضَرُ(٢) الطعام، فتتغيرَ عليه النَّكْهة،، وتتنكَّرَ الرائحة، ويتأذَّى الملكانِ، لأنَّه طريقُ القرآن، ومَفْعَدُ الملكَيْنِ عند نابَيْه؛ ورُويَ في الخبر في قوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] قال: عند نابَيْه(٣)، حدَّثنا بذلك محمد بن عليّ الشّقيقي(٤) قال: سمعتُ أبي يذكر ذلك عن سفيان بن عُيينة، وجاد ما قال، وذلك أنَّ اللفظَ هو عملُ الشفتَيْن بلفظ(٥) الكلام عن لسانه إلى البراز. وقوله: ((لَدَيهِ)) أي: عنده، واللَّهُ(٦) والعِنْد في لغتهم السائرة بمعنى واحد، وكذلك قولهم: (لَدُن))، فالنون زائدة. فكأنَّ الآية تُنبئُ أنَّ الرقيب عَتِيدٌ عند ملفظ (٧) الكلام، وهو الناب. وأما قوله: ((تَسَنَّنُوا)) وهو السِّواك، مأخوذ من السِّنّ، أي: نَظّفُوا السِّنَّ. وقوله: ((لا تدخُلُوا عليَّ تُخْراً بُخْراً)) فالمحفوظ عندي(٨): قُحْلاً وقُلْحاً، وسمعتُ الجارود يذكر عن النَّضر قال: الأَقْلحُ: الذي قد اصفرَّت أسنانُه حتى بَخِرَتْ من باطنها، ولا أعرف القخر. والبَخَر: الذي(٩) تجدُ له رائحةً منكرة لبشرته، يقال: (١) نوادر الأصول ص٤٥. (٢) الوَضر: الدَّرَن والدَّسم. (٣) وذكر السيوطي في الدرّ المنثور ١٠٣/٦ رواية أخرى، وفيها: على الناجذين! وليس في مثل هذه الروايات ما يصح. (٤) أبو عبد الله المروزي، قدم بغداد، وحدّث بها عن أبيه، وهو وأبوه ثقتان من رجال التهذيب. توفي سنة (٢٠٥ هـ). (٥) في (خ) و(م): يلفظ. (٦) في (م): واللَّدَى، وهما بمعنى. انظر الصحاح (لدن). (٧) في (د): عبر بلفظ، وفي (ظ): عند تلفظ، وتحرفت في (م) إلى: مغلظ. (٨) القائل هو الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص٤٥. (٩) في (د) ونوادر الأصول: إلا الذي. ٣٦٢ سورة البقرة : الآية ١٢٤ رجلٌ أبخر، ورجال بُخْر؛ حدَّثنا الجارود قال: حدَّثنا جرير، عن منصور، عن أبي عليّ، عن جعفر(١) بن تمَّام بن العباس، عن أبيه قال: قال رسول الله إليه: (اسْتَاكُوا، مالكم تدخلون عليَّ قُلْحاً))(٢). الحادية عشرة: في قصّ الشارب، وهو الأَخْذُ منه حتى يبدوَ طَرَفُ الشَّفَة، وهو الإطار، ولا يجزَّه فيمثِّلَ بنفسه (٣)، قاله مالك (٤). وذكر ابنُ عبد الحكم عنه قال: وأرى أنْ يُؤذَّبَ مَنْ حَلَقَ شاربَهِ، وذكر أشهبُ عنه أنَّه قال في حَلْق الشارب: هذه بِدع، وأرى أنْ يُوجَعَ ضرباً مَنْ فَعَلَه. وقال ابنُ خُوَيْزِ منداد: قال مالك: أرى أنْ يَوجَعَ مَنْ حَلَقَه ضرباً. كأنه يراه مُمثِّلا بنفسه، وكذلك بنّتْفِهِ الشعرَ، وتقصيرُه عنده أولى مِن حَلْقِه. وكذلك رُويّ عن النبيِّ ◌َ﴿ أنَّه كان ذا لمة(٥)، وكان أصحابُه من بين وافر الشَّعَر أو مُقَصِّر، وإنَّما حَلَق وحَلَقوا في النُّسُك. ورُوِيَ أنَّ رسول الله وَّله كان يَقُصُّ أظافرَه وشاربَه قبل أنْ يخرجَ إلى الجمعة (٦). وقال الطحاويّ: لم نجد عن الشافعي في هذا شيئاً منصوصاً، وأصحابُه الذين (١) في النسخ: عن أبي جعفر، وهو خطأ، والتصويب من مصادر الحديث وكتب الرجال. (٢) أخرجه أحمد (١٨٣٥) و(١٥٦٥٦)، والطبراني في الكبير (١٣٠٢) (١٣٠٣). أبو علي - وهو الصيقل - مجهول، فيما نقل الذهبي في ميزان الاعتدال ٥٥٤/٤ عن أبي السكن، ثم إن رواية تمام بن العباس (والد جعفر) عن النبي 98 مرسلة، كما نقل الحافظ ابن حجر عن ابن حبان في الإصابة ٣١٠/١، وقال الحافظ: ولا يحفظ له عن النبي وال * رواية من وجه ثابت. ثم ذكر الاختلاف في هذا الحديث. وانظر سنن البيهقي ٣٦/١، وتعجيل المنفعة ٣٦٢/١. (٣) في النسخ: نفسه، والمثبت من التمهيد. (٤) الموطأ ٩٢٢/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عبد البر في التمهيد ٦٣/٢١ -٦٤. (٥) أخرجه أحمد (١٨٥٥٨)، والبخاري (٣٥٥١)، ومسلم (٢٣٣٧) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه. واللِّمَّة: الشعر يجاوزُ شحمة الأذن. الصحاح (لمم). (٦) أخرجه البزار (٦٢٣) (زوائد)، والطبراني في الأوسط (٨٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١٧٠، وقال: فيه إبراهيم بن قدامة، قال البزار: ليس بحجة إذا تفرّد بحدیث، وقد تفرّد بهذا. ٣٦٣ سورة البقرة : الآية ١٢٤ رأيناهم: المُزَنِيُّ والربيعُ كانا يُحْفِيان شواربَهما، ويدلُّ ذلك أنَّهما أخذا ذلك عن الشافعيِّ رحمه الله تعالى. قال: وأمَّا أبو حنيفة وزُفَر وأبو يوسف ومحمد؛ فكان مذهبُهم في شعر الرأس والشارب أنَّ الإحفاءَ أفضلُ من التقصير. وذكر ابن خُوَيْزِ منداد عن الشافعيّ أنَّ مذهبه في حَلْق الشارب كمذهب أبي حنيفة سواء. وقال أبو بكر الأَثْرَم: رأيتُ أحمد بن حنبل يُحْفِي شاربَه شديداً، وسمعتُه يُسألُ(١) عن السُّنَّة في إحفاء الشارب، فقال: يُخْفَى كما قال النبيُّ وَّهِ: ((أَخْفُوا الشَّوارب))(٢). قال أبو عمر (٣): إنَّما في هذا الباب أصلان: أحدهما: أَخْفُوا الشوارب(٤)، وهو لفظ [مُجْمَلٌ] مُحتمِلُ التأويل(٥). والثاني: قَصُّ الشارب، وهو مفسَّر، والمفسَّر يقضي على المجمل، وهو عملُ أهل المدينة، وهو أَوْلى ما قيل به في هذا الباب؛ روى الترمذيُّ عن ابن عباس قال: كان رسولُ اللهِ وَاهـ يقصُّ مِن شاربه ويقول(٦): إن إبراهيمَ خليلَ الرحمن كان يفعلُه. قال: هذا حديثٌ حسن غريب(٧). وخرَّج مسلم (٨) عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ قال: «الفِطْرةُ خمسٌ: الاخْتِتَانُ، والاسْتِخداد، وقَصُّ الشَّارِبِ، وتقليمُ الأَظْفار، ونَتْفُ الإبْط)). وفيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صل﴾: ((خالِفُوا المشركين؛ أَحْفُوا (١) في (م): سئل. (٢) أخرجه أحمد (٤٦٥٤)، والبخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (٣) في التمهيد ٦٦/٢١، وما قبله منه ٦٤/٢١. (٤) قوله: الشوارب، ليس في (م). (٥) في (د): يحتمل التأويل، وفي (ظ): محتمل على التأويل، وفي التمهيد ٦٦/٢١: محتمل للتأويل، وما بین حاصرتین منه. (٦) يعني ابنَ عباس. (٧) سنن الترمذي (٢٧٦٠)، وهو في المسند (٢٧٣٨). ولفظه: كان النبي ﴿ يقصُّ أو يأخذُ من شاربه، وكان إبراهيم خليل الرحمن يفعله. وهو من رواية سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله. ورواية سماك عن عكرمة مضطربة، كما ذكر الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب. (٨) في صحيحه (٢٥٧): (٥٠)، وهو عند أحمد (٧١٣٩)، والبخاري (٥٨٩١). ٣٦٤ سورة البقرة : الآية ١٢٤ الشواربَ، وأوْفُوا اللُّحَى))(١). والأعاجم يقصُّون لحاهم، ويوفّرون شواربهم، أو يوفرونهما معاً، وذلك عَكْسُ الجمال والنظافة(٢). ذكر رَزِينٌ عن نافع أنَّ ابنَ عمر كان يُحفِي شاربَه حتى ينظرَ إلی الجلد، ويأخذٌ هذَيْن، يعني مابين الشارب واللِّحية(٣). وفي البخاري(٤): وكان ابنُ عمر يأخُذ من طولٍ لحيته ما زاد على القبضة إذا حجَّ أو اعتمر. وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّ رسول الله وَلِ كان يأخذُ من لحيته مِن عَرْضها وطولها. قال: هذا حديث. غريب(٥). الثانية عشرة: وأما الإِبْطُ فسُنَّتُّه النَّتْفُ، كما أنَّ سُنَّةَ العانةِ الحَلْقُ، فلو عَكَسَ جاز لحصول النظافة(٦)، والأوَّل أوْلى؛ لأنَّه المتيسِّر المعتاد. الثالثةَ عشرة: وفَرْقُ الشعر: تفريقُه في المَفْرِق، وفي صفته وَّهِ: إن انفرقَتْ عَقِيصَتُهُ فَرَق(٧). يقال: فرقتُ الشعرَ أَفْرُقُه فَرْقاً، يقول: إنِ انفرقَ شعرُ رأسه فَرَقه في (١) صحيح مسلم (٢٥٩): (٥٤)، وهو عند البخاري (٥٨٩٢). قوله: أوفوا: أي اتركوها وافية. فتح الباري ٣٥٠/١٠. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٣٧. (٣) علَّقه البخاري قبل حديث (٥٨٨٨)، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٣١/٤ من طريق عاصم بن محمد عن أبيه عن ابن عمر، دون قوله: ويأخذ هذين ... وانظر فتح الباري ٣٣٥/١٠. (٤) في صحيحه بإثر الحديث (٥٨٩٢). (٥) سنن الترمذي (٢٧٦٢) وفي إسناده عمر بن هارون، قال الترمذي: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث، لا أعرف له حديثاً ليس له أصل - أو قال: يتفرد به - إلا هذا الحديث ... ولا نعرفه إلا من حديث عمر بن هارون. ورأيتُه حسن الرأي في عمر بن هارون. (٦) ينظر المفهم ٥١٣/١. (٧) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ٤٢٢، وابن قتيبة في غريب الحديث (١٢٠)، وابن حبان في الثقات ١٤٥/٢، والطبراني في الكبير ٢٢/ (٤١٤)، والبيهقي في الشعب (١٤٣٠)، وهو جزء من حديث طويل في وصف النبي 18 من حديث الحسن بن علي عن هند بن أبي هالة، وقد تكلم ابن حبان في إسناده فقال: ليس له في القلب وقع. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٧٨/٨: وفيه من لم يسمّ. والعقيصة: الشعر المعقوص، وهو نوع من المضفور. النهاية (عقص). وعند ابن قتيبة: عقيقتُه، وقال في شرحها: أصل العقيقة شعر الصبي قبل أن يُحلق، فإذا حُلق ونبت ثانية؛ فقد زال عنه اسم العقيقة، = ٣٦٥ سورة البقرة : الآية ١٢٤ مَفْرِقه، فإنْ لم ينفرق، تركه وفْرَةً واحدة؛ خرَّج النسائيّ(١) عن ابن عباس، أن رسول الله﴿ كان يَسْدِلُ شعرَه، وكان المشرکون یَفْرُقون شُعورهم، وکان یحبُّ موافقةَ أهلِ الكتاب فيما لم يُؤمَرْ فيه بشيء، ثم فَرَقَ رسولُ الله ◌َل# بعد ذلك. أخرجه البخاريُّ ومسلم عن أنس(٢). قال القاضي عياض: سَدْلُ الشعر إرسالُه، والمرادُ به هاهنا عند العلماء إرسالُه على الجبين، واتخاذُه كالقُصَّة، والفَرْقُ في الشعر سُنَّة، لأنه الذي رجَعَ إليه النبيُّ وَّهِ. وقد رُوِيّ أن عمر بن عبد العزيز كان إذا انصرفَ من الجمعة أقامَ على باب المسجد حَرساً يَجِزُّون ناصية كلِّ مَن لم يَفْرُق شعره(٣). وقد قيل: إنَّ الفَرْقَ كان من سُنَّة إبراهيم عليه السلام(٤)، فالله أعلم. الرابعةَ عشرة: وأما الشَّيْبُ فنُورٌ، ويُكرِه نَتْفُه، ففي النَّسائي وأبي داودَ من حديث عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسولُ اللهِوَله: ((لا تنتفوا الشيبَ، ما مِن مسلم يَشِيبُ شَيْبَةً في الإسلام إلا كانت له نوراً يومَ القيامة، وكتبَ الله له حسنةً وحَظَ (٥) عنه خطيئة))(٦). قلتُ: وكما يُكره نتفُه، كذلك يُكره تغييرُه بالسواد، فأمَّا تغييرُه بغير السواد = وإنما سُمّي الذبح عن الصبي يوم السابع من مولده عقيقة باسم الشعر، لأنه يُحلق في ذلك اليوم وربما سمّي الشعر عقيقة بعد الحلق على الاستعارة، وبذلك جاء هذا الحديث. (١) المجتبى ١٨٤/٨، وهو في مسند أحمد (٢٦٠٥). (٢) صحيح البخاري (٣٥٥٨)، ومسلم (٢٣٣٦)، وهو عندهما من حديث ابن عباس، وليس من حديث أنس كما ذكر المصنف. وهو في مسند أحمد (٢٦٠٥)، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٧٦/٧ : وأغرب حمّاد بن خالد، فرواه عن مالك عن الزُّهري عن أنس. قال أحمد بن حنبل: أخطأ فيه حمّاد بن خالد، والمحفوظ عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عبّاس. (٣) إكمال المعلم ٧/ ٣٠٢، وخبر عمر بن عبد العزيز أخرجه أيضاً ابن عبد البر في التمهيد ٦ / ٧٦-٧٧. (٤) في (ز) زيادة: كما تقدم في خصال الفطرة. وهذا قد تقدم في حديث ابن عباس في المسألة الثالثة، وينظر التمهيد ٦/ ٧٥. (٥) في (خ) و(ظ): وحطت. (٦) سنن أبي داود (٤٢٠٢)، وهو عند النسائي في المجتبى ١٣٦/٨، والكبرى (٩٢٨٥) مختصر، ولفظه: أن رسول الله وَ ل9 نهى عن نتف الشيب. وأخرجه أحمد (٦٦٧٣) (٦٦٧٥). ٣٦٦ سورة البقرة : الآية ١٢٤ فجائز؛ لقوله وَل﴿ في حقِّ أبي قُحَافة - وقد جيءَ به ولحيتُه كالثَّغَامَةِ بياضاً -: ((غَيِّرُوا هذا بشيءٍ، واجتنبوا السَّواد))(١). ولقد أحسنَ من قال: نُسوِّدُ أعلاها ويبيضُّ أصلُها ولا خير في الأعلى إذا فَسَد الأصلُ(٢) وقال آخر: ياخاضِبَ الشَّيبِ بالحِنَّاء تَسْتُرُه سَلِ المَليكَ له سِتْراً من النار (٣) الخامسةَ عشرة: وأما الثريدُ فهو أزكى الطعام وأكثرُه بركةً، وهو طعامُ العرب، وقد شهدَ له النبيُّ وَّر بالفضل على سائر الطعام فقال: ((فَضْلُ عائشةَ على النساء كَفَضْلِ الثَّرِيدِ على سائر الطعام)» (٤). وفي صحيح البُستيِّ(٥)، عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت إذا تَرَدَتْ غّته شيئاً(٦) حتى يذهبَ فَوْرُه، وتقول: إنِّي سمعتُ رسول الله وَ لَه يقول: ((إنَّه أَعْظَمُ للبركة)). السادسةَ عشرة: قلتُ: وهذا كلُّه في معنى ما ذكره عبد الرزاق عن ابن عباس، وما قاله سعيد بن المسيِّب وغيره(٧). ويأتي ذكر المضمضة والاستنشاق والسواك في سورة (النساء)»، وحكْمُ الاستنجاء في (براءة))، وحكم الضيافة في ((هود)) إنْ شاء الله تعالى(٨). (١) أخرجه أحمد (١٤٤٠٢)، ومسلم (٢١٠٢): (٧٩)، من حديث جابر رضي الله عنه. أبو قُحافة: هو عثمان بن عامر والد أبي بكر الصديق رضي الله عنه. والثَّغامة: نبت أبيضُ الزَّهر والثمر، يُشبَّه به الشيب، وقيل: هي شجرة تبيّضُّ كأنها الثلج. النهاية (ثغم). (٢) في (ظ) و(م): يسود، والمثبت من (د) و(ز)، وأورده ابن عبد البر في التمهيد ٢١/ ٨٥ ونسبه لعقبة بن عامر، وفيه: وتابی أصولها .. (٣) لم نقف عليه، وذكره البيهقي في الزهد ص٢٤٨. (٤) أخرجه أحمد (١٣٧٨٥)، ومسلم (٢٤٤٦) من حديث أنس رضي الله عنه. وأخرجه البخاري (٣٤١١) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. (٥) صحيح ابن حبان (٥٢٠٧)، وهو في مسند أحمد (٢٦٩٥٨). (٦) في (ز) زيادة: يسيراً. (٧) تقدمت هذه الأقوال في المسألة الثالثة. (٨) الآية (٤٣) من سورة النساء، والآية (١٠٨) من سورة براءة، والآية (٦٩) من سورة هود. ٣٦٧ سورة البقرة : الآية ١٢٤ وخرَّجَ مسلم(١) عن أنس قال: وُقْتَ لنا في قصِّ الشارب وتقليم الأظفار ونَتْفٍ الإبْط وحَلْق العانة ألا نَتْرُك أكثرَ من أربعين ليلةً(٢). قال علماؤنا: هذا تحديدٌ في أكثر المدة، والمستحبُّ تفقُّد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، وهذا الحديثُ يرويه جعفر بنُ سليمان. قال العقيليُّ: في حديثه نظر. وقال أبو عمر فيه: ليس بحجّة، لسوء حفظه وكثرة غلطه(٣). وهذا الحديث ليس بالقويِّ من جهة النقل، ولكنَّه قد قال به قوم، وأكثرُهم على ألَّ توقيتَ في ذلك. وبالله التوفيق(٤). السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا﴾ الإمام: القُدْوة، ومنه قيل لَخَيْطِ البَنَّاء: إمام، وللطريق: إمام، لأنَّه يُؤمُّ فيه للمسالك، أي: يُقصد. فالمعنى: جعلناك للناس إماماً يأتمُّون بك في هذه الخِصال، ويقتدي بك الصالحون. فجعله الله تعالى إماماً لأهل طاعته، فلذلك اجتمعت الأممُ على الدعوى فيه - والله أعلم - أنَّه كان حنيفاً (٥). الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَ مِن ذُرِّيٌَّ﴾ دعاء على جهة الرَّغْباء إلى الله تعالى، أي: من ذُرِّيَّتي ياربِّ فاجعلْ. وقيل: هذا منه على جهة الاستفهام عنهم، أي: ومن ذريتي ياربّ ماذا يكون؟ فأخبره الله تعالى أنَّ فيهم عاصياً وظالما لا يَستَحِقُّ الإمامة(٦)؛ قال ابن عبّاس: سأل إبراهيمُ عليه السلامُ أنْ يُجعَلَ من ذُرِّيَّته إمامٌ، فأعلمه الله أنَّ في ذُرِّيَّته من يعصي فقال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّالِمِينَ﴾(٧). (١) برقم (٢٥٨)، وهو عند أحمد (١٢٢٣٢). (٢) في (د): يوماً وليلة. (٣) المفهم ٥١٥/١، وكلام العقيلي لم نجده في ((الضعفاء)) له ١٨٨/١ عند ترجمه جعفر بن سليمان، وتعقب النوويُ في شرح مسلم ٣/ ١٥٠ کلام العقليّ وأبي عمر بن عبد البرِّ، فقال: قد وثق کثیر من الأئمة المتقدمين جعفرَ بنَ سليمان، ويكفي في توثيقه احتجاجُ مسلم به، وقد تابعه غيرُه. (٤) الاستذكار ٢٤٣/٢٦، والتمهيد ٦٨/١. (٥) ينظر المحرر الوجيز ٢٠٦/١، والصحاح (أمم). (٦) المحرر الوجيز ٢٠٦/١، والنكت والعيون ١٨٥/١. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٩/١، وفيه: ((فعلم الله)) بدل: ((فأعلمه الله)). ٣٦٨ سورة البقرة : الآية ١٢٤ التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّقٌ﴾ أصل ذُرِّيَّة: فُعْليَّة من الذَّرّ، لأنَّ الله تعالى أخرجَ الخلقَ من صُلْب آدمَ عليه السلام كالذَّرِّ حين أشهدَهم على أنفسهم، وقيل: هو مأخوذ من: ذرَأَ الله الخلقَ يذرؤهم ذَرْءاً: خَلَقَهم، ومنه الذَّرِّية، وهي نَسْلُ الثَّقْلَين، إلا أنَّ العربَ تركت همزها، والجمع الذَّرارِيّ(١). وقرأ زيد بنُ ثابت: ((ذِرِّية)) بكسر الذال و((ذَرِّيَّة)) بفتحها؛ قال ابن جِنِّي أبو الفتح عثمان: يَحتمِل أصلُ هذا الحرف أربعةَ ألفاظ: أحدها: ذَرَأَ، والثاني: ذَرَرَ. والثالث: ذَرَوَ، والرابع: ذَرَى، فأمَّا الهمزة فمن: ذَرَأَ الله الخلقَ، وأما ذَرَر فمن لفظٍ الذَّرّ ومعناه، وذلك لما ورد في الخبر: ((أنَّ الخَلْقَ كان كالذَّرّ))، وأما الواو والياء، فمن: ذَرَوْتُ الحَبَّ وذَرَيْتُه، يقالان جميعاً، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُوهُ الرَّجُ﴾ [الكهف: ٤٥] وهذا للطفه وخِفَّته، وتلك حالُ الذَّ أيضاً(٢). قال الجوهري(٣): ذَرَتِ الريحُ الترابَ وغيرَه تَذْرُوه وتَذْرِيه ذَرْواً وذَرْياً، أي: سَفَتْه(٤)، ومنه قولهم: ذَرَى الناسُ الحنطة، وأذريتُ الشيءَ: إذا ألقيتَه، كإلقائك الحبَّ للزرع. وطَعَنه فأذراه عن ظهر دابته، أي: ألقاه. وقال الخليل: إنَّما سُمُّوا ذُرِّيَّةً، لأنَّ الله تعالى ذرأها على الأرض كما ذرأ الزارعُ البَذْر. وقيل: أصل ذُرِّيّة: ذُرُّورة، لكن لمَّا كثر التضعيف أبدل من إحدى الراءات ياءً، فصارت ذُرُّويَةٍ، ثم أُدغمت الواو في الياء، فصارت ذُرِّيَّة(٥). (١) تهذيب اللغة ٤٠٥/١٤، والصحاح (ذرأ). والخبر المذكور أخرجه أحمد (٢٤٥٥)، والنسائي في الكبرى (١١١٩١)، والحاكم ٢٧/١ و٥٤٤/٢ وصححه من حديث ابن عباس مرفوعاً. وأخرجه الطبري ٥٤٩/١٠ عن ابن عباس موقوفاً. ورجَّح ابن كثير عند تفسير الآية (١٧٢) من سورة الأعراف وقفه على ابن عباس. (٢) المحتسب ١٥٦/١، وفيه ذكر قراءة زيد بن ثابت، وذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٩، والخبر سلف تخريجه. (٣) الصحاح (ذرا). (٤) في (خ)، و(ظ)، و(م): نسفته، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق لما في الصحاح (ذرا). (٥) المحتسب ١٥٩/١، وتهذيب اللغة ٤٠٥/١٤، ونسب ابن الجوزي هذا القول في زاد المسير ١٢٤/١ للزجاج. ٣٦٩ سورة البقرة : الآية ١٢٤ والمرادُ بالذُّرِّيَّة هنا الأبناءُ خاصَّةً، وقد تُطلق على الآباء والأبناء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَلْنَا ذُرِيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١] يعني آباءهم(١). الموفية عشرين: قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ اختلف في المراد بالعَهْد، فروى أبو صالح عن ابن عباس أنَّه النبوّة، وقاله السُّدِّيّ. مجاهد: الإمامة. قتادة: الإيمان. عطاء: الرحمة. الضَّحاك: دين الله تعالى. وقيل: عهده أمره(٢). ويطلق العهدُ على الأمر؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنَا﴾ [آل عمران: ١٨٣] أي: أمرنا. وقال: ﴿أَلَزْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّ ءَدَمَ﴾ [يس: ٦٠]، يعني ألم أقدِّم إليكم الأمر به(٣)، وإذا كان عهدُ الله هو أوامرَه فقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يجوزُ أنْ يكونوا بمحلِّ مَن يُقبل منهم أوامر الله ولا يقيمون عليها، على ما يأتي بيانه بعد هذا آنفاً إنْ شاء الله تعالی. وروى مَعْمَر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى اُلَّلِمِينَ﴾ قال: لا ينالُ عهدَ الله في الآخرة الظالمون(٤)، فأمَّا في الدنيا فقد نالَه الظالم فأمِنَ به، وأكلَ وعاشَ وأبصر. قال الزجاج: وهذا قول حسن، أي: لاينال أماني الظالمين، أي: لا أُؤمِّنُهم من عذابي. وقال سعيد بن جُبير: الظالم هنا المشرك(٥). وقرأ ابن مسعود وطَلْحة بن مُصَرِّف: ﴿لا ينالُ عهدي الظالمون﴾ برفع ((الظالمون))(٦)، الباقون بالنصب. وأسكن حمزة وحفص وابن مُحَيْصِن الياء في ((عهدي))، وفتحها الباقون(٧). (١) ينظر الوسيط للواحدي ٢٠٣/١. (٢) الطبري ٢/ ٥١١-٥١٣، وابن أبي حاتم ٣٦٦/١، والنكت والعيون ١٨٥/١، وزاد المسير ١٤٠/١، وقول قتادة: ((الإيمان)) كذا في النسخ، ولعله محرَّف عن ((الأمان)) كما في الطبري والمحرر الوجيز ٢٠٧/١. (٣) ينظر تفسير البغوي ٣٨٠/١، ١٦/٤. (٤) في النسخ: الظالمين، والمثبت من تفسير عبد الرزاق ٥٨/١، وتفسير الطبري ٥١٤/٢. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٣٦٧/١. (٦) القراءات الشاذة ص٩، ولم نقف على قراءة طلحة بن مصرف. (٧) تفسير البغوي ١١٢/١. وانظر السبعة ص١٩٦-١٩٧، والتيسير ص٦٦-٦٧. وابن محيصن ليس من القراء العشرة، بل هو أحد أصحاب القراءات الأربعة الشاذة. ٣٧٠ سورة البقرة : الآية ١٢٤ الحادية والعشرون: استدلَّ جماعة من العلماء بهذه الآية على أنَّ الإمامَ يكون من أهل العدل والإحسان والفضل مع القوَّة على القيام بذلك، وهو الذي أمرَ النبيُّ وَّل ألا يُنازِعُوا الأمرَ أهلَه، على ما تقدَّم من القول فيه(١). فأما أهلُ الفسوق والجَوْر والظلم، فليسوا له بأهل؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ﴾ ولهذا خَرَجَ ابنُ الزُّبير والحسينُ بن عليّ رضي الله عنهم، وخرجَ خِيارُ أهل العراق وعلماؤُهم على الحجّاج، وأخرجَ أهلُ المدينة بني أميَّة وقاموا عليهم، فكانت الحَرَّة التي أوقعَها بهم مسلم بن عقبة(٢). والذي عليه الأكثرُ من العلماء أنَّ الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه، لأنَّ في منازعته والخروجِ عليه استبدالَ الأمن بالخوف، وإراقةً الدماء، وانطلاقَ أيدي السفهاء، وشَنَّ الغارات على المسلمين، والفسادَ في الأرض. والأولُ مذهب طائفة من المعتزلة، وهو مذهبُ الخوارج، فاعلمه(٣). الثانية والعشرون: قال ابن خُوِيْزِ مَنْداد: وكلُّ من كان ظالماً لم يكن نبياً ولا خليفةً ولا حاكماً ولا مُفْتِياً، ولا إمامَ صلاة، ولا يُقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تُقبل شهادتُه في الأحكام، غيرَ أنَّه لا يُعزل بفسقه حتى يعزلَه أهلُ الحَلّ والعَقْد. وما تقدم من أحكامه موافقاً للصواب ماضٍ غيرُ منقوض. وقد نصَّ مالك(٤) على هذا في الخوارج والبُغاة أنَّ أحكامهم لا تُنقض إذا أصابوا بها وجهاً من الاجتهاد، ولم يخرقوا الإجماع، أو يخالفوا النصوص. وإنما قلنا ذلك لإجماع الصحابة، وذلك أن الخوارج قد خرجوا في أيامهم ولم يُنقل أن الأئمة تتبّعوا أحكامَهم، ولا نقضوا شيئاً منها، ولا أعادوا أخذَ الزكاة، ولا إقامة الحدود التي أخذوا وأقاموا، فدل على أنَّهم إذا أصابوا وجهَ الاجتهاد لم يُتعرَّض لأحكامهم. (١) ٤٠٦/١. (٢) في النسخ الخطية و(م): عقبة بن مسلم، وهو خطأ، وانظر الخبر في تاريخ الطبري ٤٨٣/٥، والكامل لابن الأثير ١١٢/٤، والبداية والنهاية ٢٣٤/٦ و٢١٨/٨. وقد كان مسلم هذا قائد السرية التي بعثها يزيد إلى أهل المدينة حين خلعوه، وإنما يسميه السلف: مسرف بن عقبة. (٣) الاستذكار ٣٩/١٤-٤١، وانظر التمهيد ٢٧٨/٢٣-٢٧٩. (٤) انظر المدونة ٤٨/٢. ٠٫٠ ٣٧١ سورة البقرة : الآية ١٢٥ الثالثة والعشرون: قال ابن خُوَيْزِ منداد: وأمَّا أخذُ الأرزاق من الأئمة الظّلمة فلذلك ثلاثة أحوال : إنْ كان جميع ما في أيديهم مأخوذاً على موجب الشريعة فجائزٌ أخذُه، وقد أخذت الصحابةُ والتابعون من يد الحجّاج وغيره. وإنْ كان مختلطاً حلالاً وظلماً كما في أيدي الأمراء اليوم فالورع تركُه، ويجوزُ للمحتاج أخذه، وهو کلصٍّ في يده مالٌ مسروق، ومالٌ جدِّد حلال قد وگّله فیه رجل، فجاء اللصُّ يتصدَّق به على إنسان، فيجوز أن تؤخذَ منه الصدقة، وإنْ كان قد يجوز أنْ يكون اللصُّ يتصدَّق ببعض ما سَرَق، إذا لم يكن شيءٌ معروف بنهب، وكذلك لو باع أو اشترى، كان العَقْدُ صحيحاً لازماً - وإنْ كان الورعُ التنزُّه عنه - وذلك أنَّ الأموال لا تُحرَّم بأعيانها، وإنَّما تُحرَّم لجهاتها. وإنْ كان ما في أيديهم ظُلْماً صُراحاً فلا يجوز أنْ يؤخَذَ من أيديهم، ولو كان ما في أيديهم من المال مغصوباً غيرَ أنَّه لا يُعرف له صاحب ولا مُطالب، فهو كما لو وُجد في أيدي اللصوص وقُطَّاع الطريق، ويُجعل في بيت المال، ويُنتظر طالبُه بقدر الاجتهاد، فإذا لم يُعرف صَرَفه الإمام في مصالح المسلمين. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلٌّ وَعَهِدْنَّاً إِلَى إِبْرِهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَن ◌َهِّرَا بَيْتِىَ لِلَّيِفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٥) قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنَا﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا﴾ بمعنى صَيَّرْنا، لتعدِّيه إلى مفعولين، وقد تقدم(١). ﴿ اَلْبَيْتَ﴾ يعني الكعبة. ﴿ مَثَابَةٌ﴾ أي: مرجعاً؛ يُقال: ثابَ يثوبُ مَثاباً ومَثابةً وثؤوباً وثَوَباناً. فالمثابةٌ مصدرٌ وصِف به، ويُراد به الموضعُ الذي يُثاب إليه، أي: يُرجَع إليه. قالَ وَرَقةُ بنُ نَوْفل في الكعبة : (١) ٣٤٣/١. ٣٧٢ سورة البقرة : الآية ١٢٥ مثاباً (١) لأفناءِ القبائلِ كلِّها تَخُبُّ إليها اليَعْمَلاتُ الذَّوامِلُ (٢) وقرأ الأعمش: ((مَثاباتٍ)) على الجمع(٣). ويحتمل أن يكون من الثواب، أي: يُثابون هناك. وقال مجاهد: لا يقضي أحدٌ منه وظَراً(٤)؛ قال الشاعر: جُعِلَ البيتُ مَثاباً لهمُ ليس منه الدَّهْرَ يَقضُون الوَطَرُ(٥) والأصل: مَثْوَبَة، قُلبت حركةُ الواو على الثاء، فقُلبت الواوُ ألفاً إتباعاً لئابَ يثوب(٦)، وانتصبَ على المفعول الثاني. ودخلت الهاء للمبالغة، لكثرة مَن يثوبُ، أي: يَرجعُ؛ لأنه قلَّ ما يُفارقُ أحدٌ البيتَ إلا وهو يرى أنه لم يَقْضٍ منه وَطَراً، فهي كنَسَّابة وعَلَّامة. قاله الأخفش(٧). وقال غيره: هي هاء تأنيث المصدر، وليست للمبالغة(٨). فإنْ قيل: ليس كلُّ مَنْ جاءه يعودُ إليه؟ قيل: ليس يَخْتَصُّ بمَنْ وردَ عليه، وإنَّما المعنى أنَّه لا يخلو من الجملة، ولا يَعدَمُ قاصِداً من الناس(٩)، والله تعالى أعلم. (١) في (خ) و(ظ): مثاب، وهي رواية في البيت. (٢) البيت في الأم للشافعي ٢/ ١٢٠، والنكت والعيون للماوردي ١٨٦/١، ونسبه ابن منظور في اللسان (ثوب) إلى أبي طالب عمِّ النبيِّ وَّ ر. وهو في تفسير الطبري ٢٦/٣، والمحرر الوجيز ٢٠٧/١، وتفسير الطبرسي ٤٥٨/١، والبحر المحيط ٣٨٠/١، والبداية والنهاية ٢٩٧/٢ - ضمن قصيدة - برواية: العملات الطلائح، قال أبو حيان: ويروى: الذوامل. يعني بدل الطلائح. قال الشيخ محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري: والظاهر أن الشافعي رحمه الله أخطأ في رواية البيت، وأخطأ صاحب اللسان في نسبته، اشتبه عليه بشعر أبي طالب في قصيدته المشهورة. وأفناء القبائل: أخلاطهم ونزاعهم، وخبَّت الدابة تخُبُّ خبباً، هو ضرب من العَدْوِ، واليعملات: جمع يَعْمَلَة، وهي الناقة المطبوعة على العمل، والعمل: الإسراع والعجلة، والذوامل: جمع ذاملة، وهي الناقة تسير سيراً ليناً سريعاً. (٣) القراءات الشاذة ص٩، والمحرر الوجيز ٢٠٧/١. (٤) أخرجه الطبري ٥١٨/٢. (٥) لم نقف على تخريجه، وهو في الدر المصون ٢/ ١٠٤، والبحر المحيط ٣٨٠/١. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٩/١. (٧) معاني القرآن ٣٣٥/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر ٢٠٧/١. (٨) المحرر الوجيز ٢٠٧/١. (٩) أحكام القرآن لابن العربي ٣٨/١. ٣٧٣ سورة البقرة : الآية ١٢٥ الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَمْنَا﴾ استدلَّ به أبو حنيفةَ وجماعةٌ من فقهاء الأمصار على ترك إقامةِ الحدِّ في الحَرَم على المُخصّن والسارقِ إذا لجأ إليه، وعَضَدُوا ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] كأنه قال: آمِنُوا مَنْ دخلَ البيت. والصَّحيحُ إقامةُ الحدود في الحَرَم، وأنَّ ذلك من المنسوخ؛ لأنَّ الاتّفاقَ حاصلٌ أنه لا يُقتَلُ في البيت، ويُقتَلُ خارجَ البيت. وإنما الخلافُ هل يُقتَل في الحَرَمِ أمْ لا؟ والحَرَمُ لا يقعُ عليه اسم البيتِ حقيقةً. وقد أجمعوا أنه لو قَتل في الحَرَمِ قُتِل به، ولو أتى حَدَّا أقيدَ منه فيه، ولو حاربَ فيه حُورِبَ، وقُتِل مكانَه. وقال أبو حنيفة: مَنْ لَجَأَ إلى الحرم لا يُقتَلُ فيه ولا يُتَابَعُ، ولا يزالُ يُضيَّقُ عليه حتى يموتَ أو يخرجَ. فنحن نقتلُه بالسيف، وهو يقتلُه بالجوع والصَّدِّ، فأيُّ قتلٍ أشدُّ من هذا؟ وفي قوله: ((وأَمْناً)) تأكيدٌ للأمرِ باستقبال الكعبة، أي: ليس في بيت المقدس هذه الفضيلة، ولا يَحِجُّ إليه النَّاس، ومَن استعاذ بالحَرَم أَمِن من أن يُغارَ عليه(١). وسيأتي بيانُ هذا في ((المائدة))(٢) إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهَِ مُصَلٌ﴾ فيه ثلاثُ مسائل: الأولى: قولُه تعالى: ((وانَّخذُوا)) قرأ نافع وابنُ عامر بفتح الخاء على جهةِ الخبَرَ، عمَّن انَّخذه من مُتَبعي إبراهيم، وهو معطوفٌ على ((جعلنا))، أي: جعلْنا البيتَ مَثابةً واتَّخَذُوه مُصَلَّى. وقيل: هو معطوفٌ على تقدير ((إذ))، كأنه قال: وإذ جعلنا البيتَ مَثابةً وإذ اتَّخَذوا، فعلى الأول الكلامُ جملةٌ واحدةٌ، وعلى الثاني جملتان. وقرأ جمهور القرّاء: ((واتخِذُوا)) بكسر الخاء، على جهة الأمرِ(٣)، قطعوه من الأوَّل، وجعلوه معطوفاً جملة على جملة. قال المهدويّ: يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿أَذْكُرُوا نِعْمَتِىَ﴾ [البقرة: ١٢٢] كأنه قال ذلك لليهود، أو على معنى إذ جعلنا البيت؛ لأن معناه: اذكروا إذ جعلنا. أو على معنى قوله: ((مثابةً)) لأن معناه ثُوبُوا(٤). (١) أحكام القرآن لابن العربي ٣٩٣٨/١ و٢٨٤-٢٨٥، وأحكام القرآن للجصاص ٢١/٢-٢٣. (٢) في تفسير الآية (٩٧) منها. (٣) السبعة ص١٦٩، والتيسير ص٧٦. (٤) المحرر الوجيز ٢٠٨/٢٠٧/١. ٣٧٤ سورة البقرة : الآية ١٢٥ الثانية: روى ابنُ عمر قال: قال عمر: وافقتُ ربِّ في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أُسارَى بدر. خرَّجه مسلم وغيره (١). وخرَّجه البخاري(٢) عن أنس قال: قال عمر: وافقتُ الله في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث ... الحديث. وأخرجه أبو داود الطَّيالسي في ((مسنده))(٣) فقال: حدَّثَنَا حمَّادُ بنُ سلمة، حدثنا عليٌّ بن زيد، عن أنس بنِ مالك قال: قال عمر: وافقتُ ربي في أربع: قلتُ: يارسول الله، لو صلَّيْتَ خلفَ المقام؟ فنزلت هذه الآية: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهَِ مُصَلٌ﴾ وقلتُ: يارسول الله، لو ضَرَبْتَ على نسائك الحجابَ، فإنه يدخلُ عليهنَّ البَرُّ والفاجِرُ؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْتَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ونزلت هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَتٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، فلمَّا نزلت قلتُ أنا: تباركَ الله أحسنُ الخالقين، فنزلت: ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، ودخلتُ على أزواج النبي ◌َّهِ، فقلتُ: لَتَنْتَهُنَّ أو لَيُبْدِلَنَّهُ الله بأزواجٍ خيرٍ منكُنَّ؛ فنزلت الآية: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]. قلت: ليس في هذه الرواية ذكرُ الأُسارى، فتكون موافقةُ عمرَ في خمس (٤). الثالثة: قوله تعالى: ﴿مِن مَقَامِ﴾ المَقَام في اللَّغة: موضِعُ القَدَمين. قال النَّحاس(٥): (مَقام)) مِن قام يقوم، يكونُ مصدراً واسماً للمَوْضِع. ومُقام مِن أقام. فأمَّا قولُ زُهیر: وفيهم مَقَاماتٌ حِسانٌ وجوهُها وأَندِيةٌ ينتابُها القولُ والفعلُ(٦) (١) صحيح مسلم (٢٣٩٩). وأخرجه أيضاً ابن أبي عاصم في السنة (١٢٧٦)، وابن قائع في معجم الصحابة ٢٢٣/٢، والطبراني في الأوسط (٥٨٩٦)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ١/ ٤٢. (٢) في صحيحه (٤٠٢) و(٤٤٨٣)، وهو في مسند أحمد (١٥٧). (٣) برقم (٤٣). (٤) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١/ ٥٠٥: وصحّح الترمذي [٣٦٨٢] من حديث ابن عمر أنه قال: ما نزل بالناس أمرٌ قطّ فقالوا فيه، وقال فيه عمر، إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر. وهذا دالٌ على كثرة موافقته، وأكثرُ ما وقفنا منها بالتعيين على خمسة عشر، لكن ذلك بحسب المنقول. (٥) إعراب القرآن ٢٥٩/١. (٦) ديوانه ص ١١٣ بشرح ثعلب، ووقع في رواية الأعلم الشنتمري ص٤٢: وجوههم، بدل: وجوهها. ٣٧٥ سورة البقرة : الآية ١٢٥ فمعناه: فيهم أهلُ مَقامات. واختُلف في تعيين المقام على أقوال، أصحُها: أنه الحجرُ الذي تعرفُه النَّاسُ اليوم، الذي يصلّون عنده ركعتي طوافِ القُدوم. وهذا قولُ جابر بن عبد الله وابنٍ عبَّاس وقتادة وغيرهم(١). وفي ((صحيح)) مسلم (٢) من حديث جابر الطويل أنَّ النبيَّ و ◌َّ لَمَّا رأى البيت استلم الرُّكنَ، فرَمَل ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثمَّ نفذ (٣) إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَأَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِرَهِمَ مُصَلّ﴾ فصلَّى ركعتين قرأ فيهما بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ و﴿قُلْ بَأَيُهَاً الْكَفِرُونَ﴾. وهذا يدلُّ على ركعتي(٤) الطَّواف وغيرهما من الصَّلوات. ويدلُّ (٥) من وَجْهٍ على أنَّ الطوافَ للغُرباء أفضلُ (٦)، على ما يأتي(٧). وفي البُخاري: أنَّه الحَجَر الذي ارتفعَ عليه إبراهيم حين ضَعُفَ عن رفْعِ الحجارة التي كان إسماعيلُ يناولُها إِيَّاه في بناء البيت، وغَرِقَتْ قدماه فيه(٨). قال أنس: رأيتُ في المقام أثرَ أصابعِه وعَقِهِ وأَخْمَصٍ قدَمَيه، غير أنَّه أذهبَهُ مسحُ النَّاس بأيديهم؛ حكاه القُشَيْرِيّ(٩). وقال السُّدِّيّ: المَقامُ: الحجَرُ الذي وضعَتْه زوجةُ إسماعيل تحت قدم إبراهيم (١) أخرج الطبري ٢/ ٥٢٧ قول ابن عباس، وأخرج ابن أبي حاتم (١٢٠٥) قول جابر، وذكر ابن عطية قول قتادة ٢٠٨/١، وذكر أبو العباس القرطبي في المفهم ٣٢٥/٣ قول جابر وقتادة. (٢) برقم (١٢١٨)، وهو في مسند أحمد (١٤٤٤٠). (٣) في (د) و(ظ) و(م): تقدم، وفي (ز): قصد، والمثبت من (خ) وهامش (ز)، وهو الموافق لما في صحيح مسلم. (٤) في (د) و(خ) و(ظ) و(م): على أن ركعتي، والمثبت من (ز). (٥) في (د) و(خ) و(ظ) و(م): يدل، والمثبت من (ز). (٦) أحكام القرآن للكيا الهراسي ١/ ١٧. (٧) في المسألة السادسة الآتية. (٨) هو قطعة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه عنه البخاري (٣٣٦٥) مطولاً. ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠٨/١. (٩) أخرجه الواحدي في الوسيط ٢٠٥/١-٢٠٦، وذكره ابن حجر في فتح الباري ١٦٩/٨. وأخرج الطبري ٥٢٧/٢ نحوه عن قتادة. ٣٧٦ سورة البقرة : الآية ١٢٥ عليه السلام حين غَسَلَت رأسَه(١). وعن ابن عبّاس أيضاً ومجاهد وعطاء(٢) أنَّ المقامَ(٣) الحجُّ كلُّه. وعن عطاء: عَرَفةُ ومُزْدَلِفة والجِمار، وقاله الشَّعْبي. النَّخَعي: الحرَم كلُّه مقامُ إبراهيم؛ وقاله مجاهد (٤) قلتُ: والصحيحُ في ((المَقام)) القولُ الأول، حَسَبَ ما ثبتَ في الصحيح(٥). وخرَّجَ أبو نُعَيم(٦) من حديث محمد بن سُوقة، عن محمد بن المُنْگّدر، عن جابر قال: نظر النبيُّ ◌َ ﴿ إلى رجلٍ بين الرُّكنِ والمقام - أو البابِ والمقام - وهو يدعو ويقول: اللهم اغْفِرْ لفلان، فقال له النبيُّ وَّ: ((ما هذا؟)) فقال: رجلٌ استودَعَني أن أُدْعُوَ له في هذا المَقام، فقال: ((ارْجِعْ فقد غُفِرَ لصاحبك)). قال أبو نُعَيم(٧): حدثَنَاه أحمدُ بنُ محمد بن أحمد بن إبراهيم(٨) القاضي قال: حدَّثنا محمد بن عاصم بن يحيى الكاتب قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم القطان الكوفي، قال حذَّثنا الحارث بن عمران الجعفري، عن محمد بن سُوقة، فذكره. قال أبو نُعيم: كذا رواه عبد الرحمن، عن الحارث، عن محمد، عن جابر(٩) وإنَّما يُعرفُ من حديث (١) أخرجه الطبري ٥٢٨/٢. (٢) في (م): ومجاهد وعكرمة وعطاء، ولم نقف على من نسب الخبر إلى عكرمة. (٣) قوله: أن المقام، ليس في (م). (٤) أخرج هذه الآثار الطبري ٢/ ٥٢٥_٥٢٦، غير أثر النخعي، وذكره البغوي ١/ ١١٣. (٥) يعني حديث جابر السالف ذكره. (٦) حلية الأولياء ١٢/٥، وأخبار أصبهان ٢٣٣/٢. (٧) الحلية ٥/ ١٢. (٨) في (خ) و(ز): أحمد بن محمد بن إبراهيم، والمثبت من (د) و(ظ) و(م)، وهو موافق لما في النسخة المغربية للحلية كما في حواشيها، وقد ترجم له أبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/ ٢٨٣ (وهو شيخه)، وسماه: محمد بن أحمد بن إبراهيم، وكذلك سماه في تخريجه الخبر المذكور في أخبار أصبهان ٢٣٣/٢، وهو أبو أحمد الأصبهاني، الحافظ، القاضي، المعروف بالعسَّال، توفي سنة (٣٤٩ هـ)، وانظر أيضاً سير أعلام النبلاء ٦/١٦، وعلى هذا؛ فلعل صواب العبارة: حدثناه أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم القاضي. والله أعلم. (٩) كذا في (د) و(ز) و(ظ) و(م) والحلية، وفي (خ): محمد بن محمد عن جابر، ولعل الصواب: محمد عن محمد عن جابر، کما هو ظاهر في رجال الإسناد. ٣٧٧ سورة البقرة : الآية ١٢٥ الحارث، عن محمد، عن عكرمة، عن ابن عباس(١). ومعنى ((مُصَلَّى)): مُدَّعَى يُدْعَى فيه، قاله مجاهد. وقيل: موضعُ صلاةٍ يُصلَّى عنده، قاله قتادة(٢). وقيل: قِبلة يقفُ الإمامُ عندَها، قاله الحسن(٣). قوله تعالى: ﴿وَعَهِذْنَا إِلَى إِبْرُهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلِّفِينَ وَالْعَلَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ آلُهُور﴾ فیه ستُ مسائل: الأولى: قولُه تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا﴾ قيل: معناه أَمَرْنا. وقيل: أوْحَيْنا(٤). ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ ((أَنْ)) في موضع نصب على تقدير حذفِ الخافض. وقال سيبويه(٥): إنها بمعنى ((أي)) مفسِّرة، فلا موضعَ لها من الإعراب. وقال الكوفيُّون: تكون بمعنى القول(٦). و(طَهِّرا)) قيل: معناه من الأوثان، عن مجاهد والزُّهْريّ، وقال عُبيد بنُ عُمير وسعيدُ بنُ جبير: من الآفاتِ والرِّيَب، وقيل: من الكُفَّار، وقال السُّدِّيّ: ابْنِياه وأسِّسَاه على طهارةٍ ونِيَّةٍ طهارة، فيجيءُ مثلَ قولهِ: ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة: ١٠٨]. وقال يَمَان(٧): بَخِّراه وخَلِّقاه(٨). ﴿بَيْتَِ﴾ أضافَ البيتَ إلى نفسِه إضافةً تشريفٍ وتكريم، وهي إضافةُ مخلوقٍ إلى خالق، ومملوكٍ إلى مالك(٩). (١) أخرجه من هذه الطريق الطبراني في المعجم الكبير (١٢٢٩٩)، والصيداوي في معجم شيوخه ص٢١٤، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ١٥٢، وقال: فيه الحارث بن عمران الجعفري، وهو ضعيف. (٢) تفسير الطبري ٥٢٩/٢. (٣) ذكره الجصاص في أحكام القرآن ١/ ٧٥، والطبرسي في مجمع البيان ١/ ٤٦٢، والفخر الرازي ٤/ ٥٤. (٤) النكت والعيون ١/ ١٨٧-١٨٨. (٥) الكتاب ١٦٢/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠٨/١. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٠/١. (٧) ابن رئاب، ذكره الذهبي في الميزان ٤/ ٤٦٠، ونقل عن الدارقطني قوله فيه: ضعيف من الخوارج. (٨) تفسير الطبري ٥٣٢/٢-٥٣٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٧٣/١ و٣٧٤، والوسيط للواحدي ٢٠٧/١ و٢٠٨، وتفسير البغوي ١١٤/١، والنكت والعيون ١٨٨/١، والمحرر الوجيز ٢٠٨/١، وقول عبيد بن عمیر وسعيد بن جبير فيها: من الأوثان والريب. (٩) المحرر الوجيز ٢٠٨/١. ٣٧٨ سورة البقرة : الآية ١٢٥ وقرأ الحسنُ وابنُ أبي إسحاق وأهلُ المدينةِ وهشام وحفص: ((بَيْتِيَ)) بفتح الياء، والآخرون بإسكانها(١). الثانية: قولُه تعالى: ﴿لِلِّفِينَ﴾ ظاهرُه الذين يطوفون به، وهو قولُ عطاء. وقال سعيد بنُ جُبير: معناه للغُرَباء الطَّارئين على مكَّة(٢)، وفيه بُعْد. ﴿وَالْمَكِفِينَ﴾: المُقيمين من بلديِّ وغريب، عن عطاء(٣)، وكذلك قولُه: (للطّائِفِين)). والعُكوفُ في اللّغة: اللُّزومُ والإقبالُ على الشيء، كما قال الشاعر: عَكْفَ النَّبِيطِ يلعبونَ الفَنْزَجَا(٤). وقال مجاهد: العاكِفون: المجاورُون. ابنُ عباس: المصَلَّون. وقيل: الجالِسون بغير طواف(٥)، والمعنى متقارب. ﴿ وَالرُّكَّعِ السُّجُورِ﴾ أي: المُصَلُّون عند الكعبة. وخصَّ الركوع والسجودَ بالذّكر؛ لأنَّهما(٦) أقربُ أحوالِ المصلِّي إلى الله تعالى (٧). وقد تقدّم معنى الركوع والسجود لغةً والحمد لله (٨). الثالثة: لمّا قال تعالى: ﴿أَن ◌َهرا بيتى﴾ دخل فيه بالمعنی جمیعُ بيوته تعالى، فيكونُ حُكْمُها حُكْمَه في التَّطهير والنَّظافة. وإنّما خَصَّ الكعبةَ بالذِّكرِ لأنّه لم يكن هناك غيرُها، أو لكونِها أعظمَ حُرْمةً، والأوَّلُ أظهرُ، والله أعلم. وفي التنزيل ﴿فِى (١) السبعة لابن مجاهد ص١٩٧، والتيسير ص ٨٥. (٢) أخرج الطبري ٢/ ٥٣٤ القولين، وردًّ قول سعيد. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٧٥-٣٧٦. (٤) الرجز للعجاج، وهو في القوافي للأخفش ص٢٩، وأدب الكاتب ص٤٩٨، وجمهرة اللغة ٣٢٥/٣ و٥٠٠، والصحاح (فنزج، عكف)، ومقاييس اللغة ١٠٨/٤ و٥١٥، والعقد الفريد ٤٩٩/٥، والمعرب للجواليقي ص ٢٨٥، والمحرر الوجيز ٢٠٨/١، واللسان (عكف، فنزج). قوله: الفَنْزَج: هو رقصٌ للعجم يأخذ فيه بعضٌ يد بعض، وقال ابنُ السكّيت: هي لعبةٌ لهم تسمى بَنْجَكَان، بالفارسية، فعُرب، وقال ابن الأعرابي: لعب النبيط إذا بَطِروا. اللسان (فنزج). (٥) أخرج هذه الآثار الطبري ٢/ ٥٣٥ و٥٣٦. (٦) في (خ) و(د) و(ز): لأنها. (٧) المحرر الوجيز ٢٠٨/١. (٨) ٢٥/٢. ٣٧٩ سورة البقرة : الآية ١٢٥ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، وهناك يأتي حكمُ المساجدِ إن شاء الله تعالى. ورُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع صوتَ رجلٍ في المسجد، فقال: ما هذا؟ أتدري أين أنت(١)؟! وقال حذيفةُ: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ الله أوْحَى إليَّ: يا أخا المُنذِرين، يا أخا المرسَلين، أنْذِرْ قوَمك ألا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بقلوبٍ سليمةٍ، وألسنةٍ صادقة، وأيدٍ نقيَّة، وفُرُوجِ طاهرة، ولا(٢) يدخلوا بيتاً من بيوتي ما دام لأحدٍ عندهم مَظلمة، فإني ألعنُه ما دام قَائماً بين يديَّ، حتّى يردّ تلك الظُّلامةَ إلى أهلها، فأكون سمعَه الذي يَسمعُ به، وبصرَهُ الذي يُبصِرُ به، ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداءِ والصَّالحين)»(٣). الرابعة: استدلَّ الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، وجماعةٌ من السَّلَف بهذه الآية على جَوازِ الصَّلاةِ الفرضِ والنَّفْلِ داخلَ البيت. قال الشافعيُّ رحمه الله: إنْ صَلَّى في جوفها مستقبلاً حائطاً من حیطانها فصلاته جائزة، وإن صلَّى نحو الباب والبابُ مفتوحٌ فصلاتُه باطلة، وكذلك مَنْ صلَّى على ظهرِها؛ لأنّه لم يستقبلْ منها شيئاً. وقال مالك: لا يُصلِّي فيه الفرضَ ولا السُّننَ، ويصلِّي فيه التطوُّعَ، غير أنه إنْ صلَّى فيه الفرضَ أعادَ في الوقت. وقال أَصْبَغ: يُعيدُ أبداً (٤). قلتُ: وهو الصحيح؛ لما رواه مسلم(٥) عن ابن عباسٍ قال: أخبرني أسامةُ بنُ زيد أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّهِ لمَّا دخل البيتَ دعا في نواحيهِ كلِّها، ولم يصلِّ حتى(٦) خرجَ منه، (١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٠٥)، وذكره البغوي في شرح السنة ٣٧٥/٢. (٢) في (م): وألا. (٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ١١٦/٦ دون قوله: ألا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بقلوب سليمة، وألسنة صادقة، وأيدٍ نقية، وفروج طاهرة. وأورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٣٣ بمثل لفظ أبي نعيم، ونسبه إلى الطبراني، وقال: وهذا إسناد جيد، وهو غريب جدّاً، وانظر كنز العمال (٤٣٦٠٠). (٤) التمهيد ٣١٩/١٥، والاستذكار ١٢٥/١٣، وإكمال المعلم ٤٢١/٤-٤٢٢، والمفهم ٤٢٩/٣ و ٤٣١. (٥) برقم (١٣٣٠)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢١٧٥٤)، والبخاري (٣٩٨). (٦) في (م): ولم يصل فيه حتى. ٣٨٠ سورة البقرة : الآية ١٢٥ فلمّا خرجَ ركعَ في قُبُلِ الكعبة ركعتين، وقال: ((هذه القِبلةُ)). وهذا نصّ. فإنْ قيلَ: فقد روى البخاريُّ(١) عن ابن عمر قال: دخلَ رسولُ اللهِ وَ ل ◌ِ هو وأسامةُ بنُ زيد وبلالٌ وعثمانُ بنُ طلحة الحَجَبِيُّ البيتَ، فأغلَّقُوا عليهم الباب، فلمَّا فتحوا كنتُ أولَ مَنْ ولِجَ، فلقيتُ بلالاً، فسألتُه: هل صلَّى فيه رسولُ اللهِ وَالِ؟ قال: نعم، بين العَمُودَيْن اليمانِيَّيْنِ. وأخرجه مسلم (٢)، وفيه: قال: جعلَ عَمُودَيْنٍ عن يساره، وعَمُوداً عن يمينه، وثلاثةَ أعمِدَةٍ وراءَه، وكان البيتُ يومئذٍ على سِتَّةِ أعمِدَة. قلنا: هذا يَحتمِلُ أنْ يكونَ صلَّى بمعنى دَعا، كما قال أسامةُ، ويحتملُ أنْ يكونَ صلَّى الصلاةَ العُرْفِيَّة. وإذا احتملَ هذا وهذا سقطَ الاحتجاجُ به. فإن قيل: فقد روى ابنُ المنذر وغيرُه عن أسامةَ قال: رأى النبيُّ ونَ ﴿ صُوَراً في الكعبة، فكنتُ آتيهِ بماءٍ في الدَّلْو، يضربُ به تلك الصُّور(٣). وخرَّجه أبو داود الطيالسيُّ(٤) قال: حدثنا ابنُ أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مِهْران قال: حدَّثني(٥) عُميرٌ مولى ابنِ عبّاس، عن أسامةَ بنِ زيد قال: دخلتُ على رسول الله بِّه في الكعبة، ورأى صُوَراً، قال: فدعا بدَلْوٍ من ماء، فأتيتُه به، فجعلَ يمحوها ويقول: ((قاتَلَ الله قوماً يُصَوِّرون ما لا يَخلُقون)). فَيَحتمِلُ أن يكونَ النبيُّنَ له صلَّى في حالةِ مُضِيٍّ أسامةً في طلب الماء، فشاهدَ بلالٌ مالم يشاهده أسامة، فكانَ مَنْ أثبتَ أوْلَى ممَّن نفى. وقد قال أسامةُ نفسُه: فأخذ النَّاسُ بقول بلال، وتركوا قولي. وقد روى مجاهد، عن عبد الله بن صَفْوان قال: قلتُ لعمر بن الخطاب: كيفَ صنعَ رسولُ اللهِوَ ل﴿ حين دخل الكعبةَ؟ قال: صلَّى رَكعتين(٦). قلنا: هذا محمولٌ على النَّافلة، ولا نعلمُ خِلافاً بين العلماءِ في صِحَّةِ النَّافلةِ في (١) برقم (١٥٩٨)، وأخرجه أيضاً أحمد (٦٠١٩)، ومسلم (١٣٢٩): (٣٩٣). (٢) برقم (١٣٢٩): (٣٨٨). (٣) إكمال المعلم ٤٢٤/٤، والمفهم ٤٣١/٣. (٤) في مسنده (٦٢٢). (٥) في (د) و(ز) و(م): حدثنا. (٦) أخرجه أحمد (١٥٥٥٣)، وأبو داود (٢٠٢٦).