Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ سورة البقرة : الآية ١١٤ اسماً كان أو مصدراً، ولا يقع فيه الفرق، مثل: دخل يَدْخُلِ مَدْخَلاً، وهذا مَدْخَلُه، إلا أحرفاً من الأسماء ألزموها كسر العين، من ذلك: المَسْجِد، والمَظْلِع، والمغرِب، والمَشْرق، والمَسْقِط، والمَفْرِق، والمَجْزِر، والمَسْكِن، والمَرْفِق - من رفَقَ يَرْفُقِ - والمَنْبِت، والمَنْسِك، من نَسَك يَنْسُك. فجعلُوا الكسر علامةً للاسم، ورُبَّما فتحَه بعضُ العرب في الاسم. والمَسْجَد بالفتح: جبهة الرجل حيث يصيبه نَدَبُ السجود. والآرابُ السَّبعةُ مساجد؛ قاله الجوهري(١). الثانية: واختلف النَّاسُ في المراد بهذه الآية وفيمن نزلت؛ فذكر المفسرون أنَّها نزلت في بُخْتَنَصَّرَ؛ لأنَّه كان أخربَ بيتَ المقدس. وقال ابنُ عباس وغيرُه: نزلت في النصارى(٢). والمعنى: كيف تَدَّعُون أيُّها النَّصارى أنَّكم مِن أهل الجنَّة، وقد خَرَّبْتُم بيتَ المقدس، ومنعتُم المصلِّين مِن الصلاة فيه؟! ومعنى الآية على هذا: التعجّبُ مِن فعل النَّصارَى بيت المقدسِ مع تعظيمهم له، وإنَّما فعلُوا ما فعلُوا عداوةً لليهود؛ رَوى سعيد عن قتادة قال: أولئك أعداءُ الله النَّصارى، حملَهم إبغاضُ اليهود على أنْ أعانوا بُخْتَنَصَّرَ البابليَّ المجَوسيَّ على تخريب بيت المقدس(٣). ورُويَ أنَّ هذا التخريبَ بقي إلى زمن عمر رضي الله عنه (٤). وقيل: نزلت في المشركين إذْ منعوا المصلين والنبيَّ وَّر، وصدُّوهم عن المسجد الحرام عامَ الحُدَيْبِيَةِ(٥). وقيل: المرادُ مَنْ منعَ مِن كلِّ مسجدٍ إلى يوم القيامة، وهو الصحيح؛ لأنَّ اللفظ (١) الصحاح (سجد)، والآراب: جمع إرْب، وهو العضو، والمقصود هنا الأعضاء السبعة التي يُسجَدُ عليها. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٤٢/٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤١. (٣) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٤٣/٢. (٤) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ١٠٧، والرازي في تفسيره ٤/ ١٠. (٥) أخرجه الطبري في تفسيره ٢/ ٤٤٤ من قول عبد الرحمن بن زيد. ٣٢٢ سورة البقرة : الآية ١١٤ عامٌّ؛ ورَدَ بصيغة الجمع، فتخصيصُها ببعضٍ المساجدِ وبعضٍ الأشخاص ضعيف(١)، والله تعالى أعلم. الثالثة: خَرابُ المساجد قد يكون حقيقياً، كتخريب بُخْتَنَصَّرَ والنَّصارى بيتَ المقدس على ما ذُكر أنَّهم غَزَوْا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم - قيل: اسمه نطوس بن اسبيسانوس الروميّ فيما ذكر الغَزْنَوِيّ - فقتلُوا وسَبَوْا، وحَرَّقوا التوراة، وقَذَفوا في بيت المقدس العَذِرةَ وخرَّبُوه(٢). ويكونُ مجازاً، كمنع المشركين المسلمين حين صدُّوا رسولَ الله وَّ عن المسجد الحرام. وعلى الجملة؛ فتعطيلُ المساجدِ عن الصلاة وإظهارِ شعائرِ الإسلامِ فيها خرابٌ لها. الرَّابعة: قال علماؤنا: ولهذا قلنا: لا يجوز منعُ المرأةِ من الحجِّ إذا كانت صَرُورةً(٣)، سواء كان لها مَحْرَمٌ أو لم يكن، ولا تُمنعُ أيضاً مِن الصَّلاة في المساجد، ما لم يُخف عليها الفتنة، وكذلك قال النبيُّ وَّهِ: ((لا تمنعُوا إماءَ الله مساجدَ الله))(٤). ولذلك قلنا: لا يجوزُ نقض المسجد، ولا بيعُه، ولا تعطيلُه، وإن خَرِبَتِ المحلّة، ولا يمنعُ بناءُ المساجد إلا أن يقصدوا الشقاق والخلاف، بأنْ يبنُوا مسجداً إلى جنب مسجد أو قُربه؛ يريدون بذلك تفريقَ أهلِ المسجدِ الأوَّل وخرابَه، واختلافَ الكلمة، فإنَّ المسجد الثَّاني يُنقض، ويُمنع مِن بُنيانه، ولذلك قلنا: لا يجوزُ أنْ يكون في المصر جامعان، ولا لمسجد واحدٍ إمامان، ولا يُصلِّي في مسجد جماعتان. وسيأتي لهذا كلِّه مزيد بيان في سورة براءة(٥) إنْ شاءَ الله تعالى، وفي ((النور))(٦) حكم المساجد وبنائها بحول الله تعالى. (١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٣٣/١. (٢) ينظر تفسير البغوي ١/ ١٠٧. (٣) يعني: التي لم تحجّ. الصحاح (صرر). (٤) أخرجه أحمد (٤٦٥٥)، والبخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢) (٣٦) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (٥) عند تفسير الآية (١٠٧). (٦) عند تفسير الآية (٣٦). ٣٢٣ سورة البقرة : الآية ١١٤ ودلَّت الآية أيضاً على تعظيم أمر الصلاة، وأنها لمَّا كانت أفضلَ الأعمال وأعظمها أجراً، كان منعُها أعظمَ إثماً (١). الخامسة: كلُّ موضع يمكن أنْ يُعبدَ الله فيه ويُسجدَ له يُسَمَّى مسجداً؛ قال ◌َله: (جُعلت ليَ الأرضُ مسجداً وطَهُوراً))، أخرجه الأئمة(٢). وأجمعت الأمةُ على أنَّ البُقعةَ إذا عُيِّنت للصلاة بالقول، خَرجت عن جملة الأملاك المختصّة بربِّها، وصارت عامةً لجميع المسلمين، فلو بنى رجلٌ في داره مسجداً، وحَجَزَه على النَّاس، واختصَّ به لنفسه، لبقيَ على مِلْكه، ولم يخرجْ إلى خَدِّ المسجديَّة، ولو أَباحَه للناس كلِّهم، كان حكمُه حكمَ سائرِ المساجدِ العامَّة، وخرجَ عن اختصاص الأملاك(٣). السادسة: قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَيِفِينَ﴾((أولئك)). مبتدأ وما بعده خبره. ((خائفین)) حال. يعني: إذا استولى عليها المسلمون، وحصلت تحت سلطانهم، فلا يتمكن الكافر حينئذٍ مِن دخولها. فإنْ دخلُوها، فعلى خوفٍ مِن إخراج المسلمين لهم، وتأديبهم على دخولها. وفي هذا دليل على أنَّ الكافرَ ليس له دخولُ المسجد بحال(٤)، على ما يأتي في ((براءة)) إن شاء الله تعالى. ومَن جعلَ الآيةَ في النَّصارى روى أنه مَرَّ زمانٌ بعد بناء عمرَ بيت المَقْدِس في الإسلام لا يدخله نَصرانيّ إلا أُوجِعَ ضرباً بعد أن كان متعبَّدَهم(٥). ومَن جعلها في (١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٣٣/١. (٢) سلف تخريجه ٢/ ٢٨٣، وانظر المحرر الوجيز ١٩٩/١. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٣٣. (٤) أحكام القرآن ٣٣/١. (٥) أخرجه الطبري ٤٤٦/٢-٤٤٧ بنحوه من قول قتادة والسُّدِّي. ٣٢٤ سورة البقرة : الآية ١١٥ قريش قال: كذلك نُوديَ بأمر النبيِّ وَِّ: ((أَلا لا يَحُجَّ بعدَ العام مشرٌ، ولا يَطوفَ بالبَيْتِ عُزْيان))(١). وقيل: هو خبرٌ ومقصودُه الأمر، أي: جاهِدُوهم واستأُصِلوهم حتى لا يَدخلَ أحدٌ منهم المسجدَ الحرام إلا خائفاً(٢)، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَـ اَللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، فإنَّ نَهْيٌ وَرَدَ بلفظ الخبر. السابعة: قولُه تعالى: ﴿لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ قيل: القَتْلُ للحَرْبيِّ، والجِزْیةُ للذِّمِّيّ؛ عن قتادة. السُّديّ: الخزيُ لهم في الدُّنيا قيامُ المهدِيِّ، وفتحُ عَمُورِيَّة ورُومِيَة وقُسْطَنْطِينية، وغير ذلك مِن مُدُنهم؛ على ما ذكرناه في كتاب ((الَّذكرة)»(٣). ومَنْ جعلها في قريش جعلَ الخِزْيَ عليهم في الفتح، والعذابَ في الآخرة لمَن مات منهم کافراً (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهُ إِنَ اللَّهَ وَاسِئُ عَلِيمٌ فيه خمسُ مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَِّ الْمَشْرِقُ وَالْغَرِبُّ﴾ المشرق: مَوضعُ الشروق. والمغرب: مَوضعُ الغروب، أي: هُمَا له مُلك، وما بينهما من الجهات والمخلوقاتِ بالإيجاد والاختراع، كما تقدم(٥). وخصّهما بالذكر والإضافة إليه تشريفاً، نحو: بيت الله، وناقة الله، ولأنَّ سببَ الآية اقتضى ذلك(٦)، على ما يأتي. (١) أخرجه أحمد (٧٩٧٧) بنحوه، والبخاري (١٦٢٢)، ومسلم (١٣٤٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفي الباب عن أبي بكر وعلي رضي الله عنهما عند أحمد (٤) و(٥٩٤)، وانظر المحرر الوجيز ١٩٩/١. (٢) ينظر تفسير البغوي ١٠٧/١، وزاد المسير ١٣٤/١. (٣) ص٦١٩ وما بعدها. وذكر قول قتادة البغوي ١/ ١٠٧، وأخرج قول السدي الطبريُّ ٤٤٨/٢، وانظر النكت والعيون ١٧٥/١. (٤) المحرر الوجيز ١٩٩/١. (٥) ٣١١/٢. (٦) ينظر المحرر الوجيز ٢٠٠/١. ٣٢٥ سورة البقرة : الآية ١١٥ الثانية: قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُوا﴾ شَرْطٌ، ولذلك حذفت النون، و((أين)) العاملة، و((ما)) زائدة، والجواب: ((فَثَمَّ وجهُ الله)). وقرأ الحسن ((تَوَلَّوْا) بفتح التاء واللام، والأصل: تتولّوْا. و(ثَمَّ)) في موضع نصب على الظرف، ومعناها البعد، إلا أنَّها مبنيةٌ على الفتح غيرُ مُعْربة، لأنَّها مبهمة، تكون بمنزلة ((هناك)) للبُعْد، فإنْ أردتَ القُرْبَ قلتَ: هنا(١). الثالثة: اختلفَ العلماء في المعنى الذي نَزَلَت فيه: ((فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا)) على خمسة أقوال: فقال عبد الله بنُ عامر بن ربيعة: نَزلت فيمَن صلَّى إلى غير القبلة في ليلة مظلمة، أخرجه الترمذيُّ عنه عن أبيه قال: كنَّا مع النبيِّ وَِّ في سفرٍ في ليلة مظلمة، فلم نَذْرِ أين القِبلة، فصلَّى كلُّ رجلٍ(٢) منَّا على حِياله، فلما أصْبَحْنا، ذَكَرْنا ذلك للنبيِّ وَِّ، فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُوا فَثَمَّ وَجْهُ أَلَّهُ﴾. قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بذاك، لانعرفه إلا من حديث أشعثَ السَّمان، وأشعتُ بنُ سعيد أبو الربيع يُضَّفُ في الحديث. وقد ذهبَ أكثرُ أهل العلم إلى هذا؛ قالوا: إذا صلَّى في الغيم لغير القِبلة، ثمَّ استبانَ له بعد ذلك أنَّه صلَّى لغير القبلة، فإنَّ صلاته جائزة، وبه يقول سفيانُ وابنُ المبارك وأحمدُ وإسحاق(٣). قلت: وهو قولُ أبي حنيفة ومالك، غير أنَّ مالكاً يَستحِبُّ(٤) له الإعادةَ في الوقت، وليس ذلك بواجب عليه؛ لأنَّه قد أدَّى فرضَه على ما أُمِر، والكمالُ يُستدركُ في الوقت؛ استدلالاً بالسنَّة فيمَن صلَّى وحدَه، ثمَّ أدركَ تلك الصلاةَ في وقتها في جماعة أنَّه يعيدُ معهم، ولا يُعيدُ في الوقت استحباباً إلا مَنِ استدبرَ القبلةَ، أو شرَّقَ، أو غرَّبَ جدًّا مجتهداً، وأما من تَيامَنَ أو تياسَرَ قليلاً مجتهداً، فلا إعادةً عليه في وقت ولا غيره. وقال المُغِيرة والشافعيّ: لا يَجزيه، لأنَّ القِبلةَ شَرْطٌ مِن شروط الصَّلاة. (١) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٢٥٧. وذكر قراءة الحسن ابنُ خالويه في القراءات الشاذة ص٩، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠٠/١. (٢) في (د) ونسخة في هامش (ز): واحد. (٣) سنن الترمذي (٣٤٥). (٤) في (م): قال: تستحب. ٣٢٦ سورة البقرة : الآية ١١٥ وما قاله مالكٌ أصحُّ؛ لأنَّ جهةَ القبلةِ تُبِيحُ الضَّرورةُ تركها في المُسايفة(١)، وتُبِيحُها أيضاً الرُّخصةُ حالةَ السَّفَر(٢). وقال ابنُ عمر: نزلت في المسافر يتنفَّلُ حيثما توجهتْ به راحلتُه. أخرجه مسلم عنه؛ قال: كان رسول الله ﴿ يصلِي وهو مُقبلٌ مِن مكةً إلى المدينة على راحلته حیثُ كان وجهُه، قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَتْنَمَا تُوَلُّواْ فَتَمَّ وَجْهُ الَّهِ﴾(٣). ولا خلاف بين العلماء في جواز النافلةِ على الراحلة لهذا الحديث وما كان مثلُه. ولا يجوزُ لأحد أنْ يَدَعَ القِبلةَ عامداً بوجهٍ من الوجوه إلا في شدَّةِ الخوف (٤)، على ما يأتي (٥). واختلفَ قولُ مالك في المريض يصلّي على مَحْمِله، فمرَّةٌ قال: لايُصلِّي على ظهر البعير فريضةً وإنِ اشتدَّ مرضُه. قال سُحْنُون: فإنْ فَعَلَ أعادَ، حكاه الباجيُّ(٦). ومرَّةً قال: إنْ كان ممّن لا يصلِّي بالأرض إلا إيماءً؛ فلْيُصَلِّ على البعير بعد أنْ يُوقَف له ويستقبل القبلة. وأجمعوا على أنَّه لا يجوز لأحدٍ صحيحٍ أنْ يُصلِّيَ فريضةً إلا بالأرض، إلا في الخوف الشَّديد خاصةً(٧)، على ما يأتي بيانُه. واختلف الفقهاء في المسافر سفراً لا تُقصر في مثله الصَّلاة، فقال مالكٌ وأصحابُه والثوريُّ: لا يتطوَّع على الرَّاحلة إلا في سفرٍ تُقصر في مثله الصَّلاة؛ قالوا: لأنَّ الأسفارَ التي حُكي عن رسول الله وَّر أنه كان يَتطوَُّ فيها كان(٨) مما تُقصر فيه الصَّلاة. وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابُهما والحسن بنُ حَيٍّ واللَّيثُ بنُ سعد وداودُ بنُ (١) يعني حالة القتال بالسيف. (٢) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٣٤/١-٣٥. (٣) مسلم (٧٠٠) : (٣٣)، وأخرجه أيضاً البخاري (١٠٠٠) بنحوه، وهو في مسند أحمد (٤٧١٤). (٤) ينظر التمهيد ٧٤/١٧، وإكمال المعلم ٢٧/٣، والمفهم ٣٤٠/٢. (٥) في سورة النساء الآيتين (١٠١) و(١٠٢). (٦) في المنتقى ٢٦٩/١، والباجي: هو سليمان بن خلف، أبو الوليد القاضي التُّجيبي، الأندلسي، صاحب التصانيف، توفي سنة (٤٧٤هـ). السير ٥٣٥/١٨. (٧) ينظر التمهيد ٧٤/١٧-٧٥، والاستذكار ١٣٢/٦. (٨) في (م): كانت. ٣٢٧ سورة البقرة : الآية ١١٥ عليّ: يجوزُ التطوُّعُ على الراحلة خارجَ المِصْرِ في كلِّ سَفَر، وسواءٌ كان مما تُقصر فيه الصَّلاة أَوْ لا، لأنَّ الآثارَ ليس فيها تخصیصُ سفرٍ من سفر، فكلُّ سفرٍ جائزٌ ذلك فیه، إلا أنْ يُخَصَّ شيءٌ من الأسفار بما يجب التسليمُ له. وقال أبو يوسف: یصلِّ في المِصْر علی الدابَّة بالإیماء؛ لحدیث یحیی بن سعيد عن أنس بن مالك، أنَّه صلَّى على حمار في أَزِقَّة المدينة يُومئُ إيماءً(١). وقال الطبريُّ: يجوزُ لكلِّ راكب وماشٍ حاضراً كان أو مسافراً أنْ يتنفَّلَ على دابته وراحلته وعلى رجليه. وحُكيَ عن بعض أصحابِ الشافعيّ أنَّ مذهبَهم جوازُ التنفّل على الدَّابة في الحَضَر والسَّفَر. وقال الأثرم(٢): قيل لأحمد بن حنبل: الصَّلاة على الذَّابة في الحَضَر؟ فقال: أمَّا في السَّفر، فقد سمعتُ، وما سمعتُ في الحَضَر. قال ابن القاسم: مَنْ تنفَّل في مَحْمِلهِ تنفَّل جالساً، قیامُه تَربُّعٌ، يركع واضعاً يديه على ركبتيه، ثم يرفع رأسه(٣). وقال قتادة: نزلت في النَّجاشيِّ، وذلك أنَّه لمّا ماتَ دعا النبيُّ ◌َّ المسلمين إلى الصَّلاة عليه خارجَ المدينة، فقالوا: كيف نُصلِّي على رجلٍ مات؟ وهو يُصلِّ لغير قِبْلتنا(٤)، وكان النَّجاشيُّ ملكُ الحَبَشة - واسمه أَضْحَمَة، وهو بالعربية: (١) الاستذكار ٦/ ١٣١، وقال ابن عبد البر بإثره: ذكر مالك حديث يحيى بن سعيد هذا عن أنس، فلم يقل فيه: في أزقة المدينة ... ولم يروه عن يحيى بن سعيد أحد يقاس بمالك، وقد قال فيه [الموطأ ١/ ١٥١]: في السفر، فبطل بذلك قول من قال: في أزقة المدينة، يريد الحضر. قلنا: وانظر صحيح البخاري (١١٠٠)، وصحيح مسلم (٧٠٢). (٢) هو أحمد بن محمد بن هانئ، أبو بكر الإسكافي، الطائي، تلميذ الإمام أحمد، له مصنف في علل الحديث، مات في حدود الستين ومئتين. السير ١٢/ ٦٢٣. (٣) التمهيد ٧٧/١٧-٧٨، وانظر الاستذكار ١٢٧/٦-١٣٢. (٤) المحرر الوجيز ٢٠٠/١، وأخرجه الطبري ٢/ ٤٥٥ بنحوه. وخبر صلاته لفر على النجاشي رواه أحمد (٧١٤٧) و(١٤٨٨٩)، والبخاري (١٢٤٥) (١٣١٧)، ومسلم (٩٥١) (٩٥٢) من حديث أبي هريرة وجابر رضي الله عنهما. ورواه أيضاً أحمد (١٩٨٦٧)، ومسلم (٩٥٣) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه. ٣٢٨ سورة البقرة : الآية ١١٥ عطية (١) - يُصلِّي إلى بيت المقدس حتى مات، وقد صُرفت القِبلة إلى الكعبة، فنزلت الآية(٢)، ونزل فيه: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩](٣)، فكان هذا عُذْراً للنجاشيِّ، وكانت صلاةُ النبيِّ وَّر بأصحابه سنةً تسعٍ من الهجرة. وقد استدلَّ بهذا مَن أجاز الصَّلاةَ على الغائب، وهو الشافعيُّ(٤). قال ابن العربي(٥): ومِن أغرب مسائل الصَّلاة على الميت ما قال الشافعيُّ: يُصلَّى على الغائب، وقد كنتُ ببغداد في مجلس الإمام فخر الإسلام(٦)، فيدخل عليه الرجلُ من خُراسان فيقول له: كيف حالُ فلان؟ فيقول له: مات، فيقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. ثم يقول لنا: قوموا، فَلأصَلِّ لكم، فيقوم فيصلِّي عليه بنا، وذلك بعد ستة أشهرٍ من المدَّة، وبينه وبين بلده ستةُ أشهر. والأصل عندهم في ذلك صلاةُ النبيِّ يَّر على النجاشيِّ. وقال علماؤنا رحمة الله عليهم: النبي ◌ّله بذلك مخصوصٌ لثلاثة أوجه: أحدها: أن الأرضَ دُحِيتْ له جنوباً وشَمالاً حتى رأى نَعْشَ النجاشيِّ، كما دُحِيتْ له شمالاً وجنوبا حتى رأى المسجد الأقصى. قال المُخالف: وأيُّ فائدة في رؤيته، وإنَّما الفائدةُ في لُحوق بركته. الثاني: أنَّ النجاشيَّ لم يكن له هناك وَلِيٍّ من المؤمنين يقومُ بالصَّلاة علیه. قال المخالف: هذا مُحال عادةً، مَلِكٌ على دين لا يكون له أتباع! والتأويل بالمُحال مُحال. (١) ذكر ذلك القاضي عياض في إكمال المعلم ٤١٣/٣-٤١٤، ونسبه لابن قتيبة، وابنُ عطية في المحرر الوجيز ٥٥٩/١، ونسبه لسفيان بن عيينة، وأبو العباس القرطبي في المفهم ٦٠٩/٢. وذكر عبد الرزاق في مصنفه بعد حديث جابر (٦٤٠٦) أن تفسير أصحمة بالعربية: عطاء. (٢) أورده الواحدي في أسباب النزول ص٣٥-٣٦ من قول ابن عباس رضي الله عنهما. (٣) أخرجه الطبري ٢/ ٤٥٥ ضمن قول قتادة السابق، وأورده الواحدي في أسباب النزول ص١٣٤ من قول جابر وأنس وابن عباس وقتادة، وابنُ عطية ٥٩٩/١ من قول جابر وابن جُريج وقتادة رضي الله عنهم. (٤) ينظر المفهم ٢/ ٦١٠. (٥) القبس في شرح الموطأ ص ٤٤٥- ٤٤٦. (٦) هو أبو بكر الشاشي. ٣٢٩ سورة البقرة : الآية ١١٥ الثالث: أنَّ النبيَّ وَّهِ إِنَّما أراد بالصَّلاة على النجاشيِّ إدخالَ الرحمة عليه، واستئلافَ بقية الملوك بعده إذا رأوا الاهتمامَ به حيّاً وميّتاً. قال المُخالف: بركةُ الدُّعاء مِن النبيِّ وَ﴿ ومِن سواه تلحقُ الميتَ باتِّفاق. قال ابن العربيّ(١): والذي عندي في صلاة النبيِّ وَّهِ على النجاشيّ: أنَّه عَلِمَ أنَّ النجاشيَّ ومَنْ آمنَ معه ليس عندهم مِن سُنة الصَّلاة على الميّتِ أَثَر، فَعَلِمَ أنَّهم سيدفنونه بغير صلاة، فبادر إلى الصَّلاة عليه. قلتُ: والتأويلُ الأوَّلُ أحسن؛ لأنَّه إذا رآه، فما صلَّى على غائب، وإنَّما صلَّى على مَرْئِيٍّ حاضر، والغائبُ ما لا يُرَى. والله تعالى أعلم. القول الرابع: قال ابن زيد: كانت اليهودُ قد استَحسنتْ صلاةَ النبيِّ وَّ إلى بيت المقدس وقالوا: ما اهتَدَى إلا بنا، فلمَّا حُوِّل إلى الكعبة قالت اليهود: ما وَلَّاهم عن قبِلتهم التي كانوا عليها؟ فنزلت: ﴿وَلَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْغَرِبُّ﴾(٢). فوَجْهُ النَّظم على هذا القول: أنَّ اليهود لمَّا أنكروا أَمْرَ القِبلة بَيَّن الله تعالى أنَّ له أنْ يَتعبَّد عبادَه بما شاء، فإنْ شاء أمرَهم بالتوجُّه إلى بيت المقدس، وإنْ شاء بالتوجّه(٣) إلى الكعبة، فعلٌ لا حُجَّةَ عليه، ولا يُسأل عمَّا يفعل، وهم يُسألون. القول الخامس: أنَّ الآيةَ منسوخةٌ بقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَةُ﴾ [البقرة: ١٤٤] ذكره ابنُ عباس(٤)، فكأنَّه كان يجوز في الابتداء أنْ يُصلِّيَ المرء كيف شاء، ثم نُسخ ذلك. وقال قتادة: الناسخ قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهََكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي: تِلقاءه، حكاه أبو عيسى الترمذيّ(٥). وقول سادس: رُويَ عن مجاهد والضَّحَّاك أنَّها مُحْكَمة، المعنى: أينما كنتم مِن (١) القبس ص٤٤٦. (٢) المحرر الوجيز ٢٠٠/١. (٣) في (ز): وجههم، وفي (م): أمرهم بالتوجه. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٣٤٦/١، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص٣٦. (٥) یاثر الحدیث (٢٩٥٨). ٣٣٠ سورة البقرة : الآية ١١٥ شَرْق وغَرْبِ، فَثَمَّ وجهُ الله الذي أمرَنا باستقباله، وهو الكعبة (١). ج وعن مجاهد أيضاً وابنٍ جُبير: لمَّا نزلت: ﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَمَّ وَجْهُ الَّهِ﴾(٢). وعن ابن عمر والنَّخَعيّ: أينما تُولُّوا في أسفاركم ومُنصرفاتكم فَمَّ وجهُ الله (٣). وقيل: هي متصلة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِنَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِهَا اسْمُهُ﴾ الآية، فالمعنى: أنَّ بلادَ الله - أيها المؤمنون - تَسَعُكم، فلا يمنعكم تخريُب مّن خرَّب مساجدَ الله أنْ تُولُّوا وجوهكم نحوَ قبلة الله أينما كنتم مِن أرضه (٤). وقيل: نزلتْ حين صُدَّ النبيُّ ونَ﴿ عن البيت عامَ الحُدَيْبِية، فاغتمَّ المسلمون لذلك(٥). فهذه عشرةُ أقوال. ومَن جعلَها منسوخةٌ، فلا اعتراضَ عليه مِن جهة كونها خبراً؛ لأنَّها مُحتمِلةٌ لمعنى الأمر. يَحتمِلُ أن يكون معنى ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَتَمَّ وَجْهُ الَّهُ﴾: وَلَّوا وجوهكم نحو وجهِ الله . وهذه الآيةُ هي التي تلا سعيدُ بن ◌ُجُبير رحمه الله لمَّا أَمرَ الحجّاجُ بذبحه إلى الأرض (٦). الرابعة: اختلف النَّاس في تأويل الوجهِ المُضافِ إلى الله تعالى في القرآن والسُّنة(٧)، فقال الحُذَّاق: ذلك راجعٌ إلى الوجود، والعبارةُ عنه بالوجه مِن مجاز الكلام، إذ كان الوجه أظهرَ الأعضاء في الشَّاهد وأجلَّها قدراً(٨). (١) تفسير الطبري ٢/ ٤٥٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٤٥/١، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٦٤/١، والمحرر الوجيز ٢٠٠/١. (٢) أخرج قول مجاهد الطبري ٢/ ٤٥٧، وذكر قول ابن جبير ابنُ عطية ١/ ٢٠٠، وهو في النكت والعيون ١٧٧/١ دون نسبة. (٣) المحرر الوجيز ٢٠٠/١. (٤) تفسير الطبري ٢/ ٤٦٠. (٥) المحرر الوجيز ٢٠١/١. (٦) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٩٤. (٧) صفة الوجه من الصفات الذاتية الثابتة لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته، وهي صفة خبرية ثابتة بالكتاب والسنة، فتُثبَتُ هذه الصفة بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. (٨) المحرر الوجيز ٢٠٠/١. ٣٣١ سورة البقرة : الآية ١١٥ وقال ابن فُورَك: قد يُذكر صفةُ الشِّيء والمرادُ به(١) الموصوفُ توسُّعاً، كما يقول القائل: رأيتُ عِلْمَ فلان اليوم، ونظرتُ إلى عِلْمه، وإنَّما يريد بذلك: رأيتُ العالِمَ، ونظرتُ إلى العالم، كذلك إذا ذُكر الوجه هنا، والمراد: مَنْ له الوجه، أي: الوجود. وعلى هذا يُتأوَّل قوله تعالى: ﴿إنّا نُطْعِئُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] لأنَّ المراد به: لله الذي له الوجه، وكذلك قوله: ﴿إِلَّا أَبْشِغَاءَ وَجْهِ رَبِِّ اَلْأَ﴾ [الليل: ٢٠] أي: الذي له الوجه(٢) . قال ابن عباس: الوجه عبارةٌ عنه عزَّ وجلَّ، كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَآلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] (٣) . وقال بعضُ الأئمة: تلك صفةٌ ثابتة بالسمع، زائدةٌ على ما تُوجبهُ العقولُ مِن صفات القديم تعالى. قال ابن عطية(٤): وضعَّف أبو المعالي هذا القول(٥)، وكذلك هو (٦) ضعيفٌ، وإنَّما المرادُ وجودُه. وقيل: المراد بالوجه هنا: الجهة التي وُجِّهنا إليها، أي: القبلة. وقيل: الوجه: القَصْد، كما قال الشاعر : أستغفرُ الله ذنباً لستُ مُخْصِيَه رَبَّ العبادِ إليه الوَجْهُ والعَمَلُ(٧) وقيل: المعنى فثَمَّ رضا الله وثوابُه، كما قال: ﴿إِنَّا نُطِئُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩](٨) أي: لرضاه(٩) وطلبٍ ثوابه، ومنه قولُهُ وَله: ((مَنْ بنى مسجداً يبتغي به وَجْهَ الله، (١) في (م): تذكر صفة الشيء والمراد بها. (٢) مشکل الحدیث وبيانه ص٣٥٧. (٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١/ ١٧٧ ولم ينسبه، وانظر زاد المسير ١٣٤/١-١٣٥. (٤) المحرر الوجيز ٢٠٠/١، والكلام الذي قبله منه. (٥) الإرشاد له ص١٤٦. (٦) في (ز) و(م): وهو كذلك. (٧) هو في الكتاب ٣٧/١، ومعاني القرآن للفراء ٢٣٣/١، وتفسير الطبري ١/ ١٧٠ والوسيط ١٩٤/١، وخزانة الآدب ١١١/٣. قال البغدادي: وهذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. (٨) المحرر الوجيز ٢٠٠/١. (٩) في (م): لرضائه. ٣٣٢ سورة البقرة : الآية ١١٥ بنى الله له مِثْلَه في الجنة))(١). وقولُه: ((يُجاءُ يومَ القيامة بِصُحُف مُختمة، فتُنصَبُ بين يدي الله تعالى، فيقول الله عزَّ وجلَّ لملائكته: أَلْقوا هذا، واقْبَلُوا هذا، فتقول الملائكة: وعِزَّتك يا ربَّنا، ما رأينا إلا خيراً فيقول - وهو أعلم -: إنَّ هذا(٢) كان لغير وجهي، ولا أقبلُ مِن العمل إلا ما ابتُغي به وجهي)) أي: خالصاً لي، خرَّجه الدار قطني(٣). وقيل: المراد فَثمَّ الله، والوجه صِلة، وهو كقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]. قاله الكلبيّ القُتَبِيّ(٤)، ونحوه قول المعتزلة(٥). الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعُ عَلِيمٌ﴾ أي: يُوَسِّعُ على عباده في دينهم، ولا يُكلِّفُهم ماليس في وُسعهم. وقيل: ((واسع)) بمعنى: أنه يَسَعُ عِلْمُه كلَّ شيء، كما قال: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَا﴾ [طه: ٩٨](٦). وقال الفرّاء: الواسع: هو الجَوَاد الذي يَسَعُ عطاؤه كلَّ شيءٍ(٧)، دليله قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وقيل: واسع المغفرة(٨)، أي: لا يتعاظمه ذَنْبٌ. وقيل: مُتَفضِّل على العباد، وغنيٌّ عن أعمالهم، يقال: فلان يَسَعُ ما يُسأل، أي: لا يبخل، قال الله تعالى: ﴿لِيُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَيّْةٍ﴾ [الطلاق: ٧] أي: لِيُنفِقِ الغنيُّ مما أعطاه الله . وقد أتينا عليه في الكتاب ((الأسنى)) (٩) والحمد لله . (١) أخرجه أحمد (٤٣٤)، والبخاري (٤٥٠)، ومسلم (٥٣٣) (واللفظ لهما) من حديث عثمان رضي الله عنه. (٢) في النسخ: إلا خيراً وهو أعلم فيقول إن هذا. والمثبت من سنن الدارقطني. (٣) في سننه ١/ ٥١. (٤) ينظر تأويل مشكل القرآن ص١٩٨، وتفسير البغوي ١٠٨/١. (٥) ينظر مقالات الإسلاميين للأشعري ص٢١٨، ومشكل الحديث لابن فورك ص٣٥٦. (٦) انظر تفسير الرازي ٤/ ٢٢. (٧) ذكره البغوي في تفسيره ١٠٨/١. (٨) المصدر السابق، ونسبه الكلبي . (٩) ص٢٦٣. ٣٣٣ سورة البقرة : الآية ١١٦ قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَأْ سُبْحَنَّهُ بَل لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلِّ لَهُ قَائِنُونَ فيه خمسُ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدًا﴾ هذا إخبارٌ عن النَّصارى في قولهم: المسيحُ ابنُ الله . وقيل عن اليهود في قولهم: عُزَيْرٌ ابنُ الله . وقيل عن كفرة العرب في قولهم: الملائكة بناتُ الله(١). وقد جاء مثلُ هذه الأخبارِ عن الجَهَلَة الكفار في ((مريم)) و ((الأنبياء)) (٢). الثَّانية: قولُه: ﴿سُبْحَنَةٌ بَل لَّهُ﴾ الآية. خرَّج البخاريُّ(٣) عن ابنِ عباس، عن النبيِّ ◌َّه قال: ((قال الله تعالى: كذَّبَني ابنُ آدَمَ ولم يكن له ذلك، وشَتَمَني ولم يكنْ له ذلك، فأمَّا تكذيبُه إياي؛ فَزَعَم أنّي لا أقدِرُ أنْ أُعيدَه كما كان، وأمّا شَتْمُهُ إِيَّايَ؛ فقولُه لي ولد، فسبحاني أنْ أنَّخذَ صاحبةً أو ولداً)). الثَّالثة: ((سُبْحَانَ)) منصوبٌ على المصدر، ومعناه التَّبرئةُ والتنزيهُ والمحاشاة من قولهم: انَّخذ الله ولداً، بل هو الله تعالى واحدٌ في ذاته، أَحَدٌ في صفاته، لم يلد فيحتاجَ إلى صاحبة، ﴿أَّ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَحِبَّةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىٌَّ﴾ [الأنعام: ١٠١] ولم يولد فيكونَ مسبوقاً، جلَّ وتعالى عمَّا يقولُ الّالمون والجاحدون عُلُوّاً كبيراً. ﴿بَلِ لَُّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضْ﴾ ((ما)) رفع بالابتداء، والخبر في المجرور، أي: كلُّ ذلك له ملكٌ بالإيجاد والاختراع. والقائل بأنه اتَّخذ ولداً داخلٌ في جملة السَّموات والأرض(٤). وقد تقدَّم أنَّ معنى سبحان الله : براءةُ الله من السُّوء. الرابعة: لا يكونُ الولد إلا من جنسِ الوالد، فكيف يكونُ للحقِّ سبحانه أنْ يتخذَ ولداً من مخلوقاته، وهو لا يُشْبِهُه شيء، وقد قال: ﴿إِن كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ (١) ينظر الوسيط ١٩٥/١، وأسباب النزول، كلاهما للواحدي ص٢٦، والمحرر الوجيز ٢٠١/١. (٢) سورة مريم الآية (٩٢)، وسورة الأنبياء الآية (٢٦). (٣) برقم (٤٤٨٢). (٤) المحرر الوجيز ٢٠١/١. ٣٣٤ سورة البقرة : الآية ١١٦ ءَنِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٥٣]، كما قال هنا: ﴿بَل لَُّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضْ﴾ فالوَلَدِيَّةُ تقتضي الجنسيَّةَ والحدوثَ، والقِدَمُ يقتضي الوحدانيةَ والثبوتَ، فهو سبحانه القدیمُ الأزليُّ الواحد الأحد، الفَرْدُ الصَّمَد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كُفُواً أحدٌ. ثم إنَّ البنوَّةَ تُنافي الرِّقَّ والعبوديةَ - على ما يأتي بيانُه في سورة مريم (١) إن شاء الله تعالى - فكيف يكون ولد عبداً؟! هذا مُحال، وما أدَّى إلى المُحال مُحالٌ. الخامسة: قوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَائِنُونَ﴾ ابتداءٌ وخبر، والتقدير: كلُّهم، ثم حذَف الهاء والميم (٢). (قَانِتُونَ)) أي: مطيعون وخاضعون، فالمخلوقات كلُّها تَقْنُتُ لله، أي: تَخضَع وتُطيع. والجمادات قُنُوتهم في ظهور الصَّنعة عليهم وفيهم. فالقنوتُ الطّاعة(٣)، والقنوتُ السُّكوت، ومنه قولُ زيد بن أرْقَم: كنّا نتكلّم في الصَّلاة، يُكَلِّم الرجلُ صاحبه إلى جنبه حتَّى نزلت: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرْنا بالسُّكوت ونُهينا عن الكلام(٤). والقنوتُ: الصَّلاة؛ قال الشَّاعر(٥): وعلى عَمْدٍ من النَّاسِ اعْتَزَلْ قانِتاً لله يَتْلُوكُتْبَهُ وقال السُّدِّيّ(٦) وغيرُه في قوله: ﴿ كُلُّ لَُّ قَدِنُونَ﴾ أي: يومَ القيامة. الحسن(٧): كلٌّ قائمٌ بالشَّهادة أنَّه عبدُه. والقنوتُ في اللغة أصلُه القيام، ومنه الحديث: ((أفضلُ الصلاةِ طُولُ القنوت)) (٨) قاله الزجاج(٩). فالخلق قانتون، أي: قائمون بالعبوديّة إمّا (١) عند تفسير الآية (٩٢) منها. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٧/١. (٣) المحرر الوجيز ٢٠١/١. (٤) أخرجه أحمد (١٩٢٧٨)، والبخاري (٤٥٣٤)، ومسلم (٥٣٩). (٥) لم نقف عليه. (٦) أخرجه الطبري ٢/ ٤٦٢. (٧) مجمع البيان ٤٣٤/١. (٨) أخرجه أحمد (١٤٣٦٨)، ومسلم (٧٥٦) من حديث جابر رضي الله عنه. (٩) معاني القرآن له ١٩٨/١ بنحوه. ٣٣٥ سورة البقرة : الآية ١١٧ إقراراً، وإمَّا أنْ يكونوا على خلاف ذلك، فأثَّرُ الصَّنعة بَيِّنٌ عليهم. وقيل: أصلُه الطّاعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَنِينَ وَاَلْقَلَِتِ﴾ (١) [الأحزاب: ٣٥]. وسيأتي لهذا مزيدُ بيان عند قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِنِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِذَا قَضَىَ أَمْرَا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُمْ كُنْ فَيَكُونُ فیه ستُّ مسائل: MV الأولى: قولُه تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ﴾ فعيلٌ للمبالغة، وارتفع على خبر ابتداء محذوف، واسمُ الفاعل مُبْدِع، كبصير من مُبْصر. أبدَعتُ الشيءَ لا عن مثال، فالله عزَّ وجلَّ بديعُ السَّمواتِ والأرض، أي: مُنشئُها ومُوجِدُها، ومُبدِعُها ومُخترِعُها على غير حدٍّ ولا مثال. وكلُّ مَنْ أنشأ ما لم يُسْبَقْ إليه قيل له: مُبْدِع، ومنه أصحابُ البدَع. وسُمِّيت البِدْعةُ بِدْعةً، لأنَّ قائلَها ابتدعَها من غير فعلٍ أو مقالٍ إمام، وفي البخاريّ: ونِعْمَتِ البِدْعُ هذه(٢). يعني قيام رمضان. الثّانية: كلُّ بِدْعةٍ صدرَتْ من مخلوق، فلا يخلُو أنْ يكونَ لها أصلٌ في الشَّرع، أوْ لا، فإن كان لها أصلٌ، كانت واقعةً تحت عموم ما نَدَبَ الله إليه، وحَضَّ رسولُه عليه، فهي في حيِّز المَدح. وإن لم يكن مثالُه موجوداً كنوع من الجُود والسَّخاء وفعلٍ المعروف، فهذا فعلُه من الأفعال المحمودة، وإن لم يكن الفاعلُ قد سُبق إليه. ويَعْضُد هذا قولُ عمرَ رضي الله عنه: نِعْمتِ البدعةُ هذه، لَمَّا كانت من أفعال الخير وداخلةً في حَيِّز المدح، وهي وإن كان النبيُّ نَّهِ قد صلَّاها، إلا أنه تَرَكَها ولم يُحافظ عليها، ولا جمعَ النَّاسَ عليها، فمحافظةُ عمرَ رضي الله عنه عليها، وجمعُ النَّاسِ لها، ونَذْبُهم إليها، بِدْعةٌ، لكنها بِدْعةٌ محمودةٌ ممدوحة(٣). وإن كانت في خلاف ما أمَرَ الله به ورسولُه، فهي في حيِّزِ الذَّمِّ والإنكار، قال معناه الخطّابي وغيرُه(٤). (١) الصحاح (قنت). (٢) صحيح البخاري (٢٠١٠)، وهو من قول عمر رضي الله عنه في جمعه الناس على قارئ واحد في قيام رمضان. (٣) البدع في العبادات كلها مذمومة، وقول عمر رضي الله عنه في جمع الناس في صلاة التراويح: نعمت البدعة هذه. فقد بين العلماء أن مقصده محمول على أصل اللغة لكلمة بدعة، أي نعم الشيء المخترع المحدث هذا . (٤) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١٠٦/١، وانظر أعلام الحديث للخطابي ٢/ ٩٨٤. ٣٣٦ سورة البقرة : الآية ١١٧ قلت: وهو معنى قولِهِ مَّ﴿ في خطبته: ((وشَرُّ الأمور مُحدَثاتُها، وكلُّ بِدْعَةٍ ضلالة)) (١) يريد ما لم يُوافِقِ كتاباً أو سُنَّة، أو عَمَلَ الصَّحابة رضي الله عنهم، وقد بَيَّنَ هذا بقوله: ((مَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً، كان له أجْرُها وأجْرُ مَنْ عَمِلَ بها من بعده من غير أنْ يَنْقُصَ من أجورهم شيءٌ، ومَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئةً، كان عليه وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها من بعده من غير أنْ يَنْقُصَ من أوزارهم شيءٌ))(٢). وهذا إشارةٌ إلى ما ابتُدِعَ من قبيح وحَسَن، وهو أصلُ هذا الباب، وبالله العصمةُ والتوفيق، لا رَبَّ غیره. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُرٍ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: إذا أراد إحكامّه وإتقانه - كما سبق في علمه - قال له: كن. قال ابن عرفةً: قضاءُ الشَّيء: إحكامُه وإمضاؤُه والفراغُ منه، ومنه سُمِّيَ القاضي، لأنه إذا حكم، فقد فَرَغَ ممَّا بين الخصمين. وقال الأزهري(٣): ((قضى)) في اللغة على وجوه، مرجعُها إلى انقطاع الشَّيء وتمامِه، قال أبو ذُؤَيْب: وعليهما مَسْرُودتانِ قضاهما دَاودُ أو صَنّعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ(٤) وقال الشَّمَّاخ في عمرَ بن الخطّاب رضي الله عنه: قضيتَ أموراً ثم غادرْتَ بعدَها بَوائقَ في أكمامها لم تُفتَّقِ (٥) قال علماؤنا: ((قَضَى)) لفظُ مشتَرَك، يكونُ بمعنى الخَلْق، قال الله تعالى: ﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِى يَوْمَيْنٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: خَلَقهنَّ، ويكون بمعنى الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآَ إِلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ فِي الْكِنَبِ﴾ [الإسراء: ٤]، أي: أَعْلَمْنا، ويكون بمعنى (١) هو قطعة من حديث جابر أخرجه أحمد (١٤٣٣٤)، ومسلم (٨٦٧). (٢) أخرجه أحمد (١٩١٧٤)، ومسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه. (٣) تهذيب اللغة (٢١١/٩). (٤) ديوان الهذليين ص١٩، وتهذيب اللغة، وسر صناعة الإعراب ٧٦٠/٢. قوله: مسرودتان، أي: درعان، قضاهما: فرغ منهما داود عليه السلام، والصَّنّع: الحاذق بالعمل، ثم ردَّ تُبَّعاً على صَنَّع. انظر شرح الديوان. (٥) ديوانه ص٤٤٩، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ص ١٠٩١، ولفظه فيهما: ((بوائج)) بدل: ((بوائق)) وهو بلفظ المصنف في الأغاني ١٥٩/٩. قوله: بَوائق، جمع بائقة، وهي الداهية. ٣٣٧ سورة البقرة : الآية ١١٧ الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، ويكون بمعنى الإلزام وإمْضَاء الأحكام، ومنه سُمِّ الحاكم قاضياً، ويكون بمعنى تَوْفِيَة الحقِّ، قال الله ﴾ [القصص: ٢٩]، ويكون بمعنى الإرادة، كقوله تعالى: تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الآجل ﴿فَإِذَا قَضَوَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٦٨]، أي: إذا أراد خَلْقَ شيء. قال ابن عطية(١): ((قَضَى)) معناه: قَدَّرَ، وقد يجيءُ بمعنى: أَمْضَى، ويَتَّجه في هذه الآية المَعْنَيان على مذهب أهل السُّنة، قدَّر في الأزل، وأمضى فيه. وعلى مذهب المعتزلة ((أمضى)) عند الخَلْقِ والإيجاد. الرابعة: قولُه تعالى: ﴿أَفْرًا﴾ الأمر واحدُ الأمور، وليس بمصدرٍ أَمَرَ يأمُر (٢). قال علماؤنا: والأمرُ في القرآن يتصرَّفُ على أربعةَ عَشَرَ وَجْهاً : الأول: الدِّينُ؛ قال الله تعالى: ﴿حَّ جَآءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْهُ الَّهِ﴾ [التوبة: ٤٨] يعني دين الله الإسلام. الثاني: القولُ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [المؤمنون: ٢٧] يعني قولَنا، وقولُه: ﴿فَتَزَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ٦٢] يعني قولهم. الثالث: العذابُ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] يعني لَمَّا وَجَبَ العذابُ بأهل النار. الرابع: عيسى عليه السَّلام، قال الله تعالى: ﴿إِذَا قَضَوْ أَمْرًا﴾ [مريم: ٣٥] يعني عيسى، وكان في عِلْمه أنْ يكونَ من غير أب. الخامس: القتلُ بَبْدر، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [غافر: ٧٨] يعني القتلَ ببدر، وقولُه تعالى: ﴿لِيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] يعني قَتْلَ كفَّارٍ مكةَ. السادس: فتحُ مكةً، قال الله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْرِ﴾ [التوبة: ٢٤] يعني فتحَ مكة. (١) المحرر الوجيز ٢٠١/١-٢٠٢. (٢) المصدر السابق. ٣٣٨ سورة البقرة : الآية ١١٧ السابع: قتلُ قُرَيظةَ وجَلاءُ بني النَّضير، قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]. الثامن: القيامةُ، قال الله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]. التاسع: القضاء، قال الله تعالى: ﴿يُدَبِرُ الْأَمْرَ﴾ [الرعد: ٢] يعني القضاء. العاشر: الوَحْي، قال الله تعالى: ﴿يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥] يقول: يُنزّلُ الوَحْيَ من السماء إلى الأرض، وقوله: ﴿يَغَزَّلُ الْأَنْهُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، يعني الوحي. الحادي عشر: أَمرُ الخَلْقِ، قال الله تعالى: ﴿أَلََّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]، يعني أمورَ الخَلائق. الثاني عشر: النَّصْرُ، قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَىْءٌ﴾ [آل عمران: ١٥٤] يعنون النصرَ، ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَُّ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] يعني النصرَ. الثالث عشر: الذَّنب، قال الله تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَغْرِهَا﴾ [الطلاق: ٩]، يعني جزاءَ ذَنْبِها. الرابع عشر: الشَّأنُ والفعل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، أي: فعلُه وشأنُه، وقال: ﴿فَلَيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]، أي: فِعْلِه. الخامسة: قوله تعالى: ﴿كُنْ﴾ قيل: الكافُ مِن كَيْنُونِه، والنُّون من نُوره(١)، وهي المرادُ بقوله عليه السَّلام: ((أعوذُ بكلمات الله الثَّامَّات من شرِّ ما خلَق))(٢). ويُروى: ((بكلمة الله التَّامَّة)) على الإفراد، فالجمع لمَّا كانت هذه الكلمةُ في الأمور (١) نوادر الأصول للحكيم الترمذي ص٣، وليس لهذه التأويلات أصل صحيح. (٢) أخرجه أحمد (٢٧١٢٢)، ومسلم (٢٧٠٨) من حديث خولة بنت حكيم السُّلمية رضي الله عنها قالت: سمعت رسول اللهَ﴿ يقول: ((إذا نزلَ أحدُكم منزلاً فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لا يضرُّه شيء حتى يرتحل منه)). وأخرجه أيضاً أحمد (٧٨٩٨)، ومسلم (٢٧٠٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه قصة. وأورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص٢. ٣٣٩ سورة البقرة : الآية ١١٧ كلِّها، فإذا قال لكلِّ أمر: كن، ولكلِّ شيءٍ: كن، فهنَّ كلمات، يدلُّ على هذا ما رُوِي عن أبي ذرِّ عن النبيّ ◌َ ﴿ فيما يحكي عن الله تعالى: ((عطائي كلام، وعذابي كلام)). خرَّجه الترمذي في حديثٍ فيه طول(١). والكلمةُ على الإفراد بمعنى الكلمات أيضاً، لكنْ لمَّا تفرَّقت الكلمة الواحدةُ في الأمور في الأوقات، صارت كلماتٍ، ومَرْجِعُهن إلى كلمة واحدة. وإنَّما قيل: تامَّة؛ لأنَّ أقلَّ الكلام عندَ أهل اللغةِ على ثلاثةِ أحرف: حرفٌ مبتدأ، وحرفٌ تُحْشَى به الكلمةُ، وحرفٌ يُسْكَتُ عليه. وإذا كان على حرفين، فهو عندَهم منقوص، كيَدِ ودَمِ وفَم، وإنما نقص لِعلَّة. فهي (٢) من الآدميِّين من المنقوصات لأنها على حرفين، ولأنها كلمةٌ ملفوظة بالأدوات، ومِن ربِّنا تبارك وتعالى تامة؛ لأنها بغير الأدوات، تعالى عن شَبَه المخلوقین. السادسة: قوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ﴾ قُرئ برفع النون على الاستئناف(٣). قال سيبويه: معناه(٤): فهو يكونُ، أو: فإنه يكون، وقال غيرُهُ(٥): هو معطوفٌ على (يقول)). فعلى الأوَّل كائناً(٦) بعد الأمر، وإن كان معدوماً فإنه بمنزلة الموجود؛ إذ هو عنده معلوم، على ما يأتي بيانه. وعلى الثاني كائناً مع الأمر، واختاره الطبري(٧) وقال: أمرُه للشيء بـ((كن)) لا يتقدَّم الوجودَ ولا يتأخّر عنه، فلا يكون الشيءُ مأموراً بالوجود إلا وهو موجودٌ بالأمر، ولا موجوداً إلا وهو مأمورٌ بالوجود، على ما يأتي (١) سنن الترمذي (٢٤٩٥) وقال: حديث حسن، وهو عند أحمد (٢١٣٦٧)، وأورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص٣. (٢) يعني كلمة: كن. وانظر نوادر الأصول ص٣. (٣) المحرر الوجيز ٢٠٢/١، وقراءة الرفع هي قراءة الجمهور غير ابن عامر، فقد قرأ: ((فيكونَ)) بنصب النون، انظر السبعة ص ١٦٨، والتيسير ص ٧٦. (٤) لفظة: ((معناه)) من (ز). (٥) هو الزجاج وكلامه في معاني القرآن له ١٩٩/١، وقد نقله المصنف وما قبله عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠٢/١. (٦) في (ز): هو كائن. (٧) تفسيره ٢/ ٤٧٠. ٣٤٠ سورة البقرة : الآية ١١٧ بيانه. قال: ونظيرُه قيامُ الناس من قبورهم لا يتقدَّم دعاءً الله ولا يتأخّرُ عنه، كما قال: ◌ُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]. وضعَّف ابنُ عطية هذا القولَ وقال: هو خطأ من جهة المعنى؛ لأنه يقتضي أنَّ القولَ مع التكوين(١) والوجود(٢). وتلخيصُ المعتقَد في هذه الآية: أن الله عزَّ وجلَّ لم يَزَلْ آمِراً للمعدومات بشرط وجودها، قادراً مع تأخّر المقدُورات، عالماً مع تأخّر المعلومات. فكلُّ ما في الآية يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأمورات؛ إذ المحدثاتُ تَجيء(٣) بعد أن لم تكن. وكلُّ ما يُسنَد إلى الله تعالى من قدرةٍ وعلمٍ، فهو قديم لم يَزَلْ(٤). والمعنى الذي تَقتضيه عبارةُ ((كن)): هو قديمٌ قائم بالذات. وقال أبو الحسن الماوَرْدِيُّ(٥): فإن قيل: ففي أيِّ حالٍ يقول له: كن، فيكون؟ أفي حالِ عَدَمِه، أم في حال وجوده؟ فإن كان(٦) في حال عَدَمِهِ، استحالَ أنْ يأمرَ إلا مأموراً، كما يستحيلُ أن يكون الأَمْرُ إلَّا مِن آمِر، وإن كان في حال وجوده(٧)؛ فتلك حالٌ لا يجوزُ أن يأمرَ فيها بالوجود والحدوث؛ لأنه موجودٌ حادث؟ قيل: عن هذا السؤال أجوبةٌ ثلاثة : أحدها: أنه خبرٌ من الله تعالى عن نفوذ أوامرِه في خَلْقِه الموجود، كما أَمَرَ في بني إسرائيلَ أن يكونوا قِرِدَةً خاسئين، ولا يكونُ هذا وارداً في إيجاد المعدومات. الثاني: أن الله عزَّ وجلَّ عالمٌ بما هو كائنٌ قبلَ گَوْنِه، فكانت الأشياء التي لم تكن (١) في (د): من جهة التكوين. (٢) المحرر الوجيز ٢٠٢/١. وقال أبو حيان في البحر المحيط ٣٦٦/١: وما ردَّه به ابن عطية لا يتمُّ إلا بأن تحمل الآية على أن ثَمَّ قولاً وأمراً قديماً، أما إذا كان ذلك على جهة المجاز ومن باب التمثيل، فيجوز أن یعطف علی «یقول». (٣) في (ظ) و(ز): تحس. (٤) المحرر الوجيز ٢٠٢/١. (٥) النكت والعيون ١٧٨/١-١٧٩. (٦) في (د) : قال. (٧) في (ظ) و(ز) و(خ): وجود.