Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
سورة البقرة : الآية ١٠٦
الثالثة: النسخ في كلام العرب على وجهين :
أحدهما: النقل، كنقل كتاب من آخر. وعلى هذا يكون القرآنُ كلُّه منسوخاً،
أعني من اللوح المحفوظ، وإنزاله إلى بيت العِزَّة في السماء الدنيا، وهذا لا مَدْخلَ له
في هذه الآية، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّ نَسْتَنسِخُ مَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]،
أي: نأمرُ بنسخه وإثباته(١).
الثاني: الإبطالُ والإزالةُ، وهو المقصود هنا، وهو منقسم في اللغة على ضربين:
أحدهما: إبطالُ الشيء وزوالُه، وإقامةُ آخرَ مقامه، ومنه نَسَخَتِ الشمسُ الظُّلَّ :
إذا أذْهَبَتْهُ وحلَّتْ محلّه(٢)، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِهَا تَأْتٍ
◌ِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾. وفي ((صحيح)) مسلم: لم تكن نبوَّةٌ قطُ إلا تَناسَختْ(٣). أي: تحوَّلتْ من
حال إلى حال، يعني أمر الأمَّة.
قال ابنُ فارس: النَّسخ: نَسْخُ الكتاب، والنَّسخِ: أن تُزِيلَ أمراً كان من قبلُ يُعمل
به، ثم تَنْسَخه بحادث غيره، كالآية تَنزلُ بأمر، ثم يُنْسَخ بأُخرى. وكلُّ شيءٍ خَلَفَ
شيئاً فقد انتسخه، يقال: انتسختِ الشمسُ الظلَّ، والشيبُ الشبابَ.
وتناسُخ الورثة: أن تموتَ ورثةٌ بعد ورثة، وأصل الميراث قائمٌ لم يُقْسَم؛
وكذلك تناسخُ الأزمنة والقرون(٤).
الثاني: إزالة الشيء دون أن يقومَ آخرُ مَقامه، كقولهم: نَسَخَتِ الريحُ الأثرَ(٥)،
ومن هذا المعنى قولُه تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اَللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢] أي: يُزيله،
فلا يُتلى ولا يُثبت في المصحف بدله. وزَعَمَ أبو عُبيد(٦) أنَّ هذا النسخَ الثَّاني: قد
كان ينزلُ على النبيِّ وَ ﴿ السورة، فتُرفَعُ، فلا تُتلى ولا تُكتب.
(١) المحرر الوجيز ١٩٠/١.
(٢) المصدر السابق .
(٣) (٢٩٦٧) وهو من قول عتبة بن غزوان في حديث طويل، وهو في المسند (١٧٥٧٥).
(٤) مجمل اللغة ٤ /٨٦٦-٨٦٧.
(٥) المحرر الوجيز ١٩٠/١.
(٦) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٢٩/١، وانظر الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ص ١٤.

٣٠٢
سورة البقرة : الآية ١٠٦
قلتُ: ومنه ما رُوي عن أُبَيِّ بن كعب وعائشةَ رضي الله عنهما أنَّ سورةَ الأحزاب
كانت تَعدِلُ سورةَ البقرةِ في الظُول؛ على ما يأتي مُبيَّاً هناك إن شاء الله تعالى(١).
ومما يدلُّ على هذا ما ذكره أبو بكر الأنباريُّ: حدثنا أَبي، حدثنا نَصْر بنُ داود،
حدثنا أبو عُبيد، حدثنا عبد الله بن صالح، عن اللَّيث، عن يونس وعُقيل، عن ابن
شهاب قال: حدَّثني أبو أمامةً بن سهل بن حُنيف في مجلس سعيد بن المسيّب، أن
رجلاً قام مِن الليل لِيقرأ سورةً من القرآن، فلم يَقدِرْ على شيءٍ منها، وقامَ آخَرُ، فلم
يَقدِرْ على شيءٍ منها، وقام آخَرُ، فلم يَقدِرْ على شيءٍ منها، فَغَدَوْا على رسول الله وَّهِ،
فقال أحدُهم: قمتُ الليلةَ يا رسولَ الله لأَقرأ سورةً من القرآن، فلم أَقدِرْ على شيءٍ
منها، فقامَ الآخَرُ فقال: وأنا والله كذلك يا رسولَ الله، فقام الآخَرُ فقال: وأنا والله
كذلك يا رسولَ الله، فقال رسولُ الله وَّر: ((إنها مما نسخ الله البارحة)». وفي إحدى
الروايات: وسعيد بن المسيِّب يسمعُ ما يُحدِّثُ به أبو أمامةً، فلا يُنكره(٢).
الرابعة: أنكرتْ طوائفُ مِن المُنتمين للإسلام المتأخِّرين جوازَه، وهم
مَحْجوجون بإجماع السَّلَف السَّابق على وقوعه في الشَّريعة.
وأنكرته أيضاً طوائفُ مِن اليهود، وهم محجُوجُون بما جاء في توراتهم بزعمهم
أنَّ الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه مِن السَّفينة: إنِّي قد جعلتُ كلَّ دابَّة
مَأْكَلاً لك ولذرِّيتك، وأطلقتُ ذلك لكم كنبات العُشْب، ما خلا الدّم، فلا تأكلوه،
(١) حديث أُبَيّ رضي الله عنه أخرجه أحمد (٢١٢٠٧)، والنسائي في الكبرى (٧١١٢). وحديث عائشة
رضي الله عنها أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٩٠، وسيذكر المصنف الحديثين في أول تفسير
سورة الأحزاب. وقد ردّ أبو بكر الباقلاني أمثال هذه الروايات، فقال في الانتصار ٣٩٤/١ في رواية
أبي: إن هذه الرواية عن أبي لو كانت صحيحة ثابتة لوجب أن تشتهر عن أبي الشهرة التي تلزم القلوب
ثبوتها، ولا يمكن جحدها وإنكارها؛ لأن هذه هي العادة في مثل هذه الدعوى من مثل أبي في نباهته
وعلو قدره في حفاظ القرآن، فإذا لم يظهر ذلك عنه الظهور الذي يُلزم الحجة بمثله، عُلم بطلان
الخبر، وأنه لا أصل له. وقال: وإذا كان ذلك كذلك، علمنا أن هذا القول المروي عن أبي لم يكن
ظاهراً في الصحابة، ولا متداولاً بينهم، ولم نعلم أيضاً أن أحداً قاله وروي عنه، ولم يُعلم أيضاً صحة
هذه الرواية نفسها فضلاً عن شهرتها ووجوب ذكرها عنه وعن غيرها = عُلم بذلك وتُيقِّن تكذبها على
أُبي، واحتقار واضعها عليه لعظم الإثم والبهتان ... وانظر تتمة كلامه.
(٢) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص١٤ -١٥.

٣٠٣
سورة البقرة : الآية ١٠٦
ثم قد حرَّم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيراً مِن الحيوان، وبما كان آدمُ عليه
السلام يُزوِّجُ الأخَ مِن الأُخْت، وقد حرَّم الله ذلك على موسى عليه السلام وعلى
غيره(١)، وبأنَّ إبراهيمَ الخليلَ أُمِرَ بذبح ابنه، ثم قال له: لا تَذْبَحْهُ، وبأنَّ موسى أَمَرَ
بني إسرائيل أنْ يقتلُوا مَن عَبَدَ منهم العِجْلَ، ثم أمرَهم برفع السَّيف عنهم، وبأنَّ نبؤَّته
غيرُ مُتعبَّدٍ بها قبل بَعْثه، ثم تُعُبِّد بها بعد ذلك، إلى غير ذلك.
وليس هذا مِن باب البَداء، بل هو نقلُ العباد من عبادةٍ إلى عبادة، وحُكم إلى
حُكم؛ لضربٍ من المصلحة؛ إظهاراً لحكمته وكمال مملكته.
ولا خِلافَ بين العقلاء أنَّ شرائعَ الأنبياء قُصِدَ بها مصالحُ الخَلْقِ الدِّينِيَّةُ
والدُّنيويَّة، وإنَّما كان يلزمُ البَداءُ لو لم يكن عالماً بمآل الأمور، وأمَّا العالمُ بذلك،
فإنَّما تتبدَّل خِطاباتُه بحَسَب تبدُّلِ المصالح، كالطّبيب المُراعي أحوالَ العليل.
فراعَى ذلك في خليقته بمشيئته وإرادته، لا إله إلا هو، فخطابُه يتبدَّل، وعِلْمُه
وإرادته لا تتغيَّر، فإنَّ ذلك مُحالٌ في جهة الله تعالی.
وجَعلت اليهودُ النَّسْخَ والبَداء شيئاً واحداً، ولذلك لم يُجوِّزوه فضّلُّوا(٢).
قال النحاس(٣): والفَرْقُ بين النسخ والبداء: أنَّ النَّسخَ تحويلُ العبادة مِن شيءٍ
إلى شيءٍ قد كان حلالاً فَيُحرَّم، أو كان حراماً فَيُحلَّل. وأما البَداء: فهو تَرْكُ ما عُزِمَ
عليه، كقولك: إِمْضٍ إلى فلان اليومَ، ثم تقول: لا تَمْضِ إليه، فيبدو لك عن القول
الأوَّل(٤)، وهذا يلحقُ البَشَرَ لِنُقْصانهم. وكذلك إنْ قلت: إِزْرَعْ كذا في هذه السَّنة،
ثم قلت: لا تفعلْ. فهذا البَداء(٥).
الخامسة: إِعلم أنَّ الناسخَ على الحقيقة هو الله تعالى، ويُسمَّى الخطابُ الشرعيُّ
ناسخاً تجوّزاً، إذْ به يقعُ النَّسْخِ(٦)، كما قد يُتَجوَّز فيسمَّى المحكومُ فيه ناسخاً،
(١) ينظر تفسير الرازي ٢٢٧/٣، والمحصول له ٢٩٥/٣.
(٢) المحرر الوجيز ١٩٠/١.
(٣) في الناسخ والمنسوخ ٤٤١/١- ٤٤٢.
(٤) في (م): فيبدو لك العدول عن القول الأول.
(٥) في (ظ) و(م): فهو البداء.
(٦) المحرر الوجيز ١٩٠/١.

٣٠٤
سورة البقرة : الآية ١٠٦
فيقال: صومُ رمضان ناسخٌ لصوم عاشوراء، فالمنسوخُ هو المُزال، والمنسوخُ عنه هو
المُتعبَّدُ بالعبادة المُزالة، وهو المُكلَّف.
السادسة: اختلفتْ عباراتُ أئمتنا في حدِّ النَّاسخ، فالذي عليه الحُذَّاق مِن أهل
السُّنة أنه إزالة ما قد استقرَّ مِن الحُكم الشرعيِّ بخطابٍ واردٍ مُتَراخياً، هكذا حدَّه
القاضي عبد الوهّاب والقاضي أبو بكر، وزادا(١): لولاه لكان السابقُ ثابتاً (٢)،
فحافظاً(٣) على معنى النسخ اللغويّ، إذ هو بمعنى الرفع والإزالة، وتحرَّزا(٤) مِن
الحكم العقلي. وذُكِرَ الخِطاب ليعمَّ(٥) وجوه الدلالة مِن النَّص والظّاهر والمفهوم
وغيره، وليخرج القياس والإجماع، إذ لا يُتصوَّر النسخُ فيهما ولا بهما. وقُيِّد (٦)
بالتراخي؛ لأنَّه لو اتَّصلَ به لكان بياناً لغاية الحكم لا ناسخاً (٧)، أو يكون آخرُ الكلام
یرفع أوَّلَه، کقولك: قُم لا تقم.
السابعة: المنسوخُ عند أئمتنا أهلِ السُّنة هو الحكمُ الثابتُ نفسُه، لا مثلُه كما
تقولُه المعتزلة؛ بأنَّه الخِطابُ الدالُّ على أنَّ مِثلَ الحكم الثَّابتِ فيما يُستقبل بالنَّص
المتقدِّم زائلٌ. والذي قادَهم إلى ذلك مذهبُهم في أنَّ الأوامرَ مُرادةٌ، وأنَّ الحُسْنَ صفةٌ
نفسيَّةٌ للحَسَن، ومُرادُ الله حَسَن، وهذا قد أبطلَه علماؤنا في كتبهم(٨) .
الثامنة: اختلف علماؤنا في الأخبار: هل يدخلُها النسخ؟ فالجمهورُ على أنَّ
النسخ إنَّما هو مختصِّ بالأوامر والنواهي، والخبرُ لا يدخلُه النَّسخ، لاستحالةِ الكذب
على الله تعالى(٩).
(١) في النسخ الخطية: وزاد، والمثبت من (م).
(٢) ينظر المحرر الوجيز ١٩٠/١، والمحصول للرازي ٢٨٢/٣.
(٣) في (خ) و(د) و(ظ): محافظاً.
(٤) في (خ) و(د): وتجوزاً.
(٥) في (د) و(ز) و(ظ): ليعما، وفي (خ): ليعمى، والمثبت من (م).
(٦) في (خ) و(د) و(م): وقيدا.
(٧) ينظر المحصول للرازي ٢٨٣/٣.
(٨) ينظر المحرر الوجيز ١٩٠/١-١٩١.
(٩) ينظر المحرر الوجيز ١٩١/١، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكّيّ ص٦٦.

٣٠٥
سورة البقرة : الآية ١٠٦
وقيل: إنَّ الخبر إذا تضمَّن حُكماً شرعياً جازَ نسخُه(١)، كقوله تعالى: ﴿وَمِن
ثَمَرَّتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧]. وهناك يأتي القولُ فيه إنْ
شاء الله تعالى.
التاسعة: التخصيصُ مِن العموم يُوهِم أنه نسخٌ، وليس به؛ لأنَّ المخُصَّصَ لم
يتناوله العموم قطّ، ولو ثبتَ تناولُ العموم لشيءٍ ما، ثم أُخرجَ ذلك الشيءُ عن
العُموم، لكان نسخاً لا تخصيصاً (٢)، والمتقدِّمون يُطلقون على التخصيص نسخاً
تَوَسُّعاً ومَجازاً.
العاشرة: اعلم أنَّه قد يَرِدُ في الشرع أخبارٌ ظاهرُها الإطلاق والاستغراق، ويَرِدُ
تقييدُها في موضع آخرَ، فيرتفعُ ذلك الإطلاق، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى
عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فهذا الحكمُ ظاهرُهُ خبرٌ عن
إجابة كلِّ داعٍ على كلِّ حال، لكن قد جاء ما قيَّده في موضع آخر، كقوله ﴿فَيَكْشِفُ مَا
تَدْعُونَ إِلَّهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١]. فقد يظنُّ مَن لا بَصيرةَ عنده أنَّ هذا مِن باب النَّسخ
في الأخبار، وليس كذلك، بل هو من باب الإطلاق والتقييد، وسيأتي لهذه المسألة
زيادةُ بيان في موضعها إن شاء الله تعالى(٣).
الحادية عشرة: قال علماؤنا رحمهم الله تعالى(٤): جائزٌ نسخُ الأثقلِ إلى
الأخفّ، كنسخ الثُّبوت لعشرة بالثُّبوت لاثنين(٥). ويجوز نسخُ الأخفّ إلى الأثقل،
كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان، على ما يأتي بيانه في آية الصّيام(٦)،
ويُنْسَخُ المِثْلُ بمثْله ثِقَلاً وخِفَّةً، كالقِبلة، ويُنسخُ الشيءُ لا إلى بَدَل، كصدقة النَّجْوَى،
(١) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٠٧/١.
(٢) المحرر الوجيز ١٩١/١.
(٣) في تفسير الآية (١٨٦) من هذه السورة (المسألة الثالثة).
(٤) المحرر الوجيز ١٩١/١.
(٥) يعني في قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِتَنَيْنَّ وَإِن يَكُنْ فِنكُم مِّأْنَةٌ يَغْلُواْ أَلْفَا﴾
نُسخ بقوله : ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين .. ﴾ [الأنفال:
٦٥ - ٦٦] انظر الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ٣٠٠-٣٠١.
(٦) الآية (١٨٣) من هذه السورة (المسألة الرابعة).

٣٠٦
سورة البقرة : الآية ١٠٦
ويُنسخ القرآنُ بالقرآن، والسُّنةُ بالسُّنَّة (١)، وهذه العبارةُ يُرادُ بها الخبرُ المتواترُ
القطعيّ، ويُنْسَخ خبرُ الواحد بخبر الواحد.
وحُذَّاقُ الأئمّة على أنَّ القرآنَ يُنسخُ بالسنة، وذلك موجودٌ في قوله عليه السلام:
((لا وصية لوارث))(٢). وهو ظاهرُ مسائل مالك. وأَبَى ذلك الشافعيُّ(٣) وأبو الفرج
المالكيّ(٤)، والأوَّل أصحُّ، بدليل أنَّ الكُلَّ حُكْمُ الله تعالى ومِن عنده، وإن اختلفت
في الأسماء. وأيضاً، فإنَّ الجَلْدَ ساقطٌ في حدِّ الزّنى عن الثيِّب الذي يُرجم، ولا
مُسقِطَ لذلك إلا السُّنَةُ فِعْلُ النبيِّ وَّهِ، وهذا بَيِّنٌ.
والحُذَّاقُ أيضاً على أنَّ السُّنَّةَ تُنْسَخُ بالقرآن، وذلك موجودٌ في القبلة، فإن الصلاة
إلى الشَّام لم تكن في كتاب الله تعالى. وفي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُغَارِ﴾
[الممتحنة: ١٠] فإنَّ رجوعَهنَّ إنَّما كان بِصُلحِ النبيِّ ◌َّ لقريش.
والحُذّاق على تجويز نَسْخ القرآن بخبر الواحدِ عَقْلاً، واختلفوا: هل وقعَ شرعاً؟
فذهب أبو المعالي وغيرُه إلى وقوعه في نازلة مسجد قُبَاء، على ما يأتي بيانه(٥)، وأَبى
ذلك قومٌ.
ولا يصحُّ نسخُ نصِّ بقياس، إذ مِن شروط القياس ألا يُخالِفَ نصًّا.
وهذا كلُّه فِي مُدَّة النبيّ وَّهِ، وأمَّا بعد موته واستقرارِ الشَّريعة، فأجمعتِ الأُمَّةُ
أنَّه لا نسخ، ولهذا كان الإجماعُ لا يُنسخُ ولا يُنسخُ به، إذ انعقادُه بعد انقطاع
(١) في النسخ: والسنة بالعبارة، والمثبت من المحرر الوجيز ١٩١/١.
(٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٧٦٦٣)، والترمذي (٢١٢١)، والنسائي في السنن الكبرى
(٦٤٣٥)، والمجتبى ٢٤٧/٦، وابن ماجه (٢٧١٢) من حديث عمرو بن خارجة رضي الله عنه، قال
الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه أحمد (٢٢٢٩٤)، وأبو داود (٢٨٧٠)، والترمذي
(٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣) من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه.
(٣) المحرر الوجيز ١٩١/١.
(٤) لكن مكيَّ بن أبي طالب نقلَ في إيضاحه ص٧٨ أن أبا الفرج المالكي أجاز نسخ القرآن بالسنة، وهو
خلاف ما نقله عنه المصنف. وأبو الفرج المالكي: هو عمرو بن محمد الليثي، القاضي: نشأ ببغداد،
وأصلُه من البصرة، له الكتاب المعروف بالحاوي في مذهب مالك، وكتاب اللمع في أصول الفقه،
مات سنة (٣٣٠هـ) وقيل: (٣٣١هـ). الديباج المذهب ١٢٧/٢.
(٥) ٤٣٠/٢.

٣٠٧
سورة البقرة : الآية ١٠٦
الوَحْي، فإذا وجدنا إجماعاً يُخالفُ نصَّا فنعلم(١) أنَّ الإجماعَ استندَ إلى نصِّ ناسخ لا
نعلمه نحن، وأنَّ ذلك النصَّ المُخالِفَ متروكٌ العملُ به، وأنَّ مُقتضاه نُسِخَ، وبقيَ سُنَّةً
يُقرأ ويُروى، كآية (٢) عِدَّةِ السَّنَةِ في القرآن تُثْلى(٣)، فتأمَّلْ هذا، فإنَّه نفيسٌ، ويكون
من باب نّسْخ الحُكم دون التِّلاوة، ومثله صَدَقةُ النَّجْوَى. وقد تُنسخ التِّلاوة دون
الحكم، كآية الرجَّم، وقد تُنسخ التِّلاوة والحُكم معاً، ومنه قول الصدِّيق رضي الله
عنه: كنا نقرأ : ((لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر))(٤) ومثلُه كثير.
والذي عليه الحُذَّاق أنَّ مَنْ لم يَبْلُغْه النَّاسخ، فهو مُتَعَبَّد بالحكم الأوَّل، كما يأتي
بيانُه في تحويل القبلة(٥).
والحُذّاق على جوازِ نَسْخِ الحُكم قبلَ فِعْلِه، وهو موجودٌ في قصة الذَّبيح، وفي
فَرْض خمسين صلاة قبلَ فِعْلها بخمس، على ما يأتي بيانه في ((الإسراء)»
و((الصافات))، إن شاء الله تعالى(٦).
الثانية عشرة: لمعرفة الناسخ ◌ُطُرُق:
منها: أنْ يكونَ في اللَّفظ ما يدلُّ عليه، كقوله عليه السلام: ((كنتُ نَهَيْتُكم عن
زيارة القبور، فَزُورُوها، ونَهَيْتُكم عن الأَشْربة إلا في ظُروفِ الأَدَم، فاشْرَبُوا في كلِّ
وعاءٍ، غير ألا تشربوا مُسْكِراً))(٧) ونحوه.
(١) في (خ) و(د) و(م): فيعلم.
(٢) في (خ) و(ز) و(ظ) و(م): كما آية، والمثبت من (د).
(٣) يعني قوله تعالى: ﴿مَّتَدعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاِجْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] فقد نُسخ حكمها بقوله تعالى:
﴿يَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَّمَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وبقيت تلاوتها. انظر المحصول ٣٢٢/٣.
(٤) هو قطعة من حديث السَّقِيفة الطويل، أخرجه أحمد (٣٩١)، والبخاري (٦٨٣٠) من حديث ابن عباس
عن عمر بن الخطاب قولَه، وليس من قول الصديق، رضي الله عنهم.
(٥) ٤٣١/٢.
(٦) الإسراء الآية (١)، والصافات الآيات (١٠٢ -١٠٧). وهذه المسألة الحادية عشرة نقلها المصنف عن
ابن عطية في المحرر الوجيز ١٩١/١ باختلاف يسير.
(٧) أخرجه بنحوه أحمد (٢٢٩٥٨)، ومسلم (٩٧٧) و١٥٨٤/٣-١٥٨٥ من حديث بريدة الأسلمي رضي
الله عنه، وفي الباب عن علي وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك رضي الله عنهم، وهي
على الترتيب في مسند أحمد (١٢٣٦) و(٤٣١٩) و(١١٣٢٩) و(١٣٤٨٧).

٣٠٨
سورة البقرة : الآية ١٠٦
ومنها: أنْ يَذكُرَ الرَّاوي التَّاريخَ، مثل أنْ يقول: سمعتُ عامَ الخَنْدَق، وكان
المنسوخُ معلوماً قبلَه، أو يقول: نُسِخَ حُكْمُ كذا بكذا.
ومنها: أنْ تُجمِعَ الأمةُ على حُكمٍ أنه منسوخٌ، وأنَّ ناسخَه مُتقدِّم.
وهذا الباب مبسوطٌ في أصول الفقه، نَّهنا منه على ما فيه لمن اقتصر كفاية، والله
المُوفِّق للهداية.
الثالثة عشرة: قرأ الجمهورُ: ((ما نَنْسَخْ)) بفتح النون، مِن: نَسَخَ، وهو الظَّاهرُ
المُستعمل على معنى: ما نرفع مِن حُكم آيةٍ وتبقى (١) تلاوتُها، كما تقدَّم. ويَحتمِلُ أنْ
يكون المعنى: ما نرفع مِن حُكم آيةٍ وتلاوتها، على ما ذكرناه.
وقرأ ابنُ عامر: ((نُنْسِخ)) بضمّ النون(٢)، مِن: أَنْسختُ الكتاب، على معنى:
وجدتُه منسوخاً. قال أبو حاتم: هو غلط. وقال الفارسيّ أبو عليّ(٣): ليست لغةً؛ لأنَّه
لا يُقال: نَسَخَ وأَنْسخَ بمعنّى، إلا أن يكون المعنى: ما نجده منسوخاً، كما تقول:
أحمدتُ الرجلَ وأَبْخلتُه، بمعنى: وجدتُه محموداً وبخيلاً.
قال أبو عليّ: وليس نَجِدُه منسوخاً إلا بأنْ ننسخَه، فتتفق القراءتان في المعنى
وإن اختلفتا(٤) في اللَّفظ.
وقيل: ((ما ننسخ)): ما نجعل لك نَسْخَه؛ يقال: نسختُ الكتابَ: إذا كتبتَه،
وانتسَخْتُهُ(٥) غيري: إذا جعلتَ نَسْخَهُ له.
قال مَكِّيّ(٦): ولا يجوزُ أن تكون الهمزةُ للتعدِّي؛ لأن المعنى يتغيَّر، ويصير
المعنى: ما نُنسخك(٧) مِن آيةٍ يا محمد. وإنساخُه إيّاها إنزالُها عليه، فيصيرُ المعنى: ما
(١) في (م): ونُبقي.
(٢) السبعة ص١٦٨. والتيسير ص ٧٦.
(٣) في الحجة للقراء السبعة ١٨٤/٢- ١٨٥، ونقله المصنف عنه (في الموضعين) بواسطة المحرر الوجيز
١٩٢/١.
(٤) في النسخ الخطية: اختلفا، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز.
(٥) في (ز) و(ظ): وأنسخته.
(٦) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٢٥٧/١. ووقع في (م): أو بخيلاً.
(٧) في الكشف: ما نسختك.

٣٠٩
سورة البقرة : الآية ١٠٦
نُنزل عليك من آيةٍ أو نُنْسها نأتِ بخيرٍ منها أو مثلِها، فيؤول المعنى إلى أنَّ كلَّ آية
أُنزِلِتْ أُتِيَ بخير منها، فيصيرُ القرآنُ كلُّه منسوخاً، وهذا لا يُمكن، لأنَّه لم يُنسخ إلا
اليسيرُ من القرآن. فلمَّا امتنعَ أنْ يكون ((أفعلَ)) و((فعَلَ)) بمعنّى؛ إذ لم يُسمَعْ، وامتنع أنْ
تكون الهمزةُ للتعدِّي؛ لفساد المعنى، لم يبقَ ممكنٌ إلا أنْ يكون مِن باب: أحمدتُه
وأبخلتُه: إذا وجدتَه محموداً وبخيلاً.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿أَوْ نُنِهَا﴾ قرأ أبو عمرو وابنُ كثير بفتح النون
والسين والهمز(١)، وبه قرأ عُمر، وابنُ عبَّاس، وعطاءٌ، ومجاهدٌ، وأُبَيُّ بنُ كعب،
وعُبيد بنُ عُمير، والنَّخَعِيّ، وابن مُحَيْصِن، مِن التأخير، أي: يُؤَخِّر نَسْخَ لفظها،
أي: نتركه في أمِّ الكتاب(٢) فلا يكون(٣). وهذا قولُ عطاء، وقال غير عطاء: معنى
((أو نَنْسأها)): نُؤَخِّرها عن النسخ إلى وقت معلوم، مِن قولهم: نسأتُ هذا الأمر: إذا
أخَّرتَه، ومن ذلك قولهم: بعتُه نَسْأَ: إذا أخّرتَه(٤). قال ابن فارس: ويقولون: نَسَأَ الله
في أجلك، وأنسأ الله أجلَك. وقد انتسأَ القوم: إذا تأخّرُوا وتَباعدُوا، ونسأتُهم أنا:
أخَّرتُهم(٥).
فالمعنى: نؤخِّر نزولها أو نسخَها على ما ذكرنا. وقيل: نُذهبها عنكم حتى لا تقرأ
ولا تذكر.
وقرأ الباقون: (نُنْسِها))، بضم النون(٦)، مِن النسيان الذي بمعنى الترك، أي:
نتركُها فلا نُبدِّلها ولا ننسخُها. قاله ابنُ عباس والسُّدِّيّ(٧)، ومنه قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهُ
فَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي: تركوا عبادته، فتركَهم في العذاب. واختارَ هذه القراءةَ أبو
(١) السبعة ص١٦٨. والتيسير ص ٧٦.
(٢) في (م) و(د): في آخر أمّ الكتاب.
(٣) في (ز): فلا يكون نسخاً. وانظر الكشف عن وجوه القراءات السبع ٢٥٨/١.
(٤) نسبه الماوردي في النكت والعيون ١٧١/١ لعطاء وابن أبي نجيح، وانظر تفسير الطبري ٣٩٥/٢.
(٥) مجمل اللغة ٨٦٦/٤.
(٦) السبعة ص١٦٨. والتيسير ص ٧٦.
(٧) النكت والعيون ١/ ١٧١، وأخرجهما الطبري ٣٩٣/٢-٣٩٤.

٣١٠
سورة البقرة : الآية ١٠٦
عبيد(١) وأبو حاتم؛ قال أبو عبيد: سمعت أبا نُعيم القارئ(٢) يقول: قرأتُ على النبيِّ
﴿ ﴿ في المنام بقراءة أبي عمرو فلم يغيِّر عليَّ إلا حرفين؛ قال: قرأتُ عليه ((أَرْنا)»،
فقال: أَرِنا، فقال أبو عبيد: وأحسب الحرف الآخر: ((أو ننسأها)) فقال: (أو نُّنْسِها))(٣).
وحكى الأزهريّ: ((نُنْسها)»: نأمرُ بتركها؛ يقال: أنسيتُه الشيء، أي: أمرتُ
بتركه، ونسيتُه: تركتُه؛ قال الشاعر:
إنَّ عليَّ عُقْبَةً أَقْضِيها. لستُ بِناسيها ولا مُنْسِيهَا (٤)
أي: ولا آمُرُ بتركها.
وقال الزجَّاج: إنَّ القراءةَ بضمّ النون لا يتوجّه فيها معنى الترك؛ لا يقال: أنسى
بمعنى ترك (٥).
وما روى عليُّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: ((أو نَنْسَها)) قال: نَتْركها لا
نُبَدِّلها(٦)؛ فلا يصحّ. ولعلَّ ابن عباس قال: نُتْرِكها، فلم يضبط.
والذي عليه أكثر أهل اللغة والنَّظر أنَّ معنى ((أو نُنْسِها)»: نُبِحْ لكم تَرْكُها؛ مِن
نَسِيَ : إذا ترك، ثُمَّ تُعدّیه.
وقال أبو عليّ وغيره: ذلك مُتَّجه؛ لأنَّه بمعنى: نجعلُك تتركُها(٧).
وقيل: مِن النسيان على بابه الذي هو عدمُ الذِّكْر، على معنى: أو نُنْسِكَها يا
محمد فلا تذكُرُها، نقل بالهمز، فتعدَّى الفعلُ إلى مفعولين: وهما النبيُّ والهاء، لكن
اسم النبيِّ [مقدَّرٌ] محذوف(٨).
(١) الناسخ والمنسوخ ص١١.
(٢) هو شجاع بن أبي نصر البلخي، ثم البغدادي، من جلة أصحاب أبي عمرو بن العلاء، توفي سنة
(١٩٠ هـ). طبقات القراء ٣٢٤/١.
(٣) من المعلوم والمقرر في أصول الشريعة أن المنامات ليست مصدراً للأحكام.
(٤) تهذيب اللغة ١٣/ ٨٠.
(٥) معاني القرآن ١٩٠/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٩٣/١.
(٦) أخرجه الطبري ٣٩٣/٢، وانظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ١١٥/٢.
(٧) المحرر الوجيز ١٩٣/١.
(٨) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٢٥٩/١، وما بين حاصرتين منه.
:

٣١١
سورة البقرة : الآية ١٠٧
الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿َأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ لفظة ((بخير)» هنا صفة تفضيل؛
والمعنى بأنفعَ لكم أيُّها النَّاس في عاجلٍ إنْ كانت النَّاسخةُ أخفَّ، وفي آجلِ إن كانت
أثقلَ، وبمثلها إن كانت مستوية (١). وقال مالكٌ: مُخْكّمة مكان منسوخة.
وقيل: ليس المراد بأخير التفضيل؛ لأنَّ كلام الله لا يتفاضل، وإنَّما هو مثلُ
قوله: ﴿مَن ◌َّةَ بِالْحَسَةِ فَهُ خَيْرٌ مِنْهَ﴾ [النمل: ٨٩] أي: فله منها خيرٌ، أي: نفعٌ وأجر،
لا الخيرُ الذي هو بمعنى الأفضل، ويدلُّ على القول الأوّل قوله: «أو مِثْلِها».
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِّ وَمَا لَكُم ◌ِّن دُونِ
اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَعْلَمْ﴾ جزم بـ«لم))، وحروف الاستفهام لا تُغيِّر عملَ العامل.
وفُتحت ((أنَّ) لأنها في موضع نصب . ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضُِ﴾ أي: بالإيجادِ
والاختراع، والمُلك والسلطان، ونفوذِ الأمر والإرادة.
وارتفعَ ((مُلْكُ)) بالابتداء، والخبر ((له)) والجملةُ خبر ((أنَّ».
والخطابُ للنبيِّ وَّهِ، والمرادُ أمَّتُه؛ لقوله: ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَّا
نَصِيرٍ﴾(٢). وقيل: المعنى: أي قُلْ لهم يا محمد: ألم تعلموا أنَّ لله سلطانَ السماواتِ
والأرض.
﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ﴾ مِن: وَلِيتُ أَمْرَ فلان، أي: قمتُ به، ومنه
وليُّ العهد، أي: القَيِّمُ بما عُهِدَ إليه من أمر المسلمين. ومعنى ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾:
سوى الله، وبَعْدَ الله، كما قال أُمَيةُ بنُ أبي الصَّلْت(٣):
يانفسُ مالكِ دونَ الله مِن واقٍ وما على حَدَثان الدَّهر مِن باقٍ
وقراءةُ الجماعة: ((وَلا نصيرٍ)) بالخفض عطفاً على ((وَلِيٍّ))، ويجوز: ((ولا نَصِيرٌ))
بالرفع عطفاً على الموضع(٤)؛ لأنَّ المعنى: ما لكم من دون الله وليٍّ ولا نَصيرٌ.
(١) ينظر المحرر الوجيز ١٩٤/١.
(٢) النكت والعيون ١/ ١٧٢.
(٣) ديوانه ص٩١، وأورده الطبري في تفسيره ٤٠٨/٢.
(٤) يعني في غير القرآن، ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٥٥/١.

٣١٢
سورة البقرة : الآية ١٠٨
قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْتَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُيِلَ مُوسَى مِن قَبْلٌّ وَمَن
﴾
يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ
قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ هذه ((أَمْ)) المُنقطعة التي بمعنى ((بل)) أي: بل
تریدون، ومعنى الكلام التوبيخُ.
﴿أَنْ تَسْئَلُوا﴾ في موضع نَصْب بـ(«تريدون».
﴿كَمَا سُئِلَ﴾ الكافُ في موضع نَصْب نعت لمصدر، أي: سؤالاً كما. و((موسى))
في موضِع رفع على ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ(١).
((مِن قبلُ)): سؤالهم إيَّاه أنْ يُرِيَهم الله جهرةً، وسألوا محمداً أنْ يأتيّ بالله
والملائكةِ قَبِيلاً. عن ابن عباس ومجاهد: سألوا أنْ يجعلَ لهم الصَّفا ذهباً (٢).
وقرأ الحسن: ((كما سيل))، وهذا على لغة مَن قال: سِلْتُ، أسالُ، ويجوز أنْ
يكونَ على بدلِ الهمزة ياءً ساكنةً على غير قياس، فانكسرت السِّين قبلَها. قال
النَّحاس: بدلُ الهمزة بعيد(٣).
والسَّواء من كل شيء: الوَسَط، قاله أبو عبيدة مَعْمَرُ بن المُثَنَّى(٤)، ومنه قولُه:
﴿فِي سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]. وحكى عيسى بنُ عمر قال: ما زِلْتُ أكتبُ حتى
انقطعَ سَوائي، وأنشد قولَ حسان يرثي رسولَ اللهِ صَارٍ:
ياويْحَ أصحاب النبيِّ ورَهْطِهِ بَعْدَ المُغَيَّبِ في سَواء المُلْحَدِ(٥)
وقيل: السَّواء: القصد، عن الفَرّاء (٦)، أي: ذهبَ عن قَصْد الطريق وسَمْته،
أي: طريق طاعةِ الله عزَّ وجلَّ.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٥/١.
(٢) تفسير الطبري ٤٠٩/٢، ٤١٠، وأسباب النزول للواحدي ص٣٢.
(٣) إعراب القرآن ٢٥٥/١. وقراءة الحسن ذكرها أيضاً ابنُ عطية في المحرر الوجيز ١٩٥/١.
(٤) مجاز القرآن ١/ ٥٠.
(٥) المحرر الوجيز ١٩٦/١، وهو في ديوان حسان ص١٥٤، وعندهما: ((أنصار)) بدل ((أصحاب)). قوله:
الملحد: يعني القبر. مجمل اللغة ٨٠٣/٤.
(٦) معاني القرآن ٧٣/١.

٣١٣
سورة البقرة : الآيتان ١٠٩، ١١٠
وعن ابن عباس أيضاً: أنَّ سبب نزول هذه الآية، أنَّ رافعَ بنَ حُرَيْملة (١)
ووَهْبَ بنَ زيد قالا للنبيِّ وَّهِ: انتنا بكتابٍ من السَّماءِ نَقرؤه، وفجِّرْ لنا أنهاراً نَتَّبعك.
قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَنْكُمْ
كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِم مِّنْ بَعْدٍ مَا ثَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَقَّ
يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْرِهَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وَأَقِيمُواْ الضَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةُ وَمَا
تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا
حَسَدًا مِنْ عِندٍ أَنْفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُُّ﴾ فيه مسألتان:
الأولى: ﴿وَدَّ﴾: تمنَى، وقد تقدَّم(٢). ﴿ گُفَارًا﴾ مفعولٌ ثان بـ«یردُّونَكُم)).
﴿مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ قيل: هو متعلِّق: بـ((وَدَ)). وقيل: بـ((حَسَداً)؛ فالوقفُ على
قوله: ((كُفَّارًا)). و((حَسَداً)) مفعولٌ له، أي: وَدُّوا ذلك للحسد، أو مصدرٌ دلَّ ما قبلَه
على الفعل.
ومعنى: ((مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ)) أي: من تِلْقائهم مِن غير أنْ يجدوه في كتاب، ولا
أُمِروا به، ولفظةُ الحسد تُعطي هذا، فجاء ﴿مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِم﴾ تأكيداً وإلزاماً، كما
قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧] و﴿يَكْثُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِبِهِمْ﴾
[البقرة: ٧٩]، ﴿وَلَا طَيْرٍ يَطِيُ بِجَنَاحَّيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. والآيةُ في اليهود(٣).
الثانية: الحسدُ نوعان: مذمومٌ ومحمودٌ، فالمذمومُ: أنْ تتمنَّى زوالَ نِعمةِ الله عن
أخيك المسلم، وسواءٌ تَمنَّيتَ مع ذلك أنْ تعودَ إليك أَوْلا، وهذا النوعُ الذي ذَمَّه الله
تعالى في كتابه بقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَدُهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤].
وإنما كان مَذْموماً؛ لأنَّ فيه تَسْفيهَ الحقِّ سبحانه، وأنَّه أنعم على مَن لا يستحقُّ.
(١) في النسخ الخطية و(م): رافع بن خزيمة، والصواب ما أثبتناه، كما في تفسير الطبري ٤٠٩/٢، وسيرة
ابن هشام ٥٤٨/١.
(٢) ٢٥٩/٢.
(٣) المحرر الوجيز ١٩٦/١ باختلاف يسير.

٣١٤
سورة البقرة : الآيتان ١٠٩، ١١٠
وأما المحمودُ: فهو ما جاء في صحيح الحديثِ من قوله عليه السلام: ((لا حَسَدَ
إلا في اثنتين: رجلٍ آتاهُ الله القرآنَ، فهو يقومُ به آناءَ اللَّيلِ وآناءَ النهار، ورجلٍ آتاه الله
مالاً، فهو يُنفقُه آناء الليل وآناء النهارِ))(١).
وهذا الحديث(٢) معناه الغِبْطَة، وكذا(٣) تَرْجَمَ عليه البخاريُّ(٤): بابُ الاغتباط
في العلم والحِكْمة.
وحقيقتُها: أنْ تتمنَّى أنْ يكون لك ما لأخيكَ المسلم من الخير والنِّعمة، ولا
يَزولَ عنه خَيْرُه، وقد يجوزُ أنْ يُسمَّى هذا مُنافسةً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ
فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦](٥).
﴿مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ أي: من بعد ما تبيَّنَ الحقُّ لهم، وهو محمدٌ رَّهِ،
والقرآنُ الذي جاء به.
قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَأَصْفَحُوا﴾ فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَأَعْفُوا﴾ والأصلُ: اغْفُوُوا، حُذفت الضَّمةُ لِثقلها، ثم
حُذفت الواو لالتقاء السَّاكنين(٦).
والعَفْوُ: تَرْكُ المُؤاخذةِ بالذَّنْب. والصَّفْحُ: إزالةُ أَثَرِه من النَّفْس؛ صَفْحْتُ عن
فلان: إذا أعرضتَ عن ذَنْبه. وقد ضربتُ عنه صَفْحاً: إذا أعرضتَ عنه وتركتَه، ومنه
قولُه تعالى: ﴿أَفَتَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ الزخرف: ٥].
الثانية: هذه الآيةُ منسوخةٌ بقوله: ﴿قَئِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله:
(١) أخرجه أحمد (٤٩٢٤)، والبخاري (٥٠٢٥) بنحوه، ومسلم (٨١٥) - واللفظ له - من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما. وأخرجه أحمد (٣٦٥١)، والبخاري (٧٣)، ومسلم (٨١٦) من حديث ابن مسعود
رضي الله عنه بنحوه. وأخرجه أحمد (١٠٢١٤)، والبخاري (٥٠٢٦) من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه بنحوه أطول منه.
(٢) في (م): الحسد.
(٣) في (م): كذلك.
(٤) قبل الحديث (٧٣).
(٥) ينظر المفهم ٢/ ٤٤٥-٤٤٦.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٦/١.

٣١٥
سورة البقرة : الآيتان ١٠٩، ١١٠
﴿صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] عن ابن عباس. وقيل: الناسخُ لها ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾
[التوبة: ٥](١).
قال أبو عُبيدة: كلُّ آيةٍ فيها ترك القتال(٢)، فهي مَكِيةٌ منسوخةٌ بالقتال(٣). قال ابنُ
عطية: وحُكْمُه بأنَّ هذه الآيةَ مَكِّيَّةٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ مُعانَداتِ اليهود إنَّما كانت بالمدينة.
قلت: وهو الصحيحُ؛ روى البخاريُّ ومسلم عن أُسامةَ بن زيد، أنَّ رسولَ الله
وَ﴿ رَكِبَ على حمارٍ عليه قَطِيفةٌ فَدَكيَّة - وأسامةُ وراءَه - يعود سعدَ بن عُبَادة في بني
الحارث بن الخررج قبلَ وَقْعة بدر، فسارا حتى مَرَّا بمجلسٍ فيه عبدُ الله بنُ أَبِيِّ بنُ
سَلُول - وذلك قبل أن يُسِلمَ عبدُ الله بن أُبَي - فإذا في المجلس أخلاطٌ مِن المسلمين
والمشركين عَبَدةِ الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبدُ الله بنُ رَواحةً، فلمَّا غَشِيتٍ
المجلسَ عَجَاجةُ الدَّابة، خَمَّرَ ابنُ أُبَيِّ أنفه بِردائه، وقال: لا تُغَبِّروا علينا، فسلّم
رسولُ اللهِ وَّهِ، ثمَّ وقفَ فنزلَ، فدعاهم إلى الله تعالى، وقَرَأَ عليهم القرآنَ، فقال له
عبدُ الله بنُ أُبَيّ بنُ سَلُول: أيها المرءُ، لا أَحْسَنَ مما تقول إن كان حقًّا! فلا تُؤْذِنا به
في مجالسنا، فمن جاءَ فاقصُصْ عليه. قال عبدُ الله بنُ رَواحةً: بلى يا رسولَ الله ،
فاغْشَنا في مجالسنا، فإنَّا نُحِبُّ ذلك. فاستبَّ(٤) المشركون والمسلمون واليهود حتى
کادوا یَتثاورُون، فلم یَزَلْ رسولُ الله پڼ﴿ يُخَفِضُهم حتی سگنوا(٥)، ثم ركب رسولُ الله
وَ ﴿ دابَّته، فسارَ حتى دخلَ على سعدٍ بن عُبادة، فقال رسولُ الله ◌ِوَلِ: (([أيْ سعدُ]
ألم تسمعْ إلى ما قال أبو حُباب؟ يريد عبدَ الله بنَ أُبَيّ. قال كذا وكذا)) فقال: أَيْ
رسولَ الله، بأبي أنتَ وأمِّي، اعفُ عنه واصفَحْ، فوالذي أَنزلَ عليك الكتابَ بالحقِّ،
لقد جاءك الله بالحقِّ الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهلُ هذه البَحْرة(٦) على أَنْ
(١) أخرجه الطبري ٤٢٤/٢، وابن أبي حاتم ٣٣٤/١، وانظر تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٥.
(٢) في (م): للقتال.
(٣) مجاز القرآن ٥٠/١، وقد نقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٩٧/١.
(٤) في (م): فاستتبّ، وهو خطأ.
(٥) في (ظ): سكتوا، وهي موافقة لرواية الكشميهني، كما في فتح الباري ٢٣٢/٨.
(٦) في (د) و(ظ) و(م) ونسخة في هامش (خ): البحيرة، والمثبت من (خ) و(ز) وهو الموافق لرواية
البخاري التي اعتمدها المصنف. وقد وردت في روايات البخاري الأخرى ومسلم: البحيرة. والمراد
بها هنا : المدينة المنورة.

٣١٦
سورة البقرة : الآيتان ١٠٩، ١١٠
يُتَوِّجُوهِ، ويُعَصِّبُوه بالعصابة، فلمَّا ردَّ الله ذلك بالحقِّ الذي أعطاكَ، شَرِقَ بذلك،
فذلك فَعَلَ به(١) ما رأيتَ. فعفا عنه رسولُ الله ◌َله .
وكان رسولُ اللهِ وَلّهِ وأصحابُه يَعْفُون عن المشركين وأهلِ الكتاب كما أمرهم الله
تعالى، ويَصْبِرون على الأَذَى، قال الله عز وجل: ﴿وَلَتَسْمَعُنَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
مِن قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، وقال: ﴿وَذَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ اَلْكِنَبِ﴾. فكان
رسولُ اللهِ وَ* يتأوَّلُ في العفو عنهم ما أمره الله به حتى أَذِنَ له فيهم، فلما غَزَا
رسولُ اللهِوَ لِ﴿ بدراً، فقَتل الله بها(٢) مَنْ قَتل مِن صناديدِ الكُفَّار وسادةٍ(٣) قريش،
فقَفَلَ رسولُ اللهِ ﴿ وأصحابه غانمين منصورين، معهم أُسارى من صناديدِ الكُفَّار
وسادةٍ قريش.
قال عبدُ الله بنُ أُبي ابنُ سَلُول ومَنْ معه من المشركين عَبَدِةٍ (٤) الأوثان: هذا أَمْرٌ
قد تَوَجَّه، فبايعوا رسولَ اللهَ وَ ◌ّر على الإسلام، فأسلموا (٥).
قوله تعالى: ﴿حَّ يَأْتِىَ اللهُ بِأَغْرِهِ﴾ يعني قَتْلَ قُريظةَ وجَلاء بني النَّضير.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ تقدم(٦). والحمد لله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّعُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اَلَّهِ﴾ جاء في الحديث: أنَّ
العبدَ إذا ماتَ، قال النَّاسُ: مَا خَلَّفَ؟ وقالت الملائكةُ: ما قدَّم(٧)؟.
وخرَّج البخاريُّ والنَّسائيُّ عن عبد الله قال: قال رسولُ الله وَّهِ: ((أيُّكم مالُ
وارثِهِ أَحبُّ إليه مِنْ مالهِ؟)) قالوا: يارسولَ الله، ما مِنَّا من أحدٍ إلَّا مالُه أحبُّ إليه من
(١) قوله: به، ليس في (م).
(٢) في (م) و(ظ): به، والمثبت من (خ) و(د) و(ز)، وهو الموافق لرواية البخاري التي اعتمدها المصنف.
(٣) في (م) و(د) (في الموضعين): وسادات.
(٤) في (م): وعبدة.
(٥) صحيح البخاري (٦٢٠٧)، وبعضه في صحيح مسلم (١٧٩٨)، وما بين حاصرتين منهما، وهو في
مسند أحمد (٢١٧٦٧).
(٦) ٢٥٣/١ و٣٣٨ و٢٢/٢ فما بعدها.
(٧) روي موقوفاً ومرفوعاً، ومن وقفه أوثق ممن رفعه، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣/ ٣٥٠ عن
عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفاً. وأخرجه
البيهقي في شعب الإيمان (١٠٤٧٥) من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن سفيان، به، مرفوعاً.

٣١٧
سورة البقرة: الآيتان ١٠٩، ١١٠
مالٍ وارثِه، قال رسولُ اللهِ وَّجُ: ((ليس منكم مِنْ أحدٍ إلَّا مالُ وارثهِ أحبُّ إليه مِن
مالهِ. مالُكَ ما قدَّمْتَ، ومالُ وارثِكَ ما أَخَّرتَ)) لفظ النسائي. ولفظُ البخاري: قال
عبد الله: قال النبيُّ وَّهِ: ((أيُّكم مالُ وارثِهِ أَحبُّ إليه مِنْ ماله؟)) قالوا: يا رسولَ الله ،
ما مِنَّا أَحدٌ إلا مالُه أَحبُّ إليه. قال: ((فإنَّ مالَه ما قدَّم، ومالُ وارثه ما أخّر))(١).
وجاء عن عمرَ بنِ الخطّاب رضي الله عنه أنَّه مَرَّ ببقيع الغَرْقَد، فقال: السلامُ
عليكم أهلَ القبور، أخبارُ ما عندنا، أنَّ نساءَكم قد تَزوَّجْنَ، ودُورَكم قد سُكِنتْ،
وأموالكم قد قُسمتْ. فأجابه هاتفٌ: يا ابنَ الخطّاب، أخبارُ ما عندَنا، أنَّ ما قدَّمناه
وَجَدْناه، وما أَنْفقناه، فقد رَبِحْناه، وما خَلَّفناه، فقد حَسِرناه(٢).
ولقد أحسنَ القائلُ:
قدِّم لنفسكَ قبلَ موتِك صالحاً .. واعمَلْ فليس إلى الخُلود سبيلٌ
وقال آخر (٤):
م(٣)
قدِّم لنفسك تَوْبةً مَرْجُوَّةٌ
وقال آخر:
قَبلَ المماتِ وقَبلَ حَبْسِ الألسُنِ
وَلَدتْكِ إذْ وَلَدَتْك أمُّك باكياً
والقومُ حَوْلَك يضحكون سروراً
في يوم موتِك ضاحكاً مسروراً
فاعْمَلْ ليومٍ تکونُ فیه إذا بَکَوْا
وقال آخر:
فإنَّما خَلْفَك ما تعلمُ
سابق إلى الخير وبادِزْ به
على الذي قدَّمه يقدم(٥)
وقدِّمِ الخيرَ فكلُّ امرئ
(١) صحيح البخاري (٦٤٤٢)، والمجتبى ٢٣٧/٦ -٢٣٨. وهو في مسند أحمد (٣٦٢٦). عبد الله : هو ابنُ
مسعود رضي الله عنه.
(٢) أورده ابن عبد البر في التمهيد ٢٤٢/٢٠.
(٣) لم نقف عليه، وأورده ابن عادل في اللباب ٣٩٥/٢.
(٤) هو محمود الورَّاق، وذكر البيت ابن عبد البر في التمهيد ١٢/١٥، وبهجة المجالس ٢٥٩/٣، وأورده
المصنف في التذكرة ص ٤٦، وسيعيده عند تفسير الآية (١٧) من سورة النساء.
(٥) لم نقف عليهما، وأوردهما ابن عادل في اللباب ٣٩٥/٢.

٣١٨
سورة البقرة : الآيتان ١١١، ١١٢
وأَحسنُ مِن هذا كلِّه قولُ أبي العتاهية:
يَبقَى وراءك مصلحٌ أو مُفْسِدُ
إِسعَدْ بمالك في حياتك إنَّما
وأخو الصلاح قليلهُ يَتزيَّدُ
وإذا تركتَ لمفسدٍ لم يُبقِه
إِنَّ المورِّث نفسَه لمسدَّهُ(١)
وإن استطعت فكُنْ لنفسك وارثاً
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تقدَّم (٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىَّ تِلْكَ
أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُّواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِينَ ﴿ بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ
لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُؤُ عِنْدَ رَبِهِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
﴾
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى﴾ المعنى: وقالت
اليهود لن يدخل الجثّة إلا مَن كان يهودياً. وقالت النَّصارى لن يدخل الجنَّة إلا مَن
کان نصرانيًّا.
وأجاز الفراء أنْ يكون ((هُودًا)) بمعنى يهوديًّا؛ حُذف منه الزائد، وأن يكون جمع
هائد. وقال الأخفشُ سعيد: ((إلَّا مَنْ كان)) جعل ((كان)) واحداً على لفظ ((مَن))، ثم
قال: ((هوداً)) فجمع؛ لأنَّ معنى (مَن)) جَمْعٌ.
ويجوز: ((تِلْكَ أمانِيهِم))(٣) وتقدَّم الكلام في هذا(٤)، والحمد لله.
(١) لم نقف على هذه الأبيات في ديوانه، وقد أوردها ابن عبد البر في بهجة المجالس ٢٥٩/٣ دون نسبة.
وأورد ابنُ عبد البر في التمهيد ٢٤٣/٢٠ - بعد إيراده أثر عمر السالف الذكر - أبياتاً لأبي العتاهية غير
التي ذكرها المصنف، وهي:
إني أُكلِّمكُمْ وليس بكم كلام
أهل القبورِ عِلیکُمُ مني السلامْ
من بعدكم لهم الشراب ولا الطعام
لا تحسبوا أن الأحبَّة لم يَسُغْ
بكُمُ وفرَّق ذات بينكم الحِمام
كلا لقد رفضوكُمُ واستبدلوا
قدمات ليس له على حيَّ ذِمامْ
والخلقُ كلُّهم كذاك فكلُّ من
وهي في ديوانه ص٣٤١-٣٤٢.
(٢) ٢٦١/٢.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٦/١، وقد نقل المصنف بواسطته قولي الفراء والأخفش السالفين، وانظر
معاني القرآن للفراء ٧٣/١، وللأخفش ٣٣١/١.
(٤) ٢١٧/٢.

٣١٩
سورة البقرة : الآية ١١٣
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾ أصل ((هاتوا)): هاتِيُوا، حُذفت الضمة
لثقلها، ثمَّ حُذفت الياء لالتقاء الساكنين؛ يقال في الواحد المذكر: هاتٍ، مثل: رامٍ،
وفي المؤنث: هاتي، مثل: رامي(١).
والبرهان: الدليل الذي يُوقع اليقين، وجمعه براهين؛ مثل: قُرْبان وقرابين،
وسُلطان وسلاطين. قال الطبريّ: طلبُ الدليل هنا يقتضي (٢) إثبات النظر، ويردُّ على
مَنْ ينفيه.
﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ يعني في إيمانكم، أو في قولكم: تدخلون الجنَّة، أي:
بيِّنُوا ما قلتُم ببرهان. ثم قال تعالى: ﴿بَ﴾ ردًّا علیھم وتكذيباً لهم، أي: ليس كما
تقولون. وقيل: إنَّ((بلى)) محمولةٌ على المعنى، كأنه قيل: أمَا يدخل الجنة أحدٌ؟
فقيل: ﴿بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾.
ومعنى («أسلم)): استسلَم وخَضَعَ، وقيل: أخلص عمله. وخصّ الوجه بالذّكر
لكونِه أشرفَ ما يُرَى من الإنسان، ولأنَّه موضع الحواسّ، وفيه يظهر العِزُّ والذُّلُّ.
والعربُ تُخْبرُ بالوجه عن جملة الشيء، ويصحُّ أن يكون الوجهُ في هذه الآية المَقصِدَ.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ جملة في موضع الحال، وعاد الضمير في ((وجهه)) و((له)) على
لفظ ((مَنْ))، وكذلك «أجْرُهُ))، وعاد في ((عليهم)) على المعنى، وكذلك في ((يحزنون))(٣)
(٤)
· وقد تقدم(٤).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ
اَلْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِنَبَّ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ قَالَهُ
يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
معناه: ادَّعى كلُّ فريقٍ منهم أنَّ صاحبه ليس على شيء، وأنَّه أحقُّ برحمة الله منه(٥).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٦/١.
(٢) في (م) يقضي، وفي المحرر الوجيز ١٩٨/١ (والكلام منه): يقضي بإثبات.
(٣) المصدر السابق .
(٤): ٤٨٩/١.
(٥) المحرر الوجيز ١٩٨/١.

٣٢٠
سورة البقرة : الآية ١١٤
﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِنَبِّ﴾ يعني التوراة والإنجيل، والجملة في موضع الحال.
والمرادُ بـ(الذينَ لا يَعْلَمُونَ)) في قول الجمهور: كفَّار العرب؛ لأنَّهم لا كتاب
لهم، وقال عطاء: المرادُ أممٌ كانت قبل اليهود والنصارى(١). الربيع بن أنس:
المعنى: کذلك قالت اليهود قبل النصارى.
ابن عباس: قَدِم أهلُ نَجْرانَ على النبيِّ وَِّ، فأتَّتْهم أحبارُ يهود، فتنازعوا عند
النبيِّ وَّه، وقالت كلُّ فرقة منهم للأخرى: لستُم على شيء، فنزلت الآية (٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ◌َّنَعَ مَسَجِدَ اَللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِهَا أَسْمُهُ, وَسَعَى فِى
خَرَبِهَاَ أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَيِفِينَّ لَهُمْ فِى الذُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ
فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
فيه سبع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِهَا أَسْمُهُ﴾ ((مَنْ))
رفع بالابتداء، و((أَظْلَمُ)) خبره، والمعنى: لا أحدٌ أظلمُ. و((أنْ)) في موضع نصب على
البدل مِن ((مساجد))، ويجوز أن يكون التقدير: كراهيةً أنْ يُذْكَر، ثمَّ حُذف. ويجوز أنْ
يكون التقدير: مِن أنْ يُذْكَرَ فيها، وحرفُ الخفضِ يُحذَفُ مع ((أنْ)) لطول الكلام(٣).
وأراد بالمساجد هنا بيتَ المَقْدِس ومحاريبَه. وقيل: الكعبة، وجمعت لأنَّها قِبْلةُ
المساجد، أو للتعظيم. وقيل: المراد سائر المساجد (٤).
والواحد مَسْجِد، بكسر الجيم، ومن العرب من يقول: مَسْجَد، بفتحها(٥).
قال الفراء: كل ما كان على فَعَل يَفْعُل؛ مثل: دخَلَ يدخُل، فالمَفْعَلُ منه بالفتح؛
(١) المحرر الوجيز ١٩٩/١.
(٢) أخرج الأقوال الثلاثة الطبري في التفسير ٤٣٤/٢-٤٣٥ و٤٣٨، وابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٨/١
و ٣٤٠ و٣٤١.
(٣) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٥٧/١، ومجمع البيان ٤٢٧/١.
(٤) سيرد تخريج هذه الأقوال في المسألة التالية.
(٥) المحرر الوجيز١٩٩/١.