Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ سورة البقرة : الآية ٩٧ ومن قَرأ بالتاء (١)، فالتقديرُ عنده: قل لهم يا محمد: الله بصيرٌ بما تعملون. وقال العلماء: وصفَ الله عزَّ وجلَّ نفسَه بأنه بصيرٌ، على معنى أنه عالمٌ بخفيَّاتِ الأمور. والبصيرُ في كلام العرب: العالمُ بالشيء الخبيرُ به، ومنه قولُهم: فلانٌ بصير بالطّبِّ، وبصيرٌ بالفقه، وبصيرٌ بملاقاة الرِّجال؛ قال(٢): بصيرٌ بأدواءِ النساءِ طبيبُ فإنْ تسألوني بالنساءِ فإنني قال الخطّابي: البصير العالم، والبصير المُبْصِر. وقيل: وصفَ تعالى نفسَه بأنه بصيرٌ، على معنى: جاعل الأشياءِ المبصِرة ذواتٍ إبصار، أي: مدرِكةً للمبصَرات بما خلق لها من الآلة المدرِكةِ والقوّة، فالله بصیرٌ بعباده، أي: جاعلُ عبادِهِ مُبصِرين(٣). قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَمُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدِّى وَيُشْرَىْ لِلْمُؤْمِنِينَ سببُ نزولها أنَّ اليهودَ قالوا للنبيِّ وَّهِ: إنَّه ليس نبيٍّ من الأنبياء إلا يأتيه مَلَكٌ من الملائكة من عندِ ربِّه بالرسالة وبالوَحْي، فمَن صاحبُك حتى نُتابعَك؟ قال: ((جبريلُ)) قالوا : ذاك الذي ينزلُ بالحرب وبالقتال، ذاك عدوُّنا! لو قلتَ: ميكائيل الذي ينزلُ بالقطر وبالرَّحمة، تابعناك، فأنزل الله الآيةَ إلى قوله: ((الْكَافِرِين)). أخرجه الترمذي(٤). وقولُه تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزََّهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ الضمير في ((إنه)) يحتمِلُ معنيين: (١) هي قراءة يعقوب من العشرة كما في النشر ٢١٩/٢، ونسبها أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ١٨٢ إلى قتادة والأعرج. (٢) هو علقمة بن عبدة التميمي، والبيت في ديوانه ص٣٥. (٣) اشتقاق أسماء الله الحسنى ص٦٥ و٦٧. (٤) لم نقف عليه عند الترمذي، وهو جزءٌ من حديث طويل لابن عباس رضي الله عنهما أخرجه بتمامه أحمد (٢٤٨٣)، والنسائي في الكبرى (٩٠٢٤). وأخرج بعضه الترمذي (٣١١٧). وأخرج البخاري (٤٤٨٠) من حديث أنس رضي الله عنه في خبر إسلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه عندما قال للنبي ﴿: إني سائلُك عن ثلاثٍ لا يعلمُهن إلا نبيّ ... فقال رسول الله ◌َّ: ((أُخْبَرَني بهنَّ جبريلُ آنفاً)). قال: جبريل؟ قال: ((نعم)). قال: ذاك عدوُّ اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِيجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾. ٢٦٢ سورة البقرة : الآية ٩٨ الأول: فإنَّ الله نزَّل جبريلَ على قلبك. الثاني: فإنَّ جبريل نَزَلَ بالقرآن على قلبك. وخُصَّ القلبُ بالذِّكْر؛ لأنه موضعُ العقل والعلم وتلقّي المعارف. ودلَّت الآيةُ على شرف جبريلَ عليه السَّلام وذَمِّ مُعادِيه(١). وقولُه تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بإرادتِه وعلمِه. ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني التوراة. ﴿وَهُدًى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ تقدَّم معناه(٢)، والحمدُ لله . قولُه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَيْهِ. وَرُسُلِهِ، وَحِبْرِيلَ وَمِيكَئِلَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَِّ﴾ شرط، وجوابُه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌ لِلْكَفِرِينَ﴾. وهذا وعيد وذمٌّ لمُعَادِي جبريل عليه السلام، وإعلانٌ أنَّ عداوةَ البعض تقتضي عداوةَ الله لهم. وعداوةُ العبدِ لله هي معصيتُه واجتنابُ طاعتِهِ، ومعاداةُ أوليائه. وعداوةُ الله للعبد تعذيبُهُ وإظهارُ أثرِ العداوة عليه(٣). فإن قيل: لِم خصَّ الله جبريل وميكائيلَ بالذِّكر وإنْ كان ◌ِذِكْرُ الملائكة قد عَمَّهما؟ قيل له: خصَّهما بالذكر تشريفاً لهما؛ كما قال: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَخْلٌ وَرَُّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقيل: خُصَّا؛ لأنَّ اليهودَ ذكروهما، ونزلت الآيةُ بسببهما، فذِكْرُهما واجبٌ لئلا تقولَ اليهودُ: إِنَّا لم نُعادِ الله وجميعَ ملائكته(٣)؛ فنصَّ الله تعالى عليهما لإبطال ما يتأوَّلونَه من التخصيص. ولعلماء اللسان في جبريل وميكائيلَ عليهما السلام لغاتٌ، فأمَّا التي في ((جبريل)) فَعَشْرٌ : الأولى: جِبريل، وهي لغةُ أهلِ الحجاز؛ قال حسان بن ثابت (٤). وجِبْرِيلٌ رسولُ الله فِينًا (١) المحرر الوجيز ١٨٣/١. (٢) ٢٤٧/١. (٣) المحرر الوجيز ١٨٤/١. (٤) في ديوانه ص ٦٢. وسلف ص٢/ ٢٤٤. ٢٦٣ سورة البقرة : الآية ٩٨ الثانيةُ: جبْرِیل، بفتح الجيم، وهي قراءةُ الحسن وابنٍ گثیر، ورُوي عن ابن کثیر أنه قال: رأيت النبيَّ وَّ في النوم وهو يقرأ: جَبْرِيل وميكال(١)، فلا أزالُ أقرؤُهما أبداً كذلك. الثالثة: جَبْرَئِيل، بياء بعد الهمزة، مثال جبرعيل، كما قرأ أهلُ الكوفة(٢)، وأنشدوا: شَهِدْنا فما تَلْقَى لنا من كتيبةٍ مَدَى الدهرِ إلا جَبْرَئِيلُ أمامُها (٣) وهي لغةُ تميم وقیس. الرابعة: جَبْرَئِل - على وزن جَبْرَعِل - مقصور، وهي قراءةُ أبي بكر عن عاصم(٤). الخامسة: مثلُها، وهي قراءةُ يحيى بن يَعْمَر، إلا أنه شَدَّدَ اللامِ(٥). السادسة: جَبْرائِل، بألف بعد الراء ثم همزة؛ وبها قرأ عكرمة (٦). السابعة: مثلُها، إلا أنَّ بعد الهمزة ياءً(٧). الثامنة: جَبْرايِيل، بياءين بغير همزة(٨)، وبها قرأ الأعمشُ ويحيى بنُ يَعمر أيضاً (٩). (١) في (ز) و(ظ): مكاييل، وفي (م): ميكائيل، والمثبت من (د) و(خ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ١٨٣/١، والحجة للفارسي ١٦٣/٢. وذكر ابن مجاهد الخبر في السبعة ص١٦٦، وجاء فيه: میکائیل. وانظر التیسیر ص ٧٥. (٢) وهي قراءة حمزة والكسائي من أهل الكوفة. انظر السبعة ص١٦٧، والتيسير ص ٧٥. والمحرر الوجيز ١٨٣/١. (٣) البيت في معاني القرآن للزجاج ١/ ١٨٠، وفي حجة القراءات لابن زنجلة ص ١٠٧ من غير نسبة، ونسبه ابن هشام في شرح ((بانت سعاد)» ص ٥٥، والسمين في الدر المصون ١٩/٢، وابن عادل في اللباب ٣١١/٢ لحسان بن ثابت، وذكر البغدادي في خزانة الأدب ٤١٦/١ أن الصاغاني نسبه لكعب بن مالك، وخطَّأَ مَنْ نَسبَه لحسان بن ثابت. (٤) السبعة ص١٦٦، والتيسير ص ٧٥، والمحرر الوجيز ١٨٣/١. (٥) المحتسب ٩٧/١، والمحرر الوجيز ١٨٣/١. قال ابن عطية: وجبرالّ لغة فيه. يعني بتشديد اللام، كما ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٨ ونسبها ليحيى بن يعمر. (٦) المحرر الوجيز ١٨٣/١، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨ الفياض والحسن. (٧) المحتسب ٩٧/١، والمحرر الوجيز ١٨٣/١. (٨) وبألف بعد الراء، كما قيَّدها ابن جني في المحتسب ٩٧/١، وأبو حيان في البحر ٣١٨/١. (٩) المحرر الوجيز ١٨٣/١. ونسبها ابن جني في المحتسب ٩٧/١ الأعمش. وقال ٩٨/١: فيقوى في نفسي أنها همزة مخففة وهي مكسورة، فخفيت وقربت من الياء، فعبّر القرّاء عنها بالياء. ٢٦٤ سورة البقرة : الآية ٩٨ التاسعة: جَبْرئين، بفتح الجيم مع همزة مكسورة، بعدها ياء ونون(١). العاشرة: جِبْرِين، بكسر الجيم وتسكين الياء بنون من غير همز، وهي لغة بني أسد(٢). قال الطبري: ولم يُقرأ بها(٣). قال النحاس - وذكر قراءةً ابنٍ كثير -: لا يُعرفُ في كلام العرب: فَعْلِيل، وفيه: فِعْلِيل، نحوُ دِهليز وقِظْمير وبِرْطيل، وليس يُنكر أنْ يكونَ في كلام العجم ما ليس له نظيرٌ في كلام العرب، ولا (٤) يُنكر أنْ يكثُر تَغيُّره، كما قالوا: إبراهيم وإبْرَهَم وإبراهُم(٥) وإبراهام(٦). قال غيرهُ: جبريل اسمٌ أعجمي عرَّبتْه العربُ، فلها فيه هذه اللغاتُ، ولذلك لم ينصرف(٧). قلت: قد تقدَّم في أوّلِ الكتاب(٨) أنَّ الصحيحَ في هذه الألفاظ عربيةٌ، نزلَ بها جبريلُ بلسان عربيٍّ مُبين. قال النحاس(٩): ويُجمعُ جبريلُ على التكسير: جَباريل. وأمَّا اللغاتُ التي في ميكائيلَ فستّ: الأولى: ميكائل(١٠): قراءةُ نافع. وميكائيل، بياء بعد الهمزة: قراءةُ حمزة (١١). (١) لم نقف عليها. (٢) تفسير الطبري ٢٩٥/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٢٥٠/١، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٨ لبعض العرب. (٣) نقل المصنف قولَ الطبري بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٨٣/١، ولم نقف على كلام الطبري في تفسيره على هذه القراءة، وقد تكلم على قراءة ابن کثیر. (٤) في (م): وليس . (٥) مثلثة الهاء، كما في القاموس. (٦) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٢٥٠، وانظر أيضاً كلام أبي حيان في البحر ٣١٨/١ في الردّ على من غمز بقراءة ابن کثیر هذه. (٧) المحرر الوجيز ١٨٣/١. (٨) ١١٠/١. (٩) إعراب القرآن ٢٥١/١. (١٠) في النسخ الخطية: ميكايل، وفي (م): ميكاييل، والمثبت هو الصواب، كما في السبعة ص ١٦٦، والتيسير ص ٧٥، والمحرر الوجيز ١٨٤/١، وغيرهما. وهي أيضاً قراءة أبي جعفر من العشرة. كما في النشر ٢١٩/٢. (١١) السبعة ص١٦٧، والمحرر الوجيز ١٨٤/١، وقرأ بها أيضاً ابن كثير، وابن عامر، وشعبة عن عاصم، والكسائي، من السبعة، وخلف من العشرة. انظر التيسير ص ٧٥، والنشر ٢١٩/٢. ٢٦٥ سورة البقرة : الآية ٩٨ ميكال: لغةُ أهلِ الحجاز، وهي قراءةُ أبي عمرو، وحفص عن عاصم(١). ورُوِيّ عن ابنِ كثير الثلاثةُ أوجه(٢). قال كعب بن مالك(٣): ويوم بَدْرٍ لقِيناكم لنا مَدَدِّ فيه مع النَّصر ميكالٌ وجبريلُ وقال آخر (٤): عَبدوا الصَّليبَ وكذَّبوا بمحمَّدٍ وبجِبرَئِيلَ وكذَّبوا ميكالا اللغة الرابعة: مِيكَثِل، مثلُ: ميكعِل، وهي قراءةُ ابنِ مُخَيْصِن(٥). الخامسة: ميكاييل، بياءين، وهي قراءةُ الأعمش باختلاف عنه(٦). السادسة: ميكاءَل؛ كما يقال: إسراءَل بهمزة مفتوحة، وهو اسمٌ أعجميّ، فلذلك لم يَنصرف(٧). وذكر ابنُ عباس أنَّ ((جَبْر)) و((ميكًا)) و((إسراف)) هي كلُّها بالأعجمية بمعنى عبد ومملوك. و((إيل)): اسمُ الله تعالى(٨)؛ ومنه قولُ أبي بكر الصدِّيقِ رضي الله عنه حينَ سمع سَجْعَ مُسَيْلِمةً: هذا كلامٌ لم يَخرجْ من إلّ(٩)؛ وفي التنزيلِ: ﴿لَا يَقُنَ فِ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]، في أحد التأويلين، وسيأتي. قال الماوردي(١٠): إن (١) السبعة ص١٦٦، والتيسير ص ٧٥، وإعراب القرآن للنحاس ٢٥١/١، والمحرر ١٨٤/١، وهي أيضاً قراءة يعقوب من العشرة. كما في النشر ٢١٩/٢. (٢) لكن المشهور عنه: ميكائيل، كما سلف، وهو الذي ذكره ابن مجاهد في السبعة ص١٦٦، وذکر له ابن عطية ١/ ١٨٣، وأبو علي الفارسي في الحجة ١٦٣/٢ رواية: وميكال، في سياق خبر ذكره المصنف قريباً، وذكر له ابن مجاهد وأبو علي أيضاً رواية: ميكائل، مثل قراءة نافع. (٣) البيت في السيرة لابن هشام ٣/ ١٤٧ ضمن قصيدة، والحجة للفارسي ١٦٨/٢، وهو في حجة القراءات لابن زنجلة ص ١٠٨ دون نسبة، ووقع في ديوان حسان ص ٢٠٤ مفرداً. (٤) القائل هو جرير، والبيت في ديوانه ص٣٦١، وأورده الطبري ٢٩٥/٢، وأبو علي في الحجة ١٦٧/٢. (٥) يعني بهمزة دون ألف، كما قيّدها ابن عطية في المحرر الوجيز ١٨٤/١، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨، وزاد نسبتها ابن جني في المحتسب ١ / ٩٧ للأعرج . (٦) المحتسب ٩٧/١، والمحرر الوجيز ١٨٤/١. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٥١/١. (٨) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٩٦/٢. (٩) أورده الطبري في تفسيره ٢٩٨/٢. (١٠) النكت والعيون ١٦٣/١. : ٢٦٦ سورة البقرة : الآيتان ٩٩، ١٠٠ جبريل وميكائيلَ اسمان؛ أحدُهما عبد الله، والآخرُ عُبيد الله ؛ لأنَّ ((إيلَ)) هو الله تعالى، و((جَبْر)) هو عبد، وميكا هو عُبيد؛ فكان جبريل: عبد الله ، وميكائيل: عُبيد الله. هذا قولُ ابنِ عباس، وليس له في المفسرين مخالفٌ. قلت: وزاد بعضُ المفسّرين: وإسرافيلُ عبدُ الرحمن(١). قال النَّحاس(٢): ومن تأوَّل الحديثَ ((جبر)) عبد، و((إلّ)) الله وجَب عليه أنْ يقولَ: هذا جَبْرُ إِل، ورأيت جبرَ إل ومررت بجبرٍ إل، وهذا لا يقال، فوجب أن يكونَ معنى الحديثِ أنه مُسَمَّی بهذا. قال غيرُه: ولو كان كما قالوا، لكان مصروفاً، فتَركُ الصَّرف يدلُّ على أنه اسمٌ واحد مفرَدٌ ليس بمضاف. وروى عبدُ الغنيّ الحافظُ من حديث أَقْلَتَ بنِ خليفةً - وهو فُليت العامريُّ، وهو أبو حسَّان - عن جَسْرةَ بنتِ دَجَاجةً عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَّه: ((اللهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وميكايلَ وإسرافيلَ، أعوذُ بك من حَرِّ النَّار وعذابِ القبر))(٣). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَسِقُونَ ٩٩ قال ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما: هذا جوابٌ لابنٍ صُوريا حيث قال لرسول الله وَل ◌َه: يا محمد ما جئتنا بشيءٍ نعرفُه، وما أُنزِل عليك من آيةٍ بِيِّنةٍ فَتَّبِعَك بها. فأنزل الله هذه الآية، ذكره الطبري(٤). قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَهَدُواْ عَهْدًا تَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ١١٠٠ قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَهَدُواْ عَهْدًا﴾ الواو واو العطف، دخلت عليها ألفُ (١) أخرجه الطبري ٢/ ٢٩٧ من قول علي بن الحسين رضي الله عنه. (٢) إعراب القرآن ٢٥٠/١، ٢٥٢. (٣) أخرجه أحمد (٢٤٣٢٤)، والنسائي في المجتبى ٧٢/٣، وفي الكبرى (١٢٦٩)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٨١)، وفي الدعوات الكبير (١٠٩)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ٤٨٦/١. وجسرة راوية الحديث عن عائشة قال فيها البخاري في التاريخ الكبير ٦٧/٢: عندها عجائب. (٤) في تفسيره ٢/ ٣٠٥، وذكره أيضاً ابن هشام في السيرة ٥٤٨/١ والواحدي في الوسيط ١/ ١٨٠، وأسباب النزول ص٢١، والذي عند ابن هشام أن قائل ذلك هو أبو صلوبا الفطيوني. ٢٦٧ سورة البقرة : الآية ١٠٠ الاستفهام كما تدخلُ على الفاء في قوله: ﴿أَفَعُكْمَ الْجَهِيَّةِ﴾ [المائدة: ٥٠]، ﴿أَفَأَنْتَ تُشْبِعُ الضُّمَ﴾ [يونس: ٤٢]، ﴿أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾ [الكهف: ٥٠]. وعلى (ثُم)) كقوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥٩]. هذا قولُ سيبويه. وقال الأخفش: الواو زائدة. ومذهبُ الكِسائيّ أنها (أو))، حُرِّكت الواوُ منها تسهيلاً. وقرأها قوم: ((أوْ))، ساكنةَ الواو(١)، فتجيءُ بمعنى ((بل))، كما يقول القائل: لأضربنَّك، فيقولُ المجيب: أو يكفي الله . قال ابنُ عطية (٢): وهذا كلُّه تكلّف(٣)، والصحيحُ قولُ سيبويه. ((كلما)) نصب على الظرف، والمعَنْيُّ في الآية مالك بنُ الصَّيف - ويقال فيه: ابنُ الضَّيف - كان قد قال: والله ما أُخِذ علينا عهدٌ في كتابنا أنْ نؤمنَ بمحمد ولا ميثاقٌ، فنزلت الآية (٤). وقيل: إنَّ اليهود عاهدوا لئن خرج محمد، لنؤمننَّ به، ولنكوننَّ معه على مشركي العرب، فلما بُعث، كفروا به(٥). وقال عطاء(٦): هي العهودُ التي كانت بين النبيِّلَه وبينَ اليهود فنَقضوها، كفعلِ قريظةً والنَّضير، دليلُه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَهَدَثَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنَقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٦]. قوله تعالى: ﴿نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ النَّذ: الطرح والإلقاء، ومنه النَّبيذُ والمنبوذ، قال أبو الأسود(٧): أخذتَ كتابي مُعرِضاً بشِمالِكا وخبَّرني مَن كنتُ أرسلتُ إنَّما كنبذك نعلاً أخلَقَتْ من نِعالكا نظرتَ إلى عُنوانه فنبذتّه (١) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٨، وابن جني في المحتسب ٩٩/١ لأبي السمَّال. (٢) المحرر الوجيز ١٨٥/١، ونقل المصنف بواسطته كلام سيبويه والأخفش. وانظر الكتاب ١٨٨/٣ - ١٨٩، ومعاني القرآن للأخفش ٣٢٦/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٥٢/١. (٣) في (م): متكلف . (٤) أخرجه الطبري ٢/ ٤٠٠، وابن أبي حاتم ٢٩٥/١، وذكره ابن هشام في السيرة ١/ ٥١٤ . (٥) أورده البغوي في تفسيره ٩٧/١، والواحدي في الوسيط ١٨١/١. (٦) الوسيط ١٨١/١، وزاد المسير ١٢٠/١. (٧) في ديوانه ص١٠٦ و٢٥٨ و٤٤٥. ٢٦٨ سورة البقرة : الآية ١٠١ آخر : إنَّ الذين أمرتَهم أنْ يعدِلوا نَبَذُوا كتابك واستَحلُّوا المَخْرَمَا(١) وهذا مَثَّلٌ يُضرَبُ لمن استَخَفَّ بالشيء، فلا يَعملُ به، تقولُ العرب: اجعلْ هذا خَلْفَ ظهرك، ودَبْراً منك، وتحتَ قدمك، أي: اتركه وأعرِض عنه، قال الله تعالى: ﴿وَتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ◌ِهَّرِيّ﴾ [هود: ٩٢]. وأنشد الفراء: بِظَهْرٍ فلا يَغْيَا عليَّ جوابُها(٢) تَّميمَ بنَ زيد لا تكوننَّ حاجتي ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ ابتداء. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فعل مستقبل في موضع الخبر. قوله تعالى: ﴿وَلَمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَيَقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ◌ُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ نعتٌ لرسول، ويجوزُ نصبُه على الحال. ﴿نَذَ فِيقٌ﴾ جواب ((لمَّا)). ﴿مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ كِتَبَ اللَّهِ﴾ نُصبَ بـ(نَبَذَ))، والمرادُ التوراة؛ لأن كفرَهم بالنبيِّ عليه السلام وتكذيبهم له نبذٌ لها. قال السُّدِّيّ: نبذُوا التوراةَ، وأخذُوا بكتاب آصَف، وسِحْرِ هاروتَ وماروت(٣). وقيل: يجوز أن يعنيّ به القرآن. قال الشّعْبيّ: هو بين أيديهم يقرؤونه، ولكن نبذوا العملَ به. وقال سفيان بنُ عُيَيْنة: أدرَجوه في الحرير والدِّيباج، وحلَّوْه بالذهب والفضّة، (١) هو في الكامل ٨٣٧/٢، والزاهر ١٨٣/١، والدر المصون ٢٧/٢، واللباب ٣٢١/٢، ورواية الكامل والزاهر : ... واستُحلَّ المحرمُ. (٢) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ص٨٦، وفي الأضداد ص٢٥٦، ولفظه في الديوان :... لا تهونَنّ حاجتي لدیك ولا .. وفي الأضداد: ((یخفی)) بدل: ((یعیا)). (٣) تفسير الطبري ٣١٢/١، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٩٦/١. ٢٦٩ سورة البقرة : الآية ١٠٢ ولم يُحِلُّوا حلالَه ولم يحرِّموا حرامَه؛ فذلك النَّبْذُ (١). وقد تقدَّم بيانُه مستوفّى(٢). ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ تشبيهٌ بمَنْ لا يعلم، إذ فعلوا فعل الجاهل، فيجيءُ من اللَّفظ أنَّهم كفروا على علم (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَئِنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَقَّى يَقُولَا إِنَّمَا غَخْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرُّ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَنَعَلَمُونَ مَا يَضُرُهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِّمُوا لَمَنِ أَشْتَرَنُهُ مَا لَهُ فِى اَلْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍّ وَلَبِْسَ مَا شَرَوْا بِهِةِ أَنْفُسَهُمَّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٠٢ فيه أربع وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾ هذا إخبار من الله تعالى عن الطائفة الذين نبذُوا الكتابَ بأنَّهم اتبعوا السِّخْرَ أيضاً، وهم اليهود. قال السّدّيّ: عارضَتِ اليهودُ محمداً وَ﴿ بالتوراة، فاتفقت التوراةُ والقرآن، فنبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب آصَف وبسحرِ هاروتَ وماروت (٤). وقال محمد بن إسحاق: لما ذكر رسولُ اللهِ وَّ سليمانَ في المرسلين، قال بعضُ أحبارهم: يزعم محمدٌ أنَّ ابنَ داودَ كان نبيًّا! والله ما كان إلا ساحراً، فأنزل الله عزَّ وجل: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾(٥). أي: ألقت إلى بني آدم أنَّ ما فعلَه سليمان من ركوب البحر(٦) واستِشْخار الطير والشياطين كان سحراً. (١) ذكر القولين الزمخشري في الكشاف ٣٠٠/١، والواحدي في الوسيط ١٨١/١-١٨٢، والطبرسي في مجمع البيان ٣٨٢/١، وقال: هذا إذا حُمل الكتاب على التوراة. (٢) في تفسير الآية قبلها. (٣) المحرر الوجيز ١٨٥/١. (٤) سلف قريباً. (٥) تفسير الطبري ٣٢٨/٢. (٦) في (ز): الربح. ٢٧٠ سورة البقرة : الآية ١٠٢ وقال الكلبيُّ: كتبتِ الشياطينُ السحرَ والنِّيْرَنْجِيَّاتٍ(١) على لسان آصَف کاتب سليمان، ودفنُوه تحت مصلاه حين انتزعَ الله ملكه، ولم يشعر بذلك سليمان، فلمّا مات سليمان استخرجُوه، وقالوا للناس: إنَّما ملَكَكُم بهذا، فتعلَّموه، فأمَّا علماءُ بني إسرائيل فقالوا: معاذ الله أن يكون هذا علمَ سليمان! وأما السِّفْلةُ فقالوا: هذا عِلْمُ سليمان، وأقبلوا على تعليمه، ورفضوا كُتُبَ أنبيائهم، حتى بعث الله محمداً وَّهِ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ على نبيِّه عُذْرَ سليمان، وأظهرَ براءتَه مما رُميّ به، فقال: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُوا الشَّيَاطِينُ﴾(٢). قال عطاءٌ: (تتلو)): تَقرأُ، من التِّلاوة. وقال ابن عباس: ((تتلو)): تتبع، كما تقول: جاء القوم يتلُو بعضُهم بعضاً(٣). وقال الطبريُّ: (اتبعوا)) بمعنى فضَّلوا(٤). قلت: لأنَّ كلّ من اتَّبع شيئاً وجعلَه أمامَه فقد فَضَّلَه على غيره، ومعنى (تتلو)) يعني تَلَتْ، فهو بمعنى المُضِيّ؛ قال الشاعر(٥): كُومَ الهِجانِ وكلَّ طِرْفٍ سابح(٦) وإذا مَررْتَ بقَبْرِهِ فاعْقِر به فلقد يكون أخا دَمٍ وذبائحٍ وانْضَحْ جوانبَ قبره بدمائها أي: فلقد كان. و ((ما)) مفعول بـ((اتبعوا))؛ أي: اتبعوا ما تقوَّلَتْه الشياطينُ على سليمان وتلَتْه. (١) في (د) النرنجيات، وفي (ز) النرجيات، وفي (ظ) الترنجيات، والمثبت من (م)، قال شارح القاموس (نرج): وعن الليث: النيرنج بالكسر، هكذا في سائر النسخ، والمنقول عن نصّ كلام الليث: النِّيرج، بإسقاط النون الثانية: أُخَذّ كالسّحر وليس به، إنما هو تشبيه وهي النِّيرَنْجِيَّات، وانظر تهذيب اللغة ٣٨/١١، والتكملة للصغاني ٤٩٩/١. (٢) تفسير البغوي ٩٨/١، وأسباب النزول للواحدي ص٢٩، وانظر العُجاب في أسباب النزول لابن حجر ٣٠٥/١-٣٠٦. (٣) تفسير الطبري ٣٢٠/١، والمحرر الوجيز ١٨٥/١. (٤) تفسير الطبري ١/ ٣٢٠، ونقله عنه المصنف بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٨٥/١. (٥) هو زياد الأعجم، والبيتان في ديوانه ص٨٧، وخزانة الأدب ٤/١٠. (٦) في النسخ: سايح، والمثبت من (م) والمصادر، والكوم: الناقة السمينة، والطّرْف: الأصيل من الخيل، والسابح بالموحّدة، من سبحَ الفرس: إذا جرى بقوّة. ((الخزانة)) ٦/١٠-٧. ٢٧١ سورة البقرة : الآية ١٠٢ وقيل: ((ما)) نفيٌّ، وليس بشيءٍ لا في نظام الكلام، ولا في صحّته؛ قاله ابن العربي(١). ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾ أي على شَرعِهِ ونبوَّتهِ(٢)؛ قال الزجَّاج(٣): المعنى على عهد مُلك سلیمان. وقيل: المعنى في ملك سليمان؛ يعني في قصصه وصفاته وأخباره (٤). قال الفراء(٥): تصلح ((على)) و(في))، في مثل هذا الموضع. وقال ((على)) ولم يقل: بَعْدَ؛ كقوله(٦) تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَِيٍ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِّ أُمْنِّيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] أي في تلاوته. وقد تقدَّم معنى الشيطان واشتقاقه(٧)، فلا معنى لإعادته. والشياطينُ هنا؛ قيل: هم شياطينُ الجنّ، وهو المفهوم من هذا الاسم. وقيل: المرادُ شياطين الإنس المتمرّدون في الضلال(٨)، کقول جرير: وكُنَّ يَهْوَيْنني إِذْ كنتُ شيطانا(٩) أيام يدعونني الشيطانَ من غَزلي الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ﴾ تبرئةٌ من الله تعالى لسليمان، ولم يتقدَّم في الآية أن أحداً نسبه إلى الكفر، ولكنّ اليهود نسبتْهُ إلى السّحر. لكن لمَّا كان السحرُ كفراً، صار(١٠) بمنزلة من نسبه إلى الكفر (١١)، ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ فأثبت كفرَهم بتعليم السحر. (١) أحكام القرآن ٢٨/١ . (٢) المحرر الوجيز ١٨٥/١. (٣) معاني القرآن له ١٨٣/١. (٤) المحرر الوجيز ١٨٥/١. (٥) معاني القرآن له ٦٣/١. (٦) في النسخ: لقوله، والصواب ما أثبتناه، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي ٢٨/١. (٧) ١/ ١٤٠. (٨) مجمع البيان للطبرسي ٣٩١/١-٣٩٢. (٩) سلف تخريجه ١٤٠/١. (١٠) في (د) و(ظ): صاروا. (١١) المحرر الوجيز ١٨٦/١. ٢٧٢ سورة البقرة : الآية ١٠٢ و(يُعلِّمُونَ)) في موضع نصبٍ على الحال، ويجوز أن يكون في موضع رفعٍ على أنَّه خبرٌ ثان(١). وقرأ الکوفیون سوی عاصم: «ولکنِ الشّیاطینُ)) بتخفیف (لكن))، ورفع النون من ((الشياطين))، وكذلك في الأنفال ((ولكِنِ اللـهُ رَمَى)) [١٧] ووافقهم ابنُ عامر. الباقون بالتشديد والنصب(٢). و ((لكن)) كلمة لها معنيان: نفي الخبر الماضي، وإثباتُ الخبر المستقبل، وهي مبنيّة من ثلاث كلمات: ((لا))، ((ك))، ((إنَّ)). ((لا)): نفيٌ، والكاف: خطابٌ، و((إنَّ»: إثباتٌ وتحقيقٌ؛ فذهبت الهمزةُ استثقالاً، وهي تثقَّلُ وتخفَّف، فإذا تُقِّلت نَصَبَتْ كـ((إِنَّ» الثقيلة، وإذا خُفِّفت رفعتَ بها كما ترفعُ بـ((إِنْ» الخفيفة(٣). الثالثة: السحر، قيل: أصله(٤) التمويه بالحيل والتخابيل، وهو أن يفعلَ الساحرُ أشياءَ ومعانيّ، فيُخَيَّلَ للمسحور أنَّها بخلاف ما هي به، كالذي يرى السرابَ من بعيدٍ فيُخيَّلُ إليه أنه ماء، وكراكب السفينة السائرة سيراً حثيثاً يُخيَّلُ إليه أنَّ مایری من الأشجار والجبال سائرةٌ معه(٥). وقيل: هو مشتقٌّ من: سَحرتُ الصبيَّ: إذا خدعتَه، وكذلك إذا علَّلْتَه. والتّسحير مثله، قال لَبيد(٦): فإنْ تسألينا فِيمَ نحن فإنَّنا عصافيرُ من هذا الأنامِ المُسَخَّرِ آخر : أُرانا مُوضِعِينَ لأمْرٍ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بالطّعام وبالشَّراب (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٢/١. (٢) السبعة لا بن مجاهد ص١٦٧ -١٦٨. والتیسیر ص ٧٥. (٣) نقل أبو حيان في البحر المحيط ١/ ٣٢٧ كلام المصنف هذا، ثم تعقبه بقوله: وهذا قول فاسد، والصحيح أنها بسيطة. (٤) في (م): قيل السحر أصله. (٥) النكت والعيون ١٦٦/١. (٦) ديوانه ص٥٦. ٢٧٣ سورة البقرة : الآية ١٠٢ وأَجْرأُ من مُجَلِّحَةِ الذِّئابِ(١) عصافيرٌ وذِيَّانٌ ودُودٌ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣]؛ يقال: المسُخَّر الذي خُلِقٍ ذا سَحَر، ويقال: من المعَلَّلين(٢)؛ أي: ممَّن يأكلُ الطعام ويشربُ الشراب. وقيل: أصلُه الخَفاءُ، فإنَّ الساحر يفعلُه في خُفْيَة. وقيل: أصلُه الصَّرْف؛ يقال: ما سَحَرَك عن كذا، أي: ما صَرَفَك عنه؟ فالسِّحر مصروفٌ عن چھته. وقيل: أصله الاستمالة، وكلُّ من استمالك فقد سَحَرَك. وقيل في قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌّ ◌َسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥] أي: سُحِرْنا، فأُزلنا بالتَّخييل عن معرفتنا(٣). وقال الجوهري(٤): السِّخْر الأُخذةُ؛ وكلُّ ما لَطْفَ مأخَذُه ودَقَّ، فهو سِخْر؛ وقد سَحَره يَسْحَرُهُ سِحْراً، والسَّاحِرُ: العالِمُ، وسَحَرَه أيضاً بمعنى خَدَعه. وقد ذكرناه. وقال ابن مسعود: كنَّا نُسَمِّي السّخْرَ في الجاهلية العَضْهَ(٥). والعَضْهُ عند العرب: شِدَّةُ البَهْت وتمويهُ الكذب؛ قال الشاعر: أعوذُ بربِّي من الثَّافِشا تِ في عِضَه العاضِهِ المُعْضِهِ (٦) (١) البيتان لامرئ القيس، وهما في ديوانه ص ٩٧. قال شارحه: قوله: عصافير وذبان، أي: نحن في الضعف كهذا المخلوق الضعيف، ومن ركوب الآثام أجرأ من الذئاب المصمّمة على الشيء، لا ترجعُ عما تريد. (٢) الصحاح (سحر). (٣) انظر تهذيب اللغة ٤/ ٢٩٠-٢٩٢. (٤) الصحاح (سحر). (٥) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٣٩٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١١١٠٤) وتتمته: وإنّ العَضْهَ فيكم اليومَ القالَةُ. وأخرج مسلم (٢٦٠٦) عن ابن مسعود أن النبي و لو قال: ((ألا أنبئكم ما العَضْهُ؟ هي النميمةُ القالَةُ بين الناس» . (٦) لم يجود البيت في (د) و(ز) و(ظ)، والمثبت من (خ) و(م)، وهو في شرح مشكل الآثار ٦/ ١٧١، وغريب الحديث لأبي عبيد ١٨١/٣، وتهذيب اللغة للأزهري ١/ ١٣٠، والصحاح (عضه) من غير نسبة، وروايته: في عُقَدٍ. وهو في اللسان (عضه) بمثل رواية المصنف. ٢٧٤ سورة البقرة : الآية ١٠٢ الرابعة: واختُلف؛ هل له حقيقةٌ أم لا؟ فذكر الغَزْنَوِيُّ الحنفيُّ في ((عيون المعاني)) (١) له: أنَّ السحر عند المعتزلة خَذْعٌ لا أصلَ له، وعند الشافعيِّ: وسوسةٌ وأمراض(٢). قال: وعندنا أصلُه ◌ِلَّسْم يُبنى على تأثير خصائص الكواكب، كتأثير الشمسِ في زئبق عِصِيٍّ فرعون، أو تعظيمِ الشياطين ليُسهِّلُوا له ما عَسُر. قلت: وعندنا أنه حقٌّ، وله حقيقةٌ يخلقُ الله عنده ما شاء، على ما يأتي. ثم من السحر ما يكون بخفة اليد، كالشَّعْوَذَةِ. والشَّعْوَذِيّ: البريدُ لخفَّةِ سيره. قال ابن فارس في «المُجْمَل)»(٣): الشَّعْوَذَةُ ليست من كلام أهل البادية، وهي خِفَّةٌ في اليدين، وأُخذَةٌ كالسِّحر. ومنه ما يكون كلاماً يُحفظ، ورُقّى من أسماء الله تعالى، وقد يكونُ من عهود الشياطين، ويكون أدويةً وأدخنة وغير ذلك. الخامسة: سَمَّى رسولُ اللهِ وَّرِ الفَصاحةَ في الكلام واللِّسانةَ فيه سِخْراً، فقال: ((إنّ من البيان لَسِحْراً)»(٤) أخرجه مالك وغيره(٥). وذلك لأن فيه تصويبَ الباطلِ حتى يتوهّم السامع أنه حقّ، فعلى هذا يكون قولُه عليه السلام: ((إنّ من البيان لَسِحْراً))(٦) خرج مخرجَ الذَّمِّ للبلاغة والفصاحة، إذْ شبَّهها بالسحر. وقيل: خرجَ مخرجَ المدح للبلاغة والتفضيل للبيان، قاله جماعةٌ من أهل العلم. والأوَّل أصح، والدليلُ عليه قوله عليه السلام: ((فلعلَّ بعضَكم أن يكونَ أَلْحَنَ بحَّته من بعض))(٧)، وقوله: ((إنّ (١) لعلّه محمد بن يزيد بن طيفور، المفسّر، ركن الدين السجاوندي، البسطامي، ذكره الداودي في طبقات المفسرين ٢٧١/٢ وذكر له هذا الكتاب، وسماه حاجي خليفة في كشف الظنون ٢/ ١١٨٢: عين المعاني في تفسير السبع المثاني، وثمة غزنوي آخر هو: غالي بن إبراهيم، أبو علي، له تفسير القرآن، وكان صاحب فنون، توفي سنة (٥٨٢هـ)، ذكره ابن قطلوبغا في تاج التراجم ص١٧٣. (٢) النكت والعيون ١/ ١٦٧. (٣) ٥٠٥/٢. (٤) في (خ) و(د): سحراً. (٥) الموطأ ٩٨٦/٢ من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه أيضاً أحمد (٤٦٥١)، والبخاري (٥١٤٦). (٦) في (خ) و(د) و(ز): سحراً. (٧) أخرجه أحمد (٢٥٦٧٠)، والبخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣) من حديث أم سلمة رضي الله عنها. ٢٧٥ سورة البقرة : الآية ١٠٢ أبغضكم إليّ الثَّرْثَارون المُتَفَيْهِقُون))(١). الثَّرثرةُ: كثرةُ الكلام وترديدُه؛ يقال: ثرثرَ الرجلُ، فهو ثَرْثارٌ مهذار(٢). والمُتَفَيْهِقُ نحوه. قال ابن دُريد: فلانٌ يتفَيْهَق(٣) في كلامه: إذا تَوَسَّع فيه وتنطَّع؛ قال: وأصلُه الفَهْق، وهو الامتلاء؛ كأنه ملأ به فمه(٤). قلت: وبهذا المعنى الذي ذكرناه فسَّره عامر الشعبيّ راوي الحديث وصَعْصَعة بن صُوحان فقالا(٥): أمّا قولُهُ وَّهِ: ((إنّ من البيان لسحراً)) فالرجلُ يكون عليه الحقُّ وهو أَلْحَنُ بالحجج من صاحب الحق، فَيَسْحَرُ القومَ ببيانه، فيذهبُ بالحقِّ وهو عليه(٦). وإنما يحمدُ العلماءُ البلاغةَ واللِّسانةَ ما لم تخرج إلى حد الإسهاب والإطناب، وتصوير الباطل في صورة الحق(٧). وهذا بيّن، والحمد لله . السادسة: مِن السِّحر ما يكون كُفْراً من فاعله، مثل ما يدَّعون من تغيير صُوَر الناس، وإخراجِهم في هيئةٍ بهيمة، وقَطْعِ مسافةٍ شهرٍ في ليلة، والطيرانِ في الهواء، فكلُّ مَن فعل هذا ليُوهِمَ الناسَ أنه محقّ، فذلك كفر منه، قاله أبو نصر عبدُ الرحيم القُشَيريّ. قال أبو عمر (٨): مَنْ زَعَمَ أنّ الساحرَ يقلبُ الحيوانَ من صورة إلى صورة، فيجعلُ الإنسانَ حماراً أو نحوَه، ويقدرُ على نقل الأجسام(٩) وهلاكها وتبديلها، فهذا يَرَى قتلَ الساحر؛ لأنه كافرٌ بالأنبياء، يدّعي مِثْلَ آياتهم ومعجزاتهم، ولا يتهيأ مع هذا علمُ صحَّةِ النبوّة، إذ قد يحصل مثلها بالحيلة. وأما من زعم أن السحر خُدَع (١) أخرجه أحمد (١٧٧٣٢) من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه. (٢) الصحاح (ثرر) . (٣) في (خ) و(ظ): يتفهق. (٤) الصحاح (فهق) ونسبه إلى الفراء، وانظر جمهرة اللغة ٣/ ١٥٧. (٥) في النسخ الخطية: فقال، والمثبت من (م). (٦) أورد أبو داود كلام صعصعة عقب الحديث (٥٠١٢)، وأورده من طريقه الرازي الجصّاص في أحكام القرآن ٤٢/١، وابن عبد البر في التمهيد ١٨١/٥. وصعصعة بن صوحان: هو أبو طلحة أحدُ خطباء العرب، كان من كبار أصحاب علي رضي الله عنه، مات في خلافة معاوية. سير أعلام النبلاء ٥٢٨/٣. ولم نقف على رواية الشعبي للحديث. (٧) ينظر التمهيد ١٧٦/٥، وفتح الباري ٢٣٧/١٠-٢٣٨. (٨) في (د) و(ظ) و(م): أبو عمرو، وهو خطأ، وهو ابن عبد البر، وكلامه في الاستذكار ٢٤٣/٢٥-٢٤٤. (٩) في (م): الأجساد. ٢٧٦ سورة البقرة : الآية ١٠٢ ومخاريقُ وتمويهاتٌ وتخييلاتٌ، فلا (١) يجبُ على أصله قتلُ الساحر، إلا أن يَقتلَ بفعله أحداً، فيُقتلَ به. السابعة: ذهبَ أهلُ السُّنة إلى أنَّ السّحْرَ ثابتٌ، وله حقيقة. وذهب عامّةُ المعتزلة وأبو إسحاق الاستراباذي من أصحاب الشافعي إلى أنَّ السحرَ لا حقيقةً له، وإنما هو تمويةٌ وتخييلٌ وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به، وأنه ضَرْبٌ من الخِفَّةِ والشَّعْوَذَة، كما قال تعالى: ﴿يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِخْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾ [طه: ٦٦]، ولم يقل تسعى على الحقيقة، ولكن قال: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ وقال أيضاً: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]. وهذا لا حجةً فيه، لأنَّا لانُنكرُ أن يكونَ التخييلُ وغيرُه من جملة السِّخر، لكن ثبتَ وراءَ ذلك أمورٌ جوَّزَها العقل وَوَرَدَ بها السمعُ، فمن ذلك ما جاء في هذه الآية من ذكر السِّحرِ وتعليمِه، ولو لم يكن له حقيقةٌ لم يُمكن تعليمُه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناسَ، فدلَّ على أنَّ له حقيقةً. وقوله تعالى في قصة سَحرة فرعون: ﴿وَجَآءُو پسِخٍْ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وسورة الفلق، مع اتفاق المفسرين على أنَّ سببَ نزولها ما كان من سحر ◌َبيد بنِ الأعْصَم، وهو مما خرّجَه البخاريُّ ومسلم وغيرهما (٢) عن عائشة رضي الله عنها قالت: سَحر رسولَ اللهِ وَ ل﴿ يهوديٌّ من يهود بني زُرَيق يقال له: لَبِيدُ بنُ الأعصم. الحديث. وفيه: أن النبيَّ ◌َ * قال لما حُلّ السِّخر: ((إن الله شَفاني)). والشفاءُ إنما يكون برفع العِلَّة وزوالِ المرض، فدلَّ على أنَّ له حقًّا وحقيقة، فهو مقطوعٌ به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه. وعلى هذا أهلُ الحَلِّ والعَقْد الذين ينعقدُ بهم الإجماع، ولا عبرةَ مع اتفاقهم بحُثَالة المعتزلة ومخالفتهم أهلَ الحقّ. ولقد شاعَ السِّخرُ، وذاعَ في سابق الزَّمان، وتكلَّم الناسُ فيه، ولم يَبْدُ من الصحابة ولا من التابعين إنكارٌ لأصله. ورَوى سفيان عن أبي الأعور(٣)، عن عكرمةً، عن ابن عباس قال: عُلِّمَ السِّخْرُ في قرية من قُرى مصر يقال لها: الفَرَما(٤). فمن (١) في (د) و(م): فلم. (٢) صحيح البخاري (٣٢٦٨) و(٥٧٦٣)، وصحيح مسلم (٢١٨٩)، وأخرجه أحمد (٢٤٣٠٠). (٣) لم نعرفه، ووقع في الاستذكار ٢٥/ ٢٤٠ عن أبي سعيد الأعور. (٤) بالتحريك والقصر، وقد يُمدّ، وهي مدينة على الساحل من ناحية مصر بين العريش والفسطاط. معجم البلدان ٤/ ٢٥٥. ٢٧٧ سورة البقرة : الآية ١٠٢ كذّب به فهو كافر، مكذِّب لله ورسوله، مُنكِرٌ لما عُلم مشاهدةً وعِياناً. الثامنة: قال علماؤنا: لا ◌ُنگر أن يظهر على ید الساحر خَرْقُ العادات مما ليس في مقدور البشر؛ من مرضٍ، وتفريقٍ، وزوالِ عقلٍ، وتعويج عُضو، إلى غير ذلك مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات العباد. قالوا: ولا يَبعد في السِّحر أن يَسْتَدِقَّ جسمُ الساحر حتّى يتولّج في الكُوات والخوخات، والانتصاب على رأس قصبة، والجَرْي على خيط مستدقٌ، والطيران في الهواء، والمشي على الماء، وركوب كلب، وغير ذلك. ومع ذلك فلا يكون السحر مُوجِباً لذلك، ولا علَّةٌ لوقوعه، ولا سبباً مولّداً، ولا يكون الساحر مستقلًا به، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويُحدِثها عند وجود السّحر؛ كما يخلُق الشّبعَ عند الأكل، والرّي عند شرب الماء. روى سفيان عن عمار الدُّهني(١) أن ساحراً كان عند الوليد بن عُقْبة يمشي على الحبل، ويدخل في اسْت الحمار ويخرج من فيه، فاشتمل له جُنْدَب على السيف فقتله(٢). جُنْدَب هذا: هو جُنْدَب بنُ كعب الأزْديّ، ويقال: البَجَليّ(٣)، وهو الذي قال في حقّه النبيُّ ◌َّهِ: ((يكونُ في أمَّتي رجلٌ يُقال له جُنْدَب، يضربُ ضَرْبةً بالسَّيف يفرّقُ بين الحقِّ والباطل))(٤). فكانوا يُرَوْنَه جُنْدَباً هذا قاتلَ الساحر. قال عليٍّ بنُ المديني: (١) في (ظ) و(م): الذهبي، وهو خطأ. وهو ابن معاوية، البَجَلي، الكوفي، روى له مسلم وأصحاب السنن، ((تهذيب التهذيب». (٢) الاستذكار ٢٤٠/٢٥، وذكر له طرقاً أخرى في الاستيعاب ٢/ ١٨٠ (بهامش الإصابة). (٣) ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب ٢/ ١٨٠ جندب بن كعب الأزدي، قال: وهو عند أكثرهم قاتلُ الساحر بين يدي الوليد بن عقبة. ثم أخرج عن علي بن المديني قوله فيه: له صحبة. واما البَجَلي: فهو جندب بن عبد الله، ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة ١٠٤/١، وأخرج له البيهقي في السنن ١٣٦/٨ خبراً أنه قتل الساحر بين يدي الوليد بن عقبة، والله أعلم. (٤) قطعة من خبر أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٨٧٤٨) عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن بجَّالة، مرسلاً، ثم إن ابن جريج مدلّس، وقد عنعن. ورواه ابنُ السَّكن - فيما ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة ٢/ ١٠٧ - من طريق يحيى بن كثير صاحب البصري، عن أبيه، عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه. ويحيى بنُ كثير هذا ضئَّفه أبو حاتم وقال: ذاهب الحديث جدًّا، وقال الدار قطنيّ: متروك، وقال النسائي: ليس بثقة. ميزان الاعتدال ٤٠٣/٤. وأما أبوه كثير بنُ يحيى، فقد قال فيه الذهبي في الميزان ٣/ ٤١٠: نهى عباس العنبري الناسَ عن الأخذ عنه، وقال الأزدي: عنده مناكير. ٢٧٨ سورة البقرة : الآية ١٠٢ روى عنه حارثة بنُ مُضَرِّب(١). التاسعة: أجمعَ المسلمون على أنه ليس في السِّحر ما يفعلُ الله عنده إنزالَ الجراد، والقُمَّلِ والضفادع، وفلقَ البحر، وقلبَ العصا، وإحياءً الموتى، وإنطاقَ العجماء، وأمثال ذلك من عظیم آیاتِ الرُّسلِ علیھم السلام. فھذا ونحوه مما یجبُ القطعُ بأنه لا يكونُ ولا يفعله الله عند إرادةِ الساحر. قال القاضي أبو بكر بنُ الطَّيِّب: وإنَّما مَنَعْنا ذلك بالإجماع، ولولاه لأجزناه. العاشرة: في الفرق بين السِّحر والمعجزة؛ قال علماؤنا: السِّحر يوجدُ من الساحر وغيرِهِ، وقد يكون جماعةٌ يعرفونه ويُمكِنُهم الإتيانُ به في وقتٍ واحد. والمعجزةُ لا يمكِّن الله أحداً أن يأتيّ بمثلها وبمعارضتها(٢)، ثم الساحر لم يَدَّعِ النبوةَ، فالذي يصدرُ منه متميّز عن المعجزة؛ فإنَّ المعجزة شرطُها اقترانُ دعوى النبوّة والتحدي بها، كما تقدّم في مقدّمة الكتاب(٣). الحادية عشرة: واختلف الفقهاء في حكم الساحر المسلم والذُّميّ؛ فذهب مالك إلى أنَّ المسلم إذا سَحَرَ بنفسه بكلام يكون كُفراً، يُقتلُ، ولا يُستتابُ، ولا تُقبَلُ توبته؛ لأنه أمْرٌ يستَسِرّ به، كالزنديق والزاني، ولأن الله تعالى سَمَّى السحر كفراً بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَ تَكْفُرٌ﴾، وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبل، وأبي ثور، وإسحاق، والشافعيّ، وأبي حنيفة. ورُويّ قتلُ الساحر عن عُمر، وعثمانَ، وابنٍ عمر، وحفصةً، وأبي موسى، وقيس بن سعد، وعن سبعةٍ من التابعين (٤). ورُوِيَ عن النبيِّ ◌َّ: ((حَدُّ الساحرِ ضَرْبةٌ بالسيف)» خرَّجه الترمذي(٥). ولیس (١) الاستيعاب ٢/ ١٨٠ (بهامش الإصابة). (٢) في النسخ: أن يأتي بمثله وبمعارضته، والمثبت من (م). (٣) ١١٣/١-١١٥ وما بعدها. وينظر في هذه المسألة كتاب النبوات لابن تيمية ص ٤٧-٤٩. (٤) مصنف عبد الرزاق ١٧٩/١٠ - ١٨٤، وابن أبي شيبة ١٣٥/١٠-١٣٧، وسنن ابن منصور (٢١٨١-٢١٨٢) والمحلى لابن حزم ٣٩٥/١١، والسنن الكبرى للبيهقي ١٣٥/٨ -١٣٦، والاستذكار ٢٣٧/٢٥ و٢٤٠، والمغني لابن قدامة ٣٠٢/١٢. (٥) في سننه (١٤٦٠) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جُنْدَب، به وقال: هذا حديث= ٢٧٩ سورة البقرة : الآية ١٠٢ بالقويّ، انفرد به إسماعيل بن مسلم وهو ضعيفٌ عندهم، رواه ابنُ عُيَيْنة عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن مُرْسَلاً(١)؛ ومنهم من جعلَه عن الحسن عن جُنْدَب(٢). قال ابن المنذر: وقد رَوَينا عن عائشة أنها باعت ساحرة كانت سحرتها، وجعلت ثمنها في الرِّقاب(٣). قال ابن المنذر: وإذا أقَرَّ الرجلُ أنه سَحَرَ بكلام يكونُ كفراً، وجب قتلُه إن لم يَتُب، وكذلك لو ثبتت(٤) به عليه بيّنة(٥)، ووصفت البينةُ كلاماً يكون كفراً. وإن كان الكلام الذي ذَكر أنه سَحَر به ليس بكفر، لم يَجُز قتلُه، فإن كان أحدثَ في المسحور جِنايةً تُوجب القصاصَ، اقتُصَّ منه إن كان عَمَد ذلك، وإن كان مما لا قصاص فيه؛ ففيه دِيَة ذلك. قال ابنُ المنذر: وإذا اختلف أصحابُ رسول الله وَّ﴿ في المسألة، وجب اتّباعُ أشبههِم بالكتاب والسُّنة، وقد يجوزُ أن يكون السِّخْرُ الذي أمَرَ مَنْ أمرَ منهم بقتل الساحر سحراً يكون كفراً، فيكون ذلك موافقاً لسُنَّة رسول الله وََّ، ويَحتملُ أن تكون عائشةُ رضي الله عنها أمرَتْ ببيع ساحرةٍ لم يكن سحرُها كفراً. فإن احتجّ محتجٌ بحديث جُنْدَب عن النبيّ وَِّ: ((حدُّ الساحر ضربةٌ بالسيف)) فلو صحَّ لاحتملَ أن يكون أَمَرَ بقتل الساحر الذي يكون سحرُه كفراً، فيكون ذلك موافقاً للأخبار التي جاءت عن النبيِّ وَّر أنه قال: ((لا يَحِلُّ دَمُ امرىءٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث ... ))(٦). قلت: وهذا صحيح، ودماءُ المسلمين محظورةٌ لاتُستَباحُ إلا بيقين، ولا يقينَ مع الاختلاف. والله تعالى أعلم. لانعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعّف في الحديث، ويروى عن الحسن أيضاً، والصحيح عن جندب موقوف. (١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٨٧٥٢)، ومن طريقه ابن حزم في المحلى ٣٩٦/١١. (٢) الاستذكار ٢٤١/٢٥. (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٨٧٤٩) (١٨٧٥٠)، وابن حزم في المحلى ٣٩٥/١١، والبيهقي ٨/ ١٣٧. وانظر الاستذكار ٢٣٨/٢٥. (٤) في (خ) و(ز) و(ظ): لو ثبت. (٥) في (ز): بالبينة. (٦) أخرجه أحمد (٣٦٢١)، والبخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦) من حديث ابن مسعود، وأخرجه أحمد (٤٥٢) من حديث عثمان، و(٢٥٤٧٥) من حديث عائشة، رضي الله عنهم. ٢٨٠ سورة البقرة : الآية ١٠٢ وقال بعضُ العلماء: إن قال أهلُ الصناعة: إنَّ السِّخْرَ لا يتمُّ إلا مع الكفر والاستكبار، أو تعظيم الشيطان، فالسحرُ إذاً دالٌّ على الكفر على هذا التقدير، والله تعالى أعلم. ورُوِيَ عن الشافعيّ: لا يُقتَلُ الساحرُ إلَّا أنْ يَقتُلَ بسحره، ويقول: تعمَّدْتُ القتْلَ، وإن قال: لم أتعمَّذْه، لم يُقتل، وكانت فيه الدّيةُ كقتل الخطأ؛ وإنْ أضرَّ به أُدِّبَ على قَدْر الضَّرر(١). قال ابنُ العربيّ(٢): وهذا باطلٌ من وجهين: أحدهما: أنه لم يَعْلَم السِّحَر، وحقيقتُه أنه كلامٌ مؤلَّفٌ يُعَّم به غيرُ الله تعالى : وتُنسبُ إليه المقادير والكائنات. والثاني: أن الله سبحانه قد صرَّح في كتابه بأنه كُفر، فقال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ بقول السحر ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُوا﴾ به وبتعليمه(٣). وهاروت وماروت يقولان: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَهُ فَلاَ تَكْفُرٌ﴾. وهذا تأكيدٌ للبيان. احتجَّ أصحابُ مالك بأنه لا تُقْبَل توبتُه؛ لأنّ السحرَ باطنٌ لا يُظهِرُه صاحبُه، فلا تُعرَفُ توبتُه كالزنديق؛ وإنما يُستتاب مَنْ أظهرَ الكُفْرَ مرتدًا. قال مالك: فإن جاء الساحر أو الزّنديقُ تائباً قَبْلَ أن يُشهَد عليهما، قُبِلَتْ توبتُهما، والحجَّة لذلك قولُه تعالى: ﴿فَلَّ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَتُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَّا﴾ [غافر: ٨٥]. فدلّ على أنه كان ينفعُهم إيمانُهم قبل نزول العذاب، فكذلك هذان(٤). الثانية عشرة: وأمَّا ساحرُ الذِّمَّة؛ فقيل: يُقتل. وقال مالك: لا يُقتلُ إلا إن قَتَلَ(٥) بسحره، ويَضْمَنُ ما جَنَى، ويُقتل إن جاء منه مالم يُعاهَد عليه(٦). (١) الاستذكار ٢٤٢/٢٥ و٢٤٣، وإكمال المعلم ٨٩/٧، وأحكام القرآن لابن العربي ٣١/١. (٢) أحكام القرآن ٣١/١. (٣) في (د) و(ز): ويتعلمه. (٤) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٥١/١. (٥) في (د) و(ظ) و(م): أن يقتل . (٦) المحرر الوجيز ١٨٦/١.