Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ سورة البقرة : الآيتان ٨٥، ٨٦ فِدّى لك أبي. ومن العرب مَن يكسر ((فِداء)) بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصّةً؛ فيقول: فِداءٍ لك؛ لأنه نكرةٌ يريدون به معنى الدُّعاء. وأنشد الأصمعي للنابغة(١): مَهْلاً فِداءٍ لك الأقوامُ كلُّهُمُ وما أُثَمِّرُ من مالٍ ومن وَلَّدٍ ويقال: فَداه وفاداه، إذا أعطى فِداءَه فأنقذه. وفَداه بنفسه، وفَدَّاه تَفْدِيةً(٢) إذا قال: جُعِلْتُ فِداك. وتَفَادَوْا، أي: فَدَى(٣) بعضُهم بعضاً، والفِذْية والفَدَى والفِداء كلُّه بمعنّى واحد. وفاديتُ نفسي: إذا أطلقتها بعد أن دفعتَ شيئاً، بمعنی فديتُ، ومنه قول العباس للنبيِّ وَّر: فاديتُ نفسي، وفاديتُ عَقِيلاً(٤). وهما فعلان يتعدَّيان إلى مفعولين، الثاني منهما بحرف الجر، تقول: فديتُ نفسي بمالي، وفاديته بمالي(٥)، قال الشاعر (٦): قِفِي فادِي أَسيرَكِ إنَّ قومي . وقومَكِ ما أرى لهمُ اجتماعا الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾: ((هو)) مبتدأ، وهو كناية عن الإخراج، و((مُحَرَّمٌ)) خبره، و((إخراجُهم)) بدلٌ من ((هو))، وإن شئت كان كنايةً عن الحديث والقصة، والجملة التي بعدَه خبره(٧)، أي: والأمرُ محرَّمٌ عليكم إخراجُهم؛ فـ(إخراجُهم)) مبتدأ ثانٍ. و((محرَّم)) خبرُه، والجملةُ خبرٌ عن ((هو))، وفي ((محرَّم)) ضميرُ ما لم يسمَّ فاعلُه يعود على الإخراج. ويجوز أن يكون ((مُحَرَّمٌ)) مبتدأ، و((إخراجُهم)) مفعولُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه يسدُّ مسدًّ خبر ((مُحَرَّم))، والجملة خبرٌ عن ((هو)) (٨). وزعم الفراء(٩) أنَّ ((هو)) عماد، وهذا عند البصريين خطأ لا معنى له؛ لأنَّ العِماد لا يكونُ في أول الكلام. (١) ديوانه ص٣٦، ونقله المصنف والكلامَ الذي بعده من الصحاح. (٢) كذا في (خ) و(ز) وهو الموافق لما في الصحاح، ووقع في (د) و(ظ) و(م): يُقدِّيه . (٣) في النسخ الخطية: أفدى، والمثبت من الصحاح . (٤) قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري (٤٢١) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. (٥) المحرر الوجيز ١٧٥/١. (٦) هو القَطامي، والبيت في ديوانه ص٣١. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٥/١. (٨) مشكل إعراب القرآن ١٠٣/١. (٩) في معاني القرآن ٥١/١. ونقله عنه المصنف بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٤٥/١. ٢٤٢ سورة البقرة : الآيتان ٨٥، ٨٦ ويُقرأ ((وَهْوَ)) بسكون الهاء لثقل الضمة(١)؛ كما قال الشاعر: فَهْو لا تَنْمِي رَميَّتُهُ مالَه لا عُدَّ من نّفَرِهْ(٢) وكذلك إن جئت باللام وثمَّ، وقد تقدَّم(٣). قال علماؤنا: كان الله تعالى قد أخذَ عليهم أربعةَ عهود: تركّ القتل، وتركَ الإخراج، وتركَ المُظاهرة، وفِداءَ أُساراهم؛ فأعرضوا عن كلِّ ما أُمروا به إلا الفِداء، فوَّخهم الله على ذلك توبيخاً يُتْلَى، فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِنَبِ﴾ وهي (٤) التوراة ﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍِ﴾؟!(٥) قلتُ: ولَعَمْرُ الله ، لقد أعرَضْنا نحن عن الجميع بالفتن، فتظاهر بعضُنا على بعض! ليت بالمسلمين، بل بالكافرين! حتى تركنا إخواننا أَزِلَاءَ صاغرين يجري عليهم حكمُ المشركين، فلا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم. قال علماؤنا: فِداءُ الأُسارى واجبٌ وإن لم يَبْقَ درهمٌ واحد (٦). قال ابن خواز مَنْداد(٧): تضمَّنَت الآيةُ وجوبَ فكِّ الأسرى، وبذلك وردت الآثارُ عن النبيّ ﴿ أنه فَكَّ الأُسارى وأَمَرَ بفكِّهم(٨)، وجرى بذلك عملُ المسلمين وانعقدَ به الإجماع. ويجب فُّ الأُسارى من بيت المال، فإنْ لم يكن فهو فرضٌ على كافة المسلمين، ومن قام به منهم أَسْقطَ الفرضَ عن الباقين. وسيأتي(٩). (١) وهي قراءة نافع برواية قالون وأبي عمرو والكسائي. السبعة ص ١٥٠، والتیسیر ص٧٢. (٢) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص ١٢٥. قال شارحه: قوله: فهو لا تنمي رميَّته، أي: لا تنهض بالسهم وتغيب عنه، بل تسقط مكانها لإصابته مقتَلَها . (٣) ٣٩٠/١، وقد فضَّل في المسألة ثمة. (٤) في (م): وهو . (٥). ذكره الواحدي في الوسيط ١٦٨/١، ونسبه للسدي. (٦) النوادر والزيادات ٣٠١/٣، والبيان والتحصيل ٨٠/٣. (٧) في (م): خويز منداد، وانظر ١٨٠/١. (٨) من هذه الأحاديث ما أخرجه البخاري (٣٠٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبيّ ﴿﴿ قال: «فُكُوا العاني - يعني الأسير - وأطعموا الجائع، وعُودوا المريض)). (٩) في تفسير الآية (٧٠) من سورة الأنفال . ٢٤٣ سورة البقرة : الآية ٨٧ الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّ خِىٌ فِى الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا﴾ ابتداءٌ وخبر. والخِزْيُ: الهَوان. قال الجوهري(١): وخَزِيَ - بالكسر - يَخْزَى خِزْياً: إذا ذَلَّ وهان. قال ابن السِّكِّيت(٢): وقع في بليَّة. وأخزاه الله ، وخَزِي أيضاً يَخْزَى خِزاية: إذا استحيا، فهو خَزْيان. وقوم خَزَايا، وامرأة خَزْيا. السادسة: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ﴾ ((يُرَدُّون)) بالياء قراءةُ العامَّة، وقرأ الحسن (تردُّون)) بالتاء على الخِطاب(٣) . ﴿إِلَ أَشَدِّ الْعَذَّابِ وَمَا اَللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تقدَّم القولُ فيه(٤)، وكذلك : ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أُشْتَرَوُا﴾ الآية (٥)، فلا معنى للإعادة. و((يومَ)) منصوبٌ بـ«يُرَدُّون)). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَنْتَمَ الْبَّهِنَتِ وَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُمِنُ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَكَ أَنْفُسُكُمْ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ﴾ يعني التوراة. ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أي: أَتْبعنا. والتَّقْفِية: الإتباع والإرداف؛ مأخوذٌ من إتباع القَفَا، وهو مُؤَخَّر العُنق. تقول: استَقْفيتُه: إذا جئتَ من خلفه، ومنه سُمِّيت قافيةُ الشِّعر؛ لأنَّها تتلو سائرَ الكلام. والقافية: القَفا، ومنه الحديث: ((يَعقِدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسٍ أَحدِكم))(٦). والقَفِيُّ والقَفاوة: ما يُدَّخَر من اللَّبن وغيره لمن تُريد إكرامَه. وقفوتُ الرجل: قذفتُه بفجور. وفلانٌ قِفْوَتي، أي: تُهَمَتي، وقِفْوتي، أي: خِيرتي. قال ابن دُرَيد(٧): كأنه من الأضداد. (١) الصحاح (خزا). (٢) تهذيب الألفاظ ٢/ ٥٧٧، ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٥/١، ونسبها ابن خالويه ص٨ للسلمي. (٤) في تفسير الآية (٧٤) من هذه السورة. (٥) ينظر ٣١٨/١. (٦) أخرجه أحمد (٧٣٠٨)، والبخاري (١١٤٢)، ومسلم (٧٧٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٧) جمهرة اللغة ١٥٦/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن فارس في مجمل اللغة ٣/ ٧٦٢. ٢٤٤ سورة البقرة : الآية ٨٧ قال العلماء: وهذه الآيةُ مثلُ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَْزَا﴾ [المؤمنون: ٤٤]. وكلُّ رسولٍ جاء بعد موسى فإنما جاء بإثباتِ التوراة والأمرِ بلزومها إلى عيسى عليه السلام(١). ويقال: رُسُل ورُسْل لغتان، الأُولى لغةُ الحجاز، والثانية لغةُ تميم؛ وسواءٌ كان مُضافاً أو غيرَ مُضاف. وكان أبو عمرو يُخَفِّفُ إذا أضافَ إلى حرفين، ويُثَفِّل إذا أضافَ إلى حرفٍ واحد(٢). قوله تعالى: ﴿وَءَاتَّيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اَلْبَيْنَتِ﴾، أي: الحُججَ والدَّلالات، وهي التي ذكرها الله في ((آل عمران)) و((المائدة))(٣)؛ قاله ابنُ عباس(٤). ﴿وَأَيَّدْنَهُ﴾ أي: قوَّيناه. وقرأ مجاهدٌ وابن مُحَيْصن: ((آيدناه)) بالمد(٥)، وهما لغتان. ﴿بُرُوجِ الْقُدُسِنِ﴾ روى أبو مالك وأبو صالح عن ابن عباس، ومَعْمَرٌ عن قتادة قالا : جبريل عليه السلام(٦). وقال حسان: وجبريلٌ رسولُ الله فينا ورُوحُ القُدْس ليس به خَفاء (٧) قال النحاس: وسُمّيَ جبريلُ رُوحاً وأُضيف إلى القُدس؛ لأنه كان بتكوين الله عزَّ وجلَّ له رُوحاً من غير ولادة والد ولده؛ وكذلك سُمِّي عيسى رُوحاً لهذا(٨). ورَوى غالب بنُ عبد الله عن مجاهد قال: القدس هو الله عزَّ وجل(٩). وكذا قال الحسن: القُدس هو الله، وروحُهُ جبريل(١٠). ورَوى أبو رَوْق عن الضخَّاك عن ابن (١) المحرر الوجيز ١٧٦/١. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٥/١. وانظر السبعة ص ١٩٦، والتيسير ص ٨٥. (٣) آل عمران (٤٩)، والمائدة (١١٠). (٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٢/ ٢٢٠، وذكره الماوردي في النكت والعيون ١٥٦/١. (٥) القراءات الشاذة ص٨، ونسبها ابن جني في المحتسب ١/ ٩٥ لمجاهد عن أبي عمرو، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ١٧٦/١ لابن محيصن والأعرج وحميد. (٦) أخرج قول قتادة عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٥١، ومن طريقه الطبري ٢/ ٢٢٢، وذكره الماوردي ١٥٦/١، والواحدي في الوسيط ١/ ١٧١، وابن عطية ١٧٦/١ وأما قول ابن عباس، فذكره الواحدي ١/ ١٧١. (٧) ديوان حسان ص٧، وفيه: ((أمين)) بدل (رسول)) و((له كفاء)) بدل ((به خفاء)). (٨) انظر النكت والعيون ١٥٦/١. (٩) نسبه السيوطي في الدر المنثور ٨٦/١ لابن أبي حاتم. (١٠) أورده الماوردي في النكت والعيون ١٥٦/١. ٢٤٥ سورة البقرة : الآية ٨٧ عباس: (بِروحِ القُّدُسِ)) قال: هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى الموتى(١)؛ وقاله سعيد بن جبير(٢) وعبيد بن عمير(٣)، وهو اسم الله الأعظم. وقيل: المراد الإنجيل؛ سَمَّاه روحاً كما سمى الله القرآنَ روحاً في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَقْرِنَّا﴾ [الشورى: ٥٢](٤). والأوَّل أظهرُ، والله تعالى أعلم. والقدس: الطهارة. وقد (٥) تقدم(٥). قوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَ أَنْشُكُمْ﴾ أي: بما لا يُوافقها ويُلائمها؛ وحُذفت الهاء لطولِ الاسم، أي: بما لا تهواه(٦). ﴿أَسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عن إجابته احتقاراً للرُّسُل، واستبعاداً للرّسالة. وأصلُ الهوى: المَيْلُ إلى الشيء، ويُجمع: أهواء، كما جاء في التنزيل(٧)، ولا يجمع أَهْوية، على أنهم قد قالوا في نَدّى: أَنْدِية، قال الشاعر: في ليلةٍ من جُمادَى ذاتِ أنْديةٍ لايُبِصر الكلبُ في ظَلْمائها الظُّنُبَا(٨) قال الجوهري(٩): وهو شاذّ. وسُمّيَ الهَوَى هَوّى؛ لأنه يهوِي بصاحبِه إلى النَّار؛ ولذلك لا يُستعملُ في الغالب إلا فيما ليس بحقِّ وفيما لا خيرَ فيه، وهذه الآيةُ من ذلك. وقد يُستعملُ في الحقِّ، ومنه قولُ عمرَ رضي الله عنه في أُسارَى بَدْر: فَهَوِيّ رسولُ اللهِوَل﴿ ما قال أبو بكر ولم يَهْوَ ما قلتُ(١٠). وقالت عائشة للنبيِّ وَلّ في صحيحٍ (١) أخرجه الطبري ٢٢٣/٢، وابن أبي حاتم ٢٦٩/١، وذكره الماوردي ١٥٦/١. (٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٠٠)، وأورده ابن أبي حاتم ١/ ٢٧٠. (٣) الليثي، الجُنْدعي، المكي، الواعظ، المفسّر، ولد في حياة رسول الله وَله، كان من ثقات التابعين وأئمتهم بمكة، توفي سنة (٧٤هـ). السير ١٥٦/٤. (٤) النكت والعيون ١/ ١٥٦. (٥) ٤١٤/١. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٥/١. (٧) كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءُ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٧٧]. (٨) البيت لِمُرَّة بن محكان، وهو في المقتضب ٨١/٣، والخصائص ٥٢/٣، وشرح الحماسة للمرزوقي ١٥٦٣/٤، قوله: الطُّنُبا: هو حبل البيت، كما في شرح الحماسة. (٩) الصحاح (ندى). (١٠) المحرر الوجيز ١٧٧/١، والكلام الذي قبله منه. ٢٤٦ سورة البقرة : الآية ٨٨ الحديث: والله ما أرَى ربَّك إلا يُسارعُ في هواك. أخرجهما مسلم(١). قوله تعالى: ﴿فَغَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ ((ففريقاً)) منصوب بـ«كذَّبتم))، وكذا ﴿وَزَِقًا نَقْتُلُونَ﴾ فكان ممن كذبوه عيسى ومحمدٌ عليهما السلام، وممن قتلوه یحیی وزکريًّا عليهما السَّلام، على ما يأتي بيانُه في ((سبحان)) إن شاء الله تعالى(٢). قولُه تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفُأَ بَل لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ (٨٨) قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني اليهودَ ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌأُ﴾ بسكون اللام، جمعُ أغلَف؛ أي: عليها أغطيةٌ(٣). وهو مثلُ قولِه: ﴿قُلُوبُنَا فِىَّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] أي: في أوْعية. قال مجاهد: ((غُلْفٌ)): عليها غِشاوة(٤). وقال عكرمة: عليها طابع(٥). وحكى أهلُ اللغة: غلَّفتُ السيفَ: جعلتُ له غلافاً، فَقلْبٌ أغلَفُ، أي: مستورٌ عن الفهم والتَّمییز. وقرأ ابنُ عباس والأعرجُ وابنُ مُحَيْصِن: ((غُلُف)) بضمِّ اللام(٦). قال ابنُ عباس: أي: قلوبُنا ممتلئةٌ علماً لا تحتاجُ إلى علم محمدٍ وٍَّ ولا غيره(٧). وقيل: هو جمعُ غِلاف؛ مثلُ خِمار وخُمْر؛ أي: قلوبُنا أوعيةٌ للعلم، فما بالها لاتَفهمُ عنك وقد وَعَينا علماً كثيراً! وقيل: المعنى: فكيف يَعزُبُ عنها علمُ محمد نَّه. فردَّ الله تعالى عليهم بقولهِ : ﴿بَلِ أَمَنَهُمُ اللَّهُ﴾. (١) الأول قطعة من حديث عمر رضي الله عنه عن غزوة بدر برقم (١٧٦٣)، وهو عند أحمد (٢٠٨). والثاني قطعة من حديث عائشة رضي الله عنها برقم (١٤٦٤)، وهو عند أحمد (٢٥٠٢٦)، والبخاري (٤٧٨٨). (٢) عند قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ ... [الآية: ٧]. (٣) في (خ) و(ز) و(ظ): أغطية مما تدعونا إليه . (٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٢٨/٢. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٤. (٦) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨، وأبو علي الفارسي في الحجة للقراء السبعة ١٥٣/٢، ونسباها إلى اللؤلؤي عن أبي عمرو. قال أبو علي: والمعروف عنه التخفيف. ونسبها البغوي في تفسيره ٩٣/١ لابن عباس والأعرج، وزاد نسبتها ابن عطية في المحرر الوجيز ١٧٧/١ للأعمش. (٧) أخرجه الطبري في تفسيره ٢/ ٢٣١. ٢٤٧ سورة البقرة : الآية ٨٨ ثم بيَّن أنَّ السببَ في نفورِهم عن الإيمانِ إنما هو أنهم لُعِنوا بما تقدَّم من كفرِهم واجترامِهم (١)؛ وهذا هو الجزاءُ على الذَّنب بالذَّنْب أعظم (٢) منه. وأصلُ اللَّعن في كلام العرب الطّردُ والإبعادُ. ويقالُ للذئب: لعينٌ، وللرجلِ الطريد: لعينٌ(٣)، وقال الشمّاخ(٤): ذَعَرْتُ(٥) به القَطا ونَفَيْتُ عِنْه مَقامَ الذِّئِ كالرَّجلِ اللّعينِ ووجهُ الكلام: مقام الذئب اللعينِ كالرَّجل. فالمعنى: أبعدهم الله من رحمته. وقيل: من توفيقه وهدايته. وقيل: من كلِّ خیر؛ وهذا عامٌّ. و(قليلاً)) نعتٌ لمصدر محذوف، تقديرهُ: فإيماناً قليلاً ما يؤمنون(٦). وقال مَعْمَر: المعنى: لا يؤمنون إلا بقليلٍ مما في أيديهم، ويكفرون بأكثره (٧)، ويكون ((قليلاً)) منصوب بنزع حرف الصفة(٨). و((ما)) صلة، أي: فقليلاً يؤمنون. وقال الواقدي: معناه لا يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، كما تقول: ما أقلَّ ما يفعلُ كذا، أي: لا يفعلُه البتةَ(٩). وقال الكسائيّ: تقولُ العربُ: مَرَرْنا بأرضٍ قلَّ ما تُنِبتُ الكُرَّاثَ والبصلَ؛ أي: لا تُشْبِتُ شيئاً (١٠). (١) في (د) و(ز) و(م): واجترائهم. (٢) في (م) الجزاء على الذنب بأعظم منه. (٣) مجمل اللغة الفارسي: (لعن) . (٤) هو ابن ضرار بن سنان الذبياني، أدرك الجاهلية والإسلام، والشماخ لقب له واسمه معقل على الصحيح، كان يهجو عشيرته وضيفه، وكان شديد متون الشعر وأرجز الناس على البديهة. الأغاني ١٦٠/٩، والبيت في ديوانه ص٣٢١. (٥) في (خ) و(د) و(ز): دعوت، والمثبت من (ز) و(م)، وهو الموافق لديوانه. (٦) المحرر الوجيز ١٧٧/١. (٧) أخرج الطبري في تفسيره ٢/ ٢٣٢ عن قتادة ﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤمِنُونَ﴾ قال: لا يؤمن منهم إلا قليل. قال معمر: وقال غيره: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم . (٨) يعني حرف الجر، أي: هو منصوب بنزع الخافض، وذكر ابن يعيش في شرح المفصل ٨/ ٧ أن الكوفيين قد يسمُّون حروفَ الجر حروفَ الصفات. (٩) أورده البغوي في تفسيره ١/ ٩٣، والواقدي: هو محمد بن عمر الأسلمي مولاهم، صاحب التصانيف والمغازي، أحد أوعية العلم على ضعفه المتفق عليه، مات سنة (٢٠٧ هـ). السير ٩/ ٤٥٤. (١٠) معاني القرآن للفراء ٥٩/١-٦٠. ٢٤٨ سورة البقرة : الآية ٨٩ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبُ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِذٍّ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اَلْكَفِینَ ٨٩ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني اليهود. ﴿كِنَبٌ﴾ يعني القرآن. ﴿مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ﴾ نعت لكتاب، ويجوزُ في غير القرآن نصبُه على الحال(١)، وكذلك هو في مصحف أُبَيِّ بالنَّصب فيما رُوي(٢). ﴿لِّمَا مَعَهُمْ﴾ يعني التوراةَ والإنجيلَ، يُخبرُهُم بما فيهما. ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أي: يَستَنصِرون. والاستفِتاحُ الاستِنصار. استفتحتُ: استنصرتُ. وفي الحديث: كان النبيُّ ێ يستفتح بصعالیك المهاجرین، أي: يَستنصِرُ بدعائهم وصلاتِهم(٣). ومنه: ﴿فَسَى اَللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: ٥٢]. والنصرُ: فتحُ شيءٍ مغلَق، فهو يرجعُ إلى قولهم: فتحتُ الباب. وروى النَّسائيُّ عن أبي سعيد الخدريّ أنَّ النبي ◌َّرِ قال: ((إنَّما نَصَرَ الله هذه الأمةَ بضعيفها(٤) بدعوتهم وصلاتِهم وإخلاصِهم)» (٥). وروى النسائيُّ أيضاً عن أبي الدَّرداءِ قال: سمعتُ رسولَ اللهَ وَّل يقول: ((ابْغُوني الضعيفَ، فإنكم إنما تُنصَرون وتُرزَقون بضعفائكم)) (٦). قال ابنُ عباس: كانت يهودُ خَيْبِرَ تقاتلُ غَطَفانَ، فكلما(٧) التَّقَوْا، هُزِمتْ يهود، (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٦/١. (٢) المحرر الوجيز ١٧٧/١، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٨ لابن مسعود. (٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٥٧)، والضياء في المختارة (١٥٠٧) من حديث أمية بن عبد الله بن خالد. وأورده الحافظ في الإصابة ٢٠٨/١، وقال: أمية هذا ليس له صحبة ولا رؤية. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٦٢/١٠: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. (٤) في (د): بضعفها، وفي (م): بضعفائها. (٥) لم نجده عند النسائي من حديث أبي سعيد، وهو عنده في المجتبى ٤٥/٦، والكبرى (٤٣٧٢) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وفيه: إنما ينصر الله ... وأخرجه البخاري (٢٨٩٦) بلفظ: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)). (٦) المجتبى ٤٦/٦، والكبرى (٤٣٧٣)، وأخرجه أيضاً أبو داود (٢٥٩٤)، والترمذي (١٧٠٢)، وهو في المسند (٢١٧٣١). (٧) في النسخ و(م): فلما، والمثبت من المصادر. : ٢٤٩ سورة البقرة : الآية ٩٠ فعاذَتْ يهودُ بهذا الدعاءِ، وقالوا: إنَّا نسأُلك بحقِّ النبيِّ الأُمّيِّ الذي وعَدْتَنا أن تُخرجه لنا في آخر الزمان إلا نَصَرْتَنا (١) عليهم. قال: فكانوا إذا التَقَوْا دَعَوْا بهذا الدعاء، فَهَزَمُوا غَطَفَانَ، فلما بُعِثَ النبيُّ وَلِّ كفروا، فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِعُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بك يا محمد، إلى قوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾(٢). قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ﴾ جواب ((لَمَّا)) الفاءُ وما بعدَها في قوله ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ﴾ في قولِ الفرّاء(٣)؛ وجوابُ ((لمَّا)) الثانية: ((كفروا)). وقال الأخفشُ سعيد (٤): جوابُ ((لما)) محذوفٌ لعلم السامع؛ وقاله الزَّجاج(٥). وقال المبرد: جوابُ ((لما)) و((لما)) في قوله: ((كفروا))، وأُعيدَت ((لما)) الثانية لطولِ الكلام. ويفيدُ ذلك تقريراً للذنبٍ(٦)، وتأكيداً له(٧). قوله تعالى: ﴿بِشَمَا أَشْتَرَوْاْ بِهِةٍ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أَنَزَّلَ اَللَّهُ بَغْيًّا أَنْ يُغَزِلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن كَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِةٌ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا أَشْتَرَوَا﴾ ((بئس)) في كلام العرب مستوفيةٌ للَّمّ؛ كما أنَّ (نِعْمَ)) مستوفيةٌ للمدح. وفي كلِّ واحدةٍ منهما أربعُ لغات: بِتْس، بَئْس، بَئِسَ، بِئْسَ، نِعْم نَعْم نَعِم نِعِم. ومذهبُ سيبويه(٨) أنَّ ((ما)) فاعلةُ بئس، ولا تَدخلُ إلا على أسماء الأجناس والنكرات. وكذا نعم، فتقول: نِعْم الرَّجلُ زيدٌ، ونِعْم رجلاً زيدٌ، فإذا كان (١) في (د) و(م): تنصرنا. (٢) أخرجه الحاكم ٢٦٣/٢، وأورده الواحدي في أسباب النزول ص٢٥- ٢٦، وفي الوسيط ١٧٣/١. وفي إسناده عبد الملك بن هارون، قال الذهبي فيه في تلخيص المستدرك: متروك هالك. (٣) معاني القرآن له ٥٩/١، والمحرر الوجيز ١٧٨/١ وعنه نقل المصنف. (٤) معاني القرآن له ٣١٩/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٤٦/١، وعنه نقل المصنف. (٥) معاني القرآن له ١٧١/١، والمحرر الوجيز ١٧٨/١. (٦) في (م): تقرير الذنب . (٧) المحرر الوجيز ١٧٨/١. (٨) ينظر الكتاب ١٧٦/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٢٤٧/١، ومعاني القرآن للزجاج ١٧٢/١، والمحرر الوجيز ١٧٨/١ وعنه نقل المصنف. ٢٥٠ سورة البقرة : الآية ٩٠ معها اسمٌّ بغير ألف ولام؛ فهو نَصبٌ أبداً، فإذا كان فيه ألفٌ ولامٌ؛ فهو رفعٌ أبداً، ونصب رجلاً على التمييز. وفي ((نِعْم)) مضمرٌ على شريطةِ التفسير(١)، وزيدٌ مرفوع على وجهين: على خبر ابتداءٍ محذوف؛ كأنه قيل: من الممدوح؟ قلتَ: هو زيد، والآخرُ على الابتداء، وما قبله خبرُه. وأجاز أبو عليّ أنْ تَلِيَهَا ((ما))، موصولةً وغيرَ موصولة من حيثُ كانت مبهمةً تقعُ على الكثرة، ولا تَخصُّ واحداً بعينه؛ والتقديرُ عندَ سيبويه (٢): بئس الشيءُ اشتروا به أنفسَهم أنْ يكفروا. فـ((أن يكفروا)) في موضعٍ رفعٍ بالابتداء وخبرُه فيما قبلَه، كقولك: بئس الرجلُ زيدٌ، و((ما)) على هذا القول موصولةٌ. وقال الأخفش(٣): ((ما)) في موضع نصبٍ على التمييز، كقولك: بئس رجالاً زيدٌ، فالتقدير: بئس شيئاً أن يكفروا. فـ((اشترَوْا به أنفسهم)) على هذا القول صفةُ ((ما)). وقال الفراء(٤): ((بئسما)) بجملته شيءٌ واحد، رُكّبَ كـ«حبَّذا)). وفي هذا القول اعتراض؛ لأنه يَبقى فعلٌ بلا فاعل. وقال الكسائي(٥): ((ما)) و ((اشترَوا)) بمنزلة اسم واحدٍ قائم بنفسه، والتقدير: بئس اشتراؤُهم أنْ يَكفُروا. وهذا مردودٌ، فإنَّ ((نعم)) و((بئس)) لا يدخلان على اسم معيَّن مُعرَّف، والشراءُ قد تَعرَّفَ بإضافته إلى الضمير. قال النحاس(٦): وأبْينُ هذه الأقوالِ قولُ الأخفش وسيبويه. قال الفراء والكسائي: ((أنْ يَكفروا)) إن شئتَ كانت ((أن)) في موضع خفضٍ رَدًّا على الهاء في ((به)). قال الفراء: أي: اشترَوا أنفسَهم بأنْ يكفروا بما أنزل الله (٧)، فاشترى بمعنى: باع، وبمعنى: ابتاع؛ والمعنى: بئس الشيءُ الذي اختارُوا لأنفسِهم (١) معاني القرآن للزجاج ١/ ١٧٢. (٢) الكتاب ٣/ ١٥٥، والمحرر الوجيز ١٧٨/١ وعنه نقل المصنف. (٣) معاني القرآن له ٣٢٢/١، والمحرر الوجيز ١٧٨/١ وعنه نقل المصنف. (٤) معاني القرآن له ٥٧/١، والمحرر الوجيز ١٧٨/١ وعنه نقل المصنف. (٥) معاني القرآن للفراء ٥٦/١ - ٥٧، والمحرر الوجيز ١٧٨/١ وعنه نقل المصنف. (٦) إعراب القرآن ٢٤٧/١. (٧) معاني القرآن للفراء ٥٦/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٤٧/١ وعنه نقل المصنف. ٢٥١ سورة البقرة : الآية ٩٠ حتى (١) استَبدَلوا الباطلَ بالحق، والكفرَ بالإيمان. قوله تعالى: ﴿بَنْيًّا﴾ معناه: حسداً؛ قاله قتادة والسُّدّي(٢)، وهو مفعول من أجله، وهو على الحقيقة مصدر(٣). الأصمعيُّ: وهو مأخوذٌ من قولهم: قد بَغَى الجرحُ إذا فسد. وقيل: أصلُه الطلبُ، ولذلك سُمِّيت الزانيةُ بَغِيًّا. ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾ في موضع نصب؛ أي: لأنْ ينزِّلَ، أي: لأجل إنزالِ الله الفضلَ على نبيِّه وَّد . وقرأ ابنُ كَثير وأبو عمرو ويعقوبُ وابنُ مُحَيْصِن: ((أن يُنْزِل)) مخفَّفاً، وكذلك سائرُ ما في القرآن، إلا ﴿وَمَا نُنْزِّلُهُ:﴾ [الآية: ٢٦] في ((الحِجر))، وفي ((الأنعام)) ﴿عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ ءَايَةً﴾ (٤) [الآية: ٣٧]. قوله تعالى: ﴿فَبَآءُو﴾ أي: رجعوا، وأكثرُ ما يقال في الشرِّ، وقد تقدَّم(٥). ﴿بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ تقدَّم معنى: غضب الله عليهم(٦)، وهو عقابه؛ فقيل: الغضبُ الأوَّلُ لعبادتهم العجلَ، والثاني لكفرهم بمحمد ◌ٍَّ؛ قاله ابنُ عباس(٧) . وقال عكرمة: لأنَّهم كفروا بعيسى، ثم كفروا بمحمد، يعني اليهود. وروى سعيدٌ عن قتادةً: الأولُ لكفرهم بالإنجيل، والثاني لكفرهم بالقرآن(٨). وقال قوم: المرادُ (١) في (م): حيث . (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٤٨/٢. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٧/١-٢٤٨. (٤) السبعة في القراءات ص ١٦٤، ١٦٥، والكشف عن وجوه القراءات السبع ٢٥٣/١، والتيسير ص ٧٥، والنشر في القراءات العشر ٢١٨/٢، وإتحاف فضلاء البشر ص١٨٧. وقد قرأ ابن كثير وابن محيصن موضع الأنعام بالتخفيف. (٥) ١٥٥/٢. (٦) ٢٣٠/١-٢٣١. (٧) أخرجه الطبري في تفسيره ٢/ ٢٥١، وفيه: أن الغضب الأول غضبُه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة، وهي معهم. (٨) تفسير الطبري ٢/ ٢٥٢. ٢٥٢ سورة البقرة : الآية ٩١ التأبيدُ (١) وشدّةُ الحال عليهم، لا أنه أراد غضبَيْن مُعَلَّلين بقصَّتَين(٢). و﴿مَهِينٌ﴾ مأخوذ من الهوان، وهو ما اقتضى الخلود في النار دائماً بخلاف خلودِ العصاةِ من المسلمين، فإنَّ ذلك تمحيصٌ لهم وتطهير، كرجم الزاني وقطع السارق(٣)، على ما يأتي بيانه في سورة النساء من حديث أبي سعيد الخدريِّ، إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمّ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِنِينَ ﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ﴾ أي: صدِّقوا ﴿بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ يعني القرآن ﴿ قَالُواْ تُؤْمِنُ﴾ أي: نُصدِّقُ ﴿بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعني التوراة. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾ أي: بما سواه، عن الفرّاء(٤) . وقتادة(٥): بما بعدَه؛ وهو قولُ أبي عُبيدة (٦)، والمعنى واحد. قال الجوهري: وراء بمعنى خَلْف، وقد تكونُ بمعنى قُدَّام. وهي من الأضداد؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] أي: أمامَهم؛ وتصغيرُها: وُرَيِّئَة - بالهاء - وهي شاذّة. وانتَصبَ ((وراءه)) على الظرف. قال الأخفش: يقال: لَقِيتُه من وراءُ، فترفعُه على الغاية إذا كان غيرَ مضاف؛ تجعلُه اسماً، وهو غيرُ متمكِّن؛ كقولك: مِن قبلُ ومِن بعدُ، وأنشد: لقـاؤُكَ إلا من وراءُ وراءُ(٧) إذا أنا لم أُومَنْ عليكَ ولم يكنْ (١) في (د) و(م): التأييد، وفي المحرر الوجيز ١٧٩/١ (والكلام منه): التأكيد. (٢) في (ظ): بغضبين، وفي (د) و(ز) و(م): بمعصيتين، والمثبت من (خ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ١٧٩/١. (٣) في (م): وقطع يد السارق . (٤) معاني القرآن ١/ ٦٠. (٥) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٢٥٥. (٦) مجاز القرآن ١/ ٤٧. (٧) البيت لعُتّيّ بن مالك العقيلي، وهو في معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٢٠، والكامل ١/ ٨٥، وشرح المفصل لابن یعیش ٨٧/٤، وخزانة الأدب ٥٠٤/٦، واللسان (وری) . ٢٥٣ سورة البقرة : الآية ٩١ قلت: ومنه قولُ إبراهيمَ عليه السلام في حديثِ الشفاعة: ((إنما كنتُ خليلاً مِن وراءَ وراءَ)) (١). والوراءُ: ولدُ الولد أيضاً(٢). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ ابتداء وخبر. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال مؤكِّدة عندَ سيبويه(٣). ﴿وَلِمَا مَعَهُمْ﴾ ((ما)» في موضع خفض باللام، و((معهم)) صلتُها، و((معهم)» نُصب بالاستقرار، ومن أسكنّ جعلَه حرفاً(٤). قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْئُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ رَدٌّ من الله تعالى عليهم في قولهم: إنهم آمنوا بما أُنزلَ عليهم، وتكذيبٌ منه لهم وتوبيخ؛ المعنى: فكيف قتَلتُم وقد نُهيتم عن ذلك! فالخطابُ لمن حضرَ محمداً وَّهِ، والمرادُ أسلافُهم. وإنما تَوَجَّه الخطابُ لأبنائهم؛ لأنهم كانوا يَتَولَّوْن أولئك الذين قَتَلُوا، كما قال: ﴿وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاةَ﴾ [المائدة: ٨١]، فإذا تَوَلَّوْهم فهم بمنزلتهم. وقيل: لأنهم رَضُوا فعلَهم، فنُسب ذلك إليهم. وجاء ((تَقتلون)) بلفظ الاستقبال، وهو بمعنى المُضيّ لَمَّا ارتفع الإشكالُ بقوله: (مِنْ قَبْلُ)). وإذا لم يُشكِل، فجائز أنْ يأتيَ الماضي بمعنى المستقبل، والمستقبلُ بمعنى الماضي، قال الحُطَيئة (٥): شَهِد الحُطَيْئَةُ يومَ يلقَى رَبَّه أنَّ الوليدَ أحقُّ بالعذرِ شهد بمعنی : یشهد. ﴿إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كنتم معتقدين الإيمانَ، فلِمَ رضِيتُم بقتل الأنبياء؟! وقيل: ((إنْ)) بمعنى ((ما))، وأصل ((لِم)): (لِما))، حُذفت الألفُ فرقاً بين (١) أخرجه مسلم (١٩٥). قوله وراء وراء؛ قال ابن الأثير في النهاية: هكذا يُروى مبنياً على الفتح، أي: من خلف حجاب . (٢) الصحاح: (ورى). (٣) الكتاب ٢/ ٨٧. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٨/١. (٥) ديوانه ص٢٣٣، والكلام من المحرر الوجيز ١٧٩/١. ٢٥٤ سورة البقرة : الآيتان ٩٢، ٩٣ الاستفهام والخبر؛ ولا ينبغي أن يوقفَ عليه؛ لأنه إن وُقف عليه بلا هاء، كان لحناً، وإن وُقف عليه بالهاء، زِيدَ في السواد(١). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ تُوسَى بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ اَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ تُمُوسَى بِلْبَيِّنَتِ﴾ اللام لامُ القَسَم، والبيناتُ: قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا مُوسَى نِسْعَ مَيَتٍ بَيْنَتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وهي: العصا، والسِّنون، واليد، والدّم، والظُوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، وفَلْق البحر. وقيل: البَيِّنَاتُ التَّوراةُ، وما فيها من الدِّلالات. قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ توبيخ، و(ثُمّ)) أبلغُ من الواو في التقريع، أي: بعدَ النظر في الآيات والإتيانِ بها اتخذتم. وهذا يدلُّ على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مُهلة من النظر في الآيات؛ وذلك أعظمُ لجرمهم (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الُْطُوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْمِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِتَمَا يَأْمُرُكُم بِيِةٍ إِيمَئُكُمْ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَّكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْتُوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ﴾ تقدَّم الكلام في هذا(٣). ومعنى ((اسمعوا)) أطيعوا، وليس معناه الأمرَ بإدراك القول فقط، وإنما المرادُ: (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٨/١، وفيه وفي (ظ): الشواذ، بدل: السواد، والمقصود: سواد المصحف. وتعقب السمين الحلبي في الدر المصون ٥١٧/١ هذا الكلام، وقال: لکن الزّي قد وقف بالهاء، ومثل ذلك لا يعدّ مخالفة للسواد، ألا ترى إلى إثباتهم بعض ياءات الزوائد؟ وقال أبو حيان في البحر ٣٠٧/١: ويقف البَزّي بالهاء، فيقول: فَلِمَهْ، وغيره يقف: فَلِمْ، بغير هاء، ولا يجوز هذا الوقف إلا للاختبار، أو لانقطاع النَّفَس. قلنا: والبزّي: هو أحمد بن محمد أبو الحسن المؤذن المكي، راوي ابن كثير من السبعة. (٢) المحرر الوجيز ١٨٠/١. (٣) ١٦٣/٢. ٢٥٥ سورة البقرة : الآية ٩٣ اعملوا بما سمعتُم والتَزِموه، ومنه قولُهم: سمع الله لمن حمده، أي: قَبِلَ وأجاب. قال(١): دعوتُ الله حتى خِفتُ ألَّا يكونَ الله يَسمَعُ ما أقولُ أي: يقبل، وقال الراجز(٢): خيرٌ وأَغْفَى لبني تميم والسمعُ والطاعةُ والتسليمُ ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ اختُلف هل صدَر منهم هذا اللفظُ حقيقةً باللسان نُطْقاً، أو يكونوا فعلوا فعلاً قامَ مقامَ القول، فيكون مجازاً، كما قال: مهلاً رُوَيْداً قد ملأتَ بَظْنِي(٣) امتلأ الحَوْضُ وقال قَطْنِي وهذا احتجاجٌ عليهم في قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾. قولُه تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْمِجْلَ﴾ أي: حُبَّ العجل. والمعنى: جُعلت قلوبُهم تَشْرَبُه، وهذا تشبيهٌ ومجازٌ عبارةٌ عن تمكّن أمرِ العجلِ في قلوبهم (٤). وفي الحديث: ((تُعْرَضُ الفِتَنُ على القلوب كالحصير عُوداً عُوداً، فأيّما(٥) قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ سوداء)) الحديث، خرجه مسلم(٦). يقال: أُشرِبَ قلبُه حبَّ كذا، قال زهير: والحبُّ يُشرَبُه فؤادُك داءُ(٧) فصَحَوْتُ عنها بعدَ حُبِّ داخلٍ (١) هو شُمَير بن الحارث الضبي، والبيت في نوادر أبي زيد ص ١٢٤، وتفسير الطبري ٥١٦/٥، والزاهر للأنباري ٦٠/١، والفائق ١٩٧/٢، واللسان: (سمع)، واللباب ١٩١/٢، وخزانة الأدب ١٨٠/٥. (٢) هو جبير بن الضحاك، والرجز في تفسير الطبري ٢٦٣/٢، وتاريخه ٢٩٩/٥، والنكت والعيون ١٦٠/١، واللباب ٢٩١/١. (٣) البيت في الصحاح (قط)، وتهذيب اللغة ٢٦٤/٨، والنكت والعيون ١/ ١٦٠، والمحرر الوجيز ١٨٠/١، واللسان: (قطط) ولفظه في تهذيب اللغة: مَلْأَ رُويداً، وفي اللسان: سلا رويداً. (٤) المحرر الوجيز ١٨٠/١. (٥) في (م): فأي. (٦) برقم (١٤٤) من حديث حذيفة رضي الله عنه، وهو في المسند برقم (٢٣٢٨٠). (٧) ديوانه ص٣٣٩، وفيه: تُشْرِبُه فؤادَك، أي: تُدخله وتُلزمه، فيما نقل ثعلب في شرحه عن أبي عمرو وأبي نصر، وينظر تفسير الطبري ٢٦٥/٢، والنكت والعيون ١٦٠/١. ٢٥٦ سورة البقرة : الآية ٩٣ وإنما عبَّر عن حُبّ العجل بالشُّربِ دونَ الأكلِ؛ لأنَّ شربَ الماءِ يتغلغلُ في الأعضاء حتى يصلَ إلى باطنها، والطعامُ مجاورٌ لها غيرُ مُتغلغل فيها. وقد زاد على هذا المعنى أحدُ التابعين، فقال في زوجته عَثْمَة، كان عَتَب عليها في بعض الأمر، فطلّقها، وكان مُحِبًّا لها(١): فباديه مع الخافي يسيرُ تغلغلَ حُبُّ عَثْمَةَ في فؤادي ولا حُزنٌ ولم يبلغْ سرورُ تغلغل حيثُ لم يبلغْ شرابٌ أطيرُ لَوَ أَنَّ إنساناً يطيرُ أكادُ إذا ذَكَرْتُ العهدَ منها وقال السُّدِّي وابنُ جُريج: إنَّ موسى عليه السلام بَرَدَ العجلَ وذَرَّاه في الماء، وقال لبني إسرائيل: اشرَبوا من ذلك الماء؛ فشرِب جميعُهم، فمن كان يحبُّ العجلَ، خرجت بُرادةُ الذهبِ على شَفَتَيْهِ (٢). ورُوِيَ أنه ما شرِبِه أحدٌ إلا جَبُنَ(٣)، حكاه القُشيري. قلت: أمَّا تَذْرِيَتُه في البحر، فقد دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَفسِفَنَّهُ فِ الْيَدْ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧]، وأمّا شُرْبُ الماء وظهورُ البُرادة على الشِّفاه، فيردُّه قولُه تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾. والله تعالى أعلم. قولُه تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِةٍ إِيمَانُكُمْ﴾ أي: إيمانُكم الذي (٤) زعمتُم في قولِكم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ وقيل: إنَّ هذا الكلامَ خطابٌ للنبيِّ وَّةِ، أُمِر أنْ يوبِّخهم، أي: قل لهم يا محمد: بئس هذه الأشياءُ التي فعلتُم وأمرَكم بها إيمانُكم(٥). وقد مضى الكلامُ في ((بئسما))(٦) والحمد لله وحده. (١) قائل هذه الأبيات عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وهي في الأغاني ٩/ ١٥١، ومجالس ثعلب ٢٣٦/١، والمحتسب ١٤٤/٢، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٣٥٤/٣. (٢) أورده عنهما الماوردي في النكت والعيون ١/ ١٦٠ وأخرجه الطبري ٢/ ٢٦٤ من قول السدي. (٣) في (خ) و(ز) و(م): مُن، وفي (د): جدب، والمثبت من (ظ)، وأخرج الخبر بنحوه الطبري في تفسيره ٢٦٤/٢-٢٦٥ من قول ابن جريج، وانظر المحرر الوجيز ١٨٠/١. (٤) في (د) و(ز) و(ظ): الذين. (٥) المحرر الوجيز ١٨٠/١. (٦) ٢٤٩/٢. ٢٥٧ سورة البقرة : الآيتان ٩٤، ٩٥ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ النَّاسِ فَتَمَنَّوَأْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ٩٥ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالَّلِينَ لما ادَّعتِ اليهودُ دعاوَى باطلةً حكاها الله عزّ وجل عنهم في كتابه؛ کقوله تعالى: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةٌ﴾ [البقرة: ٨٠]، وقوله: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١]، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَوُاْ اللَّهِ وَأَحِبَّكُمُ﴾ [المائدة: ١٨] أكذبَهم الله عزَّ وجلَّ، وألزمَهم الحجةَ، فقال: قل يا محمد(١): ﴿إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ يعني الجنةَ ﴿فَتَمَنَّوْا أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ في أقوالكم؛ لأنَّ من اعتقدَ أنه من أهل الجنة، كان الموتُ أحبَّ إليه من الحياة في الدنيا، لِما يصيرُ إليه من نعيم الجنة، ويزولُ عنه من أذَى الدنيا (٢)، فأحْجَمُوا عن تمنِّي ذلك فَرَقاً من الله لقُبح أعمالِهم، ومعرفتِهم بكفرهم في قولهم: ﴿فَحْنُ أَبْكَوْ اَللَّهِ وَأَحِبٌُّ﴾ وحرصهم على الدنيا(٣). ولهذا قال تعالى مُخبراً عنهم بقوله الحقِّ: ﴿وَلَّنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ تحقيقاً لكذِبهم. وأيضاً؛ لو تَمَنَّوًا الموتَ، لماتوا، كما رُوِيَ عن النبيِّ وَّل أنه قال: ((لو أنَّ اليهودَ تَمَنَّوا الموتَ، لماتوا، ورأَوْا مقاعدَهم(٤) من النار))(٥). وقيل: إنَّ الله صرَفَهم عن إظهار التمنّي، وقصرَهم على الإمساك؛ ليجعلَ ذلك آيَةً لْبِّهِ(٦). فهذه ثلاثةُ أوجُهٍ في تركهم التمنّي. وحَكی عكرمةُ عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿فَتَمَنَّوْاْ أَلْمَوْتَ﴾ أنَّ المراد: ادعُوا بالموت على أكذبِ الفريقين منَّا ومنكم(٧)؛ فما دَعَوْا لعلمهم بكذبهم. (١) في (م): قل لهم يا محمد . (٢) النكت والعيون ١٦١/١. (٣) المحرر الوجيز ١٨١/١. (٤) في (د) و(م): مقامهم. (٥) هو جزء من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه أحمد (٢٢٢٥). (٦) النكت والعيون ١٦١/١ -١٦٢. (٧) أخرجه الطبري ٢٦٩/٢. ٢٥٨ سورة البقرة : الآية ٩٦ فإن قيل: فالتّمنِّ يكونُ باللسان تارةً، وبالقلب أخرى؛ فمن أين عُلم أنهم لم يتمنَّوه بقلوبهم؟ قيل له: نَطَقَ القرآنُ بذلك في قوله(١): ﴿وَلَنْ يَتَمَثَّوْهُ﴾ ولو تمنَّوْه بقلوبهم، لأظهروه بألسنتهم ردًّا على النبيِّ وَِّ، وإبطالاً لحجتِه، وهذا بيِّن. قوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ﴾ نصبٌ على خبر ((كان))، وإن شئتَ كان حالاً ، ويكونُ ((عند الله)) في موضع الخبر. ﴿أَبَدًا﴾ ظرفُ زمان يقعُ على القليل والكثير؛ كالحين والوقت، وهو هنا من أوَّلِ العمر إلى الموت. و((ما)) في قوله ((بما)) بمعنى الذي، والعائدُ محذوف؛ والتقدير: قدَّمَتْه، وتكون مصدرية، ولا تحتاجُ إلى عائد. و((أيديهم)) في موضِع رفع، حُذفت الضمةُ من الياء لثقلِها مع الكسرة؛ وإن كانت في موضعِ نصبٍ حَرَّكْتَها ؛ لأنَّ النصبَ خفيف، ويجوزُ إِسكانُها في الشِّعر. ﴿وَاللَّهُ عَلِيُمْ بِالظَّلِينَ﴾ ابتداء وخبر(٢). قوله تعالى: ﴿وَلَنَجِدَّهُمْ أَخْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوْمٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَتَّرُ أَلْفَ سَنَّةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرُّ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾﴾ قولُه تعالى: ﴿وَلَنَجِدَتَّهُمْ أَخْصََ النَّاسِ عَلَى حَيَوْمٍ﴾ يعني اليهودَ. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ قيل: المعنى: وأحرص - فحذف - من الَّذينَ أَشْركُوا؛ لمعرفتهم بذنوبهم، وألَّا خيرَ لهم عندَ الله ، ومشركو العربِ لا يَعرفون إلا هذه الحياةَ، ولا علمَ لهم من الآخرة؛ ألا ترى قولَ شاعرِهم(٣): تَمَثَّعْ من الدُّنيا فإنَّك فانٍ من النَّشَواتِ والنِّساء الحسانِ والضمير في ((أَحَدُهُمْ)) يعودُ في هذا القول على اليهود. وقيل: إنَّ الكلامَ تَّ في ((حياة)) ثم استُؤنِفَ الإخبارُ عن طائفة من المشركين؛ قيل: هم المجوس (٤)؛ وذلك بيِّن في أدعياتهم للعاطس بلغاتهم ما(٥) معناه: ((عِشْ ألفَ سنة)). (١) في (د) و(م): بقوله. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٩/١. (٣) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص ٨٧. (٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٢/ ٢٧٧ من قول أبي العالية والربيع . (٥) في (م): بما. ۔۔۔ ٢٥٩ سورة البقرة : الآية ٩٦ وخُصَّ الأَلْفُ بالذِّكر؛ لأنها نهايةُ العقد في الحساب(١). وذهب الحسن إلى أنَّ ((الذين أشركوا)) مشركو العرب، خُصُّوا بذلك لأنهم لا يؤمنون بالبعث؛ فهم يتمَنَّوْن طولَ العمر(٢). وأصلُ سنة: سَنْهَة، وقيل: سَنْوَةَ(٣). وقيل: في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، والمعنى: ولتجِدنَّهم وطائفةً من الذين أشركوا أحرصَ الناسِ على حياة. قولُه تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُمَتَّرُ أَلْفَ سَنَّةٍ﴾ أصل ((يَوَدُّ) يَوْدَدُ، أُدغمت لئلًّا يُجمع بين حرفين من جنسٍ واحدٍ متحرِّكين؛ وقُلبت حركة الدّال على الواو؛ ليَدُلَّ ذلك على أنَّه يَفعَل. وحكى الكسائي: وَدَدْت(٤)؛ فيجوزُ على هذا: يَوِدُّ بكسر الواو. ومعنى يَوَدُّ: يتمنَّى(٥). قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرُّ﴾ اختلف النحاةُ في ((هو))، فقيل: ((هو)) ضمير الأحد المتقدِّم، التقدير: ما أحدُهم بمزحزحه، وخبرُ الابتداء في المجرور. ((أن يُعَمَّر)) فاعلٌ بمزحِزح. وقالت فرقة: ((هو)) ضميرُ التعمير، والتقدير: وما التعميرُ بمزحزحه، والخبر في المجرور، ((أن يعمر)) بدلٌ من التعمير على هذا القول. وحكى الطبريُّ عن فرقة أنها قالت: ((هو)) عماد (٦). قلت: وفيه بُعْدٌ، فإنَّ حقَّ العماد أن يكونَ بين شيئين متلازِمين، مثلُ قوله: ﴿إِن (١) المحرر الوجيز ١٨٢/١. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٢/ ٢٧٧ بنحوه من قول ابن عباس . (٣) قال الجوهري في الصحاح: في نقصانها قولان: أحدهما الواو، وأصلها: سَنْوَة، والآخر الهاء، وأصلها: سَنْهَة، مثل: جَبْهَة. (٤) بفتح الدال، كما في إعراب القرآن للنحاس ٢٥٠/١، والكلام منه. (٥) نقل ابن منظور في اللسان (ودد) عن الفراء قوله: أختارُ لنفسي في معنى التمني: وَدِدْت. قال: وسمعت وَدَدْت، بالفتح، وهي قليلة، قال: وسواء قلت: وَدِذْت أو: وَدَدْت، المستقبلُ منهما: أوَدُّ، ويَوَدُّ، وتَوَدُّ، لاغير. (٦) تفسير الطبري ٢٧٩/٢-٢٨٠، ونقله عنه المصنف بواسطة المحرر الوجيز ١٨٢/١، ومعنى: عماد، أي: ضمیر فصل. ٢٦٠ سورة البقرة : الآية ٩٦ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقوله: ﴿وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الَِّينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] ونحو ذلك. وقيل: ((ما)) عاملة حجازية، و((هو)) اسمها، والخبر في ((بِمُزَحْزِحِهِ)). وقالت طائفة: ((هو)) ضميرُ الأمر والشأن. ابن عطية (١): وفيه بُعْدٌ، فإنَّ المحفوظَ عن النحاة أن يُفسّرَ بجملةٍ سالمة من حرف جرّ. وقولُه: ﴿بِمُزَحْزِجِهِ.﴾ الزحزحة: الإبعادُ والتَّنحية؛ يقال: زَحزحتُه أي: باعدتُه فَتَزحزَح، أي: تنخَّى وتباعدَ؛ يكون لازماً ومتعدِّياً، قال الشاعر في المتعدّي: وغافرَ الذنبِ زَحْزِخْنِي عن النَّارِ(٢) یاقابض الرُّوحِ من نفسٍ إذا احتُضِرَتْ وأنشدَه ذو الرُّمّة: يا قابضَ الرُّوح عن جسم عَصَى زَمَنًا وغافِرَ الذنبِ زَحْزِخني عن النَّارِ (٣) وقال آخر في اللازم: خليليَّ ما بالُ الدُّجَّى لا تَزَحْزَحُ (٤). وما بالُ ضَوْءِ الصُبحِ لا يَتَوَضَّحُ(٥) ورَوى النسائيُّ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((مَنْ صام يوماً في سبيلِ الله، زَحْزَحَ الله وجهه عن النار سبعين خريفاً))(٦). وقوله(٧): ﴿وَلَهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بما يعملُ هؤلاء الذين يَوَدُّ أحدُهم أنْ يُعَمَّرَ ألفَ سنة. (١) المحرر الوجيز ١٨٢/١. (٢) البيت لذي الرُّمَّة، كما في الشعر والشعراء ٥٢٥/١، وفيه: يا قابض الروح من نفسي ... وأورده الأصفهاني في الأغاني ٤٦/١٨ بلفظ : یا مخرج الروح من جسميإذا احتُضرت وفارجَ الکرب زَخْزِخني عن النار وانظر ملحق ديوانه ١٨٧٥/٣. (٣) الصحاح (زحح)، وانظر التعليق قبله. (٤) في النسخ: يتزحزح، والتصويب من المصادر. (٥) البيت لبشار بن برد، وهو في ديوانه ٤٦٢/١. وجاء في الأمالي ٩٩/١: وما لعمود الصبح. (٦) المجتبى ١٧٢/٤. وهو في المسند (٧٩٩٠). (٧) في (م): قوله تعالى.